Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 8

عالم غريب
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

عالم غريب

 

ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.

 

 

 

 

كان نومريس يجلس أعلى التلة كعادته، يرسم تحت أشعة الشمس الباهتة التي تحجبها الغيوم. يتساقط العرق من جبينه بغزارة، يمتزج بغبار الألوان القاتمة.

 

 

نهاية الفصل

«لقد انتهيت…»

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

 

 

وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.

وفي الأسفل، قاعة واسعة يُنصفها مذبح مستطيل تلتهمه الشموع، وفي أقصى القاعة عرشٌ متآكل يجلس عليه هيكل عظمي بثلاثة رؤوس ذئب.

 

 

«أرى أنك تبدو سعيداً، نومريس.»

«ماذا رسمت اليوم؟»

جاء الصوت من خلفه؛ كان نايلي يصعد التلة حاملاً سلة مملوءة بتفاحٍ أحمر زاهٍ أتى به من أسفل القرية.

 

 

 

«نايلي؟ هل انتهيت مبكراً اليوم؟»

 

ابتسم نايلي وهو يلقي بتفاحة نحو نومريس: «نعم، وأردت مشاركتك مشاهدة غروب الشمس.»

وحولهم، كانت مجموعة من الفرسان تطوقهم فوق ظهور أحصنة ضخمة، تقودهم بثبات حذر نحو مصير مجهول.

 

التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.

التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.

 

 

لم تكن النار لإحراقهم، بل كانت جسراً من الدخان يُشيّد لاستقبالهم.

«ماذا رسمت اليوم؟»

ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟

 

تطلع نايلي إليها بغرابة: «تبدو هذه البوابة مريبة… وتلك الغرفة كذلك. كيف ترسم هذه الأشياء دائماً؟ أنت لست طبيعياً، لقد أخبرتك من قبل!»

«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.

 

 

 

«أمـم… غبي! كيف لي أن أعرف؟ هل حلمت بها أيضاً اليوم؟»

لا أريد شيئاً… لا أريد سوى أن أكون الحجر الذي يتجاهله الجميع.

 

«إلى الداخل! أيها الحمقى!»

«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.

 

 

 

«حسناً، أرني!»

 

 

انكمشت أصابع يديه المقيدتين داخل سحابة بخار أنفاسه المترددة، وضغط بأظافره على لحم كفيه حتى كاد يدميهما، مستخدماً ذلك الألم الخفيف كمرساة تمنع ساقيه من الانهيار تحت ثقل جسده.

قلب نومريس اللوحة ليركّز نايلي نظره عليها.

 

 

 

كانت مفصولة إلى جزأين متناقضين: في الأعلى، بوابة حجرية هائلة تتصدرها ثلاثة جماجم لذئب محفورة ببرود.

انزلقت قدمه الحافية فوق أول درجة حجرية تؤدي للداخل. كان الملمس هناك مختلفاً؛ لم يكن ثلجاً رطباً، بل كان حجراً بارداً أملس، يتضوع برائحة معدنية نفاذة تشبه رائحة الصدأ والدم المترسب منذ قرون.

 

أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.

وفي الأسفل، قاعة واسعة يُنصفها مذبح مستطيل تلتهمه الشموع، وفي أقصى القاعة عرشٌ متآكل يجلس عليه هيكل عظمي بثلاثة رؤوس ذئب.

«نايلي؟ هل انتهيت مبكراً اليوم؟»

 

 

تطلع نايلي إليها بغرابة: «تبدو هذه البوابة مريبة… وتلك الغرفة كذلك. كيف ترسم هذه الأشياء دائماً؟ أنت لست طبيعياً، لقد أخبرتك من قبل!»

بلع الجميع غصة الذعر المكتومة، وتلاشت كل الخلافات لتتوحد أفكارهم حول غاية واحدة لا ثاني لها:

 

 

أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.

لم يلتفت حوله، ولم يحرك رأسه حتى ميليمتراً واحداً؛ كان يعلم أن حركة واحدة مضطربة من كتفه قد تُقرع السلاسل وتستجلب نظرة الفارس ذي الرمح الطويل.

 

 

ما هذا المكان؟

 

 

«ما هذا المكان؟»

فتح نومريس عينيه ببطء. أحس بلسعة برد حادة تسري أسفل قدميه الحافيتين، برودة قارسة أسرعت في إيقاظ وعيه الغائم.

 

 

وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.

«أين أنا؟»

«اصمتوا أيها القرابين وتقدموا بسرعة! السيد ينتظرنا!»

بدأ يرمش ببطء، محاولاً طرد الضباب الذي يغشى أبصاره.

 

 

 

لم يكن يرى حوله سوى بياض ناصع وممتد، بياض يغطي كل شبر حتى يلتقي بالأفق الغائم.

ارتطم صخب الطبول بالأضلع، مرتجاً في أقفاصهم الصدرية كنبضٍ أجنبي يحاول فرض إيقاعه على قلوبهم.

 

 

ثلج؟

أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.

صليل… صوت معدني ثقيل جرف مسامعه مع هبة ريح باردة.

في تلك اللحظة بالذات، كان نايلي يتقدم الخطى مباشرة أمام نومريس في ذلك الطابور المظلم.

 

 

شعر بثقل يشد أسفل قدميه، وثقل آخر يقيد حرية يديه. وحول عنقه أيضاً…

 

 

“اختبار”… هكذا يسمونه؟ أولئك الصبية الأغبياء يظنون أنهم في نزهة روحية لنيل شيء عظيم!

كان هناك طوق معدني بارد يلتصق بجلده كأنه قيد جنائزي.

تطلع نايلي إليها بغرابة: «تبدو هذه البوابة مريبة… وتلك الغرفة كذلك. كيف ترسم هذه الأشياء دائماً؟ أنت لست طبيعياً، لقد أخبرتك من قبل!»

رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.

كان نومريس يجلس أعلى التلة كعادته، يرسم تحت أشعة الشمس الباهتة التي تحجبها الغيوم. يتساقط العرق من جبينه بغزارة، يمتزج بغبار الألوان القاتمة.

 

«لقد انتهيت…»

فجأة، بدأت الهمسات تتسلل من خلفه، أصوات متقطعة يكتنفها الرعب والذهول:

استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.

«ما الذي جرى لي… ما الذي يحدث؟»

نهاية الفصل

«أين نحن؟»

انزلقت قدمه الحافية فوق أول درجة حجرية تؤدي للداخل. كان الملمس هناك مختلفاً؛ لم يكن ثلجاً رطباً، بل كان حجراً بارداً أملس، يتضوع برائحة معدنية نفاذة تشبه رائحة الصدأ والدم المترسب منذ قرون.

«ما هذا المكان؟»

«ما الذي جرى لي… ما الذي يحدث؟»

«لماذا نحن مقيدون هكذا؟!»

 

 

 

التفت نومريس بخفة، ليرى بقية الصبية والأعضاء الذين كانوا معه على السفينة مطوقين باسلسلّة ذاتها، تتصل أطواقهم بسلسلة رئيسية واحدة طويلة.

ما هذا المكان؟

 

 

لم يعودوا في البحر المفتوح، ولا فوق ظهر السفينة الكبيرة… بل أصبحوا طابوراً مقيداً من العبيد، يُساقون ببطء فوق الأرض الثلجية اللانهائية.

النجاة من مهلكة هذا الاختبار.

 

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

كان الممر الذي يطؤونه ينحسر داخل غابة من الأشجار الميتة، التي انتصبت أغصانها العارية كأصابع من جليد تشير إلى السماء.

رد صبي آخر من أعضاء القبيلة يُدعى مايجي بنبرة قلقة: «ماذا سنفعل الآن؟»

 

 

وحولهم، كانت مجموعة من الفرسان تطوقهم فوق ظهور أحصنة ضخمة، تقودهم بثبات حذر نحو مصير مجهول.

وفي مقدمة الطليعة، تقدم فارس يحمل راية حمراء قانية، يرفرف فوقها رسم لذئب بثلاثة رؤوس شرس.

 

تجمدت حدقتاه على الظلمة القابعة خلف تلك الأبواب المفتوحة؛ ظلمة ثقيلة لا يصلها وهج النار ولا ألق الثلج.

ارتدى الفرسان دروعاً برونزية متميزة تعكس وهج الثلج الخافت، وقبضوا بأيديهم على رماح طويلة ذات أسنة حادة ومسنونة للغاية.

 

 

 

وفي مقدمة الطليعة، تقدم فارس يحمل راية حمراء قانية، يرفرف فوقها رسم لذئب بثلاثة رؤوس شرس.

 

 

«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.

ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟

 

 

 

فجأة، سمع صوت أحد الصبية خلفه يهمس بذهول:

تنهد صبي آخر بحنق مكتوم: «ولكن من صاحب هذا الاختبار اللعين الذي جرّنا بأكملنا معه إلى هذا الجحيم؟ لقد غدونا مجرد عبيد في هذا العالم!»

«ما هذا الاختبار الذي ألقته علينا أرواحنا؟»

ثم أردف بصوت خفيض: «لقد سمعت أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، كانت القدرة التي ينالها صاحبه في النهاية أعظم وأشد ضراوة.»

 

أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.

“اختبار؟” تساءل نومريس في سريرته بضياع، فلم يكن يملك أدنى فكرة عن خبايا هذا العالم الروحي.

النجاة من مهلكة هذا الاختبار.

 

 

رد صبي آخر من أعضاء القبيلة يُدعى مايجي بنبرة قلقة: «ماذا سنفعل الآن؟»

«لماذا نحن مقيدون هكذا؟!»

 

“اختبار؟” تساءل نومريس في سريرته بضياع، فلم يكن يملك أدنى فكرة عن خبايا هذا العالم الروحي.

فأجابه صبي ثالث بصوت يحاول استجلاء شجاعة واهية: «علينا تجاوز هذا الاختبار لنوقظ الجنين الروحي… هذا اختبار فرضه الكيان الروحي وعلينا تخطيه.»

 

 

أمال نومريس حدقتيه نحو الجدار الحجري الرطب، والدموع ما زالت تنساب بصمت:

ثم أردف بصوت خفيض: «لقد سمعت أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، كانت القدرة التي ينالها صاحبه في النهاية أعظم وأشد ضراوة.»

 

 

 

تنهد صبي آخر بحنق مكتوم: «ولكن من صاحب هذا الاختبار اللعين الذي جرّنا بأكملنا معه إلى هذا الجحيم؟ لقد غدونا مجرد عبيد في هذا العالم!»

يهللون ويرقصون في أشكال دائرة بدائية كأنهم يمارسون شعوذة أسطورية لاستحضار كيان غير مادي.

 

تنهد صبي آخر بحنق مكتوم: «ولكن من صاحب هذا الاختبار اللعين الذي جرّنا بأكملنا معه إلى هذا الجحيم؟ لقد غدونا مجرد عبيد في هذا العالم!»

استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.

«ما هذا المكان؟»

 

وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.

ولم تكد الهمسات تتسع حتى زمجر الفارس بصوت كالصخر:

 

«اصمتوا أيها القرابين وتقدموا بسرعة! السيد ينتظرنا!»

 

 

اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.

«قرابين؟… ماذا يعني هذا بحق الجحيم؟» استفسر أحد الصبية بصوت خافت تملكه الرعب.

تجمدت حدقتاه على الظلمة القابعة خلف تلك الأبواب المفتوحة؛ ظلمة ثقيلة لا يصلها وهج النار ولا ألق الثلج.

 

«لقد انتهيت…»

لكن لم يجرؤ أحد على الإجابة؛ كانت نظرات الفارس القاسية تخترق القلوب وتلجم الألسنة.

ارتطم صخب الطبول بالأضلع، مرتجاً في أقفاصهم الصدرية كنبضٍ أجنبي يحاول فرض إيقاعه على قلوبهم.

 

 

وبمجرد أن استقرت كلمة “قرابين” في مسامعهم، انقبضت صدورهم وانقلبت ملامحهم إلى شحوب جنائزي.

 

 

ثم أردف بصوت خفيض: «لقد سمعت أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، كانت القدرة التي ينالها صاحبه في النهاية أعظم وأشد ضراوة.»

بلع الجميع غصة الذعر المكتومة، وتلاشت كل الخلافات لتتوحد أفكارهم حول غاية واحدة لا ثاني لها:

وحول تلك النار المشتعلة، طاف حشد غفير من البشر في طقس هيستيري مريب؛ يدقون طاسات وطبولاً جلودها عتيقة، ويضربون الأكف بصخب متواصل.

النجاة من مهلكة هذا الاختبار.

ابتسم نايلي وهو يلقي بتفاحة نحو نومريس: «نعم، وأردت مشاركتك مشاهدة غروب الشمس.»

 

«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.

وفي تلك البرهة، بدأت ندُف الثلج تتساقط ببطء من السماء الرمادية، تتهادى ببرودة صامتة لتستقر على أكتافهم العارية وجلودهم المرتجفة.

 

 

 

ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.

 

 

«اصمتوا أيها القرابين وتقدموا بسرعة! السيد ينتظرنا!»

في المدى القاصي، انتصب جبل مهيب تشق قممُه السحاب الجليدي، وعند سفحه القاسي انحفر معبد عتيق مبني من صخور سوداء قاتمة تمتص الضوء ولا تعكسه.

في تلك اللحظة بالذات، كان نايلي يتقدم الخطى مباشرة أمام نومريس في ذلك الطابور المظلم.

 

«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.

وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.

في المدى القاصي، انتصب جبل مهيب تشق قممُه السحاب الجليدي، وعند سفحه القاسي انحفر معبد عتيق مبني من صخور سوداء قاتمة تمتص الضوء ولا تعكسه.

 

 

وحول تلك النار المشتعلة، طاف حشد غفير من البشر في طقس هيستيري مريب؛ يدقون طاسات وطبولاً جلودها عتيقة، ويضربون الأكف بصخب متواصل.

ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.

 

 

يهللون ويرقصون في أشكال دائرة بدائية كأنهم يمارسون شعوذة أسطورية لاستحضار كيان غير مادي.

 

 

 

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

 

 

أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.

ارتطم صخب الطبول بالأضلع، مرتجاً في أقفاصهم الصدرية كنبضٍ أجنبي يحاول فرض إيقاعه على قلوبهم.

استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.

 

 

لم تكن ألسنة اللهب المشتعلة أمام المعبد سوى وقودٍ لطقسٍ بدائي؛ راقصون يطوفون بدوائر مجهودة، يُلقون في الهواء بأتربة سوداء تتفرقع فوق الجمر لتطلق دخاناً كئيباً يذوب في الثلج المتساقط.

إهدأ… إياك وأن تدع أنفاسك تخونك.

لم تكن النار لإحراقهم، بل كانت جسراً من الدخان يُشيّد لاستقبالهم.

«ما الذي جرى لي… ما الذي يحدث؟»

 

 

حين اقترب الطابور، انحرف الفرسان بأحصنتهم ليفتحوا مجرى ثابتاً يمر عبر الحلقة الراقصة، متجهاً مباشرة نحو البوابة الحجرية الضخمة للمعبد السحيق.

 

 

حين اقترب الطابور، انحرف الفرسان بأحصنتهم ليفتحوا مجرى ثابتاً يمر عبر الحلقة الراقصة، متجهاً مباشرة نحو البوابة الحجرية الضخمة للمعبد السحيق.

تصلبت أطراف نومريس، وانسحب الهواء من رئتيه دفعة واحدة، وابتلع ريقه بجفافٍ جعل حلقه يحتك كجلدٍ يابس.

 

 

 

تجمدت حدقتاه على الظلمة القابعة خلف تلك الأبواب المفتوحة؛ ظلمة ثقيلة لا يصلها وهج النار ولا ألق الثلج.

 

 

رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.

لم يلتفت حوله، ولم يحرك رأسه حتى ميليمتراً واحداً؛ كان يعلم أن حركة واحدة مضطربة من كتفه قد تُقرع السلاسل وتستجلب نظرة الفارس ذي الرمح الطويل.

رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.

 

قلب نومريس اللوحة ليركّز نايلي نظره عليها.

انكمشت أصابع يديه المقيدتين داخل سحابة بخار أنفاسه المترددة، وضغط بأظافره على لحم كفيه حتى كاد يدميهما، مستخدماً ذلك الألم الخفيف كمرساة تمنع ساقيه من الانهيار تحت ثقل جسده.

 

 

 

صاح الفارس القائد بنبرة أجشة هزت المدى:

 

«إلى الداخل! أيها الحمقى!»

لم يعرف نومريس كم من الوقت مرّ وهو يطأ الحجر البارد داخل هذا الممر، الذي أخذ يضاء بالتدريج بوهج فوانيس خافته معلقة على الجدران، حتى توقفت السلاسل فجأة.

 

وفي الأسفل، قاعة واسعة يُنصفها مذبح مستطيل تلتهمه الشموع، وفي أقصى القاعة عرشٌ متآكل يجلس عليه هيكل عظمي بثلاثة رؤوس ذئب.

مع كل خطوة يقترب بها من عتبة المعبد السوداء، كان نومريس يتنفس بنبرات قصيرة ومكتومة من أنفه، محاذراً أن يصدر أي صوت.

صاح الفارس القائد بنبرة أجشة هزت المدى:

 

فأجابه صبي ثالث بصوت يحاول استجلاء شجاعة واهية: «علينا تجاوز هذا الاختبار لنوقظ الجنين الروحي… هذا اختبار فرضه الكيان الروحي وعلينا تخطيه.»

خفض ذقنه نحو صدره ليحمي عنقه المطرّق بالطوق الحديدي، وألصق ذراعيه بجنبيه ليجعل حركته أضيق ما يكون.

ارتطم صخب الطبول بالأضلع، مرتجاً في أقفاصهم الصدرية كنبضٍ أجنبي يحاول فرض إيقاعه على قلوبهم.

 

 

انزلقت قدمه الحافية فوق أول درجة حجرية تؤدي للداخل. كان الملمس هناك مختلفاً؛ لم يكن ثلجاً رطباً، بل كان حجراً بارداً أملس، يتضوع برائحة معدنية نفاذة تشبه رائحة الصدأ والدم المترسب منذ قرون.

أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.

 

 

تخطت البوابة أجسادهم، وانطبقت خلفهم الضوضاء الخارجية فجأة، وكأن صخب الطبول والنار قد قُطع بسكين.

رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.

حلّ سكونٌ أعمق وأشد ثقلاً.

 

 

تخطت البوابة أجسادهم، وانطبقت خلفهم الضوضاء الخارجية فجأة، وكأن صخب الطبول والنار قد قُطع بسكين.

في الظلام الدامس لدهليز المعبد، تلاحقت أنفاس الصبية من حوله برعبٍ مسموع، بينما ثبت نومريس عينيه على الحجر الأسود أسفل قدميه الحافيتين.

وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.

 

كان هناك طوق معدني بارد يلتصق بجلده كأنه قيد جنائزي.

إهدأ… إياك وأن تدع أنفاسك تخونك.

ما هذا المكان؟

 

ثلج؟

انزلقت قطرة دافئة من طرف جفنه، تاركة أثراً حرارياً خاطفاً فوق خدّه المكتسى بالشحوب.

كان الممر الذي يطؤونه ينحسر داخل غابة من الأشجار الميتة، التي انتصبت أغصانها العارية كأصابع من جليد تشير إلى السماء.

لم يكن يبكي بصوت، بل كانت دموعاً صامتة تنهمر رغماً عنه من فرط الضغط الذي يطحن أضلعه.

تنهد صبي آخر بحنق مكتوم: «ولكن من صاحب هذا الاختبار اللعين الذي جرّنا بأكملنا معه إلى هذا الجحيم؟ لقد غدونا مجرد عبيد في هذا العالم!»

 

 

توقف صخب النار بالخارج، مما يعني أن الجدران الحجرية ضخمة بما يكفي لعزل الصوت كلياً.

السلسلة… ما زالت مشدودة من الأمام والخلف. إذا تعثر أحد الصبية في الظلام وسقط، سيسحب الجميع معه.

أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.

 

 

لكن لم يجرؤ أحد على الإجابة؛ كانت نظرات الفارس القاسية تخترق القلوب وتلجم الألسنة.

“اختبار”… هكذا يسمونه؟ أولئك الصبية الأغبياء يظنون أنهم في نزهة روحية لنيل شيء عظيم!

 

 

 

أمال نومريس حدقتيه نحو الجدار الحجري الرطب، والدموع ما زالت تنساب بصمت:

 

لا أريد شيئاً… لا أريد سوى أن أكون الحجر الذي يتجاهله الجميع.

وحولهم، كانت مجموعة من الفرسان تطوقهم فوق ظهور أحصنة ضخمة، تقودهم بثبات حذر نحو مصير مجهول.

 

لم يكن يرى حوله سوى بياض ناصع وممتد، بياض يغطي كل شبر حتى يلتقي بالأفق الغائم.

الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”

 

اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.

كانت مفصولة إلى جزأين متناقضين: في الأعلى، بوابة حجرية هائلة تتصدرها ثلاثة جماجم لذئب محفورة ببرود.

لم أكن أريد هذه الحياة القط.

 

كل ما أردته هو أن أعيش حياة هادئة.

ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.

كنت أظن العالم مكاناً مسالماً، يملك فيه كل شخص حريته الخاصة… لكن الواقع هنا لا يعترف بالحرية، بل يعترف بالدماء.

انكمشت أصابع يديه المقيدتين داخل سحابة بخار أنفاسه المترددة، وضغط بأظافره على لحم كفيه حتى كاد يدميهما، مستخدماً ذلك الألم الخفيف كمرساة تمنع ساقيه من الانهيار تحت ثقل جسده.

 

ثلج؟

السلسلة… ما زالت مشدودة من الأمام والخلف. إذا تعثر أحد الصبية في الظلام وسقط، سيسحب الجميع معه.

ابتسم نايلي وهو يلقي بتفاحة نحو نومريس: «نعم، وأردت مشاركتك مشاهدة غروب الشمس.»

 

 

لم يعرف نومريس كم من الوقت مرّ وهو يطأ الحجر البارد داخل هذا الممر، الذي أخذ يضاء بالتدريج بوهج فوانيس خافته معلقة على الجدران، حتى توقفت السلاسل فجأة.

 

 

ثم التفت ببطء نحو نومريس، وعلى وجهه ذهولٌ عارم وشحوبٌ يطفح بالرعب، كأنما أدرك للتوّ حقيقة الكابوس الذي يطوق أعناقهم.

أمامهم، امتد بابٌ أسود مهيب، صُنع من معدن قاتم، وحُفرت في أعلاه ثلاثة جماجم بارزة لذئب… بوابة عظيمة لا يبدو أنها من صنع البشر.

«اصمتوا أيها القرابين وتقدموا بسرعة! السيد ينتظرنا!»

 

 

في تلك اللحظة بالذات، كان نايلي يتقدم الخطى مباشرة أمام نومريس في ذلك الطابور المظلم.

خفض ذقنه نحو صدره ليحمي عنقه المطرّق بالطوق الحديدي، وألصق ذراعيه بجنبيه ليجعل حركته أضيق ما يكون.

 

 

وما إن وقعت عيناه على ضخامة تلك البوابة المهيبة والجماجم الثلاث الباردة المنحوتة في أعلاها، حتى تصلبت قدمه فوق الحجر الأسود وتسمّر في مكانه برهة كأنه ضربته صاعقة.

أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.

 

 

ثم التفت ببطء نحو نومريس، وعلى وجهه ذهولٌ عارم وشحوبٌ يطفح بالرعب، كأنما أدرك للتوّ حقيقة الكابوس الذي يطوق أعناقهم.

 

 

لم تكن النار لإحراقهم، بل كانت جسراً من الدخان يُشيّد لاستقبالهم.

التفت نايلي ببطء نحو نومريس ليرى ردة فعله، لكنه وجده أبعد ما يكون عن هذا المكان… كان نومريس يحدق في البوابة بعينين غائبتين، غارقاً في عالمٍ آخر صامت، كأن روحاً أجنبية تلبسته وهي تطالع أثرها القديم.

لم يلتفت حوله، ولم يحرك رأسه حتى ميليمتراً واحداً؛ كان يعلم أن حركة واحدة مضطربة من كتفه قد تُقرع السلاسل وتستجلب نظرة الفارس ذي الرمح الطويل.

 

 

نهاية الفصل

انزلقت قدمه الحافية فوق أول درجة حجرية تؤدي للداخل. كان الملمس هناك مختلفاً؛ لم يكن ثلجاً رطباً، بل كان حجراً بارداً أملس، يتضوع برائحة معدنية نفاذة تشبه رائحة الصدأ والدم المترسب منذ قرون.

السلسلة… ما زالت مشدودة من الأمام والخلف. إذا تعثر أحد الصبية في الظلام وسقط، سيسحب الجميع معه.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط