Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

مُصاغ الروح 11

منفصل

منفصل

الفصل 11 – منفصل

شدّتُ سترتي بقوةٍ أكبر في مواجهة البرد، فاستبدلت نشوتي الوجيزة بوخزٍ في شعر ذراعيّ ورقبتي. بهذا القرب من الصدع، ما كان ينبغي أن أُفاجأ بالدمار، لكنني لم أتوقع أن يبدو المكان… مهجورًا إلى هذا الحد. لم أحب هذه الغرفة قط، ولم أُعرها اهتمامًا لصخبها أو أي شيءٍ تُمثّله. لكن هذا المظهر الخارجيّ، بعد إزالة كل بريقه ولمعانه، أثقل كاهلي. شعرتُ وكأن…

 

الفصل 11 – منفصل

تناثر الماء في كل مكان وأنا أتجه نحو الشاطئ المقابل، أجاهد لخوض الحوض الذي يصل عمقه إلى خصري. تبعني أثر الفقاعات المتموج، الذي يزداد بسرعة. وبينما يلتف حول يساري، لمحتُ قمة ظهر سوداء لزجة تخترق السطح لثانية واحدة.

 

 

انحرفتُ في الاتجاه المعاكس، وساقي تجهد، لكن جسد الوحش تمايل ليتبعني. سحب رأسه للخلف، ثم ضرب كالأفعى، وتشبثت أسنانه ببنطالي وأنا أحاول إرجاع ساقي للخلف، واحتك أحد أنيابه بملابسي الداخلية الطويلة المصنوعة من ألياف الوحش المتحول، وأرسل لسعة خفيفة إلى فخذي. ارتجف وارتجف كالكلب، جاذبًا ساقي من تحتي.

إنه على وشك أن يقطعني.

 

 

اشتعلت رئتاي في ثوانٍ، إذ لم أستطع حبس أنفاسي، واضطررتُ لدفع نفسي من القاع والعودة إلى السطح، بعد أن وصلتُ إلى مسافة قصيرة من المخلوقات الصائدة. دفعني اليأس إلى الأمام، فركضتُ نصف ركضة ونصف سباحة نحو الشاطئ المقابل. وحين وصلتُ، اضطررتُ إلى التسلق على يديَّ وركبتيَّ حتى وصلتُ إلى أرض صلبة.

شقفتُ طريقًا قطريًا عبر البركة، لكن المخلوق اندفع في طريقي مجددًا، برز من الماء زوج من المجسات الصفراء، ثم رأس أسود لزج يشبه كرة القدم المسطحة. ظهرت عينان لوزيّتان ضيقتان ببؤبؤين أحمرين متقدين، ثم صف من الأسنان الرفيعة كالإبر في فم ممدود. رفع جسده كجسم البزاقة وأطلق هسهسة نحوي. توهجت العقد المنتفخة على طول عباءته باللون الأصفر، ملقيةً ضوءًا ساطعًا تحت السطح، كاشفةً عن شكله الكامل الذي يبلغ طوله أربعة أقدام.

 

 

 

انحرفتُ في الاتجاه المعاكس، وساقي تجهد، لكن جسد الوحش تمايل ليتبعني. سحب رأسه للخلف، ثم ضرب كالأفعى، وتشبثت أسنانه ببنطالي وأنا أحاول إرجاع ساقي للخلف، واحتك أحد أنيابه بملابسي الداخلية الطويلة المصنوعة من ألياف الوحش المتحول، وأرسل لسعة خفيفة إلى فخذي. ارتجف وارتجف كالكلب، جاذبًا ساقي من تحتي.

 

 

 

ضربتُ الماءَ برشّةٍ، وابتلعتُ رشفةً من سائلٍ كريهٍ بينما غمر رأسي، وأطرافي تتخبط في الوحل، محاولةً إيجادَ سندٍ للطفو على السطح. تمزق بنطالي ما إن أخذتُ أنفاسي الأولى، وركلتُ ساقي المُحرّرة، مُلامِسةً عضلاتٍ طريةً كالسيليكون الكثيف. نهضتُ حتى منتصف الطريق، وانزلقتُ على الوحل الزلق، ثم هبطتُ مجددًا، مغمورًا حتى الكتفين. ارتفع الجزء العلوي من البزاقة من الماء في رذاذٍ من الماء القذر، مُلوحًا فوقي قبل أن أتمكن من النهوض. نهضت مجددًا، مُستعدةً للاندفاع، فرفعتُ ذراعي لحماية وجهي.

هبّت عليّ عاصفة ريح كادت أن تقتلع مقبض الباب من يدي. هبت أوراق الشجر والمطر إلى الردهة من الفتحة التي كان من المفترض أن يكون فيها الجسر المعلق. غطت الأرضية بطبقة من الأوراق المتعفنة، متناثرة عليها قطع من الجبس وبلاط الكوارتز الذهبي الممزق. نبتت براعم وأعشاب ضارة من بين الشقوق. كان الأثاث مبعثرًا، متكدسًا في زاوية، حيث وجّه ميل المبنى جميع أرجل الطاولات المكسورة والكراسي المتدلية. انبعثت رائحة عفن من الريح العاتية.

 

 

طار ظلٌّ فوقي، وغرزت مخالب فضية في لحم البزاقة الهلامي. رفرف الوحش الشبيه بالطائر بأربعة أجنحة رمادية وسوداء رثة، أجعد شعري، وانكسر منقاره القرمزي الطويل المنحني عدة مرات، محدثًا صوتًا يشبه صوت طلقة نارية. وبينما أقف هناك، متجمدًا للحظة، أحدق، مرّ فوقي ظلٌّ آخر، ثم ظلٌّ آخر.

 

 

 

ببطء شديد، أدرت رقبتي لأنظر إلى سرب من طيور الوحوش المتحولة بحجم البجع وهو يحلق فوقي، بينما يطوي عدد منهم أجنحته الكبيرة لينقض. رفرفت خلفهم ذيول جرذان طويلة أصلع، ذات نتوءات منتفخة على أطرافها، مما يجعلهم نوعًا فرعيًا من حشرات الهاربي.

 

 

 

باستخدام جناحيها الصغيرين للرفع قبل أن تلامس السطح مباشرةً، انقضّت عليّ إحدى الهاربي، دافعةً بزعنفتها الناتئة عبر الماء، ناثرةً قطراتٍ على وجهي. غطست أخرى مباشرةً نحوي، فتفاديتُها يمينًا، وكدتُ أصطدم بجسم بزاقة أخرى كانت تُسحب من الماء، وأسنانها مُثبتة حول طُعم الذيل كسمكةٍ على خطاف. وجّهت الهاربي ذيلها نحو مخالبها والتقطت فريستها وهي ترتفع عائدةً إلى السحاب.

 

 

 

تناثرت الرذاذ من كل جانب. ركضتُ، والماء يجرجر ساقيّ، ورئتاي تحترقان وأنا أتعثر وأتخبط بين مناقير الرماح الحادة التي تغوص حولي. ضرب جناح رأسي، فأعماني الريش. صفعتُ بذراعي، فشقّ مخلب سترتي وخدش عضلة ثلاثية الرؤوس. انزلقت قدمي، وغرقتُ مرة أخرى. غرق منقار في العتمة، وكاد أن يصيبني، وسحبتُ نفسي على طول القاع، وعيناي تحترقان.

أخذت نفسًا.

 

فتحت عينيّ فجأة. نهضتُ منتصبًا على أرضية المطعم، غارقًا في العرق البارد، أرمشُ في مواجهة شعاع ضوء باهت قادم من شق.

اشتعلت رئتاي في ثوانٍ، إذ لم أستطع حبس أنفاسي، واضطررتُ لدفع نفسي من القاع والعودة إلى السطح، بعد أن وصلتُ إلى مسافة قصيرة من المخلوقات الصائدة. دفعني اليأس إلى الأمام، فركضتُ نصف ركضة ونصف سباحة نحو الشاطئ المقابل. وحين وصلتُ، اضطررتُ إلى التسلق على يديَّ وركبتيَّ حتى وصلتُ إلى أرض صلبة.

بخطوات هادئة، واصلتُ السير في الشارع وحول ناطحة السحاب. ظهرت الفوهة مجددًا، فبقيتُ قريبًا قدر استطاعتي، محاولًا قطع أسرع طريق. من هنا، بدا وكأن البرج الثاني، الأكثر ميلًا، يصطدم بحافة الفوهة.

 

أخذت نفسًا.

وبينما أنا واقف، شعرتُ بوخزة قوية في معدتي، كوخزة ساخنة في الأمعاء، شكّلت صورةً سوداءَ حول رؤيتي، وترنّحتُ في حالةٍ شبه إغماء، واصطدمتُ بسيارةٍ بوركيّ. أخذتُ أنفاسًا خاطفة، ومررتُ يدي على الزهور الصفراء التي تنمو على غطاء المحرك، محاولًا مواصلة التقدم. انتشرت الحرارة في أطراف أصابعي، تاركةً خدرًا وخزًا عادةً ما يرتبط بالبرد، وتقلصت معدتي بشدةٍ لدرجة أنني ظننتُ أنني سأتلف بنطالي.

 

 

 

انحنيتُ، وذراعاي تحتضنان خصري، وتعثرتُ في المضي قدمًا، مُدركًا تمامًا للظلال في السماء. ترنحتُ نحو مبنى آخر، وبالكاد عبرتُ المدخل الفارغ قبل أن أسقط على الأرض. استلقيتُ مُنحنيًا في وضعية الجنين، معدتي تُؤلمني، وارتعاشٌ يُمزقني.

 

 

أخذت نفسًا.

عمودي الفقري، تشنجات تضرب جذعي مثل عشرات القبضات.

 

 

خرجتُ من الباب متعثرًا، ناظرًا في كلا الاتجاهين أولًا بحثًا عن أي أثر لتلك الطيور أو أي كائنات طفيلية أخرى. كان صباحًا باردًا، لم تظهر الشمس إلا لمحات عابرة من بين سحب المطر المتكثفة. بدأتُ أسير، ممتنًا للمنظر —على قتامة وغرابته— بعد كابوسي. ما زلتُ أتحرك بحذر، أسرع من مخبأ بسيط إلى آخر بأسرع ما يسمح به عرجتي الواضحة. كانت الفكرة أن يكون لدي دائمًا مكان أهرب إليه عند أدنى بادرة خطر.

من فضلك.. لا أريد الموت في قذارتي.

أشواك على طول عموده الفقري.

 

 

امتدت الدقائق مع مرور الألم ببطء. أخيرًا، خفّت الحرارة واسترخَت عضلات بطني. رفعتُ رأسي وألقيتُ نظرةً خاطفةً حول ما كان يُفترض أن يكون ردهة مكتب صغيرة. الآن، كانت مليئةً بالسماد والذباب، وقد انهارت معظم جدرانها الداخلية.

 

 

 

نهضتُ وأنا أرتجف من الخوف، ونظرتُ إلى الخارج. كانت بعضُ أسماكِ الوحوش المتحولة ذات المنقار الخطافي تُنقضُّ على صيدها بجانب البركة، التي عادت إلى الهدوء. استدرتُ إلى الجهة الأخرى، لكنني لم أستطع رؤية برجي جسر الضوء خلف ناطحة سحابٍ نصفها من اللبلاب. مع ذلك، رأيتُ الشمسَ مُتدليةً في الغرب، مُستعدةً للاختفاء تحت الأفق.

 

 

رميتُ الهاتف بقوةٍ في فراشه وأنا أُردد “اللعنة!” تصدع البلاستيك، مُضيفًا صدىً قويًا جعلني أرتجف، ونظرتُ إلى كل مكانٍ خوفًا من أن أكون قد لفتتُ انتباهًا غير مرغوب فيه.

بخطوات هادئة، واصلتُ السير في الشارع وحول ناطحة السحاب. ظهرت الفوهة مجددًا، فبقيتُ قريبًا قدر استطاعتي، محاولًا قطع أسرع طريق. من هنا، بدا وكأن البرج الثاني، الأكثر ميلًا، يصطدم بحافة الفوهة.

صرخة حلقية متموجة جمدت دمي.

 

طار ظلٌّ فوقي، وغرزت مخالب فضية في لحم البزاقة الهلامي. رفرف الوحش الشبيه بالطائر بأربعة أجنحة رمادية وسوداء رثة، أجعد شعري، وانكسر منقاره القرمزي الطويل المنحني عدة مرات، محدثًا صوتًا يشبه صوت طلقة نارية. وبينما أقف هناك، متجمدًا للحظة، أحدق، مرّ فوقي ظلٌّ آخر، ثم ظلٌّ آخر.

تمنيت ألا يكون وهمًا. أمسكت بنظارتي الواقية، راغبًا في التأكد. لو استطعت الصعود إلى السطح وتجنبت الحاجة إلى النزول إلى الحفرة الهائلة، لوفر ذلك عليّ الكثير…

ألمٌ مُبرحٌ آخر يُمزّق جذعي، وصرخةٌ خفيفةٌ انزلقت من بين أسناني المُطبّقة، مُدوّيةً في المطعم الصامت. الرون الذي ابتلعته سيقتلني قبل أن يقتلني أيُّ وحشٍ مُخيف.

 

وبينما أنا واقف، شعرتُ بوخزة قوية في معدتي، كوخزة ساخنة في الأمعاء، شكّلت صورةً سوداءَ حول رؤيتي، وترنّحتُ في حالةٍ شبه إغماء، واصطدمتُ بسيارةٍ بوركيّ. أخذتُ أنفاسًا خاطفة، ومررتُ يدي على الزهور الصفراء التي تنمو على غطاء المحرك، محاولًا مواصلة التقدم. انتشرت الحرارة في أطراف أصابعي، تاركةً خدرًا وخزًا عادةً ما يرتبط بالبرد، وتقلصت معدتي بشدةٍ لدرجة أنني ظننتُ أنني سأتلف بنطالي.

انحنيتُ وأنا أُصدر أنينًا، وتجمعت الصفراء في فمي بينما طعنتني مجددًا السخونة في أحشائي. صررتُ على أسناني، ومشيتُ متجاوزًا الألم، لكن رعشة حمى رافقت كل خطوة. أتنفس كأنني في مخاض، ومشيتُ متجاوزًا ناطحات سحاب بدت أشبه بسيقان الفاصولياء من إحدى حكايات الأخوين جريم الكابوسية. لم أدرك أنني في السوق الليلي إلا عندما تعرفتُ على شكل حرف A لملهى ليلي صاخب مألوف. لا أثر للأكشاك، مجرد كتل خضراء ربما كانت حاويات قمامة وصناديق بريد. لا عربات تُصدر صوتًا، فقط صفير الريح الكئيب عبر أفاريز فارغة.

 

 

حاولتُ تشغيل مفتاح الإضاءة، لكن لم يحدث شيء. لم أسمع حتى صوتًا من أنابيب الإشعاع في الجدران. شقت طريقي بصعوبة عبر الشجيرات التي كانت أرضية مصقولة، وتمسكت بسور الدرج المركزي. وبينما كنتُ أنزل عبر الأرضية، هدأت الرياح، ولم يبقَ سوى صدى وقع أقدامي.

أحتضنتُ معدتي المثقلة لأُخفف من رعشةٍ ما، ومشيتُ عبر ظلال المدينة المُظلمة بينما كان الغروب يُحل محل الغسق. لم أعلم كم من الوقت سأستمر. شعرتُ ببرودةٍ في ساقيّ. انتشرت الكدمات على بشرتي، مُسببةً ألمًا شديدًا. دقات قلبي تتسارع في الجانب الأيسر من وجهي المُنتفخ.

توجهتُ إلى الثلاجة، لكن الباب لم يُرِد أن يتزحزح. بذلتُ آخر ما في وسعي لأُلقي بثقلي كله في محاولة أخيرة، وكدتُ أسقط عندما انفتحت الثلاجة صريرًا. كان الداخل مُرعبًا بعفن كثيف وغامض، من أعلى إلى أسفل. أغلقتُ الباب بقوة، راغبًا في ركل شيء ما، لكنني كنتُ مُتعبًا جدًا لدرجة أنني لم أستطع استجماع قوتي.

 

بنفسٍ مُستقر، انطلقتُ مُباشرةً، آملًا أن أجد نهايةً لهذه المساحة التي تبدو بلا حدود. لا بدّ أن يكون هناك شيءٌ آخر. مخرج. مدخلٌ إلى شيءٍ ما أو إلى مكانٍ آخر على الأقل. إن لم يكن هناك…

عندما وقعت عيني على البرجين للمرة الثانية، بدوا بعيدين جدًا كما كانا قبل نصف ساعة. ما كان من المفترض أن يستغرق ساعةً سيرًا على الأقدام استغرق مني ثلاثة أضعاف ذلك، على الأرجح.

 

 

 

أحاط الإرهاق أطرافي المتعثرة بسلاسل ثقيلة، وكنت أتأوه مع كل تقلصة متقطعة في بطني. اضطررت للاستلقاء، وإلا كنت سأسقط على وجهي. تبًا، أنا عطش. هل تعمل أي من أنابيب المياه هنا؟

إنها مجرد وسائل راحة صغيرة، هكذا فكرت، ثم خرجت ضحكة مكتومة من شفتي.

 

ربما لو غرس فيّ الشجاعة بدلًا من الجبن، لكنتُ ساعدته. فعلتُ شيئًا.

ألقيتُ نظرةً سريعةً داخل المباني الثلاثة الأقرب، حتى وجدتُ مبنىً يُشبه تصميم مطعم. تجولتُ بين الأكشاك والطاولات الفارغة والكراسي المتساقطة، متجهًا حو بابٍ مُتأرجحٍ آملتُ أن يُؤدي إلى مطبخ. وبالفعل، في غرفةٍ خلفيةٍ تفوح منها رائحةُ الرطوبة والعفن، وجدتُ مجموعةً من الأجهزة. في الظلام، بدت متآكلةً. وجدتُ حوضًا، فأدرتُ المقبض بصعوبة. لم يخرج شيءٌ من الصنبور. تسللتْ صرخةٌ مُحبطةٌ إلى شفتيّ المُتعطشتين.

عمودي الفقري، تشنجات تضرب جذعي مثل عشرات القبضات.

 

تناثر الماء في كل مكان وأنا أتجه نحو الشاطئ المقابل، أجاهد لخوض الحوض الذي يصل عمقه إلى خصري. تبعني أثر الفقاعات المتموج، الذي يزداد بسرعة. وبينما يلتف حول يساري، لمحتُ قمة ظهر سوداء لزجة تخترق السطح لثانية واحدة.

توجهتُ إلى الثلاجة، لكن الباب لم يُرِد أن يتزحزح. بذلتُ آخر ما في وسعي لأُلقي بثقلي كله في محاولة أخيرة، وكدتُ أسقط عندما انفتحت الثلاجة صريرًا. كان الداخل مُرعبًا بعفن كثيف وغامض، من أعلى إلى أسفل. أغلقتُ الباب بقوة، راغبًا في ركل شيء ما، لكنني كنتُ مُتعبًا جدًا لدرجة أنني لم أستطع استجماع قوتي.

بدلًا من أن أغرق في أفكاري، هربتُ منها، سائرًا إلى الأمام، دون أن أصل إلى أي مكان. لا صوت سوى أنفاسي وحفيف الماء تحت قدميّ وأنا أركض. لا مناظر سوى انعكاسي المتذبذب.

 

وضعت يدي على جبهتي، وأنا أتنفس بعمق. يا له من حلم غريب ومزعج! واضح أيضًا. ما زلت أشعر بالماء يرتطم بجواربي. يدي الحرة تفرك معدتي. لا ألم. كما توقفت التقلصات. مؤقتًا.

لم يكن الأمر منطقيًا. ينبغي أن يكون هناك ما يؤكل ويشرب هنا. لم يبدُ المكان منهوبًا، بل كان مليئًا بنباتات الشق كسائر أنحاء المدينة. هل كان عفن الشق ينمو بسرعة بسبب الإشعاع؟

 

 

 

لم أستطع استجماع قواي العقلية للتفكير مليًا، فعُدتُ عرجًا إلى منطقة الجلوس الرئيسية، ووجدتُ أنظف زاوية، واستلقيتُ. في اللحظة التي طويتُ فيها ذراعي تحت رأسي كوسادة، فكرتُ في الباب المفقود وكيف يُمكنني تحصينه، لكنني لم أستطع النهوض.

كان الأمر جيدًا. لا يزال بإمكاني—

 

شدّتُ سترتي بقوةٍ أكبر في مواجهة البرد، فاستبدلت نشوتي الوجيزة بوخزٍ في شعر ذراعيّ ورقبتي. بهذا القرب من الصدع، ما كان ينبغي أن أُفاجأ بالدمار، لكنني لم أتوقع أن يبدو المكان… مهجورًا إلى هذا الحد. لم أحب هذه الغرفة قط، ولم أُعرها اهتمامًا لصخبها أو أي شيءٍ تُمثّله. لكن هذا المظهر الخارجيّ، بعد إزالة كل بريقه ولمعانه، أثقل كاهلي. شعرتُ وكأن…

جسدي لن يطيع.

 

 

 

ألمٌ مُبرحٌ آخر يُمزّق جذعي، وصرخةٌ خفيفةٌ انزلقت من بين أسناني المُطبّقة، مُدوّيةً في المطعم الصامت. الرون الذي ابتلعته سيقتلني قبل أن يقتلني أيُّ وحشٍ مُخيف.

 

 

 

إنها مجرد وسائل راحة صغيرة، هكذا فكرت، ثم خرجت ضحكة مكتومة من شفتي.

 

 

كان الأمر جيدًا. لا يزال بإمكاني—

كان الصوت هو آخر شيء سمعته عندما أغلقت جفني وأصبح العالم أسودًا.

 

 

 

ثم الأبيض.

 

 

انحنيتُ، وذراعاي تحتضنان خصري، وتعثرتُ في المضي قدمًا، مُدركًا تمامًا للظلال في السماء. ترنحتُ نحو مبنى آخر، وبالكاد عبرتُ المدخل الفارغ قبل أن أسقط على الأرض. استلقيتُ مُنحنيًا في وضعية الجنين، معدتي تُؤلمني، وارتعاشٌ يُمزقني.

ماذا؟

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

 

 

رمشت في ضوء نقي ومشرق.

عمودي الفقري، تشنجات تضرب جذعي مثل عشرات القبضات.

 

 

رفعتُ رأسي، فتساقطت قطرات من السائل من فكي وشعري، وتناثرت في شبرٍ من الماء تحتي، مُغطِّيةً أرضيةً بيضاءَ نقية. تسارع نبضي، ورفعتُ يدي الشفافة كالشبح. أدرتها ببطء، فشاهدتُ الماء يتساقط على معصمي، وسمعتُ صوت تناثره، لكنني لم أشعر به. لم أشعر ببرودةٍ على بشرتي، ولا برطوبةٍ ثقيلةٍ تسحب ملابسي، مع أن جانبي الأيسر كان مُغطَّىً بالكامل به.

 

 

نهضتُ، وحذائي يتناثر في البركة. لوّحتُ بيديّ تجريبيًا، أشاهد الضوء يتلألأ من خلالها، كاشفًا عن عروق مظللة في الداخل. كانت حوافّ ملابسي ضبابية، واستطعتُ رؤية الأرضية البيضاء من خلال حذائي. لمستُ ملابسي، فلم أرَ أي رطوبة تُغمّق لون القماش، ولم أشعر بأيّ وزن إضافيّ من الماء كان من المفترض أن يتغلغل. لم أشعر بأيّ من إصاباتي. يا له من لطفٍ بسيط.

جلستُ في فضاءٍ من نورٍ نقي. امتدَّ العدمُ أمامي، والحركةُ الوحيدةُ هي خريرُ الماءِ اللطيفُ حولي، والشكلُ الوحيدُ هو انعكاسي المتذبذبُ فيه.

تناثرت الرذاذ من كل جانب. ركضتُ، والماء يجرجر ساقيّ، ورئتاي تحترقان وأنا أتعثر وأتخبط بين مناقير الرماح الحادة التي تغوص حولي. ضرب جناح رأسي، فأعماني الريش. صفعتُ بذراعي، فشقّ مخلب سترتي وخدش عضلة ثلاثية الرؤوس. انزلقت قدمي، وغرقتُ مرة أخرى. غرق منقار في العتمة، وكاد أن يصيبني، وسحبتُ نفسي على طول القاع، وعيناي تحترقان.

 

 

تشبثت أصابعي الشفافة بالسطح الصلب تحتي بينما أدور بنظري حول العدم، وأتنفس بصعوبة.

اختفى الجسر المعلق تمامًا. من هنا، لم يبقَ سوى بضع نتوءات من الأنابيب بارزة من الفتحة الواسعة في البرج الأول.

 

 

اللعنة.

نهضتُ على قدميّ، وعضلاتي مشدودة. كانت قدمي اليمنى نائمة، مثبّتة بزاوية غريبة طوال الليل، والدم المتجلط حول جرح ساقي اليسرى يتمزق. لكنني لم أستطع الشكوى. الألم يعني أنني ما زلت على قيد الحياة… ولو لفترة وجيزة.

 

هناك طريقة واحدة فقط لمعرفة ذلك.

لقد مت فعلًا أثناء نومي.

اللعنة.

 

صرخة حلقية متموجة جمدت دمي.

نهضتُ، وحذائي يتناثر في البركة. لوّحتُ بيديّ تجريبيًا، أشاهد الضوء يتلألأ من خلالها، كاشفًا عن عروق مظللة في الداخل. كانت حوافّ ملابسي ضبابية، واستطعتُ رؤية الأرضية البيضاء من خلال حذائي. لمستُ ملابسي، فلم أرَ أي رطوبة تُغمّق لون القماش، ولم أشعر بأيّ وزن إضافيّ من الماء كان من المفترض أن يتغلغل. لم أشعر بأيّ من إصاباتي. يا له من لطفٍ بسيط.

 

 

سواءٌ أكانت هذه الحياة الآخرة أم مجرد هلوسةٍ لعقلي المتلاشية، لم أستطع الوقوف مكتوف الأيدي. ربما كنتُ في غيبوبةٍ على أرضية المطعم، أموت ببطءٍ مما فعله الرون بمعدتي.

ضوء أبيض وماء متلألئ امتدا إلى الأبد. هل هذا كل ما في الموت؟ لا رؤية، لا إحساس، ولا روح أخرى؟ لا يمكن أن يكون هذا هو الأمر. لا بد أن هناك ما هو أكثر من ذلك.

 

 

كان هذا المطهر، أو ربما الجحيم.

درتُ ببطء، ومن طرف عيني، لاحظتُ ظلًا يتحرك. انقلبت معدتي. سيث؟

 

 

 

استدرتُ، واسمه يتشكل على شفتيّ، ثم سخرتُ من نفسي عندما رأيتُ أنه مجرد انعكاسي الضبابي. ركل حذائي الماء، مُمزقًا صورتي إلى تموجات ضبابية.

 

 

غضبٌ وألمٌ يشتعلان في صدري، أمسكت شعري بكلتا يدي وسحبته، مرتاحًا من ألم فروة رأسي. شدّدت قبضتي حتى غمر الألم الخارجي بعضًا من الألم الداخلي.

سواءٌ أكانت هذه الحياة الآخرة أم مجرد هلوسةٍ لعقلي المتلاشية، لم أستطع الوقوف مكتوف الأيدي. ربما كنتُ في غيبوبةٍ على أرضية المطعم، أموت ببطءٍ مما فعله الرون بمعدتي.

أشواك على طول عموده الفقري.

 

هذا ما أرادني أن أكون فيه. خشيت الفكرة على رأسي، وكان صوتي الداخلي أشد مما توقعت. كان دائمًا يدفعني بعيدًا عن الطريق. علّمني الركض.

هناك طريقة واحدة فقط لمعرفة ذلك.

 

 

 

بنفسٍ مُستقر، انطلقتُ مُباشرةً، آملًا أن أجد نهايةً لهذه المساحة التي تبدو بلا حدود. لا بدّ أن يكون هناك شيءٌ آخر. مخرج. مدخلٌ إلى شيءٍ ما أو إلى مكانٍ آخر على الأقل. إن لم يكن هناك…

كان هذا المطهر، أو ربما الجحيم.

 

أحتضنتُ معدتي المثقلة لأُخفف من رعشةٍ ما، ومشيتُ عبر ظلال المدينة المُظلمة بينما كان الغروب يُحل محل الغسق. لم أعلم كم من الوقت سأستمر. شعرتُ ببرودةٍ في ساقيّ. انتشرت الكدمات على بشرتي، مُسببةً ألمًا شديدًا. دقات قلبي تتسارع في الجانب الأيسر من وجهي المُنتفخ.

بدلًا من أن أغرق في أفكاري، هربتُ منها، سائرًا إلى الأمام، دون أن أصل إلى أي مكان. لا صوت سوى أنفاسي وحفيف الماء تحت قدميّ وأنا أركض. لا مناظر سوى انعكاسي المتذبذب.

إنها مجرد وسائل راحة صغيرة، هكذا فكرت، ثم خرجت ضحكة مكتومة من شفتي.

 

 

مرت دقائق، ثم ما بدا وكأنه ساعات. ربما أيام، على حد علمي.

 

 

شقفتُ طريقًا قطريًا عبر البركة، لكن المخلوق اندفع في طريقي مجددًا، برز من الماء زوج من المجسات الصفراء، ثم رأس أسود لزج يشبه كرة القدم المسطحة. ظهرت عينان لوزيّتان ضيقتان ببؤبؤين أحمرين متقدين، ثم صف من الأسنان الرفيعة كالإبر في فم ممدود. رفع جسده كجسم البزاقة وأطلق هسهسة نحوي. توهجت العقد المنتفخة على طول عباءته باللون الأصفر، ملقيةً ضوءًا ساطعًا تحت السطح، كاشفةً عن شكله الكامل الذي يبلغ طوله أربعة أقدام.

طوال فترة ركضي، لم تتعب ساقاي قط. ورغم تصاعد القلق الذي كان يخنق حلقي، لم تجد رئتاي صعوبة في التمدد. لا تعب هنا. لا شيء، سوى ظلّ قاتم من نفسي.

 

 

 

لم يختلف الأمر كثيرًا عن حياتي، أليس كذلك؟ مجرد ظل مقارنة بمن حولي —رفاقي في صياغة العظام، المشعون، أخي. أبطأتُ وأنا أحدق في انعكاسي. تقليدٌ لسيث. نفس الشعر الأسود، لكن شعري ينسدل على عينيّ، جامحًا في كل مكان. نفس الشامتين تحت عينيّ اليسرى، لكني أفتقر إلى الندوب الشاحبة التي تمتد على جبينه وخده. كل علامات البطل، القوة والكفاءة، غائبة عن وجهي. ليس لديّ أيٌّ من قوته في كتفي. ولا أيٌّ من ثقته في وضعيتي المنحنية.

كل الأشياء التي لم يفعلها قط، كل الأشياء التي لم أعرفها قط… مزقت جرحًا مؤلمًا خلف ضلوعي. كان سيصل إلى جسر الضوء بحذائي. كان سيجد طريقة لإصلاح كل شيء.

 

صرخةٌ تغلغلت في داخلي، ضغطٌ كاد أن يُمزّقني من الداخل. اتسع فمي، بشكلٍ مُستحيل، كما لو أنني سأُمزّق نصفين. انطلقت تلك الضوضاء المُختنقة، اليائسة، المُفجوعة من رئتيّ، إلى قصبتي الهوائية، و—

والآن لم يعد عندي أيضًا.

————————

 

نهضتُ، وحذائي يتناثر في البركة. لوّحتُ بيديّ تجريبيًا، أشاهد الضوء يتلألأ من خلالها، كاشفًا عن عروق مظللة في الداخل. كانت حوافّ ملابسي ضبابية، واستطعتُ رؤية الأرضية البيضاء من خلال حذائي. لمستُ ملابسي، فلم أرَ أي رطوبة تُغمّق لون القماش، ولم أشعر بأيّ وزن إضافيّ من الماء كان من المفترض أن يتغلغل. لم أشعر بأيّ من إصاباتي. يا له من لطفٍ بسيط.

كل الأشياء التي لم يفعلها قط، كل الأشياء التي لم أعرفها قط… مزقت جرحًا مؤلمًا خلف ضلوعي. كان سيصل إلى جسر الضوء بحذائي. كان سيجد طريقة لإصلاح كل شيء.

 

 

 

لقد اهتزت رؤيتي، وكانت عيناي لاذعتين.

 

 

 

آه. لا عجب أنه كان يعاملني دائمًا كطفلٍ بائسٍ عاجز. كنتُ مختبئًا خلف صخرة عندما قتلوه.

 

 

 

هذا ما أرادني أن أكون فيه. خشيت الفكرة على رأسي، وكان صوتي الداخلي أشد مما توقعت. كان دائمًا يدفعني بعيدًا عن الطريق. علّمني الركض.

شقفتُ طريقًا قطريًا عبر البركة، لكن المخلوق اندفع في طريقي مجددًا، برز من الماء زوج من المجسات الصفراء، ثم رأس أسود لزج يشبه كرة القدم المسطحة. ظهرت عينان لوزيّتان ضيقتان ببؤبؤين أحمرين متقدين، ثم صف من الأسنان الرفيعة كالإبر في فم ممدود. رفع جسده كجسم البزاقة وأطلق هسهسة نحوي. توهجت العقد المنتفخة على طول عباءته باللون الأصفر، ملقيةً ضوءًا ساطعًا تحت السطح، كاشفةً عن شكله الكامل الذي يبلغ طوله أربعة أقدام.

 

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

مسحت بغضب دمعة كبيرة قبل أن تسقط.

 

 

رفعتُ رأسي، فتساقطت قطرات من السائل من فكي وشعري، وتناثرت في شبرٍ من الماء تحتي، مُغطِّيةً أرضيةً بيضاءَ نقية. تسارع نبضي، ورفعتُ يدي الشفافة كالشبح. أدرتها ببطء، فشاهدتُ الماء يتساقط على معصمي، وسمعتُ صوت تناثره، لكنني لم أشعر به. لم أشعر ببرودةٍ على بشرتي، ولا برطوبةٍ ثقيلةٍ تسحب ملابسي، مع أن جانبي الأيسر كان مُغطَّىً بالكامل به.

ربما لو غرس فيّ الشجاعة بدلًا من الجبن، لكنتُ ساعدته. فعلتُ شيئًا.

في الثواني القليلة التي وقفتُ فيها أخطط لمساري، تحول المطر من رذاذ إلى غزير، ينزلق من التربة والطحالب، مسببًا فوضى زلقة تحت حذائي. أخذتُ استراحةً لأميل رأسي للخلف وألتقط رشفاتٍ من الماء البارد المنعش. أخيرًا، وصلتُ إلى الباب وانحنيتُ داخل الدرج المظلم. تلاشى صوت الرعد وأنا أنزل، وأنا أزيل الماء الزائد من شعري وسترتي، وابتسامة تتسلل إلى وجهي.

 

بخطوات هادئة، واصلتُ السير في الشارع وحول ناطحة السحاب. ظهرت الفوهة مجددًا، فبقيتُ قريبًا قدر استطاعتي، محاولًا قطع أسرع طريق. من هنا، بدا وكأن البرج الثاني، الأكثر ميلًا، يصطدم بحافة الفوهة.

غضبٌ وألمٌ يشتعلان في صدري، أمسكت شعري بكلتا يدي وسحبته، مرتاحًا من ألم فروة رأسي. شدّدت قبضتي حتى غمر الألم الخارجي بعضًا من الألم الداخلي.

 

 

ببطءٍ وثبات، عبرتُ الشارع، الذي لم يكن سوى غبار أسفلت متناثر على العشب، ثم انعطفتُ حول المرآب، مُخفيًا الوحوش تمامًا عن الأنظار. لم يفصلني عن سقف البرج الثاني سوى امتدادٍ صخريٍّ قصير. كانت أجزاءٌ من سطحه الخارجي الفضي لا تزال تلمع عندما تعرّض لأشعة الشمس بشكلٍ مثالي، لكن كتلًا من التراب نبتت نباتاتٍ على معظمه، وغطّت حافة السقف طبقةً سميكةً من الطحالب الصفراء التي رأيتها كثيرًا في كهوف الصدع.

كان هذا المطهر، أو ربما الجحيم.

فتحت عينيّ فجأة. نهضتُ منتصبًا على أرضية المطعم، غارقًا في العرق البارد، أرمشُ في مواجهة شعاع ضوء باهت قادم من شق.

 

 

سأصاب بالجنون إذا لم أجد طريقة للخروج من هنا.

لم يكن الأمر منطقيًا. ينبغي أن يكون هناك ما يؤكل ويشرب هنا. لم يبدُ المكان منهوبًا، بل كان مليئًا بنباتات الشق كسائر أنحاء المدينة. هل كان عفن الشق ينمو بسرعة بسبب الإشعاع؟

 

 

كدتُ أغير اتجاهي، ثم تراجعتُ عن الأمر. لقد قطعتُ شوطًا طويلًا. لو لم يكن أمامي شيء، لما كان هناك أي طريق آخر. لا شيء على الإطلاق…

 

 

 

صرخةٌ تغلغلت في داخلي، ضغطٌ كاد أن يُمزّقني من الداخل. اتسع فمي، بشكلٍ مُستحيل، كما لو أنني سأُمزّق نصفين. انطلقت تلك الضوضاء المُختنقة، اليائسة، المُفجوعة من رئتيّ، إلى قصبتي الهوائية، و—

وبينما أنا واقف، شعرتُ بوخزة قوية في معدتي، كوخزة ساخنة في الأمعاء، شكّلت صورةً سوداءَ حول رؤيتي، وترنّحتُ في حالةٍ شبه إغماء، واصطدمتُ بسيارةٍ بوركيّ. أخذتُ أنفاسًا خاطفة، ومررتُ يدي على الزهور الصفراء التي تنمو على غطاء المحرك، محاولًا مواصلة التقدم. انتشرت الحرارة في أطراف أصابعي، تاركةً خدرًا وخزًا عادةً ما يرتبط بالبرد، وتقلصت معدتي بشدةٍ لدرجة أنني ظننتُ أنني سأتلف بنطالي.

 

 

فتحت عينيّ فجأة. نهضتُ منتصبًا على أرضية المطعم، غارقًا في العرق البارد، أرمشُ في مواجهة شعاع ضوء باهت قادم من شق.

كان هذا المطهر، أو ربما الجحيم.

 

 

في النافذة القذرة.

 

 

كان هذا المطهر، أو ربما الجحيم.

وضعت يدي على جبهتي، وأنا أتنفس بعمق. يا له من حلم غريب ومزعج! واضح أيضًا. ما زلت أشعر بالماء يرتطم بجواربي. يدي الحرة تفرك معدتي. لا ألم. كما توقفت التقلصات. مؤقتًا.

 

 

رفعتُ رأسي، فتساقطت قطرات من السائل من فكي وشعري، وتناثرت في شبرٍ من الماء تحتي، مُغطِّيةً أرضيةً بيضاءَ نقية. تسارع نبضي، ورفعتُ يدي الشفافة كالشبح. أدرتها ببطء، فشاهدتُ الماء يتساقط على معصمي، وسمعتُ صوت تناثره، لكنني لم أشعر به. لم أشعر ببرودةٍ على بشرتي، ولا برطوبةٍ ثقيلةٍ تسحب ملابسي، مع أن جانبي الأيسر كان مُغطَّىً بالكامل به.

شعرتُ أن فمي ممتلئٌ بالقطن، وكنتُ بحاجةٍ إلى إيجاد بعض الماء بسرعة.

لم يختلف الأمر كثيرًا عن حياتي، أليس كذلك؟ مجرد ظل مقارنة بمن حولي —رفاقي في صياغة العظام، المشعون، أخي. أبطأتُ وأنا أحدق في انعكاسي. تقليدٌ لسيث. نفس الشعر الأسود، لكن شعري ينسدل على عينيّ، جامحًا في كل مكان. نفس الشامتين تحت عينيّ اليسرى، لكني أفتقر إلى الندوب الشاحبة التي تمتد على جبينه وخده. كل علامات البطل، القوة والكفاءة، غائبة عن وجهي. ليس لديّ أيٌّ من قوته في كتفي. ولا أيٌّ من ثقته في وضعيتي المنحنية.

 

 

نهضتُ على قدميّ، وعضلاتي مشدودة. كانت قدمي اليمنى نائمة، مثبّتة بزاوية غريبة طوال الليل، والدم المتجلط حول جرح ساقي اليسرى يتمزق. لكنني لم أستطع الشكوى. الألم يعني أنني ما زلت على قيد الحياة… ولو لفترة وجيزة.

مرت دقائق، ثم ما بدا وكأنه ساعات. ربما أيام، على حد علمي.

 

 

خرجتُ من الباب متعثرًا، ناظرًا في كلا الاتجاهين أولًا بحثًا عن أي أثر لتلك الطيور أو أي كائنات طفيلية أخرى. كان صباحًا باردًا، لم تظهر الشمس إلا لمحات عابرة من بين سحب المطر المتكثفة. بدأتُ أسير، ممتنًا للمنظر —على قتامة وغرابته— بعد كابوسي. ما زلتُ أتحرك بحذر، أسرع من مخبأ بسيط إلى آخر بأسرع ما يسمح به عرجتي الواضحة. كانت الفكرة أن يكون لدي دائمًا مكان أهرب إليه عند أدنى بادرة خطر.

ماذا؟

 

اختفى الجسر المعلق تمامًا. من هنا، لم يبقَ سوى بضع نتوءات من الأنابيب بارزة من الفتحة الواسعة في البرج الأول.

أثبتت هذه الاستراتيجية المُستهلكة للوقت جدواها عندما مررتُ بالحقول العشبية التي نمت داخل بقايا مرآب السيارات الضخم الذي كان يخدم برجي جسر الضوء والعديد من ناطحات السحاب الأخرى. انهار الطابق العلوي بالكامل، وسقط جزء كبير من الهيكل بأكمله في الحفرة. لكن داخل الطابق الأرضي، هرب بعض الأشخاص.

 

 

هبّت عليّ عاصفة ريح كادت أن تقتلع مقبض الباب من يدي. هبت أوراق الشجر والمطر إلى الردهة من الفتحة التي كان من المفترض أن يكون فيها الجسر المعلق. غطت الأرضية بطبقة من الأوراق المتعفنة، متناثرة عليها قطع من الجبس وبلاط الكوارتز الذهبي الممزق. نبتت براعم وأعشاب ضارة من بين الشقوق. كان الأثاث مبعثرًا، متكدسًا في زاوية، حيث وجّه ميل المبنى جميع أرجل الطاولات المكسورة والكراسي المتدلية. انبعثت رائحة عفن من الريح العاتية.

انزلقت إلى بهو ناطحة سحاب مجوفة تحولت إلى مزرعة فطر وتجسست من خلال النوافذ العديدة على عائلة صغيرة من المخلوقات تقفز داخل المرآب.

شدّتُ سترتي بقوةٍ أكبر في مواجهة البرد، فاستبدلت نشوتي الوجيزة بوخزٍ في شعر ذراعيّ ورقبتي. بهذا القرب من الصدع، ما كان ينبغي أن أُفاجأ بالدمار، لكنني لم أتوقع أن يبدو المكان… مهجورًا إلى هذا الحد. لم أحب هذه الغرفة قط، ولم أُعرها اهتمامًا لصخبها أو أي شيءٍ تُمثّله. لكن هذا المظهر الخارجيّ، بعد إزالة كل بريقه ولمعانه، أثقل كاهلي. شعرتُ وكأن…

 

شعرتُ أن فمي ممتلئٌ بالقطن، وكنتُ بحاجةٍ إلى إيجاد بعض الماء بسرعة.

كان من الثدييات النادرة. نوع من الأرانب. لم يكن له عيون واضحة في رأسه السمين المغطى بطبقة كثيفة من الفرو الكريمي، بل فمٌّ يشبه فخ الدب وآذان طويلة ذات أطراف حادة. على طول جسمه، كان الفراء ذو ملمس عظمي صلب، محفورًا ببقع خشنة من الجلد الوردي تبرز في نتوءات لحمية.

تناثرت الرذاذ من كل جانب. ركضتُ، والماء يجرجر ساقيّ، ورئتاي تحترقان وأنا أتعثر وأتخبط بين مناقير الرماح الحادة التي تغوص حولي. ضرب جناح رأسي، فأعماني الريش. صفعتُ بذراعي، فشقّ مخلب سترتي وخدش عضلة ثلاثية الرؤوس. انزلقت قدمي، وغرقتُ مرة أخرى. غرق منقار في العتمة، وكاد أن يصيبني، وسحبتُ نفسي على طول القاع، وعيناي تحترقان.

 

 

أشواك على طول عموده الفقري.

لم أستطع استجماع قواي العقلية للتفكير مليًا، فعُدتُ عرجًا إلى منطقة الجلوس الرئيسية، ووجدتُ أنظف زاوية، واستلقيتُ. في اللحظة التي طويتُ فيها ذراعي تحت رأسي كوسادة، فكرتُ في الباب المفقود وكيف يُمكنني تحصينه، لكنني لم أستطع النهوض.

 

 

انحنيتُ تحت حافة النافذة حتى بدأت ساقاي بالخدر، وأظلمت الشمس خلف جدار فحمي من السحب الدوامة. أكلت المخلوقات شيئًا لم أستطع رؤيته في العشب الطويل، وبدت غير مستعجلة على التحرك، حتى مع هدير الرعد في السماء. من جانب المرآب، استطعتُ رؤية البرج الثاني جزئيًا. في الواقع، اصطدم سقفه بحافة الفوهة. أخيرًا، حظًا سعيدًا.

درتُ ببطء، ومن طرف عيني، لاحظتُ ظلًا يتحرك. انقلبت معدتي. سيث؟

 

 

لم تعد آلام معدتي أيضًا. لو استطعتُ التجول في المرآب دون لفت انتباه الأرانب، لربما خرجتُ من هذا الجحيم حيًا. تجولتُ قليلًا في الردهة، فوجدتُ مدخلًا جانبيًا يُخرجني من زاوية لم أستطع فيها رؤية سوى أطراف آذان الأرانب حول الجدار المنخفض وبقايا آلة التذاكر.

لم تعد آلام معدتي أيضًا. لو استطعتُ التجول في المرآب دون لفت انتباه الأرانب، لربما خرجتُ من هذا الجحيم حيًا. تجولتُ قليلًا في الردهة، فوجدتُ مدخلًا جانبيًا يُخرجني من زاوية لم أستطع فيها رؤية سوى أطراف آذان الأرانب حول الجدار المنخفض وبقايا آلة التذاكر.

 

كان هذا المطهر، أو ربما الجحيم.

ببطءٍ وثبات، عبرتُ الشارع، الذي لم يكن سوى غبار أسفلت متناثر على العشب، ثم انعطفتُ حول المرآب، مُخفيًا الوحوش تمامًا عن الأنظار. لم يفصلني عن سقف البرج الثاني سوى امتدادٍ صخريٍّ قصير. كانت أجزاءٌ من سطحه الخارجي الفضي لا تزال تلمع عندما تعرّض لأشعة الشمس بشكلٍ مثالي، لكن كتلًا من التراب نبتت نباتاتٍ على معظمه، وغطّت حافة السقف طبقةً سميكةً من الطحالب الصفراء التي رأيتها كثيرًا في كهوف الصدع.

الدخول إلى قاعة جنازة فارغة، بعد أن رحل الناس، لكن الحزن ورائحة التحنيط لا تزال باقية في الهواء.

 

كانت المكاتب المفعمة بالحياة في الطابق السفلي في حالة سيئة بنفس القدر، بفضل النوافذ المكسورة العديدة الممتدة من الأرض إلى السقف والتي تسمح بدخول الهواء. كانت الجدران مليئة بالعفن، ربما بسبب بقعة الماء البنية الضخمة التي انفتحت في المنتصف، مما أدى إلى انهيار جزء من السقف. استطعتُ رؤية شظايا الرخام من الأرضية العلوية من خلال القطع المعدنية المكشوفة المسننة. أما مكتبا السكرتارية المصنوعان من الألومنيوم واللذان لم يُسحقا بفعل الانهيار، فقد غطيهما بقع بنية تشبه الجدري. انفصل أحدهما عن مساميره وارتطم بالجدار، بينما بدا الآخر سليمًا في الغالب، ولا يزال هاتف الإنترنت مثبتًا فوقه.

اختفى الجسر المعلق تمامًا. من هنا، لم يبقَ سوى بضع نتوءات من الأنابيب بارزة من الفتحة الواسعة في البرج الأول.

 

 

 

ومع ذلك، فإن الصور الظلية المألوفة للمباني، حتى مع انقلاب البرج الثاني كما هو الحال، ساعدتني على التخلص من بعض العقد في جسدي.

 

 

اللعنة.

تناثرت أولى قطرات المطر البارد على خدي وعنقي وأنا أصل إلى حافة الحفرة. بدت الأرض متشققة ومتفتتة. شعرتُ بثقل قدمي عليها، فارتطمت بعض الحصى بحافة السقف، لكن الأرض صمدت. خشيت أن يطول هذا الوضع، فقفزتُ قفزةً سريعةً وقفزتُ على السطح، مما أثار احتجاج ساقي.

 

 

رمشت في ضوء نقي ومشرق.

كان المصعد قريبًا، ولكن مع عدم وجود طريقة للتأكد من سلامة نظام الكهرباء في المبنى، لم أرغب في تجربة حظي في صندوق معدني متين. كانت الخزانة الصغيرة التي تحوي باب الدرج، بالطبع، على الجانب الآخر. لم يكن ميل السقف واضحًا جدًا، لكنني كنت أمشي ويدي ممدودتان لأحافظ على توازني وأنقذ نفسي في حال سقوطي.

 

 

وضعت يدي على جبهتي، وأنا أتنفس بعمق. يا له من حلم غريب ومزعج! واضح أيضًا. ما زلت أشعر بالماء يرتطم بجواربي. يدي الحرة تفرك معدتي. لا ألم. كما توقفت التقلصات. مؤقتًا.

في الثواني القليلة التي وقفتُ فيها أخطط لمساري، تحول المطر من رذاذ إلى غزير، ينزلق من التربة والطحالب، مسببًا فوضى زلقة تحت حذائي. أخذتُ استراحةً لأميل رأسي للخلف وألتقط رشفاتٍ من الماء البارد المنعش. أخيرًا، وصلتُ إلى الباب وانحنيتُ داخل الدرج المظلم. تلاشى صوت الرعد وأنا أنزل، وأنا أزيل الماء الزائد من شعري وسترتي، وابتسامة تتسلل إلى وجهي.

حاولتُ تشغيل مفتاح الإضاءة، لكن لم يحدث شيء. لم أسمع حتى صوتًا من أنابيب الإشعاع في الجدران. شقت طريقي بصعوبة عبر الشجيرات التي كانت أرضية مصقولة، وتمسكت بسور الدرج المركزي. وبينما كنتُ أنزل عبر الأرضية، هدأت الرياح، ولم يبقَ سوى صدى وقع أقدامي.

 

 

لقد فعلتها.

 

 

 

لقد كان الأسوأ خلفي.

 

 

بخطوات هادئة، واصلتُ السير في الشارع وحول ناطحة السحاب. ظهرت الفوهة مجددًا، فبقيتُ قريبًا قدر استطاعتي، محاولًا قطع أسرع طريق. من هنا، بدا وكأن البرج الثاني، الأكثر ميلًا، يصطدم بحافة الفوهة.

شكّل الدرج تحديًا بسبب ميلان المبنى. انزلقتُ وقفزتُ وهبطتُ بحذر مجموعةً تلو الأخرى، وكل هزةٍ تُصدح بألمٍ في ساقي المجروحة. انتهت الدرجات عند بابٍ آخر. دفعتُه ودخلتُ ردهة الجسر السماوي.

آه. لا عجب أنه كان يعاملني دائمًا كطفلٍ بائسٍ عاجز. كنتُ مختبئًا خلف صخرة عندما قتلوه.

 

آه. لا عجب أنه كان يعاملني دائمًا كطفلٍ بائسٍ عاجز. كنتُ مختبئًا خلف صخرة عندما قتلوه.

هبّت عليّ عاصفة ريح كادت أن تقتلع مقبض الباب من يدي. هبت أوراق الشجر والمطر إلى الردهة من الفتحة التي كان من المفترض أن يكون فيها الجسر المعلق. غطت الأرضية بطبقة من الأوراق المتعفنة، متناثرة عليها قطع من الجبس وبلاط الكوارتز الذهبي الممزق. نبتت براعم وأعشاب ضارة من بين الشقوق. كان الأثاث مبعثرًا، متكدسًا في زاوية، حيث وجّه ميل المبنى جميع أرجل الطاولات المكسورة والكراسي المتدلية. انبعثت رائحة عفن من الريح العاتية.

 

 

 

شدّتُ سترتي بقوةٍ أكبر في مواجهة البرد، فاستبدلت نشوتي الوجيزة بوخزٍ في شعر ذراعيّ ورقبتي. بهذا القرب من الصدع، ما كان ينبغي أن أُفاجأ بالدمار، لكنني لم أتوقع أن يبدو المكان… مهجورًا إلى هذا الحد. لم أحب هذه الغرفة قط، ولم أُعرها اهتمامًا لصخبها أو أي شيءٍ تُمثّله. لكن هذا المظهر الخارجيّ، بعد إزالة كل بريقه ولمعانه، أثقل كاهلي. شعرتُ وكأن…

 

 

في الثواني القليلة التي وقفتُ فيها أخطط لمساري، تحول المطر من رذاذ إلى غزير، ينزلق من التربة والطحالب، مسببًا فوضى زلقة تحت حذائي. أخذتُ استراحةً لأميل رأسي للخلف وألتقط رشفاتٍ من الماء البارد المنعش. أخيرًا، وصلتُ إلى الباب وانحنيتُ داخل الدرج المظلم. تلاشى صوت الرعد وأنا أنزل، وأنا أزيل الماء الزائد من شعري وسترتي، وابتسامة تتسلل إلى وجهي.

الدخول إلى قاعة جنازة فارغة، بعد أن رحل الناس، لكن الحزن ورائحة التحنيط لا تزال باقية في الهواء.

لقد ذهبت مباشرة إلى هناك، فقط في حالة، على الرغم من أن حالة المكان لم تمنحني الكثير من الأمل.

 

درتُ ببطء، ومن طرف عيني، لاحظتُ ظلًا يتحرك. انقلبت معدتي. سيث؟

حاولتُ تشغيل مفتاح الإضاءة، لكن لم يحدث شيء. لم أسمع حتى صوتًا من أنابيب الإشعاع في الجدران. شقت طريقي بصعوبة عبر الشجيرات التي كانت أرضية مصقولة، وتمسكت بسور الدرج المركزي. وبينما كنتُ أنزل عبر الأرضية، هدأت الرياح، ولم يبقَ سوى صدى وقع أقدامي.

انحنيتُ تحت حافة النافذة حتى بدأت ساقاي بالخدر، وأظلمت الشمس خلف جدار فحمي من السحب الدوامة. أكلت المخلوقات شيئًا لم أستطع رؤيته في العشب الطويل، وبدت غير مستعجلة على التحرك، حتى مع هدير الرعد في السماء. من جانب المرآب، استطعتُ رؤية البرج الثاني جزئيًا. في الواقع، اصطدم سقفه بحافة الفوهة. أخيرًا، حظًا سعيدًا.

 

 

كانت المكاتب المفعمة بالحياة في الطابق السفلي في حالة سيئة بنفس القدر، بفضل النوافذ المكسورة العديدة الممتدة من الأرض إلى السقف والتي تسمح بدخول الهواء. كانت الجدران مليئة بالعفن، ربما بسبب بقعة الماء البنية الضخمة التي انفتحت في المنتصف، مما أدى إلى انهيار جزء من السقف. استطعتُ رؤية شظايا الرخام من الأرضية العلوية من خلال القطع المعدنية المكشوفة المسننة. أما مكتبا السكرتارية المصنوعان من الألومنيوم واللذان لم يُسحقا بفعل الانهيار، فقد غطيهما بقع بنية تشبه الجدري. انفصل أحدهما عن مساميره وارتطم بالجدار، بينما بدا الآخر سليمًا في الغالب، ولا يزال هاتف الإنترنت مثبتًا فوقه.

كان هذا المطهر، أو ربما الجحيم.

 

انحنيتُ تحت حافة النافذة حتى بدأت ساقاي بالخدر، وأظلمت الشمس خلف جدار فحمي من السحب الدوامة. أكلت المخلوقات شيئًا لم أستطع رؤيته في العشب الطويل، وبدت غير مستعجلة على التحرك، حتى مع هدير الرعد في السماء. من جانب المرآب، استطعتُ رؤية البرج الثاني جزئيًا. في الواقع، اصطدم سقفه بحافة الفوهة. أخيرًا، حظًا سعيدًا.

لقد ذهبت مباشرة إلى هناك، فقط في حالة، على الرغم من أن حالة المكان لم تمنحني الكثير من الأمل.

 

 

رمشت في ضوء نقي ومشرق.

انتزعتُ سماعة الهاتف من مكانها، وأزلتُ طبقةً من الأوساخ عن شاشة اللمس، ثم بدأتُ أضغط عليها وعلى الأزرار. لم تُضِئ. وضعتُ الهاتف على أذني. لم أسمع نغمة الاتصال.

حاولتُ تشغيل مفتاح الإضاءة، لكن لم يحدث شيء. لم أسمع حتى صوتًا من أنابيب الإشعاع في الجدران. شقت طريقي بصعوبة عبر الشجيرات التي كانت أرضية مصقولة، وتمسكت بسور الدرج المركزي. وبينما كنتُ أنزل عبر الأرضية، هدأت الرياح، ولم يبقَ سوى صدى وقع أقدامي.

 

 

رميتُ الهاتف بقوةٍ في فراشه وأنا أُردد “اللعنة!” تصدع البلاستيك، مُضيفًا صدىً قويًا جعلني أرتجف، ونظرتُ إلى كل مكانٍ خوفًا من أن أكون قد لفتتُ انتباهًا غير مرغوب فيه.

كان من الثدييات النادرة. نوع من الأرانب. لم يكن له عيون واضحة في رأسه السمين المغطى بطبقة كثيفة من الفرو الكريمي، بل فمٌّ يشبه فخ الدب وآذان طويلة ذات أطراف حادة. على طول جسمه، كان الفراء ذو ملمس عظمي صلب، محفورًا ببقع خشنة من الجلد الوردي تبرز في نتوءات لحمية.

 

 

أخذت نفسًا.

توجهتُ إلى الثلاجة، لكن الباب لم يُرِد أن يتزحزح. بذلتُ آخر ما في وسعي لأُلقي بثقلي كله في محاولة أخيرة، وكدتُ أسقط عندما انفتحت الثلاجة صريرًا. كان الداخل مُرعبًا بعفن كثيف وغامض، من أعلى إلى أسفل. أغلقتُ الباب بقوة، راغبًا في ركل شيء ما، لكنني كنتُ مُتعبًا جدًا لدرجة أنني لم أستطع استجماع قوتي.

 

هناك طريقة واحدة فقط لمعرفة ذلك.

كان الأمر جيدًا. لا يزال بإمكاني—

استدرتُ، واسمه يتشكل على شفتيّ، ثم سخرتُ من نفسي عندما رأيتُ أنه مجرد انعكاسي الضبابي. ركل حذائي الماء، مُمزقًا صورتي إلى تموجات ضبابية.

 

 

صرخة حلقية متموجة جمدت دمي.

 

 

 

————————

 

 

 

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

 

 

عمودي الفقري، تشنجات تضرب جذعي مثل عشرات القبضات.

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

بنفسٍ مُستقر، انطلقتُ مُباشرةً، آملًا أن أجد نهايةً لهذه المساحة التي تبدو بلا حدود. لا بدّ أن يكون هناك شيءٌ آخر. مخرج. مدخلٌ إلى شيءٍ ما أو إلى مكانٍ آخر على الأقل. إن لم يكن هناك…

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 6 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

ثم الأبيض.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط