مطاردة
تحرك نومريس بخفةٍ ورشاقة فوق الأسطح المبتلة، يمر كالظل بين الهشيم والصلصال، حتى إن صرير خطواته العابرة جعل بعض الأهالي يصرخون بحنق من داخل أكواخهم:
وقف جوي تحت المطر المنهار وهو يتأمل السماء الداكنة، قبل أن يجول بجهامته في الأرجاء.
وقف جوي أمام مجموعة من حراسه، وأصدر أمراً ببرود: «أخرجوا بعض الأحصنة من الإسطبلات، واربطوها بصورةٍ مكشوفة عند الطريق المؤدي للضاحية الغربية.»
كان الجو مظلماً بشكلٍ غير معتاد، وستائر المطر الحبيسة تحجب الرؤية عن المدى البعيد.
تمتم في سريرته: “إنها الفرصة المثالية ليهرب بها ذاك الصبي…”
ظل نومريس صامتاً كالصخر؛ كانت عيناه الشاخصتان تخترقان حلقة الحراس، بينما يتردد صدى الكلمة في أعماقه بمرارةٍ مكتومة: “عبد…؟”
انقشع الوهم في لحظة، فاندفع الرجال جانباً وهم يصرخون بذعر ليخلوا الطريق أمام جوامح الحصان الذي مر كالعاصفة: «إنه العبد الفار! أوقفوه… إنه يحاول الهرب!»
كان جوي فارع القامة بطولٍ يتجاوز المترين، يمتلك شعراً ذهبياً متوسط الطول، ويرتدي رداءً أزرق داكناً ترصعه جواهر مشرقة تلمع ببريقٍ مكتوم وسط العتمة، بينما يتدلى عند خصره سيفٌ طويل يفيض بالفخامة.
«سأغادر هذه القبيلة مهما كلف الثمن… وحتى إن كان قدري الموت هنا، فسأضمن أن أجرك معي إلى الهاوية!»
أمسك جوي بمقبض سيفه وتنهد ببرود: “من أين يتوجب عليّ بدء البحث الآن؟ عدم الإمساك به حتى هذه اللحظة يعني أنه يمتلك دهاءً يجعله يجيد التخفي… وإن كان الأمر كذلك، فلا بد أنه لم يتجاوز أسوار القبيلة بعد.”
ساد الصمت في عقله.
ثم أردف بثبات: «حسناً… لنبدأ الآن.»
كان جوي فارع القامة بطولٍ يتجاوز المترين، يمتلك شعراً ذهبياً متوسط الطول، ويرتدي رداءً أزرق داكناً ترصعه جواهر مشرقة تلمع ببريقٍ مكتوم وسط العتمة، بينما يتدلى عند خصره سيفٌ طويل يفيض بالفخامة.
خطوةً تلو الأخرى، كانت أقدامه تنغرس وثوقاً في الوحل، حتى أثقل الطين حذاءه الجلدي المتين دون أن يثبط حركة خطاه.
صرَّ نومريس على أسنانه بحزم حين تراءت له مجموعةٌ من حراس القبيلة يقفون وسط الطريق، فدفع الحصان بضربةٍ أشد قوة ليزيد من عصف حركته.
في هذه الأثناء، وعلى مسافةٍ بعيدة من جوي، كان نومريس يتوارى ممدداً فوق سطح أحد الأكواخ المرتفعة؛ كان المطر قد بلله بالكامل حتى التصقت خصلات شعره بوجنتيه، بينما كانت حدقتاه الحمراوتان ترصدان تحركات رجال القبيلة وهم يجوبون الأزقة بأسلحتهم.
نهض نومريس في لمح البصر؛ كان المطر يتساقط على جسده الثقيل، بينما تلطخ شعره ووجهه بالوحل الأسود، وجالت عيناه الحمراوان عبر الوجوه الشاخصة حوله بحثاً عن أملٍ واهٍ أو منفذٍ مستتر، غير أن الدائرة كانت تطوقه تماماً.
ترددت أصوات الحراس من الأسفل وسط هطول المطر:
ترددت أصوات الحراس من الأسفل وسط هطول المطر:
لم يكن ذاك القروي الغاضب يدرك قط أن الظل القافز فوق رأسه في هذه اللحظة بالذات ليس سوى الصبي الفار الذي أقام القبيلة ولم يُقعدها.
«ابحثوا جيداً في كل ركن! الضاحية الغربية تم تطويقها بالكامل، والجنوبية كذلك… لم تتبقَّ سوى الشرقية والشمالية!»
صمتٌ أعمق وأثقل من المطر من حوله.
«نحن نمشط الضاحية الشمالية الآن، والشرقية تحت إشراف الشيخ مانيس بالفعل… جميع منافذ القبيلة محاصرة، ولن يجد ذاك العبد جحراً يختبئ فيه!»
كان نومريس يراقبهم في سكونٍ تام، ممدداً كالظل فوق القش المبتل.
اتسعت ابتسامة نومريس، وألقى نظرةً خاطفة إلى الوراء متمتماً: “وداعاً…”
“على أي حال… يتوجب عليّ التحرك الآن فوراً، ما دامت السماء تمطر بغزارة وتمنحني غطاءً أتحرك تحته.”
“ماذا عساي أن أفعل؟ أحتاج إلى معجزة حقيقية حتى أتمكن من النفاد من هذا الحصار… بل إنني أجهل موطئ قدمي وموقعي بالتحديد.
ولم تكد الدائرة الحصينة تفوق من ذهولها، حتى شق عتمة المطر صراخٌ مذعور ينبعث من مسافاتٍ بعيدة، ممتزجاً مع رنين جرس الطوارئ المدوي في أرجاء القبيلة بزئيرٍ يخلع القلوب:
وثب فوق ظهر الحصان بخفة، وقبض بضراوة على خصلات عرفه الطويل لعدم وجود لجام يوجهه، ثم ركزه بضربةٍ حادة من قدميه عند خاصرتيه.
كل ما أعرفه أن عليّ الوصول إلى تلك المدينة بأي طريقة، ولو كانت بحوزتي خريطة لكان الأمر أيسر بكثير.”
ثم طافت بذهنه فكرةٌ أخرى: “مدينة نيفيريا… أجل، أنا أتذكر اسمها جيداً. لو كان معي نايلي…”
فجأة، انقطع حبل أفكاره.
لبث متصمراً لا يتحرك، قبل أن يهمس بنبرةٍ تفيض بالذهول والحيرة:
ساد الصمت في عقله.
«أيها الأوغاد… ابتعدوا عن سطح منزلي وابحثوا عن ذاك الملعون في مكانٍ آخر!»
صمتٌ أعمق وأثقل من المطر من حوله.
تنهد بأسى، وقد غمر نصف رأسه في الماء المتجمع داخل البرميل، بينما أبقى على عينيه قريبتين من الحافة يراقب منهما حركة الأزقة.
وبعد مناورةٍ خاطفة بين الأكواخ المتراكمة، انفتحت أمام عينيه أخيراً ثغرةٌ واسعة تؤدي مباشرة إلى خارج حدود القبيلة.
لبث متصمراً لا يتحرك، قبل أن يهمس بنبرةٍ تفيض بالذهول والحيرة:
«أيها الأوغاد… ابتعدوا عن سطح منزلي وابحثوا عن ذاك الملعون في مكانٍ آخر!»
غير أن تعابير وجهه انقلبت رأساً على عقب بمجرد أن أعاد نظره إلى الأمام؛ إذ اعترض طريقه فجأة رجلٌ فارع القامة، يرتدي رداءً أزرق وترتسم على محياه ابتسامةٌ واثقة… كان جوي، بملابسه الذهبية، يترصد السلسلة.
“نايلي…؟ من نايلي هذا…؟ ومن يكون هذا الشخص بالذات…؟”
أمسك جوي بمقبض سيفه وتنهد ببرود: “من أين يتوجب عليّ بدء البحث الآن؟ عدم الإمساك به حتى هذه اللحظة يعني أنه يمتلك دهاءً يجعله يجيد التخفي… وإن كان الأمر كذلك، فلا بد أنه لم يتجاوز أسوار القبيلة بعد.”
تداعت في رأسه غشاوةٌ كثيفة من الشتات، واجتاحته حيرةٌ صامتة زلزلت كيانه؛ إذ لم يدرِ قط كيف انزلق ذلك الاسم على لسانه تلقائياً، ولا من هو ذاك الغائب الذي اجتثته يدٌ خفية من نسيج ذاكرته وتركت روحه تناديه دون أن يتعرف عليه عقله.
نفض نومريس رأسه بقوة محاولاً طرد هذا الدوار المفاجئ، وأغمض عينيه للحظة ليحبس الصداع المباغت، ثم تمتم قاطعاً أسر الذكريات الميتة:
“على أي حال… يتوجب عليّ التحرك الآن فوراً، ما دامت السماء تمطر بغزارة وتمنحني غطاءً أتحرك تحته.”
“على أي حال… يتوجب عليّ التحرك الآن فوراً، ما دامت السماء تمطر بغزارة وتمنحني غطاءً أتحرك تحته.”
انتفض مانيس هو الآخر من الطين، ينفض الوحل عن ردائه بصراخٍ يتفجر بالحنق والوعيد: «أيها العبد الملعون… لقد أثرت الفوضى وجعلتنا نركض كالمجانين تحت المطر! أقسم لتندمنَّ على كل خطوة خطوتها!»
تحرك نومريس بخفةٍ ورشاقة فوق الأسطح المبتلة، يمر كالظل بين الهشيم والصلصال، حتى إن صرير خطواته العابرة جعل بعض الأهالي يصرخون بحنق من داخل أكواخهم:
تمتم في سريرته: “إنها الفرصة المثالية ليهرب بها ذاك الصبي…”
«نحن نتعرض للهجوم! نحن نتعرض للهجوم! القبائل الأخرى تشن الحرب علينا!»
«أيها الأوغاد… ابتعدوا عن سطح منزلي وابحثوا عن ذاك الملعون في مكانٍ آخر!»
لم يكن ذاك القروي الغاضب يدرك قط أن الظل القافز فوق رأسه في هذه اللحظة بالذات ليس سوى الصبي الفار الذي أقام القبيلة ولم يُقعدها.
تنهد بأسى، وقد غمر نصف رأسه في الماء المتجمع داخل البرميل، بينما أبقى على عينيه قريبتين من الحافة يراقب منهما حركة الأزقة.
وثب فوق ظهر الحصان بخفة، وقبض بضراوة على خصلات عرفه الطويل لعدم وجود لجام يوجهه، ثم ركزه بضربةٍ حادة من قدميه عند خاصرتيه.
في الأروقة السفلية، امتد صوت جوي الجهوري يخرق صفير الريح وهدير المطر، صارخاً بالرجال: «ابحثوا في مجموعاتٍ منظمة! أي شخصٍ تلمحونه يركض بمفرده احتجزوه وحققوا معه فوراً!»
تجهّدت حواجب نومريس وهو يدرك المصيدة التي وقع فيها، غير أن المفاجأة لم تقف عند هذا الحد؛ إذ اندفع من أعلى قمة الكوخ المجاور جسدٌ ثقيل يسقط عليه كالصاعقة… إنه الشيخ مانيس.
وما إن أصدر جوي أمره حتى تفرقت التجمعات العشوائية، وتحول البحث السائب إلى طوقٍ منظم؛ صار الحراس والأهالي يجوبون الأزقة في مجاميع متراصة، مطاردين كل من يتحرك بمفرده تحت المطر.
انتفض مانيس هو الآخر من الطين، ينفض الوحل عن ردائه بصراخٍ يتفجر بالحنق والوعيد: «أيها العبد الملعون… لقد أثرت الفوضى وجعلتنا نركض كالمجانين تحت المطر! أقسم لتندمنَّ على كل خطوة خطوتها!»
“بدأ الخناق يضيق بي أكثر…” تمتم نومريس بصوتٍ خافت، وهو ينزلق مستتراً داخل برميلٍ خشبي واسع، مركونٍ بجوار حصانٍ أدهم متين.
تحرك نومريس بخفةٍ ورشاقة فوق الأسطح المبتلة، يمر كالظل بين الهشيم والصلصال، حتى إن صرير خطواته العابرة جعل بعض الأهالي يصرخون بحنق من داخل أكواخهم:
كان الحصان بني الفراء، وتنبعث من منخريه أنفاسٌ بيضاء دافئة تتصاعد كالبخار وسط صكيك البرد والهطول.
مسح مانيس الطين عن فكه، وتابع بحدةٍ تخرق صوت الهطول: «تظن أن بإمكانك التغفل عنا والنفاد بجلدك؟ مجرد صبيٍّ شقي يحلم بالحرية… أنت مجرد عبد، فكيف تتجرأ حتى على التفكير في الهرب؟!»
ثبّت نومريس حدقتيه على الحصان، وتأمله برهة: “لم يسبق لي قط أن ركبت حصاناً… فضلاً عن أن امتطائه الآن سيكون بمثابة إعلان جليّ عن موقعي؛ سأجذب أنظار الجميع مجدداً وسيبدأ الكل بمطاردتي.”
“مشكلةٌ حقيقية…” تمتم نومريس بنبرةٍ خفتت فيها شدة الانفعال لتستقر على هدوءٍ بارد ومريب.
تنهد بأسى، وقد غمر نصف رأسه في الماء المتجمع داخل البرميل، بينما أبقى على عينيه قريبتين من الحافة يراقب منهما حركة الأزقة.
“على أي حال… يتوجب عليّ التحرك الآن فوراً، ما دامت السماء تمطر بغزارة وتمنحني غطاءً أتحرك تحته.”
في غضون ثانية، التحم الجسدان، واندفعا بقوة ليرتميا أرضاً وسط الطين والوحل، بينما انزلق الحصان الأدهم بفعل الاصطدام المباغت وفقد توازنه ليهوي صريعاً على الأرض المبتلة.
فجأة، تناهى إلى مسامعه صوت خطواتٍ ثقيلة تنغرس في الوحل بالقرب منه مباشرة، فكتم أنفاسه فوراً وغطس برأسه كاملاً تحت سطح الماء المتجمّد.
«أين اختفى ذاك الفار الملعون…؟! لقد مشطنا كل شبر، فكيف لم يظهر له أثر بعد؟!»
رد عليه حارسٌ آخر بنبرةٍ يملؤها الشك: «ربما يكون قد تسلل إلى أحد الأكواخ ويتوارى في الداخل… فنحن لم نقتحم المنازل لنفتشها بعد.»
صمتٌ أعمق وأثقل من المطر من حوله.
أمسك جوي بمقبض سيفه وتنهد ببرود: “من أين يتوجب عليّ بدء البحث الآن؟ عدم الإمساك به حتى هذه اللحظة يعني أنه يمتلك دهاءً يجعله يجيد التخفي… وإن كان الأمر كذلك، فلا بد أنه لم يتجاوز أسوار القبيلة بعد.”
«معك حق… ولكن لا يُسمح لنا باقتحام البيوت دون إذن؛ فتفتيش منازل الآخرين خرقٌ صريح لقوانين القبيلة.»
تلاشت أصوات الرجال تدريجياً وهي تبتعد في عمق الأزقة، بينما انبثق رأس نومريس من سطح البرميل، يطفو متلهفاً وهو يلتقط أنفاسه المقطوعة بصريرٍ خافت: “عليّ الهرب فوراً… كل ثانية تمر هنا ستجعل الأمور أشد تعقيداً ومواجهتهم مستحيلة.”
رد عليه الحارس الأول بسخط: «إذاً انسَ الأمر… يبدو أن قواعد القبيلة هذه ستكون هي السبب المباشر في نفاد ذاك العبد بفعلته!»
“بدأ الخناق يضيق بي أكثر…” تمتم نومريس بصوتٍ خافت، وهو ينزلق مستتراً داخل برميلٍ خشبي واسع، مركونٍ بجوار حصانٍ أدهم متين.
تلاشت أصوات الرجال تدريجياً وهي تبتعد في عمق الأزقة، بينما انبثق رأس نومريس من سطح البرميل، يطفو متلهفاً وهو يلتقط أنفاسه المقطوعة بصريرٍ خافت: “عليّ الهرب فوراً… كل ثانية تمر هنا ستجعل الأمور أشد تعقيداً ومواجهتهم مستحيلة.”
التفت نومريس إلى الخلف؛ كانت هناك خمسة أحصنة على الأقل تدك الأرض خلفه، وتقترب بخطى متسارعة.
انزلق خارج البرميل متقاطراً بالماء، وجال بنظراته الصارمة نحو الحصان الأدهم لعدة لحظات، قبل أن يحسم أمره بحركةٍ قاطعة خالية من التردد.
وثب فوق ظهر الحصان بخفة، وقبض بضراوة على خصلات عرفه الطويل لعدم وجود لجام يوجهه، ثم ركزه بضربةٍ حادة من قدميه عند خاصرتيه.
صهل الحصان ببرية ارتفعت معها قوائمه الأمامية في الهواء، قبل أن يندفع كالشرارة بين الأزقة والممرات؛ كانت سرعته الخاطفة تشق ركود الطين، مخلّفاً وراءه رذاذ المطر المتناثر من شعره وثيابه التي ترفرف بحدة مع صفيق الرياح.
رد آخر بشك: «ربما يكون الشيخ جوي… أفعاله غريبة كعادته.»
صرَّ نومريس على أسنانه بحزم حين تراءت له مجموعةٌ من حراس القبيلة يقفون وسط الطريق، فدفع الحصان بضربةٍ أشد قوة ليزيد من عصف حركته.
وما إن أصدر جوي أمره حتى تفرقت التجمعات العشوائية، وتحول البحث السائب إلى طوقٍ منظم؛ صار الحراس والأهالي يجوبون الأزقة في مجاميع متراصة، مطاردين كل من يتحرك بمفرده تحت المطر.
تناهى إلى مسامع الحراس صوت وقع الحوافر الثقيلة وهي تطحن الوحل، فتساءل أحدهم بذهول: «من ذاك المعتوه الذي يركب حصانه في وسط هذا الهطول المنهار؟!»
نفض نومريس رأسه بقوة محاولاً طرد هذا الدوار المفاجئ، وأغمض عينيه للحظة ليحبس الصداع المباغت، ثم تمتم قاطعاً أسر الذكريات الميتة:
رد آخر بشك: «ربما يكون الشيخ جوي… أفعاله غريبة كعادته.»
لكن مع اقتراب الجسد الأدهم وانكشاف اللثام، صرخ أحدهم بفزع: «أيها الشيخ جوي… ماذا تفعل—؟!»
قبل عشرين دقيقة من تلك اللحظة…
«ظهرت أخيراً أيها الفأر… لقد كنتُ بانتظارك هنا منذ مدة.»
انقشع الوهم في لحظة، فاندفع الرجال جانباً وهم يصرخون بذعر ليخلوا الطريق أمام جوامح الحصان الذي مر كالعاصفة: «إنه العبد الفار! أوقفوه… إنه يحاول الهرب!»
في تلك اللحظة بالذات، ترافق صرير استلال سيفه مع انبعاث خربشاتٍ غريبة وصدى شحذٍ مبهم في الهواء، كأنما تجسدت فيه نبرة الموت ذاته، ليتصمر الجميع في أماكنهم، وتتجمد الدماء في عروق الحراس تحت تأثير ذعرٍ مباغت لم يعهدوه.
«سأغادر هذه القبيلة مهما كلف الثمن… وحتى إن كان قدري الموت هنا، فسأضمن أن أجرك معي إلى الهاوية!»
تداعى الاستنفار في ثوانٍ؛ هرول العشرات في أثره، بينما بادر حراسٌ آخرون بامتطاء أحصنةٍ كانت مركونةً عند أطراف الأكواخ، لتبدأ مطاردةٌ شرسة تسببت في إيقاظ القبيلة بأكملها.
تجهّدت حواجب نومريس وهو يدرك المصيدة التي وقع فيها، غير أن المفاجأة لم تقف عند هذا الحد؛ إذ اندفع من أعلى قمة الكوخ المجاور جسدٌ ثقيل يسقط عليه كالصاعقة… إنه الشيخ مانيس.
التفت نومريس إلى الخلف؛ كانت هناك خمسة أحصنة على الأقل تدك الأرض خلفه، وتقترب بخطى متسارعة.
انزلق خارج البرميل متقاطراً بالماء، وجال بنظراته الصارمة نحو الحصان الأدهم لعدة لحظات، قبل أن يحسم أمره بحركةٍ قاطعة خالية من التردد.
جذبت الفوضى العارمة عين كل من في القبيلة، وتحقق بالضبط ما كان نومريس يخشاه ويحسب حسابه بدقة: المطاردة المكشوفة وسط الميدان.
“مشكلةٌ حقيقية…” تمتم نومريس بنبرةٍ خفتت فيها شدة الانفعال لتستقر على هدوءٍ بارد ومريب.
في هذه الأثناء، وعلى مسافةٍ بعيدة من جوي، كان نومريس يتوارى ممدداً فوق سطح أحد الأكواخ المرتفعة؛ كان المطر قد بلله بالكامل حتى التصقت خصلات شعره بوجنتيه، بينما كانت حدقتاه الحمراوتان ترصدان تحركات رجال القبيلة وهم يجوبون الأزقة بأسلحتهم.
وبعد مناورةٍ خاطفة بين الأكواخ المتراكمة، انفتحت أمام عينيه أخيراً ثغرةٌ واسعة تؤدي مباشرة إلى خارج حدود القبيلة.
«نحن نمشط الضاحية الشمالية الآن، والشرقية تحت إشراف الشيخ مانيس بالفعل… جميع منافذ القبيلة محاصرة، ولن يجد ذاك العبد جحراً يختبئ فيه!»
اتسعت ابتسامة نومريس، وألقى نظرةً خاطفة إلى الوراء متمتماً: “وداعاً…”
استغرب أحد الرجال وسأل بحيرة: «أحصنة…؟ ولماذا نفعل ذلك يا سيادة الشيخ؟»
غير أن تعابير وجهه انقلبت رأساً على عقب بمجرد أن أعاد نظره إلى الأمام؛ إذ اعترض طريقه فجأة رجلٌ فارع القامة، يرتدي رداءً أزرق وترتسم على محياه ابتسامةٌ واثقة… كان جوي، بملابسه الذهبية، يترصد السلسلة.
في هذه الأثناء، وعلى مسافةٍ بعيدة من جوي، كان نومريس يتوارى ممدداً فوق سطح أحد الأكواخ المرتفعة؛ كان المطر قد بلله بالكامل حتى التصقت خصلات شعره بوجنتيه، بينما كانت حدقتاه الحمراوتان ترصدان تحركات رجال القبيلة وهم يجوبون الأزقة بأسلحتهم.
خطوةً تلو الأخرى، كانت أقدامه تنغرس وثوقاً في الوحل، حتى أثقل الطين حذاءه الجلدي المتين دون أن يثبط حركة خطاه.
«ظهرت أخيراً أيها الفأر… لقد كنتُ بانتظارك هنا منذ مدة.»
تنهد بأسى، وقد غمر نصف رأسه في الماء المتجمع داخل البرميل، بينما أبقى على عينيه قريبتين من الحافة يراقب منهما حركة الأزقة.
مسح مانيس الطين عن فكه، وتابع بحدةٍ تخرق صوت الهطول: «تظن أن بإمكانك التغفل عنا والنفاد بجلدك؟ مجرد صبيٍّ شقي يحلم بالحرية… أنت مجرد عبد، فكيف تتجرأ حتى على التفكير في الهرب؟!»
قال جوي بنبرةٍ ساخرة وهو يضع يده على مقبض سيفه: «إن أردت الفرار… فعليك أن تفكر ملياً وتدرس خصمك قبل أن تطرق هذا الباب.»
«نحن نمشط الضاحية الشمالية الآن، والشرقية تحت إشراف الشيخ مانيس بالفعل… جميع منافذ القبيلة محاصرة، ولن يجد ذاك العبد جحراً يختبئ فيه!»
تناهى إلى مسامع الحراس صوت وقع الحوافر الثقيلة وهي تطحن الوحل، فتساءل أحدهم بذهول: «من ذاك المعتوه الذي يركب حصانه في وسط هذا الهطول المنهار؟!»
قبل عشرين دقيقة من تلك اللحظة…
صمتٌ أعمق وأثقل من المطر من حوله.
في تلك اللحظة بالذات، ترافق صرير استلال سيفه مع انبعاث خربشاتٍ غريبة وصدى شحذٍ مبهم في الهواء، كأنما تجسدت فيه نبرة الموت ذاته، ليتصمر الجميع في أماكنهم، وتتجمد الدماء في عروق الحراس تحت تأثير ذعرٍ مباغت لم يعهدوه.
وقف جوي أمام مجموعة من حراسه، وأصدر أمراً ببرود: «أخرجوا بعض الأحصنة من الإسطبلات، واربطوها بصورةٍ مكشوفة عند الطريق المؤدي للضاحية الغربية.»
صمتٌ أعمق وأثقل من المطر من حوله.
استغرب أحد الرجال وسأل بحيرة: «أحصنة…؟ ولماذا نفعل ذلك يا سيادة الشيخ؟»
رد عليه حارسٌ آخر بنبرةٍ يملؤها الشك: «ربما يكون قد تسلل إلى أحد الأكواخ ويتوارى في الداخل… فنحن لم نقتحم المنازل لنفتشها بعد.»
رمقه جوي بنظرةٍ حادة أخرسته: «نفّذ ما تُؤمر به دون جدال.»
تجهّدت حواجب نومريس وهو يدرك المصيدة التي وقع فيها، غير أن المفاجأة لم تقف عند هذا الحد؛ إذ اندفع من أعلى قمة الكوخ المجاور جسدٌ ثقيل يسقط عليه كالصاعقة… إنه الشيخ مانيس.
في غضون ثانية، التحم الجسدان، واندفعا بقوة ليرتميا أرضاً وسط الطين والوحل، بينما انزلق الحصان الأدهم بفعل الاصطدام المباغت وفقد توازنه ليهوي صريعاً على الأرض المبتلة.
«معك حق… ولكن لا يُسمح لنا باقتحام البيوت دون إذن؛ فتفتيش منازل الآخرين خرقٌ صريح لقوانين القبيلة.»
التفَّت حلقةٌ محكمة من رجال القبيلة المدججين بالسلاح حول نومريس والشيخ مانيس، مستديرةً كالسور الحصين دون أن تترك ثغرةً واحدة للنفاد.
نهض نومريس في لمح البصر؛ كان المطر يتساقط على جسده الثقيل، بينما تلطخ شعره ووجهه بالوحل الأسود، وجالت عيناه الحمراوان عبر الوجوه الشاخصة حوله بحثاً عن أملٍ واهٍ أو منفذٍ مستتر، غير أن الدائرة كانت تطوقه تماماً.
“أنت لا تفهم موقعك يا فتى…” أردف مانيس وهو يتقدم خطوةً بثقة، شاهراً سيفه العريض: “العبيد في هذه الديار لا يملكون إرادة الهرب، بل يملكون فقط طاعة سيدهم… وسيدك الآن هو القبيلة بأكملها.”
انتفض مانيس هو الآخر من الطين، ينفض الوحل عن ردائه بصراخٍ يتفجر بالحنق والوعيد: «أيها العبد الملعون… لقد أثرت الفوضى وجعلتنا نركض كالمجانين تحت المطر! أقسم لتندمنَّ على كل خطوة خطوتها!»
مسح مانيس الطين عن فكه، وتابع بحدةٍ تخرق صوت الهطول: «تظن أن بإمكانك التغفل عنا والنفاد بجلدك؟ مجرد صبيٍّ شقي يحلم بالحرية… أنت مجرد عبد، فكيف تتجرأ حتى على التفكير في الهرب؟!»
غير أن تعابير وجهه انقلبت رأساً على عقب بمجرد أن أعاد نظره إلى الأمام؛ إذ اعترض طريقه فجأة رجلٌ فارع القامة، يرتدي رداءً أزرق وترتسم على محياه ابتسامةٌ واثقة… كان جوي، بملابسه الذهبية، يترصد السلسلة.
ظل نومريس صامتاً كالصخر؛ كانت عيناه الشاخصتان تخترقان حلقة الحراس، بينما يتردد صدى الكلمة في أعماقه بمرارةٍ مكتومة: “عبد…؟”
رد عليه الحارس الأول بسخط: «إذاً انسَ الأمر… يبدو أن قواعد القبيلة هذه ستكون هي السبب المباشر في نفاد ذاك العبد بفعلته!»
قبض نومريس على كفيه بحدة، وشعر بضغط الهالة الكثيفة التي تشكلت حوله؛ كان جوي يقف خلف مانيس مباشرة، ممسكاً بمقبض سيفه بنظراتٍ هادئة تراقب كل اختلاجةٍ في جسد الصبي.
“أنت لا تفهم موقعك يا فتى…” أردف مانيس وهو يتقدم خطوةً بثقة، شاهراً سيفه العريض: “العبيد في هذه الديار لا يملكون إرادة الهرب، بل يملكون فقط طاعة سيدهم… وسيدك الآن هو القبيلة بأكملها.”
اتسعت ابتسامة نومريس، وألقى نظرةً خاطفة إلى الوراء متمتماً: “وداعاً…”
تجهّدت حواجب نومريس وهو يدرك المصيدة التي وقع فيها، غير أن المفاجأة لم تقف عند هذا الحد؛ إذ اندفع من أعلى قمة الكوخ المجاور جسدٌ ثقيل يسقط عليه كالصاعقة… إنه الشيخ مانيس.
امتدت يد نومريس نحو مقبض سيفه الأسود القابع عند خصره، وجرّه من غمده ببطءٍ وثبات، مدوياً صرير المعدن الصارم فوق هدير المطر.
اتسعت ابتسامة نومريس، وألقى نظرةً خاطفة إلى الوراء متمتماً: “وداعاً…”
تجلت على ملامحه برودةٌ قاسية، خالية من كل إشفاق أو وجل، كأنما خمدت في عينيه كل شعلةٍ للبشرية، لتهتف حنجرته بنبرةٍ جافة تشق المدى:
«أيها الأوغاد… ابتعدوا عن سطح منزلي وابحثوا عن ذاك الملعون في مكانٍ آخر!»
«سأغادر هذه القبيلة مهما كلف الثمن… وحتى إن كان قدري الموت هنا، فسأضمن أن أجرك معي إلى الهاوية!»
في تلك اللحظة بالذات، ترافق صرير استلال سيفه مع انبعاث خربشاتٍ غريبة وصدى شحذٍ مبهم في الهواء، كأنما تجسدت فيه نبرة الموت ذاته، ليتصمر الجميع في أماكنهم، وتتجمد الدماء في عروق الحراس تحت تأثير ذعرٍ مباغت لم يعهدوه.
في تلك اللحظة بالذات، ترافق صرير استلال سيفه مع انبعاث خربشاتٍ غريبة وصدى شحذٍ مبهم في الهواء، كأنما تجسدت فيه نبرة الموت ذاته، ليتصمر الجميع في أماكنهم، وتتجمد الدماء في عروق الحراس تحت تأثير ذعرٍ مباغت لم يعهدوه.
ولم تكد الدائرة الحصينة تفوق من ذهولها، حتى شق عتمة المطر صراخٌ مذعور ينبعث من مسافاتٍ بعيدة، ممتزجاً مع رنين جرس الطوارئ المدوي في أرجاء القبيلة بزئيرٍ يخلع القلوب:
وثب فوق ظهر الحصان بخفة، وقبض بضراوة على خصلات عرفه الطويل لعدم وجود لجام يوجهه، ثم ركزه بضربةٍ حادة من قدميه عند خاصرتيه.
«نحن نتعرض للهجوم! نحن نتعرض للهجوم! القبائل الأخرى تشن الحرب علينا!»
في الأروقة السفلية، امتد صوت جوي الجهوري يخرق صفير الريح وهدير المطر، صارخاً بالرجال: «ابحثوا في مجموعاتٍ منظمة! أي شخصٍ تلمحونه يركض بمفرده احتجزوه وحققوا معه فوراً!»
نهاية الفصل
