الجزار [3]
الفصل 477: الجزار [3]
قبضت على وجهي وأجبرت شفتيّ على الانغلاق، لكن الضحكة ظلّت تشق طريقها خارج فمي بينما ارتجفت كتفاي. عضضت شفتيّ وبدأت أتجه نحو الباب، بينما مددت يدي اليمنى إلى جانبي، ليستقر ثقلٌ مألوف في راحتي.
كرررررر—!
أي نوعٍ من الناس يتعمّد تحويل نفسه إلى خنزير لكي تأتيه شذوذات وتطارده؟
مع الانطلاق النهائي لفرّامة اللحم، بدأت الأرجاء بالتشوّه. أخذ المكتب يومض ويختفي عن الأنظار، متناوبًا مع مشهد مختلف كليًا. مشهدٍ لا يزال ضبابيًّا أكثر من أن أتبينه بالكامل.
ازداد صوت التقطيع ارتفاعًا، بينما كانت عيناي تتعقبان الجثث المتأرجحة يمينًا ويسارًا. ازداد اندفاعها، ومع استمرار تأرجحها، لاحظت أنّ السائل الداكن المتقطر منها بدأ يتجمع تحت قدميّ.
لكن التغيّرات لم تكن بصرية فحسب.
شددت قبضتي على السكين، وأنا أراقب برك الدم المنتشرة وهي تندمج معًا، مكوّنة أشكالًا أكبر ما لبثت أن وصلت إلى أطراف حذائيّ. وعندما خفضت بصري نحو السطح الداكن، كانت رأس خنزير تحدّق إليّ من الأسفل.
سرعان ما بدأت الرائحة النفّاذة للحديد تملأ أنفي.
◁ [البهلوان]
ازدادت كثافةً مع دفء المكان، متشبثةً بمؤخرة حلقي. أمّا الطنين تحت قدميّ فقد تعمّق ليتحوّل إلى هديرٍ آليٍّ متواصل، يهتز عبر عظامي.
واصلت الجثث تأرجحها، والدم يرتطم بالجدران البيضاء قبل أن ينزلق مجددًا، ناشرًا بركًا متزايدة أخذت تزحف ببطء عبر الأرضية.
وحين اختفى المكتب مجددًا، لم يعد هذه المرة.
‘لا أستطيع الشعور بأي شيء هنا.’
خطّافات فولاذية كانت تتأرجح من السقف، تُحيط بي من كل اتجاه.
غطّيت فمي محاولًا خفض زاوية شفتيّ، لكن كلما فكرت في الموقف أكثر، ازدادت شفتاي عصيانًا.
كانت الأرضية زلقة، تعكس الأضواء الفلورية القاسية بخطوطٍ حمراء مرتجفة. وفي مكانٍ قريب، دوّى صوتٌ خافت لشيءٍ يُسحب على الأرض. وعندما التفتّ نحو مصدر الصوت، لم أظفر سوى بلمحةٍ من ظلٍّ متلاشٍ.
“…أين أنت؟”
“…يبدو هذا كمسلخ.”
…العيون الكثيرة التي كانت تحدّق نحوي.
ولم يطل انتظاري حتى تأكدت.
لم أكن بحاجة للنظر لأعرف ما هو.
[العملية: دعوة المضيف]
لم تكن هناك حاجة للتردد وأنا أمرّر الخيارات وأختار مباشرةً.
الدرجة: القاتم
: يستأنف مسلخٌ ناءٍ نشاطه بعد توقّفٍ طويل، رغم عدم وجود أي عمّال فيه. تصل الشاحنات في مواعيدها، وتُفتح البوابات من تلقاء نفسها، وتُعالج الحيوانات دون أي تدخّل بشري. لكن في الآونة الأخيرة، لم تعد الأعمال تسير على ما يُرام. هناك شيءٌ ما بشأن الحيوانات… ليس طبيعيًا تمامًا.
كان الصمت يصمّ الآذان، وبعد أن تفحصت محيطي، هززت رأسي أخيرًا.
“ها هو.”
“هه… هه.”
إشعار السيناريو.
وللحظةٍ وجيزة، توقفت الأرجاء بأكملها تمامًا.
وعندما قرأت الإشعار، اتسعت عيناي قليلًا.
وأنا ممسك بالسكين، نظرت حولي.
‘لم تعد الدرجة مخفية كما كانت دائمًا في الماضي. هل هذا لأنّ هذه لم تعد النسخة التجريبية؟ هذا مثير للاهتمام… تُرى، هل ستظهر تغيّرات أخرى مستقبلًا؟’
سرعان ما بدأت الرائحة النفّاذة للحديد تملأ أنفي.
أخذت أتأمل الوضع بعناية بينما أحدّق في الإشعار.
ثقيلةً لدرجة يمكن تذوقها.
‘درجة القاتم، هذا يتوافق مع ما توقّعته. يمكنني التعامل معها.’
“…..”
كان ظهور فرّامة اللحم وحده كافيًا لأدرك أنّ الأمر مرتبط بالنظام. وبما أنّ النظام لن يدفعني لفعل المستحيل، فقد علمت أنّ هذا شيء يمكنني اجتيازه.
وأنا أحدّق في كل ذلك، رفعت يدي وهويت بها قاطعًا.
لم أوافق على الدخول بتهوّر لمجرّد مطاردة شذوذ.
بل أخرجت قناعًا أبيض.
‘لكن بالنظر إلى هذا المكان… فهو شاسع حقًا.’
قبضت على وجهي وأجبرت شفتيّ على الانغلاق، لكن الضحكة ظلّت تشق طريقها خارج فمي بينما ارتجفت كتفاي. عضضت شفتيّ وبدأت أتجه نحو الباب، بينما مددت يدي اليمنى إلى جانبي، ليستقر ثقلٌ مألوف في راحتي.
كانت المنطقة مترامية، تتدلّى السلاسل في كل اتجاه، متأرجحةً بخفةٍ وكأنّ أحدًا حرّكها قبل لحظات. ورائحة الدم كانت تخنق الهواء، كثيفةً لدرجة يمكن تذوقها، بينما كانت الظلال تومض على الجدران والأرضية. وعلى طرفي الغرفة، وقفت أبواب بيضاء، كلٌّ منها مواربٌ بتراخٍ، وكأنها تدعوني للتقدّم.
: يستأنف مسلخٌ ناءٍ نشاطه بعد توقّفٍ طويل، رغم عدم وجود أي عمّال فيه. تصل الشاحنات في مواعيدها، وتُفتح البوابات من تلقاء نفسها، وتُعالج الحيوانات دون أي تدخّل بشري. لكن في الآونة الأخيرة، لم تعد الأعمال تسير على ما يُرام. هناك شيءٌ ما بشأن الحيوانات… ليس طبيعيًا تمامًا.
وأثناء تحديقي في الجانبين، لم أندفع نحو الأبواب.
كانت هناك شتّى أنواع الجثث، وبينما أمسكت السكين، سرت بهدوء عبر المكان.
بل أخرجت قناعًا أبيض.
لم تعد هوية يمكنني استخدامها بعد الآن.
“…..”
ولم يطل انتظاري حتى تأكدت.
ظللت أحدّق فيه بصمت، بينما تعالت في صدري مشاعر متضاربة. لم يكن القناع يملك أي قوى خاصة. ومع ذلك، لم يكن هناك شك بأنه أخطر غرض أملكه.
ما إن اخترت الخيار حتى بدأ القناع يتشكّل وفق الهيئة المحددة. وحين لمست وجهي، شعرت بكل التجاعيد غير الطبيعية الممتدة عليه، إلى جانب فراء الأذنين.
“سيقتلونني فورًا إن حوّلت نفسي إلى المهرج.”
.
تلك الهوية…
“سيقتلونني فورًا إن حوّلت نفسي إلى المهرج.”
لم تعد هوية يمكنني استخدامها بعد الآن.
ارتجف صدري مجددًا بينما تكيف عقلي مع التغيّرات، محاولًا بأقصى ما يستطيع ألّا ينهار تحت وطأة الأحاسيس.
على الأقل… ليس الآن.
لكنني كنت أعرف مسبقًا ما أريده.
في هذه اللحظة… كنت بحاجة إلى هوية مختلفة تمامًا. وما إن وضعت القناع حتى ظهرت أمامي سلسلة من الخيارات المختلفة.
وحين اختفى المكتب مجددًا، لم يعد هذه المرة.
لكنني كنت أعرف مسبقًا ما أريده.
كان ظهور فرّامة اللحم وحده كافيًا لأدرك أنّ الأمر مرتبط بالنظام. وبما أنّ النظام لن يدفعني لفعل المستحيل، فقد علمت أنّ هذا شيء يمكنني اجتيازه.
لم تكن هناك حاجة للتردد وأنا أمرّر الخيارات وأختار مباشرةً.
وأنا أحدّق في كل ذلك، رفعت يدي وهويت بها قاطعًا.
◁ [المهرّج]
*
◁ [البهلوان]
وعلى جانبي الغرفة، التي كانت أكبر من سابقتها، تدلّت الجثث في صفوفٍ صامتة، تتأرجح أجسادها المنتفخة بخفةٍ بالغة. كانت السوائل الحمراء الكثيفة تنساب من اللحم الممزق وتتجمع على الأرض قبل أن تزحف نحو المصرف في أقصى القاعة.
◁ [الجمجمة]
.
.
منتظرًا.
.
.
.
“سيقتلونني فورًا إن حوّلت نفسي إلى المهرج.”
◀ [الخنزير]
تلك الهوية…
حدث التحوّل على الفور.
استمرت الأعداد بالازدياد، وكل يدٍ كانت تقبض بإحكامٍ أكبر، زاحفةً أعلى ساقيّ وهي تحاول سحبي إلى الأسفل.
ما إن اخترت الخيار حتى بدأ القناع يتشكّل وفق الهيئة المحددة. وحين لمست وجهي، شعرت بكل التجاعيد غير الطبيعية الممتدة عليه، إلى جانب فراء الأذنين.
لم تكن هناك حاجة للتردد وأنا أمرّر الخيارات وأختار مباشرةً.
‘إنها هيئة مناسبة، بالنظر إلى هذا المكان.’
لم أكن واثقًا مما يحدث، لكن منذ عودتي إلى ‘جسدي’، لم يعد هناك شيء طبيعي في عقلي. ظننت أنّ شظايا التجلي ستصلحني، لكن حتى الآن، كان هناك شيء مختلف جذريًا مقارنةً بالسابق.
“…آه، هذا سيئ.”
“…..”
غطّيت فمي محاولًا خفض زاوية شفتيّ، لكن كلما فكرت في الموقف أكثر، ازدادت شفتاي عصيانًا.
لم أوافق على الدخول بتهوّر لمجرّد مطاردة شذوذ.
لكن لا يمكنني فعل شيء حيال ذلك.
احتكت السلاسل ببعضها، مترددةً بأصوات رنينها البطيء بينما امتدت الظلال بصورة غير طبيعية عبر جدران المسلخ البيضاء. أمّا رائحة الحديد التي كانت تطبق على المكان، فقد أصبحت خانقة.
أي نوعٍ من الناس يتعمّد تحويل نفسه إلى خنزير لكي تأتيه شذوذات وتطارده؟
“…..”
“آه، هذا سيئ. سيئ جدًا.”
كانت التغيّرات فورية. ففي اللحظة التي ارتديت فيها النظارة، لم يعد البرد المنتشر في الأرجاء يلتصق بجسدي فحسب… بل تسلل إلى داخله، زاحفًا تحت جلدي كألف دودة.
لم أكن واثقًا مما يحدث، لكن منذ عودتي إلى ‘جسدي’، لم يعد هناك شيء طبيعي في عقلي. ظننت أنّ شظايا التجلي ستصلحني، لكن حتى الآن، كان هناك شيء مختلف جذريًا مقارنةً بالسابق.
باك!
“لا، هذا ليس دقيقًا تمامًا…”
ارتجف صدري مجددًا بينما تكيف عقلي مع التغيّرات، محاولًا بأقصى ما يستطيع ألّا ينهار تحت وطأة الأحاسيس.
عندما فكرت بالأمر بعناية، فقد عدت فعلًا إلى ما كنت عليه سابقًا. لقد قامت شظية التجلي بعملها بالفعل، لكنها ربما… قامت به بإتقانٍ مفرط.
لم أوافق على الدخول بتهوّر لمجرّد مطاردة شذوذ.
أصبح ذهني أوضح من أي وقتٍ مضى.
على الأقل… ليس الآن.
وربما… كانت تلك هي المشكلة.
إشعار السيناريو.
كان ذهني واضحًا أكثر مما ينبغي.
كنت أشعر بذلك.
القيود الداخلية التي كانت تكبح غرائزي الحقيقية ترققت حتى غدت خيوطًا هشة. لم يحوّلني المهرّج إلى شيء جديد؛ بل جرّدني حتى أعادني إلى ما كنت عليه دائمًا.
“…..”
ومع صفاء ذهني أخيرًا… بدأت الأجزاء التي حاولت دفنها عميقًا في داخلي بالظهور.
لكن التغيّرات لم تكن بصرية فحسب.
“هه… هه.”
سرعان ما بدأت الرائحة النفّاذة للحديد تملأ أنفي.
قبضت على وجهي وأجبرت شفتيّ على الانغلاق، لكن الضحكة ظلّت تشق طريقها خارج فمي بينما ارتجفت كتفاي. عضضت شفتيّ وبدأت أتجه نحو الباب، بينما مددت يدي اليمنى إلى جانبي، ليستقر ثقلٌ مألوف في راحتي.
.
لم أكن بحاجة للنظر لأعرف ما هو.
‘لم تعد الدرجة مخفية كما كانت دائمًا في الماضي. هل هذا لأنّ هذه لم تعد النسخة التجريبية؟ هذا مثير للاهتمام… تُرى، هل ستظهر تغيّرات أخرى مستقبلًا؟’
وكأنه امتداد لجسدي، قبضت على المقبض بإحكام بينما بدأت الأرجاء تكتسي باللون الأحمر.
الدرجة: القاتم
“هااا…”
ساد صمتٌ يصمّ الآذان بينما كنت أحدّق في الانعكاس بصمت.
أطلقت زفيرًا طويلًا وأنا أعبر الباب الأول.
لم أوافق على الدخول بتهوّر لمجرّد مطاردة شذوذ.
“…أين أنت؟”
كانت هناك شتّى أنواع الجثث، وبينما أمسكت السكين، سرت بهدوء عبر المكان.
ذلك الذي يطاردني.
بدأت الجثث المحيطة بي تتأرجح بعنفٍ أكبر، فيما تعالت قعقعة سلاسلها مع ازدياد حدة كل تأرجح. وفي البعيد، دوّى صوت تقطيعٍ ثقيل عبر الهواء البارد، متوافقًا مع نبضات قلبي.
*
‘إنه قادم. شيءٌ ما قادم.’
كلانك! كلانك!
كنت أشعر بذلك.
احتكت السلاسل ببعضها، مترددةً بأصوات رنينها البطيء بينما امتدت الظلال بصورة غير طبيعية عبر جدران المسلخ البيضاء. أمّا رائحة الحديد التي كانت تطبق على المكان، فقد أصبحت خانقة.
وكلما تعمقت في السير، ازدادت الأجواء برودة.
ثقيلةً لدرجة يمكن تذوقها.
‘بما أنّ العثور عليه سيستغرق وقتًا طويلًا، فقد أجعله يأتي إليّ بدلًا من ذلك.’
وعلى جانبي الغرفة، التي كانت أكبر من سابقتها، تدلّت الجثث في صفوفٍ صامتة، تتأرجح أجسادها المنتفخة بخفةٍ بالغة. كانت السوائل الحمراء الكثيفة تنساب من اللحم الممزق وتتجمع على الأرض قبل أن تزحف نحو المصرف في أقصى القاعة.
ما إن اخترت الخيار حتى بدأ القناع يتشكّل وفق الهيئة المحددة. وحين لمست وجهي، شعرت بكل التجاعيد غير الطبيعية الممتدة عليه، إلى جانب فراء الأذنين.
خنازير. أبقار.
واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع…
كانت هناك شتّى أنواع الجثث، وبينما أمسكت السكين، سرت بهدوء عبر المكان.
ومع صفاء ذهني أخيرًا… بدأت الأجزاء التي حاولت دفنها عميقًا في داخلي بالظهور.
‘لا أستطيع الشعور بأي شيء هنا.’
سشووووش!
أخرجت البوصلة، واتبعت اتجاه الإبرة، متجهًا نحو ما كانت ترشدني إليه.
◁ [الجمجمة]
وكلما تعمقت في السير، ازدادت الأجواء برودة.
حتى أصبحت الكثافة شديدة لدرجة بدأ معها ضبابٌ خافت يتشكّل مع كل زفرة أطلقها، متفتحًا في الهواء قبل أن يهبط ببطء، وكأن الغرفة نفسها تزفر معي.
حتى أصبحت الكثافة شديدة لدرجة بدأ معها ضبابٌ خافت يتشكّل مع كل زفرة أطلقها، متفتحًا في الهواء قبل أن يهبط ببطء، وكأن الغرفة نفسها تزفر معي.
وعندما حدقت في الضباب، توقفت.
“أخيرًا قررت أن تُظهر نفسك؟”
“…..”
كانت التغيّرات فورية. ففي اللحظة التي ارتديت فيها النظارة، لم يعد البرد المنتشر في الأرجاء يلتصق بجسدي فحسب… بل تسلل إلى داخله، زاحفًا تحت جلدي كألف دودة.
كان الصمت يصمّ الآذان، وبعد أن تفحصت محيطي، هززت رأسي أخيرًا.
سشوووووش!
“…بهذا المعدل، سيستغرق الأمر وقتًا طويلًا.”
إشعار السيناريو.
في تلك اللحظة، مددت يدي إلى جيبي وأخرجت نظارة شمسية.
أسرع.
‘بما أنّ العثور عليه سيستغرق وقتًا طويلًا، فقد أجعله يأتي إليّ بدلًا من ذلك.’
ومع صفاء ذهني أخيرًا… بدأت الأجزاء التي حاولت دفنها عميقًا في داخلي بالظهور.
سشووووش!
كان الصمت يصمّ الآذان، وبعد أن تفحصت محيطي، هززت رأسي أخيرًا.
كانت التغيّرات فورية. ففي اللحظة التي ارتديت فيها النظارة، لم يعد البرد المنتشر في الأرجاء يلتصق بجسدي فحسب… بل تسلل إلى داخله، زاحفًا تحت جلدي كألف دودة.
كانت المنطقة مترامية، تتدلّى السلاسل في كل اتجاه، متأرجحةً بخفةٍ وكأنّ أحدًا حرّكها قبل لحظات. ورائحة الدم كانت تخنق الهواء، كثيفةً لدرجة يمكن تذوقها، بينما كانت الظلال تومض على الجدران والأرضية. وعلى طرفي الغرفة، وقفت أبواب بيضاء، كلٌّ منها مواربٌ بتراخٍ، وكأنها تدعوني للتقدّم.
اشتدّ عمودي الفقري بوخزةٍ حادة وغير طبيعية، بينما حاولت الصبغة الزرقاء ألا تطغى على القرمزي في رؤيتي فحسب، بل أن تلتهمه، مبتلعةً كل أثرٍ للدفء بينما خبا العالم ليغدو أبرد… وأكثر ظلمة…
◀ [الخنزير]
“هـ-هاا.”
وأنا أحدّق في كل ذلك، رفعت يدي وهويت بها قاطعًا.
ارتجف صدري مجددًا بينما تكيف عقلي مع التغيّرات، محاولًا بأقصى ما يستطيع ألّا ينهار تحت وطأة الأحاسيس.
*
لكن فوق كل شيء… استطعت الشعور بهم.
حتى أصبحت الكثافة شديدة لدرجة بدأ معها ضبابٌ خافت يتشكّل مع كل زفرة أطلقها، متفتحًا في الهواء قبل أن يهبط ببطء، وكأن الغرفة نفسها تزفر معي.
…العيون الكثيرة التي كانت تحدّق نحوي.
بل أخرجت قناعًا أبيض.
بدأت الجثث المحيطة بي تتأرجح بعنفٍ أكبر، فيما تعالت قعقعة سلاسلها مع ازدياد حدة كل تأرجح. وفي البعيد، دوّى صوت تقطيعٍ ثقيل عبر الهواء البارد، متوافقًا مع نبضات قلبي.
ارتجف صدري مجددًا بينما تكيف عقلي مع التغيّرات، محاولًا بأقصى ما يستطيع ألّا ينهار تحت وطأة الأحاسيس.
باك! باك!
وعلى جانبي الغرفة، التي كانت أكبر من سابقتها، تدلّت الجثث في صفوفٍ صامتة، تتأرجح أجسادها المنتفخة بخفةٍ بالغة. كانت السوائل الحمراء الكثيفة تنساب من اللحم الممزق وتتجمع على الأرض قبل أن تزحف نحو المصرف في أقصى القاعة.
وأنا ممسك بالسكين، نظرت حولي.
إشعار السيناريو.
منتظرًا.
“سيقتلونني فورًا إن حوّلت نفسي إلى المهرج.”
‘إنه قادم. شيءٌ ما قادم.’
اضطربت بركة الدم، ثم اندفعت منها يدٌ حمراء قانية، منقضةً نحو كاحلي. لكنها لم تكن وحدها. فقد تموجت البرك المحيطة، وانفجرت منها المزيد من الأيادي، ممتدةً من كل اتجاه ومتعلقةً بقدميّ.
كنت أشعر بذلك.
.
باك!
◁ [المهرّج]
ازداد صوت التقطيع ارتفاعًا، بينما كانت عيناي تتعقبان الجثث المتأرجحة يمينًا ويسارًا. ازداد اندفاعها، ومع استمرار تأرجحها، لاحظت أنّ السائل الداكن المتقطر منها بدأ يتجمع تحت قدميّ.
كان ظهور فرّامة اللحم وحده كافيًا لأدرك أنّ الأمر مرتبط بالنظام. وبما أنّ النظام لن يدفعني لفعل المستحيل، فقد علمت أنّ هذا شيء يمكنني اجتيازه.
أسرع.
أطلقت زفيرًا طويلًا وأنا أعبر الباب الأول.
أعنف.
وأثناء تحديقي في الجانبين، لم أندفع نحو الأبواب.
واصلت الجثث تأرجحها، والدم يرتطم بالجدران البيضاء قبل أن ينزلق مجددًا، ناشرًا بركًا متزايدة أخذت تزحف ببطء عبر الأرضية.
◁ [الجمجمة]
شددت قبضتي على السكين، وأنا أراقب برك الدم المنتشرة وهي تندمج معًا، مكوّنة أشكالًا أكبر ما لبثت أن وصلت إلى أطراف حذائيّ. وعندما خفضت بصري نحو السطح الداكن، كانت رأس خنزير تحدّق إليّ من الأسفل.
.
“…..”
واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع…
وللحظةٍ وجيزة، توقفت الأرجاء بأكملها تمامًا.
“…يبدو هذا كمسلخ.”
ساد صمتٌ يصمّ الآذان بينما كنت أحدّق في الانعكاس بصمت.
.
ثم—
“…..”
“أخيرًا قررت أن تُظهر نفسك؟”
باك!
سشوووووش!
“هه… هه.”
اضطربت بركة الدم، ثم اندفعت منها يدٌ حمراء قانية، منقضةً نحو كاحلي. لكنها لم تكن وحدها. فقد تموجت البرك المحيطة، وانفجرت منها المزيد من الأيادي، ممتدةً من كل اتجاه ومتعلقةً بقدميّ.
لم تعد هوية يمكنني استخدامها بعد الآن.
واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع…
ومع صفاء ذهني أخيرًا… بدأت الأجزاء التي حاولت دفنها عميقًا في داخلي بالظهور.
استمرت الأعداد بالازدياد، وكل يدٍ كانت تقبض بإحكامٍ أكبر، زاحفةً أعلى ساقيّ وهي تحاول سحبي إلى الأسفل.
قبضت على وجهي وأجبرت شفتيّ على الانغلاق، لكن الضحكة ظلّت تشق طريقها خارج فمي بينما ارتجفت كتفاي. عضضت شفتيّ وبدأت أتجه نحو الباب، بينما مددت يدي اليمنى إلى جانبي، ليستقر ثقلٌ مألوف في راحتي.
وأنا أحدّق في كل ذلك، رفعت يدي وهويت بها قاطعًا.
كانت التغيّرات فورية. ففي اللحظة التي ارتديت فيها النظارة، لم يعد البرد المنتشر في الأرجاء يلتصق بجسدي فحسب… بل تسلل إلى داخله، زاحفًا تحت جلدي كألف دودة.
‘إنه قادم. شيءٌ ما قادم.’
“…بهذا المعدل، سيستغرق الأمر وقتًا طويلًا.”
