مشاعر غريبة
استيقظ إيرولد وجاسمين في الصباح الباكر ليجدا كاراي يُعدّ الفطور، وهو يقول بابتسامة: ” لن تذهبا قبل أن تأكلا.
دخل إيرولد وجاسمين القرية وسط دهشة أهلها. كانوا يحدقون في وجهَي الغريبَين، أحدهما يخفي ملامحه بالكامل. تجمّع بعضهم وسألوا بتوجّس: ” من أنتما؟”
قفزت جاسمين من السرير وقالت بحماس: ” أنا جائعة! ماذا تُعدّ؟”
رد كاراي بهدوء : ” سمك. ”
فوق تل صغير بجوارهم، رأوا رجلاً ذا شعر اشقر يتأمل الأفق. صاح له إيرولد: ” مرحبًا… نحن غرباء عن هذه المنطقة، هل يمكنك أن ترشدنا إلى شيخ القرية؟ ”
عبست جاسمين وقالت: ” هل تأكل السمك فور استيقاظك؟!”
كاراي مبتسمًا: ” لا يوجد غيره، لذا لا أرفضه… بل أكون سعيدًا به. على الأقل يوجد شيء نأكله، على عكس غيري ممن يتضورون جوعًا يا صغيرة. ”
ابتسم إيرولد وقال بثقة: ” لقد تعاملت مع من هم أذكى منه، على ما أعتقد. “ثم تابع وهو يتقدم نحو الباب: “حسنًا، لك ذلك… أيها الشيخ. ”
قالت بقرف: ” شكرًا… لا أريد. ”
تغيّر وجه جاسمين، وتراجعت بخيبة أمل وهمست لإيرولد: ” لقد انتهى دوري هنا… ”
رد إيرولد بنبرة جادة: ” لا تتدللي يا صغيرة، كلي، لدينا طريق طويل لنقطعه. ”
تراجع خطوة، يده ترتجف قريبة من صدره،.تمتم بصوت مضطرب، كأنما يحاول إقناع نفسه: ” لا… لا، ليس الآن…ليس هنا…ليس وهمًا هذه المرة. ”
جلس إيرولد إلى الطاولة وبدأ يأكل، حتى طوّق الجوع جاسمين فجلست لتأكل معه. خرج إيرولد وجاسمين ليودّعا كاراي.
سأل إيرولد: ” أين حصاني؟”
رد كاراي مشيرًا إلى الحظيرة القريبة: ” في الحظيرة هناك، وضعتُه مع خيولي ليتغذى. تمتلك حصانًا نادرًا بحق، يا آرثر. ”
ضحك وهو يضيف: ” عندما حاولت أخذه، كان يرفض التحرك، ليس لأنه غير مطمئن لي، بل لأن كبرياءه كان يقول: ” لا تتجرأ على فعل ذلك. حتى إنني تركته… وباستغراب، هو من لحقني إلى هناك. شعرت بالأُلفة منه حقًا.”
تبسّم تحت ردائه وقال: ” هذا صحيح… ”
ضحكت جاسمين وقالت: ” هذا هو عتمة، هكذا يتصرف دومًا. ”
أجاب إيرولد بهدوء: ” نحن ضيوف، نودّ مقابلة شيخ القرية. ”
كاراي: ” عتمة، هاه؟ يا له من اسم جميل… يليق به. ”
استيقظ إيرولد وجاسمين في الصباح الباكر ليجدا كاراي يُعدّ الفطور، وهو يقول بابتسامة: ” لن تذهبا قبل أن تأكلا.
قال إيرولد وهو يتأفف: ” هل أنا الوحيد الذي يرى أن هذا الاسم غريب؟”
الروح آرثر وهو يتشكل في الهواء ضاحكًا: ” نعم… أنت الغريب، يا رجل. ”
تردد قليلًا ثم قال: ” هل ترغبين في التنزه معي قليلًا؟”
استيقظ إيرولد وجاسمين في الصباح الباكر ليجدا كاراي يُعدّ الفطور، وهو يقول بابتسامة: ” لن تذهبا قبل أن تأكلا.
قال إيرولد بضجر: ” عُد إلى الداخل، أيها الوغد. ”
“منذ زمنٍ طويل، لم أشعر بهذا القدر من… السلام. ”
تعجّب كاراي وقال: ” هل كنتَ تحدّثني؟”
أسرعت جاسمين وقالت بارتباك: ” لا، لا! إنه يتحدث إلى نفسه… لا تهتم! ”
ثم همست لكاراي وهي تسحبه بعيدًا: ” إنه مجنون قليلًا … لا تشغل بالك بما يفعل. ”
استلقى إيرولد على تلٍ يُطل على الشاطئ، والنسيم يداعب خصلات شعره، وحدّق في الأفق البعيد حيث البحر يلامس السماء .قال بصوت خافت، كأنه يحدّث روحه: ” أحيانًا، أقتنع أنني غير صالح لأي علاقة بشرية… لأنني أؤمن أنه إن كنت تخشى الوحدة، فلا ينبغي لك أن تقع في الحب. فالحب لا يجب أن يكون هروبًا من العزلة، بل شراكة تقوم على القوة المتبادلة. إن لم تستطع أن تكون وحدك، فلن تستطيع يومًا أن تكون حقًا مع أحد. ”
همس إيرولد وهو يتظاهر بالضيق: ” لقد سمعتكِ، أيتها الوقحة…”
عبست جاسمين وقالت: ” هل تأكل السمك فور استيقاظك؟!” كاراي مبتسمًا: ” لا يوجد غيره، لذا لا أرفضه… بل أكون سعيدًا به. على الأقل يوجد شيء نأكله، على عكس غيري ممن يتضورون جوعًا يا صغيرة. ”
قال أخيرًا وهو يشد حقيبته: ” حسنًا، يجب أن نذهب. ”
ردّ شخص بسرعة: ” نعم، هذا ممكن. ”
ودّع إيرولد وجاسمين كاراي، الذي أوصاهما بالاعتناء بنفسيهما، ثم التفت إلى جاسمين وقال: ” أنا أؤمن بكِ يا فتاة… لا تستسلمي. ”
تراجع خطوة، يده ترتجف قريبة من صدره،.تمتم بصوت مضطرب، كأنما يحاول إقناع نفسه: ” لا… لا، ليس الآن…ليس هنا…ليس وهمًا هذه المرة. ”
أمالت جاسمين رأسها بلطف وابتسمت، ثم ودّعاه. اتجها إلى القرية المجاورة كما وصف لهما كاراي: ” اتبعوا الشاطئ حتى نهايته… ستجدون القرية خلف الجبل. ”
لكنه، في داخله، لم يكن يريد الذهاب… شيء ما فيها شده، اسمها، صوتها، وحتى الطريقة التي وقفت بها أمام الشمس جعلت ظله يلامس ظلها.
بالقرب من الشاطئ، حيث يهمس البحر بأسراره للريح، قامت قرية غارقة في الخُضرة، تتنفس بين الغابة والموج .بيوتها من الخشب وسعف النخيل، تفوح منها رائحة الملح والدخان. أهلها يرتدون أثوابًا بسيطة منسوجة يدويًا، مزينة بخرز وأصداف البحر اللامعة. الرجال يربطون أكتافهم بجلود مشدودة تفوح منها رائحة الطحالب،والنساء يضفرن شعورهن بخيوط الزهور وقطع المرجان. في عيونهم هدوء غريب.
أخرجت له بعض المال وقالت : ” هذا مالك، شكرًا على كرمك. ”
فوق تل صغير بجوارهم، رأوا رجلاً ذا شعر اشقر يتأمل الأفق. صاح له إيرولد: ” مرحبًا… نحن غرباء عن هذه المنطقة، هل يمكنك أن ترشدنا إلى شيخ القرية؟ ”
“ما أغرب هذا المكان … ” تمتم لنفسه، وهو يحدّق في البيوت الخشبية الصغيرة المتناثرة على سفح الجبل. كانت تتدلّى على منحدر يطلّ مباشرة على البحر، وكأنها تتشبث بالأرض كي لا تسقط في الهاوية.
لكن الرجل تجاهله بصمت.
سأل إيرولد بجدية: ” وكيف يمكنني إثبات ذلك؟”
صرخت جاسمين: ” إننا نحدثك أيها المعتوه.” لكنه لم يعرها أي اهتمام، بل أكمل تأمله وكأنهم غير موجودين.
وجد جاسمين تنتظره عند باب المنزل، يداها خلف ظهرها وملامحها قلقة .قالت: ” كنت أبحث عنك… أين كنت؟ أنمت بالخارج؟” نظر إليها إيرولد وابتسم: ” نعم، لكنني بخير. ”
غضبت جاسمين، وبدت مستعدة لضربه، لكن إيرولد كان مستعدًا للإمساك بها.
وفي لحظة مفاجئة، رأى جاسمين تتحكم في غضبها وتقول بهدوء: ” انسَ الأمر… لنذهب من هنا. ”
نظر نحو طريق السوق، نحو المكان الذي اختفت فيه أماليا…ثم إلى الجانب الآخر، حيث تنتظر جاسمين في بيت الشيخ. شد قبضته، وغرز أظافره في راحته: ” يجب أن أحميهم منه…لن أسمح له بالاقتراب. “
شيء ما كان يراقبه…شعر بوخزة خفيفة في صدره، كأن الظلام نفسه يضغط عليه. حدّق نحو الأشجار الكثيفة، وعيناه تضيقان بريبة .همس ببطء: ” هذا… ليس حضور بشر… ”
فرح إيرولد في داخله: ” إنك تنضجين… كان والدك ليفتخر بك في هذه اللحظة. ”
رد الشيخ وهو ينهض من مجلسه: ” كن أحد حرّاس القرية لمدة ستة أشهر. إن استطعت طرد قطاع الطرق الذين يهاجمون أطراف الشمال خلال هذه المدة… حينها، سأمنحك ما تطلب. ”
دخل إيرولد وجاسمين القرية وسط دهشة أهلها. كانوا يحدقون في وجهَي الغريبَين، أحدهما يخفي ملامحه بالكامل. تجمّع بعضهم وسألوا بتوجّس: ” من أنتما؟”
أجاب إيرولد بهدوء: ” نحن ضيوف، نودّ مقابلة شيخ القرية. ”
وجد جاسمين تنتظره عند باب المنزل، يداها خلف ظهرها وملامحها قلقة .قالت: ” كنت أبحث عنك… أين كنت؟ أنمت بالخارج؟” نظر إليها إيرولد وابتسم: ” نعم، لكنني بخير. ”
ردّ رجل من العامة باستهزاء: ” ومن أنتم حتى تقابلوا الشيخ؟ نحتاج أن نعرف هدفكم، فقد تكونون قطاع طرق.”
ثم سألها بلطف: ” كيف عرفتِ أنه أنا؟” قالت: ” لا أحد يُغطي وجهه هنا سواك. ”
نزلت جاسمين من فوق الحصان وردّت بثقة: ” وهل يجلب قطاع الطرق فتاة صغيرة معهم؟”
كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها ملامحه بوضوح، فنظرت إليه مبتسمة وقالت مازحة: ” كنت أظن أني سأرى غولًا أو ندوبًا مرعبة… لكن خاب أملي! ”
ردّ شخص بسرعة: ” نعم، هذا ممكن. ”
فردّ ساخرًا: ” وما الذي فعلتِه أصلاً؟ لا شيء. ”
تغيّر وجه جاسمين، وتراجعت بخيبة أمل وهمست لإيرولد: ” لقد انتهى دوري هنا… ”
دخلا إلى منزل الشيخ، وكان جالسًا ينتظرهما، يراقب الباب بصمت. قال بصوته العميق: ” كنت بانتظاركما… أخبراني، ما الذي تحتاجانه؟”
فردّ ساخرًا: ” وما الذي فعلتِه أصلاً؟ لا شيء. ”
دخل إيرولد وجاسمين القرية وسط دهشة أهلها. كانوا يحدقون في وجهَي الغريبَين، أحدهما يخفي ملامحه بالكامل. تجمّع بعضهم وسألوا بتوجّس: ” من أنتما؟”
وفجأة خرج رجل كبير في السن، ذو شعر أبيض لا يزيده إلا وقارًا، وقال بصوت واثق: ” أنا شيخ هذه القرية، تفضلوا معي. ”
صرخ البائع قائلًا: ” أخبرتها أن الحليب طازج! لكنها تريد أن أحلب بقرة أمامها لتتأكد! لقد سئمت، تأتي كل أسبوع بنفس الطلب! ليس بعد الآن يا فتاة! ”
قادهم الشيخ إلى منزله وقدم لهم الطعام، وقال بلطف: ” ارتاحوا الليلة، سنتحدث غدًا. ”
ضحكت وقالت: ” لمَ لا؟ لكن… انزع رداءك، تبدو غريبًا به. ”
أقامهم في بيت الضيافة بجوار منزله. سألته جاسمين: ” هل تمتلكون كتبًا هنا؟”
قال إيرولد للفتاة: ” أعتذر، أود التحدث إلى البائع. ”
ردّ بابتسامة: ” بالطبع. ”
قال أخيرًا وهو يشد حقيبته: ” حسنًا، يجب أن نذهب. ”
قالت بحماس: ” هل يمكنني الاطلاع عليها؟”
قال أخيرًا وهو يشد حقيبته: ” حسنًا، يجب أن نذهب. ”
أجاب الشيخ بتأكيد: ” يبدو أنكِ فتاة ذكية، تفضلي. ”
نظر الشيخ إليه بذهول، وقال بصوت خافت: ” آرثر… اسم ابنه الراحل… آرثر لايون هارت … ” صمت لحظة ثم تابع: ” لا يمكن أن تكذب بشأن أمر كهذا… لكن، حتى وإن كنت صادقًا، لا يمكنني أن أمنحك عين الغموض بهذه البساطة. يجب أن تُثبت لي أنك أهل لها. ”
ردّت: ” أشكرك. ”
وفي داخلها، كانت تقول: ” هذه أول خطوة لي، يجب أن أنجح. ”
صرخ البائع قائلًا: ” أخبرتها أن الحليب طازج! لكنها تريد أن أحلب بقرة أمامها لتتأكد! لقد سئمت، تأتي كل أسبوع بنفس الطلب! ليس بعد الآن يا فتاة! ”
أرسل الشيخ أحدهم ليرافقهما إلى مكتبة القرية. وفي الطريق، لفت انتباه إيرولد مشهد جذب بصره كليًا… فتاة تتشاجر مع أحد البائعين. ملامحها ملائكية: ” بشرة بيضاء، شعر ذهبي، خدّان محمّران من حرارة الطقس، وعينان زرقاوان كأعماق المحيط، وأنف حاد كالسيف.
قال إيرولد وهو ينظر نحو الأفق : ” أعذريني، يجب أن أذهب الآن. ”
توقف إيرولد، وضع يده على صدره وقال بصوت منخفض: ” هل أنا مريض؟”
قالت: ” هل أنت مشرّد؟ أم ماذا؟ ألا تملك منزلًا؟” ضحك قليلًا وقال: ” بلا، لكني غفوت هنا. اعتدت على النوم في أي مكان. ”
ردّ آرثر في داخله: ” لا، ليست كذلك. لو كنت مريضًا، لشعرت بذلك. ”
ساد الصمت فجأة، وتجمّد الحراس في أماكنهم، بينما اتسعت عينا الشيخ بدهشة، وقال أحدهم: ” مـ-ماذا؟ هل قلت إن إيرولد لايون هارت كان معلمك؟!”
ضغط إيرولد على صدره بيده اليمنى وقال: ” إذًا ما هذا؟”
سأل آرثر من جديد: ” هل أنت من يفعل هذا؟”
صرخت جاسمين: ” إننا نحدثك أيها المعتوه.” لكنه لم يعرها أي اهتمام، بل أكمل تأمله وكأنهم غير موجودين.
ردّ آرثر بتهكّم: ” لا يا غبي، ألا تعلم ما يعني هذا؟”
نزلت جاسمين من فوق الحصان وردّت بثقة: ” وهل يجلب قطاع الطرق فتاة صغيرة معهم؟”
قبل أن يُكمل، تحرك جسد إيرولد بلا وعي نحوه، ونطق بصوت غريب: ” هل أنتم بخير؟”
ثم نظر إليها وسأل: ” أخبريني عن عائلتك يا أماليا… ”
صرخ البائع قائلًا: ” أخبرتها أن الحليب طازج! لكنها تريد أن أحلب بقرة أمامها لتتأكد! لقد سئمت، تأتي كل أسبوع بنفس الطلب! ليس بعد الآن يا فتاة! ”
قال إيرولد للفتاة: ” أعتذر، أود التحدث إلى البائع. ”
رد آرثر: ” ما الذي حدث لك؟ ألم يرتعش قلبك من قبل؟” سكت إيرولد ولم يقل شيئًا، ولاحظ آرثر أن به أمرًا مختلفًا.
قالت ببرود: ” لا أمانع، لكني لن أشتري الحليب بعد الآن. ”
توقف إيرولد، وضع يده على صدره وقال بصوت منخفض: ” هل أنا مريض؟”
ردّ إيرولد بسرعة: ” انتظري، رجاءً. ”
نسيم البحر كان يضرب وجهه بلطف، محمّلًا برائحة الملح والخشب الرطب. على أطراف الأزقة، رأى أطفالًا يركضون حفاة، ونساءً يعلّقن سلال الزعتر المجفف على النوافذ.
أخذ البائع جانبًا وقال له بصوت جاد أقرب إلى التهديد: ” أعلم أن الحليب ليس طازجًا. رائحته تكشفه. إن أردت ألا أفشي ذلك، فأحضر لها حليبًا طازجًا الآن، وبنصف السعر. كل يوم. ”
ذهب التاجر واعتذر للفتاة، وقال: ” سأحضر لك الحليب الطازج الآن. آسف. ”
ارتبك التاجر وقال بخوف: ” لكني سأخسر، يا سيدي… ”
…
ردّ إيرولد ببرود قاتل: ” لو كنت أمينًا في عملك لما وصلت إلى هنا. نفذ ما أمرتك به. ”
راقبته الفتاة من بعيد، لم تشكره لكنها أرادت ذلك. لم يفهم إيرولد نفسه، لماذا تصرف هكذا؟ عاد إلى جاسمين التي قالت له ساخرة: ” ما كان هذا؟”
ذهب التاجر واعتذر للفتاة، وقال: ” سأحضر لك الحليب الطازج الآن. آسف. ”
ضحك وقال وهو ينزع رداءه: ” لكِ هذا… ”
راقبته الفتاة من بعيد، لم تشكره لكنها أرادت ذلك. لم يفهم إيرولد نفسه، لماذا تصرف هكذا؟ عاد إلى جاسمين التي قالت له ساخرة: ” ما كان هذا؟”
وكان ردّ آرثر حينها: ” لااا أهتممم! علّمني حركات جديدة، هذا كل ما أريده! ”
ردّ إيرولد : ” كان يحتال عليها. لقد ساويت الأمر. ”
ثم أضاف بنبرة أكثر حدة: ” من هو قائد قطاع الطرق هذا؟”
ضحكت جاسمين بخبث: ” وهل ساويت الأمر حقًا؟ هل تعرف اسمها حتى؟”
أخذت جاسمين عددًا كبيرًا من الكتب من المكتبة، وقالت بحماسة: ” يجب أن أقرأها كلها قبل أن نغادر. بالمناسبة، متى سنذهب؟”
ردّ ببرود فيه لمسة إحراج: ” اخرسي، ولنذهب. ”
قالت مازحة: ” آرثر، أخبرني ما حصل! هيهيهي… ”
أجاب الشيخ وهو يعبس: ” للأسف، لا نعرف اسمه. لكنه ظهر منذ سبع سنوات، ويقال إنه شديد الذكاء، إلى درجة أن لا أحد يعرف هويته الحقيقية. ”
ضحك آرثر داخله قائلًا: ” هذا الغبي لا يعرف معنى الحب. اخخ لو أنك تستطعين سماعي يا جاسمين، لكنّا تنمرنا عليه أكثر! ”
” قرية بين ثلاث عوالم … “قالها في داخله. البحر أمامها، والغابة خلفها، والجبال تراقب من بعيد… وكأنها تنتمي لكل شيء، ولا تنتمي لأي شيء.
تجاهله إيرولد وهو يحدق في يده اليمنى قائلًا: ” حب؟ هاه؟ ما معنى هذا؟”
رد آرثر: ” ما الذي حدث لك؟ ألم يرتعش قلبك من قبل؟” سكت إيرولد ولم يقل شيئًا، ولاحظ آرثر أن به أمرًا مختلفًا.
…
شيء ما كان يراقبه…شعر بوخزة خفيفة في صدره، كأن الظلام نفسه يضغط عليه. حدّق نحو الأشجار الكثيفة، وعيناه تضيقان بريبة .همس ببطء: ” هذا… ليس حضور بشر… ”
أخذت جاسمين عددًا كبيرًا من الكتب من المكتبة، وقالت بحماسة: ” يجب أن أقرأها كلها قبل أن نغادر. بالمناسبة، متى سنذهب؟”
قال إيرولد دون تردد: ” اتفقنا. ”
نظرت إلى إيرولد، الذي كان شارد الذهن، ثم صرخت: ” إيرولد! متى سنذهب؟”
اتسعت عينا الشيخ، وبدت عليه علامات الذهول، ثم صرخ فجأة: ” يا حرّاس! ”
ردّ بعد أن عاد لوعيه: ” ليس الآن، يجب أن نجد ‘عين الغموض’. سمعت أنها في هذه المنطقة. ”
ضغط إيرولد على صدره بيده اليمنى وقال: ” إذًا ما هذا؟”
قام من الأرض متثاقلًا واتجه نحو الباب. سألته جاسمين: ” إلى أين تذهب؟”
دخلا إلى منزل الشيخ، وكان جالسًا ينتظرهما، يراقب الباب بصمت. قال بصوته العميق: ” كنت بانتظاركما… أخبراني، ما الذي تحتاجانه؟”
ردّ باقتضاب: ” سأتمشى قليلًا. ”
فردّ ساخرًا: ” وما الذي فعلتِه أصلاً؟ لا شيء. ”
قالت: ” حسنًا، سأكمل القراءة. لا تتأخر. ”
اتسعت عينا الشيخ، وبدت عليه علامات الذهول، ثم صرخ فجأة: ” يا حرّاس! ”
…
تبسّم تحت ردائه وقال: ” هذا صحيح… ”
خرج إيرولد يتمشى وهو يفكر بما حصل، يتذكر كلمات معلمه إيرولد لايون هارت في صغره:
تردد قليلًا ثم قال: ” هل ترغبين في التنزه معي قليلًا؟”
كيف ستجد حبك وأنت لا تهتم إلا بالقتال؟ الحياة ليست قتالًا وتدريبًا فقط. أنا هنا لأرعاك، لا لأحبسك. أخرج، العب، افهم مشاعرك ومشاعر من حولك… قد ترغب بالزواج عندما تكبر، ولا أريدك عاجزًا عن التعبير.
دخلا إلى منزل الشيخ، وكان جالسًا ينتظرهما، يراقب الباب بصمت. قال بصوته العميق: ” كنت بانتظاركما… أخبراني، ما الذي تحتاجانه؟”
وكان ردّ آرثر حينها: ” لااا أهتممم! علّمني حركات جديدة، هذا كل ما أريده! ”
قالت بدهشة: ” إلى درجة أنه لا يأخذ مني المال؟ هااه… ” ضحك ورد: ” ربما أُحسّ بتأنيب الضمير. ”
استلقى إيرولد على تلٍ يُطل على الشاطئ، والنسيم يداعب خصلات شعره، وحدّق في الأفق البعيد حيث البحر يلامس السماء .قال بصوت خافت، كأنه يحدّث روحه: ” أحيانًا، أقتنع أنني غير صالح لأي علاقة بشرية…
لأنني أؤمن أنه إن كنت تخشى الوحدة، فلا ينبغي لك أن تقع في الحب.
فالحب لا يجب أن يكون هروبًا من العزلة، بل شراكة تقوم على القوة المتبادلة. إن لم تستطع أن تكون وحدك،
فلن تستطيع يومًا أن تكون حقًا مع أحد. ”
رفع رأسه قليلًا، فرأى شخصًا يقف خلفه. كانت تلك الفتاة، شعرها يتلألأ بانعكاس الضوء، وصوت البحر خلفها يعزف لحنًا هادئًا.
سكت قليلًا، ثم تنهد وأكمل بنبرة حيرة: ” لكن… لماذا أشعر بهذا الشيء الآن؟ ما الذي تغيّر؟ ما الذي تحرّك داخلي حين نظرتُ في عينيها؟”
ابتسم وقال: ” وهل ستشعرين براحة أكبر لو كنت غولًا؟”
رد آرثر: ” ما الذي حدث لك؟ ألم يرتعش قلبك من قبل؟” سكت إيرولد ولم يقل شيئًا، ولاحظ آرثر أن به أمرًا مختلفًا.
ردّ بابتسامة: ” بالطبع. ”
قال آرثر بصوت جاد: ” لا تفعل هذا، سوف تندم. إنها تختلف عنك كثيرًا، كما أن دربها يختلف عن دربك، ومصيرك… مشؤوم. لذا، دعها تذهب .”عمّ الصمت، ولم يُسمع سوى همسات الأمواج حتى سقط إيرولد في النوم.
بالقرب من الشاطئ، حيث يهمس البحر بأسراره للريح، قامت قرية غارقة في الخُضرة، تتنفس بين الغابة والموج .بيوتها من الخشب وسعف النخيل، تفوح منها رائحة الملح والدخان. أهلها يرتدون أثوابًا بسيطة منسوجة يدويًا، مزينة بخرز وأصداف البحر اللامعة. الرجال يربطون أكتافهم بجلود مشدودة تفوح منها رائحة الطحالب،والنساء يضفرن شعورهن بخيوط الزهور وقطع المرجان. في عيونهم هدوء غريب.
استيقظ إيرولد على نور أشعة الشمس، وهو مستلقٍ على الرمال، وقال بصوت ناعس: ” يبدو أني نمت على الشاطئ… ” لكن هناك شيء بدأ يحجب ضوء الشمس عني.
سكت قليلًا، ثم تنهد وأكمل بنبرة حيرة: ” لكن… لماذا أشعر بهذا الشيء الآن؟ ما الذي تغيّر؟ ما الذي تحرّك داخلي حين نظرتُ في عينيها؟”
رفع رأسه قليلًا، فرأى شخصًا يقف خلفه. كانت تلك الفتاة، شعرها يتلألأ بانعكاس الضوء، وصوت البحر خلفها يعزف لحنًا هادئًا.
لكنه، في داخله، لم يكن يريد الذهاب… شيء ما فيها شده، اسمها، صوتها، وحتى الطريقة التي وقفت بها أمام الشمس جعلت ظله يلامس ظلها.
قالت: ” هل أنت مشرّد؟ أم ماذا؟ ألا تملك منزلًا؟”
ضحك قليلًا وقال: ” بلا، لكني غفوت هنا. اعتدت على النوم في أي مكان. ”
همس إيرولد وهو يتظاهر بالضيق: ” لقد سمعتكِ، أيتها الوقحة…”
ثم سألها بلطف: ” كيف عرفتِ أنه أنا؟”
قالت: ” لا أحد يُغطي وجهه هنا سواك. ”
من خلفهم، امتدت غابة كثيفة تتنفس برطوبةٍ خضراء، وأصوات طيورٍ خافتة تأتي من بعيد، بينما كانت قمم الجبال تلوح كظلالٍ رمادية في الأفق، شاهقة، صامتة، مطمئنة.
تبسّم تحت ردائه وقال: ” هذا صحيح… ”
سأل آرثر من جديد: ” هل أنت من يفعل هذا؟”
سألها بتردد: ” تبدين كأنك تعرفين المكان جيدًا… ما اسمك؟”
ردت بود: ” اسمي أماليا. شكرًا على البارحة. ”
أمالت جاسمين رأسها بلطف وابتسمت، ثم ودّعاه. اتجها إلى القرية المجاورة كما وصف لهما كاراي: ” اتبعوا الشاطئ حتى نهايته… ستجدون القرية خلف الجبل. ”
أخرجت له بعض المال وقالت : ” هذا مالك، شكرًا على كرمك. ”
رد بابتسامة: ” بل على العكس، أنا سعيد بهذا. ”
رد إيرولد وهو يلوّح بيده: ” أبقي مالكِ معكِ يا أماليا. لم أدفع شيئًا. كنت فقط أعرف أحد أعز أصدقائه، وأوصيته أن يُعامل زبائنه بشكل أفضل. ”
تبسّم تحت ردائه وقال: ” هذا صحيح… ”
قالت بدهشة: ” إلى درجة أنه لا يأخذ مني المال؟ هااه… ”
ضحك ورد: ” ربما أُحسّ بتأنيب الضمير. ”
ضحكت جاسمين بخبث: ” وهل ساويت الأمر حقًا؟ هل تعرف اسمها حتى؟”
ضحكت بحرارة: ” هاهاها، هكذا إذًا… ”
سكت قليلًا، ثم تنهد وأكمل بنبرة حيرة: ” لكن… لماذا أشعر بهذا الشيء الآن؟ ما الذي تغيّر؟ ما الذي تحرّك داخلي حين نظرتُ في عينيها؟”
قال إيرولد وهو ينظر نحو الأفق : ” أعذريني، يجب أن أذهب الآن. ”
فوق تل صغير بجوارهم، رأوا رجلاً ذا شعر اشقر يتأمل الأفق. صاح له إيرولد: ” مرحبًا… نحن غرباء عن هذه المنطقة، هل يمكنك أن ترشدنا إلى شيخ القرية؟ ”
لكنه، في داخله، لم يكن يريد الذهاب… شيء ما فيها شده، اسمها، صوتها، وحتى الطريقة التي وقفت بها أمام الشمس جعلت ظله يلامس ظلها.
ردّ آرثر في داخله: ” لا، ليست كذلك. لو كنت مريضًا، لشعرت بذلك. ”
قالت أماليا بخجل: ” أيها الغريب… ما اسمك؟”
رد بابتسامة هادئة: ” اسمي آرثر. ”
ابتسمت وقالت: ” تشرفت بلقائك، يا آرثر. ”
قال: ” وأنا أيضًا… يا أماليا. ”
ساد الصمت فجأة، وتجمّد الحراس في أماكنهم، بينما اتسعت عينا الشيخ بدهشة، وقال أحدهم: ” مـ-ماذا؟ هل قلت إن إيرولد لايون هارت كان معلمك؟!”
ردّت بهدوء: ” لا شيء، كنت أتمشى فقط. ”
توجه إيرولد إلى منزل شيخ القرية وهو يشعر بسعادة غريبة لم يشعر بها منذ زمن، يتمتم لنفسه: ” هذا الصباح… مختلف. ”
بالقرب من الشاطئ، حيث يهمس البحر بأسراره للريح، قامت قرية غارقة في الخُضرة، تتنفس بين الغابة والموج .بيوتها من الخشب وسعف النخيل، تفوح منها رائحة الملح والدخان. أهلها يرتدون أثوابًا بسيطة منسوجة يدويًا، مزينة بخرز وأصداف البحر اللامعة. الرجال يربطون أكتافهم بجلود مشدودة تفوح منها رائحة الطحالب،والنساء يضفرن شعورهن بخيوط الزهور وقطع المرجان. في عيونهم هدوء غريب.
وجد جاسمين تنتظره عند باب المنزل، يداها خلف ظهرها وملامحها قلقة .قالت: ” كنت أبحث عنك… أين كنت؟ أنمت بالخارج؟”
نظر إليها إيرولد وابتسم: ” نعم، لكنني بخير. ”
ردّ بابتسامة: ” بالطبع. ”
سكت قليلًا، ثم تنهد وأكمل بنبرة حيرة: ” لكن… لماذا أشعر بهذا الشيء الآن؟ ما الذي تغيّر؟ ما الذي تحرّك داخلي حين نظرتُ في عينيها؟”
دخلا إلى منزل الشيخ، وكان جالسًا ينتظرهما، يراقب الباب بصمت. قال بصوته العميق: ” كنت بانتظاركما… أخبراني، ما الذي تحتاجانه؟”
فرح إيرولد في داخله: ” إنك تنضجين… كان والدك ليفتخر بك في هذه اللحظة. ”
تقدم إيرولد بخطوات هادئة، وقال: ” لا أعلم كيف ستكون ردة فعلك، لكن لا أملك خيارًا آخر. ”
سكت للحظة، ثم تابع بنبرة جادة: ” أتيت لأسألك عن عين الغموض. ”
…
اتسعت عينا الشيخ، وبدت عليه علامات الذهول، ثم صرخ فجأة: ” يا حرّاس! ”
أجاب الشيخ بتأكيد: ” يبدو أنكِ فتاة ذكية، تفضلي. ”
في لحظة، اقتحم الحراس الغرفة، وسحبوا سيوفهم، مما أربك جاسمين. أما إيرولد، فظل واقفًا بهدوء، كأن الأمر لا يعنيه، وقال: ” لدي هدف أسمى… أعلم أن عين الغموض كنز من كنوز الشمال، لكني مضطر لطلبها. ”
ثم نظر إليها وسأل: ” أخبريني عن عائلتك يا أماليا… ”
رد الشيخ بنبرة حازمة: ” وهل تظن أنك ستحصل عليها هكذا؟ عين الغموض لعنة ، ونحن نحرسها منذ قرون، ولا يمكن لأي أحد استعمالها.” ومع اقتراب الحراس أكثر، قال إيرولد بصوت واثق: ” أعلم أن أبناء الشمال لا يعترفون إلا بالقوة والمبادئ… هذا ما علمني إياه معلمي، إيرولد لايون هارت . ”
قام من الأرض متثاقلًا واتجه نحو الباب. سألته جاسمين: ” إلى أين تذهب؟”
ساد الصمت فجأة، وتجمّد الحراس في أماكنهم، بينما اتسعت عينا الشيخ بدهشة، وقال أحدهم: ” مـ-ماذا؟ هل قلت إن إيرولد لايون هارت كان معلمك؟!”
تعجّب كاراي وقال: ” هل كنتَ تحدّثني؟” أسرعت جاسمين وقالت بارتباك: ” لا، لا! إنه يتحدث إلى نفسه… لا تهتم! ” ثم همست لكاراي وهي تسحبه بعيدًا: ” إنه مجنون قليلًا … لا تشغل بالك بما يفعل. ”
ابتسم إيرولد وأجاب بثقة: ” نعم، اسمي هوا آرثر، وقد علمني إيرولد الكثير… هوا من منحني هذا الاسم. ”
“ما أغرب هذا المكان … ” تمتم لنفسه، وهو يحدّق في البيوت الخشبية الصغيرة المتناثرة على سفح الجبل. كانت تتدلّى على منحدر يطلّ مباشرة على البحر، وكأنها تتشبث بالأرض كي لا تسقط في الهاوية.
نظر الشيخ إليه بذهول، وقال بصوت خافت: ” آرثر… اسم ابنه الراحل… آرثر لايون هارت … ”
صمت لحظة ثم تابع: ” لا يمكن أن تكذب بشأن أمر كهذا… لكن، حتى وإن كنت صادقًا، لا يمكنني أن أمنحك عين الغموض بهذه البساطة. يجب أن تُثبت لي أنك أهل لها. ”
رد بابتسامة: ” بل على العكس، أنا سعيد بهذا. ”
سأل إيرولد بجدية: ” وكيف يمكنني إثبات ذلك؟”
قال إيرولد دون تردد: ” اتفقنا. ”
رد الشيخ وهو ينهض من مجلسه: ” كن أحد حرّاس القرية لمدة ستة أشهر. إن استطعت طرد قطاع الطرق الذين يهاجمون أطراف الشمال خلال هذه المدة… حينها، سأمنحك ما تطلب. ”
جاسمين بتعجب وهي تسير بجانب إيرولد: ” وماذا ستفعل في الأشهر الستة القادمة؟”
قال إيرولد دون تردد: ” اتفقنا. ”
تراجع خطوة، يده ترتجف قريبة من صدره،.تمتم بصوت مضطرب، كأنما يحاول إقناع نفسه: ” لا… لا، ليس الآن…ليس هنا…ليس وهمًا هذه المرة. ”
ثم أضاف بنبرة أكثر حدة: ” من هو قائد قطاع الطرق هذا؟”
قالت ببرود: ” لا أمانع، لكني لن أشتري الحليب بعد الآن. ”
أجاب الشيخ وهو يعبس: ” للأسف، لا نعرف اسمه. لكنه ظهر منذ سبع سنوات، ويقال إنه شديد الذكاء، إلى درجة أن لا أحد يعرف هويته الحقيقية. ”
قبل أن يُكمل، تحرك جسد إيرولد بلا وعي نحوه، ونطق بصوت غريب: ” هل أنتم بخير؟”
ابتسم إيرولد وقال بثقة: ” لقد تعاملت مع من هم أذكى منه، على ما أعتقد. “ثم تابع وهو يتقدم نحو الباب: “حسنًا، لك ذلك… أيها الشيخ. ”
قبل أن يُكمل، تحرك جسد إيرولد بلا وعي نحوه، ونطق بصوت غريب: ” هل أنتم بخير؟”
خرج إيرولد و جاسمين من منزل الشيخ و هوا يقول: ” عن سؤالك السابق هل علمتِ المدة التي سنقيمها هنا. ”
ساد الصمت فجأة، وتجمّد الحراس في أماكنهم، بينما اتسعت عينا الشيخ بدهشة، وقال أحدهم: ” مـ-ماذا؟ هل قلت إن إيرولد لايون هارت كان معلمك؟!”
ردت: ” نعم. ”
تغيّر وجه جاسمين، وتراجعت بخيبة أمل وهمست لإيرولد: ” لقد انتهى دوري هنا… ”
سألت بحيرة: ” هل كان إيرولد الحقيقي بهذه العظمة حقًّا؟”
استيقظ إيرولد وجاسمين في الصباح الباكر ليجدا كاراي يُعدّ الفطور، وهو يقول بابتسامة: ” لن تذهبا قبل أن تأكلا.
إيرولد بابتسامة: ” أكثر مما تتخيّلين.” وهو يواصل سيره.
من خلفهم، امتدت غابة كثيفة تتنفس برطوبةٍ خضراء، وأصوات طيورٍ خافتة تأتي من بعيد، بينما كانت قمم الجبال تلوح كظلالٍ رمادية في الأفق، شاهقة، صامتة، مطمئنة.
جاسمين بتعجب وهي تسير بجانب إيرولد: ” وماذا ستفعل في الأشهر الستة القادمة؟”
ابتسم وهو ينظر إليها: ” يمكننا الاستمتاع ببعض الوقت، وقومي أنتِ بالدراسة جيدًا… أنا أعتمد عليكِ.
توجه إيرولد إلى منزل شيخ القرية وهو يشعر بسعادة غريبة لم يشعر بها منذ زمن، يتمتم لنفسه: ” هذا الصباح… مختلف. ”
لمعت عيناها بسعادة وقالت بحماس: ” لك هذا! ”
عبست جاسمين وقالت: ” هل تأكل السمك فور استيقاظك؟!” كاراي مبتسمًا: ” لا يوجد غيره، لذا لا أرفضه… بل أكون سعيدًا به. على الأقل يوجد شيء نأكله، على عكس غيري ممن يتضورون جوعًا يا صغيرة. ”
من خلفهم، امتدت غابة كثيفة تتنفس برطوبةٍ خضراء، وأصوات طيورٍ خافتة تأتي من بعيد، بينما كانت قمم الجبال تلوح كظلالٍ رمادية في الأفق، شاهقة، صامتة، مطمئنة.
تركها إيرولد وتوجّه في طريقه، وبينما كان يسير قرب الساحة، ظهرت أماليا. حدّقت فيه بدهشة وقالت: ” أنت مجددًا، يا آرثر؟!”
” قرية بين ثلاث عوالم … “قالها في داخله. البحر أمامها، والغابة خلفها، والجبال تراقب من بعيد… وكأنها تنتمي لكل شيء، ولا تنتمي لأي شيء.
ابتسم وقال: ” مصادفة لطيفة… ماذا تفعلين هنا؟”
إيرولد بابتسامة: ” أكثر مما تتخيّلين.” وهو يواصل سيره.
ردّت بهدوء: ” لا شيء، كنت أتمشى فقط. ”
ردت: ” نعم. ”
تردد قليلًا ثم قال: ” هل ترغبين في التنزه معي قليلًا؟”
قال أخيرًا وهو يشد حقيبته: ” حسنًا، يجب أن نذهب. ”
ضحكت وقالت: ” لمَ لا؟ لكن… انزع رداءك، تبدو غريبًا به. ”
ضحك وقال وهو ينزع رداءه: ” لكِ هذا… ”
لكن الرجل تجاهله بصمت.
كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها ملامحه بوضوح، فنظرت إليه مبتسمة وقالت مازحة: ” كنت أظن أني سأرى غولًا أو ندوبًا مرعبة… لكن خاب أملي! ”
صرخ البائع قائلًا: ” أخبرتها أن الحليب طازج! لكنها تريد أن أحلب بقرة أمامها لتتأكد! لقد سئمت، تأتي كل أسبوع بنفس الطلب! ليس بعد الآن يا فتاة! ”
ابتسم وقال: ” وهل ستشعرين براحة أكبر لو كنت غولًا؟”
سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.
ضحكت بحرارة وقالت: ” لا، على العكس تمامًا. ”
رد آرثر: ” ما الذي حدث لك؟ ألم يرتعش قلبك من قبل؟” سكت إيرولد ولم يقل شيئًا، ولاحظ آرثر أن به أمرًا مختلفًا.
سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.
“ما أغرب هذا المكان … ” تمتم لنفسه، وهو يحدّق في البيوت الخشبية الصغيرة المتناثرة على سفح الجبل. كانت تتدلّى على منحدر يطلّ مباشرة على البحر، وكأنها تتشبث بالأرض كي لا تسقط في الهاوية.
دخلا إلى منزل الشيخ، وكان جالسًا ينتظرهما، يراقب الباب بصمت. قال بصوته العميق: ” كنت بانتظاركما… أخبراني، ما الذي تحتاجانه؟”
من خلفهم، امتدت غابة كثيفة تتنفس برطوبةٍ خضراء، وأصوات طيورٍ خافتة تأتي من بعيد، بينما كانت قمم الجبال تلوح كظلالٍ رمادية في الأفق، شاهقة، صامتة، مطمئنة.
فوق تل صغير بجوارهم، رأوا رجلاً ذا شعر اشقر يتأمل الأفق. صاح له إيرولد: ” مرحبًا… نحن غرباء عن هذه المنطقة، هل يمكنك أن ترشدنا إلى شيخ القرية؟ ”
” قرية بين ثلاث عوالم … “قالها في داخله. البحر أمامها، والغابة خلفها، والجبال تراقب من بعيد… وكأنها تنتمي لكل شيء، ولا تنتمي لأي شيء.
قال إيرولد بضجر: ” عُد إلى الداخل، أيها الوغد. ”
نسيم البحر كان يضرب وجهه بلطف، محمّلًا برائحة الملح والخشب الرطب. على أطراف الأزقة، رأى أطفالًا يركضون حفاة، ونساءً يعلّقن سلال الزعتر المجفف على النوافذ.
تعجّب كاراي وقال: ” هل كنتَ تحدّثني؟” أسرعت جاسمين وقالت بارتباك: ” لا، لا! إنه يتحدث إلى نفسه… لا تهتم! ” ثم همست لكاراي وهي تسحبه بعيدًا: ” إنه مجنون قليلًا … لا تشغل بالك بما يفعل. ”
“منذ زمنٍ طويل، لم أشعر بهذا القدر من… السلام. ”
ابتسمت وقالت: ” لمَ لا؟ أراك لاحقًا، يا آرثر. ”
نظر إلى أماليا من طرف عينه، وهي تسير بخفّة لا تشبه خطوات أهل الحرب. “هذه الفتاة… تنتمي لهذا المكان أكثر مني. ”
وفجأة خرج رجل كبير في السن، ذو شعر أبيض لا يزيده إلا وقارًا، وقال بصوت واثق: ” أنا شيخ هذه القرية، تفضلوا معي. ”
تجولا في أرجاء المدينة، وكان الحديث بينهما خفيفًا ومليئًا بالضحك. توقف إيرولد عند أحد المتاجر واشترى لها ولنفـسه عصيرًا، فناولها الكوب وهي تقول: ” شكرًا لك، لكن لم يكن عليك فعل ذلك. ”
كاراي: ” عتمة، هاه؟ يا له من اسم جميل… يليق به. ”
رد بابتسامة: ” بل على العكس، أنا سعيد بهذا. ”
أجاب الشيخ بتأكيد: ” يبدو أنكِ فتاة ذكية، تفضلي. ”
ثم نظر إليها وسأل: ” أخبريني عن عائلتك يا أماليا… ”
ضغط إيرولد على صدره بيده اليمنى وقال: ” إذًا ما هذا؟”
تنهدت وقالت: ” والدي الحقيقي تخلّى عني، وأمي لا تريدني، لذا أعيش مع جدتي. كنت أحلم منذ صغري أن أكون قوية بما يكفي لأعيش دون حاجتهم. ومنذ أن تخلوا عني… لم أسأل عنهم مجددًا, لذا أطمح أن أعيش حياتي كما أريد. ”
تبسّم تحت ردائه وقال: ” هذا صحيح… ”
نظرت إليه وسألته: ” وماذا عنك، يا آرثر؟”
استيقظ إيرولد وجاسمين في الصباح الباكر ليجدا كاراي يُعدّ الفطور، وهو يقول بابتسامة: ” لن تذهبا قبل أن تأكلا.
إيرولد: ” لا أعلم من هما والداي. لم أكن أملك اسمًا، فقط ألقاب. إلى أن قابلت رجلًا منحني اسمي ومكانتي… اعتبرته أخي الأكبر. وهناك امرأة مسنّة منحتني دفء الحنان والاهتمام حين احتجت إليهما، كانت كأختي الكبرى… لكن للأسف، كلاهما مات.
ارتبك التاجر وقال بخوف: ” لكني سأخسر، يا سيدي… ”
تأثرت أماليا وقالت بأسى: ” قصتك أسوأ من قصتي بكثير… ”
ثم نظرت إليه وسألت: ” وتلك الفتاة الصغيرة، هل هي ابنتك؟”
قالت بحماس: ” هل يمكنني الاطلاع عليها؟”
أجاب وهو يسير: ” للأسف، لا… إنها ابنة صديقي. قبل أن يموت، أوصاني بالاعتناء بها. لا أخفيكِ، كنت سأشعر بالفخر لو كانت ابنتي حقًا. ”
قال إيرولد للفتاة: ” أعتذر، أود التحدث إلى البائع. ”
نظرت إليه نظرة غامضة وقالت: ” كم أنت رجل طيب… لكنك غريب في الوقت ذاته. ”
رد إيرولد بنبرة جادة: ” لا تتدللي يا صغيرة، كلي، لدينا طريق طويل لنقطعه. ”
سألها متعجبًا: ” وما الغريب في هذا؟”
غضبت جاسمين، وبدت مستعدة لضربه، لكن إيرولد كان مستعدًا للإمساك بها. وفي لحظة مفاجئة، رأى جاسمين تتحكم في غضبها وتقول بهدوء: ” انسَ الأمر… لنذهب من هنا. ”
ردّت مبتسمة: ” تبدو طيبًا، لكن شكلك الخارجي لا يوحي بذلك. ومع هذا، كل ما تقوله… أصدّقه دون أي شك، دون حتى أن أطرح عليك الأسئلة. ”
وفجأة خرج رجل كبير في السن، ذو شعر أبيض لا يزيده إلا وقارًا، وقال بصوت واثق: ” أنا شيخ هذه القرية، تفضلوا معي. ”
سكت قليلًا ثم قال: ” لم يخبرني أحد بهذا من قبل. ”
تبسّم تحت ردائه وقال: ” هذا صحيح… ”
واصلا سيرهما، حتى قال لها إيرولد: ” سأعمل هنا لمدة ستة أشهر. إن كان وقتك يسمح، هل تودين أن نتنزه أحيانًا في أوقات الفراغ؟”
سألها بتردد: ” تبدين كأنك تعرفين المكان جيدًا… ما اسمك؟” ردت بود: ” اسمي أماليا. شكرًا على البارحة. ”
ابتسمت وقالت: ” لمَ لا؟ أراك لاحقًا، يا آرثر. ”
خرج إيرولد و جاسمين من منزل الشيخ و هوا يقول: ” عن سؤالك السابق هل علمتِ المدة التي سنقيمها هنا. ”
لكن ما إن غابت أماليا عن نظره، حتى توقف فجأة.
قادهم الشيخ إلى منزله وقدم لهم الطعام، وقال بلطف: ” ارتاحوا الليلة، سنتحدث غدًا. ”
شيء ما كان يراقبه…شعر بوخزة خفيفة في صدره، كأن الظلام نفسه يضغط عليه. حدّق نحو الأشجار الكثيفة، وعيناه تضيقان بريبة .همس ببطء: ” هذا… ليس حضور بشر… ”
بالقرب من الشاطئ، حيث يهمس البحر بأسراره للريح، قامت قرية غارقة في الخُضرة، تتنفس بين الغابة والموج .بيوتها من الخشب وسعف النخيل، تفوح منها رائحة الملح والدخان. أهلها يرتدون أثوابًا بسيطة منسوجة يدويًا، مزينة بخرز وأصداف البحر اللامعة. الرجال يربطون أكتافهم بجلود مشدودة تفوح منها رائحة الطحالب،والنساء يضفرن شعورهن بخيوط الزهور وقطع المرجان. في عيونهم هدوء غريب.
هبّت نسمة باردة، غيّرت طعم الهواء. ثم سمع همسة خافتة، لا تشبه أي صوت بشري. كانت… تنهيدة غليظة، مغموسة بالغضب. اتسعت عيناه، واهتز صوته: ” …بل… جـــان؟!”
ضحك وقال وهو ينزع رداءه: ” لكِ هذا… ”
تراجع خطوة، يده ترتجف قريبة من صدره،.تمتم بصوت مضطرب، كأنما يحاول إقناع نفسه: ” لا… لا، ليس الآن…ليس هنا…ليس وهمًا هذه المرة. ”
نظر نحو طريق السوق، نحو المكان الذي اختفت فيه أماليا…ثم إلى الجانب الآخر، حيث تنتظر جاسمين في بيت الشيخ. شد قبضته، وغرز أظافره في راحته: ” يجب أن أحميهم منه…لن أسمح له بالاقتراب. “
إيرولد: ” لا أعلم من هما والداي. لم أكن أملك اسمًا، فقط ألقاب. إلى أن قابلت رجلًا منحني اسمي ومكانتي… اعتبرته أخي الأكبر. وهناك امرأة مسنّة منحتني دفء الحنان والاهتمام حين احتجت إليهما، كانت كأختي الكبرى… لكن للأسف، كلاهما مات.
سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.
