عالم غريب
وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.
«حسناً، أرني!»
وبمجرد أن استقرت كلمة “قرابين” في مسامعهم، انقبضت صدورهم وانقلبت ملامحهم إلى شحوب جنائزي.
كان نومريس يجلس أعلى التلة كعادته، يرسم تحت أشعة الشمس الباهتة التي تحجبها الغيوم. يتساقط العرق من جبينه بغزارة، يمتزج بغبار الألوان القاتمة.
«اصمتوا أيها القرابين وتقدموا بسرعة! السيد ينتظرنا!»
صليل… صوت معدني ثقيل جرف مسامعه مع هبة ريح باردة.
«لقد انتهيت…»
مع كل خطوة يقترب بها من عتبة المعبد السوداء، كان نومريس يتنفس بنبرات قصيرة ومكتومة من أنفه، محاذراً أن يصدر أي صوت.
وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.
«ما هذا الاختبار الذي ألقته علينا أرواحنا؟»
ارتدى الفرسان دروعاً برونزية متميزة تعكس وهج الثلج الخافت، وقبضوا بأيديهم على رماح طويلة ذات أسنة حادة ومسنونة للغاية.
«أرى أنك تبدو سعيداً، نومريس.»
أمال نومريس حدقتيه نحو الجدار الحجري الرطب، والدموع ما زالت تنساب بصمت:
جاء الصوت من خلفه؛ كان نايلي يصعد التلة حاملاً سلة مملوءة بتفاحٍ أحمر زاهٍ أتى به من أسفل القرية.
نهاية الفصل
اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.
«نايلي؟ هل انتهيت مبكراً اليوم؟»
“اختبار”… هكذا يسمونه؟ أولئك الصبية الأغبياء يظنون أنهم في نزهة روحية لنيل شيء عظيم!
ابتسم نايلي وهو يلقي بتفاحة نحو نومريس: «نعم، وأردت مشاركتك مشاهدة غروب الشمس.»
التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.
«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.
«ماذا رسمت اليوم؟»
التفت نومريس بخفة، ليرى بقية الصبية والأعضاء الذين كانوا معه على السفينة مطوقين باسلسلّة ذاتها، تتصل أطواقهم بسلسلة رئيسية واحدة طويلة.
كنت أظن العالم مكاناً مسالماً، يملك فيه كل شخص حريته الخاصة… لكن الواقع هنا لا يعترف بالحرية، بل يعترف بالدماء.
«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.
صليل… صوت معدني ثقيل جرف مسامعه مع هبة ريح باردة.
«ماذا رسمت اليوم؟»
«أمـم… غبي! كيف لي أن أعرف؟ هل حلمت بها أيضاً اليوم؟»
«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.
«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.
في الظلام الدامس لدهليز المعبد، تلاحقت أنفاس الصبية من حوله برعبٍ مسموع، بينما ثبت نومريس عينيه على الحجر الأسود أسفل قدميه الحافيتين.
«حسناً، أرني!»
«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.
التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.
قلب نومريس اللوحة ليركّز نايلي نظره عليها.
كل ما أردته هو أن أعيش حياة هادئة.
أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.
كانت مفصولة إلى جزأين متناقضين: في الأعلى، بوابة حجرية هائلة تتصدرها ثلاثة جماجم لذئب محفورة ببرود.
لم تكن ألسنة اللهب المشتعلة أمام المعبد سوى وقودٍ لطقسٍ بدائي؛ راقصون يطوفون بدوائر مجهودة، يُلقون في الهواء بأتربة سوداء تتفرقع فوق الجمر لتطلق دخاناً كئيباً يذوب في الثلج المتساقط.
وفي الأسفل، قاعة واسعة يُنصفها مذبح مستطيل تلتهمه الشموع، وفي أقصى القاعة عرشٌ متآكل يجلس عليه هيكل عظمي بثلاثة رؤوس ذئب.
تطلع نايلي إليها بغرابة: «تبدو هذه البوابة مريبة… وتلك الغرفة كذلك. كيف ترسم هذه الأشياء دائماً؟ أنت لست طبيعياً، لقد أخبرتك من قبل!»
كان نومريس يجلس أعلى التلة كعادته، يرسم تحت أشعة الشمس الباهتة التي تحجبها الغيوم. يتساقط العرق من جبينه بغزارة، يمتزج بغبار الألوان القاتمة.
أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.
ما هذا المكان؟
ابتسم نايلي وهو يلقي بتفاحة نحو نومريس: «نعم، وأردت مشاركتك مشاهدة غروب الشمس.»
فتح نومريس عينيه ببطء. أحس بلسعة برد حادة تسري أسفل قدميه الحافيتين، برودة قارسة أسرعت في إيقاظ وعيه الغائم.
وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.
اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.
«أين أنا؟»
بدأ يرمش ببطء، محاولاً طرد الضباب الذي يغشى أبصاره.
رد صبي آخر من أعضاء القبيلة يُدعى مايجي بنبرة قلقة: «ماذا سنفعل الآن؟»
لم يكن يرى حوله سوى بياض ناصع وممتد، بياض يغطي كل شبر حتى يلتقي بالأفق الغائم.
ثلج؟
صليل… صوت معدني ثقيل جرف مسامعه مع هبة ريح باردة.
“اختبار”… هكذا يسمونه؟ أولئك الصبية الأغبياء يظنون أنهم في نزهة روحية لنيل شيء عظيم!
فأجابه صبي ثالث بصوت يحاول استجلاء شجاعة واهية: «علينا تجاوز هذا الاختبار لنوقظ الجنين الروحي… هذا اختبار فرضه الكيان الروحي وعلينا تخطيه.»
شعر بثقل يشد أسفل قدميه، وثقل آخر يقيد حرية يديه. وحول عنقه أيضاً…
كان هناك طوق معدني بارد يلتصق بجلده كأنه قيد جنائزي.
فتح نومريس عينيه ببطء. أحس بلسعة برد حادة تسري أسفل قدميه الحافيتين، برودة قارسة أسرعت في إيقاظ وعيه الغائم.
رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.
قلب نومريس اللوحة ليركّز نايلي نظره عليها.
فجأة، بدأت الهمسات تتسلل من خلفه، أصوات متقطعة يكتنفها الرعب والذهول:
ثلج؟
«ما الذي جرى لي… ما الذي يحدث؟»
«أين نحن؟»
استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.
«ما هذا المكان؟»
يهللون ويرقصون في أشكال دائرة بدائية كأنهم يمارسون شعوذة أسطورية لاستحضار كيان غير مادي.
«لماذا نحن مقيدون هكذا؟!»
التفت نومريس بخفة، ليرى بقية الصبية والأعضاء الذين كانوا معه على السفينة مطوقين باسلسلّة ذاتها، تتصل أطواقهم بسلسلة رئيسية واحدة طويلة.
لم أكن أريد هذه الحياة القط.
تخطت البوابة أجسادهم، وانطبقت خلفهم الضوضاء الخارجية فجأة، وكأن صخب الطبول والنار قد قُطع بسكين.
لم يعودوا في البحر المفتوح، ولا فوق ظهر السفينة الكبيرة… بل أصبحوا طابوراً مقيداً من العبيد، يُساقون ببطء فوق الأرض الثلجية اللانهائية.
لم يكن يرى حوله سوى بياض ناصع وممتد، بياض يغطي كل شبر حتى يلتقي بالأفق الغائم.
كان الممر الذي يطؤونه ينحسر داخل غابة من الأشجار الميتة، التي انتصبت أغصانها العارية كأصابع من جليد تشير إلى السماء.
وحولهم، كانت مجموعة من الفرسان تطوقهم فوق ظهور أحصنة ضخمة، تقودهم بثبات حذر نحو مصير مجهول.
«قرابين؟… ماذا يعني هذا بحق الجحيم؟» استفسر أحد الصبية بصوت خافت تملكه الرعب.
ارتدى الفرسان دروعاً برونزية متميزة تعكس وهج الثلج الخافت، وقبضوا بأيديهم على رماح طويلة ذات أسنة حادة ومسنونة للغاية.
شعر بثقل يشد أسفل قدميه، وثقل آخر يقيد حرية يديه. وحول عنقه أيضاً…
وفي مقدمة الطليعة، تقدم فارس يحمل راية حمراء قانية، يرفرف فوقها رسم لذئب بثلاثة رؤوس شرس.
لم يلتفت حوله، ولم يحرك رأسه حتى ميليمتراً واحداً؛ كان يعلم أن حركة واحدة مضطربة من كتفه قد تُقرع السلاسل وتستجلب نظرة الفارس ذي الرمح الطويل.
استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.
ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟
فجأة، سمع صوت أحد الصبية خلفه يهمس بذهول:
لم أكن أريد هذه الحياة القط.
«ما هذا الاختبار الذي ألقته علينا أرواحنا؟»
وفي مقدمة الطليعة، تقدم فارس يحمل راية حمراء قانية، يرفرف فوقها رسم لذئب بثلاثة رؤوس شرس.
ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟
“اختبار؟” تساءل نومريس في سريرته بضياع، فلم يكن يملك أدنى فكرة عن خبايا هذا العالم الروحي.
لم تكن النار لإحراقهم، بل كانت جسراً من الدخان يُشيّد لاستقبالهم.
رد صبي آخر من أعضاء القبيلة يُدعى مايجي بنبرة قلقة: «ماذا سنفعل الآن؟»
وفي تلك البرهة، بدأت ندُف الثلج تتساقط ببطء من السماء الرمادية، تتهادى ببرودة صامتة لتستقر على أكتافهم العارية وجلودهم المرتجفة.
فأجابه صبي ثالث بصوت يحاول استجلاء شجاعة واهية: «علينا تجاوز هذا الاختبار لنوقظ الجنين الروحي… هذا اختبار فرضه الكيان الروحي وعلينا تخطيه.»
ثم أردف بصوت خفيض: «لقد سمعت أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، كانت القدرة التي ينالها صاحبه في النهاية أعظم وأشد ضراوة.»
لكن لم يجرؤ أحد على الإجابة؛ كانت نظرات الفارس القاسية تخترق القلوب وتلجم الألسنة.
تنهد صبي آخر بحنق مكتوم: «ولكن من صاحب هذا الاختبار اللعين الذي جرّنا بأكملنا معه إلى هذا الجحيم؟ لقد غدونا مجرد عبيد في هذا العالم!»
قلب نومريس اللوحة ليركّز نايلي نظره عليها.
استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.
ولم تكد الهمسات تتسع حتى زمجر الفارس بصوت كالصخر:
كان الممر الذي يطؤونه ينحسر داخل غابة من الأشجار الميتة، التي انتصبت أغصانها العارية كأصابع من جليد تشير إلى السماء.
«اصمتوا أيها القرابين وتقدموا بسرعة! السيد ينتظرنا!»
لم يعودوا في البحر المفتوح، ولا فوق ظهر السفينة الكبيرة… بل أصبحوا طابوراً مقيداً من العبيد، يُساقون ببطء فوق الأرض الثلجية اللانهائية.
التفت نومريس بخفة، ليرى بقية الصبية والأعضاء الذين كانوا معه على السفينة مطوقين باسلسلّة ذاتها، تتصل أطواقهم بسلسلة رئيسية واحدة طويلة.
«قرابين؟… ماذا يعني هذا بحق الجحيم؟» استفسر أحد الصبية بصوت خافت تملكه الرعب.
رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.
أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.
لكن لم يجرؤ أحد على الإجابة؛ كانت نظرات الفارس القاسية تخترق القلوب وتلجم الألسنة.
وبمجرد أن استقرت كلمة “قرابين” في مسامعهم، انقبضت صدورهم وانقلبت ملامحهم إلى شحوب جنائزي.
«حسناً، أرني!»
وحول تلك النار المشتعلة، طاف حشد غفير من البشر في طقس هيستيري مريب؛ يدقون طاسات وطبولاً جلودها عتيقة، ويضربون الأكف بصخب متواصل.
بلع الجميع غصة الذعر المكتومة، وتلاشت كل الخلافات لتتوحد أفكارهم حول غاية واحدة لا ثاني لها:
«ما هذا الاختبار الذي ألقته علينا أرواحنا؟»
النجاة من مهلكة هذا الاختبار.
كان الممر الذي يطؤونه ينحسر داخل غابة من الأشجار الميتة، التي انتصبت أغصانها العارية كأصابع من جليد تشير إلى السماء.
وفي تلك البرهة، بدأت ندُف الثلج تتساقط ببطء من السماء الرمادية، تتهادى ببرودة صامتة لتستقر على أكتافهم العارية وجلودهم المرتجفة.
«أرى أنك تبدو سعيداً، نومريس.»
«ما الذي جرى لي… ما الذي يحدث؟»
ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.
في المدى القاصي، انتصب جبل مهيب تشق قممُه السحاب الجليدي، وعند سفحه القاسي انحفر معبد عتيق مبني من صخور سوداء قاتمة تمتص الضوء ولا تعكسه.
صاح الفارس القائد بنبرة أجشة هزت المدى:
وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.
وحول تلك النار المشتعلة، طاف حشد غفير من البشر في طقس هيستيري مريب؛ يدقون طاسات وطبولاً جلودها عتيقة، ويضربون الأكف بصخب متواصل.
وحول تلك النار المشتعلة، طاف حشد غفير من البشر في طقس هيستيري مريب؛ يدقون طاسات وطبولاً جلودها عتيقة، ويضربون الأكف بصخب متواصل.
يهللون ويرقصون في أشكال دائرة بدائية كأنهم يمارسون شعوذة أسطورية لاستحضار كيان غير مادي.
كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.
كنت أظن العالم مكاناً مسالماً، يملك فيه كل شخص حريته الخاصة… لكن الواقع هنا لا يعترف بالحرية، بل يعترف بالدماء.
ارتطم صخب الطبول بالأضلع، مرتجاً في أقفاصهم الصدرية كنبضٍ أجنبي يحاول فرض إيقاعه على قلوبهم.
لم تكن ألسنة اللهب المشتعلة أمام المعبد سوى وقودٍ لطقسٍ بدائي؛ راقصون يطوفون بدوائر مجهودة، يُلقون في الهواء بأتربة سوداء تتفرقع فوق الجمر لتطلق دخاناً كئيباً يذوب في الثلج المتساقط.
لم يكن يبكي بصوت، بل كانت دموعاً صامتة تنهمر رغماً عنه من فرط الضغط الذي يطحن أضلعه.
لم تكن النار لإحراقهم، بل كانت جسراً من الدخان يُشيّد لاستقبالهم.
وفي مقدمة الطليعة، تقدم فارس يحمل راية حمراء قانية، يرفرف فوقها رسم لذئب بثلاثة رؤوس شرس.
جاء الصوت من خلفه؛ كان نايلي يصعد التلة حاملاً سلة مملوءة بتفاحٍ أحمر زاهٍ أتى به من أسفل القرية.
حين اقترب الطابور، انحرف الفرسان بأحصنتهم ليفتحوا مجرى ثابتاً يمر عبر الحلقة الراقصة، متجهاً مباشرة نحو البوابة الحجرية الضخمة للمعبد السحيق.
وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.
تصلبت أطراف نومريس، وانسحب الهواء من رئتيه دفعة واحدة، وابتلع ريقه بجفافٍ جعل حلقه يحتك كجلدٍ يابس.
تجمدت حدقتاه على الظلمة القابعة خلف تلك الأبواب المفتوحة؛ ظلمة ثقيلة لا يصلها وهج النار ولا ألق الثلج.
فجأة، بدأت الهمسات تتسلل من خلفه، أصوات متقطعة يكتنفها الرعب والذهول:
لم يلتفت حوله، ولم يحرك رأسه حتى ميليمتراً واحداً؛ كان يعلم أن حركة واحدة مضطربة من كتفه قد تُقرع السلاسل وتستجلب نظرة الفارس ذي الرمح الطويل.
«قرابين؟… ماذا يعني هذا بحق الجحيم؟» استفسر أحد الصبية بصوت خافت تملكه الرعب.
انكمشت أصابع يديه المقيدتين داخل سحابة بخار أنفاسه المترددة، وضغط بأظافره على لحم كفيه حتى كاد يدميهما، مستخدماً ذلك الألم الخفيف كمرساة تمنع ساقيه من الانهيار تحت ثقل جسده.
فتح نومريس عينيه ببطء. أحس بلسعة برد حادة تسري أسفل قدميه الحافيتين، برودة قارسة أسرعت في إيقاظ وعيه الغائم.
صاح الفارس القائد بنبرة أجشة هزت المدى:
«إلى الداخل! أيها الحمقى!»
مع كل خطوة يقترب بها من عتبة المعبد السوداء، كان نومريس يتنفس بنبرات قصيرة ومكتومة من أنفه، محاذراً أن يصدر أي صوت.
في المدى القاصي، انتصب جبل مهيب تشق قممُه السحاب الجليدي، وعند سفحه القاسي انحفر معبد عتيق مبني من صخور سوداء قاتمة تمتص الضوء ولا تعكسه.
الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”
خفض ذقنه نحو صدره ليحمي عنقه المطرّق بالطوق الحديدي، وألصق ذراعيه بجنبيه ليجعل حركته أضيق ما يكون.
قلب نومريس اللوحة ليركّز نايلي نظره عليها.
انزلقت قدمه الحافية فوق أول درجة حجرية تؤدي للداخل. كان الملمس هناك مختلفاً؛ لم يكن ثلجاً رطباً، بل كان حجراً بارداً أملس، يتضوع برائحة معدنية نفاذة تشبه رائحة الصدأ والدم المترسب منذ قرون.
بلع الجميع غصة الذعر المكتومة، وتلاشت كل الخلافات لتتوحد أفكارهم حول غاية واحدة لا ثاني لها:
وفي مقدمة الطليعة، تقدم فارس يحمل راية حمراء قانية، يرفرف فوقها رسم لذئب بثلاثة رؤوس شرس.
تخطت البوابة أجسادهم، وانطبقت خلفهم الضوضاء الخارجية فجأة، وكأن صخب الطبول والنار قد قُطع بسكين.
لم يلتفت حوله، ولم يحرك رأسه حتى ميليمتراً واحداً؛ كان يعلم أن حركة واحدة مضطربة من كتفه قد تُقرع السلاسل وتستجلب نظرة الفارس ذي الرمح الطويل.
حلّ سكونٌ أعمق وأشد ثقلاً.
كانت مفصولة إلى جزأين متناقضين: في الأعلى، بوابة حجرية هائلة تتصدرها ثلاثة جماجم لذئب محفورة ببرود.
في الظلام الدامس لدهليز المعبد، تلاحقت أنفاس الصبية من حوله برعبٍ مسموع، بينما ثبت نومريس عينيه على الحجر الأسود أسفل قدميه الحافيتين.
يهللون ويرقصون في أشكال دائرة بدائية كأنهم يمارسون شعوذة أسطورية لاستحضار كيان غير مادي.
كنت أظن العالم مكاناً مسالماً، يملك فيه كل شخص حريته الخاصة… لكن الواقع هنا لا يعترف بالحرية، بل يعترف بالدماء.
إهدأ… إياك وأن تدع أنفاسك تخونك.
«أمـم… غبي! كيف لي أن أعرف؟ هل حلمت بها أيضاً اليوم؟»
وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.
انزلقت قطرة دافئة من طرف جفنه، تاركة أثراً حرارياً خاطفاً فوق خدّه المكتسى بالشحوب.
خفض ذقنه نحو صدره ليحمي عنقه المطرّق بالطوق الحديدي، وألصق ذراعيه بجنبيه ليجعل حركته أضيق ما يكون.
لم يكن يبكي بصوت، بل كانت دموعاً صامتة تنهمر رغماً عنه من فرط الضغط الذي يطحن أضلعه.
أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.
توقف صخب النار بالخارج، مما يعني أن الجدران الحجرية ضخمة بما يكفي لعزل الصوت كلياً.
أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.
كان الممر الذي يطؤونه ينحسر داخل غابة من الأشجار الميتة، التي انتصبت أغصانها العارية كأصابع من جليد تشير إلى السماء.
“اختبار”… هكذا يسمونه؟ أولئك الصبية الأغبياء يظنون أنهم في نزهة روحية لنيل شيء عظيم!
كل ما أردته هو أن أعيش حياة هادئة.
أمال نومريس حدقتيه نحو الجدار الحجري الرطب، والدموع ما زالت تنساب بصمت:
لا أريد شيئاً… لا أريد سوى أن أكون الحجر الذي يتجاهله الجميع.
تطلع نايلي إليها بغرابة: «تبدو هذه البوابة مريبة… وتلك الغرفة كذلك. كيف ترسم هذه الأشياء دائماً؟ أنت لست طبيعياً، لقد أخبرتك من قبل!»
الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”
اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.
لم أكن أريد هذه الحياة القط.
كل ما أردته هو أن أعيش حياة هادئة.
كنت أظن العالم مكاناً مسالماً، يملك فيه كل شخص حريته الخاصة… لكن الواقع هنا لا يعترف بالحرية، بل يعترف بالدماء.
نهاية الفصل
السلسلة… ما زالت مشدودة من الأمام والخلف. إذا تعثر أحد الصبية في الظلام وسقط، سيسحب الجميع معه.
اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.
لم يعرف نومريس كم من الوقت مرّ وهو يطأ الحجر البارد داخل هذا الممر، الذي أخذ يضاء بالتدريج بوهج فوانيس خافته معلقة على الجدران، حتى توقفت السلاسل فجأة.
ثم أردف بصوت خفيض: «لقد سمعت أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، كانت القدرة التي ينالها صاحبه في النهاية أعظم وأشد ضراوة.»
أمامهم، امتد بابٌ أسود مهيب، صُنع من معدن قاتم، وحُفرت في أعلاه ثلاثة جماجم بارزة لذئب… بوابة عظيمة لا يبدو أنها من صنع البشر.
التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.
في تلك اللحظة بالذات، كان نايلي يتقدم الخطى مباشرة أمام نومريس في ذلك الطابور المظلم.
«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.
وما إن وقعت عيناه على ضخامة تلك البوابة المهيبة والجماجم الثلاث الباردة المنحوتة في أعلاها، حتى تصلبت قدمه فوق الحجر الأسود وتسمّر في مكانه برهة كأنه ضربته صاعقة.
الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”
ولم تكد الهمسات تتسع حتى زمجر الفارس بصوت كالصخر:
ثم التفت ببطء نحو نومريس، وعلى وجهه ذهولٌ عارم وشحوبٌ يطفح بالرعب، كأنما أدرك للتوّ حقيقة الكابوس الذي يطوق أعناقهم.
في تلك اللحظة بالذات، كان نايلي يتقدم الخطى مباشرة أمام نومريس في ذلك الطابور المظلم.
يهللون ويرقصون في أشكال دائرة بدائية كأنهم يمارسون شعوذة أسطورية لاستحضار كيان غير مادي.
التفت نايلي ببطء نحو نومريس ليرى ردة فعله، لكنه وجده أبعد ما يكون عن هذا المكان… كان نومريس يحدق في البوابة بعينين غائبتين، غارقاً في عالمٍ آخر صامت، كأن روحاً أجنبية تلبسته وهي تطالع أثرها القديم.
«إلى الداخل! أيها الحمقى!»
نهاية الفصل
