Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

مُصاغ الروح 24

لسعات عدة

لسعات عدة

الفصل 24 — لسعات عدة

لفتت انتباه فينتان بنظرة جانبية، وارتفع حاجباي.

 

وخزتني مؤخرة رمح فينتان في ظهري. “كفى مناداته بذلك.”

كان النسيم يصفّر على نحو غريب وهو يمرّ بين هياكل السيارات، فيثير أوراقًا من الأدغال الكثيفة المقتلَعة خلفنا، ويرسلها طافية فوق التقاطع الخالي. ظللتُ أحدّق في قائد الغيلان، وعقلي يدور. اثنان ضد عشرة… لماذا لم يغامروا؟

لا بد من أن يدفع أحدهم ثمن سيث.

 

“هذا عذر واهٍ. إنه يتنمر عليك كما يتنمر على أي شخص آخر. لا دخل للأخوة بذلك.” ابتلعت ريقي بصعوبة. “لم نكن أنا وأخي على وفاق دائمًا، لكنه لم يعاملني بهذه الطريقة أبدًا.”

هل كانوا يلتفّون للعودة ومحاولة مباغتتنا؟ أم أن شيئًا ما أفزعهم؟

ارتجف جبينه، لكنه لم ينظر إليّ. “ماذا تقصد؟”

 

انطبقت الفكوك بقوة وسحقت بعضها البعض تحسبًا لتمزيق لحمي.

“واصل التحرّك يا خامل.” جذبني جافين من ياقة ملابسي ودفعني بوجهي مباشرةً إلى شبكة عنكبوت متوهّجة باللون الأخضر.

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

 

————————

بصقتُ خيوطها الحريرية من فمي بينما ضحك جافين. “هكذا، افتح الطريق بوجهك.”

أمر جافين، “تأكد من أن الخامل لن يهرب.” ثم سحب سيفه وبدأ يقطع ستارة عريضة من خيوط دبور النساج والفروع الشاحبة لنبات قصير ذي أوراق عريضة.

 

تبعتُهما وهما يتدحرجان وسط الأحراش، القبضات تتطاير.

ثبّتُ حذائي في الأرض ونظرتُ بتعمّد إلى سيفه المُغمَد. “قد ترغب في إبقاء أسلحتك جاهزة.”

تخللت ملايين الومضات المتلألئة متاهة خيوط الحرير، تاركة خطوطًا ساطعة عبر رؤيتي.

 

“ليست عناكب.” نزعتُ خيطًا عالقًا من كم سترتي، أختبر قوامه بين أصابعي. “إنها دبابير النساج.” كانت سلالة مختلفة عمّا اعتدتُ عليه، كما بدا من الخيوط الصفراء الغريبة المنسوجة بين الأخضر، وعلى امتدادها قطرات لزجة صغيرة. “مستعمرة كبيرة في مكانٍ قريب، على ما يبدو.” أضفتُ ذلك وأنا أمسح بنظري الغطاء النباتي المتشابك، بألوان باهتة من الرمادي والأبيض والذهبي. كانت خيوط أخرى، شبيهة بأنسجة العنكبوت الخضراء، ممتدّة فوق الأغصان المنخفضة والشجيرات الكثيفة. “لكنها ليست المشكلة.”

“آه؟” عقد ذراعيه، وانكمش وجهه في عبوسٍ مستفز، متظاهرًا بالتفكير العميق. “ولم ذلك يا خامل؟ خائف من الظلام؟ أم من كل شباك العناكب هذه؟”

مرّتدبورٌ نساجٌ أمام عينيّ للحظةٍ قبل أن يهوي بثقله على صدري. حدّقتُ في عينيه السوداوين اللامعتين بينما انغرست أقدامه المعقوفة في قميصي. فتح فكّيه ليكشف عن فمٍ واسعٍ يبلغ عرضه قدمين، كاشفًا عن أربعة فكوكٍ صفراء وسوداء مُبطّنةٍ بأجزاءٍ مُسنّنة.

 

قال جافين وهو ينحني لاستعادة رمح فينتان ووضعه في غمده على ظهره، “أنت وحدك يا خامل.”

“ليست عناكب.” نزعتُ خيطًا عالقًا من كم سترتي، أختبر قوامه بين أصابعي. “إنها دبابير النساج.” كانت سلالة مختلفة عمّا اعتدتُ عليه، كما بدا من الخيوط الصفراء الغريبة المنسوجة بين الأخضر، وعلى امتدادها قطرات لزجة صغيرة. “مستعمرة كبيرة في مكانٍ قريب، على ما يبدو.” أضفتُ ذلك وأنا أمسح بنظري الغطاء النباتي المتشابك، بألوان باهتة من الرمادي والأبيض والذهبي. كانت خيوط أخرى، شبيهة بأنسجة العنكبوت الخضراء، ممتدّة فوق الأغصان المنخفضة والشجيرات الكثيفة. “لكنها ليست المشكلة.”

 

 

 

نظرتُ إلى فينتان، معتقدًا أن فرصتي معه أفضل رغم الكلمات الحادّة التي تبادلناها فوق الشجرة. “يجب أن نقلق من سبب تراجع القائد. كانوا قد أمسكوا بنا. ثم تخلّوا فجأة؟ لماذا؟”

واصلتُ لفّ خيط حريري سميك حول عصاي. بدا وكأنه حلوى قطنية خضراء مع قطرات عسل صفراء، تلك القطرات الصغيرة تلتقط أشعة الضوء الخافتة التي تصل إلى أرض الغابة. استخدمتُ الخيط لإبعاد دبور نساج كان يطنّ حول رأسي.

 

 

“أمسكوا بنا؟” سخر جافين، وهو يسحب مسدس الشظايا ويديره حول إصبعه. “كانوا يعرفون ما فعلناه بالزومبي الآخرين عند جسر الضوء، وتبلّلوا رعبًا.” أعاد فوهة السلاح إلى الحافظة. “ذلك الشيء أدرك أنه لم يجلب دعمًا كافيًا.”

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

 

 

قلّبتُ عينيّ نحو مظلّة من الذهب المصقول والأخضر الزمردي، تتدلّى منها خيوط دبابير النسج كأنها شرائط.

ثبّتُ حذائي في الأرض ونظرتُ بتعمّد إلى سيفه المُغمَد. “قد ترغب في إبقاء أسلحتك جاهزة.”

 

 

“هذا غير منطقي،” قال فينتان بحدّة، غير مدرك أنه لا جدوى من مجادلة مستوى غباء جافين النرجسي. “كيف يمكنه أن يعرف ذلك؟”

توهج إشعاع جافين ببريق ذهبي ساطع وهو يندفع للأمام، ويده ثابتة على ظهر فينتان، تدفعه للأمام، بينما تلوّح الأخرى بسيفه. انفجر دبور نساج في دم أسود وأحشاء ذهبية، وسقطت زهرة شاهقة كغصن صغير ساقط.

 

 

صفعه جافين على مؤخرة رأسه، ورفع ذقنه متحديًا. “وكيف تعرف أنت أي شيء؟”

“جافين، أوقف هذا!” صرخ فينتان، وهو ينهار على نفسه، واضعًا يديه على أذنيه، بينما سحق مقبض رمحه رأسه بقوة مؤلمة. ارتدت هالات كهرمانية حول جسده، تنتقل من رأسه إلى ذراعيه، ومن صدره إلى ساقيه، كل منها تتوهج وتخبو بسرعة متتالية.

 

دفعني طنين آخر خلفي إلى الالتفات نحو دبور نساج ثانٍ.

“أنا أعرف أشياء،” تمتم فينتان، مطأطئًا رأسه. “أعرف الكثير من الأشياء.”

 

 

 

“ماذا؟ الأشياء التي تكتبها في دفترك الصغير؟” مدّ جافين يده ليخطف الدفتر الأسود الظاهر من جيب فينتان، لكن فينتان ضرب يده بعيدًا.

“جافين، أوقف هذا!” صرخ فينتان، وهو ينهار على نفسه، واضعًا يديه على أذنيه، بينما سحق مقبض رمحه رأسه بقوة مؤلمة. ارتدت هالات كهرمانية حول جسده، تنتقل من رأسه إلى ذراعيه، ومن صدره إلى ساقيه، كل منها تتوهج وتخبو بسرعة متتالية.

 

“آه، يا شباب…”

تبادلا التحديق لثانية مشحونة، ثم أمسك جافين فينتان في قفلٍ حول الرأس، وصفعه على أذنه بكف مفتوحة، بينما أسقط فينتان رمحه ووجّه لكمة إلى كبد جافين.

 

 

 

“ما هذا الجحيم؟” صرختُ فوق همهماتهم البدائية. “لدينا مشاكل أكبر من هذا.”

كان جافين لا يزال يلتهم الرحيق بشراهة، ويسيل لعابه على ذقنه، لكن عيني فينتان كانتا مثبتتين على أغصان الأشجار، وقبضته تشد على سلاحه.

 

 

تبعتُهما وهما يتدحرجان وسط الأحراش، القبضات تتطاير.

 

“مثل: ما الذي يعيش هنا، ويكون خطيرًا بما يكفي لإخافة ذلك القائد؟”

 

 

 

هدأت المشادة، ونظر كلاهما إليّ وقبضتاهما مشدودتان على أبازيم دروع بعضهما. ارتسمت على وجه جافين لمحة من التردد، بينما حدّق فينتان بتفكير عميق نحو الطريق.

 

 

 

قال جافين وهو يدفع فينتان بعيدًا عنه، “لقد أخفناهم. كفّ عن التذمر. ستأتي معنا شئت أم أبيت، يا كبش الفداء.”

لكن فينتان، الذي جسده ينتفض بشدة، كان يكافح فقط للتمسك برمحه. عندما حاول دفع رمحه لأسفل مقبضه، لم يضيء إلا بشكل خافت قبل أن تجعله ارتعاشة حادة في ذراعه يسقط السلاح تمامًا، ويسقط للأمام على يديه وركبتيه.

 

 

مد يده إلى فينتان، الذي أمسك بها، ثم نهض ليستعيد رمحه.

 

 

 

أمر جافين، “تأكد من أن الخامل لن يهرب.” ثم سحب سيفه وبدأ يقطع ستارة عريضة من خيوط دبور النساج والفروع الشاحبة لنبات قصير ذي أوراق عريضة.

 

 

“آه!” تأوه فينتان، ورفع يده ليغطي إحدى أذنيه. “أكره هذا الصوت!” ركز إشعاع حول أذنيه كما لو كانت سماعات رأس متوهجة، محاولًا حجب الصوت.

دفعني فينتان من الخلف. حدقت به بغضب لكنني تحركت. كلما أسرعنا في المرور من هنا، كان ذلك أفضل.

 

 

أصابني الذعر وخنقت مجاري التنفس بينما كنت أزحف نحوهما زحفًا عسكريًا، وأجر ساقي المخدرة.

شقّ جافين طريقًا وعرًا عبر الأدغال الكثيفة، وهو يلعن طوال الوقت. كانت خيوط دبابير النساج فعلًا في كل مكان. تعلّقت بشعري ودغدغت أنفي. ورغم كل النباتات التي جرى شقّها وإزاحتها، تلقيتُ نصيبي من الأغصان والبتلات والأوراق على وجهي، بفضل دفع جافين للنباتات جانبًا وتركها ترتدّ بقوة في اللحظة نفسها التي أمرّ فيها.

ارتجف جبينه، لكنه لم ينظر إليّ. “ماذا تقصد؟”

 

زمجر جافين من بين أسنانه، وتألقت عيناه بهالة جديدة ساعدته على النهوض والوقوف فوق فينتان، وسيفه يقطع بعنف دبابير النساج المندفعة. كانت الدبابير المسيرة تندفع من الأغصان، وفكوكها مكشوفة أثناء هجومها. شق جافين طريقه عبرها كأنها ورق، وتصاعدت خيوط بيضاء حوله في ضباب كثيف. حبست أنفاسي، أنتظر لأرى إن كانت الأرواح ستتشكل على هيئة كرات. لو استطعت امتصاصها، لربما ساعدتني في القتال… لكن لا. تبددت الأرواح كالبخار، ولم تتجمع أبدًا.

سرعان ما امتلأت راحتا يديّ ووجنتاي بخدوش من تلك الارتدادات، وكان ضحك جافين يرنّ في أذني. تحرّكت مخلوقات غير مرئية على مقربة من مجال الرؤية أيضًا. لا شيء كبيرًا على ما يبدو، لكنني لمحتُ ذيل سحلية أرجوانيًّا فاقعًا وبعض الظهور المكسوّة بالريش. في الغالب، كنت أسمع حركتها بين الأحراش أو زقزقتها في الأشجار.

صرختُ في وجه جافين، “ماذا يفعل؟”، بينما تنتقل نظراتي بين فينتان وعدد لا يُحصى من دبابير النساج الهابطة في شكل إعصار. وبدلًا من أن تنقض علينا مباشرة، كانت تنقسم وتهبط على كل شبر من خيوط الحرير التي تركتها على النباتات، والتي تتخللها جميعًا تلك الخيوط الصفراء الكهربائية…

 

 

أما دبابير النساج، فكان من الصعب تجاهلها. كانت تطنّ بكسل وهي تمرّ بجوارنا، بأجنحتها الستة الشفافة وأرجلها الثمانية المطوية، بينما كانت بطونها الصفراء الكهربائية وخطوطها الخضراء تلفت النظر. بدت هذه السلالة أكبر بكثير —بعضُها بحجم كلاب البول تيرير— لكنها احتفظت بالعيون السوداء اللامعة نفسها، والفكّين المنحدرين غير القابلين للخلع، اللذين يخفَيان الملقاطين ولسانًا خشنًا يلعق الرحيق.

 

 

 

كنت أتتبّع مسار واحدة كبيرة على نحو خاص، أراقبها وهي تحطّ على خيط حريريّ مقطوع وتبدأ بنسج خيط أخضر جديد من بطنها النابض، حين اندفع رمح فينتان فجأة فوق كتفي، فشقّ غصنًا مرنًا كان جافين قد أرسله يندفع مباشرة نحو فمي.

 

 

 

نظرتُ إليه من فوق كتفي، وكلمة شكر مترددة على طرف لساني، فرأيته يجرّ قدميه في صمتٍ كئيب، محدّقًا في قدميه. لم ينطق بكلمة واحدة منذ أن سخر جافين من دفتره.

 

 

 

وبعد أن تأكدت سريعًا من أن جافين خارج نطاق السمع، أبطأتُ الخطو واقتربتُ من فينتان هامسًا، “لماذا تتحمّل هراءه؟”

فرصة واحدة. طلقة واحدة لإسقاطه معي.

 

 

ارتجف جبينه، لكنه لم ينظر إليّ. “ماذا تقصد؟”

انقضت موجة الصدمة، وحاولت النهوض، والاندفاع نحو السلاح الساقط، لكن بينما دفعتني يداي للأعلى، لم تستجب ساقاي. اخترقني شعور حاد بالخوف. لم أستطع تحريك أطرافي السفلية أو حتى الشعور بها.

 

 

لم أكن متأكدًا حتى من سبب سؤالي. ما الذي يهمني؟ لكن الآن وقد انكشف الأمر، لم أستطع التخلص من السؤال. “أنت تعلم… ضربك والتصرف وكأنك غبي. لماذا تسمح له بمعاملتك هكذا؟”

يا لك من وغد! إذا لم أخرج من هنا، فلن يخرج أحد منا.

 

 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يهز كتفيه. “إنها مجرد أمور أخوية.”

 

 

كنت أتتبّع مسار واحدة كبيرة على نحو خاص، أراقبها وهي تحطّ على خيط حريريّ مقطوع وتبدأ بنسج خيط أخضر جديد من بطنها النابض، حين اندفع رمح فينتان فجأة فوق كتفي، فشقّ غصنًا مرنًا كان جافين قد أرسله يندفع مباشرة نحو فمي.

“هذا عذر واهٍ. إنه يتنمر عليك كما يتنمر على أي شخص آخر. لا دخل للأخوة بذلك.” ابتلعت ريقي بصعوبة. “لم نكن أنا وأخي على وفاق دائمًا، لكنه لم يعاملني بهذه الطريقة أبدًا.”

“هذا القذارة في كل مكان!” تذمّر جافين، وهو ينفض بعضًا منها عنه ويمسح وجهه بيده، يبصق ويتلعثم. “لقد سئمت من تحمّل كل هذا العبء.” ثمّ ضرب دبورًا نساجًا كان يحوم في الجو، والذي تفادى ببراعة الأرجوحة البطيئية وهبط على زهرة قريبة بحجم غطاء سلة المهملات. “أظهرا فائدتكما.”

 

 

“إنه يمزح فقط.”

رفع جافين سيفه، وانفرجت شفتاه بينما مال وجهه نحو المظلة.

 

 

“لا يبدو الأمر كذلك.”

 

 

“واصل التحرّك يا خامل.” جذبني جافين من ياقة ملابسي ودفعني بوجهي مباشرةً إلى شبكة عنكبوت متوهّجة باللون الأخضر.

قال بحدة، “اصمت. أنت لا تعرفنا.”

وكأنها استُدعيت بأفكاري، حطّ واحد على باقة من الزهور أمامي، وحدّقت بي عيناه السوداوان اللامعتان —كتلتان منتفختان مصنوعتان من مئات العدسات. اهتزت أجنحته، مُصدرةً أزيزًا غاضبًا، بينما امتدّ فكّه البارز ليكشف عن حلقة من أربعة فكوك سفلية تُصدر صوت طقطقة بطول يدي.

 

 

لكن الألم تسلل بين ثنايا قناعته، وتساءلتُ إن كان بإمكاني زرع بذرة هناك تمنحني فرصة للتحرر لاحقًا. بمجرد أن يخرجاني من هذه الغابة الغريبة، سيكون من الحكمة على الأرجح الفرار. لم أكن متأكدًا من مدى صبر جافين على خطته “لإلقاء كبش فداء”. أو الأسوأ من ذلك، قد نلتقي بكولتر كما أراد.

تبعتُهما وهما يتدحرجان وسط الأحراش، القبضات تتطاير.

 

 

“أعلم أنك أذكى منه، وأكثر مهارة في القتال، حسبما رأيت. لم لا تُريه من هو القائد ولو لمرة واحدة؟ حينها لن يُزعجك كثيرًا. هذه هي اللغة الوحيدة التي يتحدث بها المتنمرون.”

“هذا غير منطقي،” قال فينتان بحدّة، غير مدرك أنه لا جدوى من مجادلة مستوى غباء جافين النرجسي. “كيف يمكنه أن يعرف ذلك؟”

 

 

وخزتني مؤخرة رمح فينتان في ظهري. “كفى مناداته بذلك.”

 

 

“أمسكوا بنا؟” سخر جافين، وهو يسحب مسدس الشظايا ويديره حول إصبعه. “كانوا يعرفون ما فعلناه بالزومبي الآخرين عند جسر الضوء، وتبلّلوا رعبًا.” أعاد فوهة السلاح إلى الحافظة. “ذلك الشيء أدرك أنه لم يجلب دعمًا كافيًا.”

نادى جافين، “عن ماذا تتهامسان هناك؟”

كان جافين لا يزال يلتهم الرحيق بشراهة، ويسيل لعابه على ذقنه، لكن عيني فينتان كانتا مثبتتين على أغصان الأشجار، وقبضته تشد على سلاحه.

 

بصقتُ خيوطها الحريرية من فمي بينما ضحك جافين. “هكذا، افتح الطريق بوجهك.”

كانت كومة من الزهور المقطوفة ملقاة عند قدميه، سائل أخضر يصبغ سيقانها البيضاء كدم غريب.

 

 

 

بينما نسير أبعد، شكّلت أغصان الأشجار المتشابكة ذات اللحاء الشاحب سقفًا داكنًا بدأ يخنق النباتات الصغيرة على الأرض. التفت اللبلاب الذهبية حول الأشجار وتدلت كالأفاعي من أغصانها المتشابكة، لكن السرخس ذو الأوراق العريضة والشجيرات الشائكة أفسحت المجال لنوع واحد من الزهور الشاهقة ذات السيقان البيضاء، بتلاتها الزمردية والذهبية المزخرفة تتناقص تدريجيًا لتنتهي بنقاط طويلة حادة كشفرات العشب السميكة. انتشرت هذه الزهور في كل مكان، إذ بلغ طولها ضعف طول جافين، يحمل كل ساق منها عناقيد كثيفة من الزهور. صعّب حجمها الرؤية لمسافات بعيدة في أي اتجاه.

 

 

 

لابد من كوننا قريبين جدًا من عش دبابير النساج. غطت خيوطها كل شيء، مستخدمةً اللبلاب وأوراق سيقان الزهور الطويلة كدعامات لشبكتها من الحرير الأخضر. امتدت الخيوط أيضًا، متشابكةً بين الأشجار. غُطى جافين بها، وتعلقت الخيوط بدرعه بينما يُسقط سيفه المتأرجح أكوامًا منها حوله. أمسكتُ بخيطٍ هابطٍ وفركته بين أصابعي، مندهشًا من كثافته.

أدركتُ أنني أقف في كنزٍ ثمين. تدفع الشركات مبالغ طائلة مقابل خيوط دبابير النساج. أخذتُ حفنتين منها ووضعتهما في جيوب سترتي، متسائلًا إن كان بإمكاني تنظيفها وتمشيطها وغزلها دون آلات. بعض الألياف المتحولة الإضافية ستكون مفيدة.

 

 

أدركتُ أنني أقف في كنزٍ ثمين. تدفع الشركات مبالغ طائلة مقابل خيوط دبابير النساج. أخذتُ حفنتين منها ووضعتهما في جيوب سترتي، متسائلًا إن كان بإمكاني تنظيفها وتمشيطها وغزلها دون آلات. بعض الألياف المتحولة الإضافية ستكون مفيدة.

اتجهت قدماه جنوبًا، بعيدًا عني.

 

 

“هذا القذارة في كل مكان!” تذمّر جافين، وهو ينفض بعضًا منها عنه ويمسح وجهه بيده، يبصق ويتلعثم. “لقد سئمت من تحمّل كل هذا العبء.” ثمّ ضرب دبورًا نساجًا كان يحوم في الجو، والذي تفادى ببراعة الأرجوحة البطيئية وهبط على زهرة قريبة بحجم غطاء سلة المهملات. “أظهرا فائدتكما.”

 

 

 

لفتت انتباه فينتان بنظرة جانبية، وارتفع حاجباي.

“تبًا…”

 

 

لم ينطق فينتان بكلمة، بل قطع غصنًا رفيعًا برمحه وطعن به.

مرّتدبورٌ نساجٌ أمام عينيّ للحظةٍ قبل أن يهوي بثقله على صدري. حدّقتُ في عينيه السوداوين اللامعتين بينما انغرست أقدامه المعقوفة في قميصي. فتح فكّيه ليكشف عن فمٍ واسعٍ يبلغ عرضه قدمين، كاشفًا عن أربعة فكوكٍ صفراء وسوداء مُبطّنةٍ بأجزاءٍ مُسنّنة.

 

 

ظننتُ أنني ربما بالغتُ في ردة فعلي، فالتزمتُ الصمت، واستخدمتُ الغصن لأضرب خيوط الحرير المتوهجة وأزيح الأزهار جانبًا. تسرب من مراكزها الذهبية سائلٌ باردٌ صافٍ يتلألأ ببريق العنبر. وسرعان ما تبلل رأسي بالكامل به.

انهمر الدم الأسود على رأسي، وارتدت بطني المنتفخة عن كتفي، لكنني رفعت بصري من خلال ضباب خيوط الروح، ونظرت إلى جافين بغضب. “إذن هذا ما تفعله؟” زمجرت، مثبتًا نظراتي عليه بينما تحركت يدي نحو مسدس الشظايا على وركه. “تجر الناس إلى فوضاك ثم تتخلى عنهم عندما يعجزون عن مساعدتك في تنظيفها؟”

 

 

رشّت شفرات آل كالهون جميعنا بالعصير الأخضر الموجود داخل السيقان، فقطعت الأزهار بدلًا من إزاحتها. كان ذلك أكثر فعالية بكثير. بدأتُ بلفّ خيط دبور النساج حول عصاي وتركته يتولى أمر الأزهار الكثيفة، لكننا تبللنا جميعًا في غضون دقائق، فالتصق الحرير بجلدنا وملابسنا. دخل الخيط في فمي، ولكن عندما بصقته، التصق بذقني كاللحية.

 

 

دفعني طنين آخر خلفي إلى الالتفات نحو دبور نساج ثانٍ.

قال فينتان، وهو يلعق الرحيق اللامع من أسدية الزهرة عن أصابعه، “يا جافين، المادة اللزجة في المنتصف تحتوي على القليل من الإشعاع. إنه حلو!” ثم أمسك زهرة وبدأ يعصر أسدية الزهرة الصفراء الصغيرة، مستخرجًا الرحيق على بتلة مقعرة ليصبه في فمه.

 

 

أصابني الذعر وخنقت مجاري التنفس بينما كنت أزحف نحوهما زحفًا عسكريًا، وأجر ساقي المخدرة.

“عمل كثير مقابل بالكاد سنونوة،” تذمر جافين، لكنه قطف زهرة على أي حال.

توهج إشعاع جافين ببريق ذهبي ساطع وهو يندفع للأمام، ويده ثابتة على ظهر فينتان، تدفعه للأمام، بينما تلوّح الأخرى بسيفه. انفجر دبور نساج في دم أسود وأحشاء ذهبية، وسقطت زهرة شاهقة كغصن صغير ساقط.

 

 

واصلتُ لفّ خيط حريري سميك حول عصاي. بدا وكأنه حلوى قطنية خضراء مع قطرات عسل صفراء، تلك القطرات الصغيرة تلتقط أشعة الضوء الخافتة التي تصل إلى أرض الغابة. استخدمتُ الخيط لإبعاد دبور نساج كان يطنّ حول رأسي.

 

 

 

بينما أراقب صعوده الهادئ، تساءلتُ إن كانت دبابير النساج تمتلك أرواحًا كاملة يمكنني امتصاصها، على عكس أبناء عمومتها من غمديات الأوراق، أم أن جميع المخلوقات الشبيهة بالحشرات عديمة الفائدة بالنسبة لي في هذا الصدد. إنها منتشرة في كل مكان. ربما يحالفني الحظ ويقتل آل كالهون واحدًا منها لأمتصه. لم يكن الجرذ الشوكي الأخير سيئًا للغاية. لا يمكن أن تكون دبابير النساج أسوأ من ذلك. إذا استطعت إخفاء نفور الروح، فلن يلاحظ آل كالهون شيئًا.

 

 

 

وكأنها استُدعيت بأفكاري، حطّ واحد على باقة من الزهور أمامي، وحدّقت بي عيناه السوداوان اللامعتان —كتلتان منتفختان مصنوعتان من مئات العدسات. اهتزت أجنحته، مُصدرةً أزيزًا غاضبًا، بينما امتدّ فكّه البارز ليكشف عن حلقة من أربعة فكوك سفلية تُصدر صوت طقطقة بطول يدي.

 

 

تراجعتُ بضع خطوات إلى الوراء، رافعًا عصاي المغلفة بالحرير لصدّها.

لم ينطق فينتان بكلمة، بل قطع غصنًا رفيعًا برمحه وطعن به.

 

 

“آه، يا شباب…”

 

 

 

كان جافين لا يزال يلتهم الرحيق بشراهة، ويسيل لعابه على ذقنه، لكن عيني فينتان كانتا مثبتتين على أغصان الأشجار، وقبضته تشد على سلاحه.

 

 

 

دفعني طنين آخر خلفي إلى الالتفات نحو دبور نساج ثانٍ.

 

 

قال فينتان، وهو يلعق الرحيق اللامع من أسدية الزهرة عن أصابعه، “يا جافين، المادة اللزجة في المنتصف تحتوي على القليل من الإشعاع. إنه حلو!” ثم أمسك زهرة وبدأ يعصر أسدية الزهرة الصفراء الصغيرة، مستخرجًا الرحيق على بتلة مقعرة ليصبه في فمه.

استندت أقدام الحشرة الضخمة المعقوفة على خيوط منسوجة بإحكام بين الأزهار، مما أدى إلى انحناء النبتة نحوي تحت وطأة وزنها. احتكت ساقاها الخلفيتان المشعرتان ببعضهما البعض، وتطايرت شرارات لامعة عبر خيط أصفر ممتد داخل اللون الأخضر، متوهجة عند كل نقطة قطرة.

 

 

“مهلًا، مهلًا، انظر إليّ.” أمسك جافين ذقن فينتان بقوة بين أصابعه ليجبرهما على النظر إلى بعضهما، لكن فينتان أغمض عينيه بشدة. “عليك أن تتحرك يا فين. هل تسمعني؟” نظر جافين إلى أعلى السقف، ثم أمسك بكتف فينتان ودفعه. “اركض!”

انتفضتُ مبتعدًا وأنا أصرخ، ثم استدرتُ في دائرة، متراجعًا نحو آل كالهون بينما تحول صوت أزيز الأجنحة المنخفض إلى اهتزاز حاد ومستمر يصطدم بطبلة أذني.

ارتجف جبينه، لكنه لم ينظر إليّ. “ماذا تقصد؟”

 

 

تلعثمتُ قائلًا، “أرجلهم تُنتج نوعًا من… الكهرباء. لم يسبق لي أن…”

التقت عينا فينتان بعيني فوق فوهة البندقية، فترددت.

 

“ماذا؟ الأشياء التي تكتبها في دفترك الصغير؟” مدّ جافين يده ليخطف الدفتر الأسود الظاهر من جيب فينتان، لكن فينتان ضرب يده بعيدًا.

“آه!” تأوه فينتان، ورفع يده ليغطي إحدى أذنيه. “أكره هذا الصوت!” ركز إشعاع حول أذنيه كما لو كانت سماعات رأس متوهجة، محاولًا حجب الصوت.

 

 

لكن معظم السرب بقي في مواقعه على طول مصائد الحرير.

رفع جافين سيفه، وانفرجت شفتاه بينما مال وجهه نحو المظلة.

تراجعتُ بضع خطوات إلى الوراء، رافعًا عصاي المغلفة بالحرير لصدّها.

 

 

“تبًا…”

سرعان ما امتلأت راحتا يديّ ووجنتاي بخدوش من تلك الارتدادات، وكان ضحك جافين يرنّ في أذني. تحرّكت مخلوقات غير مرئية على مقربة من مجال الرؤية أيضًا. لا شيء كبيرًا على ما يبدو، لكنني لمحتُ ذيل سحلية أرجوانيًّا فاقعًا وبعض الظهور المكسوّة بالريش. في الغالب، كنت أسمع حركتها بين الأحراش أو زقزقتها في الأشجار.

 

بينما تحفر أحذيتي بحثًا عن ثبات في التربة الرخوة، انطلقتُ خلفهما، مندفعًا عبر الخيوط البيضاء الخافتة المتصاعدة من دبور النساج الميت. استخدمتُ عصاي كعصا قيادة، ألوّح بها فوق رأسي بينما يحجب السرب آخر خيوط الشمس، وأصرخ عندما يدغدغني شيء ما في رأسي وعنقي وذراعي. تخيلتُ مئة ساق وجناح تضغط من كل جانب، لكنني بالكاد أستطيع الرؤية من خلال شرنقة الحرير الأخضر التي تُغطي حقل الزهور بأكمله.

تسللت قشعريرة باردة إلى عمودي الفقري وأنا أتبع نظراته. تحركت كتلة من الحشرات بين الأشجار، فأرسلت اللبلاب الممضوغة تتساقط على أرض الغابة. تداخلت خطوط خضراء في ضبابية مذهلة بينما انطلقت دبابير النساج من كل نبتة في الأفق، تحلق فوقنا، مشكلة سربًا هائلًا منظمًا يزداد عدد أفراده كل ثانية.

انهمر الدم الأسود على رأسي، وارتدت بطني المنتفخة عن كتفي، لكنني رفعت بصري من خلال ضباب خيوط الروح، ونظرت إلى جافين بغضب. “إذن هذا ما تفعله؟” زمجرت، مثبتًا نظراتي عليه بينما تحركت يدي نحو مسدس الشظايا على وركه. “تجر الناس إلى فوضاك ثم تتخلى عنهم عندما يعجزون عن مساعدتك في تنظيفها؟”

 

 

“جافين، أوقف هذا!” صرخ فينتان، وهو ينهار على نفسه، واضعًا يديه على أذنيه، بينما سحق مقبض رمحه رأسه بقوة مؤلمة. ارتدت هالات كهرمانية حول جسده، تنتقل من رأسه إلى ذراعيه، ومن صدره إلى ساقيه، كل منها تتوهج وتخبو بسرعة متتالية.

 

 

 

صرختُ في وجه جافين، “ماذا يفعل؟”، بينما تنتقل نظراتي بين فينتان وعدد لا يُحصى من دبابير النساج الهابطة في شكل إعصار. وبدلًا من أن تنقض علينا مباشرة، كانت تنقسم وتهبط على كل شبر من خيوط الحرير التي تركتها على النباتات، والتي تتخللها جميعًا تلك الخيوط الصفراء الكهربائية…

لكن الألم تسلل بين ثنايا قناعته، وتساءلتُ إن كان بإمكاني زرع بذرة هناك تمنحني فرصة للتحرر لاحقًا. بمجرد أن يخرجاني من هذه الغابة الغريبة، سيكون من الحكمة على الأرجح الفرار. لم أكن متأكدًا من مدى صبر جافين على خطته “لإلقاء كبش فداء”. أو الأسوأ من ذلك، قد نلتقي بكولتر كما أراد.

 

 

“مهلًا، مهلًا، انظر إليّ.” أمسك جافين ذقن فينتان بقوة بين أصابعه ليجبرهما على النظر إلى بعضهما، لكن فينتان أغمض عينيه بشدة. “عليك أن تتحرك يا فين. هل تسمعني؟” نظر جافين إلى أعلى السقف، ثم أمسك بكتف فينتان ودفعه. “اركض!”

 

 

رفع جافين سيفه، وانفرجت شفتاه بينما مال وجهه نحو المظلة.

توهج إشعاع جافين ببريق ذهبي ساطع وهو يندفع للأمام، ويده ثابتة على ظهر فينتان، تدفعه للأمام، بينما تلوّح الأخرى بسيفه. انفجر دبور نساج في دم أسود وأحشاء ذهبية، وسقطت زهرة شاهقة كغصن صغير ساقط.

أبقيت عصاي أمامي، أصد خيوط الحرير قبل أن تلمسني. كلما اقتربت، ازداد اهتمام السرب بي، يصطدم بي، وتلامس أقدامه بشرتي، وتصدر فكوكه صوت طقطقة عند أذني. اشتعلت شرارات من الحرير المحيط بعصاي عندما سقط عليها أحد الدبابير الساقطة، وسارت الكهرباء بشكل حلزوني عبر الخيوط الملفوفة، فاستخدمتها لصدّ المزيد، وأطاحت بجناحين قبل أن تتلاشى القطرات تمامًا.

 

 

بينما تحفر أحذيتي بحثًا عن ثبات في التربة الرخوة، انطلقتُ خلفهما، مندفعًا عبر الخيوط البيضاء الخافتة المتصاعدة من دبور النساج الميت. استخدمتُ عصاي كعصا قيادة، ألوّح بها فوق رأسي بينما يحجب السرب آخر خيوط الشمس، وأصرخ عندما يدغدغني شيء ما في رأسي وعنقي وذراعي. تخيلتُ مئة ساق وجناح تضغط من كل جانب، لكنني بالكاد أستطيع الرؤية من خلال شرنقة الحرير الأخضر التي تُغطي حقل الزهور بأكمله.

 

 

“أنا أعرف أشياء،” تمتم فينتان، مطأطئًا رأسه. “أعرف الكثير من الأشياء.”

وبينما أكافح لتتبع هالة الإشعاع المتقطعة لجافين، كنت قد اكتسبت السرعة توًا وقفزت فوق ساق زهرة ساقطة عندما أضاءت الغابة مثل مبنى سكني.

“ابقَ على قيد الحياة”، هكذا أمرني صوت سيث في رأسي.

 

قلّبتُ عينيّ نحو مظلّة من الذهب المصقول والأخضر الزمردي، تتدلّى منها خيوط دبابير النسج كأنها شرائط.

تخللت ملايين الومضات المتلألئة متاهة خيوط الحرير، تاركة خطوطًا ساطعة عبر رؤيتي.

نادى جافين، “عن ماذا تتهامسان هناك؟”

 

 

ثم جاء الألم. وخزات في جميع أنحاء جسدي. وخزات، طعنات، حروق. كل صدمة كانت كوخزة إبرة، لكنها مجتمعة شكلت صدمة كهربائية تركت عضلاتي في تشنج تام. سقطتُ كالحجر، عاجزًا عن التوازن، أطرافي ترتجف، فكي مشدود، والدماء تسيل من لساني.

 

 

 

عاجزًا، ورأسي يهتزّ على رقبةٍ عاصية، رأيتُ آل كالهون على بُعد أمتارٍ قليلة. كان جافين قد جثا على ركبةٍ واحدة، وعضلات ظهره ترتجف وهو يحاول استخدام جسده لتغطية فينتان، المُلقىً في حالةٍ من الفوضى، أطرافه ترتجف وملابسه الحريرية مُتشابكة، والقطرات الصفراء المنسوجة فيها تتناثر كالمصابيح المُعطلة. تقوّس ظهر فينتان، وانفتح فمه على مصراعيه في صرخةٍ مُرعبة من الألم والذعر، اتخذت شكل اسم أخيه تقريبًا.

 

 

انتفضتُ مبتعدًا وأنا أصرخ، ثم استدرتُ في دائرة، متراجعًا نحو آل كالهون بينما تحول صوت أزيز الأجنحة المنخفض إلى اهتزاز حاد ومستمر يصطدم بطبلة أذني.

زمجر جافين من بين أسنانه، وتألقت عيناه بهالة جديدة ساعدته على النهوض والوقوف فوق فينتان، وسيفه يقطع بعنف دبابير النساج المندفعة. كانت الدبابير المسيرة تندفع من الأغصان، وفكوكها مكشوفة أثناء هجومها. شق جافين طريقه عبرها كأنها ورق، وتصاعدت خيوط بيضاء حوله في ضباب كثيف. حبست أنفاسي، أنتظر لأرى إن كانت الأرواح ستتشكل على هيئة كرات. لو استطعت امتصاصها، لربما ساعدتني في القتال… لكن لا. تبددت الأرواح كالبخار، ولم تتجمع أبدًا.

 

 

هدأت المشادة، ونظر كلاهما إليّ وقبضتاهما مشدودتان على أبازيم دروع بعضهما. ارتسمت على وجه جافين لمحة من التردد، بينما حدّق فينتان بتفكير عميق نحو الطريق.

مع انحسار التشنجات، استلقيت على ظهري ولوّحت بعصاي نحو دبور قادم، دافعًا إياه جانبًا، ثم انحنيت بينما انقضّت دبابير أخرى لتستهدف آل كالهون. تحوّل الأخوان إلى أشكال مبهمة وسط فوضى من الدماء السوداء، وأجزاء الجسم المتناثرة، وخيوط الحرير المتساقطة التي غطّت رقعة العشب القصيرة بيننا.

 

 

 

لكن معظم السرب بقي في مواقعه على طول مصائد الحرير.

————————

 

 

عليَّ أن أتخلص منه. ومع انحسار التشنجات، جلست ومزقت الأجزاء التي استطعت رؤيتها، وألقيت بها جانبًا.

انقضت موجة الصدمة، وحاولت النهوض، والاندفاع نحو السلاح الساقط، لكن بينما دفعتني يداي للأعلى، لم تستجب ساقاي. اخترقني شعور حاد بالخوف. لم أستطع تحريك أطرافي السفلية أو حتى الشعور بها.

 

“آه!” تأوه فينتان، ورفع يده ليغطي إحدى أذنيه. “أكره هذا الصوت!” ركز إشعاع حول أذنيه كما لو كانت سماعات رأس متوهجة، محاولًا حجب الصوت.

لم أتمكن إلا من تنظيف رأسي وكتفيّ قبل أن تضربني موجة أخرى. تصلب عمودي الفقري بينما كانت ساقاي ترقصان بعنف.

 

 

 

ارتفعت صرخات فينتان وهمهمات جافين المحبطة فوق صوت الطنين الغاضب. تناثرت أكوام من الرؤوس والبطون المقطوعة حول آل كالهون، لكن المزيد منها استمر بالتدفق. تشبثت بعض دبابير النساج بظهورهم، وغرست فكوكها في هالاتهم لتمزيق الجلد وكشط اللحم. جثى فينتان على ركبتيه، وهالة الإشعاع لا تزال مضطربة، بينما تتوجه هالة جافين بشدة، وشاهدت الشرارات الكهربائية الجديدة تتطاير على الحاجز، مما خفف من لسعتها، وسمح له بدفع جميع أفراد السرب باستثناء أشجعهم بضربات واسعة ومتحكم بها من نصله، قضت على العديد منهم في كل مرة. وبيده الأخرى، مزق الحرير عن جسده ولكم اللذين عليه وعلى فينتان بقبضة متوهجة.

 

 

 

لكن فينتان، الذي جسده ينتفض بشدة، كان يكافح فقط للتمسك برمحه. عندما حاول دفع رمحه لأسفل مقبضه، لم يضيء إلا بشكل خافت قبل أن تجعله ارتعاشة حادة في ذراعه يسقط السلاح تمامًا، ويسقط للأمام على يديه وركبتيه.

 

 

“هذا غير منطقي،” قال فينتان بحدّة، غير مدرك أنه لا جدوى من مجادلة مستوى غباء جافين النرجسي. “كيف يمكنه أن يعرف ذلك؟”

انقضت موجة الصدمة، وحاولت النهوض، والاندفاع نحو السلاح الساقط، لكن بينما دفعتني يداي للأعلى، لم تستجب ساقاي. اخترقني شعور حاد بالخوف. لم أستطع تحريك أطرافي السفلية أو حتى الشعور بها.

 

 

 

“ج-جافين،” تمتم فينتان بصوتٍ مخنوق، بينما كانت أصابعه تتسلل عبر التراب لتتشبث بكاحل أخيه. كان حلقه يرتجف، وعروقه بارزة على جانبيه، مما جعله يتلعثم في كلامه. كانت هالة جسده كضوء خافت يشبه اليراع، يظهر ويختفي. “لا أستطيع التحرك.”

هدأت المشادة، ونظر كلاهما إليّ وقبضتاهما مشدودتان على أبازيم دروع بعضهما. ارتسمت على وجه جافين لمحة من التردد، بينما حدّق فينتان بتفكير عميق نحو الطريق.

 

صرختُ في وجه جافين، “ماذا يفعل؟”، بينما تنتقل نظراتي بين فينتان وعدد لا يُحصى من دبابير النساج الهابطة في شكل إعصار. وبدلًا من أن تنقض علينا مباشرة، كانت تنقسم وتهبط على كل شبر من خيوط الحرير التي تركتها على النباتات، والتي تتخللها جميعًا تلك الخيوط الصفراء الكهربائية…

“وأنا أيضًا،” صرخت.

“جافين، أوقف هذا!” صرخ فينتان، وهو ينهار على نفسه، واضعًا يديه على أذنيه، بينما سحق مقبض رمحه رأسه بقوة مؤلمة. ارتدت هالات كهرمانية حول جسده، تنتقل من رأسه إلى ذراعيه، ومن صدره إلى ساقيه، كل منها تتوهج وتخبو بسرعة متتالية.

 

لكن فينتان، الذي جسده ينتفض بشدة، كان يكافح فقط للتمسك برمحه. عندما حاول دفع رمحه لأسفل مقبضه، لم يضيء إلا بشكل خافت قبل أن تجعله ارتعاشة حادة في ذراعه يسقط السلاح تمامًا، ويسقط للأمام على يديه وركبتيه.

أزاح جافين عينيه الواسعتين عن أخيه ونظر إليّ للحظة خاطفة، وعرفت حينها.

 

 

 

أصابني الذعر وخنقت مجاري التنفس بينما كنت أزحف نحوهما زحفًا عسكريًا، وأجر ساقي المخدرة.

 

 

“انتظر!” لففت ذراعي حول ساقه.

قال جافين وهو ينحني لاستعادة رمح فينتان ووضعه في غمده على ظهره، “أنت وحدك يا خامل.”

 

 

ثبّتُ حذائي في الأرض ونظرتُ بتعمّد إلى سيفه المُغمَد. “قد ترغب في إبقاء أسلحتك جاهزة.”

أبقيت عصاي أمامي، أصد خيوط الحرير قبل أن تلمسني. كلما اقتربت، ازداد اهتمام السرب بي، يصطدم بي، وتلامس أقدامه بشرتي، وتصدر فكوكه صوت طقطقة عند أذني. اشتعلت شرارات من الحرير المحيط بعصاي عندما سقط عليها أحد الدبابير الساقطة، وسارت الكهرباء بشكل حلزوني عبر الخيوط الملفوفة، فاستخدمتها لصدّ المزيد، وأطاحت بجناحين قبل أن تتلاشى القطرات تمامًا.

 

 

رشّت شفرات آل كالهون جميعنا بالعصير الأخضر الموجود داخل السيقان، فقطعت الأزهار بدلًا من إزاحتها. كان ذلك أكثر فعالية بكثير. بدأتُ بلفّ خيط دبور النساج حول عصاي وتركته يتولى أمر الأزهار الكثيفة، لكننا تبللنا جميعًا في غضون دقائق، فالتصق الحرير بجلدنا وملابسنا. دخل الخيط في فمي، ولكن عندما بصقته، التصق بذقني كاللحية.

أضاءت ساقا جافين كمنارة على بعد أقدام قليلة. أزحتُ كومة زلقة من جثث دبابير النساج المتدفقة، مُفسحةً الطريق، ووصلتُ إليه في اللحظة التي يحمل فيها فينتان على كتفيه كما يففعل رجال الإطفاء.

هل كانوا يلتفّون للعودة ومحاولة مباغتتنا؟ أم أن شيئًا ما أفزعهم؟

 

صرختُ في وجه جافين، “ماذا يفعل؟”، بينما تنتقل نظراتي بين فينتان وعدد لا يُحصى من دبابير النساج الهابطة في شكل إعصار. وبدلًا من أن تنقض علينا مباشرة، كانت تنقسم وتهبط على كل شبر من خيوط الحرير التي تركتها على النباتات، والتي تتخللها جميعًا تلك الخيوط الصفراء الكهربائية…

اتجهت قدماه جنوبًا، بعيدًا عني.

 

 

 

“انتظر!” لففت ذراعي حول ساقه.

“مهلًا، مهلًا، انظر إليّ.” أمسك جافين ذقن فينتان بقوة بين أصابعه ليجبرهما على النظر إلى بعضهما، لكن فينتان أغمض عينيه بشدة. “عليك أن تتحرك يا فين. هل تسمعني؟” نظر جافين إلى أعلى السقف، ثم أمسك بكتف فينتان ودفعه. “اركض!”

 

“وأنا أيضًا،” صرخت.

“لا يوجد وزن زائد.” حاول أن يركلني بعيدًا، واصطدم حذاؤه بعظم القص، لكنني تشبثت به، مستخدمًا واقي ساقيه كمسند لأرفع نفسي على ركبتي المخدرتين.

 

 

 

يا لك من وغد! إذا لم أخرج من هنا، فلن يخرج أحد منا.

 

 

 

لا بد من أن يدفع أحدهم ثمن سيث.

 

 

“هذا القذارة في كل مكان!” تذمّر جافين، وهو ينفض بعضًا منها عنه ويمسح وجهه بيده، يبصق ويتلعثم. “لقد سئمت من تحمّل كل هذا العبء.” ثمّ ضرب دبورًا نساجًا كان يحوم في الجو، والذي تفادى ببراعة الأرجوحة البطيئية وهبط على زهرة قريبة بحجم غطاء سلة المهملات. “أظهرا فائدتكما.”

انهمر الدم الأسود على رأسي، وارتدت بطني المنتفخة عن كتفي، لكنني رفعت بصري من خلال ضباب خيوط الروح، ونظرت إلى جافين بغضب. “إذن هذا ما تفعله؟” زمجرت، مثبتًا نظراتي عليه بينما تحركت يدي نحو مسدس الشظايا على وركه. “تجر الناس إلى فوضاك ثم تتخلى عنهم عندما يعجزون عن مساعدتك في تنظيفها؟”

عاجزًا، ورأسي يهتزّ على رقبةٍ عاصية، رأيتُ آل كالهون على بُعد أمتارٍ قليلة. كان جافين قد جثا على ركبةٍ واحدة، وعضلات ظهره ترتجف وهو يحاول استخدام جسده لتغطية فينتان، المُلقىً في حالةٍ من الفوضى، أطرافه ترتجف وملابسه الحريرية مُتشابكة، والقطرات الصفراء المنسوجة فيها تتناثر كالمصابيح المُعطلة. تقوّس ظهر فينتان، وانفتح فمه على مصراعيه في صرخةٍ مُرعبة من الألم والذعر، اتخذت شكل اسم أخيه تقريبًا.

 

 

أصاب مرفقه ذقني، وضربني بذراعه كذبابة، لكن أصابعي شدّت على مقبض المسدس، وشعرت بحافظة المسدس تنفلت فجأةً وأنا أسقط. ارتطمت بظهري بقوة، وبالكاد تمكنت من إبقاء المسدس في يدي. اجتاحني الخوف والغضب. رفعت المسدس وصوّبته نحو جافين بينما يركز شعاعه حول ساقيه.

انطبقت الفكوك بقوة وسحقت بعضها البعض تحسبًا لتمزيق لحمي.

 

 

فرصة واحدة. طلقة واحدة لإسقاطه معي.

كانت كومة من الزهور المقطوفة ملقاة عند قدميه، سائل أخضر يصبغ سيقانها البيضاء كدم غريب.

 

 

التقت عينا فينتان بعيني فوق فوهة البندقية، فترددت.

 

 

 

مرّتدبورٌ نساجٌ أمام عينيّ للحظةٍ قبل أن يهوي بثقله على صدري. حدّقتُ في عينيه السوداوين اللامعتين بينما انغرست أقدامه المعقوفة في قميصي. فتح فكّيه ليكشف عن فمٍ واسعٍ يبلغ عرضه قدمين، كاشفًا عن أربعة فكوكٍ صفراء وسوداء مُبطّنةٍ بأجزاءٍ مُسنّنة.

نظرتُ إلى فينتان، معتقدًا أن فرصتي معه أفضل رغم الكلمات الحادّة التي تبادلناها فوق الشجرة. “يجب أن نقلق من سبب تراجع القائد. كانوا قد أمسكوا بنا. ثم تخلّوا فجأة؟ لماذا؟”

 

دفعني فينتان من الخلف. حدقت به بغضب لكنني تحركت. كلما أسرعنا في المرور من هنا، كان ذلك أفضل.

مددت رأسي لأرى ما حوله، وضغطت بإصبعي السبابة على الزناد بينما ارتفع حاجبا فينتان في نظرة ألم ودهشة خالصة.

ارتجف جبينه، لكنه لم ينظر إليّ. “ماذا تقصد؟”

 

عاجزًا، ورأسي يهتزّ على رقبةٍ عاصية، رأيتُ آل كالهون على بُعد أمتارٍ قليلة. كان جافين قد جثا على ركبةٍ واحدة، وعضلات ظهره ترتجف وهو يحاول استخدام جسده لتغطية فينتان، المُلقىً في حالةٍ من الفوضى، أطرافه ترتجف وملابسه الحريرية مُتشابكة، والقطرات الصفراء المنسوجة فيها تتناثر كالمصابيح المُعطلة. تقوّس ظهر فينتان، وانفتح فمه على مصراعيه في صرخةٍ مُرعبة من الألم والذعر، اتخذت شكل اسم أخيه تقريبًا.

انطبقت الفكوك بقوة وسحقت بعضها البعض تحسبًا لتمزيق لحمي.

 

 

“هذا القذارة في كل مكان!” تذمّر جافين، وهو ينفض بعضًا منها عنه ويمسح وجهه بيده، يبصق ويتلعثم. “لقد سئمت من تحمّل كل هذا العبء.” ثمّ ضرب دبورًا نساجًا كان يحوم في الجو، والذي تفادى ببراعة الأرجوحة البطيئية وهبط على زهرة قريبة بحجم غطاء سلة المهملات. “أظهرا فائدتكما.”

“ابقَ على قيد الحياة”، هكذا أمرني صوت سيث في رأسي.

“ج-جافين،” تمتم فينتان بصوتٍ مخنوق، بينما كانت أصابعه تتسلل عبر التراب لتتشبث بكاحل أخيه. كان حلقه يرتجف، وعروقه بارزة على جانبيه، مما جعله يتلعثم في كلامه. كانت هالة جسده كضوء خافت يشبه اليراع، يظهر ويختفي. “لا أستطيع التحرك.”

 

 

وبصوت هدير مكتوم من بين فكيّ المشدودين، أدرت المسدس بينما اندفع جافين للأمام مدفوعًا بالإشعاع. صرخت الخلية، طنينًا عاليًا لدرجة أنني شعرت بالاهتزاز في أسناني.

 

 

 

ضغطت إصبعي على الزناد.

 

 

“انتظر!” لففت ذراعي حول ساقه.

————————

 

 

 

هممممم..

 

 

 

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

“مهلًا، مهلًا، انظر إليّ.” أمسك جافين ذقن فينتان بقوة بين أصابعه ليجبرهما على النظر إلى بعضهما، لكن فينتان أغمض عينيه بشدة. “عليك أن تتحرك يا فين. هل تسمعني؟” نظر جافين إلى أعلى السقف، ثم أمسك بكتف فينتان ودفعه. “اركض!”

 

 

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

 

لكن معظم السرب بقي في مواقعه على طول مصائد الحرير.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط