Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 8

عالم غريب
PDF

عالم غريب

 

انزلقت قطرة دافئة من طرف جفنه، تاركة أثراً حرارياً خاطفاً فوق خدّه المكتسى بالشحوب.

 

 

 

 

كان نومريس يجلس أعلى التلة كعادته، يرسم تحت أشعة الشمس الباهتة التي تحجبها الغيوم. يتساقط العرق من جبينه بغزارة، يمتزج بغبار الألوان القاتمة.

أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.

 

 

«لقد انتهيت…»

تخطت البوابة أجسادهم، وانطبقت خلفهم الضوضاء الخارجية فجأة، وكأن صخب الطبول والنار قد قُطع بسكين.

 

تصلبت أطراف نومريس، وانسحب الهواء من رئتيه دفعة واحدة، وابتلع ريقه بجفافٍ جعل حلقه يحتك كجلدٍ يابس.

وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.

 

 

 

«أرى أنك تبدو سعيداً، نومريس.»

 

جاء الصوت من خلفه؛ كان نايلي يصعد التلة حاملاً سلة مملوءة بتفاحٍ أحمر زاهٍ أتى به من أسفل القرية.

 

 

انزلقت قطرة دافئة من طرف جفنه، تاركة أثراً حرارياً خاطفاً فوق خدّه المكتسى بالشحوب.

«نايلي؟ هل انتهيت مبكراً اليوم؟»

كان هناك طوق معدني بارد يلتصق بجلده كأنه قيد جنائزي.

ابتسم نايلي وهو يلقي بتفاحة نحو نومريس: «نعم، وأردت مشاركتك مشاهدة غروب الشمس.»

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

 

 

التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.

 

 

 

«ماذا رسمت اليوم؟»

 

 

 

«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.

 

 

 

«أمـم… غبي! كيف لي أن أعرف؟ هل حلمت بها أيضاً اليوم؟»

ثم التفت ببطء نحو نومريس، وعلى وجهه ذهولٌ عارم وشحوبٌ يطفح بالرعب، كأنما أدرك للتوّ حقيقة الكابوس الذي يطوق أعناقهم.

 

صاح الفارس القائد بنبرة أجشة هزت المدى:

«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.

لم تكن النار لإحراقهم، بل كانت جسراً من الدخان يُشيّد لاستقبالهم.

 

وحول تلك النار المشتعلة، طاف حشد غفير من البشر في طقس هيستيري مريب؛ يدقون طاسات وطبولاً جلودها عتيقة، ويضربون الأكف بصخب متواصل.

«حسناً، أرني!»

 

 

في تلك اللحظة بالذات، كان نايلي يتقدم الخطى مباشرة أمام نومريس في ذلك الطابور المظلم.

قلب نومريس اللوحة ليركّز نايلي نظره عليها.

أمامهم، امتد بابٌ أسود مهيب، صُنع من معدن قاتم، وحُفرت في أعلاه ثلاثة جماجم بارزة لذئب… بوابة عظيمة لا يبدو أنها من صنع البشر.

 

 

كانت مفصولة إلى جزأين متناقضين: في الأعلى، بوابة حجرية هائلة تتصدرها ثلاثة جماجم لذئب محفورة ببرود.

فتح نومريس عينيه ببطء. أحس بلسعة برد حادة تسري أسفل قدميه الحافيتين، برودة قارسة أسرعت في إيقاظ وعيه الغائم.

 

 

وفي الأسفل، قاعة واسعة يُنصفها مذبح مستطيل تلتهمه الشموع، وفي أقصى القاعة عرشٌ متآكل يجلس عليه هيكل عظمي بثلاثة رؤوس ذئب.

لم يكن يبكي بصوت، بل كانت دموعاً صامتة تنهمر رغماً عنه من فرط الضغط الذي يطحن أضلعه.

 

«لماذا نحن مقيدون هكذا؟!»

تطلع نايلي إليها بغرابة: «تبدو هذه البوابة مريبة… وتلك الغرفة كذلك. كيف ترسم هذه الأشياء دائماً؟ أنت لست طبيعياً، لقد أخبرتك من قبل!»

 

 

 

أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.

 

 

 

ما هذا المكان؟

تخطت البوابة أجسادهم، وانطبقت خلفهم الضوضاء الخارجية فجأة، وكأن صخب الطبول والنار قد قُطع بسكين.

 

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

فتح نومريس عينيه ببطء. أحس بلسعة برد حادة تسري أسفل قدميه الحافيتين، برودة قارسة أسرعت في إيقاظ وعيه الغائم.

ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟

 

 

«أين أنا؟»

 

بدأ يرمش ببطء، محاولاً طرد الضباب الذي يغشى أبصاره.

 

 

«أين أنا؟»

لم يكن يرى حوله سوى بياض ناصع وممتد، بياض يغطي كل شبر حتى يلتقي بالأفق الغائم.

الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”

 

ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.

ثلج؟

 

صليل… صوت معدني ثقيل جرف مسامعه مع هبة ريح باردة.

«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.

 

«نايلي؟ هل انتهيت مبكراً اليوم؟»

شعر بثقل يشد أسفل قدميه، وثقل آخر يقيد حرية يديه. وحول عنقه أيضاً…

 

 

حلّ سكونٌ أعمق وأشد ثقلاً.

كان هناك طوق معدني بارد يلتصق بجلده كأنه قيد جنائزي.

 

رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.

اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.

 

 

فجأة، بدأت الهمسات تتسلل من خلفه، أصوات متقطعة يكتنفها الرعب والذهول:

كنت أظن العالم مكاناً مسالماً، يملك فيه كل شخص حريته الخاصة… لكن الواقع هنا لا يعترف بالحرية، بل يعترف بالدماء.

«ما الذي جرى لي… ما الذي يحدث؟»

في الظلام الدامس لدهليز المعبد، تلاحقت أنفاس الصبية من حوله برعبٍ مسموع، بينما ثبت نومريس عينيه على الحجر الأسود أسفل قدميه الحافيتين.

«أين نحن؟»

 

«ما هذا المكان؟»

 

«لماذا نحن مقيدون هكذا؟!»

 

 

فأجابه صبي ثالث بصوت يحاول استجلاء شجاعة واهية: «علينا تجاوز هذا الاختبار لنوقظ الجنين الروحي… هذا اختبار فرضه الكيان الروحي وعلينا تخطيه.»

التفت نومريس بخفة، ليرى بقية الصبية والأعضاء الذين كانوا معه على السفينة مطوقين باسلسلّة ذاتها، تتصل أطواقهم بسلسلة رئيسية واحدة طويلة.

مع كل خطوة يقترب بها من عتبة المعبد السوداء، كان نومريس يتنفس بنبرات قصيرة ومكتومة من أنفه، محاذراً أن يصدر أي صوت.

 

 

لم يعودوا في البحر المفتوح، ولا فوق ظهر السفينة الكبيرة… بل أصبحوا طابوراً مقيداً من العبيد، يُساقون ببطء فوق الأرض الثلجية اللانهائية.

«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.

 

 

كان الممر الذي يطؤونه ينحسر داخل غابة من الأشجار الميتة، التي انتصبت أغصانها العارية كأصابع من جليد تشير إلى السماء.

 

 

النجاة من مهلكة هذا الاختبار.

وحولهم، كانت مجموعة من الفرسان تطوقهم فوق ظهور أحصنة ضخمة، تقودهم بثبات حذر نحو مصير مجهول.

لم يكن يبكي بصوت، بل كانت دموعاً صامتة تنهمر رغماً عنه من فرط الضغط الذي يطحن أضلعه.

 

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

ارتدى الفرسان دروعاً برونزية متميزة تعكس وهج الثلج الخافت، وقبضوا بأيديهم على رماح طويلة ذات أسنة حادة ومسنونة للغاية.

 

 

 

وفي مقدمة الطليعة، تقدم فارس يحمل راية حمراء قانية، يرفرف فوقها رسم لذئب بثلاثة رؤوس شرس.

 

 

فجأة، سمع صوت أحد الصبية خلفه يهمس بذهول:

ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟

 

 

«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.

فجأة، سمع صوت أحد الصبية خلفه يهمس بذهول:

 

«ما هذا الاختبار الذي ألقته علينا أرواحنا؟»

 

 

إهدأ… إياك وأن تدع أنفاسك تخونك.

“اختبار؟” تساءل نومريس في سريرته بضياع، فلم يكن يملك أدنى فكرة عن خبايا هذا العالم الروحي.

 

 

 

رد صبي آخر من أعضاء القبيلة يُدعى مايجي بنبرة قلقة: «ماذا سنفعل الآن؟»

«أين نحن؟»

 

 

فأجابه صبي ثالث بصوت يحاول استجلاء شجاعة واهية: «علينا تجاوز هذا الاختبار لنوقظ الجنين الروحي… هذا اختبار فرضه الكيان الروحي وعلينا تخطيه.»

 

 

 

ثم أردف بصوت خفيض: «لقد سمعت أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، كانت القدرة التي ينالها صاحبه في النهاية أعظم وأشد ضراوة.»

الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”

 

 

تنهد صبي آخر بحنق مكتوم: «ولكن من صاحب هذا الاختبار اللعين الذي جرّنا بأكملنا معه إلى هذا الجحيم؟ لقد غدونا مجرد عبيد في هذا العالم!»

كانت مفصولة إلى جزأين متناقضين: في الأعلى، بوابة حجرية هائلة تتصدرها ثلاثة جماجم لذئب محفورة ببرود.

 

وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.

استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.

 

 

 

ولم تكد الهمسات تتسع حتى زمجر الفارس بصوت كالصخر:

انكمشت أصابع يديه المقيدتين داخل سحابة بخار أنفاسه المترددة، وضغط بأظافره على لحم كفيه حتى كاد يدميهما، مستخدماً ذلك الألم الخفيف كمرساة تمنع ساقيه من الانهيار تحت ثقل جسده.

«اصمتوا أيها القرابين وتقدموا بسرعة! السيد ينتظرنا!»

لم تكن النار لإحراقهم، بل كانت جسراً من الدخان يُشيّد لاستقبالهم.

 

صليل… صوت معدني ثقيل جرف مسامعه مع هبة ريح باردة.

«قرابين؟… ماذا يعني هذا بحق الجحيم؟» استفسر أحد الصبية بصوت خافت تملكه الرعب.

التفت نومريس بخفة، ليرى بقية الصبية والأعضاء الذين كانوا معه على السفينة مطوقين باسلسلّة ذاتها، تتصل أطواقهم بسلسلة رئيسية واحدة طويلة.

 

 

لكن لم يجرؤ أحد على الإجابة؛ كانت نظرات الفارس القاسية تخترق القلوب وتلجم الألسنة.

 

 

 

وبمجرد أن استقرت كلمة “قرابين” في مسامعهم، انقبضت صدورهم وانقلبت ملامحهم إلى شحوب جنائزي.

«قرابين؟… ماذا يعني هذا بحق الجحيم؟» استفسر أحد الصبية بصوت خافت تملكه الرعب.

 

 

بلع الجميع غصة الذعر المكتومة، وتلاشت كل الخلافات لتتوحد أفكارهم حول غاية واحدة لا ثاني لها:

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

النجاة من مهلكة هذا الاختبار.

التفت نايلي ببطء نحو نومريس ليرى ردة فعله، لكنه وجده أبعد ما يكون عن هذا المكان… كان نومريس يحدق في البوابة بعينين غائبتين، غارقاً في عالمٍ آخر صامت، كأن روحاً أجنبية تلبسته وهي تطالع أثرها القديم.

 

 

وفي تلك البرهة، بدأت ندُف الثلج تتساقط ببطء من السماء الرمادية، تتهادى ببرودة صامتة لتستقر على أكتافهم العارية وجلودهم المرتجفة.

رد صبي آخر من أعضاء القبيلة يُدعى مايجي بنبرة قلقة: «ماذا سنفعل الآن؟»

 

 

ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.

 

 

 

في المدى القاصي، انتصب جبل مهيب تشق قممُه السحاب الجليدي، وعند سفحه القاسي انحفر معبد عتيق مبني من صخور سوداء قاتمة تمتص الضوء ولا تعكسه.

 

 

لم تكن ألسنة اللهب المشتعلة أمام المعبد سوى وقودٍ لطقسٍ بدائي؛ راقصون يطوفون بدوائر مجهودة، يُلقون في الهواء بأتربة سوداء تتفرقع فوق الجمر لتطلق دخاناً كئيباً يذوب في الثلج المتساقط.

وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.

ابتسم نايلي وهو يلقي بتفاحة نحو نومريس: «نعم، وأردت مشاركتك مشاهدة غروب الشمس.»

 

 

وحول تلك النار المشتعلة، طاف حشد غفير من البشر في طقس هيستيري مريب؛ يدقون طاسات وطبولاً جلودها عتيقة، ويضربون الأكف بصخب متواصل.

التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.

 

«ما هذا المكان؟»

يهللون ويرقصون في أشكال دائرة بدائية كأنهم يمارسون شعوذة أسطورية لاستحضار كيان غير مادي.

ثلج؟

 

 

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

 

 

ارتطم صخب الطبول بالأضلع، مرتجاً في أقفاصهم الصدرية كنبضٍ أجنبي يحاول فرض إيقاعه على قلوبهم.

تجمدت حدقتاه على الظلمة القابعة خلف تلك الأبواب المفتوحة؛ ظلمة ثقيلة لا يصلها وهج النار ولا ألق الثلج.

 

حلّ سكونٌ أعمق وأشد ثقلاً.

لم تكن ألسنة اللهب المشتعلة أمام المعبد سوى وقودٍ لطقسٍ بدائي؛ راقصون يطوفون بدوائر مجهودة، يُلقون في الهواء بأتربة سوداء تتفرقع فوق الجمر لتطلق دخاناً كئيباً يذوب في الثلج المتساقط.

كان هناك طوق معدني بارد يلتصق بجلده كأنه قيد جنائزي.

لم تكن النار لإحراقهم، بل كانت جسراً من الدخان يُشيّد لاستقبالهم.

 

 

 

حين اقترب الطابور، انحرف الفرسان بأحصنتهم ليفتحوا مجرى ثابتاً يمر عبر الحلقة الراقصة، متجهاً مباشرة نحو البوابة الحجرية الضخمة للمعبد السحيق.

 

 

أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.

تصلبت أطراف نومريس، وانسحب الهواء من رئتيه دفعة واحدة، وابتلع ريقه بجفافٍ جعل حلقه يحتك كجلدٍ يابس.

انزلقت قطرة دافئة من طرف جفنه، تاركة أثراً حرارياً خاطفاً فوق خدّه المكتسى بالشحوب.

 

التفت نومريس بخفة، ليرى بقية الصبية والأعضاء الذين كانوا معه على السفينة مطوقين باسلسلّة ذاتها، تتصل أطواقهم بسلسلة رئيسية واحدة طويلة.

تجمدت حدقتاه على الظلمة القابعة خلف تلك الأبواب المفتوحة؛ ظلمة ثقيلة لا يصلها وهج النار ولا ألق الثلج.

 

 

ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟

لم يلتفت حوله، ولم يحرك رأسه حتى ميليمتراً واحداً؛ كان يعلم أن حركة واحدة مضطربة من كتفه قد تُقرع السلاسل وتستجلب نظرة الفارس ذي الرمح الطويل.

 

 

كان هناك طوق معدني بارد يلتصق بجلده كأنه قيد جنائزي.

انكمشت أصابع يديه المقيدتين داخل سحابة بخار أنفاسه المترددة، وضغط بأظافره على لحم كفيه حتى كاد يدميهما، مستخدماً ذلك الألم الخفيف كمرساة تمنع ساقيه من الانهيار تحت ثقل جسده.

تطلع نايلي إليها بغرابة: «تبدو هذه البوابة مريبة… وتلك الغرفة كذلك. كيف ترسم هذه الأشياء دائماً؟ أنت لست طبيعياً، لقد أخبرتك من قبل!»

 

 

صاح الفارس القائد بنبرة أجشة هزت المدى:

 

«إلى الداخل! أيها الحمقى!»

 

 

أمال نومريس حدقتيه نحو الجدار الحجري الرطب، والدموع ما زالت تنساب بصمت:

مع كل خطوة يقترب بها من عتبة المعبد السوداء، كان نومريس يتنفس بنبرات قصيرة ومكتومة من أنفه، محاذراً أن يصدر أي صوت.

في تلك اللحظة بالذات، كان نايلي يتقدم الخطى مباشرة أمام نومريس في ذلك الطابور المظلم.

 

السلسلة… ما زالت مشدودة من الأمام والخلف. إذا تعثر أحد الصبية في الظلام وسقط، سيسحب الجميع معه.

خفض ذقنه نحو صدره ليحمي عنقه المطرّق بالطوق الحديدي، وألصق ذراعيه بجنبيه ليجعل حركته أضيق ما يكون.

 

 

 

انزلقت قدمه الحافية فوق أول درجة حجرية تؤدي للداخل. كان الملمس هناك مختلفاً؛ لم يكن ثلجاً رطباً، بل كان حجراً بارداً أملس، يتضوع برائحة معدنية نفاذة تشبه رائحة الصدأ والدم المترسب منذ قرون.

 

 

 

تخطت البوابة أجسادهم، وانطبقت خلفهم الضوضاء الخارجية فجأة، وكأن صخب الطبول والنار قد قُطع بسكين.

 

حلّ سكونٌ أعمق وأشد ثقلاً.

 

 

 

في الظلام الدامس لدهليز المعبد، تلاحقت أنفاس الصبية من حوله برعبٍ مسموع، بينما ثبت نومريس عينيه على الحجر الأسود أسفل قدميه الحافيتين.

 

 

توقف صخب النار بالخارج، مما يعني أن الجدران الحجرية ضخمة بما يكفي لعزل الصوت كلياً.

إهدأ… إياك وأن تدع أنفاسك تخونك.

وفي تلك البرهة، بدأت ندُف الثلج تتساقط ببطء من السماء الرمادية، تتهادى ببرودة صامتة لتستقر على أكتافهم العارية وجلودهم المرتجفة.

 

توقف صخب النار بالخارج، مما يعني أن الجدران الحجرية ضخمة بما يكفي لعزل الصوت كلياً.

انزلقت قطرة دافئة من طرف جفنه، تاركة أثراً حرارياً خاطفاً فوق خدّه المكتسى بالشحوب.

 

لم يكن يبكي بصوت، بل كانت دموعاً صامتة تنهمر رغماً عنه من فرط الضغط الذي يطحن أضلعه.

«ما هذا الاختبار الذي ألقته علينا أرواحنا؟»

 

انزلقت قطرة دافئة من طرف جفنه، تاركة أثراً حرارياً خاطفاً فوق خدّه المكتسى بالشحوب.

توقف صخب النار بالخارج، مما يعني أن الجدران الحجرية ضخمة بما يكفي لعزل الصوت كلياً.

 

أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.

 

 

وفي تلك البرهة، بدأت ندُف الثلج تتساقط ببطء من السماء الرمادية، تتهادى ببرودة صامتة لتستقر على أكتافهم العارية وجلودهم المرتجفة.

“اختبار”… هكذا يسمونه؟ أولئك الصبية الأغبياء يظنون أنهم في نزهة روحية لنيل شيء عظيم!

استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.

 

لكن لم يجرؤ أحد على الإجابة؛ كانت نظرات الفارس القاسية تخترق القلوب وتلجم الألسنة.

أمال نومريس حدقتيه نحو الجدار الحجري الرطب، والدموع ما زالت تنساب بصمت:

«لقد انتهيت…»

لا أريد شيئاً… لا أريد سوى أن أكون الحجر الذي يتجاهله الجميع.

استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.

 

«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.

الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”

ارتطم صخب الطبول بالأضلع، مرتجاً في أقفاصهم الصدرية كنبضٍ أجنبي يحاول فرض إيقاعه على قلوبهم.

اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.

توقف صخب النار بالخارج، مما يعني أن الجدران الحجرية ضخمة بما يكفي لعزل الصوت كلياً.

لم أكن أريد هذه الحياة القط.

أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.

كل ما أردته هو أن أعيش حياة هادئة.

السلسلة… ما زالت مشدودة من الأمام والخلف. إذا تعثر أحد الصبية في الظلام وسقط، سيسحب الجميع معه.

كنت أظن العالم مكاناً مسالماً، يملك فيه كل شخص حريته الخاصة… لكن الواقع هنا لا يعترف بالحرية، بل يعترف بالدماء.

 

 

 

السلسلة… ما زالت مشدودة من الأمام والخلف. إذا تعثر أحد الصبية في الظلام وسقط، سيسحب الجميع معه.

 

 

 

لم يعرف نومريس كم من الوقت مرّ وهو يطأ الحجر البارد داخل هذا الممر، الذي أخذ يضاء بالتدريج بوهج فوانيس خافته معلقة على الجدران، حتى توقفت السلاسل فجأة.

 

 

 

أمامهم، امتد بابٌ أسود مهيب، صُنع من معدن قاتم، وحُفرت في أعلاه ثلاثة جماجم بارزة لذئب… بوابة عظيمة لا يبدو أنها من صنع البشر.

استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.

 

وحولهم، كانت مجموعة من الفرسان تطوقهم فوق ظهور أحصنة ضخمة، تقودهم بثبات حذر نحو مصير مجهول.

في تلك اللحظة بالذات، كان نايلي يتقدم الخطى مباشرة أمام نومريس في ذلك الطابور المظلم.

النجاة من مهلكة هذا الاختبار.

 

وفي تلك البرهة، بدأت ندُف الثلج تتساقط ببطء من السماء الرمادية، تتهادى ببرودة صامتة لتستقر على أكتافهم العارية وجلودهم المرتجفة.

وما إن وقعت عيناه على ضخامة تلك البوابة المهيبة والجماجم الثلاث الباردة المنحوتة في أعلاها، حتى تصلبت قدمه فوق الحجر الأسود وتسمّر في مكانه برهة كأنه ضربته صاعقة.

كانت مفصولة إلى جزأين متناقضين: في الأعلى، بوابة حجرية هائلة تتصدرها ثلاثة جماجم لذئب محفورة ببرود.

 

شعر بثقل يشد أسفل قدميه، وثقل آخر يقيد حرية يديه. وحول عنقه أيضاً…

ثم التفت ببطء نحو نومريس، وعلى وجهه ذهولٌ عارم وشحوبٌ يطفح بالرعب، كأنما أدرك للتوّ حقيقة الكابوس الذي يطوق أعناقهم.

 

 

 

التفت نايلي ببطء نحو نومريس ليرى ردة فعله، لكنه وجده أبعد ما يكون عن هذا المكان… كان نومريس يحدق في البوابة بعينين غائبتين، غارقاً في عالمٍ آخر صامت، كأن روحاً أجنبية تلبسته وهي تطالع أثرها القديم.

«قرابين؟… ماذا يعني هذا بحق الجحيم؟» استفسر أحد الصبية بصوت خافت تملكه الرعب.

 

وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.

نهاية الفصل

«لقد انتهيت…»

لكن لم يجرؤ أحد على الإجابة؛ كانت نظرات الفارس القاسية تخترق القلوب وتلجم الألسنة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط