محاصر
الفصل 12 – محاصر
استدرتُ نحو الصرخة المُرعبة، وأحذيةٌ تُكسر على الزجاج وحطامٌ مُتناثرٌ في الردهة، لأجد نفسي ما زلتُ وحدي. تسللت المزيد من الصرخات عبر النوافذ المكسورة، مُمتزجةً بأصوات الرعد الحادة في جوقةٍ جهنمية. أصواتٌ بشرية، مكتومةٌ لكنها آمرة، زادت من نبضي أكثر من أصوات الغيلان. خشيةً من أن أعرف بالضبط ما سأجده، تسللتُ إلى الجدار بجانب النافذة، مُمسكًا معدتي. تشبثتُ بجانب العتبة لأُثبت نفسي على قمة الأرضية المنحدرة، ونظرتُ إلى الأسفل.
لكن الحشد لم يُطاردهم. تراجع معظمهم أدراجهم، يتمايلون وهم يُحدقون في المكان الذي اختفى فيه المشعون. انزلق وجه الألفا فوق فمه، وبأمرٍ هديرٍ منه، تراجع الآخرون عائدين من حيث أتوا. عائدين مباشرةً إلى ردهة البرج الثاني.
شدّتني العاصفة من شعري الرطب وحاولت إلصاقه بعينيّ، لكنني دفعته للخلف، محدقًا عبر ضباب المطر العكر لأرى ضوءًا خافتًا في الأسفل. رفعت نظارتي الواقية وشغّلت عدسة التكبير.
وكان معي في المبنى طوال هذا الوقت… ارتجفتُ، وشعرتُ فجأةً بأنني مُراقَبٌ ومُلاحق. نظرتُ خلفي، على امتداد الأرضية، نحو الدرج والأبواب والممرات المتفرعة.
عندما ظهر الوجه الأول في التركيز، انحنيت إلى أسفل، والنبض ينبض بقوة.
طعن غولٌ عضلةَ ريا بذراعيه النحيلتين المخيفتين، لكنها شقّت بفأسيها على شكل حرف X وقطعت رأسها. تصاعد بخار أبيض غريب من عنقها المتدفق.
في الشارع المكتظّ، اشتبك كولتر، وريا، وبريسيلا، وليون مع قطيع من الغيلان. لم يكن آل كالهون في الأفق —ربما ميتان أو متروكان.
طعن غولٌ عضلةَ ريا بذراعيه النحيلتين المخيفتين، لكنها شقّت بفأسيها على شكل حرف X وقطعت رأسها. تصاعد بخار أبيض غريب من عنقها المتدفق.
لا شيء على الجدران. ربما سقطت؟ اتجهتُ نحو الجدار الخلفي حيث رأيتُ المعروضات من قبل. كانت هناك خطافات تثبيت مزخرفة، لكن كومة من مفارش طاولات سوداء ومتهالكة للغاية —ربما ستائر فاخرة— ملقاة تحتها. وضعتُ إصبع قدمي تحت إحدى الطيات وبدأتُ برفعها بحذر، فتفتتت قطع من القماش الصناعي حتى اختفت تمامًا.
إنه صغير، ربما بحجم قطة. ربما ليس وحشًا مفترسًا، مجرد حيوان عادي خائف. لم يظهر مجددًا، لكنني أعلم بوجوده، ولا أستطيع أن أرفع قدميّ عن الدرج لأتحقق من وجود سلاح. لم أرَ أي أثر لنصل عظمي في الثواني القليلة التي تسللتُ فيها من تحت الستارة.
لُطخت بريسيلا بالدماء على ساق بنطالها الجلدي، وتواجد جرح في جانب رقبتها، لكن ذلك لم يُبطئها. قضت على اثنين من الغيلان بطعنات سريعة ودقيقة من شفراتها لأعلى عبر ريشهم الناعم، وحمت هالتها الإشعاعية معصميها من الأسنان الحادة.
حجبت رطوبة بيضاء ضبابية رؤيتي، فمسحتُ إبهامي على عدسات نظارتي الواقية لأُزيلها. لكنها لم تكن على العدسات، بل تتحرك، تطفو من بين الجثث المتناثرة عند قدمي بريسيلا.
لكن الحشد لم يُطاردهم. تراجع معظمهم أدراجهم، يتمايلون وهم يُحدقون في المكان الذي اختفى فيه المشعون. انزلق وجه الألفا فوق فمه، وبأمرٍ هديرٍ منه، تراجع الآخرون عائدين من حيث أتوا. عائدين مباشرةً إلى ردهة البرج الثاني.
إنه صغير، ربما بحجم قطة. ربما ليس وحشًا مفترسًا، مجرد حيوان عادي خائف. لم يظهر مجددًا، لكنني أعلم بوجوده، ولا أستطيع أن أرفع قدميّ عن الدرج لأتحقق من وجود سلاح. لم أرَ أي أثر لنصل عظمي في الثواني القليلة التي تسللتُ فيها من تحت الستارة.
ماذا قد يكون؟ نوع من الغازات التي أطلقتها الكائنات عند موتها؟ ملاذ أخير، مثل شظايا درع تنين الشق؟
بينما أسير على أطراف أصابعي إلى الكافتيريا، أخذتُ نفسًا عميقًا لا إراديًا من أنفي، مُنبئًا إياه برائحة لذيذة. لكن بدلًا من ذلك، استنشقتُ هواءً راكدًا مُغبرًا، مُشوبًا برائحة خفيفة لكن كريهة، كأن شيئًا ما قد تَكوّمَ ومات في مكان ما في الغرفة المجاورة.
لم يبدو أن ذلك أثر على المشعين. كانت للوحوش المتحولة مخالب وأنياب هائلة، لكن حتى عند قفزها على أصابع أقدامها، لم تكن بسرعة المشعين، وكان الفريق يُنجز مهمته بسرعة. سيشقون طريقهم، ويدخلون إلى هنا، ويجدونني.
شدّتني العاصفة من شعري الرطب وحاولت إلصاقه بعينيّ، لكنني دفعته للخلف، محدقًا عبر ضباب المطر العكر لأرى ضوءًا خافتًا في الأسفل. رفعت نظارتي الواقية وشغّلت عدسة التكبير.
بدأ بعضهم بالبحث تحت الأنقاض على الأرض، وخاصةً حول النتوءات على الجدران التي تُصدر ضوءًا خافتًا. بعضهم تجول داخل أكشاك المطعم، واقفين حارسين عند أبواب الإمدادات. بدا الأمر كما لو أنهم مضغوا ثقبًا كبيرًا في واحد على الأقل. وفي الجوار، تجمعت عدة كائنات حول آلة مشروبات، ومخالبها تشبه مخالب الخلد تمتد من الخلف، تخدش شيئًا ما.
انثنت أظافري وتشققت وأنا أمسك بإطار النافذة بقوة، وعقلي يسابق الزمن ليفكر فيما يجب فعله. الهرب، الاختباء… إسقاط مكتب على رؤوسهم.
كانت الكافيتريا في الأسفل، والمعرفة جعلت معدتي تصدر صوت قرقرة مزعجة بشكل خاص تردد صداها في المساحة المغلقة بين الطوابق.
“تراجعا!” أمر كولتر، وهو يركل فمًا مليئًا بالأسنان يعض أطرافه.
أدار كولتر رمحه حول ساعديه بضرباتٍ مُعقدة أضعفت ثلاثة وحوشٍ شرسةٍ قادمةٍ نحوه من كل جانب، ثم قتل رابعًا بطعنةٍ قويةٍ اخترقت صدره. في نظارتي، كان وجهه واضحًا بما يكفي لرؤية ابتسامةٍ ساخرةٍ مُرضيةٍ تتلوى على شفتيه وهو يسحب سلاحه. صررتُ على أسناني، متمنيًا أن يمزق غولٌ وجهه المُتغطرس.
أدركتُ أنني أطلتُ برأسي أكثر من اللازم، فسحبته للخلف. نظرة واحدة سريعة على المبنى، وربما يكتشفني شخصٌ ثاقب النظر.
لم يبدو أن ذلك أثر على المشعين. كانت للوحوش المتحولة مخالب وأنياب هائلة، لكن حتى عند قفزها على أصابع أقدامها، لم تكن بسرعة المشعين، وكان الفريق يُنجز مهمته بسرعة. سيشقون طريقهم، ويدخلون إلى هنا، ويجدونني.
لم أشعر بالراحة حقًا. كنتُ ضعيفًا، أغمى عليّ من الجوع أو الخوف أو المرض الوشيك، لست متأكدًا. عليّ مغادرة المدينة بسرعة، والوصول إلى هانا، وإبلاغ أحدهم بجثة سيث قبل أن يجدها ذلك الوحش الجهنمي. لو لم يكن قد فعل ذلك بالفعل.
بدا وجه ليون مُصابًا بكدمات، امتدت الكدمات من جبهته إلى عظمة الترقوة على جانبه الأيسر. بقي في مؤخرة المجموعة، يُلوّح بمطرقته ليقضي على الأعداء الذين تركهم كولتر يزحفون في دمائهم السوداء.
لا شيء على الجدران. ربما سقطت؟ اتجهتُ نحو الجدار الخلفي حيث رأيتُ المعروضات من قبل. كانت هناك خطافات تثبيت مزخرفة، لكن كومة من مفارش طاولات سوداء ومتهالكة للغاية —ربما ستائر فاخرة— ملقاة تحتها. وضعتُ إصبع قدمي تحت إحدى الطيات وبدأتُ برفعها بحذر، فتفتتت قطع من القماش الصناعي حتى اختفت تمامًا.
يتجه الفريق صوب غرفة الاتصالات، متأكدٌ من ذلك. هذا هو المكان الذي كنتُ متجهًا إليه لاحقًا. تمتلأ الغرفة بجميع تقنيات الجيل الجديد التي تعمل بتقنية الإشعاع التي قد تحتاجها أي عملية شبه عسكرية لإرسال إشارات طوارئ. لا حاجة لبطاريات أو شواحن أو كهرباء عاملة، وكلها تعمل على أنظمة طاقة مستقلة.
أشعر.. الموضوع طوّل، إما نعرف ما قدرة رونه، إما يتقدم شوية في حالته العويصة تلك..
بعد أن ثنيت شفتي، انحنيت برأسي أسفل المنصة التي فوقي ونظرت إلى الكافتيريا المهجورة.
كان المشعون أقرب وأسرع. لا يُمكنني أن أصل أولًا. عليّ أن أُجهض على أمل أن أتمكن من الاختباء لفترة كافية لأتمكن من التسلل إلى أي وسيلة نقل تأتي إليهم.
في قلب الحشد، فاق غولٌ واحدٌ الآخرين. نبتت ذراعان إضافيتان من ظهره، وانتهتا بمسامير حادة بدلًا من اليدين. عندما انزلق الوجه المزيف للخلف مع زئيره، كشف عن وجهٍ ممدودٍ أكثر حيوانيةً تحته. لا بد أنه قائد القطيع أو زعيمه.
ما إن رفعتُ قدمي لأخطو أول خطوة نحو الدرج حتى تسلل هدير جديد فوق صراخ الوحوش المحتضرة —صرخة قوية مدوية تردد صداها في أرجاء المباني. استمرّ الصوت كعواء ذئب، ثم ارتفع إلى نبرة غريبة وغير مريحة، فأثارت قشعريرة في ذراعيّ. ثم فجأةً، لم يعد وحيدًا، بل صرخات مئة غول متناغمة.
اندفعت الوحوش الشاحبة في تدافعٍ مُدوٍّ من مدخل البرج الثاني، جسدٌ لا يُميز عن الآخر. أفزعت موجةُ الأسنان المُصطكّة والمخالب القاطعة المُقبلة المشعين المُتصلبين، فتراجعوا فجأةً.
هذه فرصتي! ما زال بإمكاني الوصول إلى غرفة الاتصالات أولًا…
هدرتُ في رأسي، مُخيفًا نفسي قليلًا بشراستي المتعطشة للدماء. لم يكن هذا ما أريده، ذكّرتُ نفسي. لم يُقتلوا كأبطال يُقاتلون وحوشًا شرسة في مدينة مُهجورة.
عدتُ إلى ظلمة جزءٍ مُغلقٍ من الدرج، تاركًا الكافيتريا خلفي. بعد قليلٍ من النزول، انحنى الدرج، ولم أستطع رؤية ما وراء المنعطف. تمسكتُ بالحائط، وأذناي مُصغيتان لأي صوت. خطوتُ الخطوتين التاليتين ببطءٍ شديد، ساقي السليمة أولًا، والساق المصابة خلفها. ملأ أنفاسي أذنيّ، وكل هدير رعدٍ بعيد بدا كصوت شخصٍ آخر يتنفس بعيدًا عن الأنظار.
في الأسفل، ضغط المشعون بقوة على بعضهم البعض، وكانت أسلحتهم عبارة عن ضبابية في الحركة.
هدرتُ في رأسي، مُخيفًا نفسي قليلًا بشراستي المتعطشة للدماء. لم يكن هذا ما أريده، ذكّرتُ نفسي. لم يُقتلوا كأبطال يُقاتلون وحوشًا شرسة في مدينة مُهجورة.
لُطخت بريسيلا بالدماء على ساق بنطالها الجلدي، وتواجد جرح في جانب رقبتها، لكن ذلك لم يُبطئها. قضت على اثنين من الغيلان بطعنات سريعة ودقيقة من شفراتها لأعلى عبر ريشهم الناعم، وحمت هالتها الإشعاعية معصميها من الأسنان الحادة.
“تراجعا!” أمر كولتر، وهو يركل فمًا مليئًا بالأسنان يعض أطرافه.
ولكن الأهم هو الأول.
تسعة أزواج من العيون الصفراء المتوهجة تحدق بي من الظلام، جالسة فوق الطاولات أو متكئة على الطاولات. بحجم القطط، وظهورها وذيولها الشبيهة بالمجداف، مزينة بأشواك تشبه القنافذ، لكن رؤوسها النحيلة وأنوفها الطويلة بدت أشبه بآكلات، إلا أنها انتهت بناضين حادين بارزين من تحت أنوفها السوداء. كانت النوافذ هنا قذرة، تحجب الكثير من ضوء النهار البائس، لكن في ومضات البرق، استطعت تمييز ألسنة نحيلة كالقش تخرج من أنوفها. واحدًا تلو الآخر، عادوا للبحث عن الطعام، متجاهلين إياي.
بدأ السرب الضخم يحاصرهم، وانقسم إلى تيارين حول المشعين. تحولت مجموعة كولتر إلى تشكيل يشبه السهم، وشقت طريقها عائدةً إلى أسفل الشارع، ولكن مقابل كل جثة أسقطوها، كان اثنان آخران يتقدمان.
في قلب الحشد، فاق غولٌ واحدٌ الآخرين. نبتت ذراعان إضافيتان من ظهره، وانتهتا بمسامير حادة بدلًا من اليدين. عندما انزلق الوجه المزيف للخلف مع زئيره، كشف عن وجهٍ ممدودٍ أكثر حيوانيةً تحته. لا بد أنه قائد القطيع أو زعيمه.
إنه سلاح بائس، لكنه كل ما أملكه الآن. وزنه في يدي كافٍ لأقنع نفسي تقريبًا بأنه سيوفر لي ثانية أو ثانيتين إضافيتين.
وكان معي في المبنى طوال هذا الوقت… ارتجفتُ، وشعرتُ فجأةً بأنني مُراقَبٌ ومُلاحق. نظرتُ خلفي، على امتداد الأرضية، نحو الدرج والأبواب والممرات المتفرعة.
أخيرًا، استطعتُ إلقاء نظرة خاطفة حول المنحنى ورؤية الهبوط المؤدي إلى الأجنحة الطبية. إنه خالٍ. وكذلك كان الردهة خلفه. حومتُ على الهبوط. نبضت ساقي بشدة، تلك الهرولة الأخيرة عبر قاعة الرقص أثّرت سلبًا عليها. شعرتُ بحرارة وتورم في ربلة ساقي، والضمادة المؤقتة تجرح بشرتي.
عندما تأكدتُ من عدم وجود شيء ونظرتُ إلى الأسفل، كان القائد يشق طريقه عبر أتباعه نحو المشعين. طعن بسرعة الأفعى بذراعيه الأوسطتين. بالكاد أوقفت ريا أحدهما بفأسها. أما الآخر، فقد ترك ليون متشبثًا بجانبه المثقوب حديثًا. كاد أن يسقط على ركبة واحدة، لكن ريا سددت فأسها ببراعة عبر غول حاول عضّ الحبل الشوكي لليون، وسحبته من ذراعه بينما صدّ كولتر القائد بطعنات انتقامية من رمحه.
انحنى عنقه نحوي قبل أن ينطفئ الضوء إلى الأبد.
عدتُ إلى الدرج، وكان صوت طقطقة أوراق الشجر تحت قدميّ عاليًا جدًا. صرّرت يداي المبللتان على الدرابزين، مما جعل أسناني ترتجف بشدة وأنا أشقّ طريقي عبر المساحة المغلقة القصيرة وأخرج إلى قاعة الرقص. تدلّت أسلاك وأنابيب إشعاع من السقف. في مكان ما، قطّر الماء بأصوات طرية. لم تكن الكراسي والطاولات سوى حطب مشتعل. بدا وكأن شيئًا كبيرًا قد اجتاح المكان.
تحرك فم كولتر بأوامر لم أستطع فهمها بسبب دوي الرعد. انزوت بريسيلا بجانبه، مواجهةً الأبراج، واستخدمتا حركات شفرة مذهلة لصد هجوم الحشد الرئيسي الساحق، مما أتاح مساحة كافية لريا وليون لتنفيذ حركات دوارة كاسحة بأسلحتهما الثقيلة على الجناح. انكسرت صفوف الحشد الرفيعة خلف الفريق، واندفع المشعون عبر الفجوة، واختفوا خلف مبنى منهار على الجانب الآخر من الشارع، لا تدعمه سوى جذور الأشجار المتسللة عبر أحد الجدران.
عليّ أن أغامر بالدخول إلى عمق المبنى، وأن أسرع. حاول كولتر الدخول إلى هنا مرةً. ما الذي سيمنعه من إعادة تجميع صفوفه ومحاولة أخرى؟
يتجه الفريق صوب غرفة الاتصالات، متأكدٌ من ذلك. هذا هو المكان الذي كنتُ متجهًا إليه لاحقًا. تمتلأ الغرفة بجميع تقنيات الجيل الجديد التي تعمل بتقنية الإشعاع التي قد تحتاجها أي عملية شبه عسكرية لإرسال إشارات طوارئ. لا حاجة لبطاريات أو شواحن أو كهرباء عاملة، وكلها تعمل على أنظمة طاقة مستقلة.
هذه فرصتي! ما زال بإمكاني الوصول إلى غرفة الاتصالات أولًا…
تسللتُ عبر الردهة، وتوقفتُ عند الأبواب المزدوجة المتأرجحة المؤدية إلى غرف الإختبار. رفعتُ ثقلًا ورقيًا، واستخدمتُ إصبعين من يدي الأخرى لفتح أحد الأبواب قليلًا.
لكن الحشد لم يُطاردهم. تراجع معظمهم أدراجهم، يتمايلون وهم يُحدقون في المكان الذي اختفى فيه المشعون. انزلق وجه الألفا فوق فمه، وبأمرٍ هديرٍ منه، تراجع الآخرون عائدين من حيث أتوا. عائدين مباشرةً إلى ردهة البرج الثاني.
هل هذا كلهم؟ كم عددهم معي هنا إذًا؟ هل سيبقون هناك، أم يعتبرون هذا المبنى ملكًا لهم؟
انثنت أظافري وتشققت وأنا أمسك بإطار النافذة بقوة، وعقلي يسابق الزمن ليفكر فيما يجب فعله. الهرب، الاختباء… إسقاط مكتب على رؤوسهم.
“تراجعا!” أمر كولتر، وهو يركل فمًا مليئًا بالأسنان يعض أطرافه.
عُدتُ إلى المساحة الضيقة تحت تلك الشجرة، أحدق في الأضواء البيضاء الجليدية في تجاويف الغول الجريح المظلمة، ولسانه الأسود ينزلق بين أنيابه التي يبلغ طولها ثلاث بوصات. ربما عليّ أن أترك البرجين تمامًا، وأعود إلى السطح، وأبحث عن مكان جديد أختبئ فيه؟
حجبت رطوبة بيضاء ضبابية رؤيتي، فمسحتُ إبهامي على عدسات نظارتي الواقية لأُزيلها. لكنها لم تكن على العدسات، بل تتحرك، تطفو من بين الجثث المتناثرة عند قدمي بريسيلا.
إنه صغير، ربما بحجم قطة. ربما ليس وحشًا مفترسًا، مجرد حيوان عادي خائف. لم يظهر مجددًا، لكنني أعلم بوجوده، ولا أستطيع أن أرفع قدميّ عن الدرج لأتحقق من وجود سلاح. لم أرَ أي أثر لنصل عظمي في الثواني القليلة التي تسللتُ فيها من تحت الستارة.
و افعل ماذا؟
إنه سلاح بائس، لكنه كل ما أملكه الآن. وزنه في يدي كافٍ لأقنع نفسي تقريبًا بأنه سيوفر لي ثانية أو ثانيتين إضافيتين.
مددت يديَّ المكوَّرتين بحرص من النافذة المكسورة، وارتشفتُ الماء حتى هدأ عطشي. ثم فتشت الغرفة بحثًا عن شيء حاد أو ثقيل. على الأرض بجانب أحد المكاتب، وجدتُ كرة كثيفة بداخلها دوامات من الكوبالت. ربما هي ثقل ورق لسكرتيرة؟ رميتها وأمسكتها مرة واحدة، محاولًا اختبار ثقلها.
أجلس جائعًا آكل العشب وأشرب ماء المطر بينما أنتظر كولتر ليأتيني؟ ثم أنتظر مروحية النقل، وأُسرع للخارج، آملًا أن يروني قبل أن يُقلعوا، ثم أُكبَّل بالأصفاد بفضل أكاذيب كولتر؟ وهذا لو لم أمت بالعدوى.
نظرتُ إلى جرح ساقي وضمادتي الممزقة، التي جررتها عبر مياه راكدة ربما هي مليئة بالبكتيريا. أنا متأكد أن باقي جسدي لا يبدو حارًا جدًا. أنا بحاجة إلى رعاية طبية، وطعام. إن البرجان أفضل فرصة لي للحصول على كليهما.
لم أشعر بالراحة حقًا. كنتُ ضعيفًا، أغمى عليّ من الجوع أو الخوف أو المرض الوشيك، لست متأكدًا. عليّ مغادرة المدينة بسرعة، والوصول إلى هانا، وإبلاغ أحدهم بجثة سيث قبل أن يجدها ذلك الوحش الجهنمي. لو لم يكن قد فعل ذلك بالفعل.
جربتُ الأضواء، فسمعتُ صوت تشغيل طاقة الإشعاع داخل الأنابيب، يُصدرُ صوتَ أزيزٍ كأزيز مفصلاتٍ صدئةٍ بدلًا من الطنين المعتاد. أطلق المصباحان المُتدليان شرارات. لحسن الحظ، يضيء أحدُ المصابيح فوق مكتب الاستقبال ضوءًا خافتًا، ولكنه ثابت، من خلال الأوساخ على غطائه الزجاجي.
عليّ أن أغامر بالدخول إلى عمق المبنى، وأن أسرع. حاول كولتر الدخول إلى هنا مرةً. ما الذي سيمنعه من إعادة تجميع صفوفه ومحاولة أخرى؟
ولكن الأهم هو الأول.
انحنى عنقه نحوي قبل أن ينطفئ الضوء إلى الأبد.
مددت يديَّ المكوَّرتين بحرص من النافذة المكسورة، وارتشفتُ الماء حتى هدأ عطشي. ثم فتشت الغرفة بحثًا عن شيء حاد أو ثقيل. على الأرض بجانب أحد المكاتب، وجدتُ كرة كثيفة بداخلها دوامات من الكوبالت. ربما هي ثقل ورق لسكرتيرة؟ رميتها وأمسكتها مرة واحدة، محاولًا اختبار ثقلها.
ماذا تتوقع أن تفعل بهذا؟ سألني صوت سيث في رأسي.
إنه صغير، ربما بحجم قطة. ربما ليس وحشًا مفترسًا، مجرد حيوان عادي خائف. لم يظهر مجددًا، لكنني أعلم بوجوده، ولا أستطيع أن أرفع قدميّ عن الدرج لأتحقق من وجود سلاح. لم أرَ أي أثر لنصل عظمي في الثواني القليلة التي تسللتُ فيها من تحت الستارة.
إنه سلاح بائس، لكنه كل ما أملكه الآن. وزنه في يدي كافٍ لأقنع نفسي تقريبًا بأنه سيوفر لي ثانية أو ثانيتين إضافيتين.
تسعة أزواج من العيون الصفراء المتوهجة تحدق بي من الظلام، جالسة فوق الطاولات أو متكئة على الطاولات. بحجم القطط، وظهورها وذيولها الشبيهة بالمجداف، مزينة بأشواك تشبه القنافذ، لكن رؤوسها النحيلة وأنوفها الطويلة بدت أشبه بآكلات، إلا أنها انتهت بناضين حادين بارزين من تحت أنوفها السوداء. كانت النوافذ هنا قذرة، تحجب الكثير من ضوء النهار البائس، لكن في ومضات البرق، استطعت تمييز ألسنة نحيلة كالقش تخرج من أنوفها. واحدًا تلو الآخر، عادوا للبحث عن الطعام، متجاهلين إياي.
سأكون بخير، قلتُ لنفسي، “طلبًا” أكثر منه “طمأنينة”. لا تهتم الوحوش المتحولة بي. بدون إشعاع، لا أحقق أيًا من رغباتهم الغريزية. تركني الغول الجريح وحدي. لماذا لا يفعل الآخرون؟
اندفعت الوحوش الشاحبة في تدافعٍ مُدوٍّ من مدخل البرج الثاني، جسدٌ لا يُميز عن الآخر. أفزعت موجةُ الأسنان المُصطكّة والمخالب القاطعة المُقبلة المشعين المُتصلبين، فتراجعوا فجأةً.
نعم… بالتأكيد. لا مجال للخطأ…
عدتُ إلى الدرج، وكان صوت طقطقة أوراق الشجر تحت قدميّ عاليًا جدًا. صرّرت يداي المبللتان على الدرابزين، مما جعل أسناني ترتجف بشدة وأنا أشقّ طريقي عبر المساحة المغلقة القصيرة وأخرج إلى قاعة الرقص. تدلّت أسلاك وأنابيب إشعاع من السقف. في مكان ما، قطّر الماء بأصوات طرية. لم تكن الكراسي والطاولات سوى حطب مشتعل. بدا وكأن شيئًا كبيرًا قد اجتاح المكان.
استدرتُ نحو الصرخة المُرعبة، وأحذيةٌ تُكسر على الزجاج وحطامٌ مُتناثرٌ في الردهة، لأجد نفسي ما زلتُ وحدي. تسللت المزيد من الصرخات عبر النوافذ المكسورة، مُمتزجةً بأصوات الرعد الحادة في جوقةٍ جهنمية. أصواتٌ بشرية، مكتومةٌ لكنها آمرة، زادت من نبضي أكثر من أصوات الغيلان. خشيةً من أن أعرف بالضبط ما سأجده، تسللتُ إلى الجدار بجانب النافذة، مُمسكًا معدتي. تشبثتُ بجانب العتبة لأُثبت نفسي على قمة الأرضية المنحدرة، ونظرتُ إلى الأسفل.
سأعود إلى هنا بعد أن أُوصل رسالتي، ويفضل أن يكون معي سلاحٌ أفضل من هذا الثقل الورقي السخيف. بالطبع، المسبك الذي أعمل فيه هو أفضل مكان للعثور عليهم، لكنه تحت الأرض. عليّ تجاوز الردهة حيث يتسكع كل هؤلاء الأشباح.
نبضي يدق، نزلتُ من الدرج، ممسكًا بثقل الورق بقوة إلى جانبي، ونظرتُ حولي بحثًا عن أي أثر لسلاح حقيقي. رأيتُ موظفي الفعاليات يُجهّزون الحفلات عدة مرات، وبين الحين والآخر، يعرضون سلاحًا أو اثنين —سواءً كانوا يحاولون استعراض تصميم جديد أو إبهار المستثمرين بتحف شقوق أصلية، لم أكن أعرف أو أهتم.
استدرتُ نحو الصرخة المُرعبة، وأحذيةٌ تُكسر على الزجاج وحطامٌ مُتناثرٌ في الردهة، لأجد نفسي ما زلتُ وحدي. تسللت المزيد من الصرخات عبر النوافذ المكسورة، مُمتزجةً بأصوات الرعد الحادة في جوقةٍ جهنمية. أصواتٌ بشرية، مكتومةٌ لكنها آمرة، زادت من نبضي أكثر من أصوات الغيلان. خشيةً من أن أعرف بالضبط ما سأجده، تسللتُ إلى الجدار بجانب النافذة، مُمسكًا معدتي. تشبثتُ بجانب العتبة لأُثبت نفسي على قمة الأرضية المنحدرة، ونظرتُ إلى الأسفل.
لا شيء على الجدران. ربما سقطت؟ اتجهتُ نحو الجدار الخلفي حيث رأيتُ المعروضات من قبل. كانت هناك خطافات تثبيت مزخرفة، لكن كومة من مفارش طاولات سوداء ومتهالكة للغاية —ربما ستائر فاخرة— ملقاة تحتها. وضعتُ إصبع قدمي تحت إحدى الطيات وبدأتُ برفعها بحذر، فتفتتت قطع من القماش الصناعي حتى اختفت تمامًا.
صرخة!
في الشارع المكتظّ، اشتبك كولتر، وريا، وبريسيلا، وليون مع قطيع من الغيلان. لم يكن آل كالهون في الأفق —ربما ميتان أو متروكان.
إنه صغير، ربما بحجم قطة. ربما ليس وحشًا مفترسًا، مجرد حيوان عادي خائف. لم يظهر مجددًا، لكنني أعلم بوجوده، ولا أستطيع أن أرفع قدميّ عن الدرج لأتحقق من وجود سلاح. لم أرَ أي أثر لنصل عظمي في الثواني القليلة التي تسللتُ فيها من تحت الستارة.
ارتجفت أعصابي كأصوات نشاز في مفاتيح البيانو. لفت انتباهي صوت احتكاك المخالب إلى انتفاخ متحرك أسفل القماش.
أضاء وميض البرق الغرفة، ورأيت لمحة من الأشواك الطويلة والمخالب القصيرة السميكة تتحرك تحت كومة من قطع الطاولة المكسورة.
بصرخة، اندفعتُ نحو الدرج، وتأرجحتُ فوق الدرابزين لأضع شيئًا تحتي والوحش. انحنيتُ هناك، وثقل الورق مرفوعًا على وجهي، وعيناي تتجولان باحثتين عن أي شيء.
لا شيء على الجدران. ربما سقطت؟ اتجهتُ نحو الجدار الخلفي حيث رأيتُ المعروضات من قبل. كانت هناك خطافات تثبيت مزخرفة، لكن كومة من مفارش طاولات سوداء ومتهالكة للغاية —ربما ستائر فاخرة— ملقاة تحتها. وضعتُ إصبع قدمي تحت إحدى الطيات وبدأتُ برفعها بحذر، فتفتتت قطع من القماش الصناعي حتى اختفت تمامًا.
أضاء وميض البرق الغرفة، ورأيت لمحة من الأشواك الطويلة والمخالب القصيرة السميكة تتحرك تحت كومة من قطع الطاولة المكسورة.
إنه صغير، ربما بحجم قطة. ربما ليس وحشًا مفترسًا، مجرد حيوان عادي خائف. لم يظهر مجددًا، لكنني أعلم بوجوده، ولا أستطيع أن أرفع قدميّ عن الدرج لأتحقق من وجود سلاح. لم أرَ أي أثر لنصل عظمي في الثواني القليلة التي تسللتُ فيها من تحت الستارة.
أضاء وميض البرق الغرفة، ورأيت لمحة من الأشواك الطويلة والمخالب القصيرة السميكة تتحرك تحت كومة من قطع الطاولة المكسورة.
استدرتُ نحو الصرخة المُرعبة، وأحذيةٌ تُكسر على الزجاج وحطامٌ مُتناثرٌ في الردهة، لأجد نفسي ما زلتُ وحدي. تسللت المزيد من الصرخات عبر النوافذ المكسورة، مُمتزجةً بأصوات الرعد الحادة في جوقةٍ جهنمية. أصواتٌ بشرية، مكتومةٌ لكنها آمرة، زادت من نبضي أكثر من أصوات الغيلان. خشيةً من أن أعرف بالضبط ما سأجده، تسللتُ إلى الجدار بجانب النافذة، مُمسكًا معدتي. تشبثتُ بجانب العتبة لأُثبت نفسي على قمة الأرضية المنحدرة، ونظرتُ إلى الأسفل.
بعد أن سيطرت على أنفاسي، غادرتُ قاعة الرقص، مُحافظًا على هدوء خطواتي قدر الإمكان. مع كل قفزة إلى الدرجة التالية، كان ألم عضلة الساق يخترق ساقي. لقد بذلتُ جهدًا كبيرًا خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، راكضًا من الوحوش، ومتمشّيًا في غابة حضرية.
“تراجعا!” أمر كولتر، وهو يركل فمًا مليئًا بالأسنان يعض أطرافه.
كانت الكافيتريا في الأسفل، والمعرفة جعلت معدتي تصدر صوت قرقرة مزعجة بشكل خاص تردد صداها في المساحة المغلقة بين الطوابق.
الفصل 12 – محاصر
بينما أسير على أطراف أصابعي إلى الكافتيريا، أخذتُ نفسًا عميقًا لا إراديًا من أنفي، مُنبئًا إياه برائحة لذيذة. لكن بدلًا من ذلك، استنشقتُ هواءً راكدًا مُغبرًا، مُشوبًا برائحة خفيفة لكن كريهة، كأن شيئًا ما قد تَكوّمَ ومات في مكان ما في الغرفة المجاورة.
بعد أن ثنيت شفتي، انحنيت برأسي أسفل المنصة التي فوقي ونظرت إلى الكافتيريا المهجورة.
أدركتُ أنني أطلتُ برأسي أكثر من اللازم، فسحبته للخلف. نظرة واحدة سريعة على المبنى، وربما يكتشفني شخصٌ ثاقب النظر.
رقبتي وخزت.
“تراجعا!” أمر كولتر، وهو يركل فمًا مليئًا بالأسنان يعض أطرافه.
لُطخت بريسيلا بالدماء على ساق بنطالها الجلدي، وتواجد جرح في جانب رقبتها، لكن ذلك لم يُبطئها. قضت على اثنين من الغيلان بطعنات سريعة ودقيقة من شفراتها لأعلى عبر ريشهم الناعم، وحمت هالتها الإشعاعية معصميها من الأسنان الحادة.
تسعة أزواج من العيون الصفراء المتوهجة تحدق بي من الظلام، جالسة فوق الطاولات أو متكئة على الطاولات. بحجم القطط، وظهورها وذيولها الشبيهة بالمجداف، مزينة بأشواك تشبه القنافذ، لكن رؤوسها النحيلة وأنوفها الطويلة بدت أشبه بآكلات، إلا أنها انتهت بناضين حادين بارزين من تحت أنوفها السوداء. كانت النوافذ هنا قذرة، تحجب الكثير من ضوء النهار البائس، لكن في ومضات البرق، استطعت تمييز ألسنة نحيلة كالقش تخرج من أنوفها. واحدًا تلو الآخر، عادوا للبحث عن الطعام، متجاهلين إياي.
صرخة!
في الأسفل، ضغط المشعون بقوة على بعضهم البعض، وكانت أسلحتهم عبارة عن ضبابية في الحركة.
بدأ بعضهم بالبحث تحت الأنقاض على الأرض، وخاصةً حول النتوءات على الجدران التي تُصدر ضوءًا خافتًا. بعضهم تجول داخل أكشاك المطعم، واقفين حارسين عند أبواب الإمدادات. بدا الأمر كما لو أنهم مضغوا ثقبًا كبيرًا في واحد على الأقل. وفي الجوار، تجمعت عدة كائنات حول آلة مشروبات، ومخالبها تشبه مخالب الخلد تمتد من الخلف، تخدش شيئًا ما.
عدتُ إلى الدرج، وكان صوت طقطقة أوراق الشجر تحت قدميّ عاليًا جدًا. صرّرت يداي المبللتان على الدرابزين، مما جعل أسناني ترتجف بشدة وأنا أشقّ طريقي عبر المساحة المغلقة القصيرة وأخرج إلى قاعة الرقص. تدلّت أسلاك وأنابيب إشعاع من السقف. في مكان ما، قطّر الماء بأصوات طرية. لم تكن الكراسي والطاولات سوى حطب مشتعل. بدا وكأن شيئًا كبيرًا قد اجتاح المكان.
غرق الجانب البعيد من القاعة في ظلام دامس، لكن في ضوء الباب الخافت، لم أرَ أي حركة، سوى أرضيات قذرة، وطلاء متشقق على الجدران، وغرفة فحص مغلقة. فتحتُها على مصراعيها، لأرى إحدى زوايا غرفة الممرضات بارزة من خلف الزاوية. لعلّي أجد ما أحتاجه هناك دون أن أضطر إلى مواصلة السير في متاهة القاعات.
بدوا لي مطيعين الآن، لكن لو كانوا يأكلون شيئًا هناك، شككت في أنهم سيتقبلون بحثي عن طعامي. على أي حال، لديّ أولويات أخرى. ربما يستعد كولتر لمهاجمة الردهة مجددًا الآن. أو ربما يتسلق الفوهة ليدخل عبر السقف كما فعلت.
سأعود إلى هنا بعد أن أُوصل رسالتي، ويفضل أن يكون معي سلاحٌ أفضل من هذا الثقل الورقي السخيف. بالطبع، المسبك الذي أعمل فيه هو أفضل مكان للعثور عليهم، لكنه تحت الأرض. عليّ تجاوز الردهة حيث يتسكع كل هؤلاء الأشباح.
نظرتُ إلى جرح ساقي وضمادتي الممزقة، التي جررتها عبر مياه راكدة ربما هي مليئة بالبكتيريا. أنا متأكد أن باقي جسدي لا يبدو حارًا جدًا. أنا بحاجة إلى رعاية طبية، وطعام. إن البرجان أفضل فرصة لي للحصول على كليهما.
تسللتُ عبر الردهة، وتوقفتُ عند الأبواب المزدوجة المتأرجحة المؤدية إلى غرف الإختبار. رفعتُ ثقلًا ورقيًا، واستخدمتُ إصبعين من يدي الأخرى لفتح أحد الأبواب قليلًا.
عدتُ إلى ظلمة جزءٍ مُغلقٍ من الدرج، تاركًا الكافيتريا خلفي. بعد قليلٍ من النزول، انحنى الدرج، ولم أستطع رؤية ما وراء المنعطف. تمسكتُ بالحائط، وأذناي مُصغيتان لأي صوت. خطوتُ الخطوتين التاليتين ببطءٍ شديد، ساقي السليمة أولًا، والساق المصابة خلفها. ملأ أنفاسي أذنيّ، وكل هدير رعدٍ بعيد بدا كصوت شخصٍ آخر يتنفس بعيدًا عن الأنظار.
عليّ أن أغامر بالدخول إلى عمق المبنى، وأن أسرع. حاول كولتر الدخول إلى هنا مرةً. ما الذي سيمنعه من إعادة تجميع صفوفه ومحاولة أخرى؟
أخيرًا، استطعتُ إلقاء نظرة خاطفة حول المنحنى ورؤية الهبوط المؤدي إلى الأجنحة الطبية. إنه خالٍ. وكذلك كان الردهة خلفه. حومتُ على الهبوط. نبضت ساقي بشدة، تلك الهرولة الأخيرة عبر قاعة الرقص أثّرت سلبًا عليها. شعرتُ بحرارة وتورم في ربلة ساقي، والضمادة المؤقتة تجرح بشرتي.
سار الغول خلف مكتب الممرضة، وهو يسحب مخالبه الطوال على الأرض بينما يتجه نحو الضوء المتذبذب في السقف، ورأسه مائل.
إذا صادفتُ شيئًا أكبر من تلك المخلوقات القنفذية بيني وبين غرفة الاتصالات، فسأحتاج إلى السرعة. ربما عليّ على الأقل إحضار بخاخ مطهر وكريم مخدر؟
رقبتي وخزت.
أدار كولتر رمحه حول ساعديه بضرباتٍ مُعقدة أضعفت ثلاثة وحوشٍ شرسةٍ قادمةٍ نحوه من كل جانب، ثم قتل رابعًا بطعنةٍ قويةٍ اخترقت صدره. في نظارتي، كان وجهه واضحًا بما يكفي لرؤية ابتسامةٍ ساخرةٍ مُرضيةٍ تتلوى على شفتيه وهو يسحب سلاحه. صررتُ على أسناني، متمنيًا أن يمزق غولٌ وجهه المُتغطرس.
بدت هذه الأرضية أفضل بكثير من غيرها مما رأيته. لم تنتشر رائحة الرطوبة والعفن بنفس الدرجة، مع أن قطعًا من الطحالب الذهبية كانت تلتصق ببعض الزوايا. انثنت إحدى أرجل مكتب موظفة الاستقبال، وسقطت بعض المصابيح الغائرة من السقف المتضرر بالمياه، متدلية من الأسلاك، لكنها بدت في معظمها سليمة من تأثير الشق. مع ذلك، لا نوافذ بها، مما ترك الظلال تتسلل في كل زاوية.
صرخة!
جربتُ الأضواء، فسمعتُ صوت تشغيل طاقة الإشعاع داخل الأنابيب، يُصدرُ صوتَ أزيزٍ كأزيز مفصلاتٍ صدئةٍ بدلًا من الطنين المعتاد. أطلق المصباحان المُتدليان شرارات. لحسن الحظ، يضيء أحدُ المصابيح فوق مكتب الاستقبال ضوءًا خافتًا، ولكنه ثابت، من خلال الأوساخ على غطائه الزجاجي.
انثنت أظافري وتشققت وأنا أمسك بإطار النافذة بقوة، وعقلي يسابق الزمن ليفكر فيما يجب فعله. الهرب، الاختباء… إسقاط مكتب على رؤوسهم.
تسللتُ عبر الردهة، وتوقفتُ عند الأبواب المزدوجة المتأرجحة المؤدية إلى غرف الإختبار. رفعتُ ثقلًا ورقيًا، واستخدمتُ إصبعين من يدي الأخرى لفتح أحد الأبواب قليلًا.
غرق الجانب البعيد من القاعة في ظلام دامس، لكن في ضوء الباب الخافت، لم أرَ أي حركة، سوى أرضيات قذرة، وطلاء متشقق على الجدران، وغرفة فحص مغلقة. فتحتُها على مصراعيها، لأرى إحدى زوايا غرفة الممرضات بارزة من خلف الزاوية. لعلّي أجد ما أحتاجه هناك دون أن أضطر إلى مواصلة السير في متاهة القاعات.
سأعود إلى هنا بعد أن أُوصل رسالتي، ويفضل أن يكون معي سلاحٌ أفضل من هذا الثقل الورقي السخيف. بالطبع، المسبك الذي أعمل فيه هو أفضل مكان للعثور عليهم، لكنه تحت الأرض. عليّ تجاوز الردهة حيث يتسكع كل هؤلاء الأشباح.
دفعتُ الباب على مصراعيه، ودخلتُ، فوجدتُ مفتاح الإضاءة على الحائط. عملت الأنابيبُ بصعوبة. توهج ضوءان، لكن أحدهما انفجر بفرقعةٍ كهربائيةٍ ورنينٍ زجاجيٍّ صدم حواسي، مُستدعيًا صرخةً مكتومةً من حلقي المُتشنِّج. أما الآخر، فقد ظلَّ مضاءً، لكن بصعوبة، يتلألأ كشمعةٍ مُخمَدة، مُلقيًا بريقًا خافتة على غرفة المُمرضة.
عندما ظهر الوجه الأول في التركيز، انحنيت إلى أسفل، والنبض ينبض بقوة.
تسارعت نبضات قلبي، وعرجت نحو المكتب الكبير، ورائحة الأسلاك المحروقة اللاذعة تلسع أنفي. وبينما أدور حول الزاوية، تجمدتُ في مكاني، وقد سيطر عليّ رعبٌ اجتاح جسدي كله.
ارتجفت أعصابي كأصوات نشاز في مفاتيح البيانو. لفت انتباهي صوت احتكاك المخالب إلى انتفاخ متحرك أسفل القماش.
سار الغول خلف مكتب الممرضة، وهو يسحب مخالبه الطوال على الأرض بينما يتجه نحو الضوء المتذبذب في السقف، ورأسه مائل.
استدرتُ نحو الصرخة المُرعبة، وأحذيةٌ تُكسر على الزجاج وحطامٌ مُتناثرٌ في الردهة، لأجد نفسي ما زلتُ وحدي. تسللت المزيد من الصرخات عبر النوافذ المكسورة، مُمتزجةً بأصوات الرعد الحادة في جوقةٍ جهنمية. أصواتٌ بشرية، مكتومةٌ لكنها آمرة، زادت من نبضي أكثر من أصوات الغيلان. خشيةً من أن أعرف بالضبط ما سأجده، تسللتُ إلى الجدار بجانب النافذة، مُمسكًا معدتي. تشبثتُ بجانب العتبة لأُثبت نفسي على قمة الأرضية المنحدرة، ونظرتُ إلى الأسفل.
انحنى عنقه نحوي قبل أن ينطفئ الضوء إلى الأبد.
الفصل 12 – محاصر
بدأ السرب الضخم يحاصرهم، وانقسم إلى تيارين حول المشعين. تحولت مجموعة كولتر إلى تشكيل يشبه السهم، وشقت طريقها عائدةً إلى أسفل الشارع، ولكن مقابل كل جثة أسقطوها، كان اثنان آخران يتقدمان.
————————
لكن الحشد لم يُطاردهم. تراجع معظمهم أدراجهم، يتمايلون وهم يُحدقون في المكان الذي اختفى فيه المشعون. انزلق وجه الألفا فوق فمه، وبأمرٍ هديرٍ منه، تراجع الآخرون عائدين من حيث أتوا. عائدين مباشرةً إلى ردهة البرج الثاني.
لكن الحشد لم يُطاردهم. تراجع معظمهم أدراجهم، يتمايلون وهم يُحدقون في المكان الذي اختفى فيه المشعون. انزلق وجه الألفا فوق فمه، وبأمرٍ هديرٍ منه، تراجع الآخرون عائدين من حيث أتوا. عائدين مباشرةً إلى ردهة البرج الثاني.
أشعر.. الموضوع طوّل، إما نعرف ما قدرة رونه، إما يتقدم شوية في حالته العويصة تلك..
بينما أسير على أطراف أصابعي إلى الكافتيريا، أخذتُ نفسًا عميقًا لا إراديًا من أنفي، مُنبئًا إياه برائحة لذيذة. لكن بدلًا من ذلك، استنشقتُ هواءً راكدًا مُغبرًا، مُشوبًا برائحة خفيفة لكن كريهة، كأن شيئًا ما قد تَكوّمَ ومات في مكان ما في الغرفة المجاورة.
عُدتُ إلى المساحة الضيقة تحت تلك الشجرة، أحدق في الأضواء البيضاء الجليدية في تجاويف الغول الجريح المظلمة، ولسانه الأسود ينزلق بين أنيابه التي يبلغ طولها ثلاث بوصات. ربما عليّ أن أترك البرجين تمامًا، وأعود إلى السطح، وأبحث عن مكان جديد أختبئ فيه؟
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
سار الغول خلف مكتب الممرضة، وهو يسحب مخالبه الطوال على الأرض بينما يتجه نحو الضوء المتذبذب في السقف، ورأسه مائل.
عدتُ إلى الدرج، وكان صوت طقطقة أوراق الشجر تحت قدميّ عاليًا جدًا. صرّرت يداي المبللتان على الدرابزين، مما جعل أسناني ترتجف بشدة وأنا أشقّ طريقي عبر المساحة المغلقة القصيرة وأخرج إلى قاعة الرقص. تدلّت أسلاك وأنابيب إشعاع من السقف. في مكان ما، قطّر الماء بأصوات طرية. لم تكن الكراسي والطاولات سوى حطب مشتعل. بدا وكأن شيئًا كبيرًا قد اجتاح المكان.
