صرخة في وجه الهلاك
دلفوا إلى القرية، ليجدوا حركة الحياة فيها مشوبةً بالغرابة؛ البعض يبيع بضائعه في الأسواق الصغيرة، والبعض الآخر يشتري على عجل، بينما اختفى الأطفال تماماً، خلت الشوارع من ضحكاتهم وركضهم، واختبأوا خلف النوافذ والأبواب الموصدة. كانت وجوه القرويين مشدودة، وعيونهم تزيغ في المحاجر، تحمل خوفاً خفياً وكأن شيئاً مريباً يتربص بهم من بين الظلال.
ردّ الفتى بابتسامة ساخرة: ” هاه؟ اسمي (أرجوس) من منطقة ماري… لقد أتيت من الغرب. ”
اقترب لوس من امرأة شاحبة الوجه، تفيض عيناها قلقاً، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة حازمة: ” هل أنتِ بخير يا سيدة؟”
نصلٌ يلمع، وغبارٌ ينقشع، ليظهر وجه لم يكن إيرولد يتوقعه. أرجوس، القادم من الغرب، نور جديد في طريق إيرولد:
لم ترد المرأة، بل لاذت بصمتٍ طويل، كأن الكلمات تحجرت في حلقها، وعيناها مسمّرتان في الأرض. حاول لوس مرة أخرى، بصوت أكثر ليناً: ” أرجوكِ… حدّثيني، هل أنتِ بخير؟”
أجاب الرجل مبتسمًا: ” أنا تاجر، أدعى (سباتشيل)، أبيع المجوهرات في المملكة، لكنني أعود هنا للراحة بعد مواسم العمل الطويلة. لقد تربيت هنا وأعتبر أهل القرية عائلتي. ”
ظلت المرأة تكافح خوفها، حتى انهار سد الصمت أخيراً. وبصوتٍ مرتجف مخنوق بالدموع، همست: ” الحراس… إنهم يأخذون الأطفال… يزعمون أن مرضاً ينتشر… وكل من يذهب معهم… لا يعود… لقد أخذوا ابنتي الوحيدة..”
في تلك اللحظة اندفع الأطفال بسرعة نحو الخارج، وبمجرد خروجهم، وقعت أبصارهم على جاسمين المعلقة على الشجرة كعقاب. ارتجفوا من الرعب وركضوا يختبئون خلف لوس، يتشبثون بثيابه وهم يبكون: ” أرجوك يا سيدي! لا تدعهم يؤذوننا مثلها! ”
ثم أكملت بصوت متقطع من شدة التوتر: ” إنهم ينقلون الأطفال بعيداً… هناك شائعة عن وباء يصيب الصغار… ” انفجرت المرأة في بكاء حار، ودموعها ترسم مسارات على وجهها الباهت: ” لقد أخذوا ابنتي… أرجوكم… ”
تغير وجه سباتشيل وقال بصدمة: ” السيد كوراش؟ هل تعرفونه؟”
تأجج الغضب في صدر لوس، وصّر على أسنانه بقسوة: ” يا سيدة… إلى أين أخذوا الأطفال؟ ومنذ متى؟”
نظر إيرولد إليه وقال ببساطة: ” مجرد عابري سبيل. ”
أجابت المرأة وصوتها يرتعش: ” لتوّهم أخذوا ابنتي… وعدد قليل من أطفال القرية… كان هناك شخص غامض، يرتدي عباءة سوداء، يتبع الحراس… لقد وعدني أن يعيد ابنتي وجميع الأطفال… ”
ثم جذب الباب بقوة حتى انتزع القفل وفتح مصراعي العربة دفعة واحدة. انكشف الداخل عن سبعة أطفال صغار، وجوههم شاحبة وعيونهم دامعة، يتراجعون إلى الخلف رعباً. انحنى لوس قليلاً، مبتسماً بلطف شديد وقال: ” لا تخافوا يا صغار… أنتم بأمان الآن. هيا، تعالوا… سنعود بكم إلى القرية. ”
تقدم لوس خطوة إلى الأمام، وعيناه تشتعلان غضباً، بينما وقفت جاسمين بجانب إيرولد، قلبها يخفق بسرعة، مدركة أن الهدوء الظاهري للقرية لم يكن سوى قناع هش يخفي خلفه عاصفة قادمة.
نصلٌ يلمع، وغبارٌ ينقشع، ليظهر وجه لم يكن إيرولد يتوقعه. أرجوس، القادم من الغرب، نور جديد في طريق إيرولد:
سأل إيرولد المرأة عن أوصاف الشخص الغامض، فقالت وهي تمسح دموعها: ” لم أرَ ملامحه… سوى ندبة واضحة على فمه… ” ثم أشارت بإصبع مرتجف نحو الاتجاه الذي سلكوه: ” من هناك… ”
أمسك أرجوس برأس إيرولد ليوازن نفسه في الهواء وهو يضحك باستهزاء: ” أوووه… فكرة رائعة، لكنها غير إنسانية! ”
انطلق لوس مسرعاً نحو الاتجاه الذي أشارت إليه، صائحاً: ” هيا بنا يا إيرولد! ”
لكن لوس كان مستلقياً على الأرض يضحك بخفوت، متجاهلاً صرخاتها ومستمتعاً بالمشهد. صرخت جاسمين مجدداً: ” أنت يا أرجوس! أنزلني من هنا! ”
رفع إيرولد جاسمين بخفة ليضعها على ظهر عتمة، وأمسك باللجام صائحاً: ” هيا يا عتمة! ”
أجاب الرجل: ” كما تريدون، لكن دعونا أولاً نتناول العشاء احتفالاً بكم. ”
انطلق عتمة كالسهم، فاقترب إيرولد من لوس ومد يده ليسحبه خلفه على ظهر الحصان، ونهبوا الأرض نهباً باتجاه الشخص المجهول. قال لوس وهو يكزّ على أسنانه: ” يجب أن نعيد الأطفال يا إيرولد! ”
نظر إيرولد إلى لوس، فوجده نائماً بطريقة فوضوية ويكاد يسقط من فوق السرير. ابتسم وقال: ” يبدو أنه غير معتاد على النوم في سرير مريح. ”
إيرولد بتركيز: ” تعلم أن هذا ما يدور في عقلي تماماً. ”
تغير وجه سباتشيل وقال بصدمة: ” السيد كوراش؟ هل تعرفونه؟”
اقتربوا من الموقع، ليجدوا الجنود ملقين على الأرض فاقدي الوعي، وفي المنتصف يقف الشخص صاحب العباءة ممسكاً بأحد الحراس ويكاد يفتك به، وهو يتمتم بغضب: ” يا إلهي… المزيد من الحراس! لقد خطفوا طفلة أخرى، أيها الملاعين! ”
لم ينتظر أرجوس، بل هاجم آرثر برمح هوائي، فاندفع إيرولد لصدّه، بينما تراجع آرثر للخلف صائحاً: ” من هذا المعتوه؟!”
همس إيرولد للوس: ” يبدو أنه يظننا أعداء… ”
توقف لوس وأرجوس مصدومين، وقالوا بدهشة متزامنة: ” انفصال الروح؟ كيف حصل هذا؟!”
لكن قبل أن يكمل جملته، هاجمهم الشخص المجهول بسرعة خاطفة، ومر نصل سيفه بمحاذاة عيني إيرولد. لمح إيرولد تموجاً في الهواء حول قدمي المهاجم، فقفز عن ظهر عتمة برشاقة. صرخ إيرولد: ” خذ جاسمين واذهب لتأمين الأطفال يا لوس! ”
تأجج الغضب في صدر لوس، وصّر على أسنانه بقسوة: ” يا سيدة… إلى أين أخذوا الأطفال؟ ومنذ متى؟”
لوس بقلق: ” حسناً… لكن هل ستكون بخير وحدك؟”
اقتربوا من الموقع، ليجدوا الجنود ملقين على الأرض فاقدي الوعي، وفي المنتصف يقف الشخص صاحب العباءة ممسكاً بأحد الحراس ويكاد يفتك به، وهو يتمتم بغضب: ” يا إلهي… المزيد من الحراس! لقد خطفوا طفلة أخرى، أيها الملاعين! ”
رد إيرولد بثقة: ” لا تقلق، لست وحدي… ” ثم همس في داخله: ” هل سمعتني يا آرثر؟ ” جاءه الرد فوراً: ” نعم، سمعتك. ”
رد إيرولد بهدوء وهو ينظر للسقف: ” لا أعلم حقاً… لكني قضيت طفولتي في مملكة مصر، حتى جاء يوم ورحلت من هناك. ”
توجه لوس بعتمة نحو العربة التي تحتجز الأطفال، لكنه لاحظ فجأة أن حركة الحصان أصبحت بطيئة وثقيلة بشكل غير طبيعي. قال الشخص المجهول ببرود: ” لا ذنب للخيل… ولا للفتاة. ”
اندفع نحو إيرولد، موجّهاً لكمة قوية محاطة بحقل جاذبية ليطرحه أرضاً. لكن إيرولد تفاداها بمرونة مذهلة، ثم صرخ: ” الوداع يا رجل! ”
وفجأة، وجّه هجومه نحو لوس مطلقاً قوساً من الهواء المضغوط، وهو يقول: ” سوف تموت بسرعة… لا تقلق!”
رفع يده إلى السماء، فتجسّد رمحٌ هائل من الهواء المضغوط، يلتف حول رأسه وهج بنفسجي غامق. قبض على الرمح بين يديه، وعيونه تتقد بالعزم، ووقف في مواجهة إيرولد بلا ذرة خوف.
صدّ لوس الهجوم بسيفه بصعوبة، وصاح: ” تباً لهذه الجاذبية… إنها تبطئ حركتي! ”
ابتسم إيرولد وقال محاولاً مشاكساتها: ” فكري بما فعلتِه بي أولاً. ”
أشاد به الرجل المجهول قائلاً: ” أحسنت يا رجل… حتى مع الثقل الهائل على جسدك، تمكنت من صد هجومي. لكن إياك أن تتحرك، وإلا ازدادت الجاذبية ! ”
نظر إيرولد إليه وقال ببساطة: ” مجرد عابري سبيل. ”
سقط لوس عن ظهر عتمة تحت وطأة الضغط، فقال الشخص المجهول: ” الجاذبية عليك تزداد… أما الحصان والفتاة فوزنهم خفيف، سيعودون معي إلى القرية. ”
أغلق إيرولد عينيه مجدداً، وأخفى اضطرابه قائلاً: ” هكذا إذن… لننم الآن، سنتحرك في الصباح. ”
التفت المجهول ليرى إيرولد يندفع نحوه مباشرة. صرخ إيرولد بصوت حازم: ” إياك أن تؤذيهم! لنتحدث أولاً! ”
لكن قبل أن يكمل جملته، هاجمهم الشخص المجهول بسرعة خاطفة، ومر نصل سيفه بمحاذاة عيني إيرولد. لمح إيرولد تموجاً في الهواء حول قدمي المهاجم، فقفز عن ظهر عتمة برشاقة. صرخ إيرولد: ” خذ جاسمين واذهب لتأمين الأطفال يا لوس! ”
لكن خصمه لم يمهله، وهاجمه بشراسة. تصدى له إيرولد من اليمين والشمال بحركات سريعة ودقيقة، ومع كل صليل للسيوف، كان الحماس يشتعل داخله، كأن كل هجوم يزيده قوة وعزيمة.
صاح آرثر بعناد: ” على جثتي! لا!… لحظة… أنا لا أمتلك جثة… على جثتك أنت إذن! ”
لم يرد الرجل الكلام، بل زاد من وتيرة هجماته، وارتفع فجأة في الهواء، مطلقاً ثلاثة أسهم هوائية نحو إيرولد. تفادى إيرولد اثنين ببراعة، وصد الثالث بسيفه، وقال بدهشة ممزوجة بالاحترام: ” ساحر مقاتل… هذا مذهل.”
أغمض إيرولد عينيه متجاهلاً التفاصيل وقال: ” ولماذا ذهبت أنت إلى هناك؟”
لم يتوقف الرجل، وحوّل يديه إلى مركز لإطلاق موجات ضغط هوائية، مهاجماً إيرولد مجدداً، ليجد الأخير نفسه يتراجع خطوة للوراء، مستنداً على الرياح التي بدت وكأنها تدعمه هو الآخر. ابتسم إيرولد وقال: ” كم أنت ذكي… هل لديك المزيد؟”
أغمض إيرولد عينيه متجاهلاً التفاصيل وقال: ” ولماذا ذهبت أنت إلى هناك؟”
ابتسم الرجل المجهول بثقة وقال: ” سأعطيك مبتغاك. ”
سقط لوس عن ظهر عتمة تحت وطأة الضغط، فقال الشخص المجهول: ” الجاذبية عليك تزداد… أما الحصان والفتاة فوزنهم خفيف، سيعودون معي إلى القرية. ”
اندفع نحو إيرولد، موجّهاً لكمة قوية محاطة بحقل جاذبية ليطرحه أرضاً. لكن إيرولد تفاداها بمرونة مذهلة، ثم صرخ: ” الوداع يا رجل! ”
أجابت المرأة وصوتها يرتعش: ” لتوّهم أخذوا ابنتي… وعدد قليل من أطفال القرية… كان هناك شخص غامض، يرتدي عباءة سوداء، يتبع الحراس… لقد وعدني أن يعيد ابنتي وجميع الأطفال… ”
في لحظة خاطفة، التف إيرولد وسدد له ضربة عكسية قوية على وجهه، دفعته للخلف ليسقط على الأرض، وانكشف وجهه للمرة الأولى تحت ضوء الشمس. تسمر إيرولد مكانه من الدهشة، فلم يكن يتوقع ما رآه.
أشاد به الرجل المجهول قائلاً: ” أحسنت يا رجل… حتى مع الثقل الهائل على جسدك، تمكنت من صد هجومي. لكن إياك أن تتحرك، وإلا ازدادت الجاذبية ! ”
كان شاباً يبدو في الثامنة عشرة من عمره، ذو وجه نحيف الملامح، وفك بارز كأنه نُحت بدقة. عيناه ساكنتان، تحملان هدوءاً بارداً يخفي عواصف، وما يميزهما أنهما بلونين مختلفين؛ اليمنى بنفسجية داكنة كعمق الليل، واليسرى بيضاء تماماً كأنها عمياء. حواجبه الداكنة تزيد من حدة نظرته الغامضة. شعره الغامق ينسدل بتموج فوضوي على جانبي وجهه، وعلى شفتيه ندبة خفيفة لا تشوه ملامحه، بل تزيد من هالة الغموض حوله.
توجه لوس بعتمة نحو العربة التي تحتجز الأطفال، لكنه لاحظ فجأة أن حركة الحصان أصبحت بطيئة وثقيلة بشكل غير طبيعي. قال الشخص المجهول ببرود: ” لا ذنب للخيل… ولا للفتاة. ”
مسح الشاب الدماء عن وجهه، وسأله إيرولد: ” إذن… ما اسمك يا فتى؟”
اتسعت عينا إيرولد من الصدمة، بينما نظر إليه أرجوس بدهشة غير مصدق. أما الأطفال فقد صرخوا جميعاً دفعة واحدة في وجه إيرولد: ” ابتعد عنها أيها المجنون ! ”
ردّ الفتى بابتسامة ساخرة: ” هاه؟ اسمي (أرجوس) من منطقة ماري… لقد أتيت من الغرب. ”
صاح آرثر بعناد: ” على جثتي! لا!… لحظة… أنا لا أمتلك جثة… على جثتك أنت إذن! ”
أجاب إيرولد بابتسامة حادة: ” وأنا إيرولد… لنجعل هذا القتال شيئاً يتفاخر به المنتصر. ”
اقترب لوس من العربة الخشبية الكبيرة، تفحص الباب المقفل بقفل حديدي متين. رفع حاجبيه بابتسامة ساخرة وقال: ” قفلكم هذا لا يصلح حتى لدكان بائس. ”
ضحك أرجوس: ” لك هذا! ”
قاطعهم صوت أحد الأطفال وهو يشد بنطال لوس: ” ماذا يحصل يا سيد؟”
قفز أرجوس مهاجماً من الأعلى، لكن إيرولد تصدّى له، ثم انقضّ بوجهٍ متجهم محاولاً ركله. قال إيرولد محذراً: ” انتبه لقدمك يا فتى! ”
أجاب أرجوس ونبرة صوته تزداد حدة: ” سمعت أن هنالك شخصاً سيطر عليه أحد الجان منذ وقت طويل. ”
أمسك أرجوس برأس إيرولد ليوازن نفسه في الهواء وهو يضحك باستهزاء: ” أوووه… فكرة رائعة، لكنها غير إنسانية! ”
ابتسم أرجوس وقال بحماس: ” هذا رائع! لقد نُصّب لديهم ملك جديد قبل فترة قصيرة. كان الوزراء والنبلاء هم من يحكمون البلاد فعلياً طوال الوقت، حتى وجدوا ابن أخ الملك السابق (آمون)، وتوجوه ملكاً. ”
ابتسم إيرولد بثقة وقال: ” حان وقت الجد! ”
اقترب لوس من العربة الخشبية الكبيرة، تفحص الباب المقفل بقفل حديدي متين. رفع حاجبيه بابتسامة ساخرة وقال: ” قفلكم هذا لا يصلح حتى لدكان بائس. ”
غرس إيرولد سيفه القديم المتهالك في الأرض، وأخرج سيف (ملك اللصوص) من غمده. حدّق في النصل اللامع قائلاً: ” سوف أسميك… (ثورن). لا تخذلني. ”
أجاب أرجوس ونبرة صوته تزداد حدة: ” سمعت أن هنالك شخصاً سيطر عليه أحد الجان منذ وقت طويل. ”
اندفع بقوة مهولة، فوجد أرجوس نفسه يتراجع تحت ضغط الهجمات المتتالية. تمتم أرجوس في داخله: ” هذا الوحش… أصبح أقوى وأسرع من ذي قبل! ”
اقترب لوس من امرأة شاحبة الوجه، تفيض عيناها قلقاً، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة حازمة: ” هل أنتِ بخير يا سيدة؟”
حاول أرجوس دفع إيرولد بعيداً باستخدام سحر الهواء، فانفجرت موجة قوية حولهما، لتتطاير الأوراق والحصى في الأرجاء. تراجع أرجوس قليلاً وقال: ” حسناً يا هذا… ”
قفز أرجوس مهاجماً من الأعلى، لكن إيرولد تصدّى له، ثم انقضّ بوجهٍ متجهم محاولاً ركله. قال إيرولد محذراً: ” انتبه لقدمك يا فتى! ”
رفع يده إلى السماء، فتجسّد رمحٌ هائل من الهواء المضغوط، يلتف حول رأسه وهج بنفسجي غامق. قبض على الرمح بين يديه، وعيونه تتقد بالعزم، ووقف في مواجهة إيرولد بلا ذرة خوف.
تبسم إيرولد ببرود: ” إذن كما تريد. ”
ضحك إيرولد فاتحاً ذراعيه وقال: ” إني أرحب بهجومك! ”
قاطعهم صوت أحد الأطفال وهو يشد بنطال لوس: ” ماذا يحصل يا سيد؟”
كادا ينقضان على بعضهما، حين شقت صرخة جاسمين الهواء: ” توقفاااا يا أرجوس! نحن هنا لمساعدة الأطفال! ”
ضحك إيرولد فاتحاً ذراعيه وقال: ” إني أرحب بهجومك! ”
تجمّد أرجوس في مكانه، والرمح يتبدد من يده، وقال متعجباً: ” هاه؟! ألم يختطفوكِ؟”
إيرولد: ” لا عليك، لكن آرثر ما زال غاضباً. ”
ردّت جاسمين بسرعة وهي تلهث: ” لا، لم يفعلوا! بل والدة أحد الأطفال هي من أخبرتنا أنك ذهبت لتعيدهم، ونحن هنا للتأكد من سلامتهم وإعادتهم! ”
تجمّد أرجوس في مكانه، والرمح يتبدد من يده، وقال متعجباً: ” هاه؟! ألم يختطفوكِ؟”
تغيرت ملامح أرجوس فجأة، زال الغضب وحل محله الندم، وقال ببرود وهو يرفع سحر الجاذبية عن لوس:
تعجب إيرولد وجاسمين، وقال إيرولد: ” هل يمكنه رؤية آرثر؟!”
” أنا… آسف بحق. لم أعرف هذا… أعتذر . ”
تعجب إيرولد وجاسمين، وقال إيرولد: ” هل يمكنه رؤية آرثر؟!”
ركضت جاسمين نحو إيرولد وهي تمد يديها: ” إيرولد، احملني! ”
في لحظة خاطفة، التف إيرولد وسدد له ضربة عكسية قوية على وجهه، دفعته للخلف ليسقط على الأرض، وانكشف وجهه للمرة الأولى تحت ضوء الشمس. تسمر إيرولد مكانه من الدهشة، فلم يكن يتوقع ما رآه.
نظر إليها إيرولد بتعجب داخلياً: ” لماذا تريد أن أحملها الآن؟!”
رد إيرولد بابتسامة شامته: ” لن تعود حتى تقول: ” آسف يا سيد إيرولد. ”
لكن قبل أن ينطق، ضربته جاسمين على رأسه بقبضتها الصغيرة وقالت بغضب: ” أيها المختل اللعين، يا محبّ القتال! كان يجب أن تحاول إيقافه والتفاهم معه بدل الانسجام في القتال، أيها الغبي! ”
لكن خصمه لم يمهله، وهاجمه بشراسة. تصدى له إيرولد من اليمين والشمال بحركات سريعة ودقيقة، ومع كل صليل للسيوف، كان الحماس يشتعل داخله، كأن كل هجوم يزيده قوة وعزيمة.
ابتسم إيرولد بخبث، ورفعها عالياً ليعلقها بملابسها على غصن شجرة مرتفع، وقال: ” ابقي هنا. سنأخذ الأطفال ونتركك. ”
صاح الجميع بصوت واحد وقد ارتسمت الصدمة على وجوههم: ” المملكة؟!”
صرخت جاسمين وهي تتأرجح: ” أنزلني أيها العجوز! ”
تراجع أرجوس واعتذر: ” آسف، ظننته أحد الجان. إنه يمتلك هالة غريبة، لم أرَ روحاً أو هالة روح من قبل. ”
ردّ ببرود وهو يوليه ظهره: ” لا، لن أفعل. ”
اقترب لوس من العربة الخشبية الكبيرة، تفحص الباب المقفل بقفل حديدي متين. رفع حاجبيه بابتسامة ساخرة وقال: ” قفلكم هذا لا يصلح حتى لدكان بائس. ”
بدأت تصرخ مستنجدة: ” لووووس! لا تدعه يفعل هذا! رد علي يا لوووس! ”
صاح آرثر بعناد: ” على جثتي! لا!… لحظة… أنا لا أمتلك جثة… على جثتك أنت إذن! ”
لكن لوس كان مستلقياً على الأرض يضحك بخفوت، متجاهلاً صرخاتها ومستمتعاً بالمشهد. صرخت جاسمين مجدداً: ” أنت يا أرجوس! أنزلني من هنا! ”
ابتسم أرجوس وقال بحماس: ” هذا رائع! لقد نُصّب لديهم ملك جديد قبل فترة قصيرة. كان الوزراء والنبلاء هم من يحكمون البلاد فعلياً طوال الوقت، حتى وجدوا ابن أخ الملك السابق (آمون)، وتوجوه ملكاً. ”
وقف أرجوس متجمداً، ينظر إلى هذا المشهد ، قبل أن يصرخ مذهولاً: ” من أنتم بحق السماء؟!”
غرس إيرولد سيفه القديم المتهالك في الأرض، وأخرج سيف (ملك اللصوص) من غمده. حدّق في النصل اللامع قائلاً: ” سوف أسميك… (ثورن). لا تخذلني. ”
نظر إيرولد إليه وقال ببساطة: ” مجرد عابري سبيل. ”
اندفع أرجوس، فحلق آرثر باتجاه إيرولد وهو يصرخ: ” حسناً، حسناً! آسف يا سيد إيرولد! أرجوك دعني أدخل”
ارتجف قلب أرجوس للحظة؛ شعر أن ما أمامه ليس مجرد رجل عادي، بل مزيج بين فارس ووحش، شخصية لا يمكن التنبؤ بخطواتها. قطعت صرخة جاسمين تفكيره وهي ما زالت تتأرجح بغضب: ” توقفوا عن الكلام الفارغ! أنزلني الآن قبل أن أريك جحيماً لن تنساه! ”
رد لوس بسرعة بديهة وهدوء: ” نعم، لكن لم نره منذ مدة طويلة. ”
ضحك لوس بصوت عالٍ هذه المرة، ثم نهض نافضاً التراب عن ثيابه، وقال: ” يبدو أنني وجدتُ الرفاق الأكثر جنوناً. ”
لوس بصوت خافت: ” لا، لكن ادعاء المعرفة يجعله يفتح قلبه ولا يخفي شيئاً. ”
أطرق أرجوس رأسه قليلاً، ثم قال بجدية عادت لملامحه: ” إن كنتم جادين… فلنحررهم. الأطفال محتجزون الذي تم نقلهم إلى المملكة. إذا أردتم مساعدتي… فهذا وقتكم. ”
قاطعهم صوت أحد الأطفال وهو يشد بنطال لوس: ” ماذا يحصل يا سيد؟”
صاح الجميع بصوت واحد وقد ارتسمت الصدمة على وجوههم: ” المملكة؟!”
صاح آرثر بعناد: ” على جثتي! لا!… لحظة… أنا لا أمتلك جثة… على جثتك أنت إذن! ”
زفر أرجوس وأجاب بجدية: ” لقد استجوبت أحد الحراس… وأكدوا أنهم يسلّمون الأطفال للقائد (كوراش) في المملكة. ليسوا يأخذونهم من هذه القرية وحدها، بل من القرى المجاورة أيضاً. علينا أن نوقفهم… فليست هناك أيّة علة أو مرض كما يزعمون. ”
أطرق أرجوس رأسه قليلاً، ثم قال بجدية عادت لملامحه: ” إن كنتم جادين… فلنحررهم. الأطفال محتجزون الذي تم نقلهم إلى المملكة. إذا أردتم مساعدتي… فهذا وقتكم. ”
التفت إيرولد بسرعة: ” أنت تقصد… مملكة أوروك، أليس كذلك؟”
ابتسم إيرولد بثقة وقال: ” حان وقت الجد! ”
أومأ أرجوس: ” نعم… ”
اقتربوا من الموقع، ليجدوا الجنود ملقين على الأرض فاقدي الوعي، وفي المنتصف يقف الشخص صاحب العباءة ممسكاً بأحد الحراس ويكاد يفتك به، وهو يتمتم بغضب: ” يا إلهي… المزيد من الحراس! لقد خطفوا طفلة أخرى، أيها الملاعين! ”
قال إيرولد بحزم: ” هذا هو طريقنا. ”
إيرولد: ” لا عليك، لكن آرثر ما زال غاضباً. ”
اقترب لوس من العربة الخشبية الكبيرة، تفحص الباب المقفل بقفل حديدي متين. رفع حاجبيه بابتسامة ساخرة وقال: ” قفلكم هذا لا يصلح حتى لدكان بائس. ”
عاد آرثر وانزلق داخل جسد إيرولد، الذي أخرج سيفه (ثورن) فوراً ليصد هجوم أرجوس القوي، وقال بجهد:
ثم جذب الباب بقوة حتى انتزع القفل وفتح مصراعي العربة دفعة واحدة. انكشف الداخل عن سبعة أطفال صغار، وجوههم شاحبة وعيونهم دامعة، يتراجعون إلى الخلف رعباً. انحنى لوس قليلاً، مبتسماً بلطف شديد وقال: ” لا تخافوا يا صغار… أنتم بأمان الآن. هيا، تعالوا… سنعود بكم إلى القرية. ”
قال لوس متأثراً: ” يا للأسف… مسكين يا كوراش. ”
لكن أرجوس صرخ فجأة: ” لقد نسيت تحرير الاطفال ! ”
أجابت المرأة وصوتها يرتعش: ” لتوّهم أخذوا ابنتي… وعدد قليل من أطفال القرية… كان هناك شخص غامض، يرتدي عباءة سوداء، يتبع الحراس… لقد وعدني أن يعيد ابنتي وجميع الأطفال… ”
في تلك اللحظة اندفع الأطفال بسرعة نحو الخارج، وبمجرد خروجهم، وقعت أبصارهم على جاسمين المعلقة على الشجرة كعقاب. ارتجفوا من الرعب وركضوا يختبئون خلف لوس، يتشبثون بثيابه وهم يبكون: ” أرجوك يا سيدي! لا تدعهم يؤذوننا مثلها! ”
رد إيرولد بثقة: ” لا تقلق، لست وحدي… ” ثم همس في داخله: ” هل سمعتني يا آرثر؟ ” جاءه الرد فوراً: ” نعم، سمعتك. ”
ارتبك إيرولد ورفع يديه نافياً: ” لا… لا! إنها معنا! فقط… كانت سيئة الأدب قليلاً! ”
لم تمضِ لحظات حتى امتدت أمامهم سفرة عامرة، تزينها أطباق اللحم المشوي والأسماك والخضروات والفواكه الطازجة. جلس الجميع حول الطاولة، وتلاشت التوترات مع الضحكات وتبادل الأحاديث.
أنزل إيرولد جاسمين من الشجرة، فنظرت نحوه بحدة وقالت هامسة: ” أنت من بدأ هذا! ”
إيرولد: ” لا عليك، لكن آرثر ما زال غاضباً. ”
ثم جرت مسرعة إلى لوس، تمسك بذراعه وتتصنّع الارتجاف والبكاء: ” أرجوك يا سيدي… لا تدعه يقترب مني! لقد هددني بضربي! ”
على مشارف القرية، كانت المرأة تنتظر والشمس تجر أذيالها للغروب. جاءها أحد الجيران ليواسيها: ” لن يأتوا، عودي إلى منزلك، سوف تمرضين إذا استمريتِ في الوقوف هكذا. ”
اتسعت عينا إيرولد من الصدمة، بينما نظر إليه أرجوس بدهشة غير مصدق. أما الأطفال فقد صرخوا جميعاً دفعة واحدة في وجه إيرولد: ” ابتعد عنها أيها المجنون ! ”
ركضت الطفلة بين الأطفال وهي تصرخ: ” أمي! ” هرع الجميع نحوهم، والدموع تملأ أعينهم، وعاد كل طفل إلى أحضان عائلته. نظر لوس إلى المنظر وقال بصوت متهدج: ” يا له من منظر يشرح الصدر. ”
واندفعوا نحو لوس، يعانقونه بشدة وكأنه حاميهم الوحيد. انفجر لوس ضاحكاً حتى دمعت عيناه، وهو يقول:
” يا إلهي… لم أرَ مسرحية متقنة كهذه في حياتي! ”
تغير وجه سباتشيل وقال بصدمة: ” السيد كوراش؟ هل تعرفونه؟”
وفجأة، خرج طيف آرثر من جسد إيرولد يضحك قائلاً: ” أحسنتِ يا جاسمين، لقد وضعتِه في موقف صعب بحق. ”
قال لوس متأثراً: ” يا للأسف… مسكين يا كوراش. ”
من الجهة الأخرى، لمعت عينا أرجوس بشراسة، وصرخ محذراً إيرولد: ” احذر! هنالك كيان يطوف حولك! ”
وصل إيرولد ولوس وأرجوس إلى ساحة القرية مع الأطفال، محافظين على وعدهم. توقف أرجوس أمام المرأة المصدومة وقال بهدوء: ” لقد أعدتُ لكِ ابنتك يا سيدتي. ”
تعجب إيرولد وجاسمين، وقال إيرولد: ” هل يمكنه رؤية آرثر؟!”
فجأة، ركض الأطفال نحو لوس، وسحبوه من ثيابه وهم يصرخون بفرح: ” هذا الرجل هو من أنقذنا! ”
لم ينتظر أرجوس، بل هاجم آرثر برمح هوائي، فاندفع إيرولد لصدّه، بينما تراجع آرثر للخلف صائحاً: ” من هذا المعتوه؟!”
تأجج الغضب في صدر لوس، وصّر على أسنانه بقسوة: ” يا سيدة… إلى أين أخذوا الأطفال؟ ومنذ متى؟”
صرخ أرجوس: ” سوف أقتلك يا هذا! ”
توجه لوس بعتمة نحو العربة التي تحتجز الأطفال، لكنه لاحظ فجأة أن حركة الحصان أصبحت بطيئة وثقيلة بشكل غير طبيعي. قال الشخص المجهول ببرود: ” لا ذنب للخيل… ولا للفتاة. ”
اتجه آرثر نحو إيرولد قائلاً ببرود: ” سوف أكون بخير، لن يلمسني وأنا داخل جسدك. ”
صرخ أرجوس: ” سوف أقتلك يا هذا! ”
لكن إيرولد تفادى آرثر ببراعة، تاركاً إياه في العراء. وقف آرثر في الهواء مصدوماً وقال: ” هاه؟! هل تريده أن يقتلني؟!”
تقدم إيرولد : ” شكرًا لك على كرمك، لكننا سنتحرك غداً في الصباح الباكر. ”
رد إيرولد بابتسامة شامته: ” لن تعود حتى تقول: ” آسف يا سيد إيرولد. ”
إيرولد بتركيز: ” تعلم أن هذا ما يدور في عقلي تماماً. ”
صاح آرثر بعناد: ” على جثتي! لا!… لحظة… أنا لا أمتلك جثة… على جثتك أنت إذن! ”
” هيا، لنعد للقرية، أهاليكم ينتظرون على أحر من الجمر. ”
تبسم إيرولد ببرود: ” إذن كما تريد. ”
وصل إيرولد ولوس وأرجوس إلى ساحة القرية مع الأطفال، محافظين على وعدهم. توقف أرجوس أمام المرأة المصدومة وقال بهدوء: ” لقد أعدتُ لكِ ابنتك يا سيدتي. ”
التفت آرثر ليرى أرجوس يقترب بسرعة جنونية، موجّهاً سيفه للهجوم، فقال بذعر: ” هيا يا إيرولد! توقف عن اللعب! ”
لكن لوس كان مستلقياً على الأرض يضحك بخفوت، متجاهلاً صرخاتها ومستمتعاً بالمشهد. صرخت جاسمين مجدداً: ” أنت يا أرجوس! أنزلني من هنا! ”
اندفع أرجوس، فحلق آرثر باتجاه إيرولد وهو يصرخ: ” حسناً، حسناً! آسف يا سيد إيرولد! أرجوك دعني أدخل”
من الجهة الأخرى، لمعت عينا أرجوس بشراسة، وصرخ محذراً إيرولد: ” احذر! هنالك كيان يطوف حولك! ”
عاد آرثر وانزلق داخل جسد إيرولد، الذي أخرج سيفه (ثورن) فوراً ليصد هجوم أرجوس القوي، وقال بجهد:
سألت جاسمين بفضول وهي تقضم تفاحة: ” بما أنك تذهب للملكة، هل تعرف شخصاً يدعى (كوراش)؟ ”
” هذه روحي يا أرجوس! إنه انفصال الروح! ”
قال لوس متأثراً: ” يا للأسف… مسكين يا كوراش. ”
توقف لوس وأرجوس مصدومين، وقالوا بدهشة متزامنة: ” انفصال الروح؟ كيف حصل هذا؟!”
اقترب لوس من العربة الخشبية الكبيرة، تفحص الباب المقفل بقفل حديدي متين. رفع حاجبيه بابتسامة ساخرة وقال: ” قفلكم هذا لا يصلح حتى لدكان بائس. ”
تراجع أرجوس واعتذر: ” آسف، ظننته أحد الجان. إنه يمتلك هالة غريبة، لم أرَ روحاً أو هالة روح من قبل. ”
أوضح سباتشيل بنبرة حزينة: ” لقد حلّت به مأساة فظيعة؛ تم إعدام زوجته وابنه بأمر من الملك، بعد أن ضُبطا مع جماعة من المتمردين. أُعدموا جميعاً بينما كان السيد كوراش في مهمة خارج الأسوار. ومنذ أن عاد وعرف بالأخبار، أصبح يتصرف بغرابة وعدوانية، لكني لا ألومه. ”
إيرولد: ” لا عليك، لكن آرثر ما زال غاضباً. ”
تعجب إيرولد وجاسمين، وقال إيرولد: ” هل يمكنه رؤية آرثر؟!”
قال أرجوس موجهاً كلامه لجسد إيرولد: ” آسف يا آرثر. ”
ابتسم إيرولد بثقة وقال: ” حان وقت الجد! ”
خرج صوت آرثر صارخاً عليه من الداخل: ” أيها المعتوه ! لا تهاجم قبل أن تعرف ما الذي أمامك! ”
ضحك أرجوس: ” لك هذا! ”
صاح أرجوس بفضول: ” إن روحك كانت خارج جسدك! كيف لا تزال على قيد الحياة؟”
نظر إيرولد إلى لوس، فوجده نائماً بطريقة فوضوية ويكاد يسقط من فوق السرير. ابتسم وقال: ” يبدو أنه غير معتاد على النوم في سرير مريح. ”
قاطعهم صوت أحد الأطفال وهو يشد بنطال لوس: ” ماذا يحصل يا سيد؟”
ثم أكملت بصوت متقطع من شدة التوتر: ” إنهم ينقلون الأطفال بعيداً… هناك شائعة عن وباء يصيب الصغار… ” انفجرت المرأة في بكاء حار، ودموعها ترسم مسارات على وجهها الباهت: ” لقد أخذوا ابنتي… أرجوكم… ”
أجاب لوس وهو يمسح على رأس الطفل: ” لا عليك يا صغير، إنهم مجانين. ” ثم حث الجميع على التحرك:
فجأة، ركض الأطفال نحو لوس، وسحبوه من ثيابه وهم يصرخون بفرح: ” هذا الرجل هو من أنقذنا! ”
” هيا، لنعد للقرية، أهاليكم ينتظرون على أحر من الجمر. ”
صرخ سباتشيل: ” أيها الخدم، أحضروا العشاء! ”
توجهوا نحو القرية؛ حمل لوس وأرجوس طفلاً على ظهر كل منهما، بينما حمل عتمة خمسة أطفال، وكانت جاسمين تمشي بجر خطى متعبة بجوار إيرولد. بدا عليها الإعياء الشديد، فقالت بصوت خافت: ” لقد تعبت، أرجوك احملني. ”
تقدم لوس خطوة إلى الأمام، وعيناه تشتعلان غضباً، بينما وقفت جاسمين بجانب إيرولد، قلبها يخفق بسرعة، مدركة أن الهدوء الظاهري للقرية لم يكن سوى قناع هش يخفي خلفه عاصفة قادمة.
ابتسم إيرولد وقال محاولاً مشاكساتها: ” فكري بما فعلتِه بي أولاً. ”
عاد آرثر وانزلق داخل جسد إيرولد، الذي أخرج سيفه (ثورن) فوراً ليصد هجوم أرجوس القوي، وقال بجهد:
لكنها كانت منهكة حقاً، نظرت للأسفل لتجد الأرض تبتعد عنها فجأة. أدركت أن إيرولد قد رفعها ووضعها على كتفه. ابتسمت جاسمين بامتنان، وواصل إيرولد السير بثبات.
همس إيرولد للوس: ” هل تعرفه حقاً؟”
على مشارف القرية، كانت المرأة تنتظر والشمس تجر أذيالها للغروب. جاءها أحد الجيران ليواسيها: ” لن يأتوا، عودي إلى منزلك، سوف تمرضين إذا استمريتِ في الوقوف هكذا. ”
صرخ أرجوس: ” سوف أقتلك يا هذا! ”
لكن مع اختفاء قرص الشمس، تناهت إلى مسامعها أصوات ضحكات أطفال، فتعجبت وقالت بلهفة: ” لقد عادوا! يا أهل القرية، لقد عاد أطفالنا! ”
توقف لوس وأرجوس مصدومين، وقالوا بدهشة متزامنة: ” انفصال الروح؟ كيف حصل هذا؟!”
وصل إيرولد ولوس وأرجوس إلى ساحة القرية مع الأطفال، محافظين على وعدهم. توقف أرجوس أمام المرأة المصدومة وقال بهدوء: ” لقد أعدتُ لكِ ابنتك يا سيدتي. ”
قال إيرولد بحزم: ” هذا هو طريقنا. ”
ركضت الطفلة بين الأطفال وهي تصرخ: ” أمي! ” هرع الجميع نحوهم، والدموع تملأ أعينهم، وعاد كل طفل إلى أحضان عائلته. نظر لوس إلى المنظر وقال بصوت متهدج: ” يا له من منظر يشرح الصدر. ”
ثم جرت مسرعة إلى لوس، تمسك بذراعه وتتصنّع الارتجاف والبكاء: ” أرجوك يا سيدي… لا تدعه يقترب مني! لقد هددني بضربي! ”
فجأة، ركض الأطفال نحو لوس، وسحبوه من ثيابه وهم يصرخون بفرح: ” هذا الرجل هو من أنقذنا! ”
حاول أرجوس دفع إيرولد بعيداً باستخدام سحر الهواء، فانفجرت موجة قوية حولهما، لتتطاير الأوراق والحصى في الأرجاء. تراجع أرجوس قليلاً وقال: ” حسناً يا هذا… ”
نظر أرجوس إلى إيرولد بخيبة أمل مصطنعة وقال: ” لقد أنقذهم هو؟ ومن كان مثبتاً في الأرض بفعل الجاذبية؟”
اقترب لوس من العربة الخشبية الكبيرة، تفحص الباب المقفل بقفل حديدي متين. رفع حاجبيه بابتسامة ساخرة وقال: ” قفلكم هذا لا يصلح حتى لدكان بائس. ”
ابتسم إيرولد وقال بهدوء: ” لا يهم يا رجل، المهم أنهم عادوا إلى أهلهم سالمين. ”
مسح الشاب الدماء عن وجهه، وسأله إيرولد: ” إذن… ما اسمك يا فتى؟”
تقدم أحد وجهاء القرية وقال بامتنان: “أنتم ضيوفي من اليوم، ابقوا قدر ما تشاؤون، هذا أقل ما يمكننا فعله.
تغيرت ملامح أرجوس فجأة، زال الغضب وحل محله الندم، وقال ببرود وهو يرفع سحر الجاذبية عن لوس:
تقدم إيرولد : ” شكرًا لك على كرمك، لكننا سنتحرك غداً في الصباح الباكر. ”
عاد آرثر وانزلق داخل جسد إيرولد، الذي أخرج سيفه (ثورن) فوراً ليصد هجوم أرجوس القوي، وقال بجهد:
أجاب الرجل: ” كما تريدون، لكن دعونا أولاً نتناول العشاء احتفالاً بكم. ”
أجاب أرجوس ونبرة صوته تزداد حدة: ” سمعت أن هنالك شخصاً سيطر عليه أحد الجان منذ وقت طويل. ”
سقط لوس عن ظهر عتمة تحت وطأة الضغط، فقال الشخص المجهول: ” الجاذبية عليك تزداد… أما الحصان والفتاة فوزنهم خفيف، سيعودون معي إلى القرية. ”
ذهبوا معه ليجدوا منزلاً كبيراً ووثيراً، فسأل إيرولد بينما يتأمل الأثاث: ” ما طبيعة عملك يا رجل؟”
لكن إيرولد تفادى آرثر ببراعة، تاركاً إياه في العراء. وقف آرثر في الهواء مصدوماً وقال: ” هاه؟! هل تريده أن يقتلني؟!”
أجاب الرجل مبتسمًا: ” أنا تاجر، أدعى (سباتشيل)، أبيع المجوهرات في المملكة، لكنني أعود هنا للراحة بعد مواسم العمل الطويلة. لقد تربيت هنا وأعتبر أهل القرية عائلتي. ”
أجاب الرجل: ” كما تريدون، لكن دعونا أولاً نتناول العشاء احتفالاً بكم. ”
سألت جاسمين بفضول وهي تقضم تفاحة: ” بما أنك تذهب للملكة، هل تعرف شخصاً يدعى (كوراش)؟ ”
ابتسم أرجوس وقال بحماس: ” هذا رائع! لقد نُصّب لديهم ملك جديد قبل فترة قصيرة. كان الوزراء والنبلاء هم من يحكمون البلاد فعلياً طوال الوقت، حتى وجدوا ابن أخ الملك السابق (آمون)، وتوجوه ملكاً. ”
أجاب سباتشيل: ” آه، الاسم شائع، حددي ما مهنته؟”
من الجهة الأخرى، لمعت عينا أرجوس بشراسة، وصرخ محذراً إيرولد: ” احذر! هنالك كيان يطوف حولك! ”
قالت جاسمين: ” قائد للحراس. ”
ردّت جاسمين بسرعة وهي تلهث: ” لا، لم يفعلوا! بل والدة أحد الأطفال هي من أخبرتنا أنك ذهبت لتعيدهم، ونحن هنا للتأكد من سلامتهم وإعادتهم! ”
تغير وجه سباتشيل وقال بصدمة: ” السيد كوراش؟ هل تعرفونه؟”
فجأة، ركض الأطفال نحو لوس، وسحبوه من ثيابه وهم يصرخون بفرح: ” هذا الرجل هو من أنقذنا! ”
رد لوس بسرعة بديهة وهدوء: ” نعم، لكن لم نره منذ مدة طويلة. ”
مع انتهاء العشاء، قاد الرجل ضيوفه إلى غرفهم في الطابق العلوي. استلقوا على الأسرّة المريحة، والهدوء يعم المكان، فيما تتسلل أشعة القمر الفضية من النوافذ. أغمض الجميع أعينهم، مستشعرين الراحة والأمان لأول مرة منذ أيام.
أوضح سباتشيل بنبرة حزينة: ” لقد حلّت به مأساة فظيعة؛ تم إعدام زوجته وابنه بأمر من الملك، بعد أن ضُبطا مع جماعة من المتمردين. أُعدموا جميعاً بينما كان السيد كوراش في مهمة خارج الأسوار. ومنذ أن عاد وعرف بالأخبار، أصبح يتصرف بغرابة وعدوانية، لكني لا ألومه. ”
أشاد به الرجل المجهول قائلاً: ” أحسنت يا رجل… حتى مع الثقل الهائل على جسدك، تمكنت من صد هجومي. لكن إياك أن تتحرك، وإلا ازدادت الجاذبية ! ”
قال لوس متأثراً: ” يا للأسف… مسكين يا كوراش. ”
لوس بقلق: ” حسناً… لكن هل ستكون بخير وحدك؟”
همس إيرولد للوس: ” هل تعرفه حقاً؟”
قاطعهم صوت أحد الأطفال وهو يشد بنطال لوس: ” ماذا يحصل يا سيد؟”
لوس بصوت خافت: ” لا، لكن ادعاء المعرفة يجعله يفتح قلبه ولا يخفي شيئاً. ”
لكن إيرولد تفادى آرثر ببراعة، تاركاً إياه في العراء. وقف آرثر في الهواء مصدوماً وقال: ” هاه؟! هل تريده أن يقتلني؟!”
ابتسم إيرولد في داخله وقال: ” رجل ذكي. ”
ضحك أرجوس: ” لك هذا! ”
صرخ سباتشيل: ” أيها الخدم، أحضروا العشاء! ”
اقترب لوس من امرأة شاحبة الوجه، تفيض عيناها قلقاً، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة حازمة: ” هل أنتِ بخير يا سيدة؟”
لم تمضِ لحظات حتى امتدت أمامهم سفرة عامرة، تزينها أطباق اللحم المشوي والأسماك والخضروات والفواكه الطازجة. جلس الجميع حول الطاولة، وتلاشت التوترات مع الضحكات وتبادل الأحاديث.
لكن مع اختفاء قرص الشمس، تناهت إلى مسامعها أصوات ضحكات أطفال، فتعجبت وقالت بلهفة: ” لقد عادوا! يا أهل القرية، لقد عاد أطفالنا! ”
مع انتهاء العشاء، قاد الرجل ضيوفه إلى غرفهم في الطابق العلوي. استلقوا على الأسرّة المريحة، والهدوء يعم المكان، فيما تتسلل أشعة القمر الفضية من النوافذ. أغمض الجميع أعينهم، مستشعرين الراحة والأمان لأول مرة منذ أيام.
صرخت جاسمين وهي تتأرجح: ” أنزلني أيها العجوز! ”
قطع أرجوس الصمت سائلاً إيرولد الذي كان في السرير المقابل: ” لم تخبرني من أين أنت. ”
أوضح سباتشيل بنبرة حزينة: ” لقد حلّت به مأساة فظيعة؛ تم إعدام زوجته وابنه بأمر من الملك، بعد أن ضُبطا مع جماعة من المتمردين. أُعدموا جميعاً بينما كان السيد كوراش في مهمة خارج الأسوار. ومنذ أن عاد وعرف بالأخبار، أصبح يتصرف بغرابة وعدوانية، لكني لا ألومه. ”
رد إيرولد بهدوء وهو ينظر للسقف: ” لا أعلم حقاً… لكني قضيت طفولتي في مملكة مصر، حتى جاء يوم ورحلت من هناك. ”
أمسك أرجوس برأس إيرولد ليوازن نفسه في الهواء وهو يضحك باستهزاء: ” أوووه… فكرة رائعة، لكنها غير إنسانية! ”
ابتسم أرجوس وقال بحماس: ” هذا رائع! لقد نُصّب لديهم ملك جديد قبل فترة قصيرة. كان الوزراء والنبلاء هم من يحكمون البلاد فعلياً طوال الوقت، حتى وجدوا ابن أخ الملك السابق (آمون)، وتوجوه ملكاً. ”
رد إيرولد بابتسامة شامته: ” لن تعود حتى تقول: ” آسف يا سيد إيرولد. ”
أغمض إيرولد عينيه متجاهلاً التفاصيل وقال: ” ولماذا ذهبت أنت إلى هناك؟”
إيرولد: ” لا عليك، لكن آرثر ما زال غاضباً. ”
أجاب أرجوس ونبرة صوته تزداد حدة: ” سمعت أن هنالك شخصاً سيطر عليه أحد الجان منذ وقت طويل. ”
لم تمضِ لحظات حتى امتدت أمامهم سفرة عامرة، تزينها أطباق اللحم المشوي والأسماك والخضروات والفواكه الطازجة. جلس الجميع حول الطاولة، وتلاشت التوترات مع الضحكات وتبادل الأحاديث.
فتح إيرولد عينيه فجأة وسأل: ” وإذا وجدته… ماذا كنت ستفعل؟”
انطلق عتمة كالسهم، فاقترب إيرولد من لوس ومد يده ليسحبه خلفه على ظهر الحصان، ونهبوا الأرض نهباً باتجاه الشخص المجهول. قال لوس وهو يكزّ على أسنانه: ” يجب أن نعيد الأطفال يا إيرولد! ”
رد أرجوس ببرود تام وقسوة: ” سوف أقاتله بلا أي رحمة. ”
ابتسم إيرولد وقال بهدوء: ” لا يهم يا رجل، المهم أنهم عادوا إلى أهلهم سالمين. ”
أغلق إيرولد عينيه مجدداً، وأخفى اضطرابه قائلاً: ” هكذا إذن… لننم الآن، سنتحرك في الصباح. ”
رد أرجوس ببرود تام وقسوة: ” سوف أقاتله بلا أي رحمة. ”
نظر إيرولد إلى لوس، فوجده نائماً بطريقة فوضوية ويكاد يسقط من فوق السرير. ابتسم وقال: ” يبدو أنه غير معتاد على النوم في سرير مريح. ”
نظر أرجوس إلى إيرولد بخيبة أمل مصطنعة وقال: ” لقد أنقذهم هو؟ ومن كان مثبتاً في الأرض بفعل الجاذبية؟”
ضحك أرجوس بخفوت وقال: ” هل يجب أن أدفعه ليسقط؟”
تأجج الغضب في صدر لوس، وصّر على أسنانه بقسوة: ” يا سيدة… إلى أين أخذوا الأطفال؟ ومنذ متى؟”
ابتسم إيرولد وقال: ” لا، دعه ينام. ”
مسح الشاب الدماء عن وجهه، وسأله إيرولد: ” إذن… ما اسمك يا فتى؟”
أجاب لوس وهو يمسح على رأس الطفل: ” لا عليك يا صغير، إنهم مجانين. ” ثم حث الجميع على التحرك:
ابتسم الرجل المجهول بثقة وقال: ” سأعطيك مبتغاك. ”

نصلٌ يلمع، وغبارٌ ينقشع، ليظهر وجه لم يكن إيرولد يتوقعه. أرجوس، القادم من الغرب، نور جديد في طريق إيرولد:
سألت جاسمين بفضول وهي تقضم تفاحة: ” بما أنك تذهب للملكة، هل تعرف شخصاً يدعى (كوراش)؟ ”
