سليل الخوف
تفرق الجميع في كبد السماء كالرماد الذي تذروه الرياح، ليتناثروا بهستيرية فوق سطح البحر الممتد؛ حتى إن بعضهم سقطوا فوق سفن متفرقة، غير أن المفارقة لم تكن في النجاة، بل في العشوائية المطلقة، فلم يكد أحد يسقط على سفينته أو بين أفراد فصيله، بل اختلطت الجيوش، والأنصار بالأعداء في فوضى عارمة. لكن الكارثة الكبرى تجسدت في أن الكثير منهم قد ماتوا في الحال فور ارتطامهم العنيف بأسطح السفن الخشبية الصلبة، بينما كان من حسن حظ قلةٍ آخرين أنهم ارتطموا بالأشرعة العريضة، مما خفف حدة السقوط الصاعق وأنقذ حياتهم بغرابة.
على متن إحدى تلك السفن المتأرجحة، أسرع أحد الجنود بإمساك القائد فولكس فاجن الجريح؛ كانت الدماء الغزيرة تتدفق من ثنايا جسده الضخم بلا انقطاع، حتى إنها انسابت من على حواف السفينة لتحيل مياه البحر المحيطة بهم إلى لون قرمزي داكن يشي بالموت.
“يوسافير…”؛ أعاد الوحش نطق الاسم ببطء وتلذذ، مستشعراً الحروف في وعيه، قبل أن ينحني بقامته المهيبة انحناءة إجلال كاملة، مردفاً بنبرة خاضعة: “يوسافير في طاعة سيده”.
ساد وجوم ثقيل، وتبادل الجنود نظرات شاحبة زائغة، قبل أن يهتف أحدهم بنبرة متقطعة يملؤها الرعب: “هل… هل رأيتم ما رأيت عندما تلفظ ذلك الوحش بكلماته؟!”.
لم يستوعب نومريس أياً من هذه المصطلحات أو الأسماء الأسطورية التي أُلقيت على مسامعه، لكن الكلمات حُفرت في ذاكرته بعمق، وتمتم في سره بوجوم: “هذا.. هذا كثير جداً عليّ!”.
رد عليه جندي آخر وهو يرتجف: “أظن أنني رأيت نفسي غارقاً في بحيرة سحيقة من الدماء.. لكن ما كان أشد رعباً وفزعاً من ذلك هو…”.
أجابه يوسافير بملامح حادة: “الحالة الأولى: إن التقيت بسليل آخر يتبع سلالة أخرى، في تلك اللحظة بالذات، سيكون واجباً عليّ بصفتي حامياً لك أن أظهر قسراً؛ أما المرة الثانية: فهي عندما تبلغ ذروة معينة من القوة والارتقاء، عندئذٍ سيمكنني الحضور والانبثاق دائماً، وربما لن أختفي من جانبك مرة أخرى أبداً.. لهذا، أنا أتطلع بشدة لذلك اليوم الذي تملك فيه الزمام”.
“وماذا عليّ فعله الآن؟”؛ سأل نومريس بنبرة حائرة، فهو لا يزال يجهل كل شيء عن هذا العالم الغريب الذي دلف إلى دهاليزه دون أن يدري.
“معك حق!”؛ قاطعه جندي ثالث وهو يمسك صدره بأنفاس متلاحقة: “وأنا أيضاً رأيت ذات المشهد المخيف.. لقد شعرت بعظامي وكامل جسدي يتحركان من تلقاء نفسي دون إرادة مني! إنها لمعجزة حقاً أننا لا نزال نملك أنفاسنا ونقف على قيد الحياة بعد كل ما جرى”.
“سليل الخوف.. أنا؟!”؛ همس نومريس في ذاته، والكلمة تتردد في وعيه كصوت الرعد.
أخذ الغبار الكثيف والأتربة المتراكمة ينزاحان بعنف من فوق التلال الثلاثة، وتساقطت صخور وحصى صغيرة في البداية، قبل أن ينقلب المشهد إلى انهيار أرضي جارف أعاد تشكيل جغرافية المكان بالكامل؛ وفجأة، ومن قلب تلك التلال الثلاثة المتصدعة التي انشقت كبوابات حجرية عملاقة، انبعثت هالة قرمزية لزجة شبيهة بلون الدماء المتخثرة، وبرز من أعماق الأرض قصر قرمزي مهيب متسامق نحو عنان السماء كأنه مارد يستيقظ من سبات دهر طويل.
لكن ما جعل أفواه الجميع تنفغر بذهول مطلق، هو تلك اليابسة التي بدأت تبتعد عنهم؛ كانت الجزيرة تنزاح وتتحرك ببطء شديد في البداية، لكنها رغم ذلك كانت تبتعد مخلفةً وراءها أمواجاً هادرة. أطبق الكثيرون شفاههم بوجل، ولم يجرؤ أحد على إبداء أي حركة أو إحداث جلبة، خشية أن يرتد نحوهم ذلك المخلوق المتوحش ويقضي على بقيتهم.
أجابه يوسافير بنبرة حذرة حملت أسراراً سحيقة: “أنا كحامٍ، مفروض عليّ البقاء في طيات الخفاء، وإلا ستترتب على ظهوري المستمر عواقب وخيمة وقوانين كونية لن تقوى على تحملها الآن. أما بالنسبة لأصحاب السلالات الأخرى، فمن واجبي التجسد والانبثاق حينها؛ لأن الطرف الآخر سيكون له حامٍ مثلي تماماً، وسيكون لزاماً علينا خوض غمار الصدام لحماية أسيادنا وضمان بقائهم”.
أحكم العميد قبضته على عكازه، وعيناه العجوزتان شاخصتان في الأفق، ثم قال بصوت خفيض حمل ثقلاً مهولاً: “لا أعرف كنهه تحديداً.. لكن طوال سنوات حياتي الطويلة، لم يسبق لي أن أبصرت أو شعرت بهالة طاغية ومرعبة مثل تلك التي يملكها. لا أفهم السبب وراء هذا، لكن ثمة شيء ما في أعماقي يخبرني بيقين مرعب.. أن العالم بأسره على وشك أن يتغير إلى الأبد”. قال كلماته الأخيرة وهو يراقب بجمود تلك الجزيرة العظيمة وهي تبتعد في عرض البحر، مجرورةً نحو قدرها المجهول.
وفي غمرة تلك الفوضى العارمة، ظل روكي يبحث بهستيرية حتى عثر أخيراً على قائده فولكس فاجن المدمى؛ ولكن قبل أن يتمكن من تقديم أي إسعافات له أو تحريكه، وقعت على مسامعه نبرة حازمة وهادئة من خلفه قاطعت خطوته: “دعه لي…”.
ومن تحت البوابة الضخمة للقصر الأحمر، انشقت الأرض عن أخدود غائر وممتد، تفجرت من أعماقه مياه داكنة براقة، لتشكل نهراً هادراً وعريضاً يتدفق بقوة ليفصل حرم القصر عن بقية أراضي الجزيرة؛ ومع امتداد النهر، برزت من الحافة الصخرية جسور حجرية متينة وقوسية صُنعت من ذات المادة القرمزية المصقولة لتصل بين ضفتي النهر بمهابة بالغة.
ومن تحت البوابة الضخمة للقصر الأحمر، انشقت الأرض عن أخدود غائر وممتد، تفجرت من أعماقه مياه داكنة براقة، لتشكل نهراً هادراً وعريضاً يتدفق بقوة ليفصل حرم القصر عن بقية أراضي الجزيرة؛ ومع امتداد النهر، برزت من الحافة الصخرية جسور حجرية متينة وقوسية صُنعت من ذات المادة القرمزية المصقولة لتصل بين ضفتي النهر بمهابة بالغة.
أما بخصوص نيلام، وهاربر، وليروين، وبقية القادة الرفيعين، فقد كان حالهم يُرثى له؛ إذ لم يختلف وضعهم كثيراً عن قادة الفيالق الثلاثة، فها هم الآن ممددون فوق السطح الخشبي، عاجزين ومحطمين تماماً. لقد كانت تلك القوة التي عصفت بهم مرعبة وساحقة لجيش بأكمله، وباتوا الآن مجرد صرعى لا يقوون حتى على النهوض أو الوقوف على أقدامهم.
رد عليه جندي آخر وهو يرتجف: “أظن أنني رأيت نفسي غارقاً في بحيرة سحيقة من الدماء.. لكن ما كان أشد رعباً وفزعاً من ذلك هو…”.
“نجونا؟”؛ رد العميد بنبرة باردة وغموض يلف ملامحه، ثم أردف: “بل ربما كانت مجرد شفقة وترفع من ذلك المخلوق فحسب.. لو كان ينوي سحق أرواحنا، لما كنتُ أنا ولا أنت موجودين في هذه اللحظة للحديث. لقد وُهبت لك فرصة أخرى للحياة، فلا تبددها”.
وعلى الجانب الآخر، كان العميد صاحب العكاز الخشبي هو الأقل تضرراً بين هذا الحشد الغفير؛ كان يقف بثبات مريب فوق “عش الغراب” بأعلى سارية السفينة، ممسكاً بالملازم رولان بجرأة بيديه النحيلتين؛ وكان الأخير يتنفس بصعوبة بالغة ويلهث بذعر، متمتماً بكلمات متلعثمة: “هل… هل نجونا حقاً؟”.
أما بخصوص نيلام، وهاربر، وليروين، وبقية القادة الرفيعين، فقد كان حالهم يُرثى له؛ إذ لم يختلف وضعهم كثيراً عن قادة الفيالق الثلاثة، فها هم الآن ممددون فوق السطح الخشبي، عاجزين ومحطمين تماماً. لقد كانت تلك القوة التي عصفت بهم مرعبة وساحقة لجيش بأكمله، وباتوا الآن مجرد صرعى لا يقوون حتى على النهوض أو الوقوف على أقدامهم.
وما إن نطق بها، حتى بدأت الجزيرة بأكملها تترنح وتهتز بعنف زلزالي غير مسبوق. “ما الذي تفعله بحق الجحيم؟!”؛ سأل نومريس بذعر، بينما كانت أمه ترقب ما يحدث بذهول أخرس لسانها.
“نجونا؟”؛ رد العميد بنبرة باردة وغموض يلف ملامحه، ثم أردف: “بل ربما كانت مجرد شفقة وترفع من ذلك المخلوق فحسب.. لو كان ينوي سحق أرواحنا، لما كنتُ أنا ولا أنت موجودين في هذه اللحظة للحديث. لقد وُهبت لك فرصة أخرى للحياة، فلا تبددها”.
أحكم العميد قبضته على عكازه، وعيناه العجوزتان شاخصتان في الأفق، ثم قال بصوت خفيض حمل ثقلاً مهولاً: “لا أعرف كنهه تحديداً.. لكن طوال سنوات حياتي الطويلة، لم يسبق لي أن أبصرت أو شعرت بهالة طاغية ومرعبة مثل تلك التي يملكها. لا أفهم السبب وراء هذا، لكن ثمة شيء ما في أعماقي يخبرني بيقين مرعب.. أن العالم بأسره على وشك أن يتغير إلى الأبد”. قال كلماته الأخيرة وهو يراقب بجمود تلك الجزيرة العظيمة وهي تبتعد في عرض البحر، مجرورةً نحو قدرها المجهول.
وعلى بعد أمتار عديدة من الضفة الأخرى للنهر، امتدت الرؤية نحو تلك السهول الخضراء التي كانت تغطي الأفق على مد البصر، غير أنها لم تعد كما كانت؛ إذ بدأت الأرض العشبية بالاهتزاز العنيف، وانبثقت من باطنها كتل رخامية ناصعة البياض أخذت ترتفع وتتشكل بسرعة فائقة مذهلة. وفي غضون لحظات خاطفة، تحولت السهول الشاسعة إلى مدينة عظيمة ومهيبة تشكلت فجأة من العدم؛ اصطفت منازلها وقصورها البيضاء ذات السقوف الشاهقة والأعمدة المزخرفة بتناسق هندسي مثالي، وتوزعت الشوارع الفسيحة والميادين الكبرى لتملأ الفراغ بنقاء رخامي ساحر يناقض عتمة القصر الدموي، لتغدو هذه الحاضرة الوليدة بمثابة النواة الحقيقية لإمبراطورية “سليل الخوف”.
“ما كنه ذلك المخلوق بحق الجحيم يا سيادة العميد؟”؛ سأل رولان وهو لا يزال يكافح لاستعادة أنفاسه المضطربة.
أحكم العميد قبضته على عكازه، وعيناه العجوزتان شاخصتان في الأفق، ثم قال بصوت خفيض حمل ثقلاً مهولاً: “لا أعرف كنهه تحديداً.. لكن طوال سنوات حياتي الطويلة، لم يسبق لي أن أبصرت أو شعرت بهالة طاغية ومرعبة مثل تلك التي يملكها. لا أفهم السبب وراء هذا، لكن ثمة شيء ما في أعماقي يخبرني بيقين مرعب.. أن العالم بأسره على وشك أن يتغير إلى الأبد”. قال كلماته الأخيرة وهو يراقب بجمود تلك الجزيرة العظيمة وهي تبتعد في عرض البحر، مجرورةً نحو قدرها المجهول.
****
أحكم العميد قبضته على عكازه، وعيناه العجوزتان شاخصتان في الأفق، ثم قال بصوت خفيض حمل ثقلاً مهولاً: “لا أعرف كنهه تحديداً.. لكن طوال سنوات حياتي الطويلة، لم يسبق لي أن أبصرت أو شعرت بهالة طاغية ومرعبة مثل تلك التي يملكها. لا أفهم السبب وراء هذا، لكن ثمة شيء ما في أعماقي يخبرني بيقين مرعب.. أن العالم بأسره على وشك أن يتغير إلى الأبد”. قال كلماته الأخيرة وهو يراقب بجمود تلك الجزيرة العظيمة وهي تبتعد في عرض البحر، مجرورةً نحو قدرها المجهول.
كان الصبي يعانق أمه بقوة وعنفوان جارف، يضمها نحو صدره وكأنه يحاول حمايتها من الوجود بأسره؛ رفعت رأسها نحوه ببطء، وعيناها المثقلتان بالدموع تطالعان وجهه، وجعلت تتحسس ملامحه المتغيرة بيديها المرتجفتين وتقبله بلهفة، متمتمة بنبرة حانية ومذعورة: “هل أنت بخير يا بني؟ هل أنت بخير حقاً؟! ما هذه الأشياء التي تعتليك؟ ما هذه الهيئة المرعبة التي تبدو عليها؟ هل أرغمك أحد على هذا؟!”.
تفاجأ نومريس للحظات، وظل يحدق في الوحش المعلق أمامه بذهول وصمت: “اسم؟!”؛ تمتم بها في سره، ثم تريث قليلاً قبل أن ينطق: “يمكنك أن تختار اسماً لنفسك”.
“أنا بخير يا أمي.. أنا بخير تماماً، لا تقلقي عليّ أبداً”؛ أجابها نومريس محاولاً بث الطمأنينة في قلبها المثقل بالهموم.
“ولكن ما بال هذه القرون؟!”؛ قالتها رونيا وهي تمعن النظر في رأسه، ورفعت يدها ببطء مأخوذة بجهلها بطبيعة ما تراه، وأرادت نزعها بقوة ظناً منها أنها مجرد زينة أو قناع خارجي، فإذا بها تجر رأسه بالكامل نحوها، مستشعرة ثباتها الرهيب في جمجمته.
“معك حق!”؛ قاطعه جندي ثالث وهو يمسك صدره بأنفاس متلاحقة: “وأنا أيضاً رأيت ذات المشهد المخيف.. لقد شعرت بعظامي وكامل جسدي يتحركان من تلقاء نفسي دون إرادة مني! إنها لمعجزة حقاً أننا لا نزال نملك أنفاسنا ونقف على قيد الحياة بعد كل ما جرى”.
لم يشعر نومريس بأي ألم يُذكر جراء فعلتها، فابتسم بهدوء وقال ملطفاً الموقف: “أليست مجرد زينة؟ لا تقلقي يا أمي، أخبرتكِ أنني بخير ولا ضير عليّ”.
التفت نومريس نحو الكيان المرعب، وأومأ برأسه موافقاً. ومع ابتعاده خطوتين برفقة الوحش، ظل نومريس يحدق في تفاصيله المهيبة مطولاً، وهمس في أعماق نفسه بتعجب عارم: “لماذا أشعر وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد؟ لربما.. لربما لأنني أنا من قمت برسم خطوطه وتفاصيله بيدي في تلك الأوراق”.
“سيدي.. دعنا نتحدث قليلاً”؛ فجأة، نفذ إلى مسامعهما صوت المخلوق المهول وهو يخاطب الفتى بنبرة رسمية بالغة الاحترام والتبجيل.
على متن إحدى تلك السفن المتأرجحة، أسرع أحد الجنود بإمساك القائد فولكس فاجن الجريح؛ كانت الدماء الغزيرة تتدفق من ثنايا جسده الضخم بلا انقطاع، حتى إنها انسابت من على حواف السفينة لتحيل مياه البحر المحيطة بهم إلى لون قرمزي داكن يشي بالموت.
“ولكن ما بال هذه القرون؟!”؛ قالتها رونيا وهي تمعن النظر في رأسه، ورفعت يدها ببطء مأخوذة بجهلها بطبيعة ما تراه، وأرادت نزعها بقوة ظناً منها أنها مجرد زينة أو قناع خارجي، فإذا بها تجر رأسه بالكامل نحوها، مستشعرة ثباتها الرهيب في جمجمته.
التفت نومريس نحو الكيان المرعب، وأومأ برأسه موافقاً. ومع ابتعاده خطوتين برفقة الوحش، ظل نومريس يحدق في تفاصيله المهيبة مطولاً، وهمس في أعماق نفسه بتعجب عارم: “لماذا أشعر وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد؟ لربما.. لربما لأنني أنا من قمت برسم خطوطه وتفاصيله بيدي في تلك الأوراق”.
****
التفت نومريس نحو الكيان المرعب، وأومأ برأسه موافقاً. ومع ابتعاده خطوتين برفقة الوحش، ظل نومريس يحدق في تفاصيله المهيبة مطولاً، وهمس في أعماق نفسه بتعجب عارم: “لماذا أشعر وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد؟ لربما.. لربما لأنني أنا من قمت برسم خطوطه وتفاصيله بيدي في تلك الأوراق”.
وبعد أن ابتعدا لمسافة كافية، بينما كانت الأم تقف على مقربة منهما تتطلع في أثرهما بوجل وتضم يديها نحو صدرها بحيرة، التفت المخلوق بكامل هيبته نحو نومريس وقال: “سيدي.. قبل كل شيء، ليس لديّ اسم أُعرف به بعد.. هل يمكنك أن تمنحني اسماً خاصاً بي؟”.
لكن ما جعل أفواه الجميع تنفغر بذهول مطلق، هو تلك اليابسة التي بدأت تبتعد عنهم؛ كانت الجزيرة تنزاح وتتحرك ببطء شديد في البداية، لكنها رغم ذلك كانت تبتعد مخلفةً وراءها أمواجاً هادرة. أطبق الكثيرون شفاههم بوجل، ولم يجرؤ أحد على إبداء أي حركة أو إحداث جلبة، خشية أن يرتد نحوهم ذلك المخلوق المتوحش ويقضي على بقيتهم.
تفاجأ نومريس للحظات، وظل يحدق في الوحش المعلق أمامه بذهول وصمت: “اسم؟!”؛ تمتم بها في سره، ثم تريث قليلاً قبل أن ينطق: “يمكنك أن تختار اسماً لنفسك”.
“ليس كثيراً على من يحمل سلالتك؛ فأنت لا تدرك بعدُ الحدود الحقيقية لعلّتك المرضية.. تطور، وستفهم كل شيء مع الوقت”؛ أردف يوسافير بحزم، ثم تابع: “لكن، ثمة شيء أخير يتحتم عليّ فعله قبل أن أرحل”.
“لا”؛ رد الوحش بوقار مريب: “أريد منك أنت تحديداً أن تطلق عليّ الاسم الذي تراه مناسباً”.
“ولكن ما بال هذه القرون؟!”؛ قالتها رونيا وهي تمعن النظر في رأسه، ورفعت يدها ببطء مأخوذة بجهلها بطبيعة ما تراه، وأرادت نزعها بقوة ظناً منها أنها مجرد زينة أو قناع خارجي، فإذا بها تجر رأسه بالكامل نحوها، مستشعرة ثباتها الرهيب في جمجمته.
وعلى بعد أمتار عديدة من الضفة الأخرى للنهر، امتدت الرؤية نحو تلك السهول الخضراء التي كانت تغطي الأفق على مد البصر، غير أنها لم تعد كما كانت؛ إذ بدأت الأرض العشبية بالاهتزاز العنيف، وانبثقت من باطنها كتل رخامية ناصعة البياض أخذت ترتفع وتتشكل بسرعة فائقة مذهلة. وفي غضون لحظات خاطفة، تحولت السهول الشاسعة إلى مدينة عظيمة ومهيبة تشكلت فجأة من العدم؛ اصطفت منازلها وقصورها البيضاء ذات السقوف الشاهقة والأعمدة المزخرفة بتناسق هندسي مثالي، وتوزعت الشوارع الفسيحة والميادين الكبرى لتملأ الفراغ بنقاء رخامي ساحر يناقض عتمة القصر الدموي، لتغدو هذه الحاضرة الوليدة بمثابة النواة الحقيقية لإمبراطورية “سليل الخوف”.
فكر نومريس مطولاً، متأملاً هذا الكيان الذي يبدو مرعباً ومفهومياً لدرجة تزلزل القلوب؛ ما العبارة أو الكلمة التي تليق بمثل هذه الهيئة الطاغية؟ وبعد مدة من التفكير والتدبر، طالع وجه المخلوق وقال بثبات: “حسناً.. سيكون اسمك من الآن فصاعداً.. يوسافير”.
“يوسافير…”؛ أعاد الوحش نطق الاسم ببطء وتلذذ، مستشعراً الحروف في وعيه، قبل أن ينحني بقامته المهيبة انحناءة إجلال كاملة، مردفاً بنبرة خاضعة: “يوسافير في طاعة سيده”.
أما بخصوص نيلام، وهاربر، وليروين، وبقية القادة الرفيعين، فقد كان حالهم يُرثى له؛ إذ لم يختلف وضعهم كثيراً عن قادة الفيالق الثلاثة، فها هم الآن ممددون فوق السطح الخشبي، عاجزين ومحطمين تماماً. لقد كانت تلك القوة التي عصفت بهم مرعبة وساحقة لجيش بأكمله، وباتوا الآن مجرد صرعى لا يقوون حتى على النهوض أو الوقوف على أقدامهم.
حل صمت ثقيل ومقدس بين نومريس ويوسافير لبرهة، قبل أن تخرج كلمات الوحش فجأة وبجدية حاسمة: “منذ هذه اللحظة فصاعداً، يتحتم عليك أن تعتمد على نفسك بالكامل؛ لأنني لن أظهر مجدداً في الساحة، حتى وإن غدوت في عداد الموتى وتجرعت سكراته. إن السبب الوحيد لظهوري الآن هو إيقاظ علّتك المرضية للمرة الأولى وفك قيودها. أنت سليل الخوف، وعليك أن تتطور بسرعة وتصعد بقوتك؛ لأن العالم الحقيقي ليس بالبساطة أو الوداعة التي تدور في ذهنك”.
ساد وجوم ثقيل، وتبادل الجنود نظرات شاحبة زائغة، قبل أن يهتف أحدهم بنبرة متقطعة يملؤها الرعب: “هل… هل رأيتم ما رأيت عندما تلفظ ذلك الوحش بكلماته؟!”.
“سليل الخوف.. أنا؟!”؛ همس نومريس في ذاته، والكلمة تتردد في وعيه كصوت الرعد.
وعلى بعد أمتار عديدة من الضفة الأخرى للنهر، امتدت الرؤية نحو تلك السهول الخضراء التي كانت تغطي الأفق على مد البصر، غير أنها لم تعد كما كانت؛ إذ بدأت الأرض العشبية بالاهتزاز العنيف، وانبثقت من باطنها كتل رخامية ناصعة البياض أخذت ترتفع وتتشكل بسرعة فائقة مذهلة. وفي غضون لحظات خاطفة، تحولت السهول الشاسعة إلى مدينة عظيمة ومهيبة تشكلت فجأة من العدم؛ اصطفت منازلها وقصورها البيضاء ذات السقوف الشاهقة والأعمدة المزخرفة بتناسق هندسي مثالي، وتوزعت الشوارع الفسيحة والميادين الكبرى لتملأ الفراغ بنقاء رخامي ساحر يناقض عتمة القصر الدموي، لتغدو هذه الحاضرة الوليدة بمثابة النواة الحقيقية لإمبراطورية “سليل الخوف”.
تابع يوسافير حديثه بصرامة، رافعاً إصبعين من قبضته: “لكن.. يمكنني الظهور مجدداً في حالتين اثنتين لا غير”.
هز نومريس رأسه بجدية، متسائلاً: “متى؟”.
فكر نومريس مطولاً في هذه الكشوفات المهولة التي أُلقيت عليه دفعة واحدة، ثم سأل مستوضحاً: “ولماذا يجب عليك الاختفاء في الأصل؟ وما كنه السليل الآخر الذي سيجبر ظهورك أمامه؟”.
لم يشعر نومريس بأي ألم يُذكر جراء فعلتها، فابتسم بهدوء وقال ملطفاً الموقف: “أليست مجرد زينة؟ لا تقلقي يا أمي، أخبرتكِ أنني بخير ولا ضير عليّ”.
أجابه يوسافير بملامح حادة: “الحالة الأولى: إن التقيت بسليل آخر يتبع سلالة أخرى، في تلك اللحظة بالذات، سيكون واجباً عليّ بصفتي حامياً لك أن أظهر قسراً؛ أما المرة الثانية: فهي عندما تبلغ ذروة معينة من القوة والارتقاء، عندئذٍ سيمكنني الحضور والانبثاق دائماً، وربما لن أختفي من جانبك مرة أخرى أبداً.. لهذا، أنا أتطلع بشدة لذلك اليوم الذي تملك فيه الزمام”.
وما إن نطق بها، حتى بدأت الجزيرة بأكملها تترنح وتهتز بعنف زلزالي غير مسبوق. “ما الذي تفعله بحق الجحيم؟!”؛ سأل نومريس بذعر، بينما كانت أمه ترقب ما يحدث بذهول أخرس لسانها.
وعلى الجانب الآخر، كان العميد صاحب العكاز الخشبي هو الأقل تضرراً بين هذا الحشد الغفير؛ كان يقف بثبات مريب فوق “عش الغراب” بأعلى سارية السفينة، ممسكاً بالملازم رولان بجرأة بيديه النحيلتين؛ وكان الأخير يتنفس بصعوبة بالغة ويلهث بذعر، متمتماً بكلمات متلعثمة: “هل… هل نجونا حقاً؟”.
فكر نومريس مطولاً في هذه الكشوفات المهولة التي أُلقيت عليه دفعة واحدة، ثم سأل مستوضحاً: “ولماذا يجب عليك الاختفاء في الأصل؟ وما كنه السليل الآخر الذي سيجبر ظهورك أمامه؟”.
وما إن نطق بها، حتى بدأت الجزيرة بأكملها تترنح وتهتز بعنف زلزالي غير مسبوق. “ما الذي تفعله بحق الجحيم؟!”؛ سأل نومريس بذعر، بينما كانت أمه ترقب ما يحدث بذهول أخرس لسانها.
أجابه يوسافير بنبرة حذرة حملت أسراراً سحيقة: “أنا كحامٍ، مفروض عليّ البقاء في طيات الخفاء، وإلا ستترتب على ظهوري المستمر عواقب وخيمة وقوانين كونية لن تقوى على تحملها الآن. أما بالنسبة لأصحاب السلالات الأخرى، فمن واجبي التجسد والانبثاق حينها؛ لأن الطرف الآخر سيكون له حامٍ مثلي تماماً، وسيكون لزاماً علينا خوض غمار الصدام لحماية أسيادنا وضمان بقائهم”.
التفت نومريس نحو الكيان المرعب، وأومأ برأسه موافقاً. ومع ابتعاده خطوتين برفقة الوحش، ظل نومريس يحدق في تفاصيله المهيبة مطولاً، وهمس في أعماق نفسه بتعجب عارم: “لماذا أشعر وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد؟ لربما.. لربما لأنني أنا من قمت برسم خطوطه وتفاصيله بيدي في تلك الأوراق”.
مدّ يوسافير يده الضخمة نحو الأفق، وهتف بصوت رعدي زلزل الأركان: “افتح!”.
“وماذا عليّ فعله الآن؟”؛ سأل نومريس بنبرة حائرة، فهو لا يزال يجهل كل شيء عن هذا العالم الغريب الذي دلف إلى دهاليزه دون أن يدري.
“لا”؛ رد الوحش بوقار مريب: “أريد منك أنت تحديداً أن تطلق عليّ الاسم الذي تراه مناسباً”.
أجابه يوسافير وعيناه القانيتان تومضان ببرود مهيب: “أنت سليل الخوف.. لهذا، عليك أن تصير إمبراطوراً! الجزيرة تنزاح الآن في عباب البحر، وهدفها واضح ومحدد، ستعلمه يقيناً يوماً ما. لم يعد يفصلني عن الاختفاء سوى لحظات معدودة، لذا يتحتم عليك من الآن وضع حجر الأساس لتشييد إمبراطورية عظمى ترتعد لها الفرائص. وعليك في طريقك هذا أن تبحث عن ثلاثة أشياء مهمة؛ أولها: مخلفات الحرب، وثانيها: البحث عن جزيرة التنين، لأن ثمة شيئاً مصيرياً ينتظرك هناك، وثالثها: ابحث عن التاج الأوحد.. وإن بلغت القوة المطلوبة التي أخبرتك عنها، سأنبثق مجدداً لأكون بجانبك في رحلة البحث عن ذلك التاج، فبمجرد إيجاده وتملكه.. ستظهر قارة أطلانتس المفقودة إلى الوجود!”.
“وماذا عليّ فعله الآن؟”؛ سأل نومريس بنبرة حائرة، فهو لا يزال يجهل كل شيء عن هذا العالم الغريب الذي دلف إلى دهاليزه دون أن يدري.
“سليل الخوف.. أنا؟!”؛ همس نومريس في ذاته، والكلمة تتردد في وعيه كصوت الرعد.
لم يستوعب نومريس أياً من هذه المصطلحات أو الأسماء الأسطورية التي أُلقيت على مسامعه، لكن الكلمات حُفرت في ذاكرته بعمق، وتمتم في سره بوجوم: “هذا.. هذا كثير جداً عليّ!”.
مدّ يوسافير يده الضخمة نحو الأفق، وهتف بصوت رعدي زلزل الأركان: “افتح!”.
“ليس كثيراً على من يحمل سلالتك؛ فأنت لا تدرك بعدُ الحدود الحقيقية لعلّتك المرضية.. تطور، وستفهم كل شيء مع الوقت”؛ أردف يوسافير بحزم، ثم تابع: “لكن، ثمة شيء أخير يتحتم عليّ فعله قبل أن أرحل”.
****
وبحركة مفاجئة وخاطفة، ارتفع يوسافير عالياً في السماء ومعه نومريس، بينما لحقت بهما أمه رونيا وهي تحلق بذات السرعة المذهلة دون أن يمسها سوء؛ وفي غضون لقطات خاطفة، وجد الثلاثة أنفسهم يقفون فوق قمم تلك التلال الحمراء الثلاثة الشهيرة، البقعة ذاتها التي طالما قضى نومريس ساعات طفولته الطويلة يتأمل من فوقها.
حل صمت ثقيل ومقدس بين نومريس ويوسافير لبرهة، قبل أن تخرج كلمات الوحش فجأة وبجدية حاسمة: “منذ هذه اللحظة فصاعداً، يتحتم عليك أن تعتمد على نفسك بالكامل؛ لأنني لن أظهر مجدداً في الساحة، حتى وإن غدوت في عداد الموتى وتجرعت سكراته. إن السبب الوحيد لظهوري الآن هو إيقاظ علّتك المرضية للمرة الأولى وفك قيودها. أنت سليل الخوف، وعليك أن تتطور بسرعة وتصعد بقوتك؛ لأن العالم الحقيقي ليس بالبساطة أو الوداعة التي تدور في ذهنك”.
مدّ يوسافير يده الضخمة نحو الأفق، وهتف بصوت رعدي زلزل الأركان: “افتح!”.
وفي غمرة تلك الفوضى العارمة، ظل روكي يبحث بهستيرية حتى عثر أخيراً على قائده فولكس فاجن المدمى؛ ولكن قبل أن يتمكن من تقديم أي إسعافات له أو تحريكه، وقعت على مسامعه نبرة حازمة وهادئة من خلفه قاطعت خطوته: “دعه لي…”.
“سليل الخوف.. أنا؟!”؛ همس نومريس في ذاته، والكلمة تتردد في وعيه كصوت الرعد.
وما إن نطق بها، حتى بدأت الجزيرة بأكملها تترنح وتهتز بعنف زلزالي غير مسبوق. “ما الذي تفعله بحق الجحيم؟!”؛ سأل نومريس بذعر، بينما كانت أمه ترقب ما يحدث بذهول أخرس لسانها.
لم يستوعب نومريس أياً من هذه المصطلحات أو الأسماء الأسطورية التي أُلقيت على مسامعه، لكن الكلمات حُفرت في ذاكرته بعمق، وتمتم في سره بوجوم: “هذا.. هذا كثير جداً عليّ!”.
على متن إحدى تلك السفن المتأرجحة، أسرع أحد الجنود بإمساك القائد فولكس فاجن الجريح؛ كانت الدماء الغزيرة تتدفق من ثنايا جسده الضخم بلا انقطاع، حتى إنها انسابت من على حواف السفينة لتحيل مياه البحر المحيطة بهم إلى لون قرمزي داكن يشي بالموت.
أخذ الغبار الكثيف والأتربة المتراكمة ينزاحان بعنف من فوق التلال الثلاثة، وتساقطت صخور وحصى صغيرة في البداية، قبل أن ينقلب المشهد إلى انهيار أرضي جارف أعاد تشكيل جغرافية المكان بالكامل؛ وفجأة، ومن قلب تلك التلال الثلاثة المتصدعة التي انشقت كبوابات حجرية عملاقة، انبعثت هالة قرمزية لزجة شبيهة بلون الدماء المتخثرة، وبرز من أعماق الأرض قصر قرمزي مهيب متسامق نحو عنان السماء كأنه مارد يستيقظ من سبات دهر طويل.
كان القصر يرتفع بهيكل عظمي مرعب، تشكلت جدرانه من مادة قرمزية مصقولة كعقيق الدم تعكس الضوء بطريقة غريبة، لكن الإعجاز التكتيكي الحقيقي تجسد في قمم التلال التي تحولت بالكامل إلى ثلاثة أبراج حجرية شاهقة تحيط بالقصر كالحراس؛ كان البرجان الجانبيان يقفان بمهابة كحصنين منيعين، بينما انطلق البرج الأوسط والمركزي ليرتفع بشكل جنوني متجاوزاً السحاب، ليحاكي تماماً الارتفاع الشاهق والمهيب الذي كانت عليه التلال الحمراء من قبل، متخذاً في قمته هيئة عرش دموي أو منارة تطل على أرجاء اليابسة بأكملها، ليكون هذا الصرح المفهومي بمثابة حصن إمبراطوري عصي على الاختراق.
“يوسافير…”؛ أعاد الوحش نطق الاسم ببطء وتلذذ، مستشعراً الحروف في وعيه، قبل أن ينحني بقامته المهيبة انحناءة إجلال كاملة، مردفاً بنبرة خاضعة: “يوسافير في طاعة سيده”.
“لا”؛ رد الوحش بوقار مريب: “أريد منك أنت تحديداً أن تطلق عليّ الاسم الذي تراه مناسباً”.
تسامق الصرح القرمزي في كبد السماء، لتبدأ تضاريس الأرض المحيطة به بالتموج والانصياع لأمر الكيان المفهومي، وكأن الجزيرة بأسرها تعيد صياغة هويتها لتليق بمهد الإمبراطورية الجديدة.
أما بخصوص نيلام، وهاربر، وليروين، وبقية القادة الرفيعين، فقد كان حالهم يُرثى له؛ إذ لم يختلف وضعهم كثيراً عن قادة الفيالق الثلاثة، فها هم الآن ممددون فوق السطح الخشبي، عاجزين ومحطمين تماماً. لقد كانت تلك القوة التي عصفت بهم مرعبة وساحقة لجيش بأكمله، وباتوا الآن مجرد صرعى لا يقوون حتى على النهوض أو الوقوف على أقدامهم.
وبحركة مفاجئة وخاطفة، ارتفع يوسافير عالياً في السماء ومعه نومريس، بينما لحقت بهما أمه رونيا وهي تحلق بذات السرعة المذهلة دون أن يمسها سوء؛ وفي غضون لقطات خاطفة، وجد الثلاثة أنفسهم يقفون فوق قمم تلك التلال الحمراء الثلاثة الشهيرة، البقعة ذاتها التي طالما قضى نومريس ساعات طفولته الطويلة يتأمل من فوقها.
ومن تحت البوابة الضخمة للقصر الأحمر، انشقت الأرض عن أخدود غائر وممتد، تفجرت من أعماقه مياه داكنة براقة، لتشكل نهراً هادراً وعريضاً يتدفق بقوة ليفصل حرم القصر عن بقية أراضي الجزيرة؛ ومع امتداد النهر، برزت من الحافة الصخرية جسور حجرية متينة وقوسية صُنعت من ذات المادة القرمزية المصقولة لتصل بين ضفتي النهر بمهابة بالغة.
حل صمت ثقيل ومقدس بين نومريس ويوسافير لبرهة، قبل أن تخرج كلمات الوحش فجأة وبجدية حاسمة: “منذ هذه اللحظة فصاعداً، يتحتم عليك أن تعتمد على نفسك بالكامل؛ لأنني لن أظهر مجدداً في الساحة، حتى وإن غدوت في عداد الموتى وتجرعت سكراته. إن السبب الوحيد لظهوري الآن هو إيقاظ علّتك المرضية للمرة الأولى وفك قيودها. أنت سليل الخوف، وعليك أن تتطور بسرعة وتصعد بقوتك؛ لأن العالم الحقيقي ليس بالبساطة أو الوداعة التي تدور في ذهنك”.
وعلى بعد أمتار عديدة من الضفة الأخرى للنهر، امتدت الرؤية نحو تلك السهول الخضراء التي كانت تغطي الأفق على مد البصر، غير أنها لم تعد كما كانت؛ إذ بدأت الأرض العشبية بالاهتزاز العنيف، وانبثقت من باطنها كتل رخامية ناصعة البياض أخذت ترتفع وتتشكل بسرعة فائقة مذهلة. وفي غضون لحظات خاطفة، تحولت السهول الشاسعة إلى مدينة عظيمة ومهيبة تشكلت فجأة من العدم؛ اصطفت منازلها وقصورها البيضاء ذات السقوف الشاهقة والأعمدة المزخرفة بتناسق هندسي مثالي، وتوزعت الشوارع الفسيحة والميادين الكبرى لتملأ الفراغ بنقاء رخامي ساحر يناقض عتمة القصر الدموي، لتغدو هذه الحاضرة الوليدة بمثابة النواة الحقيقية لإمبراطورية “سليل الخوف”.
كان القصر يرتفع بهيكل عظمي مرعب، تشكلت جدرانه من مادة قرمزية مصقولة كعقيق الدم تعكس الضوء بطريقة غريبة، لكن الإعجاز التكتيكي الحقيقي تجسد في قمم التلال التي تحولت بالكامل إلى ثلاثة أبراج حجرية شاهقة تحيط بالقصر كالحراس؛ كان البرجان الجانبيان يقفان بمهابة كحصنين منيعين، بينما انطلق البرج الأوسط والمركزي ليرتفع بشكل جنوني متجاوزاً السحاب، ليحاكي تماماً الارتفاع الشاهق والمهيب الذي كانت عليه التلال الحمراء من قبل، متخذاً في قمته هيئة عرش دموي أو منارة تطل على أرجاء اليابسة بأكملها، ليكون هذا الصرح المفهومي بمثابة حصن إمبراطوري عصي على الاختراق.
نهاية الفصل
نهاية الفصل
أما بخصوص نيلام، وهاربر، وليروين، وبقية القادة الرفيعين، فقد كان حالهم يُرثى له؛ إذ لم يختلف وضعهم كثيراً عن قادة الفيالق الثلاثة، فها هم الآن ممددون فوق السطح الخشبي، عاجزين ومحطمين تماماً. لقد كانت تلك القوة التي عصفت بهم مرعبة وساحقة لجيش بأكمله، وباتوا الآن مجرد صرعى لا يقوون حتى على النهوض أو الوقوف على أقدامهم.
على متن إحدى تلك السفن المتأرجحة، أسرع أحد الجنود بإمساك القائد فولكس فاجن الجريح؛ كانت الدماء الغزيرة تتدفق من ثنايا جسده الضخم بلا انقطاع، حتى إنها انسابت من على حواف السفينة لتحيل مياه البحر المحيطة بهم إلى لون قرمزي داكن يشي بالموت.
