نطاق الخوف
خيم صمت مطبق على الأرجاء، وظلت آلاف الحدقات شاخصة بذهول غير قابل للتصديق نحو تلك الأجساد التي بدأت تنهض ببطء، وهي تترنح في أماكنها فوق الركام وأشلاء السور المحطم. أطبق رالرل بيده على جبهته يحاول استجماع وعيه، بينما كانت الدماء القانية تسيل بغزارة من بين أصابعه لتلطخ وجهه، وتمتم بنبرة يملؤها الغيظ والذهول: “ما بال ذلك الوحش اللعين؟! ما تلك القوة الغاشمة؟!”.
«إنهم الفيالق»؛ حدث ليروين نفسه بصدمة عارمة أخرست لسانه، وهو يرى ثلاثة من أعظم قادة النخبة العسكرية يسقطون بهذه الكيفية المزرية ويقبعون على مسافة قريبة من بعضهم البعض.
أما رالرل، فقد تمتم وعيناه تضيقان تكتيكياً وهو يراقب ملامح جسد نومريس المتغيرة: “إنه عبد مريض.. لا بد وأنه هو نفسه من أيقظ مرضه قبل مدة قصيرة”.
“القائد فولكس!”؛ صاح روكي بهستيرية وتوجس شديد بعد أن تيبست ملامحه وهو يرى قائده المهيب، الذي طالما كان رمزاً للقوة الغاشمة، ملطخاً بالدماء من رأسه حتى أخمص قدميه وهو يعرج بقدمه ويجر خطاه بصعوبة بالغة فوق الأرض الجليدية.
“من هذان الكيانان؟ هل هما دخيلان أيضاً؟ وما بال هذه الهيئة الشاذة والمرعبة التي يبدوان عليها؟!”؛ تمتمت مارلين بتوجس وقلق شديدين وهي تراقب الموقف عن كثب.
وفي هذه الأثناء، ومن قلب العربة الذهبية الصغيرة، فُتح الباب مجدداً ليخرج ذلك العجوز من جحره المظلم ممسكاً بعكازه الخشبي.
اندفع ليروين وهاربر بخطوات حثيثة، ومعهما نيلام الذي كان يوجه نظراته القلقة نحو الجبهة؛ وفي ذات اللحظة، جرى روكي بكل قوته وخلفه جنديان من نخبته يستطلعون وضع فولكس فاجن. حتى بوليت، قائد جيش نوركيث، لم يملك خياراً سوى كسر جموده والاندفاع هو الآخر صوب جبهة الجدار، عندما أبصر تلك الشخصية الظلية الغامضة وهي تكافح للوقوف ببطء، ولا تزال قبضتها متشبثة بإحكام مريب بمقبض سيفها الأسود الحالك.
وفي تلك اللحظة بالذات، دوت في الآذان خربشات غريبة بدت وكأنها تقترب وتدنو ببطء، محتلة فضاء المكان؛ لقد كان المخلوق يقف باعتزاز في كبد الهواء، عائداً للظهور من جديد وهو لا يزال يحمل رونيا، والدة نومريس، بين يديه بكل حرص.
كان هناك سؤال واحد مهول يدور في أذهان آلاف الجنود: ما هذا الشيء الجاثم فوق رؤوسنا؟
بينما كان أحد الجنود يمسك بأذنه محاولاً دفع ذلك الصوت، رفع رأسه فجأة دافعاً إياه الفضول المحض.. نعم، كان الفضول وحده ما دفعه للنظر، إذ لم يشعر بأي خطر مسبق، لكن ما أبصرته عيناه جمد أطرافه في اللحظة، وتلعثم اللسان في فمه عاجزاً عن النطق.
انتبه جندي آخر إلى جلبة زميله، فرفع رأسه هو الآخر مستطلعاً، لتخرج منه تمتمة مرعوبة: “م… ما هذا الكيان؟!”. وسرعان ما بدأت الرؤوس ترتفع واحدة تلو الأخرى كأحجار الدومينو، لينقلب المكان بأسره إلى ساحة من الخوف الصامت والمطبق.
كان هناك سؤال واحد مهول يدور في أذهان آلاف الجنود: ما هذا الشيء الجاثم فوق رؤوسنا؟
لكن في تلك اللحظة تحديداً، سُمعت رفرفات خفيفة خافتة، رافقتها مجدداً أصوات خربشات حادة فوق سطور الورق؛ لقد وصل نومريس لتوه إلى الساحة. الجندي نفسه الذي كان أول من رصد المخلوق في السماء، لم يقو هذه المرة على توجيه نظره مباشرة نحو الأعلى بفعل الرعب، فأخفض رأسه مجبراً، لكن ما رآه ممتداً على الأرض جعله يسقط على مؤخرته بذهول، جاذباً أنظار بقية الجنود إلى نفس البقعة التي تشخص إليها حدقتاه.
توقف نومريس في مكانه متهيئاً للتحرك مجدداً، غير أنه وجد المخلوق المهول قد هبط أمامه بغتة واضعاً أمه على الأرض، لتهرع إليه رونيا فوراً وتعانقه وهي تنشج بالبكاء.
أما رالرل، فقد تمتم وعيناه تضيقان تكتيكياً وهو يراقب ملامح جسد نومريس المتغيرة: “إنه عبد مريض.. لا بد وأنه هو نفسه من أيقظ مرضه قبل مدة قصيرة”.
“هناك شخص آخر يقف هناك!”؛ صرخ أحد الجنود وهو يشير مباشرة نحو نومريس.
«إنهم الفيالق»؛ حدث ليروين نفسه بصدمة عارمة أخرست لسانه، وهو يرى ثلاثة من أعظم قادة النخبة العسكرية يسقطون بهذه الكيفية المزرية ويقبعون على مسافة قريبة من بعضهم البعض.
“من هذان الكيانان؟ هل هما دخيلان أيضاً؟ وما بال هذه الهيئة الشاذة والمرعبة التي يبدوان عليها؟!”؛ تمتمت مارلين بتوجس وقلق شديدين وهي تراقب الموقف عن كثب.
وفي هذه الأثناء، ومن قلب العربة الذهبية الصغيرة، فُتح الباب مجدداً ليخرج ذلك العجوز من جحره المظلم ممسكاً بعكازه الخشبي.
كان هناك سؤال واحد مهول يدور في أذهان آلاف الجنود: ما هذا الشيء الجاثم فوق رؤوسنا؟
حول الملازم رولان عينيه سريعاً من الوحش المحلق إلى العربة، وحدّث نفسه بتوجس عارم: “أيها العميد.. هل ستتدخل بنفسك مرة أخرى؟”.
دق قلب المرأة بعنف عندما توجهت عيناها الحمراوان نحو نومريس؛ لم تتعرف عليه في الوهلة الأولى بفعل التغير الشاذ في هيئته، لكن غريزة الأمومة وفطنتها أخبرتاها بأن ذلك الكيان القابع هناك ما هو إلا ابنها الوحيد. دمعت عيناها وهي تطبق بيدها اليمنى على فمها لتكتم شهقتها، وصرخت بنبرة واهنة بالكاد مسموعة: “نومريس.. بني!”.
ما إن وطئت قدم العجوز الأرض ورفع رأسه مستطلعاً، حتى لاحظ أن المخلوق المهول يوجه نظراته بعيداً، ولم يكن يكترث بوجوده هو على الإطلاق. التفت العجوز غريزياً إلى نفس النقطة التي يحدق فيها الوحش، فإذا به يرى نومريس واقفاً بهيئته الشاذة.
أعاد العجوز نظره نحو المخلوق فوقه، وفي تلك الأجزاء من الثانية، وجد العجوز نفسه وهو يتعرض للتقطيع آلاف المرات بذلك المنجل العظمي الأبيض في لمحة عين، مستحضراً مشهد جسده والشلالات القانية تتدفق منه في الهواء كأثر حتمي لصدامهما.. لكن تلك اللقطة الدموية المرعبة لم تكن سوى محض خيال وتصور ذهني داهم العجوز حين أراد اختبار حدود خصمه ومعرفة مدى قوته؛ ليتراجع خطوة إلى الوراء وهو يشعر بقشعريرة باردة، متمتماً في سره بذهول: “ما هذا التعطش المتوحش للدماء؟!”.
وما إن تلفظ بتلك الكلمة، حتى حدث ما لم تتخيله عقول البشر؛ ارتفع كل شخص قابع على أرض الجزيرة نحو السماء بغتة.. صغيراً كان أم كبيراً، رجلاً أم امرأة، باستثناء سلالة ونسب نومريس. بدأ الفتى ينظر إلى الجموع والجيوش المحتشدة والذين باتوا يحلقون في الأعالي عاجزين كأسراب من النمل المفزوع.
أعاد العجوز نظره نحو المخلوق فوقه، وفي تلك الأجزاء من الثانية، وجد العجوز نفسه وهو يتعرض للتقطيع آلاف المرات بذلك المنجل العظمي الأبيض في لمحة عين، مستحضراً مشهد جسده والشلالات القانية تتدفق منه في الهواء كأثر حتمي لصدامهما.. لكن تلك اللقطة الدموية المرعبة لم تكن سوى محض خيال وتصور ذهني داهم العجوز حين أراد اختبار حدود خصمه ومعرفة مدى قوته؛ ليتراجع خطوة إلى الوراء وهو يشعر بقشعريرة باردة، متمتماً في سره بذهول: “ما هذا التعطش المتوحش للدماء؟!”.
رفع نومريس رأسه نحو السماء لتلتقي عيناه بعيني أمه، فأبصر آثار الدماء الملطخة ببعض ثيابها؛ وفي تلك اللحظة، تحولت نظرته إلى برود قاتل، وتوجهت عيناه مباشرة نحو ذلك السور الذي سقط من فوقه القادة قبل قليل، ليلمح فولكس فاجن وهو يعرج في مكانه.
دق قلب المرأة بعنف عندما توجهت عيناها الحمراوان نحو نومريس؛ لم تتعرف عليه في الوهلة الأولى بفعل التغير الشاذ في هيئته، لكن غريزة الأمومة وفطنتها أخبرتاها بأن ذلك الكيان القابع هناك ما هو إلا ابنها الوحيد. دمعت عيناها وهي تطبق بيدها اليمنى على فمها لتكتم شهقتها، وصرخت بنبرة واهنة بالكاد مسموعة: “نومريس.. بني!”.
“من هذان الكيانان؟ هل هما دخيلان أيضاً؟ وما بال هذه الهيئة الشاذة والمرعبة التي يبدوان عليها؟!”؛ تمتمت مارلين بتوجس وقلق شديدين وهي تراقب الموقف عن كثب.
رفع نومريس رأسه نحو السماء لتلتقي عيناه بعيني أمه، فأبصر آثار الدماء الملطخة ببعض ثيابها؛ وفي تلك اللحظة، تحولت نظرته إلى برود قاتل، وتوجهت عيناه مباشرة نحو ذلك السور الذي سقط من فوقه القادة قبل قليل، ليلمح فولكس فاجن وهو يعرج في مكانه.
وباندفاع صاعق وخاطف، تحرك نومريس مباشرة بسرعة مهولة نحو هدفه. “إنه يهاجم! استعدوا!”؛ صرخ أحد الجنود وهو يلوح بسيفه مستنهضاً الصفوف، لكن الفتى كان يتجاوز الفيالق والجموع بمرونة شاذة دون أن يلتفت لأحد؛ فقد كان هدفه واضحاً ومحدداً كالسهم.
“إنه…”؛ لم يقو العجوز على نطق الاسم أو إتمامه من شدة الوجل؛ إذ كان ينظر بنفاد صبر نحو ذلك الذئب الأسطوري الذي كان من المفترض أن يقود خطى العشيرة نحو الوجهة التي يتحتم عليهم الذهاب إليها.. لكن لم يخطر ببال أحد منهم، ولو في أشد أحلامهم جنوناً، أن ذلك الكيان سيقوم بجر الجزيرة بأكملها واقتلاعها من جذورها لتسير خلفه!
وبعد أن شق صفوف الجيوش المحتشدة بلمح البصر، وقف نومريس وجهاً لوجه أمام فولكس فاجن. أحكم فولكس قبضته على مطرقته الضخمة، وهدر بنبرة حانقة: “أنا المقصود إذن؟! تعال إليّ أيها الوغد!”.
***
أراد فولكس توجيه ضربة ساحقة بمطرقته، لكن فجأة… شُلّت حركته بالكامل، وعجزت يداه عن الارتفاع إنشاً واحداً. تطلع بفزع نحو السماء ليدرك فوراً هوية من كبّل جسده بهذا الثقل المفاهيمي، لكن إدراكه جاء متأخراً للغاية؛ إذ لمح في نفس الأجزاء من الثانية قبضة نومريس تتجه مباشرة نحو وجهه. *بوممممم!* دوى انفجار هائل وعنيف عصف بالأرجاء، وقُذف فولكس فاجن إلى الخلف ليتراجع أمتاراً عديدة، محطماً في طريقه سلسلة من المنازل القريبة التي تهاوت فوق جسده. كان بإمكان نومريس أن يقتله لو أنه لوح بمنجله، لكنه أراد فحسب أن يدفعه ثمن ما اقترفته يداه بحق أمه قبل أن يزهق روحه ويذبحه.
“ولماذا يتخذ هذه الهيئة المرعبة والمشوهة بالظلام؟ وما دخل علّته المرضية بهذا الوحش القابع في السماء؟”؛ تساءل تورنيست بوجل وتوجس.
بينما كان أحد الجنود يمسك بأذنه محاولاً دفع ذلك الصوت، رفع رأسه فجأة دافعاً إياه الفضول المحض.. نعم، كان الفضول وحده ما دفعه للنظر، إذ لم يشعر بأي خطر مسبق، لكن ما أبصرته عيناه جمد أطرافه في اللحظة، وتلعثم اللسان في فمه عاجزاً عن النطق.
توقف نومريس في مكانه متهيئاً للتحرك مجدداً، غير أنه وجد المخلوق المهول قد هبط أمامه بغتة واضعاً أمه على الأرض، لتهرع إليه رونيا فوراً وتعانقه وهي تنشج بالبكاء.
انتبه جندي آخر إلى جلبة زميله، فرفع رأسه هو الآخر مستطلعاً، لتخرج منه تمتمة مرعوبة: “م… ما هذا الكيان؟!”. وسرعان ما بدأت الرؤوس ترتفع واحدة تلو الأخرى كأحجار الدومينو، لينقلب المكان بأسره إلى ساحة من الخوف الصامت والمطبق.
“هذه العبدة.. ماذا تفعل بالضبط؟ وهل تعرف هذا الكيان؟”؛ أردف هاربر بنبرة هادئة لكنها مشوبة بالتعجب.
أما رالرل، فقد تمتم وعيناه تضيقان تكتيكياً وهو يراقب ملامح جسد نومريس المتغيرة: “إنه عبد مريض.. لا بد وأنه هو نفسه من أيقظ مرضه قبل مدة قصيرة”.
وفي تلك اللحظة بالذات، دوت في الآذان خربشات غريبة بدت وكأنها تقترب وتدنو ببطء، محتلة فضاء المكان؛ لقد كان المخلوق يقف باعتزاز في كبد الهواء، عائداً للظهور من جديد وهو لا يزال يحمل رونيا، والدة نومريس، بين يديه بكل حرص.
وفي تلك اللحظة بالذات، دوت في الآذان خربشات غريبة بدت وكأنها تقترب وتدنو ببطء، محتلة فضاء المكان؛ لقد كان المخلوق يقف باعتزاز في كبد الهواء، عائداً للظهور من جديد وهو لا يزال يحمل رونيا، والدة نومريس، بين يديه بكل حرص.
“ولماذا يتخذ هذه الهيئة المرعبة والمشوهة بالظلام؟ وما دخل علّته المرضية بهذا الوحش القابع في السماء؟”؛ تساءل تورنيست بوجل وتوجس.
كان هناك سؤال واحد مهول يدور في أذهان آلاف الجنود: ما هذا الشيء الجاثم فوق رؤوسنا؟
التفت الوحش بنظراته المهيبة نحو نومريس، وقال بصوت حازم نفذ في وعيه: “هذا يكفي.. ما زلت في البداية، وعليك ألا تضغط على حدود جسدك ونفسك وأنت لا تدرك بعد حجم المخاطر والتبعات التي تترتب على هذا الأمر”.
انتبه جندي آخر إلى جلبة زميله، فرفع رأسه هو الآخر مستطلعاً، لتخرج منه تمتمة مرعوبة: “م… ما هذا الكيان؟!”. وسرعان ما بدأت الرؤوس ترتفع واحدة تلو الأخرى كأحجار الدومينو، لينقلب المكان بأسره إلى ساحة من الخوف الصامت والمطبق.
ولم يكد المخلوق ينهي كلماته حتى حرم نومريس من فرصة الرد؛ إذ صعد مجدداً نحو كبد السماء بخفة مرعبة، معلناً أنه لا مجال لمزيد من الانتظار أو التريث. لوح المخلوق بإصبعه ببرود، وصادف ذلك دوي صوت خربشات فرشاة حادة تخط فوق أسطر الورق، وتمتم بكلمة واحدة هزت أركان الوجود: “نطاق الخوف!”.
“إنه…”؛ لم يقو العجوز على نطق الاسم أو إتمامه من شدة الوجل؛ إذ كان ينظر بنفاد صبر نحو ذلك الذئب الأسطوري الذي كان من المفترض أن يقود خطى العشيرة نحو الوجهة التي يتحتم عليهم الذهاب إليها.. لكن لم يخطر ببال أحد منهم، ولو في أشد أحلامهم جنوناً، أن ذلك الكيان سيقوم بجر الجزيرة بأكملها واقتلاعها من جذورها لتسير خلفه!
وما إن تلفظ بتلك الكلمة، حتى حدث ما لم تتخيله عقول البشر؛ ارتفع كل شخص قابع على أرض الجزيرة نحو السماء بغتة.. صغيراً كان أم كبيراً، رجلاً أم امرأة، باستثناء سلالة ونسب نومريس. بدأ الفتى ينظر إلى الجموع والجيوش المحتشدة والذين باتوا يحلقون في الأعالي عاجزين كأسراب من النمل المفزوع.
اندفع ليروين وهاربر بخطوات حثيثة، ومعهما نيلام الذي كان يوجه نظراته القلقة نحو الجبهة؛ وفي ذات اللحظة، جرى روكي بكل قوته وخلفه جنديان من نخبته يستطلعون وضع فولكس فاجن. حتى بوليت، قائد جيش نوركيث، لم يملك خياراً سوى كسر جموده والاندفاع هو الآخر صوب جبهة الجدار، عندما أبصر تلك الشخصية الظلية الغامضة وهي تكافح للوقوف ببطء، ولا تزال قبضتها متشبثة بإحكام مريب بمقبض سيفها الأسود الحالك.
ولم يسلم من هذا الصعود القسري أحد؛ حتى أولئك الذين كانوا يتحصنون في أعمق المنازل والملاجئ تحت الأرض، وجدوا أنفسهم يُسحبون نحو الأعالي. أدرك أقوى الأشخاص في الساحة أن الموقف قد تجاوز حدود قدراتهم وبلغ مرحلة من الخطر الوجودي القاتل؛ بل حتى الملك المزعوم كان يصرخ بهستيرية مطلقة وهو يلعن ويهدر بقوة، غير أن صوته تلاشى تماماً وانقطع فجأة عندما فرقع المخلوق أصابعه ببرود.
ما إن وطئت قدم العجوز الأرض ورفع رأسه مستطلعاً، حتى لاحظ أن المخلوق المهول يوجه نظراته بعيداً، ولم يكن يكترث بوجوده هو على الإطلاق. التفت العجوز غريزياً إلى نفس النقطة التي يحدق فيها الوحش، فإذا به يرى نومريس واقفاً بهيئته الشاذة.
وفي تلك اللحظة بالذات، اختفى الجميع من البقعة تماماً، وتزامن ذلك مع انبثاق أربعة أعمدة دخانية مهولة اختلطت بضباب أبيض كثيف ارتفعت لتشق عنان السماء، بينما بدأت الأرض من تحتهم تهتز وتترنح بعنف زلزالي غير مسبوق.
التفت الوحش بنظراته المهيبة نحو نومريس، وقال بصوت حازم نفذ في وعيه: “هذا يكفي.. ما زلت في البداية، وعليك ألا تضغط على حدود جسدك ونفسك وأنت لا تدرك بعد حجم المخاطر والتبعات التي تترتب على هذا الأمر”.
***
وفي المنطقة الشمالية، وتحديداً خلف مضيق جبال هيماز الوعرة، كان بيهام قد وصل لتوه رفقة أبناء عشيرته وعرقه نحو الشاطئ المستهدف؛ لكن المشهد الذي استقبل عيونهم صدم نفوسهم وجمد الدماء في عروقهم فور شعورهم بذلك الارتجاج الأرضي العنيف.
“من هذان الكيانان؟ هل هما دخيلان أيضاً؟ وما بال هذه الهيئة الشاذة والمرعبة التي يبدوان عليها؟!”؛ تمتمت مارلين بتوجس وقلق شديدين وهي تراقب الموقف عن كثب.
“الجزيرة.. الجزيرة بأكملها تتحرك وتنزاح من مكانها!”؛ قال بيهام وهو يقف مشلول الأطراف من هول الصدمة التي ألجمت عقله.
“أيها الجد.. انظر هناك!”؛ لوح الفتى روبي بيده مذهولاً نحو الأعمدة الدخانية الأربعة الشاهقة في الأفق البعيد، والتي بدا وكأنها قيود وسلاسل تجر الجزيرة جراً عبر عباب البحر.
«إنهم الفيالق»؛ حدث ليروين نفسه بصدمة عارمة أخرست لسانه، وهو يرى ثلاثة من أعظم قادة النخبة العسكرية يسقطون بهذه الكيفية المزرية ويقبعون على مسافة قريبة من بعضهم البعض.
“إنه…”؛ لم يقو العجوز على نطق الاسم أو إتمامه من شدة الوجل؛ إذ كان ينظر بنفاد صبر نحو ذلك الذئب الأسطوري الذي كان من المفترض أن يقود خطى العشيرة نحو الوجهة التي يتحتم عليهم الذهاب إليها.. لكن لم يخطر ببال أحد منهم، ولو في أشد أحلامهم جنوناً، أن ذلك الكيان سيقوم بجر الجزيرة بأكملها واقتلاعها من جذورها لتسير خلفه!
“إنه…”؛ لم يقو العجوز على نطق الاسم أو إتمامه من شدة الوجل؛ إذ كان ينظر بنفاد صبر نحو ذلك الذئب الأسطوري الذي كان من المفترض أن يقود خطى العشيرة نحو الوجهة التي يتحتم عليهم الذهاب إليها.. لكن لم يخطر ببال أحد منهم، ولو في أشد أحلامهم جنوناً، أن ذلك الكيان سيقوم بجر الجزيرة بأكملها واقتلاعها من جذورها لتسير خلفه!
“هناك شخص آخر يقف هناك!”؛ صرخ أحد الجنود وهو يشير مباشرة نحو نومريس.
وفي تلك اللحظة بالذات، اختفى الجميع من البقعة تماماً، وتزامن ذلك مع انبثاق أربعة أعمدة دخانية مهولة اختلطت بضباب أبيض كثيف ارتفعت لتشق عنان السماء، بينما بدأت الأرض من تحتهم تهتز وتترنح بعنف زلزالي غير مسبوق.
نهاية الفصل
“هذه العبدة.. ماذا تفعل بالضبط؟ وهل تعرف هذا الكيان؟”؛ أردف هاربر بنبرة هادئة لكنها مشوبة بالتعجب.
