Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

مُصاغ الروح 5

داخل الشق

داخل الشق

الفصل 5 – داخل الشق 

قطعتُ هذه الأفكار، وأجبرتُ نفسي على التنفس. لقد وافقتُ على هذا، ذكّرتُ نفسي. لقد خضتُ أكثر من اثني عشر شقًا. وهذا الشق ليس مختلفًا.

الارتجافة التي هزّت الجسر السماوي بعثت ذبذباتٍ صاعدة في ساقيّ بينما كنتُ ألصق جبيني بزجاج النافذة المرتجف. لم أرَ من الشقّ من هذا الموضع سوى التوهج البعيد خلف آليات حلقة الاحتواء. كانت تدور بسرعة هائلة حتى بدت لي كخط فضي يلسع شبكيتي، تعمل بأقصى طاقتها لمعالجة واحتواء الإشعاع المنبعث من الشق.

ضحكت بريسيلا، وهذه المرة كان صوتها رنين أجراس. وجهت ابتسامةً وحشيةً إلى جافين —أقرب إلى كشف أسنانه— ثم خففت من ابتسامتها وغمزت لي. “الطفل سيث لديه فرصة أفضل.”

تلاشى دويّ الرعد المتدحرج إلى طنين منخفض، فاعتدلتُ ونظرت إلى سيث الواقف بجانبي عند النافذة. قال وهو يقطب حاجبيه حتى صارا على شكل حرف V حاد،”هيا.”

“من هنا، من فضلكما.”

كنت متلهفًا لمغادرة الجسر، فاتبعته بخطوات سريعة.

قبض سيث على فكه ثم ارتخى. “يمكنك فعل هذا. أعلم أنك تستطيع.”

وعلى الجانب الآخر، وجدنا ممرّات البرج الأول مكتظة بالمهندسين والعلماء. احتشدوا حول السلالم والمصاعد، يشكّلون صفوفًا فوضوية بينما يحاول الجميع الوصول إلى القاعة لسماع تفسير الرئيس فاليرا بشأن الإنذار. جولة أخرى من الأضواء اللامعة دفعت الموظفين إلى التحرك والهمس بقلق. عرضت الشاشات الممتدة على طول الممرّات خرائط للبرج الأول تحمل التعليمات ذاتها، “حافظوا على هدوئكم. متوقَّع ارتفاع في الطاقة. توجّهوا إلى القاعة. حافظوا على هدوئكم…”

ارتعشت شفتاها في ابتسامة موناليزا، ولعبت بمقبض خنجر، واحد من خناجر عديدة مغمدة بحزام حول جذعها. “دائمًا ما يكون عابسًا،” صرخت، ومدت يدها كما لو كانت ستهز ذقنه، لكنه أبعد فكه. ضحكت بريسيلا ضحكة خفيفة، ثم مرت بنا وهي تنادي، “مهلًا يا ليون، ما الذي حدث للتقاعد؟ ظننتُ أنك قلتَ آخر مرة رأيتك فيها، وأقتبس…”

وسمعتُ أصوات الناس القلقين من حولنا يتساءلون، “ما الذي يحدث؟”

“لم أكن أعلم أنك قد رُقيت.” لم أستطع قراءة نبرته، لكنه ناولني إحدى المجموعات لتكملة الإمدادات في حقيبتي الرياضية، وقررت أن أعتبر ذلك لفتة ودية.

“لا شيء.”

الارتجافة التي هزّت الجسر السماوي بعثت ذبذباتٍ صاعدة في ساقيّ بينما كنتُ ألصق جبيني بزجاج النافذة المرتجف. لم أرَ من الشقّ من هذا الموضع سوى التوهج البعيد خلف آليات حلقة الاحتواء. كانت تدور بسرعة هائلة حتى بدت لي كخط فضي يلسع شبكيتي، تعمل بأقصى طاقتها لمعالجة واحتواء الإشعاع المنبعث من الشق.

“سمعت أن الشق يتصرف بشكل غير طبيعي.”

ارتعشت شفتاها في ابتسامة موناليزا، ولعبت بمقبض خنجر، واحد من خناجر عديدة مغمدة بحزام حول جذعها. “دائمًا ما يكون عابسًا،” صرخت، ومدت يدها كما لو كانت ستهز ذقنه، لكنه أبعد فكه. ضحكت بريسيلا ضحكة خفيفة، ثم مرت بنا وهي تنادي، “مهلًا يا ليون، ما الذي حدث للتقاعد؟ ظننتُ أنك قلتَ آخر مرة رأيتك فيها، وأقتبس…”

“هل ينهار؟ أم أنه يتسرب؟ هل يجب علينا الإخلاء الآن؟”

“أنت أيًا كان ما نحتاجك أن تكونه، أيها المشع،” بصق هوثورن. لم يُضيّع مدير العمليات المزيد من الوقت مع عائلة كالهون. “وفقًا للإجراءات، كان لدينا العديد من المشعين مع المهندسين داخل الشق. وبما أنهم لم يُبلغوا عن أي شيء، فعلينا أن نفترض أن ما حدث هناك يتطلب قوة إضافية. أنتم أول المستجيبين لدينا. إذا وجدتم شيئًا حيًا هناك ليس بشريًا، فاقتلوه. سيتولى المشع فاليرا القيادة العامة. سيتبعه فريق ثانٍ من المهندسين والنحاتين بمجرد إعطائهم الضوء الأخضر. هذه مهمتكم. هل لديكم أي أسئلة؟”

“إذا سقطت تلك الحلقة، سنموت.”

لفتت ضحكة مكتومة انتباهي إلى آل كالهون، وكان جافين ينظر إليّ بنظرة جانبية وهو يتمتم في أذن فينتان. نفخ ليون في وجهي، وشفته العليا ملتوية وهو يسحب حذائه للخلف كأنني سأتقيأ منه.

“لا تكن سخيفًا! هذا غير ممكن.”

على الرغم من أنني كنت أنتظر ذلك، إلا أنني ما زلتُ عاجزًا عن الكلام من الغضب والإحراج.

“تورين…” أمسكني أخي من كتفي وهمس، “انتبه لخطواتك.”

النظرة القاتمة التي صوّبها نحوها ذكّرتني بسيث، وكدت أن أضحك… قبل أن يقول صوت مألوف من الأمام، “أنا مع ليون.”

قلبت عيني، لكن صراحة سيث اخترقت جنون العظمة المتصاعد مثل البخار من حولنا.

تعرفتُ على ريا دان عندما قفزت أولًا، ولكن مع ارتفاع مركبتنا لتجنب شبكة الكابلات، لم أستطع تمييز من كان، إذ خرجت حقائب المعدات والطاقم خلفها. انتظرنا تفريغ أول حاملتين، وهما تحومان قرب مركز الشق. في الضوء الخافت، محاطين بالضباب، وعلى ارتفاع ألف قدم في الهواء، كان الأمر أشبه بالتحديق في عين وحش أسطوري عملاق. إلا أن ذلك لم يكن صحيحًا، بل كان أشبه بفم، على وشك ابتلاعنا جميعًا وإسقاطنا في…

سار موظفو العمليات ذهابًا وإيابًا في الطوابير المتغيرة، يطلبون الشارات من حين لآخر. توقف أحدهم بجانبنا في الثانية التي لاحظ فيها سيث.

“ماذا تفعلين هنا؟” سأل سيث وهو يهرع نحوها، ويده تمسح برفق جانب بطنها عندما وصل إليها.

“لحظة واحدة، مشع.” قيم الرجل بطاقة هوية سيث واستشار شاشة هاتفه. “آه، سيد غراي، جيد.” نظر إليّ. “و… هل هذا أخوك؟”

أمسك سيث بإصبعها الموبخ بين راحتي يديه وضغط على يدها ضغطة خفيفة. “سأراكما في المنزل،” قال دون أن يعد بشيء. تركنا هانا وركضنا نحو المصاعد. كان كولتر يقف بجانب أقرب مصعد، يُلقي بعض الكلمات الأخيرة على الصحفيين.

“نعم. سيث وتورين غراي،” أجاب أخي، بينما رفعتُ بطاقتي المغلفة.

خلفه، لاحظت انشغال بعض صائغي العظام الآخرين بارتداء ملابسهم أو تعديل معداتهم. انشغلت بنفس الشيء، وخلعت ملابسي الرياضية ذات الرائحة الكريهة بينما أخرج سيث درعه الأبيض من حقيبته. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أغير فيها ملابسي أمام الناس —لقد كان ذلك خطرًا مهنيًا— ولكن عادةً ما يكون هناك مساحة أكبر قليلًا للخصوصية من مقاعد حاملة الإنزال التي توفرها. شعرت بالعيون تراقبني وأنا أسحب ملابس داخلية طويلة منسوجة من ألياف الوحوش فوق وركي. نظرت لأعلى لألتقي بنظرة بريسيلا السوداء والصفراء التي تستقر أمامي وسحبتُ بسرعة قميصًا طويل الأكمام من ألياف الوحوش فوق رأسي. أحاط بها رجل أكبر سنًا ذو شارب أشقر خفيف وقصة شعر عسكرية قصيرة، ممسكًا بمطرقة حرب عظمية برأس مدبب بحجم رأس ثور كما لو كانت لا شيء وهو يعيد لف المقبض الجلدي على العمود.

نقرة أخرى على الهاتف. “توجها إلى مكتب الأمن. كلاكما.”

انحبست أنفاسي أخيرًا، واستنشقتُ نفسًا عميقًا، وأنا أصفي رأسي. كل ما استطعتُ فعله هو الإيماء. عدّل سيث قبضته، وقفزت معدتي إلى حلقي بينما سقطتُ بضع بوصات قبل أن يمسك بظهر سترتي. فهمتُ خطته في اللحظة التي سبقت إطلاقه لي.

رفع إصبعه وأشار إلى حارس، الذي هرع إلى جانبنا.

ضرب أحدهم جانب الناقلة، وفي الخارج بدأ عدة أشخاص يرتدون سترات صفراء في التراجع. قفزت أعصابي عندما أعلن الطيار عن إقلاعنا الفوري.

“من هنا، من فضلكما.”

تلويت تحت وطأة مديحها البهيج.

وصلنا إلى مصعد أمني، حيث فحص حارس آخر تصريحينا —تصريحي. صعدنا المصعد بمفردنا، وبينما يصعد، سمعنا الرئيس فاليرا يُلقي خطابه عبر مكبرات الصوت في المصعد، مُوجّهًا خطابه إلى من ما زالوا في طريقهم إلى القاعة.

تسللت ريا خلف كولتر، ودون أن تنظر إلينا، ألقت إبهامها على إحدى حاملات الأفراد الرباعية المصفوفة عند الحافة الشرقية. قاد سيث الطريق، وتحققت شابةٌ مُشعثةٌ من أسمائنا في قائمة.

“في حوالي الساعة 1:24 ظهرًا، انبعثت نبضة من طاقة الإشعاع من شق برج الضوء. أبطلت هالتنا الواقية الموجة بأمان، وكان الأثر الجانبي الوحيد هو خلل طفيف في طاقة المباني. بفضل عمل وسحر كل من في هذه الغرفة، عملت جميع إجراءات الحماية العديدة لدينا بسلاسة. جولة من التصفيق لأنفسكم جميعًا!”

قال سيث ببرود، “مشكلته هي أن أخذ النصائح الجيدة ليس من بينها.”

توقف المصعد، وأرشدنا إلى غرفة واسعة ذات نوافذ كثيفة تطل على القاعة التي تحتنا. ألقت شاشات التلفزيون وشاشات الكمبيوتر ضوءًا شبحيًا على المكتب الخافت والمزدحم. في الزاوية البعيدة، رفع جايس يده مشيرًا.

توقفت ريا حين توقف هو، تعبث بمقابض فأسَيها التوأم. كانت امرأة ضخمة البنية، بشعر نصف محلوق بقسوة، وفكّ أكثر قسوة، وعينين عسليتين صارمتين برزتا بحدة على بشرتها السمراء اللامعة بلون الماهوغاني.

قال الرئيس على إحدى الشاشات، “سنتلقى الأسئلة الآن.” بينما أنا وسيث نشق طريقنا بين المكاتب. “نعم، أنت من سي إن إن؟”

ابتلعت ريقي بصعوبة ونظرت من النافذة.

ظننت أن جميع الصحفيين قد اختيروا مسبقًا، وبالفعل، كانت بعض أسئلتهم تُطبع على الشاشة أمامي.

“من هنا، من فضلكما.”

قال صوت على يميننا، “لقد وصلت.”

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

اعترض كولتر فاليرا طريقنا نحو جايس، متبادلًا إيماءةً جامدةً مع سيث تحيةً.

قال صوت على يميننا، “لقد وصلت.”

رمقتني عينا كولتر الخضراوان. “تهانينا على ترقيتك يا تورين. توقيتٌ رائع.”

“هاه،” كان كل ما قاله ردًا.

“هل يجب أن أكون هنا؟” سألتُ، ملاحظًا أنني الصائع الوحيد في الغرفة.

“المشعون،” عَلى نباح مُدخن. دخل جوناثان “جاك” هوثورن —جندي مشاة بحرية سابق أصبح مشعًا، وهو الآن مدير العمليات في مجموعة فاليرا— إلى دائرة الضوء في قلب الغرفة.

أجاب كولتر، “لدينا نقصٌ في فريق الدعم. معظم صائغي العظام الآخرين يرفعون المعدات إلى السطح.”

تسللت ريا خلف كولتر، ودون أن تنظر إلينا، ألقت إبهامها على إحدى حاملات الأفراد الرباعية المصفوفة عند الحافة الشرقية. قاد سيث الطريق، وتحققت شابةٌ مُشعثةٌ من أسمائنا في قائمة.

“المشعون،” عَلى نباح مُدخن. دخل جوناثان “جاك” هوثورن —جندي مشاة بحرية سابق أصبح مشعًا، وهو الآن مدير العمليات في مجموعة فاليرا— إلى دائرة الضوء في قلب الغرفة.

انضمّ جافين إلى ضحكه وهو يومئ موافقًا، ثم قال بابتسامته الثابتة “ليس لديك أدنى فكرة عمّا يُضحك، أليس كذلك؟” ثم صفع صدر فنتان بكفّه من الخلف بقوة وأضاف، “إنه يذوب هيامًا ببرسيلا، يا غبي.”

مسح الغرفة بنظراتٍ ثاقبة. “سأختصر الكلام. الجميع يعلم بالفعل عن موجة الإشعاع؛ ما لا يعرفونه هو أن مجموعة من المهندسين كانوا محاصرين بالداخل عندما ساءت الأمور. صمتوا تمامًا في الوقت الذي قيست فيه أول موجة صدمة. نحتاج منكم أن تدخلوا الشق، وتنقذوا أي ناجين، وتحددوا سبب هذا الهراء، وتبلغوا عن الأمر حالما تتأكدون من أن الشق آمن.”

“لا نستطيع،” صححت.

سأل فينتان كالهون، وهو شخص شاحب في الزاوية بعيون كوبالتية غائرة، “هذا الشق خالٍ من الوحوش. لماذا نرسل المشعين؟”

ابتلعت ريقي بصعوبة ونظرت من النافذة.

وافقه شقيقه جافين أسمر البشرة وواسع الصدر، وهو ينقر بأصابعه بإيقاع ممل على مؤخرة مسدس الشظايا في جرابه على وركه، “لسنا جليسي أطفال.” عادةً ما كنت أتجنبهما. تبختر جافين كما لو أنه خرج لتوه من فيلم سينمائي، وسمعت شائعات عن أن فينتان يحب اللعب بالجثث.

قال صوت على يميننا، “لقد وصلت.”

“أنت أيًا كان ما نحتاجك أن تكونه، أيها المشع،” بصق هوثورن. لم يُضيّع مدير العمليات المزيد من الوقت مع عائلة كالهون. “وفقًا للإجراءات، كان لدينا العديد من المشعين مع المهندسين داخل الشق. وبما أنهم لم يُبلغوا عن أي شيء، فعلينا أن نفترض أن ما حدث هناك يتطلب قوة إضافية. أنتم أول المستجيبين لدينا. إذا وجدتم شيئًا حيًا هناك ليس بشريًا، فاقتلوه. سيتولى المشع فاليرا القيادة العامة. سيتبعه فريق ثانٍ من المهندسين والنحاتين بمجرد إعطائهم الضوء الأخضر. هذه مهمتكم. هل لديكم أي أسئلة؟”

“سمعت أن الشق يتصرف بشكل غير طبيعي.”

“لا،” أجاب كولتر.

بفضل دعم جايس، قابلتُ عين ماثيو بتحدي خاص بي —نظرة محايدة واثقة تحدّيته أن يُحاول كسرها.

درس هوثورن الوجوه المتجمعة. “هل من أحد؟” عندما ساد الصمت، ضرب كعبيه ببعضهما البعض. “اغربوا إذن.”

“أوه، حقًا؟” للحظة، التفت جافين نحوي وصدره منتفخ كالكلب المتمايل، ثم نظر إلى عبوس سيث الجامد وتراجع عن الأمر، ثم التفت نحو مؤخرة الحاملة وقال بحدة، “حسنًا، إن لم يمت الخامل، فسنرى كيف ستسير الأمور. هيا يا فينتان.”

شقّ جايس طريقه إلينا وسط الزحام نحو الباب. “هذا يستحق جائزة أغرب إحاطة. فوضى عارمة. وقد أوضحتُ أنني لا أعمل مع عائلة كالهون. أحدهم قلقٌ أكثر مما يُظهر، ألا تعتقد ذلك؟”

“ولكن ليس بمثل هيامك، أليس كذلك يا جافين؟” قال جايس.

واصل حديثه، من الواضح أنه لا يتوقع إجابة. لم أكن أعرف شيئًا، واعتبر سيث معظم الأسئلة بلاغية.

“حقًا؟” سألت.

أطلقتُ نفسًا مرتجفًا ونحن نغادر الغرفة. موجة إشعاع قوية بما يكفي لهزّ الأبراج؟ هل يفتقدون المشعين والمهندسين في مهمة روتينية؟ لا شيء في هذا يُبشر بالخير.

“المشعون،” عَلى نباح مُدخن. دخل جوناثان “جاك” هوثورن —جندي مشاة بحرية سابق أصبح مشعًا، وهو الآن مدير العمليات في مجموعة فاليرا— إلى دائرة الضوء في قلب الغرفة.

بدا سيث غير متأثر، لكنني أعرف أن لديه تحفظاته. في المقام الأول، بشأن مشاركتي. مهما ارتدي قناعه الثابت، فأنا أعرف أنه منزعج.

شقّ جايس طريقه إلينا وسط الزحام نحو الباب. “هذا يستحق جائزة أغرب إحاطة. فوضى عارمة. وقد أوضحتُ أنني لا أعمل مع عائلة كالهون. أحدهم قلقٌ أكثر مما يُظهر، ألا تعتقد ذلك؟”

حشرنا أنفسنا في مصعد الأمن مع نصف فريق الإنقاذ، ثم تسللنا ببطء عبر القاعات السفلية في صفين، خلف كولتر ونائبته، ريا دان، في المقدمة. كانت مصاعد الخدمة المؤدية إلى السطح في الجهة الأخرى من البرج، مما اضطرّنا للمرور بجانب القاعة حيث كان الإيجاز ما يزال جاريًا.

“تورين!”

ولسوء الحظ، كان صحفيان أنيقان يتسكعان قرب الأبواب، فانتبهوا إلينا. تسللا إلى الخارج واعترضانا قبل أن نصل إلى المصاعد.

أطلقتُ أنفاسي التي كنتُ أحبسها وألقيتُ عليه نظرة امتنان، لكنه كان مشغولاً بالنظر إلى جافين بحاجبٍ ساخرٍ مرفوع.

“كولتر فاليرا!” نادت الصحفية الشابة، في أوائل العشرينيات من عمرها، بعينين متألقتين كما لو أنها رأت فرقتها الغنائية المفضلة. “سيث غراي!”

قبض سيث على فكه ثم ارتخى. “يمكنك فعل هذا. أعلم أنك تستطيع.”

تمتم كولتر متنهدًا، “بالطبع…”

صررت على أسناني وضغطت على شفتيّ ابتسامة رقيقة غير مكتملة. “حسنًا، لا تقلق.” تقدمنا بضع خطوات. “أنت صائغ رون، أليس كذلك؟”

توقفت ريا حين توقف هو، تعبث بمقابض فأسَيها التوأم. كانت امرأة ضخمة البنية، بشعر نصف محلوق بقسوة، وفكّ أكثر قسوة، وعينين عسليتين صارمتين برزتا بحدة على بشرتها السمراء اللامعة بلون الماهوغاني.

“ولكن ليس بمثل هيامك، أليس كذلك يا جافين؟” قال جايس.

قال الصحفي الآخر، رجل في منتصف العمر، وهو يدفع ميكروفونًا باتجاه كولتر بينما يمدّ عنقه قليلًا ليلقي بنظرة متوترة نحو ريا، “السيد فاليرا، ريتشارد هارتمن من شبكة NWB، هل يمكنني أن أطرح عليك بضعة أسئلة…؟”

قال فينتان بتجهم، “طفل…؟” لكن وجهه انفرج حين لفت جافين نظره إليّ بعينيه مباشرة. حينها ارتسمت على وجه فينتان ملامح فهم مفاجئ، وأطلق ضحكة مكتومة في صدره، تكاد تكون عصبية.

ارتسمت على وجه كولتر ابتسامة مشرقة، “بالطبع. سأجيب إن استطعت.” ثم التفت نحو ريا قائلًا، “تأكدي أن المروحيات محمّلة وأن الفريق جاهز.”

هززت كتفي. مع كل خطوة للأمام، ترتفع معدتي إلى حلقي. لم يبقَ أمامنا سوى بضعة صفوف من المشعين، واختفوا ثلاثة ثلاثة حتى لم يكن أحد أمامي، صائغ الرون، ورجل مقنع يرتدي زيًا أبيض وأصفرًا نظيفًا، والتقاطع على صدره يميزه بأنه طبيب. لم يكن هناك وقت للشك في أي شيء. وكأنني على وضع التشغيل الآلي، تقدمت إلى الشق.

ترددت ريا قليلًا، عيناها مثبتتان على مؤخرة رأس كولتر. وبعد لحظة توتر، استدارت فجأة، تتحرك على أطراف قدميها المكسوتين بالجلد كأنها مفترس. “سمعتموه. تحرّكوا!”

“في حوالي الساعة 1:24 ظهرًا، انبعثت نبضة من طاقة الإشعاع من شق برج الضوء. أبطلت هالتنا الواقية الموجة بأمان، وكان الأثر الجانبي الوحيد هو خلل طفيف في طاقة المباني. بفضل عمل وسحر كل من في هذه الغرفة، عملت جميع إجراءات الحماية العديدة لدينا بسلاسة. جولة من التصفيق لأنفسكم جميعًا!”

“سيث! سيث!” قالت الصحفية الشابة بلهاث وهي تلتف حول ريتشارد هارتمن. “أنا جايد يانوفيتز من مجلة المشهد، هل أستطيع—” لكن وجهها ارتخى حين رفع سيث يده بثبات قرب وجهه كجدار صدّ، وأجابها بجفاء حاسم، “لا.”

في المقدمة، هدرت محركات حاملة الإنزال الرئيسية، ورفعتها أربعة دوارات مغلفة عن منصة الهبوط. وعلى ارتفاع بضع عشرات من الأقدام، مالت بعيدًا، مما أتاح مساحة للناقلة الثانية للإقلاع. أمسكت غريزيًا بحافة مقعدي في الثواني التي سبقت إقلاعنا، الثالثة من أربع.

مر من أمامها بسرعة، واضطررتُ للإسراع لمواكبته.

لكنني لم أنتبه لما قاله ليون ونحن نصعد إلى الناقلة، وأحذيتنا تُصدر رنينًا معدنيًا في الممر بين مقاعد القفز المثبتة في الجدران. كان بالداخل بالفعل عدد من صائغي العظام الآخرين، ومسعف، واثنان من المشعين، بمن فيهم جايس، وجلستُ في المقعد الفارغ بجانبه، محصورًا بينه وبين سيث.

المشهد؟ كيف تسللت صحفية من صحيفة شعبية إلى هنا؟ لا بد أنها تحمل أوراق اعتماد مزورة.

“اضطررت لمد ساقيّ، لذلك كنت أقف في الخلف ورأيتك تمر.” شبكت هانا أصابعها مع أصابع سيث، ثم لاحظتني، وتغيّر وجهها. “ياللعجب، ماذا حدث لك؟”

ما إن ابتعدنا عن المراسلين، أمسكني سيث من كتفي وسحبني إلى جانب أحد مخارج القاعة العديدة، تاركًا الفريق يكمل طريقه بدوننا. “أريد أن أخبرك بشيء،” بدأ حديثه.

سقطتُ معه في عُقدةٍ من الأطراف والصرخات. ارتطمنا بالمنصّة الشبكية المنهارة، وشعرتُ بجسدي يلتفّ، عاجزًا عن تمييز الأعلى من الأسفل. كان تاج هو قبضة النجاة الوحيدة، فتشبّثتُ بكتفيه وحقيبته، محاولًا أن أجد موطئًا لقدمي. عندها اخترق شيءٌ حادّ طبقتَي الحماية على ساقي وغاص في ربلة ساقي.

“مهما كان هو فقد سمعته بالفعل،” رددتُ وأنا أشير إلى الكدمات الجديدة التي شعرتُ بها تملأ وجهي. “لقد ترك أثرًا كبيرًا، في الواقع.”

“تورين!”

هز سيث رأسه بتذمر خافت، ثم تجمد. تبعتُ عينيه، والتفتُّ لأرى هانا تتسلل خارج المدرج.

حشرنا أنفسنا في مصعد الأمن مع نصف فريق الإنقاذ، ثم تسللنا ببطء عبر القاعات السفلية في صفين، خلف كولتر ونائبته، ريا دان، في المقدمة. كانت مصاعد الخدمة المؤدية إلى السطح في الجهة الأخرى من البرج، مما اضطرّنا للمرور بجانب القاعة حيث كان الإيجاز ما يزال جاريًا.

“ماذا تفعلين هنا؟” سأل سيث وهو يهرع نحوها، ويده تمسح برفق جانب بطنها عندما وصل إليها.

“مهما كان هو فقد سمعته بالفعل،” رددتُ وأنا أشير إلى الكدمات الجديدة التي شعرتُ بها تملأ وجهي. “لقد ترك أثرًا كبيرًا، في الواقع.”

“اضطررت لمد ساقيّ، لذلك كنت أقف في الخلف ورأيتك تمر.” شبكت هانا أصابعها مع أصابع سيث، ثم لاحظتني، وتغيّر وجهها. “ياللعجب، ماذا حدث لك؟”

لكنني لم أنتبه لما قاله ليون ونحن نصعد إلى الناقلة، وأحذيتنا تُصدر رنينًا معدنيًا في الممر بين مقاعد القفز المثبتة في الجدران. كان بالداخل بالفعل عدد من صائغي العظام الآخرين، ومسعف، واثنان من المشعين، بمن فيهم جايس، وجلستُ في المقعد الفارغ بجانبه، محصورًا بينه وبين سيث.

“يجب أن ترين الرجل الآخر،” تمكنت من ذلك مبتسمًا.

كنت متلهفًا لمغادرة الجسر، فاتبعته بخطوات سريعة.

حوّلت هانا عينيها المتسعتين نحو أخي الذي تابع دون تردد، “لا يجب أن تكوني هنا.”

أجاب كولتر، “لدينا نقصٌ في فريق الدعم. معظم صائغي العظام الآخرين يرفعون المعدات إلى السطح.”

“لن يسمحوا لي بالمغادرة حتى أحضر هذه الإحاطة،” نفخت. “إذا أردت تسميتها بذلك. لا يوجد شيء مختصر فيها، والأمر برمته يبدو زائفًا.”

هز سيث رأسه بتذمر خافت، ثم تجمد. تبعتُ عينيه، والتفتُّ لأرى هانا تتسلل خارج المدرج.

“حقًا؟” سألت.

“لن يسمحوا لي بالمغادرة حتى أحضر هذه الإحاطة،” نفخت. “إذا أردت تسميتها بذلك. لا يوجد شيء مختصر فيها، والأمر برمته يبدو زائفًا.”

أومأت هانا برأسها. “قالوا إن أنظمة الأمان لم تتأثر بالزيادة المفاجئة، لكننا انقطعت الكهرباء في المختبر لعدة دقائق. لم تكن لدينا أضواء تعمل، ولا ضوابط بيئية… لا أمن! اضطر الدكتور لونغ إلى إغلاق إحدى وحدات الاحتواء بيديه العاريتين. المسكين تعرض للدغة! سيكون بخير في غضون أيام قليلة، ولكن مع ذلك!”

رفع إصبعه وأشار إلى حارس، الذي هرع إلى جانبنا.

حدق بي سيث كما لو أن وجود هانا في الأبراج كان فكرتي.

قالت بريسيلا لي، “اعذر ليون، لم يحصل على علاقة منذ وقت طويل. إلا إذا اعتبرتَ أنّ النظام هو من يجامعه… على حدّ قوله طبعًا.”

لحسن الحظ، قرأت هانا وجيهنا بطلاقة. “توقف عن هذا،” وبخته، وهي تسوي عباءته البالية ذات اللون الزيتوني على كتفيه. كانت أول هدية عيد ميلاد تقدمها له بعد أن بدأا المواعدة. “انتهى الأمر الآن. لنعيد إيسلا إلى المنزل. إنها ستصاب بالجنون هناك.”

لهثتُ وأنا أترنّح، ورأسي يدور، أُحاول أن أُبصر خلال بقعٍ سوداء آكلةٍ للرؤية كالنار تلتهم صورةَ فوتوغراف. تحوّل أنيني إلى صرخة، وركلتُ ساقَيّ المعلّقتين في الهواء.

“لا أستطيع،” قال سيث، رافعًا يد هانا إلى خده عندما حاولت سحبه.

قيّمني كولتر بإيجاز، لكن عينيه عادتا إلى سيث. “أفهم وجهة نظرك، لكنني بحاجة إلى كل شخص متاح، سواءً كان مشع أم لا. التكتل يُواجه هذا الأمر بقوة وسرعة. حتى أنهم استعانوا بعمال مستقلين كبدائل في اللحظات الأخيرة. أنا متأكد من أنك تُدرك حجم المخاطر إذا تفاقمت هذه المشكلة.”

“لا نستطيع،” صححت.

صرخاتٌ مبتورة دوَّت عبر جوف الشقّ ثم انقطعت من جديد.

“لماذا لا؟” نظرت إلينا هانا، عابسة. “ما الذي يحدث؟”

ارتطمت حاملة الإنزال مع أزيز الدوارات. أمسكت الرياح المعاكسة بالحاملة وهزتها. قفز قلبي إلى حلقي، ونظرت غريزيًا إلى سيث، وكان وجهه يحدق للأمام مباشرة، ولغة جسده مريحة. لا داعي للقلق. استقرت الحاملة في ثوانٍ.

استقام سيث وقال، “بحاجة إلينا في الشق.”

بينما التقطت حقيبتي من حيث أُلقيت وانضممت إلى الطابور، أشار إلى سيث وفينتان وريا. من هنا، غطى هدير محركات الناقل على الأمر، لكن المشعين الثلاثة المختارين اصطفوا على حافة الممر الذي يربط بين المنصتين المستقبلتين. شاهدت سيث يهز يديه ويمد رقبته. وبصيحة من ريا، انغمس في الضوء الذهبي. حل ثلاثي آخر محل سيث في ثوانٍ، وامتد صفان أسفل الممر.

“أنتما الاثنان؟ أوه.” حاولت أن تُعيد ترتيب وجهها ليبتسم. “أول مرة في الوظيفة الجديدة، أليس كذلك؟” شدّت شفتاها، تُكافح للحفاظ على ثباتها وهي تنظر إلى سيث. “ما هي الوظيفة تحديدًا؟”

أدرتُ رأسي فوق كتفي. كان سيث يطوّق خصري بذراعٍ واحدة، والأخرى ممدودة ممسكة بسورٍ معدني مثبّت في جدار الكهف. أمّا المنحدر أو السلّم الذي كان السور جزءًا منه فقد اختفى. وراءه، برزت ثلاثُ هيئات أخرى من فم الشقّ الذهبي لجسر الضوء، لكنهم تدحرجوا من على المنصّة المدمَّرة وسقطوا رأسًا في الجوف القرمزي الفاغر للشقّ الثاني.

فرّغ سيث شفتيه، لكن لم يخرج منه صوت.

“يجب أن ترين الرجل الآخر،” تمكنت من ذلك مبتسمًا.

قاطعته قائلًا، “سأذهب فقط لأتفقد بعض المهندسين.*

بفضل دعم جايس، قابلتُ عين ماثيو بتحدي خاص بي —نظرة محايدة واثقة تحدّيته أن يُحاول كسرها.

“أوه.” ارتخى كتفي هانا. تركت سيث لتضغط على ذراعي، وأنفها يتجهم في ابتسامة أكثر صدقًا. “حسنًا، أرهم ما يمكنك فعله، تمامًا كما فعلت في المختبر اليوم. العب على نقاط قوتك؛ لديك الكثير منها.”

أجاب كولتر، “لدينا نقصٌ في فريق الدعم. معظم صائغي العظام الآخرين يرفعون المعدات إلى السطح.”

تلويت تحت وطأة مديحها البهيج.

“لم أكن أعلم أنك قد رُقيت.” لم أستطع قراءة نبرته، لكنه ناولني إحدى المجموعات لتكملة الإمدادات في حقيبتي الرياضية، وقررت أن أعتبر ذلك لفتة ودية.

قال سيث ببرود، “مشكلته هي أن أخذ النصائح الجيدة ليس من بينها.”

“شكرًا. نعم. مباشرة بعد أن تحدثنا بالأمس، في الواقع. في الشق.”

“لا، فقط لا آخذ نصائحك،” رددت عليه بحدة. “أنا دائمًا أستمع إلى هانا.*

سيطر الشق على رؤيتي. ربطت العوارض والممرات حلقة الاحتواء بسقفي البرجين، موفرةً إطارًا لسلسلة المعدات الميكانيكية والأنابيب التي كان مهندسو وعلماء الكونجلوميريت يستخدمونها يوميًا. مع ذلك، لم تكن شبكة السقالات والسلالم مثالية لنقل مجموعة من المشعين وصائغي العظام المثقلين إلى الشق.

“وأنت تستمع إلي جيدًا،” قالت وهي تهز إصبعها على أنف سيث بينما تدفع نفسها للأعلى على أطراف أصابعها. “لا تستغرق وقتًا طويلاً.” قبلت شفتيه. “ودع تورين يكون تورين. إنه قادر على ذلك.”

حوّلت هانا عينيها المتسعتين نحو أخي الذي تابع دون تردد، “لا يجب أن تكوني هنا.”

أمسك سيث بإصبعها الموبخ بين راحتي يديه وضغط على يدها ضغطة خفيفة. “سأراكما في المنزل،” قال دون أن يعد بشيء. تركنا هانا وركضنا نحو المصاعد. كان كولتر يقف بجانب أقرب مصعد، يُلقي بعض الكلمات الأخيرة على الصحفيين.

تلويت تحت وطأة مديحها البهيج.

“سنرى ما سيحدث،” ضحك، وهو يميل إلى إطار باب المصعد، مرتاحًا تمامًا. “استمتعوا ببقية الإحاطة.”

بدا سيث غير متأثر، لكنني أعرف أن لديه تحفظاته. في المقام الأول، بشأن مشاركتي. مهما ارتدي قناعه الثابت، فأنا أعرف أنه منزعج.

لفت نظري إليه بيده الملوّحة وقلتُ في نفسي، “انتظر.”

“هاه،” كان كل ما قاله ردًا.

أبقى كولتر ذراعه مثبتة على الباب ولفّها جانبًا لنا.

ألْفُ مخلبٍ من ضوءٍ قرمزي اخترق عينيَّ ونحن نعبر إلى قلب الشقّ، وانفجرت أذناي من الضغط. تشوّهت صرخاتنا أولًا، ثم انطلقت واضحة حين تلاشى ثِقَل الشقّ فجأة، وارتفعت أرض غابةٍ مظلمة لتستقبلنا.

“شكرًا،” أقررتُ بينما أُغلقت الأبواب.

ابتلعت ريقي بصعوبة ونظرت من النافذة.

“بالتأكيد.” ضغط كولتر زر السطح. “لماذا لستما مع الفرقة؟”

تلاشى دويّ الرعد المتدحرج إلى طنين منخفض، فاعتدلتُ ونظرت إلى سيث الواقف بجانبي عند النافذة. قال وهو يقطب حاجبيه حتى صارا على شكل حرف V حاد،”هيا.”

“لا ينبغي أن يكون تورين في هذه المهمة،” قال سيث، متجاهلًا سؤال كولتر.

طفا وجه تاج وسط بحيرة الضوء الداخلي للشقّ، ثم برزت كتفاه وجذعه وإحدى ساقيه الممدودة فوق الفراغ. اصطدمنا معًا في اللحظة نفسها التي بدأ فيها بالسقوط.

على الرغم من أنني كنت أنتظر ذلك، إلا أنني ما زلتُ عاجزًا عن الكلام من الغضب والإحراج.

قطعتُ هذه الأفكار، وأجبرتُ نفسي على التنفس. لقد وافقتُ على هذا، ذكّرتُ نفسي. لقد خضتُ أكثر من اثني عشر شقًا. وهذا الشق ليس مختلفًا.

“إنه غير مُدرّب على هذا،” تابع سيث، “ونحن نقدم على ذلك عميانًا. أرسلوه مع المهندسين خلفنا. قد يستفيدون منه.”

“مهما كان هو فقد سمعته بالفعل،” رددتُ وأنا أشير إلى الكدمات الجديدة التي شعرتُ بها تملأ وجهي. “لقد ترك أثرًا كبيرًا، في الواقع.”

“لا.” وجدتُ صوتي ونظرتُ إلى كولتر مباشرةً. “لم أعد جزءًا من فريق التنظيف.”

“يجب أن ترين الرجل الآخر،” تمكنت من ذلك مبتسمًا.

قيّمني كولتر بإيجاز، لكن عينيه عادتا إلى سيث. “أفهم وجهة نظرك، لكنني بحاجة إلى كل شخص متاح، سواءً كان مشع أم لا. التكتل يُواجه هذا الأمر بقوة وسرعة. حتى أنهم استعانوا بعمال مستقلين كبدائل في اللحظات الأخيرة. أنا متأكد من أنك تُدرك حجم المخاطر إذا تفاقمت هذه المشكلة.”

ارتفعت معدتي إلى حلقي ثم هويتُ فجأة عدة بوصات، فارتطمت قدماي بسطحٍ صلب مائل، وانثنت ساقاي بينما اندفعتُ إلى الأمام. انفجرت نجومٌ في عيني، أعمَت بصري.

“وإذا أرسلنا أشخاصًا غير مُستعدين، فسيكون لدينا عدد أكبر من الضحايا إذا ساءت الأمور،” عارض سيث.

“لا، فقط لا آخذ نصائحك،” رددت عليه بحدة. “أنا دائمًا أستمع إلى هانا.*

غمرني الغضب، وفتحتُ فمي للدفاع عن نفسي مرة أخرى.

ارتدى آل كالهون وبعض المشعين الآخرين دروعًا من الجلد أو العظم، وأساورًا للذراعين، وقفازات فوق ملابسهم الجلدية الرسمية، واقفين في هالة مشتركة حجبتهم عن عاصفة المطر كظلة. وفوق كل ذلك، القو حلقة شق جسر الضوء الذهبية ضوءًا خافتًا على سطحي البرجين.

زفر كولتر من أنفه ونظر إليّ. “أخبرني أنت. هل أنت مُستعد لهذا؟”

أطلقتُ نفسًا مرتجفًا ونحن نغادر الغرفة. موجة إشعاع قوية بما يكفي لهزّ الأبراج؟ هل يفتقدون المشعين والمهندسين في مهمة روتينية؟ لا شيء في هذا يُبشر بالخير.

“أنا —نعم. مئة بالمئة،” تعهدتُ.

رفع إصبعه وأشار إلى حارس، الذي هرع إلى جانبنا.

“جيد،” قال كولتر، مُواجهًا الباب بينما توقف المصعد. رفع يده ليمنع أي جدال آخر من سيث. “لننضم إلى زملائنا في الفريق.”

“ماذا تفعلين هنا؟” سأل سيث وهو يهرع نحوها، ويده تمسح برفق جانب بطنها عندما وصل إليها.

في اللحظة التي فُتحت فيها الأبواب، هبت الرياح المعاكسة عبر السطح وهبت المطر على وجهي. رفع كل من سيث وكولتر ذراعيهما المتوهجتين، فتبخرت قطرات المطر إلى سحابة كهرمانية من البخار والإشعاع.

لو خرجتُ من الجهة الأخرى وتجاوزتُ الحاجز، فسوف—

ارتدى آل كالهون وبعض المشعين الآخرين دروعًا من الجلد أو العظم، وأساورًا للذراعين، وقفازات فوق ملابسهم الجلدية الرسمية، واقفين في هالة مشتركة حجبتهم عن عاصفة المطر كظلة. وفوق كل ذلك، القو حلقة شق جسر الضوء الذهبية ضوءًا خافتًا على سطحي البرجين.

سحبت الرياح سترتي ودفعت المطر اللاذع إلى عيني. واحدًا تلو الآخر، قفز الصائغون الآخرون والمسعفون إلى المنصة. ساعد سيث في الإمساك بهم وتثبيتهم، ولكن بعد كل واحد منهم، قفزت نظراته إليّ واهتزت بنظرة تقول، فقط ابق. عد مع هذه الحاملة إلى البرج الأول. العار أفضل من الموت.

ركضتُ بين سيث وكولتر، متجاوزًا عشرات الرجال والنساء الذين يرتدون سترات صفراء عاكسة زاهية، يتخللهم المشعون، وصائغو العظام، والمسعفون، وجميعهم يجهّزون المعدات. خرجت ريا من الهالة لملاقاتنا، غير مبالية بالأمطار المنهمرة.

“مهما كان هو فقد سمعته بالفعل،” رددتُ وأنا أشير إلى الكدمات الجديدة التي شعرتُ بها تملأ وجهي. “لقد ترك أثرًا كبيرًا، في الواقع.”

قالت وهي تهز رأسها نحو تيار ثابت من الفنيين الذين كانوا يلقون حقائب سوداء ضخمة في سلسلة من السفن الناقلة، “آخر المعدات تصل الآن. معظم الطاقم قد صعدوا بالفعل وبدؤوا في ارتداء تجهيزاتهم.” ثم تقدّمت خطوة نحو كولتر، ملقية عليّ نظرة جانبية، ثم إلى الناقلات البعيدة مع خط متجهم بين حاجبيها، وقالت “خليط غير متجانس نوعًا ما. أيُّ مسؤول متشدّد هو الذي رتّب هذا؟”

المشهد؟ كيف تسللت صحفية من صحيفة شعبية إلى هنا؟ لا بد أنها تحمل أوراق اعتماد مزورة.

“كلنا يدٌ واحدةٌ على سطح السفينة يا ريا،” كان هذا كل ما قاله كولتر وهو يمرّ من أمامها.

حشرنا أنفسنا في مصعد الأمن مع نصف فريق الإنقاذ، ثم تسللنا ببطء عبر القاعات السفلية في صفين، خلف كولتر ونائبته، ريا دان، في المقدمة. كانت مصاعد الخدمة المؤدية إلى السطح في الجهة الأخرى من البرج، مما اضطرّنا للمرور بجانب القاعة حيث كان الإيجاز ما يزال جاريًا.

تبادلتُ نظرةً سريعةً مع سيث، لكن إن كان لديه أي اعتراضٍ على شكاوى ريا، فلم يُبدِ أيَّ إشارة.

“لا، فقط لا آخذ نصائحك،” رددت عليه بحدة. “أنا دائمًا أستمع إلى هانا.*

تسللت ريا خلف كولتر، ودون أن تنظر إلينا، ألقت إبهامها على إحدى حاملات الأفراد الرباعية المصفوفة عند الحافة الشرقية. قاد سيث الطريق، وتحققت شابةٌ مُشعثةٌ من أسمائنا في قائمة.

“سنرى ما سيحدث،” ضحك، وهو يميل إلى إطار باب المصعد، مرتاحًا تمامًا. “استمتعوا ببقية الإحاطة.”

“سيث غراي.” تهادت امرأة بيننا وبين درج التحميل. “لم أكن أعلم أن هذه الوظيفة ستجلب لنا ملوكًا مشعين.” انسدل شعرها الأسود في موجات حول وجهها، مُؤطِّرًا عينيها المتباينتي اللون: إحداهما داكنة كعقيق يماني، والأخرى ذهبية دافئة كالرودين.

“لم أكن أعلم أنك قد رُقيت.” لم أستطع قراءة نبرته، لكنه ناولني إحدى المجموعات لتكملة الإمدادات في حقيبتي الرياضية، وقررت أن أعتبر ذلك لفتة ودية.

“بريسيلا،” قال سيث، بالكاد ينظر إليها.

سقطتُ معه في عُقدةٍ من الأطراف والصرخات. ارتطمنا بالمنصّة الشبكية المنهارة، وشعرتُ بجسدي يلتفّ، عاجزًا عن تمييز الأعلى من الأسفل. كان تاج هو قبضة النجاة الوحيدة، فتشبّثتُ بكتفيه وحقيبته، محاولًا أن أجد موطئًا لقدمي. عندها اخترق شيءٌ حادّ طبقتَي الحماية على ساقي وغاص في ربلة ساقي.

ارتعشت شفتاها في ابتسامة موناليزا، ولعبت بمقبض خنجر، واحد من خناجر عديدة مغمدة بحزام حول جذعها. “دائمًا ما يكون عابسًا،” صرخت، ومدت يدها كما لو كانت ستهز ذقنه، لكنه أبعد فكه. ضحكت بريسيلا ضحكة خفيفة، ثم مرت بنا وهي تنادي، “مهلًا يا ليون، ما الذي حدث للتقاعد؟ ظننتُ أنك قلتَ آخر مرة رأيتك فيها، وأقتبس…”

“يجب أن ترين الرجل الآخر،” تمكنت من ذلك مبتسمًا.

لكنني لم أنتبه لما قاله ليون ونحن نصعد إلى الناقلة، وأحذيتنا تُصدر رنينًا معدنيًا في الممر بين مقاعد القفز المثبتة في الجدران. كان بالداخل بالفعل عدد من صائغي العظام الآخرين، ومسعف، واثنان من المشعين، بمن فيهم جايس، وجلستُ في المقعد الفارغ بجانبه، محصورًا بينه وبين سيث.

“شكرًا،” أقررتُ بينما أُغلقت الأبواب.

“تورين.”

أنا أسرعُ أكثر مما يجب!

انحنيتُ لأفتح سحاب حقيبتي، لكنني رفعتُ رأسي عندما سمعتُ اسمي لأجد تاج يصعد من الخلف ومعه مجموعتان من أدوات الصياغة. أومأ برأسه. فأومأتُ له.

أخيرًا نقدر نقول بدأت الرواية إلى حد ما..

“لم أكن أعلم أنك قد رُقيت.” لم أستطع قراءة نبرته، لكنه ناولني إحدى المجموعات لتكملة الإمدادات في حقيبتي الرياضية، وقررت أن أعتبر ذلك لفتة ودية.

سأل فينتان كالهون، وهو شخص شاحب في الزاوية بعيون كوبالتية غائرة، “هذا الشق خالٍ من الوحوش. لماذا نرسل المشعين؟”

“شكرًا. نعم. مباشرة بعد أن تحدثنا بالأمس، في الواقع. في الشق.”

“كولتر فاليرا!” نادت الصحفية الشابة، في أوائل العشرينيات من عمرها، بعينين متألقتين كما لو أنها رأت فرقتها الغنائية المفضلة. “سيث غراي!”

“هاه،” كان كل ما قاله ردًا.

نظر إليّ وعقد حاجبيه. “صائغ عظام خامل؟ هذا حقًا يتطلب تضافر الجهود، أليس كذلك؟ لا أقصد الإساءة.”

خلفه، لاحظت انشغال بعض صائغي العظام الآخرين بارتداء ملابسهم أو تعديل معداتهم. انشغلت بنفس الشيء، وخلعت ملابسي الرياضية ذات الرائحة الكريهة بينما أخرج سيث درعه الأبيض من حقيبته. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أغير فيها ملابسي أمام الناس —لقد كان ذلك خطرًا مهنيًا— ولكن عادةً ما يكون هناك مساحة أكبر قليلًا للخصوصية من مقاعد حاملة الإنزال التي توفرها. شعرت بالعيون تراقبني وأنا أسحب ملابس داخلية طويلة منسوجة من ألياف الوحوش فوق وركي. نظرت لأعلى لألتقي بنظرة بريسيلا السوداء والصفراء التي تستقر أمامي وسحبتُ بسرعة قميصًا طويل الأكمام من ألياف الوحوش فوق رأسي. أحاط بها رجل أكبر سنًا ذو شارب أشقر خفيف وقصة شعر عسكرية قصيرة، ممسكًا بمطرقة حرب عظمية برأس مدبب بحجم رأس ثور كما لو كانت لا شيء وهو يعيد لف المقبض الجلدي على العمود.

لقد كان شقًّا ثانيًا. شقًّا داخل شقّ.

تمالك نفسك.

ارتعشت شفتاها في ابتسامة موناليزا، ولعبت بمقبض خنجر، واحد من خناجر عديدة مغمدة بحزام حول جذعها. “دائمًا ما يكون عابسًا،” صرخت، ومدت يدها كما لو كانت ستهز ذقنه، لكنه أبعد فكه. ضحكت بريسيلا ضحكة خفيفة، ثم مرت بنا وهي تنادي، “مهلًا يا ليون، ما الذي حدث للتقاعد؟ ظننتُ أنك قلتَ آخر مرة رأيتك فيها، وأقتبس…”

قال جافين وهو يمرّ مع فينتان في الممر، “آه، انظر يا صاح، الطفل غراي يحمرّ خجلًا.” وأطلق ابتسامة متعجرفة، كاشفًا عن أسنان ناصعة البياض ومربّعة لدرجة بدت معها كقطع علكة بالنعناع.

“يجب أن ترين الرجل الآخر،” تمكنت من ذلك مبتسمًا.

قال فينتان بتجهم، “طفل…؟” لكن وجهه انفرج حين لفت جافين نظره إليّ بعينيه مباشرة. حينها ارتسمت على وجه فينتان ملامح فهم مفاجئ، وأطلق ضحكة مكتومة في صدره، تكاد تكون عصبية.

قطعتُ هذه الأفكار، وأجبرتُ نفسي على التنفس. لقد وافقتُ على هذا، ذكّرتُ نفسي. لقد خضتُ أكثر من اثني عشر شقًا. وهذا الشق ليس مختلفًا.

انضمّ جافين إلى ضحكه وهو يومئ موافقًا، ثم قال بابتسامته الثابتة “ليس لديك أدنى فكرة عمّا يُضحك، أليس كذلك؟” ثم صفع صدر فنتان بكفّه من الخلف بقوة وأضاف، “إنه يذوب هيامًا ببرسيلا، يا غبي.”

“سيث غراي.” تهادت امرأة بيننا وبين درج التحميل. “لم أكن أعلم أن هذه الوظيفة ستجلب لنا ملوكًا مشعين.” انسدل شعرها الأسود في موجات حول وجهها، مُؤطِّرًا عينيها المتباينتي اللون: إحداهما داكنة كعقيق يماني، والأخرى ذهبية دافئة كالرودين.

“ولكن ليس بمثل هيامك، أليس كذلك يا جافين؟” قال جايس.

“تورين!”

أطلقتُ أنفاسي التي كنتُ أحبسها وألقيتُ عليه نظرة امتنان، لكنه كان مشغولاً بالنظر إلى جافين بحاجبٍ ساخرٍ مرفوع.

“لا نستطيع،” صححت.

ضحكت بريسيلا، وهذه المرة كان صوتها رنين أجراس. وجهت ابتسامةً وحشيةً إلى جافين —أقرب إلى كشف أسنانه— ثم خففت من ابتسامتها وغمزت لي. “الطفل سيث لديه فرصة أفضل.”

قيّمني كولتر بإيجاز، لكن عينيه عادتا إلى سيث. “أفهم وجهة نظرك، لكنني بحاجة إلى كل شخص متاح، سواءً كان مشع أم لا. التكتل يُواجه هذا الأمر بقوة وسرعة. حتى أنهم استعانوا بعمال مستقلين كبدائل في اللحظات الأخيرة. أنا متأكد من أنك تُدرك حجم المخاطر إذا تفاقمت هذه المشكلة.”

“أوه، حقًا؟” للحظة، التفت جافين نحوي وصدره منتفخ كالكلب المتمايل، ثم نظر إلى عبوس سيث الجامد وتراجع عن الأمر، ثم التفت نحو مؤخرة الحاملة وقال بحدة، “حسنًا، إن لم يمت الخامل، فسنرى كيف ستسير الأمور. هيا يا فينتان.”

على الرغم من أنني كنت أنتظر ذلك، إلا أنني ما زلتُ عاجزًا عن الكلام من الغضب والإحراج.

مع حرارة رقبتي، جذبتُ بذلة العمل الملطخة فوق ملابسي الداخلية، متمنيًا لو أستطيع الاختفاء في الخلفية كعادتي. استبدلتُ الأحذية الرياضية بالأحذية الطويلة، وربطتُ سترتي الثقيلة، والجيوب مليئة بمعداتي الشخصية. ارتديتُ نظارتي الواقية، وتركتها تتدلى حول رقبتي بينما أنقل أفضل الأغراض من المجموعة المُجهزة إلى حقيبتي الشخصية. أغلقتُ سحاب الحقيبة، ووضعتها على حضني وانتظرتُ.

“وأنت تستمع إلي جيدًا،” قالت وهي تهز إصبعها على أنف سيث بينما تدفع نفسها للأعلى على أطراف أصابعها. “لا تستغرق وقتًا طويلاً.” قبلت شفتيه. “ودع تورين يكون تورين. إنه قادر على ذلك.”

“أنت خامل؟” سألني المشع بمطرقة الحرب، وهو يلامس كتف بريسيلا وهو يميل إلى الأمام كما لو كان يريد إلقاء نظرة أقرب على القرد في حديقة الحيوانات. سخر من مؤخرة حلقه، وهز رأسه وهو يتراجع، وقال، “وقود مدافع. كلنا وقود مدافع.”

“سيث! سيث!” قالت الصحفية الشابة بلهاث وهي تلتف حول ريتشارد هارتمن. “أنا جايد يانوفيتز من مجلة المشهد، هل أستطيع—” لكن وجهها ارتخى حين رفع سيث يده بثبات قرب وجهه كجدار صدّ، وأجابها بجفاء حاسم، “لا.”

قالت بريسيلا لي، “اعذر ليون، لم يحصل على علاقة منذ وقت طويل. إلا إذا اعتبرتَ أنّ النظام هو من يجامعه… على حدّ قوله طبعًا.”

انحنى سيث نحوي، ممسكًا بسيفه المغمد في إحدى يديه. “تجاهلهم. كلانا يعلم أن مهاراتك في الصياغة ليست هي المشكلة. ركّز. تذكّر تدريبك.”

النظرة القاتمة التي صوّبها نحوها ذكّرتني بسيث، وكدت أن أضحك… قبل أن يقول صوت مألوف من الأمام، “أنا مع ليون.”

————————

ثبّتني ماثيو بنفس النظرة الانتقامية التي استخدمها عندما صحّحتُ أسلوب استخراج رمحه. “من سمح للخامل بالدخول؟”سأل وهو يدفع أرنولد، الذي كان يربط حزام الأمان في المقعد بجانبه. “ننتظره حتى يُصلح أسلحتنا، وسنموت جميعًا.”

رمشتُ إليه، وأنا أكافح لأجد صوتي.

قال جايس بنبرة لطيفة كنسيم الصيف، مع أن ابتسامته كانت كقطعة من جليد الشتاء، “إذا انتهى بك الأمر ميتًا، فذلك لأنك لا تعرف متى تتوقف عن الكلام الفاحش.”

سار موظفو العمليات ذهابًا وإيابًا في الطوابير المتغيرة، يطلبون الشارات من حين لآخر. توقف أحدهم بجانبنا في الثانية التي لاحظ فيها سيث.

بفضل دعم جايس، قابلتُ عين ماثيو بتحدي خاص بي —نظرة محايدة واثقة تحدّيته أن يُحاول كسرها.

وافقه شقيقه جافين أسمر البشرة وواسع الصدر، وهو ينقر بأصابعه بإيقاع ممل على مؤخرة مسدس الشظايا في جرابه على وركه، “لسنا جليسي أطفال.” عادةً ما كنت أتجنبهما. تبختر جافين كما لو أنه خرج لتوه من فيلم سينمائي، وسمعت شائعات عن أن فينتان يحب اللعب بالجثث.

انحنى سيث نحوي، ممسكًا بسيفه المغمد في إحدى يديه. “تجاهلهم. كلانا يعلم أن مهاراتك في الصياغة ليست هي المشكلة. ركّز. تذكّر تدريبك.”

ابتلعت ريقي بصعوبة ونظرت من النافذة.

هل كان ذلك… مجاملة تقريبًا؟

وافقه شقيقه جافين أسمر البشرة وواسع الصدر، وهو ينقر بأصابعه بإيقاع ممل على مؤخرة مسدس الشظايا في جرابه على وركه، “لسنا جليسي أطفال.” عادةً ما كنت أتجنبهما. تبختر جافين كما لو أنه خرج لتوه من فيلم سينمائي، وسمعت شائعات عن أن فينتان يحب اللعب بالجثث.

ضرب أحدهم جانب الناقلة، وفي الخارج بدأ عدة أشخاص يرتدون سترات صفراء في التراجع. قفزت أعصابي عندما أعلن الطيار عن إقلاعنا الفوري.

“لا، فقط لا آخذ نصائحك،” رددت عليه بحدة. “أنا دائمًا أستمع إلى هانا.*

في المقدمة، هدرت محركات حاملة الإنزال الرئيسية، ورفعتها أربعة دوارات مغلفة عن منصة الهبوط. وعلى ارتفاع بضع عشرات من الأقدام، مالت بعيدًا، مما أتاح مساحة للناقلة الثانية للإقلاع. أمسكت غريزيًا بحافة مقعدي في الثواني التي سبقت إقلاعنا، الثالثة من أربع.

سقطتُ معه في عُقدةٍ من الأطراف والصرخات. ارتطمنا بالمنصّة الشبكية المنهارة، وشعرتُ بجسدي يلتفّ، عاجزًا عن تمييز الأعلى من الأسفل. كان تاج هو قبضة النجاة الوحيدة، فتشبّثتُ بكتفيه وحقيبته، محاولًا أن أجد موطئًا لقدمي. عندها اخترق شيءٌ حادّ طبقتَي الحماية على ساقي وغاص في ربلة ساقي.

ارتطمت حاملة الإنزال مع أزيز الدوارات. أمسكت الرياح المعاكسة بالحاملة وهزتها. قفز قلبي إلى حلقي، ونظرت غريزيًا إلى سيث، وكان وجهه يحدق للأمام مباشرة، ولغة جسده مريحة. لا داعي للقلق. استقرت الحاملة في ثوانٍ.

توقف المصعد، وأرشدنا إلى غرفة واسعة ذات نوافذ كثيفة تطل على القاعة التي تحتنا. ألقت شاشات التلفزيون وشاشات الكمبيوتر ضوءًا شبحيًا على المكتب الخافت والمزدحم. في الزاوية البعيدة، رفع جايس يده مشيرًا.

لفتت ضحكة مكتومة انتباهي إلى آل كالهون، وكان جافين ينظر إليّ بنظرة جانبية وهو يتمتم في أذن فينتان. نفخ ليون في وجهي، وشفته العليا ملتوية وهو يسحب حذائه للخلف كأنني سأتقيأ منه.

طفا وجه تاج وسط بحيرة الضوء الداخلي للشقّ، ثم برزت كتفاه وجذعه وإحدى ساقيه الممدودة فوق الفراغ. اصطدمنا معًا في اللحظة نفسها التي بدأ فيها بالسقوط.

ابتلعت ريقي بصعوبة ونظرت من النافذة.

“من هنا، من فضلكما.”

سيطر الشق على رؤيتي. ربطت العوارض والممرات حلقة الاحتواء بسقفي البرجين، موفرةً إطارًا لسلسلة المعدات الميكانيكية والأنابيب التي كان مهندسو وعلماء الكونجلوميريت يستخدمونها يوميًا. مع ذلك، لم تكن شبكة السقالات والسلالم مثالية لنقل مجموعة من المشعين وصائغي العظام المثقلين إلى الشق.

الفصل 5 – داخل الشق 

هدرت حلقة الاحتواء كما ينبغي، بالكاد تُسمع تحت أزيز دوارات حاملة الإنزال. ربما كانت المشكلة الميكانيكية التي تسببت في ارتفاعات الطاقة قد حُلت بالفعل. حاولت ألا أعتبر نفسي جبانًا لتمنيي أن يكون الأمر مجرد سوء فهم غريب، وأننا سندخل ذلك الشق لنجد مجموعة من الباحثين المشوشين منشغلين بأعمالهم، جاهلين بالضجة التي أحدثوها.

“المشعون،” عَلى نباح مُدخن. دخل جوناثان “جاك” هوثورن —جندي مشاة بحرية سابق أصبح مشعًا، وهو الآن مدير العمليات في مجموعة فاليرا— إلى دائرة الضوء في قلب الغرفة.

كانت أولى المركبات تصطف بالفعل بين منصتين متطابقتين تشبهان رصيفين، مما سمح بتوصيل معدات ثقيلة جدًا على الممرات. رغم المطر الغزير، علقت الحاملة على حافة منصة الاستقبال تمامًا كما لو أنها معلقة بسلاسل ثابتة.

أمسك سيث بإصبعها الموبخ بين راحتي يديه وضغط على يدها ضغطة خفيفة. “سأراكما في المنزل،” قال دون أن يعد بشيء. تركنا هانا وركضنا نحو المصاعد. كان كولتر يقف بجانب أقرب مصعد، يُلقي بعض الكلمات الأخيرة على الصحفيين.

تعرفتُ على ريا دان عندما قفزت أولًا، ولكن مع ارتفاع مركبتنا لتجنب شبكة الكابلات، لم أستطع تمييز من كان، إذ خرجت حقائب المعدات والطاقم خلفها. انتظرنا تفريغ أول حاملتين، وهما تحومان قرب مركز الشق. في الضوء الخافت، محاطين بالضباب، وعلى ارتفاع ألف قدم في الهواء، كان الأمر أشبه بالتحديق في عين وحش أسطوري عملاق. إلا أن ذلك لم يكن صحيحًا، بل كان أشبه بفم، على وشك ابتلاعنا جميعًا وإسقاطنا في…

سأل فينتان كالهون، وهو شخص شاحب في الزاوية بعيون كوبالتية غائرة، “هذا الشق خالٍ من الوحوش. لماذا نرسل المشعين؟”

قطعتُ هذه الأفكار، وأجبرتُ نفسي على التنفس. لقد وافقتُ على هذا، ذكّرتُ نفسي. لقد خضتُ أكثر من اثني عشر شقًا. وهذا الشق ليس مختلفًا.

“كلنا يدٌ واحدةٌ على سطح السفينة يا ريا،” كان هذا كل ما قاله كولتر وهو يمرّ من أمامها.

وبينما ننتظر، شغلتُ نفسي بالتحقق من جيوبي المختلفة وحواجز حقيبتي للتأكد من أنني أملك كل ما أحتاجه. كنت على وشك النفاد من المذيبات، إذ لم يكن لديّ وقت لصنع المزيد منذ الشق بالأمس، ولكن بخلاف ذلك، كنت في حالة جيدة. إذا تواجد وحش متحول داخل هذا الشق، فسيكون دوري الأساسي هو إجراء إصلاحات سريعة للمعدات، واستعادة الرماح من الوحوش الساقطة، وحصاد بعض المكونات القيّمة التي لن تدوم بعد موت الوحوش.

“إذا سقطت تلك الحلقة، سنموت.”

تقلصت معدتي عندما بدأت حاملة الإنزال في النزول نحو منصات الاستقبال الشبكية الفولاذية. بكلمة من السائق، انطلق المشعون على أقدامهم. كان سيث أول من قفز إلى العناصر. عندما تبعه الآخرون، بدأ صائغو العظام في تمرير الأكياس من مؤخرة الحاملة. انتهى بي الأمر أنا وتاج عند الباب، ونلقي الأكياس إلى الأسفل. بمجرد الانتهاء من ذلك، قفز تاج للخارج دون تردد.

أنا أسرعُ أكثر مما يجب!

سحبت الرياح سترتي ودفعت المطر اللاذع إلى عيني. واحدًا تلو الآخر، قفز الصائغون الآخرون والمسعفون إلى المنصة. ساعد سيث في الإمساك بهم وتثبيتهم، ولكن بعد كل واحد منهم، قفزت نظراته إليّ واهتزت بنظرة تقول، فقط ابق. عد مع هذه الحاملة إلى البرج الأول. العار أفضل من الموت.

ارتدى آل كالهون وبعض المشعين الآخرين دروعًا من الجلد أو العظم، وأساورًا للذراعين، وقفازات فوق ملابسهم الجلدية الرسمية، واقفين في هالة مشتركة حجبتهم عن عاصفة المطر كظلة. وفوق كل ذلك، القو حلقة شق جسر الضوء الذهبية ضوءًا خافتًا على سطحي البرجين.

كرهت أنني أستطيع قراءته جيدًا.

“لا نستطيع،” صححت.

صررت على أسناني، وأمسكت بالسور الممتد على طول الجزء العلوي من باب المقصورة المنزلق واستخدمته لألقي بنفسي من الحاملة الرباعية المروحية.

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

أمسكت بي الرياح، ولوحتُ بيدي. انتزعت قبضة سيث مقدمة سترتي، وضربت قدمي المنصة برفق. بإيماءة قصيرة، تركني أذهب، واستدار ليشق طريقه عبر مجموعة أعضاء الفريق المساعد نحو المقدمة، حيث كان كولتر يصرخ بالأوامر على الرياح والدوارات.

“تورين…” أمسكني أخي من كتفي وهمس، “انتبه لخطواتك.”

بينما التقطت حقيبتي من حيث أُلقيت وانضممت إلى الطابور، أشار إلى سيث وفينتان وريا. من هنا، غطى هدير محركات الناقل على الأمر، لكن المشعين الثلاثة المختارين اصطفوا على حافة الممر الذي يربط بين المنصتين المستقبلتين. شاهدت سيث يهز يديه ويمد رقبته. وبصيحة من ريا، انغمس في الضوء الذهبي. حل ثلاثي آخر محل سيث في ثوانٍ، وامتد صفان أسفل الممر.

“شكرًا،” أقررتُ بينما أُغلقت الأبواب.

شققت طريقي إلى المنحدر الأيسر، أمام صائغي العظام الآخرين، ووجدت نفسي بجانب رجل لم أتعرف عليه. ظهرت وشوم رونية فوق سترته المدرعة، تمتد على طول رقبته. كان لديه لحية مشذبة جيدًا وأنف معقوف وعضلات ذراع سميكة، لكن بطنه الممتلئ جعله يبرز من بين المشعين. لم يرتدي شعار التكتل على درعه السفلي أيضًا. عامل حر؟

استطعتُ رؤية اثنين من المشعين الآخرين يتمسكون بأي مقابض أو بقع أرضية مستقرة يمكنهم العثور عليها، معلقين فوق الشق الثاني، يحاولون الوصول إلى الموظفين المساعدين المتساقطين والإمساك بهم.

نظر إليّ وعقد حاجبيه. “صائغ عظام خامل؟ هذا حقًا يتطلب تضافر الجهود، أليس كذلك؟ لا أقصد الإساءة.”

على الرغم من أنني كنت أنتظر ذلك، إلا أنني ما زلتُ عاجزًا عن الكلام من الغضب والإحراج.

صررت على أسناني وضغطت على شفتيّ ابتسامة رقيقة غير مكتملة. “حسنًا، لا تقلق.” تقدمنا بضع خطوات. “أنت صائغ رون، أليس كذلك؟”

تحت جسدي المعلَّق، شقٌّ قرمزي غاضب شطر الهواء قطريًا، قاطعًا أرضيةً شبكية فولاذية مرتفعة في جرحٍ متعرّج، أسفل البوابة الذهبية التي ولجنا منها بعدة أقدام. كنت أرى مواضع ابتلعتها الفجوة، حيث اختفت مكاتب، ووحدات احتواء، وأجهزة أخرى نصف ملتهمة.

رفع حاجبه ورفع حقيبته الثقيلة أعلى على كتفه. “أجل. كما قلت، تضافر الجهود.”

“وأنت تستمع إلي جيدًا،” قالت وهي تهز إصبعها على أنف سيث بينما تدفع نفسها للأعلى على أطراف أصابعها. “لا تستغرق وقتًا طويلاً.” قبلت شفتيه. “ودع تورين يكون تورين. إنه قادر على ذلك.”

هززت كتفي. مع كل خطوة للأمام، ترتفع معدتي إلى حلقي. لم يبقَ أمامنا سوى بضعة صفوف من المشعين، واختفوا ثلاثة ثلاثة حتى لم يكن أحد أمامي، صائغ الرون، ورجل مقنع يرتدي زيًا أبيض وأصفرًا نظيفًا، والتقاطع على صدره يميزه بأنه طبيب. لم يكن هناك وقت للشك في أي شيء. وكأنني على وضع التشغيل الآلي، تقدمت إلى الشق.

قلبت عيني، لكن صراحة سيث اخترقت جنون العظمة المتصاعد مثل البخار من حولنا.

كان هناك شعور قوي بالمقاومة، كما لو أن الضوء الذهبي يدفعني للخلف. كالعادة، طقطقت أذناي، مُصدرةً صوتًا حادًا أزعجني. ثم انتهيتُ، وخرجتُ إلى… لا شيء.

قال الصحفي الآخر، رجل في منتصف العمر، وهو يدفع ميكروفونًا باتجاه كولتر بينما يمدّ عنقه قليلًا ليلقي بنظرة متوترة نحو ريا، “السيد فاليرا، ريتشارد هارتمن من شبكة NWB، هل يمكنني أن أطرح عليك بضعة أسئلة…؟”

ارتفعت معدتي إلى حلقي ثم هويتُ فجأة عدة بوصات، فارتطمت قدماي بسطحٍ صلب مائل، وانثنت ساقاي بينما اندفعتُ إلى الأمام. انفجرت نجومٌ في عيني، أعمَت بصري.

“أوه، حقًا؟” للحظة، التفت جافين نحوي وصدره منتفخ كالكلب المتمايل، ثم نظر إلى عبوس سيث الجامد وتراجع عن الأمر، ثم التفت نحو مؤخرة الحاملة وقال بحدة، “حسنًا، إن لم يمت الخامل، فسنرى كيف ستسير الأمور. هيا يا فينتان.”

صرخاتٌ مبتورة دوَّت عبر جوف الشقّ ثم انقطعت من جديد.

رفع حاجبه ورفع حقيبته الثقيلة أعلى على كتفه. “أجل. كما قلت، تضافر الجهود.”

كنت أسقط، متدحرجًا في عتمةٍ مصبوغةٍ بالحمرة.

الفصل 5 – داخل الشق 

شبحٌ مكسوٌّ بوهجٍ كهرماني اندفع عبر رؤيتي الدوّارة واصطدم بي، فانتزع الهواء من رئتي، وقطع صرختي الحادة.

“لا،” أجاب كولتر.

“تورين!”

مع حرارة رقبتي، جذبتُ بذلة العمل الملطخة فوق ملابسي الداخلية، متمنيًا لو أستطيع الاختفاء في الخلفية كعادتي. استبدلتُ الأحذية الرياضية بالأحذية الطويلة، وربطتُ سترتي الثقيلة، والجيوب مليئة بمعداتي الشخصية. ارتديتُ نظارتي الواقية، وتركتها تتدلى حول رقبتي بينما أنقل أفضل الأغراض من المجموعة المُجهزة إلى حقيبتي الشخصية. أغلقتُ سحاب الحقيبة، ووضعتها على حضني وانتظرتُ.

لهثتُ وأنا أترنّح، ورأسي يدور، أُحاول أن أُبصر خلال بقعٍ سوداء آكلةٍ للرؤية كالنار تلتهم صورةَ فوتوغراف. تحوّل أنيني إلى صرخة، وركلتُ ساقَيّ المعلّقتين في الهواء.

مر من أمامها بسرعة، واضطررتُ للإسراع لمواكبته.

تحت جسدي المعلَّق، شقٌّ قرمزي غاضب شطر الهواء قطريًا، قاطعًا أرضيةً شبكية فولاذية مرتفعة في جرحٍ متعرّج، أسفل البوابة الذهبية التي ولجنا منها بعدة أقدام. كنت أرى مواضع ابتلعتها الفجوة، حيث اختفت مكاتب، ووحدات احتواء، وأجهزة أخرى نصف ملتهمة.

مسح الغرفة بنظراتٍ ثاقبة. “سأختصر الكلام. الجميع يعلم بالفعل عن موجة الإشعاع؛ ما لا يعرفونه هو أن مجموعة من المهندسين كانوا محاصرين بالداخل عندما ساءت الأمور. صمتوا تمامًا في الوقت الذي قيست فيه أول موجة صدمة. نحتاج منكم أن تدخلوا الشق، وتنقذوا أي ناجين، وتحددوا سبب هذا الهراء، وتبلغوا عن الأمر حالما تتأكدون من أن الشق آمن.”

لقد كان شقًّا ثانيًا. شقًّا داخل شقّ.

أبقى كولتر ذراعه مثبتة على الباب ولفّها جانبًا لنا.

“تورين، تماسَك. انظر إليّ.”

“إذا سقطت تلك الحلقة، سنموت.”

أدرتُ رأسي فوق كتفي. كان سيث يطوّق خصري بذراعٍ واحدة، والأخرى ممدودة ممسكة بسورٍ معدني مثبّت في جدار الكهف. أمّا المنحدر أو السلّم الذي كان السور جزءًا منه فقد اختفى. وراءه، برزت ثلاثُ هيئات أخرى من فم الشقّ الذهبي لجسر الضوء، لكنهم تدحرجوا من على المنصّة المدمَّرة وسقطوا رأسًا في الجوف القرمزي الفاغر للشقّ الثاني.

مع حرارة رقبتي، جذبتُ بذلة العمل الملطخة فوق ملابسي الداخلية، متمنيًا لو أستطيع الاختفاء في الخلفية كعادتي. استبدلتُ الأحذية الرياضية بالأحذية الطويلة، وربطتُ سترتي الثقيلة، والجيوب مليئة بمعداتي الشخصية. ارتديتُ نظارتي الواقية، وتركتها تتدلى حول رقبتي بينما أنقل أفضل الأغراض من المجموعة المُجهزة إلى حقيبتي الشخصية. أغلقتُ سحاب الحقيبة، ووضعتها على حضني وانتظرتُ.

استطعتُ رؤية اثنين من المشعين الآخرين يتمسكون بأي مقابض أو بقع أرضية مستقرة يمكنهم العثور عليها، معلقين فوق الشق الثاني، يحاولون الوصول إلى الموظفين المساعدين المتساقطين والإمساك بهم.

ركضتُ بين سيث وكولتر، متجاوزًا عشرات الرجال والنساء الذين يرتدون سترات صفراء عاكسة زاهية، يتخللهم المشعون، وصائغو العظام، والمسعفون، وجميعهم يجهّزون المعدات. خرجت ريا من الهالة لملاقاتنا، غير مبالية بالأمطار المنهمرة.

“تورين، عليك العودة!” قال سيث. “اذهب إلى هوثورن، وأخبره بما حدث.”

ركضتُ بين سيث وكولتر، متجاوزًا عشرات الرجال والنساء الذين يرتدون سترات صفراء عاكسة زاهية، يتخللهم المشعون، وصائغو العظام، والمسعفون، وجميعهم يجهّزون المعدات. خرجت ريا من الهالة لملاقاتنا، غير مبالية بالأمطار المنهمرة.

رمشتُ إليه، وأنا أكافح لأجد صوتي.

نقرة أخرى على الهاتف. “توجها إلى مكتب الأمن. كلاكما.”

قبض سيث على فكه ثم ارتخى. “يمكنك فعل هذا. أعلم أنك تستطيع.”

أومأت هانا برأسها. “قالوا إن أنظمة الأمان لم تتأثر بالزيادة المفاجئة، لكننا انقطعت الكهرباء في المختبر لعدة دقائق. لم تكن لدينا أضواء تعمل، ولا ضوابط بيئية… لا أمن! اضطر الدكتور لونغ إلى إغلاق إحدى وحدات الاحتواء بيديه العاريتين. المسكين تعرض للدغة! سيكون بخير في غضون أيام قليلة، ولكن مع ذلك!”

انحبست أنفاسي أخيرًا، واستنشقتُ نفسًا عميقًا، وأنا أصفي رأسي. كل ما استطعتُ فعله هو الإيماء. عدّل سيث قبضته، وقفزت معدتي إلى حلقي بينما سقطتُ بضع بوصات قبل أن يمسك بظهر سترتي. فهمتُ خطته في اللحظة التي سبقت إطلاقه لي.

أبقى كولتر ذراعه مثبتة على الباب ولفّها جانبًا لنا.

وبينما كان ثلاثةٌ آخرون من صائغي العظام يهْوون صارخين من البوابة الذهبية إلى داخل الشقّ القرمزي، قذفني سيث إلى الأعلى. اندفعتُ في الهواء كما لو كنتُ دميةً محشوة. كانت رميته مُحكمة، فانطلقتُ مباشرة نحو الفجوة الذهبية المتذبذبة.

أمسك سيث بإصبعها الموبخ بين راحتي يديه وضغط على يدها ضغطة خفيفة. “سأراكما في المنزل،” قال دون أن يعد بشيء. تركنا هانا وركضنا نحو المصاعد. كان كولتر يقف بجانب أقرب مصعد، يُلقي بعض الكلمات الأخيرة على الصحفيين.

أنا أسرعُ أكثر مما يجب!

“لا تكن سخيفًا! هذا غير ممكن.”

لو خرجتُ من الجهة الأخرى وتجاوزتُ الحاجز، فسوف—

قال الصحفي الآخر، رجل في منتصف العمر، وهو يدفع ميكروفونًا باتجاه كولتر بينما يمدّ عنقه قليلًا ليلقي بنظرة متوترة نحو ريا، “السيد فاليرا، ريتشارد هارتمن من شبكة NWB، هل يمكنني أن أطرح عليك بضعة أسئلة…؟”

طفا وجه تاج وسط بحيرة الضوء الداخلي للشقّ، ثم برزت كتفاه وجذعه وإحدى ساقيه الممدودة فوق الفراغ. اصطدمنا معًا في اللحظة نفسها التي بدأ فيها بالسقوط.

كنت متلهفًا لمغادرة الجسر، فاتبعته بخطوات سريعة.

سقطتُ معه في عُقدةٍ من الأطراف والصرخات. ارتطمنا بالمنصّة الشبكية المنهارة، وشعرتُ بجسدي يلتفّ، عاجزًا عن تمييز الأعلى من الأسفل. كان تاج هو قبضة النجاة الوحيدة، فتشبّثتُ بكتفيه وحقيبته، محاولًا أن أجد موطئًا لقدمي. عندها اخترق شيءٌ حادّ طبقتَي الحماية على ساقي وغاص في ربلة ساقي.

“لا شيء.”

ألْفُ مخلبٍ من ضوءٍ قرمزي اخترق عينيَّ ونحن نعبر إلى قلب الشقّ، وانفجرت أذناي من الضغط. تشوّهت صرخاتنا أولًا، ثم انطلقت واضحة حين تلاشى ثِقَل الشقّ فجأة، وارتفعت أرض غابةٍ مظلمة لتستقبلنا.

هززت كتفي. مع كل خطوة للأمام، ترتفع معدتي إلى حلقي. لم يبقَ أمامنا سوى بضعة صفوف من المشعين، واختفوا ثلاثة ثلاثة حتى لم يكن أحد أمامي، صائغ الرون، ورجل مقنع يرتدي زيًا أبيض وأصفرًا نظيفًا، والتقاطع على صدره يميزه بأنه طبيب. لم يكن هناك وقت للشك في أي شيء. وكأنني على وضع التشغيل الآلي، تقدمت إلى الشق.

————————

قال جايس بنبرة لطيفة كنسيم الصيف، مع أن ابتسامته كانت كقطعة من جليد الشتاء، “إذا انتهى بك الأمر ميتًا، فذلك لأنك لا تعرف متى تتوقف عن الكلام الفاحش.”

أخيرًا نقدر نقول بدأت الرواية إلى حد ما..

“من هنا، من فضلكما.”

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

واصل حديثه، من الواضح أنه لا يتوقع إجابة. لم أكن أعرف شيئًا، واعتبر سيث معظم الأسئلة بلاغية.

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

زفر كولتر من أنفه ونظر إليّ. “أخبرني أنت. هل أنت مُستعد لهذا؟”

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 6 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

تحت جسدي المعلَّق، شقٌّ قرمزي غاضب شطر الهواء قطريًا، قاطعًا أرضيةً شبكية فولاذية مرتفعة في جرحٍ متعرّج، أسفل البوابة الذهبية التي ولجنا منها بعدة أقدام. كنت أرى مواضع ابتلعتها الفجوة، حيث اختفت مكاتب، ووحدات احتواء، وأجهزة أخرى نصف ملتهمة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط