Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملك قد لا يعود 9

مشاعر غريبة
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

مشاعر غريبة

استيقظ إيرولد وجاسمين في الصباح الباكر ليجدا كاراي يُعدّ الفطور، وهو يقول بابتسامة: ”  لن تذهبا قبل أن تأكلا.

تنهدت وقالت: ”  والدي الحقيقي تخلّى عني، وأمي لا تريدني، لذا أعيش مع جدتي. كنت أحلم منذ صغري أن أكون قوية بما يكفي لأعيش دون حاجتهم. ومنذ أن تخلوا عني… لم أسأل عنهم مجددًا, لذا أطمح أن أعيش حياتي كما أريد. ”

قفزت جاسمين من السرير وقالت بحماس: ”  أنا جائعة! ماذا تُعدّ؟”
رد كاراي بهدوء : ”  سمك. ”

ضحك آرثر داخله قائلًا: ” هذا الغبي لا يعرف معنى الحب. اخخ لو أنك تستطعين سماعي يا جاسمين، لكنّا تنمرنا عليه أكثر! ”

عبست جاسمين وقالت: ” هل تأكل السمك فور استيقاظك؟!”
كاراي مبتسمًا: ”  لا يوجد غيره، لذا لا أرفضه… بل أكون سعيدًا به. على الأقل يوجد شيء نأكله، على عكس غيري ممن يتضورون جوعًا يا صغيرة. ”

تراجع خطوة، يده ترتجف قريبة من صدره،.تمتم بصوت مضطرب، كأنما يحاول إقناع نفسه: ”  لا… لا، ليس الآن…ليس هنا…ليس وهمًا هذه المرة. ”

قالت بقرف: ”  شكرًا… لا أريد. ”

سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.

رد إيرولد بنبرة جادة: ”  لا تتدللي يا صغيرة، كلي، لدينا طريق طويل لنقطعه. ”

عبست جاسمين وقالت: ” هل تأكل السمك فور استيقاظك؟!” كاراي مبتسمًا: ”  لا يوجد غيره، لذا لا أرفضه… بل أكون سعيدًا به. على الأقل يوجد شيء نأكله، على عكس غيري ممن يتضورون جوعًا يا صغيرة. ”

جلس إيرولد إلى الطاولة وبدأ يأكل، حتى طوّق الجوع جاسمين فجلست لتأكل معه. خرج إيرولد وجاسمين ليودّعا كاراي.
سأل إيرولد: ”  أين حصاني؟”
رد كاراي مشيرًا إلى الحظيرة القريبة: ” في الحظيرة هناك، وضعتُه مع خيولي ليتغذى. تمتلك حصانًا نادرًا بحق، يا آرثر. ”
ضحك وهو يضيف: ” عندما حاولت أخذه، كان يرفض التحرك، ليس لأنه غير مطمئن لي، بل لأن كبرياءه كان يقول: ” لا تتجرأ على فعل ذلك. حتى إنني تركته… وباستغراب، هو من لحقني إلى هناك. شعرت بالأُلفة منه حقًا.”

ردّ إيرولد بسرعة: ” انتظري، رجاءً. ”

ضحكت جاسمين وقالت: ” هذا هو عتمة، هكذا يتصرف دومًا. ”

تغيّر وجه جاسمين، وتراجعت بخيبة أمل وهمست لإيرولد: ” لقد انتهى دوري هنا… ”

كاراي: ” عتمة، هاه؟ يا له من اسم جميل… يليق به. ”

ردت: ” نعم. ”

قال إيرولد وهو يتأفف: ”  هل أنا الوحيد الذي يرى أن هذا الاسم غريب؟”
الروح آرثر وهو يتشكل في الهواء ضاحكًا: ”  نعم… أنت الغريب، يا رجل. ”

قال إيرولد وهو ينظر نحو الأفق : ”  أعذريني، يجب أن أذهب الآن. ”

 

قالت أماليا بخجل: ”  أيها الغريب… ما اسمك؟” رد بابتسامة هادئة: ”  اسمي آرثر. ” ابتسمت وقالت: ”  تشرفت بلقائك، يا آرثر. ” قال: ”  وأنا أيضًا… يا أماليا. ”

قال إيرولد بضجر: ”  عُد إلى الداخل، أيها الوغد. ”

نظر الشيخ إليه بذهول، وقال بصوت خافت: ”  آرثر… اسم ابنه الراحل… آرثر لايون هارت … ” صمت لحظة ثم تابع: ” لا يمكن أن تكذب بشأن أمر كهذا… لكن، حتى وإن كنت صادقًا، لا يمكنني أن أمنحك عين الغموض بهذه البساطة. يجب أن تُثبت لي أنك أهل لها. ”

تعجّب كاراي وقال: ”  هل كنتَ تحدّثني؟”
أسرعت جاسمين وقالت بارتباك: ”  لا، لا! إنه يتحدث إلى نفسه… لا تهتم! ”
ثم همست لكاراي وهي تسحبه بعيدًا: ”  إنه مجنون قليلًا … لا تشغل بالك بما يفعل. ”

…

همس إيرولد وهو يتظاهر بالضيق: ”  لقد سمعتكِ، أيتها الوقحة…”

لمعت عيناها بسعادة وقالت بحماس: ”  لك هذا! ”

قال أخيرًا وهو يشد حقيبته: ”  حسنًا، يجب أن نذهب. ”

ضحكت جاسمين وقالت: ” هذا هو عتمة، هكذا يتصرف دومًا. ”

ودّع إيرولد وجاسمين كاراي، الذي أوصاهما بالاعتناء بنفسيهما، ثم التفت إلى جاسمين وقال: ” أنا أؤمن بكِ يا فتاة… لا تستسلمي. ”

سألها متعجبًا: ”  وما الغريب في هذا؟”

أمالت جاسمين رأسها بلطف وابتسمت، ثم ودّعاه. اتجها إلى القرية المجاورة كما وصف لهما كاراي: ” اتبعوا الشاطئ حتى نهايته… ستجدون القرية خلف الجبل. ”

دخل إيرولد وجاسمين القرية وسط دهشة أهلها. كانوا يحدقون في وجهَي الغريبَين، أحدهما يخفي ملامحه بالكامل. تجمّع بعضهم وسألوا بتوجّس: ” من أنتما؟”

بالقرب من الشاطئ، حيث يهمس البحر بأسراره للريح، قامت قرية غارقة في الخُضرة، تتنفس بين الغابة والموج .بيوتها من الخشب وسعف النخيل، تفوح منها رائحة الملح والدخان. أهلها يرتدون أثوابًا بسيطة منسوجة يدويًا، مزينة بخرز وأصداف البحر اللامعة. الرجال يربطون أكتافهم بجلود مشدودة تفوح منها رائحة الطحالب،والنساء يضفرن شعورهن بخيوط الزهور وقطع المرجان. في عيونهم هدوء غريب.

شيء ما كان يراقبه…شعر بوخزة خفيفة في صدره، كأن الظلام نفسه يضغط عليه. حدّق نحو الأشجار الكثيفة، وعيناه تضيقان بريبة .همس ببطء: ”  هذا… ليس حضور بشر… ”

فوق تل صغير بجوارهم، رأوا رجلاً ذا شعر اشقر يتأمل الأفق. صاح له إيرولد: ” مرحبًا… نحن غرباء عن هذه المنطقة، هل يمكنك أن ترشدنا إلى شيخ القرية؟ ”

رد إيرولد وهو يلوّح بيده: ”  أبقي مالكِ معكِ يا أماليا. لم أدفع شيئًا. كنت فقط أعرف أحد أعز أصدقائه، وأوصيته أن يُعامل زبائنه بشكل أفضل. ”

لكن الرجل تجاهله بصمت.

قال إيرولد دون تردد: ”  اتفقنا. ”

صرخت جاسمين: ”  إننا نحدثك أيها المعتوه.” لكنه لم يعرها أي اهتمام، بل أكمل تأمله وكأنهم غير موجودين.

قالت أماليا بخجل: ”  أيها الغريب… ما اسمك؟” رد بابتسامة هادئة: ”  اسمي آرثر. ” ابتسمت وقالت: ”  تشرفت بلقائك، يا آرثر. ” قال: ”  وأنا أيضًا… يا أماليا. ”

غضبت جاسمين، وبدت مستعدة لضربه، لكن إيرولد كان مستعدًا للإمساك بها.
وفي لحظة مفاجئة، رأى جاسمين تتحكم في غضبها وتقول بهدوء: ”  انسَ الأمر… لنذهب من هنا. ”

ضغط إيرولد على صدره بيده اليمنى وقال: ” إذًا ما هذا؟”

 

تغيّر وجه جاسمين، وتراجعت بخيبة أمل وهمست لإيرولد: ” لقد انتهى دوري هنا… ”

فرح إيرولد في داخله: ” إنك تنضجين… كان والدك ليفتخر بك في هذه اللحظة. ”

“ما أغرب هذا المكان … ” تمتم لنفسه، وهو يحدّق في البيوت الخشبية الصغيرة المتناثرة على سفح الجبل. كانت تتدلّى على منحدر يطلّ مباشرة على البحر، وكأنها تتشبث بالأرض كي لا تسقط في الهاوية.

دخل إيرولد وجاسمين القرية وسط دهشة أهلها. كانوا يحدقون في وجهَي الغريبَين، أحدهما يخفي ملامحه بالكامل. تجمّع بعضهم وسألوا بتوجّس: ” من أنتما؟”

ردّت مبتسمة: ”  تبدو طيبًا، لكن شكلك الخارجي لا يوحي بذلك. ومع هذا، كل ما تقوله… أصدّقه دون أي شك، دون حتى أن أطرح عليك الأسئلة. ”

أجاب إيرولد بهدوء: ” نحن ضيوف، نودّ مقابلة شيخ القرية. ”

استيقظ إيرولد وجاسمين في الصباح الباكر ليجدا كاراي يُعدّ الفطور، وهو يقول بابتسامة: ”  لن تذهبا قبل أن تأكلا.

ردّ رجل من العامة باستهزاء: ” ومن أنتم حتى تقابلوا الشيخ؟ نحتاج أن نعرف هدفكم، فقد تكونون قطاع طرق.”

من خلفهم، امتدت غابة كثيفة تتنفس برطوبةٍ خضراء، وأصوات طيورٍ خافتة تأتي من بعيد، بينما كانت قمم الجبال تلوح كظلالٍ رمادية في الأفق، شاهقة، صامتة، مطمئنة.

نزلت جاسمين من فوق الحصان وردّت بثقة: ” وهل يجلب قطاع الطرق فتاة صغيرة معهم؟”

واصلا سيرهما، حتى قال لها إيرولد: ” سأعمل هنا لمدة ستة أشهر. إن كان وقتك يسمح، هل تودين أن نتنزه أحيانًا في أوقات الفراغ؟”

ردّ شخص بسرعة: ” نعم، هذا ممكن. ”

أرسل الشيخ أحدهم ليرافقهما إلى مكتبة القرية. وفي الطريق، لفت انتباه إيرولد مشهد جذب بصره كليًا… فتاة تتشاجر مع أحد البائعين. ملامحها ملائكية: ” بشرة بيضاء، شعر ذهبي، خدّان محمّران من حرارة الطقس، وعينان زرقاوان كأعماق المحيط، وأنف حاد كالسيف.

تغيّر وجه جاسمين، وتراجعت بخيبة أمل وهمست لإيرولد: ” لقد انتهى دوري هنا… ”

صرخت جاسمين: ”  إننا نحدثك أيها المعتوه.” لكنه لم يعرها أي اهتمام، بل أكمل تأمله وكأنهم غير موجودين.

فردّ ساخرًا: ” وما الذي فعلتِه أصلاً؟ لا شيء. ”

تغيّر وجه جاسمين، وتراجعت بخيبة أمل وهمست لإيرولد: ” لقد انتهى دوري هنا… ”

وفجأة خرج رجل كبير في السن، ذو شعر أبيض لا يزيده إلا وقارًا، وقال بصوت واثق: ” أنا شيخ هذه القرية، تفضلوا معي. ”

عبست جاسمين وقالت: ” هل تأكل السمك فور استيقاظك؟!” كاراي مبتسمًا: ”  لا يوجد غيره، لذا لا أرفضه… بل أكون سعيدًا به. على الأقل يوجد شيء نأكله، على عكس غيري ممن يتضورون جوعًا يا صغيرة. ”

قادهم الشيخ إلى منزله وقدم لهم الطعام، وقال بلطف: ” ارتاحوا الليلة، سنتحدث غدًا. ”

قالت بحماس: ” هل يمكنني الاطلاع عليها؟”

أقامهم في بيت الضيافة بجوار منزله. سألته جاسمين: ” هل تمتلكون كتبًا هنا؟”

ردّ إيرولد بسرعة: ” انتظري، رجاءً. ”

ردّ بابتسامة: ” بالطبع. ”

ردّ ببرود فيه لمسة إحراج: ” اخرسي، ولنذهب. ”

قالت بحماس: ” هل يمكنني الاطلاع عليها؟”

نظرت إليه وسألته: ”  وماذا عنك، يا آرثر؟”

أجاب الشيخ بتأكيد: ” يبدو أنكِ فتاة ذكية، تفضلي. ”

ردّ آرثر في داخله: ” لا، ليست كذلك. لو كنت مريضًا، لشعرت بذلك. ”

ردّت: ” أشكرك. ”
وفي داخلها، كانت تقول: ” هذه أول خطوة لي، يجب أن أنجح. ”

ضحكت وقالت: ”  لمَ لا؟ لكن… انزع رداءك، تبدو غريبًا به. ”

أرسل الشيخ أحدهم ليرافقهما إلى مكتبة القرية. وفي الطريق، لفت انتباه إيرولد مشهد جذب بصره كليًا… فتاة تتشاجر مع أحد البائعين. ملامحها ملائكية: ” بشرة بيضاء، شعر ذهبي، خدّان محمّران من حرارة الطقس، وعينان زرقاوان كأعماق المحيط، وأنف حاد كالسيف.

نظر الشيخ إليه بذهول، وقال بصوت خافت: ”  آرثر… اسم ابنه الراحل… آرثر لايون هارت … ” صمت لحظة ثم تابع: ” لا يمكن أن تكذب بشأن أمر كهذا… لكن، حتى وإن كنت صادقًا، لا يمكنني أن أمنحك عين الغموض بهذه البساطة. يجب أن تُثبت لي أنك أهل لها. ”

توقف إيرولد، وضع يده على صدره وقال بصوت منخفض: ” هل أنا مريض؟”

ثم سألها بلطف: ”  كيف عرفتِ أنه أنا؟” قالت: ”  لا أحد يُغطي وجهه هنا سواك. ”

ردّ آرثر في داخله: ” لا، ليست كذلك. لو كنت مريضًا، لشعرت بذلك. ”

تنهدت وقالت: ”  والدي الحقيقي تخلّى عني، وأمي لا تريدني، لذا أعيش مع جدتي. كنت أحلم منذ صغري أن أكون قوية بما يكفي لأعيش دون حاجتهم. ومنذ أن تخلوا عني… لم أسأل عنهم مجددًا, لذا أطمح أن أعيش حياتي كما أريد. ”

ضغط إيرولد على صدره بيده اليمنى وقال: ” إذًا ما هذا؟”

تراجع خطوة، يده ترتجف قريبة من صدره،.تمتم بصوت مضطرب، كأنما يحاول إقناع نفسه: ”  لا… لا، ليس الآن…ليس هنا…ليس وهمًا هذه المرة. ”

سأل آرثر من جديد: ” هل أنت من يفعل هذا؟”

قالت: ” هل أنت مشرّد؟ أم ماذا؟ ألا تملك منزلًا؟” ضحك قليلًا وقال: ”  بلا، لكني غفوت هنا. اعتدت على النوم في أي مكان. ”

ردّ آرثر بتهكّم: ” لا يا غبي، ألا تعلم ما يعني هذا؟”

وفجأة خرج رجل كبير في السن، ذو شعر أبيض لا يزيده إلا وقارًا، وقال بصوت واثق: ” أنا شيخ هذه القرية، تفضلوا معي. ”

قبل أن يُكمل، تحرك جسد إيرولد بلا وعي نحوه، ونطق بصوت غريب: ” هل أنتم بخير؟”

جلس إيرولد إلى الطاولة وبدأ يأكل، حتى طوّق الجوع جاسمين فجلست لتأكل معه. خرج إيرولد وجاسمين ليودّعا كاراي. سأل إيرولد: ”  أين حصاني؟” رد كاراي مشيرًا إلى الحظيرة القريبة: ” في الحظيرة هناك، وضعتُه مع خيولي ليتغذى. تمتلك حصانًا نادرًا بحق، يا آرثر. ” ضحك وهو يضيف: ” عندما حاولت أخذه، كان يرفض التحرك، ليس لأنه غير مطمئن لي، بل لأن كبرياءه كان يقول: ” لا تتجرأ على فعل ذلك. حتى إنني تركته… وباستغراب، هو من لحقني إلى هناك. شعرت بالأُلفة منه حقًا.”

صرخ البائع قائلًا: ” أخبرتها أن الحليب طازج! لكنها تريد أن أحلب بقرة أمامها لتتأكد! لقد سئمت، تأتي كل أسبوع بنفس الطلب! ليس بعد الآن يا فتاة! ”

قال إيرولد وهو ينظر نحو الأفق : ”  أعذريني، يجب أن أذهب الآن. ”

قال إيرولد للفتاة: ” أعتذر، أود التحدث إلى البائع. ”

تجولا في أرجاء المدينة، وكان الحديث بينهما خفيفًا ومليئًا بالضحك. توقف إيرولد عند أحد المتاجر واشترى لها ولنفـسه عصيرًا، فناولها الكوب وهي تقول: ”  شكرًا لك، لكن لم يكن عليك فعل ذلك. ”

قالت ببرود: ” لا أمانع، لكني لن أشتري الحليب بعد الآن. ”

استلقى إيرولد على تلٍ يُطل على الشاطئ، والنسيم يداعب خصلات شعره، وحدّق في الأفق البعيد حيث البحر يلامس السماء .قال بصوت خافت، كأنه يحدّث روحه: ” أحيانًا، أقتنع أنني غير صالح لأي علاقة بشرية… لأنني أؤمن أنه إن كنت تخشى الوحدة، فلا ينبغي لك أن تقع في الحب. فالحب لا يجب أن يكون هروبًا من العزلة، بل شراكة تقوم على القوة المتبادلة. إن لم تستطع أن تكون وحدك، فلن تستطيع يومًا أن تكون حقًا مع أحد. ”

ردّ إيرولد بسرعة: ” انتظري، رجاءً. ”

قبل أن يُكمل، تحرك جسد إيرولد بلا وعي نحوه، ونطق بصوت غريب: ” هل أنتم بخير؟”

أخذ البائع جانبًا وقال له بصوت جاد أقرب إلى التهديد: ” أعلم أن الحليب ليس طازجًا. رائحته تكشفه. إن أردت ألا أفشي ذلك، فأحضر لها حليبًا طازجًا الآن، وبنصف السعر. كل يوم. ”

سألها بتردد: ”  تبدين كأنك تعرفين المكان جيدًا… ما اسمك؟” ردت بود: ” اسمي أماليا. شكرًا على البارحة. ”

ارتبك التاجر وقال بخوف: ” لكني سأخسر، يا سيدي… ”

قال إيرولد للفتاة: ” أعتذر، أود التحدث إلى البائع. ”

ردّ إيرولد ببرود قاتل: ” لو كنت أمينًا في عملك لما وصلت إلى هنا. نفذ ما أمرتك به. ”

أرسل الشيخ أحدهم ليرافقهما إلى مكتبة القرية. وفي الطريق، لفت انتباه إيرولد مشهد جذب بصره كليًا… فتاة تتشاجر مع أحد البائعين. ملامحها ملائكية: ” بشرة بيضاء، شعر ذهبي، خدّان محمّران من حرارة الطقس، وعينان زرقاوان كأعماق المحيط، وأنف حاد كالسيف.

ذهب التاجر واعتذر للفتاة، وقال: ” سأحضر لك الحليب الطازج الآن. آسف. ”

لكن ما إن غابت أماليا عن نظره، حتى توقف فجأة.

راقبته الفتاة من بعيد، لم تشكره لكنها أرادت ذلك. لم يفهم إيرولد نفسه، لماذا تصرف هكذا؟ عاد إلى جاسمين التي قالت له ساخرة: ” ما كان هذا؟”

ردّ بعد أن عاد لوعيه: ” ليس الآن، يجب أن نجد ‘عين الغموض’. سمعت أنها في هذه المنطقة. ”

ردّ إيرولد : ” كان يحتال عليها. لقد ساويت الأمر. ”

في لحظة، اقتحم الحراس الغرفة، وسحبوا سيوفهم، مما أربك جاسمين. أما إيرولد، فظل واقفًا بهدوء، كأن الأمر لا يعنيه، وقال: ”  لدي هدف أسمى… أعلم أن عين الغموض كنز من كنوز الشمال، لكني مضطر لطلبها. ”

ضحكت جاسمين بخبث: ” وهل ساويت الأمر حقًا؟ هل تعرف اسمها حتى؟”

قالت ببرود: ” لا أمانع، لكني لن أشتري الحليب بعد الآن. ”

ردّ ببرود فيه لمسة إحراج: ” اخرسي، ولنذهب. ”

نظرت إليه نظرة غامضة وقالت: ”  كم أنت رجل طيب… لكنك غريب في الوقت ذاته. ”

قالت مازحة: ” آرثر، أخبرني ما حصل! هيهيهي… ”

نظرت إليه نظرة غامضة وقالت: ”  كم أنت رجل طيب… لكنك غريب في الوقت ذاته. ”

ضحك آرثر داخله قائلًا: ” هذا الغبي لا يعرف معنى الحب. اخخ لو أنك تستطعين سماعي يا جاسمين، لكنّا تنمرنا عليه أكثر! ”

قفزت جاسمين من السرير وقالت بحماس: ”  أنا جائعة! ماذا تُعدّ؟” رد كاراي بهدوء : ”  سمك. ”

تجاهله إيرولد وهو يحدق في يده اليمنى قائلًا: ” حب؟ هاه؟ ما معنى هذا؟”

دخل إيرولد وجاسمين القرية وسط دهشة أهلها. كانوا يحدقون في وجهَي الغريبَين، أحدهما يخفي ملامحه بالكامل. تجمّع بعضهم وسألوا بتوجّس: ” من أنتما؟”

…

تقدم إيرولد بخطوات هادئة، وقال: ” لا أعلم كيف ستكون ردة فعلك، لكن لا أملك خيارًا آخر. ” سكت للحظة، ثم تابع بنبرة جادة: ” أتيت لأسألك عن عين الغموض. ”

أخذت جاسمين عددًا كبيرًا من الكتب من المكتبة، وقالت بحماسة: ” يجب أن أقرأها كلها قبل أن نغادر. بالمناسبة، متى سنذهب؟”

سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.

نظرت إلى إيرولد، الذي كان شارد الذهن، ثم صرخت: ” إيرولد! متى سنذهب؟”

خرج إيرولد يتمشى وهو يفكر بما حصل، يتذكر كلمات معلمه إيرولد لايون هارت  في صغره:

ردّ بعد أن عاد لوعيه: ” ليس الآن، يجب أن نجد ‘عين الغموض’. سمعت أنها في هذه المنطقة. ”

وكان ردّ آرثر حينها: ” لااا أهتممم! علّمني حركات جديدة، هذا كل ما أريده! ”

قام من الأرض متثاقلًا واتجه نحو الباب. سألته جاسمين: ” إلى أين تذهب؟”

ابتسم وقال: ”  مصادفة لطيفة… ماذا تفعلين هنا؟”

ردّ باقتضاب: ” سأتمشى قليلًا. ”

ذهب التاجر واعتذر للفتاة، وقال: ” سأحضر لك الحليب الطازج الآن. آسف. ”

قالت: ” حسنًا، سأكمل القراءة. لا تتأخر. ”

أمالت جاسمين رأسها بلطف وابتسمت، ثم ودّعاه. اتجها إلى القرية المجاورة كما وصف لهما كاراي: ” اتبعوا الشاطئ حتى نهايته… ستجدون القرية خلف الجبل. ”

…

ثم سألها بلطف: ”  كيف عرفتِ أنه أنا؟” قالت: ”  لا أحد يُغطي وجهه هنا سواك. ”

خرج إيرولد يتمشى وهو يفكر بما حصل، يتذكر كلمات معلمه إيرولد لايون هارت  في صغره:

 

كيف ستجد حبك وأنت لا تهتم إلا بالقتال؟ الحياة ليست قتالًا وتدريبًا فقط. أنا هنا لأرعاك، لا لأحبسك. أخرج، العب، افهم مشاعرك ومشاعر من حولك… قد ترغب بالزواج عندما تكبر، ولا أريدك عاجزًا عن التعبير.

أخذ البائع جانبًا وقال له بصوت جاد أقرب إلى التهديد: ” أعلم أن الحليب ليس طازجًا. رائحته تكشفه. إن أردت ألا أفشي ذلك، فأحضر لها حليبًا طازجًا الآن، وبنصف السعر. كل يوم. ”

وكان ردّ آرثر حينها: ” لااا أهتممم! علّمني حركات جديدة، هذا كل ما أريده! ”

ردّ ببرود فيه لمسة إحراج: ” اخرسي، ولنذهب. ”

استلقى إيرولد على تلٍ يُطل على الشاطئ، والنسيم يداعب خصلات شعره، وحدّق في الأفق البعيد حيث البحر يلامس السماء .قال بصوت خافت، كأنه يحدّث روحه: ” أحيانًا، أقتنع أنني غير صالح لأي علاقة بشرية…
لأنني أؤمن أنه إن كنت تخشى الوحدة، فلا ينبغي لك أن تقع في الحب.
فالحب لا يجب أن يكون هروبًا من العزلة، بل شراكة تقوم على القوة المتبادلة. إن لم تستطع أن تكون وحدك،
فلن تستطيع يومًا أن تكون حقًا مع أحد. ”

أجاب الشيخ بتأكيد: ” يبدو أنكِ فتاة ذكية، تفضلي. ”

سكت قليلًا، ثم تنهد وأكمل بنبرة حيرة: ” لكن… لماذا أشعر بهذا الشيء الآن؟ ما الذي تغيّر؟ ما الذي تحرّك داخلي حين نظرتُ في عينيها؟”

قال إيرولد بضجر: ”  عُد إلى الداخل، أيها الوغد. ”

رد آرثر: ” ما الذي حدث لك؟ ألم يرتعش قلبك من قبل؟” سكت إيرولد ولم يقل شيئًا، ولاحظ آرثر أن به أمرًا مختلفًا.

لكنه، في داخله، لم يكن يريد الذهاب… شيء ما فيها شده، اسمها، صوتها، وحتى الطريقة التي وقفت بها أمام الشمس جعلت ظله يلامس ظلها.

قال آرثر بصوت جاد: ”  لا تفعل هذا، سوف تندم. إنها تختلف عنك كثيرًا، كما أن دربها يختلف عن دربك، ومصيرك… مشؤوم. لذا، دعها تذهب .”عمّ الصمت، ولم يُسمع سوى همسات الأمواج حتى سقط إيرولد في النوم.

اتسعت عينا الشيخ، وبدت عليه علامات الذهول، ثم صرخ فجأة: ” يا حرّاس! ”

استيقظ إيرولد على نور أشعة الشمس، وهو مستلقٍ على الرمال، وقال بصوت ناعس: ”  يبدو أني نمت على الشاطئ… ” لكن هناك شيء بدأ يحجب ضوء الشمس عني.

 

رفع رأسه قليلًا، فرأى شخصًا يقف خلفه. كانت تلك الفتاة، شعرها يتلألأ بانعكاس الضوء، وصوت البحر خلفها يعزف لحنًا هادئًا.

وفجأة خرج رجل كبير في السن، ذو شعر أبيض لا يزيده إلا وقارًا، وقال بصوت واثق: ” أنا شيخ هذه القرية، تفضلوا معي. ”

قالت: ” هل أنت مشرّد؟ أم ماذا؟ ألا تملك منزلًا؟”
ضحك قليلًا وقال: ”  بلا، لكني غفوت هنا. اعتدت على النوم في أي مكان. ”

ضحكت بحرارة وقالت: ”  لا، على العكس تمامًا. ”

ثم سألها بلطف: ”  كيف عرفتِ أنه أنا؟”
قالت: ”  لا أحد يُغطي وجهه هنا سواك. ”

ردّ آرثر في داخله: ” لا، ليست كذلك. لو كنت مريضًا، لشعرت بذلك. ”

تبسّم تحت ردائه وقال: ”  هذا صحيح… ”

ابتسم وقال: ”  وهل ستشعرين براحة أكبر لو كنت غولًا؟”

سألها بتردد: ”  تبدين كأنك تعرفين المكان جيدًا… ما اسمك؟”
ردت بود: ” اسمي أماليا. شكرًا على البارحة. ”

قام من الأرض متثاقلًا واتجه نحو الباب. سألته جاسمين: ” إلى أين تذهب؟”

أخرجت له بعض المال وقالت : ”  هذا مالك، شكرًا على كرمك. ”

تركها إيرولد وتوجّه في طريقه، وبينما كان يسير قرب الساحة، ظهرت أماليا. حدّقت فيه بدهشة وقالت: ”  أنت مجددًا، يا آرثر؟!”

رد إيرولد وهو يلوّح بيده: ”  أبقي مالكِ معكِ يا أماليا. لم أدفع شيئًا. كنت فقط أعرف أحد أعز أصدقائه، وأوصيته أن يُعامل زبائنه بشكل أفضل. ”

تقدم إيرولد بخطوات هادئة، وقال: ” لا أعلم كيف ستكون ردة فعلك، لكن لا أملك خيارًا آخر. ” سكت للحظة، ثم تابع بنبرة جادة: ” أتيت لأسألك عن عين الغموض. ”

قالت بدهشة: ”  إلى درجة أنه لا يأخذ مني المال؟ هااه… ”
ضحك ورد: ”  ربما أُحسّ بتأنيب الضمير. ”

نسيم البحر كان يضرب وجهه بلطف، محمّلًا برائحة الملح والخشب الرطب. على أطراف الأزقة، رأى أطفالًا يركضون حفاة، ونساءً يعلّقن سلال الزعتر المجفف على النوافذ.

ضحكت بحرارة: ”  هاهاها، هكذا إذًا… ”

ثم نظر إليها وسأل: ”  أخبريني عن عائلتك يا أماليا… ”

قال إيرولد وهو ينظر نحو الأفق : ”  أعذريني، يجب أن أذهب الآن. ”

تقدم إيرولد بخطوات هادئة، وقال: ” لا أعلم كيف ستكون ردة فعلك، لكن لا أملك خيارًا آخر. ” سكت للحظة، ثم تابع بنبرة جادة: ” أتيت لأسألك عن عين الغموض. ”

لكنه، في داخله، لم يكن يريد الذهاب… شيء ما فيها شده، اسمها، صوتها، وحتى الطريقة التي وقفت بها أمام الشمس جعلت ظله يلامس ظلها.

سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.

قالت أماليا بخجل: ”  أيها الغريب… ما اسمك؟”
رد بابتسامة هادئة: ”  اسمي آرثر. ”
ابتسمت وقالت: ”  تشرفت بلقائك، يا آرثر. ”
قال: ”  وأنا أيضًا… يا أماليا. ”

ابتسمت وقالت: ”  لمَ لا؟ أراك لاحقًا، يا آرثر. ”

 

ردّ بابتسامة: ” بالطبع. ”

توجه إيرولد إلى منزل شيخ القرية وهو يشعر بسعادة غريبة لم يشعر بها منذ زمن، يتمتم لنفسه: ” هذا الصباح… مختلف. ”

 

وجد جاسمين تنتظره عند باب المنزل، يداها خلف ظهرها وملامحها قلقة .قالت: ”  كنت أبحث عنك… أين كنت؟ أنمت بالخارج؟”
نظر إليها إيرولد وابتسم: ”  نعم، لكنني بخير. ”

ابتسمت وقالت: ”  لمَ لا؟ أراك لاحقًا، يا آرثر. ”

 

فوق تل صغير بجوارهم، رأوا رجلاً ذا شعر اشقر يتأمل الأفق. صاح له إيرولد: ” مرحبًا… نحن غرباء عن هذه المنطقة، هل يمكنك أن ترشدنا إلى شيخ القرية؟ ”

دخلا إلى منزل الشيخ، وكان جالسًا ينتظرهما، يراقب الباب بصمت. قال بصوته العميق: ”  كنت بانتظاركما… أخبراني، ما الذي تحتاجانه؟”

قالت أماليا بخجل: ”  أيها الغريب… ما اسمك؟” رد بابتسامة هادئة: ”  اسمي آرثر. ” ابتسمت وقالت: ”  تشرفت بلقائك، يا آرثر. ” قال: ”  وأنا أيضًا… يا أماليا. ”

تقدم إيرولد بخطوات هادئة، وقال: ” لا أعلم كيف ستكون ردة فعلك، لكن لا أملك خيارًا آخر. ”
سكت للحظة، ثم تابع بنبرة جادة: ” أتيت لأسألك عن عين الغموض. ”

رد إيرولد بنبرة جادة: ”  لا تتدللي يا صغيرة، كلي، لدينا طريق طويل لنقطعه. ”

اتسعت عينا الشيخ، وبدت عليه علامات الذهول، ثم صرخ فجأة: ” يا حرّاس! ”

نسيم البحر كان يضرب وجهه بلطف، محمّلًا برائحة الملح والخشب الرطب. على أطراف الأزقة، رأى أطفالًا يركضون حفاة، ونساءً يعلّقن سلال الزعتر المجفف على النوافذ.

في لحظة، اقتحم الحراس الغرفة، وسحبوا سيوفهم، مما أربك جاسمين. أما إيرولد، فظل واقفًا بهدوء، كأن الأمر لا يعنيه، وقال: ”  لدي هدف أسمى… أعلم أن عين الغموض كنز من كنوز الشمال، لكني مضطر لطلبها. ”

ابتسم وقال: ”  وهل ستشعرين براحة أكبر لو كنت غولًا؟”

رد الشيخ بنبرة حازمة: ”  وهل تظن أنك ستحصل عليها هكذا؟ عين الغموض لعنة ، ونحن نحرسها منذ قرون، ولا يمكن لأي أحد استعمالها.” ومع اقتراب الحراس أكثر، قال إيرولد بصوت واثق: ”  أعلم أن أبناء الشمال لا يعترفون إلا بالقوة والمبادئ… هذا ما علمني إياه معلمي، إيرولد لايون هارت . ”

دخلا إلى منزل الشيخ، وكان جالسًا ينتظرهما، يراقب الباب بصمت. قال بصوته العميق: ”  كنت بانتظاركما… أخبراني، ما الذي تحتاجانه؟”

ساد الصمت فجأة، وتجمّد الحراس في أماكنهم، بينما اتسعت عينا الشيخ بدهشة، وقال أحدهم: ”  مـ-ماذا؟ هل قلت إن إيرولد لايون هارت  كان معلمك؟!”

أجاب إيرولد بهدوء: ” نحن ضيوف، نودّ مقابلة شيخ القرية. ”

ابتسم إيرولد وأجاب بثقة: ”  نعم، اسمي هوا آرثر، وقد علمني إيرولد الكثير… هوا من منحني هذا الاسم. ”

أخذ البائع جانبًا وقال له بصوت جاد أقرب إلى التهديد: ” أعلم أن الحليب ليس طازجًا. رائحته تكشفه. إن أردت ألا أفشي ذلك، فأحضر لها حليبًا طازجًا الآن، وبنصف السعر. كل يوم. ”

نظر الشيخ إليه بذهول، وقال بصوت خافت: ”  آرثر… اسم ابنه الراحل… آرثر لايون هارت … ”
صمت لحظة ثم تابع: ” لا يمكن أن تكذب بشأن أمر كهذا… لكن، حتى وإن كنت صادقًا، لا يمكنني أن أمنحك عين الغموض بهذه البساطة. يجب أن تُثبت لي أنك أهل لها. ”

ردّ ببرود فيه لمسة إحراج: ” اخرسي، ولنذهب. ”

سأل إيرولد بجدية: ”  وكيف يمكنني إثبات ذلك؟”

قفزت جاسمين من السرير وقالت بحماس: ”  أنا جائعة! ماذا تُعدّ؟” رد كاراي بهدوء : ”  سمك. ”

رد الشيخ وهو ينهض من مجلسه: ”  كن أحد حرّاس القرية لمدة ستة أشهر. إن استطعت طرد قطاع الطرق الذين يهاجمون أطراف الشمال خلال هذه المدة… حينها، سأمنحك ما تطلب. ”

أرسل الشيخ أحدهم ليرافقهما إلى مكتبة القرية. وفي الطريق، لفت انتباه إيرولد مشهد جذب بصره كليًا… فتاة تتشاجر مع أحد البائعين. ملامحها ملائكية: ” بشرة بيضاء، شعر ذهبي، خدّان محمّران من حرارة الطقس، وعينان زرقاوان كأعماق المحيط، وأنف حاد كالسيف.

قال إيرولد دون تردد: ”  اتفقنا. ”

ابتسمت وقالت: ”  لمَ لا؟ أراك لاحقًا، يا آرثر. ”

ثم أضاف بنبرة أكثر حدة: ” من هو قائد قطاع الطرق هذا؟”

ردّت: ” أشكرك. ” وفي داخلها، كانت تقول: ” هذه أول خطوة لي، يجب أن أنجح. ”

أجاب الشيخ وهو يعبس: ”  للأسف، لا نعرف اسمه. لكنه ظهر منذ سبع سنوات، ويقال إنه شديد الذكاء، إلى درجة أن لا أحد يعرف هويته الحقيقية. ”

سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.

ابتسم إيرولد وقال بثقة: ” لقد تعاملت مع من هم أذكى منه، على ما أعتقد. “ثم تابع وهو يتقدم نحو الباب: “حسنًا، لك ذلك… أيها الشيخ. ”

خرج إيرولد و جاسمين من منزل الشيخ و هوا يقول: ” عن سؤالك السابق هل علمتِ المدة التي سنقيمها هنا. ”

قال إيرولد وهو ينظر نحو الأفق : ”  أعذريني، يجب أن أذهب الآن. ”

ردت: ” نعم. ”

كاراي: ” عتمة، هاه؟ يا له من اسم جميل… يليق به. ”

سألت بحيرة: ” هل كان إيرولد الحقيقي بهذه العظمة حقًّا؟”

لكنه، في داخله، لم يكن يريد الذهاب… شيء ما فيها شده، اسمها، صوتها، وحتى الطريقة التي وقفت بها أمام الشمس جعلت ظله يلامس ظلها.

إيرولد بابتسامة: ” أكثر مما تتخيّلين.” وهو يواصل سيره.

ابتسمت وقالت: ”  لمَ لا؟ أراك لاحقًا، يا آرثر. ”

جاسمين بتعجب وهي تسير بجانب إيرولد: ” وماذا ستفعل في الأشهر الستة القادمة؟”

…

ابتسم وهو ينظر إليها: ”  يمكننا الاستمتاع ببعض الوقت، وقومي أنتِ بالدراسة جيدًا… أنا أعتمد عليكِ.

غضبت جاسمين، وبدت مستعدة لضربه، لكن إيرولد كان مستعدًا للإمساك بها. وفي لحظة مفاجئة، رأى جاسمين تتحكم في غضبها وتقول بهدوء: ”  انسَ الأمر… لنذهب من هنا. ”

لمعت عيناها بسعادة وقالت بحماس: ”  لك هذا! ”

ضغط إيرولد على صدره بيده اليمنى وقال: ” إذًا ما هذا؟”

 

تنهدت وقالت: ”  والدي الحقيقي تخلّى عني، وأمي لا تريدني، لذا أعيش مع جدتي. كنت أحلم منذ صغري أن أكون قوية بما يكفي لأعيش دون حاجتهم. ومنذ أن تخلوا عني… لم أسأل عنهم مجددًا, لذا أطمح أن أعيش حياتي كما أريد. ”

تركها إيرولد وتوجّه في طريقه، وبينما كان يسير قرب الساحة، ظهرت أماليا. حدّقت فيه بدهشة وقالت: ”  أنت مجددًا، يا آرثر؟!”

وكان ردّ آرثر حينها: ” لااا أهتممم! علّمني حركات جديدة، هذا كل ما أريده! ”

ابتسم وقال: ”  مصادفة لطيفة… ماذا تفعلين هنا؟”

توقف إيرولد، وضع يده على صدره وقال بصوت منخفض: ” هل أنا مريض؟”

ردّت بهدوء: ”  لا شيء، كنت أتمشى فقط. ”

تأثرت أماليا وقالت بأسى: ” قصتك أسوأ من قصتي بكثير… ” ثم نظرت إليه وسألت: ”  وتلك الفتاة الصغيرة، هل هي ابنتك؟”

تردد قليلًا ثم قال: ”  هل ترغبين في التنزه معي قليلًا؟”

ابتسم وهو ينظر إليها: ”  يمكننا الاستمتاع ببعض الوقت، وقومي أنتِ بالدراسة جيدًا… أنا أعتمد عليكِ.

ضحكت وقالت: ”  لمَ لا؟ لكن… انزع رداءك، تبدو غريبًا به. ”

صرخت جاسمين: ”  إننا نحدثك أيها المعتوه.” لكنه لم يعرها أي اهتمام، بل أكمل تأمله وكأنهم غير موجودين.

ضحك وقال وهو ينزع رداءه: ”  لكِ هذا… ”

ردّت مبتسمة: ”  تبدو طيبًا، لكن شكلك الخارجي لا يوحي بذلك. ومع هذا، كل ما تقوله… أصدّقه دون أي شك، دون حتى أن أطرح عليك الأسئلة. ”

كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها ملامحه بوضوح، فنظرت إليه مبتسمة وقالت مازحة: ”  كنت أظن أني سأرى غولًا أو ندوبًا مرعبة… لكن خاب أملي! ”

عبست جاسمين وقالت: ” هل تأكل السمك فور استيقاظك؟!” كاراي مبتسمًا: ”  لا يوجد غيره، لذا لا أرفضه… بل أكون سعيدًا به. على الأقل يوجد شيء نأكله، على عكس غيري ممن يتضورون جوعًا يا صغيرة. ”

ابتسم وقال: ”  وهل ستشعرين براحة أكبر لو كنت غولًا؟”

قالت أماليا بخجل: ”  أيها الغريب… ما اسمك؟” رد بابتسامة هادئة: ”  اسمي آرثر. ” ابتسمت وقالت: ”  تشرفت بلقائك، يا آرثر. ” قال: ”  وأنا أيضًا… يا أماليا. ”

ضحكت بحرارة وقالت: ”  لا، على العكس تمامًا. ”

خرج إيرولد يتمشى وهو يفكر بما حصل، يتذكر كلمات معلمه إيرولد لايون هارت  في صغره:

سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.

…

“ما أغرب هذا المكان … ” تمتم لنفسه، وهو يحدّق في البيوت الخشبية الصغيرة المتناثرة على سفح الجبل. كانت تتدلّى على منحدر يطلّ مباشرة على البحر، وكأنها تتشبث بالأرض كي لا تسقط في الهاوية.

ارتبك التاجر وقال بخوف: ” لكني سأخسر، يا سيدي… ”

من خلفهم، امتدت غابة كثيفة تتنفس برطوبةٍ خضراء، وأصوات طيورٍ خافتة تأتي من بعيد، بينما كانت قمم الجبال تلوح كظلالٍ رمادية في الأفق، شاهقة، صامتة، مطمئنة.

ابتسمت وقالت: ”  لمَ لا؟ أراك لاحقًا، يا آرثر. ”

” قرية بين ثلاث عوالم … “قالها في داخله. البحر أمامها، والغابة خلفها، والجبال تراقب من بعيد… وكأنها تنتمي لكل شيء، ولا تنتمي لأي شيء.

تجولا في أرجاء المدينة، وكان الحديث بينهما خفيفًا ومليئًا بالضحك. توقف إيرولد عند أحد المتاجر واشترى لها ولنفـسه عصيرًا، فناولها الكوب وهي تقول: ”  شكرًا لك، لكن لم يكن عليك فعل ذلك. ”

نسيم البحر كان يضرب وجهه بلطف، محمّلًا برائحة الملح والخشب الرطب. على أطراف الأزقة، رأى أطفالًا يركضون حفاة، ونساءً يعلّقن سلال الزعتر المجفف على النوافذ.

سكت قليلًا ثم قال: ” لم يخبرني أحد بهذا من قبل. ”

“منذ زمنٍ طويل، لم أشعر بهذا القدر من… السلام. ”

قال إيرولد وهو ينظر نحو الأفق : ”  أعذريني، يجب أن أذهب الآن. ”

نظر إلى أماليا من طرف عينه، وهي تسير بخفّة لا تشبه خطوات أهل الحرب. “هذه الفتاة… تنتمي لهذا المكان أكثر مني. ”

رد آرثر: ” ما الذي حدث لك؟ ألم يرتعش قلبك من قبل؟” سكت إيرولد ولم يقل شيئًا، ولاحظ آرثر أن به أمرًا مختلفًا.

تجولا في أرجاء المدينة، وكان الحديث بينهما خفيفًا ومليئًا بالضحك. توقف إيرولد عند أحد المتاجر واشترى لها ولنفـسه عصيرًا، فناولها الكوب وهي تقول: ”  شكرًا لك، لكن لم يكن عليك فعل ذلك. ”

لكن ما إن غابت أماليا عن نظره، حتى توقف فجأة.

رد بابتسامة: ”  بل على العكس، أنا سعيد بهذا. ”

سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.

ثم نظر إليها وسأل: ”  أخبريني عن عائلتك يا أماليا… ”

توجه إيرولد إلى منزل شيخ القرية وهو يشعر بسعادة غريبة لم يشعر بها منذ زمن، يتمتم لنفسه: ” هذا الصباح… مختلف. ”

تنهدت وقالت: ”  والدي الحقيقي تخلّى عني، وأمي لا تريدني، لذا أعيش مع جدتي. كنت أحلم منذ صغري أن أكون قوية بما يكفي لأعيش دون حاجتهم. ومنذ أن تخلوا عني… لم أسأل عنهم مجددًا, لذا أطمح أن أعيش حياتي كما أريد. ”

لكن ما إن غابت أماليا عن نظره، حتى توقف فجأة.

نظرت إليه وسألته: ”  وماذا عنك، يا آرثر؟”

ثم سألها بلطف: ”  كيف عرفتِ أنه أنا؟” قالت: ”  لا أحد يُغطي وجهه هنا سواك. ”

إيرولد: ”  لا أعلم من هما والداي. لم أكن أملك اسمًا، فقط ألقاب. إلى أن قابلت رجلًا منحني اسمي ومكانتي… اعتبرته أخي الأكبر. وهناك امرأة مسنّة منحتني دفء الحنان والاهتمام حين احتجت إليهما، كانت كأختي الكبرى… لكن للأسف، كلاهما مات.

رد إيرولد بنبرة جادة: ”  لا تتدللي يا صغيرة، كلي، لدينا طريق طويل لنقطعه. ”

تأثرت أماليا وقالت بأسى: ” قصتك أسوأ من قصتي بكثير… ”
ثم نظرت إليه وسألت: ”  وتلك الفتاة الصغيرة، هل هي ابنتك؟”

قال إيرولد بضجر: ”  عُد إلى الداخل، أيها الوغد. ”

أجاب وهو يسير: ”  للأسف، لا… إنها ابنة صديقي. قبل أن يموت، أوصاني بالاعتناء بها. لا أخفيكِ، كنت سأشعر بالفخر لو كانت ابنتي حقًا. ”

قفزت جاسمين من السرير وقالت بحماس: ”  أنا جائعة! ماذا تُعدّ؟” رد كاراي بهدوء : ”  سمك. ”

نظرت إليه نظرة غامضة وقالت: ”  كم أنت رجل طيب… لكنك غريب في الوقت ذاته. ”

ردّ آرثر في داخله: ” لا، ليست كذلك. لو كنت مريضًا، لشعرت بذلك. ”

سألها متعجبًا: ”  وما الغريب في هذا؟”

فردّ ساخرًا: ” وما الذي فعلتِه أصلاً؟ لا شيء. ”

ردّت مبتسمة: ”  تبدو طيبًا، لكن شكلك الخارجي لا يوحي بذلك. ومع هذا، كل ما تقوله… أصدّقه دون أي شك، دون حتى أن أطرح عليك الأسئلة. ”

ثم أضاف بنبرة أكثر حدة: ” من هو قائد قطاع الطرق هذا؟”

سكت قليلًا ثم قال: ” لم يخبرني أحد بهذا من قبل. ”

ردّ بابتسامة: ” بالطبع. ”

واصلا سيرهما، حتى قال لها إيرولد: ” سأعمل هنا لمدة ستة أشهر. إن كان وقتك يسمح، هل تودين أن نتنزه أحيانًا في أوقات الفراغ؟”

كيف ستجد حبك وأنت لا تهتم إلا بالقتال؟ الحياة ليست قتالًا وتدريبًا فقط. أنا هنا لأرعاك، لا لأحبسك. أخرج، العب، افهم مشاعرك ومشاعر من حولك… قد ترغب بالزواج عندما تكبر، ولا أريدك عاجزًا عن التعبير.

ابتسمت وقالت: ”  لمَ لا؟ أراك لاحقًا، يا آرثر. ”

قبل أن يُكمل، تحرك جسد إيرولد بلا وعي نحوه، ونطق بصوت غريب: ” هل أنتم بخير؟”

لكن ما إن غابت أماليا عن نظره، حتى توقف فجأة.

ودّع إيرولد وجاسمين كاراي، الذي أوصاهما بالاعتناء بنفسيهما، ثم التفت إلى جاسمين وقال: ” أنا أؤمن بكِ يا فتاة… لا تستسلمي. ”

شيء ما كان يراقبه…شعر بوخزة خفيفة في صدره، كأن الظلام نفسه يضغط عليه. حدّق نحو الأشجار الكثيفة، وعيناه تضيقان بريبة .همس ببطء: ”  هذا… ليس حضور بشر… ”

أجاب إيرولد بهدوء: ” نحن ضيوف، نودّ مقابلة شيخ القرية. ”

هبّت نسمة باردة، غيّرت طعم الهواء. ثم سمع همسة خافتة، لا تشبه أي صوت بشري. كانت… تنهيدة غليظة، مغموسة بالغضب. اتسعت عيناه، واهتز صوته: ”  …بل… جـــان؟!”

قال إيرولد وهو ينظر نحو الأفق : ”  أعذريني، يجب أن أذهب الآن. ”

تراجع خطوة، يده ترتجف قريبة من صدره،.تمتم بصوت مضطرب، كأنما يحاول إقناع نفسه: ”  لا… لا، ليس الآن…ليس هنا…ليس وهمًا هذه المرة. ”

فرح إيرولد في داخله: ” إنك تنضجين… كان والدك ليفتخر بك في هذه اللحظة. ”

نظر نحو طريق السوق، نحو المكان الذي اختفت فيه أماليا…ثم إلى الجانب الآخر، حيث تنتظر جاسمين في بيت الشيخ. شد قبضته، وغرز أظافره في راحته: ”  يجب أن أحميهم منه…لن أسمح له بالاقتراب. “

ابتسم وقال: ”  وهل ستشعرين براحة أكبر لو كنت غولًا؟”

أخذت جاسمين عددًا كبيرًا من الكتب من المكتبة، وقالت بحماسة: ” يجب أن أقرأها كلها قبل أن نغادر. بالمناسبة، متى سنذهب؟”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط