أنا الخوف
«الخوف…»
«أنا… أنت..!»
وما إن طرقت كلمة “أمه” مسامع الصبي، حتى عاد بريق الحياة المشع إلى عينيه الفارغتين، وانقشعت غشاوة الذهول وهو يتذكر ملامحها. في تلك اللحظة بالذات، تسارعت وتيرة التغير الشاذ في بنيته الجسدية؛ بدأت قرون حمراء قانية تشق طريقها خارجة من رأسه، وكانت تقطر بمادة سوداء لزجة تشبه الحبر، تنزف بهدوء ثم تتجمد وتتوقف قبل أن تنساب على وجهه.
ما إن استقرت هذه الكلمات في وعي نومريس، حتى بدأ دخان أسود كثيف ينسلّ من مسام جسده بنسق خفيف ومستمر، متصاعداً ببطء كأنه بخار داكن ينبعث من جوف كوب قهوة ساخن في ليلة صقيعية.
«عبدٌ مريض..»؛ تمتم روكي بنبرة هازئة، بينما حملت أعين فولكس نظرات متعة باردة وهو يراقب الموقف.
وفي تلك اللحظة الخاطفة، اختفى الكائن تماماً من الوجود؛ تلاشى في لمح البصر وكأنه لم يكن سوى سراب عابر، لكن أنظار الجميع الشاخصة لم تعد تلتفت إلى الفراغ الذي خلفه، بل تحولت فجأة وبتوجس مفرط نحو بقعة واحدة.. نحو نومريس بالذات، الذي غدا الدخان الأسود يلتف حول جسده الضئيل، مغلفاً إياه كأنه ينبعث من أعماق روحه.
انبثق من خلف عنق الفتى مجس طويل أسود، أخذ يرفرف في الهواء خلفه بسكون غريب، متجاوزاً طول جسده الضئيل. أما شعره الأبيض الناصع فلم يتغير لونه، بل ازداد طولاً وكثافة ليغطي كتفيه. تلاشت سمال ملامحه القديمة، واستحالت ثيابه إلى خيوط حبرية ودخانية متداخلة تلتف حول بدنه كالكفن، بينما مسخت يداه الإنسانيتان تماماً، لتصبحا مطابقتين لجذور الأشجار الميتة والمتفحمة الشديدة السواد.
ومع تصاعد تلك الأبخرة المظلمة، سرت قشعريرة باردة وقاسية في أرجاء المضيق؛ لقد كان الجو صقيعياً ومحملاً بالثلج منذ البداية، أما الآن، فقد هبطت البرودة إلى مستويات مرعبة وغير طبيعية، كأن الموت نفسه قد بسط صقيعه على المكان
كان الأمر مفاجأة صاعقة للجميع، حتى لجنود الإمبراطورية ورجال القرية القابعين خلفه. وكان نومريس الصغير هو الآخر شاخصاً بمكانه مذهولاً من هول ما رأى، لتتحرك في عقله بغتة تفاصيل ذكرى قديمة من الماضي كان قد سمعها ذات يوم..
اقترب روبي بخطوات حذرة من نومريس، الذي كان غارقاً في عرقه والأبخرة المظلمة تلتف حول جسده؛ ورغم قتامة المشهد، لم يتسلل الخوف إلى قلب روبي ولو للحظة واحدة. مد يده النحيلة نحو كتف صديقه، وهمس بنبرة متهدجة بينما انحدرت الدموع ساخنة فوق وجنتيه: “نومريس.. نومريس!”. تمتم بهتافه المستنجد مراراً، لكن نومريس ظل شاخصاً في فراغه، عاجزاً عن الاستجابة.
وفي تلك الأثناء، ارتفع في أثير المضيق صوت خربشة حادة وعنيفة على الورق، وتزامن مع ذلك النغم المشؤوم سقوط مباغت لثلاثة رؤوس من جنود إمبراطورية سورلوت القابعين في طليعة الصفوف. قطرة تلو قطرة، انسكبت الدماء القانية وتجمدت فوراً في الهواء بفعل الصقيع المتجمد، ليتجسد من العدم ذلك المنجل العظمي الطويل ومعه المخلوق الظلامي مرة أخرى، بعد أن حصد تلك الأرواح الثلاثة وقبض أثمانها.
ترددت في أعقاب ذلك صرخة مدوية وممزقة هزت أركان المضيق؛ صرخة انطلقت من جوف جندي سقط رأس زميله المبتور في حجره مباشرة، فرماه بعيداً برعب هستيري، وولى هارباً يجر أذيال الذعر، تماماً كما فعل بقية الجنود الذين تخلوا عن تشكيلاتهم وبدؤوا بالفرار العشوائي تحت وطأة الصدمة.
عاد الحاضر لفرض سطوته، وهز بيهام كتفي نومريس بعنف وهو يهتف به بنبرة مستنجدة: “هل تريد إنقاذ أمك يا نومريس؟! هل تريد فعل ذلك حقاً؟!”.
ومع ظهور تلك الهيئة الغريبة من جديد، انقادت الأبصار نحوها مجبراً، لكن غريزة البقاء كانت قد حسمت خيار الجميع؛ لم يكن أحد منهم يملك أدنى رغبة في البقاء داخل هذه المقبرة الجليدية. وسط تلك الفوضى، صرخ أحد الجنود بملء فمه وهو يهذي بكلمات متلاحقة كالمجنون: “المجد للأوائل!.. المجد للأوائل!.. المجد للأوائل!”.
التفتت الهيئة برأسها المتدلي نحو الأفق البعيد، ثم تلاشت واختفت مرة أخرى في العتمة، بالتزامن مع بدء تغير غريب طرأ على جسد نومريس؛ إذ جثا الفتى على ركبتيه قابضاً على رأسه بكلتا يديه من شدة الألم المبرح.. ألمٌ لم يكن نابعاً من الدخان الأسود الذي يطوقه، بل من ذلك الاسم الطاغي الذي بات يتردد ويعصف بداخل جمجمته بعنف: «خوف…».
«ما الذي يحدث لي؟ ما الذي يحدث لي بحق الجحيم؟!»؛ تساءل نومريس في خلجات ذهنه بذعر طاغٍ، لكنه فجأة استفاق من صدمته وكأنه تذكر شيئاً غائراً في ماضيه. صمت لبرهة من الزمن، قبل أن يبدأ بالهذيان والتمتمة بكلمات غير مترابطة: «لماذا.. لماذا هذا الشيء موجود؟ كيف له أن يوجد في الحقيقة؟! أنا متأكد.. أنا يقيناً من قمت برسمه بيديّ هاتين! لكن.. لكن كيف يعقل أن يقبع الآن في عالمنا؟ أليس هذا…».
ومع ظهور تلك الهيئة الغريبة من جديد، انقادت الأبصار نحوها مجبراً، لكن غريزة البقاء كانت قد حسمت خيار الجميع؛ لم يكن أحد منهم يملك أدنى رغبة في البقاء داخل هذه المقبرة الجليدية. وسط تلك الفوضى، صرخ أحد الجنود بملء فمه وهو يهذي بكلمات متلاحقة كالمجنون: “المجد للأوائل!.. المجد للأوائل!.. المجد للأوائل!”.
«ما الذي يحدث لي؟ ما الذي يحدث لي بحق الجحيم؟!»؛ تساءل نومريس في خلجات ذهنه بذعر طاغٍ، لكنه فجأة استفاق من صدمته وكأنه تذكر شيئاً غائراً في ماضيه. صمت لبرهة من الزمن، قبل أن يبدأ بالهذيان والتمتمة بكلمات غير مترابطة: «لماذا.. لماذا هذا الشيء موجود؟ كيف له أن يوجد في الحقيقة؟! أنا متأكد.. أنا يقيناً من قمت برسمه بيديّ هاتين! لكن.. لكن كيف يعقل أن يقبع الآن في عالمنا؟ أليس هذا…».
جاءه رد الزعيم بيهام حاداً وقاطعاً: “هذا لا يدل إلا على شيء واحد.. أنك لم تتجول كفاية في هذا العالم!”.
وفي تلك اللحظة الحرجة، تقدم العجوز بيهام، زعيم القرية، ووقف بثبات أمام نومريس الذي كان لا يزال غارقاً في هذيانه، ثم مدّ كلتا يديه الوقورتين نحو الفتى ورفعه برفق حتى استوى واقفاً على قدميه، بينما كانت الدموع تنحدر بغزارة فوق تجاعيد وجنتيه وهو يهمس بنبرة متهدجة: “كنت أعلم.. كنت أعلم يقيناً أن هذا اليوم سيأتي…”.
انبثقت دائرة دخانية سوداء، تنزف حبراً كالحاً، فوق قرونه الحمراء لتطفو في الهواء بسكون مهيب، بينما انسلّ منجل عظمي أسود من بين ثنايا العدم ليستقر بين يديه المشوهتين. لم يكن المنجل ضخماً كمنجل الكيان الأول، بل كان أصغر حجماً وأكثر تماسكاً؛ أطبق نومريس أصابعه الجذورية عليه بإحكام، ثم رفعه ببطء ليحاذي عينيه اللتين غدتا هادئتين هدوء المقابر.
ترددت تلك الكلمات المليئة بالشجن في أرجاء المكان، مما جعل روبي نفسه يرمق زعيمهم بنظرات مذهولة؛ فزعيمهم المهيب، في هذه اللحظة بالذات، كان يبكي بحرقة لم يعهدوها فيه من قبل.
وبينما كانت عيون نومريس فارغة وخالية من بريق الحياة، اشتد بكاء الزعيم؛ مما دفع نومريس لرفع رأسه ببطء ليرى تلك الدموع المنهمرة. كان جسد الشيخ مسجى بالدماء والجروح، وهو أثر مادي وقاسٍ ألت إليه الأمور عقب تعرضه للتعذيب والضرب المبرح عندما تم الإمساك به من قِبل جنود الإمبراطورية.
كف الصبي عن الضحك وسأل بفضول: “ما هي؟”.
—
قال فولكس متهكماً: “لم أكن أظن أن بينكم مصاباً بالمرض أيها العبيد.. لقد تجولتُ في أصقاع شتى، لكنني لم أرَ واحداً من أمثالك قط!”.
( العودة إلى لحظة الأسر)
كانت الأجواء مشحونة بالقلق والهلع، وأصوات صراخ الأطفال والنساء ترتفع لتمزق السكون، ممتزجة بابتسامة روكي المستفزة والباردة. ومن بين صفوف الغزاة، نظر أحد الجنود إلى امرأة من القرية بعيون قذرة تفيض بالدناءة، وهو يتلمظ بشفتيه وقد ارتسمت على محياه مشاعر شبقية مقززة، ثم مد يده نحوها قائلاً بنبرة لزجة: “سيدي.. ألن يكون طعم هؤلاء العبيد رائعاً الليلة؟”.
وما إن طرقت كلمة “أمه” مسامع الصبي، حتى عاد بريق الحياة المشع إلى عينيه الفارغتين، وانقشعت غشاوة الذهول وهو يتذكر ملامحها. في تلك اللحظة بالذات، تسارعت وتيرة التغير الشاذ في بنيته الجسدية؛ بدأت قرون حمراء قانية تشق طريقها خارجة من رأسه، وكانت تقطر بمادة سوداء لزجة تشبه الحبر، تنزف بهدوء ثم تتجمد وتتوقف قبل أن تنساب على وجهه.
وقبل أن تصل يد الجندي الآثمة إلى المرأة التي تراجعت خطوة إلى الخلف برعب، تحرك الزعيم بيهام كالفهد الجريح؛ رفع يده بغضب عارم، وللغرابة.. برزت عروق ضخمة داكنة من تحت جلده، وانفلتت خارج نسيج جسده لتتحول إلى ما يشبه الحبال العضلية الحية، لتُحكم القبض بعنف على عنق الجندي. رفعه الشيخ عالياً في الهواء بقوة خارقة لا تناسب سنه، ثم ألقى به بعيداً ليرتطم بالصخور وهو يصرخ بكل ما أوتي من قوة.
التفتت الهيئة برأسها المتدلي نحو الأفق البعيد، ثم تلاشت واختفت مرة أخرى في العتمة، بالتزامن مع بدء تغير غريب طرأ على جسد نومريس؛ إذ جثا الفتى على ركبتيه قابضاً على رأسه بكلتا يديه من شدة الألم المبرح.. ألمٌ لم يكن نابعاً من الدخان الأسود الذي يطوقه، بل من ذلك الاسم الطاغي الذي بات يتردد ويعصف بداخل جمجمته بعنف: «خوف…».
كان الأمر مفاجأة صاعقة للجميع، حتى لجنود الإمبراطورية ورجال القرية القابعين خلفه. وكان نومريس الصغير هو الآخر شاخصاً بمكانه مذهولاً من هول ما رأى، لتتحرك في عقله بغتة تفاصيل ذكرى قديمة من الماضي كان قد سمعها ذات يوم..
الآن، وبعد رؤية عروق جسد الزعيم وهي تخرج من يده وتتحرك بتلك الطريقة الإعجازية، لم يتبادر إلى ذهن نومريس في هذه اللحظة العصيبة سوى تلك الذكرى البعيدة والغامضة. وتمتم في أعماق نفسه بذهول تائه: «كيف ذلك.. كيف يمكن هذا؟!».
“نومريس.. هل تعرف ما هو الشيء غير الطبيعي في هذا العالم؟”
وفي تلك الأثناء، ارتفع في أثير المضيق صوت خربشة حادة وعنيفة على الورق، وتزامن مع ذلك النغم المشؤوم سقوط مباغت لثلاثة رؤوس من جنود إمبراطورية سورلوت القابعين في طليعة الصفوف. قطرة تلو قطرة، انسكبت الدماء القانية وتجمدت فوراً في الهواء بفعل الصقيع المتجمد، ليتجسد من العدم ذلك المنجل العظمي الطويل ومعه المخلوق الظلامي مرة أخرى، بعد أن حصد تلك الأرواح الثلاثة وقبض أثمانها.
رد الصبي البالغ من العمر آنذاك سبع سنوات، وهو يتدثر برداء خشن من صوف الماعز: “أنا هو غير الطبيعي!”، قالها ثم انطلق يضحك ببراءة طفولية.
نهاية الفصل
وفي تلك اللحظة الحرجة، تقدم العجوز بيهام، زعيم القرية، ووقف بثبات أمام نومريس الذي كان لا يزال غارقاً في هذيانه، ثم مدّ كلتا يديه الوقورتين نحو الفتى ورفعه برفق حتى استوى واقفاً على قدميه، بينما كانت الدموع تنحدر بغزارة فوق تجاعيد وجنتيه وهو يهمس بنبرة متهدجة: “كنت أعلم.. كنت أعلم يقيناً أن هذا اليوم سيأتي…”.
عقّب الصوت الوقور بنبرة حازمة: “يا لك من صبي وقح! أنا أتحدث معك بجدية، ما بال هذا المزاح الآن؟ هل تريد حقاً معرفة أشياء لن تصدقها حتى لو رأيتها رأي العين؟”.
عاد الحاضر لفرض سطوته، وهز بيهام كتفي نومريس بعنف وهو يهتف به بنبرة مستنجدة: “هل تريد إنقاذ أمك يا نومريس؟! هل تريد فعل ذلك حقاً؟!”.
كف الصبي عن الضحك وسأل بفضول: “ما هي؟”.
ترددت تلك الكلمات المليئة بالشجن في أرجاء المكان، مما جعل روبي نفسه يرمق زعيمهم بنظرات مذهولة؛ فزعيمهم المهيب، في هذه اللحظة بالذات، كان يبكي بحرقة لم يعهدوها فيه من قبل.
“حسناً.. سأخبرك…”
الآن، وبعد رؤية عروق جسد الزعيم وهي تخرج من يده وتتحرك بتلك الطريقة الإعجازية، لم يتبادر إلى ذهن نومريس في هذه اللحظة العصيبة سوى تلك الذكرى البعيدة والغامضة. وتمتم في أعماق نفسه بذهول تائه: «كيف ذلك.. كيف يمكن هذا؟!».
وما إن طرقت كلمة “أمه” مسامع الصبي، حتى عاد بريق الحياة المشع إلى عينيه الفارغتين، وانقشعت غشاوة الذهول وهو يتذكر ملامحها. في تلك اللحظة بالذات، تسارعت وتيرة التغير الشاذ في بنيته الجسدية؛ بدأت قرون حمراء قانية تشق طريقها خارجة من رأسه، وكانت تقطر بمادة سوداء لزجة تشبه الحبر، تنزف بهدوء ثم تتجمد وتتوقف قبل أن تنساب على وجهه.
«عبدٌ مريض..»؛ تمتم روكي بنبرة هازئة، بينما حملت أعين فولكس نظرات متعة باردة وهو يراقب الموقف.
“نومريس.. هل تعرف ما هو الشيء غير الطبيعي في هذا العالم؟”
قال فولكس متهكماً: “لم أكن أظن أن بينكم مصاباً بالمرض أيها العبيد.. لقد تجولتُ في أصقاع شتى، لكنني لم أرَ واحداً من أمثالك قط!”.
صمت نومريس لبرهة من الزمن، ليتزامن صمته مع تغير أخير طرأ على قدميه اللتين استحالتا إلى خيوط حبرية متداخلة، ثم همس بصوت يحمل صدى عميقاً: “نومريس؟.. أنا.. آه، لقد كان هذا اسمي في الماضي.. أما الآن، فأنا…”.
جاءه رد الزعيم بيهام حاداً وقاطعاً: “هذا لا يدل إلا على شيء واحد.. أنك لم تتجول كفاية في هذا العالم!”.
قال فولكس متهكماً: “لم أكن أظن أن بينكم مصاباً بالمرض أيها العبيد.. لقد تجولتُ في أصقاع شتى، لكنني لم أرَ واحداً من أمثالك قط!”.
وفي تلك اللحظة الحرجة، تقدم العجوز بيهام، زعيم القرية، ووقف بثبات أمام نومريس الذي كان لا يزال غارقاً في هذيانه، ثم مدّ كلتا يديه الوقورتين نحو الفتى ورفعه برفق حتى استوى واقفاً على قدميه، بينما كانت الدموع تنحدر بغزارة فوق تجاعيد وجنتيه وهو يهمس بنبرة متهدجة: “كنت أعلم.. كنت أعلم يقيناً أن هذا اليوم سيأتي…”.
“عبد وقح! كيف تجرؤ على الحديث مع القائد فولكس بهذه الطريقة؟!”؛ هدر روكي بغضب عارم وهو يلوح بسيفه بضربة خاطفة نحو عنق بيهام.
وفي تلك اللحظة الخاطفة، اختفى الكائن تماماً من الوجود؛ تلاشى في لمح البصر وكأنه لم يكن سوى سراب عابر، لكن أنظار الجميع الشاخصة لم تعد تلتفت إلى الفراغ الذي خلفه، بل تحولت فجأة وبتوجس مفرط نحو بقعة واحدة.. نحو نومريس بالذات، الذي غدا الدخان الأسود يلتف حول جسده الضئيل، مغلفاً إياه كأنه ينبعث من أعماق روحه.
وفي تلك الأثناء، ارتفع في أثير المضيق صوت خربشة حادة وعنيفة على الورق، وتزامن مع ذلك النغم المشؤوم سقوط مباغت لثلاثة رؤوس من جنود إمبراطورية سورلوت القابعين في طليعة الصفوف. قطرة تلو قطرة، انسكبت الدماء القانية وتجمدت فوراً في الهواء بفعل الصقيع المتجمد، ليتجسد من العدم ذلك المنجل العظمي الطويل ومعه المخلوق الظلامي مرة أخرى، بعد أن حصد تلك الأرواح الثلاثة وقبض أثمانها.
التحم الإثنان في قتال ضارٍ؛ سيف روكي القاطع تصادم مباشرة مع تلك العروق الغريبة والمشوهة التي برزت كالدروع الحية من جسد العجوز. كانت المواجهة شرسة إلى الحد الذي أجبر فولكس على التدخل بنفسه ليفض الاشتباك، تاركاً روكي يتراجع إلى الخلف وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة من فرط الإجهاد.
وفي تلك اللحظة الخاطفة، اختفى الكائن تماماً من الوجود؛ تلاشى في لمح البصر وكأنه لم يكن سوى سراب عابر، لكن أنظار الجميع الشاخصة لم تعد تلتفت إلى الفراغ الذي خلفه، بل تحولت فجأة وبتوجس مفرط نحو بقعة واحدة.. نحو نومريس بالذات، الذي غدا الدخان الأسود يلتف حول جسده الضئيل، مغلفاً إياه كأنه ينبعث من أعماق روحه.
( العودة إلى لحظة الأسر)
انتهى النزال بعد فترة من الزمن بسقوط العجوز أرضاً تحت وطأة جراحه، بينما استقرت قدم فولكس الثقيلة فوق ظهره الجريح، وقال بنبرة باردة وجشعة: “عبد مريض.. ستكون مكافأتك أعلى بكثير عند بيعك. لو لم تكن ذا فائدة مالية لي، لما بقيت حياً لتسمع هذه الكلمات الآن”.
—
عقّب نومريس بنبرة غريبة وجافة، خالية من أي مشاعر بشرية مألوفة: “إذا كان هذا هو الحال.. فلا بأس إذن”. رمقه بيهام بنظرة ثاقبة وسأله بوجل: “هل لا تزل تذكر من تكون يا نومريس؟”.
كانت تلك الهزيمة النكراء أمام فولكس—الذي خاض النزال بكامل لياقته وقوته عكس الرجل العجوز المستنزف—هي السبب الرئيس وراء الحالة المزرية والدماء التي تغطي جسد بيهام في الوقت الحالي.
عاد الحاضر لفرض سطوته، وهز بيهام كتفي نومريس بعنف وهو يهتف به بنبرة مستنجدة: “هل تريد إنقاذ أمك يا نومريس؟! هل تريد فعل ذلك حقاً؟!”.
عاد الحاضر لفرض سطوته، وهز بيهام كتفي نومريس بعنف وهو يهتف به بنبرة مستنجدة: “هل تريد إنقاذ أمك يا نومريس؟! هل تريد فعل ذلك حقاً؟!”.
وما إن طرقت كلمة “أمه” مسامع الصبي، حتى عاد بريق الحياة المشع إلى عينيه الفارغتين، وانقشعت غشاوة الذهول وهو يتذكر ملامحها. في تلك اللحظة بالذات، تسارعت وتيرة التغير الشاذ في بنيته الجسدية؛ بدأت قرون حمراء قانية تشق طريقها خارجة من رأسه، وكانت تقطر بمادة سوداء لزجة تشبه الحبر، تنزف بهدوء ثم تتجمد وتتوقف قبل أن تنساب على وجهه.
«عبدٌ مريض..»؛ تمتم روكي بنبرة هازئة، بينما حملت أعين فولكس نظرات متعة باردة وهو يراقب الموقف.
ترددت في أعقاب ذلك صرخة مدوية وممزقة هزت أركان المضيق؛ صرخة انطلقت من جوف جندي سقط رأس زميله المبتور في حجره مباشرة، فرماه بعيداً برعب هستيري، وولى هارباً يجر أذيال الذعر، تماماً كما فعل بقية الجنود الذين تخلوا عن تشكيلاتهم وبدؤوا بالفرار العشوائي تحت وطأة الصدمة.
وفي الوقت نفسه، تردد صدى أصوات الخربشات الحادة في كافة أرجاء جزيرة “إيرانور”، دون أن يفهم أحد من الجيوش المحتشدة في الخارج كنه ما يجري، بينما كانت خيوط دخانية حبرية ترتفع من وعاء نومريس ببطء مهيب.
—
ما إن استقرت هذه الكلمات في وعي نومريس، حتى بدأ دخان أسود كثيف ينسلّ من مسام جسده بنسق خفيف ومستمر، متصاعداً ببطء كأنه بخار داكن ينبعث من جوف كوب قهوة ساخن في ليلة صقيعية.
انبثق من خلف عنق الفتى مجس طويل أسود، أخذ يرفرف في الهواء خلفه بسكون غريب، متجاوزاً طول جسده الضئيل. أما شعره الأبيض الناصع فلم يتغير لونه، بل ازداد طولاً وكثافة ليغطي كتفيه. تلاشت سمال ملامحه القديمة، واستحالت ثيابه إلى خيوط حبرية ودخانية متداخلة تلتف حول بدنه كالكفن، بينما مسخت يداه الإنسانيتان تماماً، لتصبحا مطابقتين لجذور الأشجار الميتة والمتفحمة الشديدة السواد.
وفي هذه الأثناء، شق سكونَ الصقيع صوتُ نومريس وهو يتحدث بنبرة متهدجة؛ كان يبكي وعبراته تمتزج بالحبر المتساقط وهو يسأل: “أيها الجد بيهام.. هل هذا حقاً أمر جيد بالنسبة لي؟”. لقد كان نومريس، برغم هول الموقف، يدرك في قرارة نفسه ما يحدث معه بدقة؛ إذ نجح عقله الفطن في ربط خيوط متباعدة: كلمات الرجل الغامض في طفولته، نبوءة العرافة، وما يمر به جسده الآن.. وبفضل دهائه، استوعب حقيقة اللعنة التي حلت به.
وقبل أن تصل يد الجندي الآثمة إلى المرأة التي تراجعت خطوة إلى الخلف برعب، تحرك الزعيم بيهام كالفهد الجريح؛ رفع يده بغضب عارم، وللغرابة.. برزت عروق ضخمة داكنة من تحت جلده، وانفلتت خارج نسيج جسده لتتحول إلى ما يشبه الحبال العضلية الحية، لتُحكم القبض بعنف على عنق الجندي. رفعه الشيخ عالياً في الهواء بقوة خارقة لا تناسب سنه، ثم ألقى به بعيداً ليرتطم بالصخور وهو يصرخ بكل ما أوتي من قوة.
بينما كان جسد الصبي يتشكل ليتخذ هذه الهيئة المرعبة، عادت ذاكرة بيهام فجأة إلى الوراء، ليربط بين سلوك نومريس الغريب في طفولته وبين تلك الكلمة الطاغية التي ترددت في الأجواء قبل قليل، ليدرك في وعيه حقيقة “مرض” نومريس في الحال. تمتم العجوز بوجل وهو يتأمل الهيئة التي انسلخ عنها الصبي بعد أن غادره الخوف البشري؛ إذ تذكر كيف كان نومريس يرتعد فزعاً من أبسط الأشياء وأقلها شأناً.. لقد تحول ذلك الذعر المزمن بمرور السنين إلى مرض متأصل، ليطرح الشيخ في أعماق نفسه سؤالاً مرعباً: «إلى أي مرحلة سحيقة وصل هذا الصبي في خوفه حتى يمرض به؟!».
كان كل من حوله من أبناء قريته يرمقونه بخوف يمتزج بصدمة عاتية شلت أطرافهم، باستثناء شخص واحد؛ لم يكن الخوف هو ما يملأ مآقيه بل الدهشة الخالصة.. كان روبي! ما إن تردد اسم “الخوف” في الأجواء قبل برهة جعله يربط المشهد تلقائياً بكلمات العرافة القديمة. وفي تلك اللحظة الحرجة بالذات، ارتسمت ابتسامة خفيفة وغامضة على محياه.. «إذن، الأمر كان حتمياً منذ البداية».
وفي تلك اللحظة الخاطفة، اختفى الكائن تماماً من الوجود؛ تلاشى في لمح البصر وكأنه لم يكن سوى سراب عابر، لكن أنظار الجميع الشاخصة لم تعد تلتفت إلى الفراغ الذي خلفه، بل تحولت فجأة وبتوجس مفرط نحو بقعة واحدة.. نحو نومريس بالذات، الذي غدا الدخان الأسود يلتف حول جسده الضئيل، مغلفاً إياه كأنه ينبعث من أعماق روحه.
انبثقت دائرة دخانية سوداء، تنزف حبراً كالحاً، فوق قرونه الحمراء لتطفو في الهواء بسكون مهيب، بينما انسلّ منجل عظمي أسود من بين ثنايا العدم ليستقر بين يديه المشوهتين. لم يكن المنجل ضخماً كمنجل الكيان الأول، بل كان أصغر حجماً وأكثر تماسكاً؛ أطبق نومريس أصابعه الجذورية عليه بإحكام، ثم رفعه ببطء ليحاذي عينيه اللتين غدتا هادئتين هدوء المقابر.
«الخوف…»
كان كل من حوله من أبناء قريته يرمقونه بخوف يمتزج بصدمة عاتية شلت أطرافهم، باستثناء شخص واحد؛ لم يكن الخوف هو ما يملأ مآقيه بل الدهشة الخالصة.. كان روبي! ما إن تردد اسم “الخوف” في الأجواء قبل برهة جعله يربط المشهد تلقائياً بكلمات العرافة القديمة. وفي تلك اللحظة الحرجة بالذات، ارتسمت ابتسامة خفيفة وغامضة على محياه.. «إذن، الأمر كان حتمياً منذ البداية».
“حسناً.. سأخبرك…”
وفي هذه الأثناء، شق سكونَ الصقيع صوتُ نومريس وهو يتحدث بنبرة متهدجة؛ كان يبكي وعبراته تمتزج بالحبر المتساقط وهو يسأل: “أيها الجد بيهام.. هل هذا حقاً أمر جيد بالنسبة لي؟”. لقد كان نومريس، برغم هول الموقف، يدرك في قرارة نفسه ما يحدث معه بدقة؛ إذ نجح عقله الفطن في ربط خيوط متباعدة: كلمات الرجل الغامض في طفولته، نبوءة العرافة، وما يمر به جسده الآن.. وبفضل دهائه، استوعب حقيقة اللعنة التي حلت به.
كانت الأجواء مشحونة بالقلق والهلع، وأصوات صراخ الأطفال والنساء ترتفع لتمزق السكون، ممتزجة بابتسامة روكي المستفزة والباردة. ومن بين صفوف الغزاة، نظر أحد الجنود إلى امرأة من القرية بعيون قذرة تفيض بالدناءة، وهو يتلمظ بشفتيه وقد ارتسمت على محياه مشاعر شبقية مقززة، ثم مد يده نحوها قائلاً بنبرة لزجة: “سيدي.. ألن يكون طعم هؤلاء العبيد رائعاً الليلة؟”.
أومأ العجوز برأسه والدموع لا تكف عن الانحدار فوق لحيته البيضاء، وقال بصوت مخنوق: “نعم يا بني.. هكذا كان يجب أن تؤول الأمور. حتى لو لم تكن أنت، كان لابد أن يكون أن يكون شخص ما العجائز تكبر نريد مرضى صغار.. لأن هذا هو المقدر لنا، وهذا ما يجب أن يكون عليه الحال”.
كان الأمر مفاجأة صاعقة للجميع، حتى لجنود الإمبراطورية ورجال القرية القابعين خلفه. وكان نومريس الصغير هو الآخر شاخصاً بمكانه مذهولاً من هول ما رأى، لتتحرك في عقله بغتة تفاصيل ذكرى قديمة من الماضي كان قد سمعها ذات يوم..
عقّب نومريس بنبرة غريبة وجافة، خالية من أي مشاعر بشرية مألوفة: “إذا كان هذا هو الحال.. فلا بأس إذن”. رمقه بيهام بنظرة ثاقبة وسأله بوجل: “هل لا تزل تذكر من تكون يا نومريس؟”.
كان كل من حوله من أبناء قريته يرمقونه بخوف يمتزج بصدمة عاتية شلت أطرافهم، باستثناء شخص واحد؛ لم يكن الخوف هو ما يملأ مآقيه بل الدهشة الخالصة.. كان روبي! ما إن تردد اسم “الخوف” في الأجواء قبل برهة جعله يربط المشهد تلقائياً بكلمات العرافة القديمة. وفي تلك اللحظة الحرجة بالذات، ارتسمت ابتسامة خفيفة وغامضة على محياه.. «إذن، الأمر كان حتمياً منذ البداية».
صمت نومريس لبرهة من الزمن، ليتزامن صمته مع تغير أخير طرأ على قدميه اللتين استحالتا إلى خيوط حبرية متداخلة، ثم همس بصوت يحمل صدى عميقاً: “نومريس؟.. أنا.. آه، لقد كان هذا اسمي في الماضي.. أما الآن، فأنا…”.
«الخوف…»
الآن، وبعد رؤية عروق جسد الزعيم وهي تخرج من يده وتتحرك بتلك الطريقة الإعجازية، لم يتبادر إلى ذهن نومريس في هذه اللحظة العصيبة سوى تلك الذكرى البعيدة والغامضة. وتمتم في أعماق نفسه بذهول تائه: «كيف ذلك.. كيف يمكن هذا؟!».
نهاية الفصل
