الأمراض
وفي تلك الأثناء، ارتفع صوت فرشاة خفية وهي تُرفع عن سطح الورق بعد أن خطت النقطة الأخيرة في سطر القدر؛ ومع تلاشي ذلك النغم الميتافيزيقي، التفت نومريس ببطء.. لم تكن التفاتته عشوائية، بل وجه حدقتيه الهادئتين هدوء المقابر نحو هدف محدد.. نحو الجنود الهاربين.
“روبي، هيا بنا!”؛ ناداه والده بصوت حثيث وهو يقبض بإحكام على يد أمه المرتجفة.
«هذا العالم قاسٍ.. قاسٍ جداً؛ إنه أشبه بغابة موحشة، إن لم تكن فيها مفترساً، فستكون حتماً الفريسة.. هذا أمر طبيعي حيث يصرخ الجميع: نفسي نفسي!».
شعر بيهام بالقوة المتفجرة والطاغية التي انبعثت من ذلك المخلوق المهيب منذ برهة، وأدرك في يقين وعيه أنها مرتبطة بنومريس ارتباطاً وثيقاً؛ لذا جاشت في صدره سعادة غامرة لم يستطع كبتها، غير أن تأمله لملامح نومريس الشاذة والمتغيرة باستمرار أعاد صياغة تعابير وجهه، لتكتسي ببرود قاتم وجامد.
وفي تلك الأثناء، ارتفع صوت فرشاة خفية وهي تُرفع عن سطح الورق بعد أن خطت النقطة الأخيرة في سطر القدر؛ ومع تلاشي ذلك النغم الميتافيزيقي، التفت نومريس ببطء.. لم تكن التفاتته عشوائية، بل وجه حدقتيه الهادئتين هدوء المقابر نحو هدف محدد.. نحو الجنود الهاربين.
وفي تلك الأثناء، ارتفع صوت فرشاة خفية وهي تُرفع عن سطح الورق بعد أن خطت النقطة الأخيرة في سطر القدر؛ ومع تلاشي ذلك النغم الميتافيزيقي، التفت نومريس ببطء.. لم تكن التفاتته عشوائية، بل وجه حدقتيه الهادئتين هدوء المقابر نحو هدف محدد.. نحو الجنود الهاربين.
لقد لقي ذلك الجندي الشاحب الذي ابيضّ شعره من الخوف حتفه بغتة، ومعه اثنان آخران حُصدت أرواحهم بلمح البصر على يد المخلوق الغريب، ولم يتبقَّ من القوة الغازية سوى عشرة جنود فقط؛ إذ كان مجموع من يقود هذه القافلة ثلاثة عشر جندياً بالتمام والكمال.
جثا نومريس ببطء يتأمل الجثة الهامدة الملقاة أمامه والدماء تتفجر منها، ثم أدار رأسه نحو أبناء جلدته وقبيلته؛ رآهم يقبعون في حال يُرثى لها من التعذيب والإنهاك، ومقيدين بسلاسل الذل. عند تلك الرؤية، سكن ذلك الألم الإنساني العابر الذي اعتصر قلبه لثوانٍ، وتحجرت مشاعره مجدداً وهو يتمتم بنبرة حاسمة وصارمة: “لا مفر.. لا بد من فعل ذلك”.
لكن كلمات الجندي المستنجدة تلاشت في العدم دون أن تجد طريقاً لمسامع نومريس؛ اكتفى الفتى بالصمت المطبق وهو ينساب فوق الأرضية الجليدية، بينما كان الدخان الأسود يلتف حول جسده الضئيل كأنه نار مظلمة مشتعلة تلتهم كينونته، والمجس القابع خلف عنقه يتلوى في الهواء بانسيابية مريبة وسكون قاتل.
حرك نومريس منجله العظمي ببطء وهدوء، وفي لمح البصر، اختفى جسده تماماً من أمام ناظري أبناء قبيلته؛ ليتجسد بغتة وبشكل إعجازي أمام أحد الجنود الفارين.
ابتلع فولكس فاجن ريقه بصعوبة وهو يثبت حدقتيه على هذا المخلوق الغريب؛ كانت تحركاته المتذبذبة صعوداً وهبوطاً تعكس نغماً خفياً يشبه خربشات فرشاة حادة تخط فوق سطر الورق.. لقد سمع فولكس هذا الصوت الميتافيزيقي من قبل، وعرف في قرارة نفسه أن الموت قد حضر.
توقف الجندي مصعوقاً وقد تجمدت الدماء في عروقه، وكانت ملامحه يكسوها رعب هستيري؛ التفت الرجل بذعر نحو الخلف يبحث عن ذلك المخلوق الضخم المرعب، لكنه لم يجد أحداً يقف هناك، ليعيد بصره ببطء وارتجاف نحو الأمام.. نحو الصبي نومريس الذي كان يتفرس فيه بنظرات باردة خالية من أي عاطفة بشرية. ومن بين فكيه المصطكين، خرج صوت الجندي واهناً ومتقطعاً وهو يسأل: “مـ.. ماذا تريد مني؟!”.
لم يحرك نومريس منجله حتى؛ بل اكتفى بتحريك ذلك المجس الطويل المستقر خلف رقبته بجلد وسرعة خاطفة، ليرتطم بالنصل بقوة غاشمة جعلت السيف يطير عالياً في الهواء، تاركاً الجندي أعزل تماماً أمام مصيره المحتوم. ولم يستغرق الأمر سوى لمحة بصر، حتى هوى منجل نومريس العظمي ليطير الرأس الأخير؛ ليعجز الجندي حتى عن نطق كلماته الأخيرة، مغلقاً عينيه على مشهد دموي مقلوب، حيث كان يحدق في جسد نومريس المتراجع إلى الخلف وهو يرى العالم مقلوباً رأساً على عقب قبل أن ينطفئ بريق الحياة في عينيه إلى الأبد.
رفع فولكس رأسه بنظرات حادة يبحث عنهما في الأرجاء، ليجد أن المخلوق كان يحلق عالياً في الهواء، ممسكاً بالمرأة بذراعه المظلمة، ومحدقاً ببرود مميت نحو الأسفل.. نحو فولكس فاجن الذي بدا هائجاً كالثور الجريح.
“لا أريد شيئاً.. سوى أن أعيش بسلام”؛ ما إن استقرت هذه الكلمات الهادئة في الأثير، حتى طار الرأس الرابع في هذا المضيق، لكن هذه المرة.. عُزف لحن الموت مباشرة على يد نومريس.
“روبي، هيا بنا!”؛ ناداه والده بصوت حثيث وهو يقبض بإحكام على يد أمه المرتجفة.
في تلك اللحظة الخاطفة، انقبض قلب الفتى بعنف واعتصر الألم أحشاءه؛ فمهما بلغت قوته المظلمة، كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يزهق فيها روحاً بشرية.
سكن المخلوق في الهواء تماماً وتوقف عن الحركة لبرهة؛ لم يعر كلمات فولكس أي اهتمام، ولم ينظر تجاهه حتى، بل وجه رأسه العظمي ببطء نحو الجنديين اللذين يقبضان على أم نومريس في الخلف.
جثا نومريس ببطء يتأمل الجثة الهامدة الملقاة أمامه والدماء تتفجر منها، ثم أدار رأسه نحو أبناء جلدته وقبيلته؛ رآهم يقبعون في حال يُرثى لها من التعذيب والإنهاك، ومقيدين بسلاسل الذل. عند تلك الرؤية، سكن ذلك الألم الإنساني العابر الذي اعتصر قلبه لثوانٍ، وتحجرت مشاعره مجدداً وهو يتمتم بنبرة حاسمة وصارمة: “لا مفر.. لا بد من فعل ذلك”.
تمتم روبي بنبرة خافتة وعميقة: “الخوف..”.
«هذا العالم قاسٍ.. قاسٍ جداً؛ إنه أشبه بغابة موحشة، إن لم تكن فيها مفترساً، فستكون حتماً الفريسة.. هذا أمر طبيعي حيث يصرخ الجميع: نفسي نفسي!».
انتابت الدهشة والذهول جميع الحاضرين من أبناء القبيلة أمام هذا التحول الجذري العاصف الذي طرأ على نومريس؛ فالفتى الذي عرفوه دائماً بجبنه المفرط، يزهق الآن روحاً بشرية في رمشة عين! لو كان الفاعل شخصاً آخر لتقبلوا الأمر، لكن نومريس بالذات كان حالة مغايرة تماماً، إذ طالما ارتبط اسمه في أذهانهم بشدة الخوف والذعر من أقل الأشياء.
انتابت الدهشة والذهول جميع الحاضرين من أبناء القبيلة أمام هذا التحول الجذري العاصف الذي طرأ على نومريس؛ فالفتى الذي عرفوه دائماً بجبنه المفرط، يزهق الآن روحاً بشرية في رمشة عين! لو كان الفاعل شخصاً آخر لتقبلوا الأمر، لكن نومريس بالذات كان حالة مغايرة تماماً، إذ طالما ارتبط اسمه في أذهانهم بشدة الخوف والذعر من أقل الأشياء.
أشاح نومريس بنظراته بعيداً، وعيناه الدمويتان تشعان ببريق مظلم، ثم أطبق قبضته على منجله بإحكام واندفع بسرعة خاطفة شقت أثير المضيق. وفي لمح البصر، استقر خلف جندي آخر، ليرتفع عواء ذلك البائس مستنجداً بأعلى صوته: “الرحمـــــة!.. الرحمـــــة!”. ولم يكد الصدى يرتد حتى طار رأسه مستقراً فوق الجليد، ليلتفت نومريس نحو الجثة الهامدة ويعقب بنبرة باردة كالصقيع: “الرحمة فيكم.. هي ضرر محض لي ولأهلي”.
“أهذا هو نومريس حقاً؟!”؛ تمتم أحد رجال القبيلة بغير تصديق، قبل أن يلتفت نحو الزعيم ويسأله بلهفة وتوجس: “أيها الجد بيهام.. ما الذي يحدث لنومريس بالضبط؟! وما تلك العروق الشاذة التي انفلقت من جسدك قبل مدة؟!”.
“أهذا هو نومريس حقاً؟!”؛ تمتم أحد رجال القبيلة بغير تصديق، قبل أن يلتفت نحو الزعيم ويسأله بلهفة وتوجس: “أيها الجد بيهام.. ما الذي يحدث لنومريس بالضبط؟! وما تلك العروق الشاذة التي انفلقت من جسدك قبل مدة؟!”.
رمق بيهام بنظراته المثقلة بالهموم قامة نومريس، وهو يرى الفتى يحصد رقاب بقايا الجنود بسلاسة مريعة، كما يحصد المزارع المحنك سنابل أرضه في موسم الحصاد. تنهد العجوز تنهيدة حارة وقال بصوت خفيض: “لم أكن أريد إخبار أحد منكم بهذا أبداً.. كل ما كان يبتغيه أجدادنا الأوائل هو أن نعيش بسلام، منزوين وبعيدين عن صراعات هذا العالم الموحش. لا أعلم السبب الحقيقي وراء ذلك، لكنني موقن بأنهم لم يودوا يوماً الانخراط في شؤون هذا العالم القذر”.
وفي هذه الأثناء، كان فولكس فاجن قد وصل برفقة حراسه إلى مغارة شاهقة الارتفاع، قبعت في قلب الجبل كفم عملاق ومظلم؛ وقف يطالع مدخلها المهيب والذي كان يبدو حالك السواد كأنه يبتلع الضوء. رمق فولكس الجنديين اللذين يمسكان بأم نومريس بنظرة حاسمة، وقال بلهجة آمرة: “انتظراني في الخارج.. سألقي نظرة سريعة على هذا الكهف وأعود”.
“أيها الوحش المقزز.. أتتجاهلني؟!”؛ زأر فولكس فاجن بقوة وقد تملكه الغيظ، واندفع مقدماً بكل ثقله ليوجه ضربة غاشمة بمطرقته الحربية الضخمة.. ضربة شقت الهواء وأحدثت تصدعات واضحة في صخور الأرضية؛ لكن ضربته الهوجاء لم تصب سوى الفراغ. لم يكن هناك أحد بالمكان؛ اختفى الوحش تماماً واختفت معه المرأة في جزء من الثانية.
صمت العجوز لبرهة، مثبتاً بصره على الدماء القانية التي بدأت تلطخ بساط المضيق الجليدي، ثم تابع حديثه: “العالم ليس بالبساطة التي تظنونها يا أبنائي.. ذلك الشيء الشاذ الذي أخرجته من جسدي آنفاً لم أكن أرغب في استدعائه مطلقاً؛ لأن له آثاراً جانبية قاسية تنهش الجسد. وبالمثل، هناك نومريس، وهناك آخرون من بني جلدتكم يحملون هذا ’المرض‘. وهو تجسدٌ مادي يحدث عندما يصل المرء إلى حالة حرجة ومتطرفة من علته، سواء كانت مرضاً جسدياً، أو نفسياً، أو حتى هوساً مطلقاً بالأشياء.. فكلها في النهاية تنبع من ذات المجرى. أنا، على سبيل المثال، ابتُليت بمرض جسدي منذ نعومة أظافري، وظللت أعاني منه حتى شارف بدني على بلوغ حده الأقصى، وعند تلك الحافة السحيقة، طوّر جسدي قدرة العروق الحية هذه.. قد لا تكون قوية، لكنها تفي بالغرض لحمايتكم بعض الشيء، لكن رغم ذلك قللت من شأن خصمي”.
ألقى روبي نظرة أخيرة متأملة على والديه، ثم تقدم نحوهما بخطوات وئيدة وهو ملتزم بالصمت المطبق، دون أن يتمكن أحد من تخمين أو سبر أغوار الأفكار القاتمة التي كانت تدور في ذهنه في تلك اللحظة.
وأضاف مسترسلاً وعيناه تلمعان بالحكمة والأسى: “الأمراض شتى، وتتنوع أشكالها وقواها بحسب طبيعة المريض نفسه.. ونومريس، كلكم يعلم علم اليقين مما كان يعاني أكثر من أي شخص آخر في هذه القرية”.
كان نومريس يتقدم نحوه بخطوات ثابتة وجامدة، وعيناه مثبتتان عليه ببرود مميت. وفي محاولة يائسة وغريزية للبقاء، استل الجندي سيفه ووجه نصله المرتجف نحو الفتى، وصاح بأعلى صوته وصداه يتردد في أرجاء المضيق: “لا تقترب!.. إياك أن تقترب!”.
تمتم روبي بنبرة خافتة وعميقة: “الخوف..”.
رمق بيهام بنظراته المثقلة بالهموم قامة نومريس، وهو يرى الفتى يحصد رقاب بقايا الجنود بسلاسة مريعة، كما يحصد المزارع المحنك سنابل أرضه في موسم الحصاد. تنهد العجوز تنهيدة حارة وقال بصوت خفيض: “لم أكن أريد إخبار أحد منكم بهذا أبداً.. كل ما كان يبتغيه أجدادنا الأوائل هو أن نعيش بسلام، منزوين وبعيدين عن صراعات هذا العالم الموحش. لا أعلم السبب الحقيقي وراء ذلك، لكنني موقن بأنهم لم يودوا يوماً الانخراط في شؤون هذا العالم القذر”.
وأضاف مسترسلاً وعيناه تلمعان بالحكمة والأسى: “الأمراض شتى، وتتنوع أشكالها وقواها بحسب طبيعة المريض نفسه.. ونومريس، كلكم يعلم علم اليقين مما كان يعاني أكثر من أي شخص آخر في هذه القرية”.
ترددت هذه الكلمة كصعقة صامتة في الأرجاء، ليتطلع الجميع نحو الصبي روبي بذهول، قبل أن يعيدوا أبصارهم نحو نومريس وشعره الأبيض يتطاير خلفه كراية الموت.
صمت العجوز لبرهة، مثبتاً بصره على الدماء القانية التي بدأت تلطخ بساط المضيق الجليدي، ثم تابع حديثه: “العالم ليس بالبساطة التي تظنونها يا أبنائي.. ذلك الشيء الشاذ الذي أخرجته من جسدي آنفاً لم أكن أرغب في استدعائه مطلقاً؛ لأن له آثاراً جانبية قاسية تنهش الجسد. وبالمثل، هناك نومريس، وهناك آخرون من بني جلدتكم يحملون هذا ’المرض‘. وهو تجسدٌ مادي يحدث عندما يصل المرء إلى حالة حرجة ومتطرفة من علته، سواء كانت مرضاً جسدياً، أو نفسياً، أو حتى هوساً مطلقاً بالأشياء.. فكلها في النهاية تنبع من ذات المجرى. أنا، على سبيل المثال، ابتُليت بمرض جسدي منذ نعومة أظافري، وظللت أعاني منه حتى شارف بدني على بلوغ حده الأقصى، وعند تلك الحافة السحيقة، طوّر جسدي قدرة العروق الحية هذه.. قد لا تكون قوية، لكنها تفي بالغرض لحمايتكم بعض الشيء، لكن رغم ذلك قللت من شأن خصمي”.
واختتم بيهام حديثه بأسف: “لا فقه لي بالكثير من التفاصيل، فمعرفتي محدودة بحدود جزيرتنا هذه.. قد تكون هناك أسرار وأهوال أخرى في العالم الخارجي لا أدري عنها شيئاً، وربما يكشفها لنا القدر يوماً ما. لكن، تذكروا هذا جيداً.. مع كل مرة أستحضر فيها هذه العروق اللعينة من جسدي، ينقص عام كامل من عمري؛ ولهذا السبب تحديداً، كنت أتحاشى استخدامها دائماً”.
لم يتبقَّ سوى جندي واحد؛ وقف شاخصاً بعد أن رأى زملاءه يتساقطون صرعى واحداً تلو الآخر كأوراق الخريف. أدرك البائس في قرارة نفسه أنه لا مفر من هذه المقبرة الجليدية، فتمتم في سره برعب حارق: «من هذا الوغد الذي ظهر لنا فجأة؟! ألم يكن مجرد صبي عادي واهن عندما التقيناه أول مرة؟ كيف تحول إلى هذا المسخ المرعب؟!».
جثا نومريس ببطء يتأمل الجثة الهامدة الملقاة أمامه والدماء تتفجر منها، ثم أدار رأسه نحو أبناء جلدته وقبيلته؛ رآهم يقبعون في حال يُرثى لها من التعذيب والإنهاك، ومقيدين بسلاسل الذل. عند تلك الرؤية، سكن ذلك الألم الإنساني العابر الذي اعتصر قلبه لثوانٍ، وتحجرت مشاعره مجدداً وهو يتمتم بنبرة حاسمة وصارمة: “لا مفر.. لا بد من فعل ذلك”.
رمق بيهام بنظراته المثقلة بالهموم قامة نومريس، وهو يرى الفتى يحصد رقاب بقايا الجنود بسلاسة مريعة، كما يحصد المزارع المحنك سنابل أرضه في موسم الحصاد. تنهد العجوز تنهيدة حارة وقال بصوت خفيض: “لم أكن أريد إخبار أحد منكم بهذا أبداً.. كل ما كان يبتغيه أجدادنا الأوائل هو أن نعيش بسلام، منزوين وبعيدين عن صراعات هذا العالم الموحش. لا أعلم السبب الحقيقي وراء ذلك، لكنني موقن بأنهم لم يودوا يوماً الانخراط في شؤون هذا العالم القذر”.
كان نومريس يتقدم نحوه بخطوات ثابتة وجامدة، وعيناه مثبتتان عليه ببرود مميت. وفي محاولة يائسة وغريزية للبقاء، استل الجندي سيفه ووجه نصله المرتجف نحو الفتى، وصاح بأعلى صوته وصداه يتردد في أرجاء المضيق: “لا تقترب!.. إياك أن تقترب!”.
شعر بيهام بالقوة المتفجرة والطاغية التي انبعثت من ذلك المخلوق المهيب منذ برهة، وأدرك في يقين وعيه أنها مرتبطة بنومريس ارتباطاً وثيقاً؛ لذا جاشت في صدره سعادة غامرة لم يستطع كبتها، غير أن تأمله لملامح نومريس الشاذة والمتغيرة باستمرار أعاد صياغة تعابير وجهه، لتكتسي ببرود قاتم وجامد.
لكن كلمات الجندي المستنجدة تلاشت في العدم دون أن تجد طريقاً لمسامع نومريس؛ اكتفى الفتى بالصمت المطبق وهو ينساب فوق الأرضية الجليدية، بينما كان الدخان الأسود يلتف حول جسده الضئيل كأنه نار مظلمة مشتعلة تلتهم كينونته، والمجس القابع خلف عنقه يتلوى في الهواء بانسيابية مريبة وسكون قاتل.
جثا نومريس ببطء يتأمل الجثة الهامدة الملقاة أمامه والدماء تتفجر منها، ثم أدار رأسه نحو أبناء جلدته وقبيلته؛ رآهم يقبعون في حال يُرثى لها من التعذيب والإنهاك، ومقيدين بسلاسل الذل. عند تلك الرؤية، سكن ذلك الألم الإنساني العابر الذي اعتصر قلبه لثوانٍ، وتحجرت مشاعره مجدداً وهو يتمتم بنبرة حاسمة وصارمة: “لا مفر.. لا بد من فعل ذلك”.
نهاية الفصل
وعندما غدا نومريس على مسافة خطوة واحدة، جمع الجندي ما تبقى من شجاعته العمياء، ولوح بسيفه بكل قوته في ضربة يائسة وهو يصرخ بهستيرية: “فلتَمُت أيها اللعين!”.
لم يحرك نومريس منجله حتى؛ بل اكتفى بتحريك ذلك المجس الطويل المستقر خلف رقبته بجلد وسرعة خاطفة، ليرتطم بالنصل بقوة غاشمة جعلت السيف يطير عالياً في الهواء، تاركاً الجندي أعزل تماماً أمام مصيره المحتوم. ولم يستغرق الأمر سوى لمحة بصر، حتى هوى منجل نومريس العظمي ليطير الرأس الأخير؛ ليعجز الجندي حتى عن نطق كلماته الأخيرة، مغلقاً عينيه على مشهد دموي مقلوب، حيث كان يحدق في جسد نومريس المتراجع إلى الخلف وهو يرى العالم مقلوباً رأساً على عقب قبل أن ينطفئ بريق الحياة في عينيه إلى الأبد.
التفت بيهام ببطء نحو نومريس، وأشار بإصبعه نحو امتداد الممر الضيق، ثم قال بنبرة هادئة لكنها تحمل صدى عميقاً: “سنغادر نحو الشاطئ.. فلتلحق بنا. عندما تجد أمك، لكن احذر من ذلك الشخص.. فهو خطير للغاية”.
في تلك اللحظة الخاطفة، انقبض قلب الفتى بعنف واعتصر الألم أحشاءه؛ فمهما بلغت قوته المظلمة، كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يزهق فيها روحاً بشرية.
أومأ نومريس برأسه إيجاباً بملامح وقورة ومثقلة، وقبل أن يرتد طرف بيهام تراجع جسد نومريس الحبري واختفى في عتمة المضيق وخلال السواد المنساب، تاركاً خلفه روبي واقفاً في مكانه، يحدق بصمت وجمود نحو البقعة التي تملص منها صديقه قبل ثوانٍ.
“روبي، هيا بنا!”؛ ناداه والده بصوت حثيث وهو يقبض بإحكام على يد أمه المرتجفة.
لقد لقي ذلك الجندي الشاحب الذي ابيضّ شعره من الخوف حتفه بغتة، ومعه اثنان آخران حُصدت أرواحهم بلمح البصر على يد المخلوق الغريب، ولم يتبقَّ من القوة الغازية سوى عشرة جنود فقط؛ إذ كان مجموع من يقود هذه القافلة ثلاثة عشر جندياً بالتمام والكمال.
وعندما غدا نومريس على مسافة خطوة واحدة، جمع الجندي ما تبقى من شجاعته العمياء، ولوح بسيفه بكل قوته في ضربة يائسة وهو يصرخ بهستيرية: “فلتَمُت أيها اللعين!”.
ألقى روبي نظرة أخيرة متأملة على والديه، ثم تقدم نحوهما بخطوات وئيدة وهو ملتزم بالصمت المطبق، دون أن يتمكن أحد من تخمين أو سبر أغوار الأفكار القاتمة التي كانت تدور في ذهنه في تلك اللحظة.
رغم التوجس، ارتسمت ابتسامة وحشية على شفتي فولكس، واستل مطرقته الثقيلة المستقرة خلف ظهره، وصاح متسائلاً بنبرة مشحونة برغبة القتال: “هل أنت حارس هذا الكهف؟! إنني أشعر بها.. أشعر بالطاقة المهولة والتي تتدفق من جسدك! إذا كانت هذه هي القوة التي يملكها مجرد حارس للمكان، فما هو الشيء العظيم المخبأ في الداخل إذن؟ لا بد وأنه كنز ثمين جداً!”.
***
صمت العجوز لبرهة، مثبتاً بصره على الدماء القانية التي بدأت تلطخ بساط المضيق الجليدي، ثم تابع حديثه: “العالم ليس بالبساطة التي تظنونها يا أبنائي.. ذلك الشيء الشاذ الذي أخرجته من جسدي آنفاً لم أكن أرغب في استدعائه مطلقاً؛ لأن له آثاراً جانبية قاسية تنهش الجسد. وبالمثل، هناك نومريس، وهناك آخرون من بني جلدتكم يحملون هذا ’المرض‘. وهو تجسدٌ مادي يحدث عندما يصل المرء إلى حالة حرجة ومتطرفة من علته، سواء كانت مرضاً جسدياً، أو نفسياً، أو حتى هوساً مطلقاً بالأشياء.. فكلها في النهاية تنبع من ذات المجرى. أنا، على سبيل المثال، ابتُليت بمرض جسدي منذ نعومة أظافري، وظللت أعاني منه حتى شارف بدني على بلوغ حده الأقصى، وعند تلك الحافة السحيقة، طوّر جسدي قدرة العروق الحية هذه.. قد لا تكون قوية، لكنها تفي بالغرض لحمايتكم بعض الشيء، لكن رغم ذلك قللت من شأن خصمي”.
وفي هذه الأثناء، كان فولكس فاجن قد وصل برفقة حراسه إلى مغارة شاهقة الارتفاع، قبعت في قلب الجبل كفم عملاق ومظلم؛ وقف يطالع مدخلها المهيب والذي كان يبدو حالك السواد كأنه يبتلع الضوء. رمق فولكس الجنديين اللذين يمسكان بأم نومريس بنظرة حاسمة، وقال بلهجة آمرة: “انتظراني في الخارج.. سألقي نظرة سريعة على هذا الكهف وأعود”.
ترددت هذه الكلمة كصعقة صامتة في الأرجاء، ليتطلع الجميع نحو الصبي روبي بذهول، قبل أن يعيدوا أبصارهم نحو نومريس وشعره الأبيض يتطاير خلفه كراية الموت.
لم يكد فولكس يخطو خطوة واحدة عبر العتبة الحجرية، حتى تيبست عضلاته بغتة؛ رأى شيئاً يخرج من أعماق المغارة السحيقة.. كينونة مظلمة تطفو في الهواء بانسيابية مريبة، تحمل منجلاً أبيض طويلاً مشكلاً من عظام صلبة، بينما كان رأسها منحنياً بقوة ومستقراً قبالة صدرها في وضعية شاذة.
وبسرعة خارقة تجاوزت حدود الرؤية البشرية وخاطفت الأبصار، انشق أثير المكان ووصل المخلوق أمام الجنديين؛ في لمح البصر، انشطر جسداهما عمودياً إلى نصفين متطابقين، ولم يُسمع لهما صراخ أو حتى تأنٍّ.. لقد ماتا في كسر من الثانية دون أن يدركا كيف نزل بهما هذا القضاء السريع.
ابتلع فولكس فاجن ريقه بصعوبة وهو يثبت حدقتيه على هذا المخلوق الغريب؛ كانت تحركاته المتذبذبة صعوداً وهبوطاً تعكس نغماً خفياً يشبه خربشات فرشاة حادة تخط فوق سطر الورق.. لقد سمع فولكس هذا الصوت الميتافيزيقي من قبل، وعرف في قرارة نفسه أن الموت قد حضر.
رغم التوجس، ارتسمت ابتسامة وحشية على شفتي فولكس، واستل مطرقته الثقيلة المستقرة خلف ظهره، وصاح متسائلاً بنبرة مشحونة برغبة القتال: “هل أنت حارس هذا الكهف؟! إنني أشعر بها.. أشعر بالطاقة المهولة والتي تتدفق من جسدك! إذا كانت هذه هي القوة التي يملكها مجرد حارس للمكان، فما هو الشيء العظيم المخبأ في الداخل إذن؟ لا بد وأنه كنز ثمين جداً!”.
شعر بيهام بالقوة المتفجرة والطاغية التي انبعثت من ذلك المخلوق المهيب منذ برهة، وأدرك في يقين وعيه أنها مرتبطة بنومريس ارتباطاً وثيقاً؛ لذا جاشت في صدره سعادة غامرة لم يستطع كبتها، غير أن تأمله لملامح نومريس الشاذة والمتغيرة باستمرار أعاد صياغة تعابير وجهه، لتكتسي ببرود قاتم وجامد.
سكن المخلوق في الهواء تماماً وتوقف عن الحركة لبرهة؛ لم يعر كلمات فولكس أي اهتمام، ولم ينظر تجاهه حتى، بل وجه رأسه العظمي ببطء نحو الجنديين اللذين يقبضان على أم نومريس في الخلف.
ألقى روبي نظرة أخيرة متأملة على والديه، ثم تقدم نحوهما بخطوات وئيدة وهو ملتزم بالصمت المطبق، دون أن يتمكن أحد من تخمين أو سبر أغوار الأفكار القاتمة التي كانت تدور في ذهنه في تلك اللحظة.
وبسرعة خارقة تجاوزت حدود الرؤية البشرية وخاطفت الأبصار، انشق أثير المكان ووصل المخلوق أمام الجنديين؛ في لمح البصر، انشطر جسداهما عمودياً إلى نصفين متطابقين، ولم يُسمع لهما صراخ أو حتى تأنٍّ.. لقد ماتا في كسر من الثانية دون أن يدركا كيف نزل بهما هذا القضاء السريع.
“هذا الوغد!”؛ صرخ فولكس بهستيرية وغضب عارم وهو يلتفت نحو الجهة المقابلة خلفه، مصعوقاً من هذه السرعة المرعبة.
لكن كلمات الجندي المستنجدة تلاشت في العدم دون أن تجد طريقاً لمسامع نومريس؛ اكتفى الفتى بالصمت المطبق وهو ينساب فوق الأرضية الجليدية، بينما كان الدخان الأسود يلتف حول جسده الضئيل كأنه نار مظلمة مشتعلة تلتهم كينونته، والمجس القابع خلف عنقه يتلوى في الهواء بانسيابية مريبة وسكون قاتل.
سقطت المرأة أرضاً وهي تتراجع بذهول ورعب حارق، والدموع تفر من عينيها بعد أن رأت أحشاء الجنود تتناثر بجانبها على الأرضية الصخرية؛ كانت أنفاسها متلاحقة ولم يستوعب عقلها كيف انشطرا إلى نصفين بهذه الدموية والسلاسة المريعة.
لم يحرك نومريس منجله حتى؛ بل اكتفى بتحريك ذلك المجس الطويل المستقر خلف رقبته بجلد وسرعة خاطفة، ليرتطم بالنصل بقوة غاشمة جعلت السيف يطير عالياً في الهواء، تاركاً الجندي أعزل تماماً أمام مصيره المحتوم. ولم يستغرق الأمر سوى لمحة بصر، حتى هوى منجل نومريس العظمي ليطير الرأس الأخير؛ ليعجز الجندي حتى عن نطق كلماته الأخيرة، مغلقاً عينيه على مشهد دموي مقلوب، حيث كان يحدق في جسد نومريس المتراجع إلى الخلف وهو يرى العالم مقلوباً رأساً على عقب قبل أن ينطفئ بريق الحياة في عينيه إلى الأبد.
“أيها الوحش المقزز.. أتتجاهلني؟!”؛ زأر فولكس فاجن بقوة وقد تملكه الغيظ، واندفع مقدماً بكل ثقله ليوجه ضربة غاشمة بمطرقته الحربية الضخمة.. ضربة شقت الهواء وأحدثت تصدعات واضحة في صخور الأرضية؛ لكن ضربته الهوجاء لم تصب سوى الفراغ. لم يكن هناك أحد بالمكان؛ اختفى الوحش تماماً واختفت معه المرأة في جزء من الثانية.
كان نومريس يتقدم نحوه بخطوات ثابتة وجامدة، وعيناه مثبتتان عليه ببرود مميت. وفي محاولة يائسة وغريزية للبقاء، استل الجندي سيفه ووجه نصله المرتجف نحو الفتى، وصاح بأعلى صوته وصداه يتردد في أرجاء المضيق: “لا تقترب!.. إياك أن تقترب!”.
رفع فولكس رأسه بنظرات حادة يبحث عنهما في الأرجاء، ليجد أن المخلوق كان يحلق عالياً في الهواء، ممسكاً بالمرأة بذراعه المظلمة، ومحدقاً ببرود مميت نحو الأسفل.. نحو فولكس فاجن الذي بدا هائجاً كالثور الجريح.
نهاية الفصل
صمت العجوز لبرهة، مثبتاً بصره على الدماء القانية التي بدأت تلطخ بساط المضيق الجليدي، ثم تابع حديثه: “العالم ليس بالبساطة التي تظنونها يا أبنائي.. ذلك الشيء الشاذ الذي أخرجته من جسدي آنفاً لم أكن أرغب في استدعائه مطلقاً؛ لأن له آثاراً جانبية قاسية تنهش الجسد. وبالمثل، هناك نومريس، وهناك آخرون من بني جلدتكم يحملون هذا ’المرض‘. وهو تجسدٌ مادي يحدث عندما يصل المرء إلى حالة حرجة ومتطرفة من علته، سواء كانت مرضاً جسدياً، أو نفسياً، أو حتى هوساً مطلقاً بالأشياء.. فكلها في النهاية تنبع من ذات المجرى. أنا، على سبيل المثال، ابتُليت بمرض جسدي منذ نعومة أظافري، وظللت أعاني منه حتى شارف بدني على بلوغ حده الأقصى، وعند تلك الحافة السحيقة، طوّر جسدي قدرة العروق الحية هذه.. قد لا تكون قوية، لكنها تفي بالغرض لحمايتكم بعض الشيء، لكن رغم ذلك قللت من شأن خصمي”.
