سبيكة
الفصل 27 — سبيكة
تنفستُ عبر الألم، مغمضًا عينيّ لتفادي ازدواج الرؤية المربك. شعرتُ بكل ضربة سددتها بالسنّ، وكأنها اخترقت رأسي أنا. ارتجف خوف الأودوكو داخلي. كان ذلك أسوأ ما في الأمر؛ أن أشعر برعب لحظاته الأخيرة. ذلك، ومعرفة أنني أنا من سبّب هذا الألم. أن أرى نفسي مفترسًا من خلال عيني فريستي. ذكّرتُ نفسي بأنني لم أملك خيارًا؛ عاشبًا كان أم لا، كان وحشًا متحولًا بريًا، وكان سيقتلني.
جاثيًا على ركبتيّ في مياه عالم الروح المتلألئة، سكنت تمامًا، وسرت قشعريرة من النشوة على طول عمودي الفقري وأنا أنظر إلى صخرة الروح الدخانية الداكنة كالفحم تحت راحتيّ.
قلت، “ثلاثة أنماط؟ لم أسمع من قبل عن أي تنويعات للإشعاع. الإشعاع هو الإشعاع.”
هل شعرتُ حقًا بأنها تحرّكت؟
لا بد للروح أن ترحل.
رفعتها من الماء. ظهر على أحد جانبيها سطح مستوٍ بحجم قطعة نقدية. كانت قابلة للتشكّل، ولو قليلًا. ارتفع حاجباي، وأمسكتها بين كفّيّ. ضغطت حتى ارتجفت ذراعاي ونبض شكلي الشفاف بتوهّج ناعم كضوء القمر. وعندما أرخيت الضغط، ظهرت على الحجر تموّجات دقيقة بالكاد تُرى حيث تركت أصابعي آثارها.
مشيتُ نحو الشجرة حيث كان طرف القرن لا يزال مغروسًا في لحائها. لم يتحرك قيد أنملة عندما حاولتُ سحبه، لكنني أحضرتُ حجرًا من أرض الغابة ومزقتُ اللحاء المحيط به حتى انفصل أخيرًا. ثم عدتُ إلى الجثة وبدأتُ باستخدام الطرف الحاد كأداة تقطيع، أطعن وأمزق الغشاء والأوتار.
لكن ما الغاية منها؟ إن كان المطلوب إعادة تشكيلها لا كسرها، فما الذي ينبغي أن تصبح عليه؟
خُنق الاندفاع الذي اجتاحني حين تراكبت موجة أخرى من الذكريات فوق رؤية ضبابية لفراء أبيض، ومخالب حادة، وأنياب سيفية مهيبة. وبينما حاولت زعزعتها، أطلق الأودوكو الجريح شخيرًا ثقيلًا، وأنفاسه تتعثر في صدره البرميلي. قفز بصري بين الوحش شبه الحيواني والحجر المُشكَّل، لا يزيد حجمه على سكين جيب وببدائية شوكة متضخمة. ثم استدار الأودوكو نحوي من جديد. كانت عيناه محمرتين دامعتين، ورغوة تتطاير. أيًا كان السم الذي حقنه المفترس، فقد أصاب الحيوان العاشب بالجنون، ولم يكن لديّ سوى سنٌّ طوله ست بوصات لأدافع به عن نفسي. هل يمكن استخدامه أصلًا؟ هل هو مادي لأي شخص أو أي شيء سواي؟
ربما عليّ فقط تسطيحها أكثر لتشبه إحدى الظلال.
حين خمد الحفيف وبدأت أولى أصوات الأكل، نهضت على قدميّ، وعباءة الذيل مسدلة على كتفيّ، وانطلقتُ هاربًا.
باشرت العمل، وضعتها تحت الماء ثم انحنيت على يديّ وركبتيّ لأضغط عليها بكلتا راحتيّ. كان شكلي المتوهّج ينبض مع كل جهد. تمايلت ذهابًا وإيابًا، محاولًا عجن الحجر وتليينه، لكنه كان كأصلب طين في العالم وأكثره عنادًا. لم تتعب يداي ولا ذراعاي، لكنهما بدأتا تشعران بالثقل، وصار التحرك صعبًا، كأنني محاط بالماء من كل جانب، لا مجرد راكع فيه. تراكم الضغط عند كتفيّ، وفي صدري، وفي أذنيّ.
جلست كوا متربعةً داخل المدخل الضيق، مغمضة العينين، وكفوفها مستريحة على ركبتيها. ملأ نورها المكان، لكنه لم يشكل هالةً بسيطةً حولها كالهالة العادية، بل سار على جسدها في أنماطٍ ساحرة. امتدت منه أشرطةٌ قويةٌ لامعةٌ كالأفاعي على ذراعيها، ثم شكلت حلقاتٍ حول خصرها وانقسمت عند ساقيها. عندما وصل إلى قدميها، أطلقت زفيرًا عميقًا، فانطلق الشريطان من أصابع قدميها وقفزا إلى جبهتها. هناك، دارا في دوائر متحدة المركز بينما كانت تنفخ في بطنها. ومع زفيرها التالي، سلكا مسارين منفصلين، متدفقين كنافورةٍ ليلامسا كتفيها ويبدآ الرحلة من جديد.
رغم أنني لم أشعر بأي حرقة في رئتي وأنا أواصل الضغط عليها، إلا أن أنفاسي تقطعت، وأنا أحاول تحويلها إلى كتلة مستطيلة الشكل يبلغ طولها حوالي ست بوصات. وبينما كنت أجلس لأتفحصها، كدت أسقط أرضًا من شدة الدوار.
أطلق الأودوكو الأحمر صرخة غريبة، وركل بطن الوحش. انحرف واصطدم بأودوكو الذي يحملني، فأطاح بنا جميعًا على أرض الغابة. تطايرت الأوراق والتراب إلى فمي وعيني بينما انزلقنا معًا عبر الأدغال مع كدمات، ارتطامات، وخدوش —فقدنا كل إحساس بالاتجاه. عندما توقفنا، كان الجزء العلوي من جسدي ملتفًا على ظهر الأودوكو البني، وقطع من الحرير في فمي، لكن ذراعي باتت حرة.
يبدو أنني ضغطت بقوة أكبر على أحد الجانبين، مما جعل ذلك الطرف أنحف وأكثر حدة، أشبه بالشوكة. ولأنني أدركت أنه يجب عليّ تعديلها، وضعتها مجددًا في الماء، مستخدمًا كل قوتي في ذراعيّ المتصلبتين.
لم يتبقَّ سوى سنتيمترات قليلة لأُنهي الأمر حين سمعت صرخة طائر عالية ومذعورة، وحفيفًا في أعالي الأشجار. التفتُّ نحو صوت خفقان الأجنحة بينما طار الطائر المفزوع. وخلفه أغصان الأشجار تهتز، تقفز صعودًا وهبوطًا. هناك شيء ضخم يتحرك بين الفروع، متجه نحوي.
ثم شعرت بضغط مفاجئ في الحجاب الحاجز، كما لو أنني تعرضت لدفعة قوية.
أحتاج إلى شيء حاد. ويفضل أن يكون من العظم المتحول. وأنا أعرف من أين أحصل عليه.
فسقطت للوراء.
فسقطت للوراء.
قبل لحظات من الارتطام، فتحت عيني.
أعادت العصي الشاحبة والتربة الخصبة إلى ذاكرتي مكاني، مختبئًا داخل المأوى الذي صنعته في الغابة، وأشعة الشمس الذهبية تتسلل من بين الأغصان المتشابكة. أطلقتُ صوتًا مبهمًا أشبه ب”ممم”، وأنا أحاول جاهدًا التخلص من النعاس.
استلقيت فقط، وعيناي ترفرفان، لكن أنماطًا متلألئة من الضوء رقصت على أرضية التراب وعلى طول وجهي، مما جعل الغفوة مرة أخرى مستحيلة.
لم أشعر بأي ألمٍ يُذكر. في الواقع، لم تعد البقع المكشوفة التي خلّفتها الخيوط تُشعِرني بالحرارة والتهيج. لكنني شعرتُ بثقلٍ ودوار، كما لو أنني أغمضتُ عينيّ للتوّ ثمّ أُيقظتُ فجأةً بهزّةٍ عنيفة. وتساءلتُ مرّةً أخرى عمّا إذا أنام نومًا عميقًا عندما أكون في عالم الروح.
وأنا ألهث، تدحرجت على جانبي، رفعت رأسي، ورأيت الأودوكو يخفض رأسه. هز قرونه، موجهًا فروعها الحادة وزوج القرون المميتة الشائكة على جبهته نحوي مباشرة. فقاعات رغوة خضراء اللون تتدفق من فمه بينما يحك حافره بالأوراق.
استلقيت فقط، وعيناي ترفرفان، لكن أنماطًا متلألئة من الضوء رقصت على أرضية التراب وعلى طول وجهي، مما جعل الغفوة مرة أخرى مستحيلة.
فتحت إحدى عينيها بصعوبة. “أما السؤال…”
شعرت بألم في كاحلي المصاب بالمخالب عندما تدحرجت محاولًا تجنب الأشعة الساطعة، لكنني انتهيت بالتحديق مباشرة في مصدر الإضاءة.
قلت، “إدخال.”
جلست كوا متربعةً داخل المدخل الضيق، مغمضة العينين، وكفوفها مستريحة على ركبتيها. ملأ نورها المكان، لكنه لم يشكل هالةً بسيطةً حولها كالهالة العادية، بل سار على جسدها في أنماطٍ ساحرة. امتدت منه أشرطةٌ قويةٌ لامعةٌ كالأفاعي على ذراعيها، ثم شكلت حلقاتٍ حول خصرها وانقسمت عند ساقيها. عندما وصل إلى قدميها، أطلقت زفيرًا عميقًا، فانطلق الشريطان من أصابع قدميها وقفزا إلى جبهتها. هناك، دارا في دوائر متحدة المركز بينما كانت تنفخ في بطنها. ومع زفيرها التالي، سلكا مسارين منفصلين، متدفقين كنافورةٍ ليلامسا كتفيها ويبدآ الرحلة من جديد.
فتحت إحدى عينيها بصعوبة. “أما السؤال…”
كنتُ مذهولًا لدرجة أنني لم أستطع الكلام، فراقبتُ النمط للمرة الثالثة قبل أن تتشكل لديّ أفكار متماسكة. لم أرَ قط شخصًا يتمتع بهذا القدر من التحكم في إشعاعه. كان تشكيل الأشكال أو إحداث أي نوع من الحركة أمرًا نادرًا. معظم المشعين ينشرون طاقة الإشعاع على أسلحتهم أو أجسادهم بالكامل، مستخدمين تلك الأشكال كدليل. كانت قدرة فينتان على إعادة توجيه هالات الإشعاع المركزة بسرعة على أجزاء مختلفة من جسده مثيرة للإعجاب، لكن هذا —جعل الإشعاع الخاص بها يتبع نمطًا منظمًا ومتكررًا عبر جسدها— أمر لا يُصدق.
في تلك اللحظة بالذات، انتابني ألمٌ مبرحٌ في المريء. نظرتُ إلى أسفل فرأيتُ آخر وميضٍ من الضوء الأبيض بينما تغوص روح الأودوكو الأحمر في صدري.
أين تعلمت ذلك؟ هل كانت ممارسة سرية طورها صاحب عملها في القطاع الخاص؟
ضغطتُ على أسناني، ورمشتُ بسرعة لأطرد الرؤية المزدوجة، وكافحتُ لصدّ الروح، لدفعها للخارج. لا بدّ من وجود حل. مددتُ ذهني، أفكر في عالم الروح. ولثانية، لمع شيء أبيض في بصري. اختفت الأشجار الإضافية الشبحية، وكدتُ أقسم أنني رأيتُ—
قالت فجأةً، “التحديق لا يُجدي نفعًا.”
ربما عليّ فقط تسطيحها أكثر لتشبه إحدى الظلال.
“آه… آسفة.”
وسط القلق الذي تسببه الروح، تسللت فكرة أخرى بحدة.
فتحت إحدى عينيها بصعوبة. “أما السؤال…”
لكن ما الغاية منها؟ إن كان المطلوب إعادة تشكيلها لا كسرها، فما الذي ينبغي أن تصبح عليه؟
“كيف؟” تلعثمتُ وأنا أستند على ساعدي.
رغم أنني لم أشعر بأي حرقة في رئتي وأنا أواصل الضغط عليها، إلا أن أنفاسي تقطعت، وأنا أحاول تحويلها إلى كتلة مستطيلة الشكل يبلغ طولها حوالي ست بوصات. وبينما كنت أجلس لأتفحصها، كدت أسقط أرضًا من شدة الدوار.
قالت وهي تُغمض عينها مجددًا، “عليك أن تكون أكثر تحديدًا.”
انتظرت.
“كيف تفعلين ذلك؟”
————————
فتحت عينيها كلتيهما وفكّت مخالبها من حول ركبتيها. تلاشت الدوائر التي كانت تدور على رأسها، وكأنها تغوص في فرائها، وقالت، “السؤال الأنسب هو: ماذا أفعل؟”
اندفعتُ إلى الأمام وطعنتُ السنّ الفضي المتوهج إلى أسفل، فاخترق هالة الأودوكو بسهولة صادمة، ثم اخترق عينه الكبيرة. انفجر دم دافئ على يدي بينما احتكّ السنّ بمحجر العين. اجتاحتني موجة أخرى من الألم العاصف في أحشائي، وتداخل الإحساس الوهمي مع الواقع؛ دم الأودوكو الحي سال على معصمي، بينما بدا دم الأودوكو الوهمي كأنه يندفع من عنقي في نوافير حارّة.
كتمتُ استياءي. “حسنًا، ماذا تفعلين؟ بالإضافة إلى
التأمل،” أضفتُ بينما كانت تأخذ نفسًا للإجابة.
عالم الروح. أخرجها من عالم الروح.
أطلقت نفخة خفيفة من أنفها تعبيرًا عن التسلية. “لأنت متعلم سريع.”
خلفه، أضاء حقل الزهور بفرقعات كهربائية، وتناثر الشرر حول مأوانا بينما انقض سرب من دبابير النساج على أثر الزهور المتهالكة. أضاء هذا المشهد الساطع قفزة الوحش المرقط فوق الجدول، متألقًا من خلال الغشاء الرقيق من الجلد الذي مده المخلوق بين أرجله الأربعة. انزلق فوق الماء ثم فوق الضفة، مُلقيًا بظلاله على رأسي. ثم انقض، بمخالبه أولًا، ومزق ظهر الأودوكو الأحمر الذي يجري بجانبي.
انتظرت.
انتظرت.
“أنا أمارس أنويتي الميتافيزيقية.”
هذا ما كان عليّ أن آمله، على أي حال. ومع ذلك، قبضتُ على القرن بيدي، مستعدًا لاستهداف العينين.
[[⌐☐=☐: بدون شكل مادي أو جوهر.]
أومأت برأسها، قالت، “الثالث هو التحكم في حركة الإشعاع نفسها، ما قد تسميه التنفيذ. ومستوى المهارة والقوة في هذا التنفيذ يعتمد على مدى توازن الثلاثة معًا، أي مقدار التحكم الذي يحققه المرء في نفسه. لهذا أستخدم تقنية التأمل هذه، لأراجع حالتي وأقيّم وضعي. في هذا الجسد، للأسف، توازني ليس مثاليًا.”
عبستُ. “يبدو الأمر وكأنه مجموعة من الكلمات الرنانة المربوطة معًا لبيع الجرانولا لي.”
نهضتُ على قدميّ، لكنّ قطيعًا آخر من طيور الأودوكو المندفعة صدمَني. التفت ذراعي المكسورة حول ظهري، وشعرتُ بالألم بعد ثانية حين فقدتُ توازني وسقطتُ بين الزهور، متشابكًا في الخيوط المتينة المتقاطعة التي ربطتُها بها. علقت بي الزهور في أرجوحة على ارتفاع بضعة أقدام عن الأرض، وذراعي السليمة مربوطة فوق رأسي. تشنجتُ، فسال الرحيق على ياقة قميصي، وانطلق ألمٌ حادٌّ جديدٌ في كتفي. لم تستجب أصابع ذراعي المصابة، فانكمشت ببطء بألم، عاجزًا عن تمزيق الحرير.
عبست. “أبيعك ال…” اهتز رأسها وأذناها. “لا. فكر في الأمر على أنه…” فتحت فمها ثم أغلقته، وفكّرت لحظة، “هل أنت على دراية بمفاهيم التوازن الداخلي وتنظيم الطاقة؟”
انتابني الحماس لهذا الاحتمال، فربطت جذعي بعناية بخيط دبور النساج، ثم فحصت الذيل. كان ممزقًا بالقرب من مكان اتصاله بالجسم، معلقًا ببضع بوصات فقط من الوتر.
سخرتُ، قلت، “نعم. لكن ما علاقة هذا بالموضوع؟”
كنتُ قد نهضتُ للتو على يديّ وركبتيّ عندما انقضّ عليّ، مما أجبرني على الانحناء جانبًا. تدحرجتُ، ثم عدتُ إلى وضعي الطبيعي على ركبتيّ، وسمعتُ صوت ارتطام قرون الأودوكو الأمامية بجذع الشجرة. كان ذيله متدليًا وممزقًا، نتيجةً للتمزق الذي أصابه في الاشتباك مع المفترس. تدفق الدم والصديد الأصفر من الجرح في فخذه. كان يضرب رأسه بعنف محاولًا التخلص من اللحاء.
قالت، “الفكرة هي الموازنة. أنا أوازن بين ثلاثة أنماط من طاقة الإشعاع لخلق توازن في أساليبي وتحقيق تحكم أعلى في الإشعاع.”
جاثيًا على ركبتيّ في مياه عالم الروح المتلألئة، سكنت تمامًا، وسرت قشعريرة من النشوة على طول عمودي الفقري وأنا أنظر إلى صخرة الروح الدخانية الداكنة كالفحم تحت راحتيّ.
قلت، “ثلاثة أنماط؟ لم أسمع من قبل عن أي تنويعات للإشعاع. الإشعاع هو الإشعاع.”
في اللحظة التي انفصل فيها الذيل، فردته كعباءة تمامًا حين نشر المفترس أجنحته. هويتُ إلى الأرض على يديّ وركبتيّ، وسحبت الذيل المفرود فوق رأسي، وانكمشت تحته بين البتلات الزائفة الممزقة كما رأيت القطيع يفعل بالأمس. سأبدو كأنني لا شيء أكثر من زهرة عملاقة.
قالت، “أنا لا أتحدث عن تنويعات، بل عن الأفعال التي يمكن لمستخدم الإشعاع القيام بها. يمكننا سحب الإشعاع المحيط من الجو إلى داخلنا، هذه طريقة استخدام.”
قلت، “إخراج.”
قلت، “إدخال.”
وسط القلق الذي تسببه الروح، تسللت فكرة أخرى بحدة.
قالت، “بالضبط. ثم يمكننا دفع هذا الإشعاع داخل أجسادنا أو تمديده حول الأسلحة التي نمسكها، هذا الاستخدام الثاني.”
فتحت عينيها كلتيهما وفكّت مخالبها من حول ركبتيها. تلاشت الدوائر التي كانت تدور على رأسها، وكأنها تغوص في فرائها، وقالت، “السؤال الأنسب هو: ماذا أفعل؟”
قلت، “إخراج.”
باشرت العمل، وضعتها تحت الماء ثم انحنيت على يديّ وركبتيّ لأضغط عليها بكلتا راحتيّ. كان شكلي المتوهّج ينبض مع كل جهد. تمايلت ذهابًا وإيابًا، محاولًا عجن الحجر وتليينه، لكنه كان كأصلب طين في العالم وأكثره عنادًا. لم تتعب يداي ولا ذراعاي، لكنهما بدأتا تشعران بالثقل، وصار التحرك صعبًا، كأنني محاط بالماء من كل جانب، لا مجرد راكع فيه. تراكم الضغط عند كتفيّ، وفي صدري، وفي أذنيّ.
أومأت برأسها، قالت، “الثالث هو التحكم في حركة الإشعاع نفسها، ما قد تسميه التنفيذ. ومستوى المهارة والقوة في هذا التنفيذ يعتمد على مدى توازن الثلاثة معًا، أي مقدار التحكم الذي يحققه المرء في نفسه. لهذا أستخدم تقنية التأمل هذه، لأراجع حالتي وأقيّم وضعي. في هذا الجسد، للأسف، توازني ليس مثاليًا.”
“تورين؟!” قاطع صوت كوا أصوات المخلوق المضطربة.
“مع ذلك، بدا لي أنك تؤدين بشكل ممتاز.”
عبستُ. “يبدو الأمر وكأنه مجموعة من الكلمات الرنانة المربوطة معًا لبيع الجرانولا لي.”
قالت على مضض مع عبوس، “في لحظة هدوء وسكون، نعم. لكن ما رأيته كان نتيجة الجلوس في تركيز تام لساعات. في خضم المعركة، لن أملك سوى جزء ضئيل من ذلك التحكم، للأسف. أنا في وضع غير مواتٍ.”
قبل أن أتمكن من قول المزيد، صدمتني قوة من الخلف، فأخرجت أنفاسي بصوت مكتوم. سُحب الجزء العلوي من جسدي إلى الأمام، وساقاي تجران على الأرض. وما زلتُ محاصرًا في الحرير، فقد كنتُ الآن مربوطًا بإحكام إلى جسد حيوان الأودوكوس الدافئ، وصدره وظهره ملفوفان بنفس الخيوط المتشابكة حولي.
“مع ذلك، لم أرَ قطّ أحدًا يُحرّك الإشعاع بهذه الطريقة أو يُحلّله إلى مفاهيم. أو… ماذا سميته سابقًا؟ نوى ميتافيزيقية (سأستخدم “تجريدي”)؟” عبستُ، مُحاولًا تذكّر كل ما قالته. “إذا كان مفهومًا، فكيف يُمكن علاجه؟”
أوقف صوتُ طقطقة عظم قلبي، فنظرتُ لأعلى فرأيتُ لحمًا يتمزق وخيوطًا بيضاء من الروح بينما يمزق الوحش المرقط الحبل الشوكي لأودوكو الأحمر. تناثر الدم على جبهتي. ثغى الأودوكو البني تحتي، وهو يتدحرج ليضع ساقيه تحته، وحدقت عينا الوحش المرقط اليسرى بنا. ارتفع ذيل المفترس كالكوبرا، كاشفًا عن شوكة في نهايته، تلمع بقطرة من سائل لزج. اخترق الذيل فخذ الأودوكو الخلفي وهو يحاول النهوض، مما جعله يسقط مرة أخرى.
“النوى ليست المفهوم بالضبط.” أصدرت صوت “همم” خافتًا، وحركت شفتيها في تفكير. “إنه شيء علمني إياه رئيسي، عندما بدأت التدريب لأول مرة، كنوع من… التمرين؟ علمنا أن للمضعين ثلاثة نوى تجريدية في الجسم تتوافق مع، أو تحتوي على، الأفعال الرئيسية الثلاثة التي تشكل محاذاة المشع.”
انتفض الأودوكو الحقيقي مبتعدًا عني، لكن وقد غذّاني الأدرينالين، سحبتُ بقوة مع الكرمة وغرستُ السنّ في الفتحة المدمّرة نفسها. توغّل عميقًا، وتشنّج الأودوكو، لكن السنّ تحطّم في قبضتي كأنه زجاج. تناثرت شظايا متوهجة إلى الخارج، تتلألأ كأشعة القمر، ثم تلاشت.
وضعت مخلبًا على قاعدة جمجمتها وأدارت رقبتها لأتمكن من رؤيتها وهي ترسم دائرة. “الأولى هي التاج.” رسمت دائرة أخرى على صدرها. “الثانية هي القلب.” ثم ثالثة فوق حجابها الحاجز. “الثالثة هي النفس.”
قالت، “بالضبط. ثم يمكننا دفع هذا الإشعاع داخل أجسادنا أو تمديده حول الأسلحة التي نمسكها، هذا الاستخدام الثاني.”
سألتُ في حيرة، “ماذا؟ مع من تدربت؟”
بالكاد تجرأتُ على التنفس، ولم أستطع سوى الإصغاء والتفسير. أصدر الوحش المتحول صوتًا غامضًا يشبه الخرير. سمعتُ قضمًا، ثم سحبًا. تحركت الأوراق من حولي بينما جُرّت الجثة بعيدًا عن مخبئي.
التفتت أذنا كوا فجأة نحو المدخل، وتصلبت. “هناك خطب ما.”
قالت، “بالضبط. ثم يمكننا دفع هذا الإشعاع داخل أجسادنا أو تمديده حول الأسلحة التي نمسكها، هذا الاستخدام الثاني.”
انقبضت معدتي وأنا أجلس. جافين وفينتان؟ هل عادا ليحاولا
استعادة جثة كبش الفداء؟
أصغيتُ. حفيف أوراق الشجر، وجذور تتمزق، ووقع أقدام ثقيلة. هناك شيء ضخم في الخارج. كثيرون، أكثر من أن يكونوا آل كالهون. استطعتُ سماع طقطقة الشجيرات وهي تسقط من جذورها.
أدرتُ رأسي، وشققتُ ببطء تمزقًا صغيرًا في الغشاء بإصبعين، وتلصصتُ من خلاله. كان ذيل المفترس ملتفًا حول عنق الأودوكو، وطرفه الشائك مغروسًا في اللحم كخطاف، بينما انغرست مخالبه في جذع شجرة. تزحلق صعودًا إلى الأغصان، حاملًا الجثة الثقيلة وكأنها بلا وزن.
مع شظية عظمية في يدها، خرجت كوا من المدخل بحذر، والتفت جانبًا لتجنب الزهور المتدلية بخيوط حريرية، ثم تراجعت وهي تلعن عندما عبر ظلٌ الجانب الأيمن من الأحراش. ثم ظل آخر على اليسار. سمعت صوتًا يشبه صهيل الخيول، ثم ارتطم جسد ضخم بالمأوى، وأمطر رأسي بالعصي. انقضت ساق قوية وركلت كتفي بحوافرها المشقوقة، مما أدى إلى تخديره حتى أطراف أصابعي.
تسارع نبضي، وبدأت أقطع آخر ما تبقى من الأوتار، وعيناي تتنقلان بين ما أفعله وبين الأوراق الذهبية. ومن خلال الأغصان، لمحت بقعًا مرقطة وفراءً أبيض كالعظم. كان مموهًا جيدًا… لولا بقع الدم السوداء. تلك سمحت لي بتتبّع الوحش المرقط وهو يستخدم قدميه الخلفيتين القابضة ومخالب يديه الأماميتين للمناورة بين الفروع، يتسلق كقط ثم يتأرجح كقرد.
“تورين؟!” قاطع صوت كوا أصوات المخلوق المضطربة.
أصغيتُ. حفيف أوراق الشجر، وجذور تتمزق، ووقع أقدام ثقيلة. هناك شيء ضخم في الخارج. كثيرون، أكثر من أن يكونوا آل كالهون. استطعتُ سماع طقطقة الشجيرات وهي تسقط من جذورها.
انبطحتُ على بطني، وذراعي المصابة ملتصقة بجسدي، وخرجتُ مسرعًا من الحفرة، لأجد نفسي أمام حوافرٍ تضرب الأرض بقوة. تدحرجتُ على ظهري، متفاديًا مجموعةً منها، لكنني رفعتُ بصري لأرى مجموعةً أخرى على وشك أن تسحق جمجمتي. مرّ وميضٌ ذهبيٌّ وأبيض فوق رأسي، وأطلق الوحش صرخةً أخرى وهو يهوي بجانبي، بعد أن أسقطته كوا أرضًا. رأيتُ فراءً داكنًا، وأطرافًا تتخبط، وذيلًا ورديًّا ذهبيًّا منتشرًا بينما أستعيد توازني.
جلست كوا متربعةً داخل المدخل الضيق، مغمضة العينين، وكفوفها مستريحة على ركبتيها. ملأ نورها المكان، لكنه لم يشكل هالةً بسيطةً حولها كالهالة العادية، بل سار على جسدها في أنماطٍ ساحرة. امتدت منه أشرطةٌ قويةٌ لامعةٌ كالأفاعي على ذراعيها، ثم شكلت حلقاتٍ حول خصرها وانقسمت عند ساقيها. عندما وصل إلى قدميها، أطلقت زفيرًا عميقًا، فانطلق الشريطان من أصابع قدميها وقفزا إلى جبهتها. هناك، دارا في دوائر متحدة المركز بينما كانت تنفخ في بطنها. ومع زفيرها التالي، سلكا مسارين منفصلين، متدفقين كنافورةٍ ليلامسا كتفيها ويبدآ الرحلة من جديد.
“اهر-أوغه!” قفزت كوا للخلف من قرون الأودوكو الساقطة المتأرجحة، لتصطدم من الجانب بواحدة أخرى تندفع نحوها، مما أدى إلى إرسال جسدها المغطى بالإشعاع بعيدًا عن الأنظار.
التفتت أذنا كوا فجأة نحو المدخل، وتصلبت. “هناك خطب ما.”
نهضتُ على قدميّ، لكنّ قطيعًا آخر من طيور الأودوكو المندفعة صدمَني. التفت ذراعي المكسورة حول ظهري، وشعرتُ بالألم بعد ثانية حين فقدتُ توازني وسقطتُ بين الزهور، متشابكًا في الخيوط المتينة المتقاطعة التي ربطتُها بها. علقت بي الزهور في أرجوحة على ارتفاع بضعة أقدام عن الأرض، وذراعي السليمة مربوطة فوق رأسي. تشنجتُ، فسال الرحيق على ياقة قميصي، وانطلق ألمٌ حادٌّ جديدٌ في كتفي. لم تستجب أصابع ذراعي المصابة، فانكمشت ببطء بألم، عاجزًا عن تمزيق الحرير.
عندما تحولت روح الأودوكو إلى كرة، كان عليّ أن أقرر: هل أمتصها أم أحولها إلى سبيكة؟
ومضت الظلال من حولي وشعرت بآثار أقدام الأجساد المارة.
تضاربت النشوة مع القلق وأنا أراقب روح الأودوكو تتصاعد إلى الأعلى كالبخار.
جعلني طنين خافت في المسافة أتخبط بقوة أكبر، وقلبي يخفق بشدة.
نهضتُ على قدميّ، لكنّ قطيعًا آخر من طيور الأودوكو المندفعة صدمَني. التفت ذراعي المكسورة حول ظهري، وشعرتُ بالألم بعد ثانية حين فقدتُ توازني وسقطتُ بين الزهور، متشابكًا في الخيوط المتينة المتقاطعة التي ربطتُها بها. علقت بي الزهور في أرجوحة على ارتفاع بضعة أقدام عن الأرض، وذراعي السليمة مربوطة فوق رأسي. تشنجتُ، فسال الرحيق على ياقة قميصي، وانطلق ألمٌ حادٌّ جديدٌ في كتفي. لم تستجب أصابع ذراعي المصابة، فانكمشت ببطء بألم، عاجزًا عن تمزيق الحرير.
“تورين، اصرخ!” صاحت كوا من مكان ما داخل حقل الزهور.
ليس معي سوى حذاء واحد، ما جعل كل خطوة ثانية مقامرة. أغصان صغيرة اخترقت جوربي، لكنني واصلت الركض حتى أجبرني غرز في جنبي على التوقف، وظهري ملتصق بجذع شجرة.
“هنا!”
“آه… آسفة.”
قبل أن أتمكن من قول المزيد، صدمتني قوة من الخلف، فأخرجت أنفاسي بصوت مكتوم. سُحب الجزء العلوي من جسدي إلى الأمام، وساقاي تجران على الأرض. وما زلتُ محاصرًا في الحرير، فقد كنتُ الآن مربوطًا بإحكام إلى جسد حيوان الأودوكوس الدافئ، وصدره وظهره ملفوفان بنفس الخيوط المتشابكة حولي.
كتمتُ استياءي. “حسنًا، ماذا تفعلين؟ بالإضافة إلى التأمل،” أضفتُ بينما كانت تأخذ نفسًا للإجابة.
ركض وهو ملتصق بي، وساقاي المتدليتان تصطدمان بالأرض. انتشر ذيله خلفه، يهتز كريش الطاووس، حاجبًا رؤيتي للمأوى. إلى يميني، هناك حيوان أودوكو آخر ذو لون أحمر يركض بأقصى سرعة، وقد اتسعت فتحتا أنفه وبرزت عيناه من الرعب.
أدرتُ رأسي، وشققتُ ببطء تمزقًا صغيرًا في الغشاء بإصبعين، وتلصصتُ من خلاله. كان ذيل المفترس ملتفًا حول عنق الأودوكو، وطرفه الشائك مغروسًا في اللحم كخطاف، بينما انغرست مخالبه في جذع شجرة. تزحلق صعودًا إلى الأغصان، حاملًا الجثة الثقيلة وكأنها بلا وزن.
انزلق حذائي المتعثر على حجرٍ وطار بعيدًا. تمزقت ساقاي وخدشتهما الأغصان والأرض الصلبة وأنا أطلق صرخة ذعر، ممسكًا بحبال الحرير الملتوية في يدي العالقة، محاولًا تمزيقها بأظافري. لكن فجأةً قفز الدودوكو عاليًا، متجاوزًا مجرى النهر، فتشبثتُ بالخيوط التي تربطنا بكل قوتي.
لم أشعر بأي ألمٍ يُذكر. في الواقع، لم تعد البقع المكشوفة التي خلّفتها الخيوط تُشعِرني بالحرارة والتهيج. لكنني شعرتُ بثقلٍ ودوار، كما لو أنني أغمضتُ عينيّ للتوّ ثمّ أُيقظتُ فجأةً بهزّةٍ عنيفة. وتساءلتُ مرّةً أخرى عمّا إذا أنام نومًا عميقًا عندما أكون في عالم الروح.
انطوى الذيل العريض للودوكو، مخففًا مقاومة الهواء أثناء قفزه، ونظرت مباشرة إلى وجه المفترس الذي دفع القطيع إلى الهرب —وحش أبيض عظمي مغطى ببقع ذهبية مرقطة. توسعت ثلاث مجموعات من الخياشيم على طول خطمه القططي، تشم رائحة الخوف. ركزت أربع عيون لوزية على العواشب الهاربة بينما مزقت أرجله الأمامية المفتولة الأرض بمخالبه.
[[⌐☐=☐: بدون شكل مادي أو جوهر.]
خلفه، أضاء حقل الزهور بفرقعات كهربائية، وتناثر الشرر حول مأوانا بينما انقض سرب من دبابير النساج على أثر الزهور المتهالكة. أضاء هذا المشهد الساطع قفزة الوحش المرقط فوق الجدول، متألقًا من خلال الغشاء الرقيق من الجلد الذي مده المخلوق بين أرجله الأربعة. انزلق فوق الماء ثم فوق الضفة، مُلقيًا بظلاله على رأسي. ثم انقض، بمخالبه أولًا، ومزق ظهر الأودوكو الأحمر الذي يجري بجانبي.
قفز الأودوكو فوق جذع شجرة ساقطة، يركل بعنف، ثم هبط بقوة، وانثنت ساقه المصابة. بين معدتي المتشنجة ويدي اليسرى الضعيفة، فقدت قبضتي وانطلقت بعيدًا. دوى صوت بوق الأودوكو الصارخ حول جمجمتي وأنا أسقط على ظهري، عاجزًا عن التنفس، وأضلاعي تحترق، وارتداده يمزق أحشائي.
أطلق الأودوكو الأحمر صرخة غريبة، وركل بطن الوحش. انحرف واصطدم بأودوكو الذي يحملني، فأطاح بنا جميعًا على أرض الغابة. تطايرت الأوراق والتراب إلى فمي وعيني بينما انزلقنا معًا عبر الأدغال مع كدمات، ارتطامات، وخدوش —فقدنا كل إحساس بالاتجاه. عندما توقفنا، كان الجزء العلوي من جسدي ملتفًا على ظهر الأودوكو البني، وقطع من الحرير في فمي، لكن ذراعي باتت حرة.
قفز الأودوكو فوق جذع شجرة ساقطة، يركل بعنف، ثم هبط بقوة، وانثنت ساقه المصابة. بين معدتي المتشنجة ويدي اليسرى الضعيفة، فقدت قبضتي وانطلقت بعيدًا. دوى صوت بوق الأودوكو الصارخ حول جمجمتي وأنا أسقط على ظهري، عاجزًا عن التنفس، وأضلاعي تحترق، وارتداده يمزق أحشائي.
أوقف صوتُ طقطقة عظم قلبي، فنظرتُ لأعلى فرأيتُ لحمًا يتمزق وخيوطًا بيضاء من الروح بينما يمزق الوحش المرقط الحبل الشوكي لأودوكو الأحمر. تناثر الدم على جبهتي. ثغى الأودوكو البني تحتي، وهو يتدحرج ليضع ساقيه تحته، وحدقت عينا الوحش المرقط اليسرى بنا. ارتفع ذيل المفترس كالكوبرا، كاشفًا عن شوكة في نهايته، تلمع بقطرة من سائل لزج. اخترق الذيل فخذ الأودوكو الخلفي وهو يحاول النهوض، مما جعله يسقط مرة أخرى.
“كيف؟” تلعثمتُ وأنا أستند على ساعدي.
في تلك اللحظة بالذات، انتابني ألمٌ مبرحٌ في المريء. نظرتُ إلى أسفل فرأيتُ آخر وميضٍ من الضوء الأبيض بينما تغوص روح الأودوكو الأحمر في صدري.
مددت يدي، ثم تراجعت عن ذلك. كل شيء يؤلمني. كان الدم من الجرح في جنبي يغمر قميصي. شعرت وكأن ساقيّ قد مرتا بمفرمة لحم، وذراعي الأيسر بأكمله ينبض مع دقات قلبي.
كلا!
أنفاسٌ كريهةٌ دفأت عنقي المتألم، وسمعتُ هديرًا يتردد صداه من ذاكرة الروح، فأرسلت صاعقة رعبٍ إلى رأسي وأنا أمسك بالكرمة، فأمزقها من لحائها. استدرتُ حين وصل إليّ الأودوكو. مزّق أحد أغصان قرنه جرحًا حارقًا عبر أضلاعي، لكنني تمكنتُ من لفّ الكرمة حول القرن وشدّها بإحكام، ولففتُ الجزء الزائد حول ذراعي. ألقيتُ بكلّ ثقل جسدي إلى الخلف، ساحبًا رأس الأودوكو إلى الخلف والأسفل، ولويتُ عنقه. سقط على جانبه النازف، وهو يئنّ من الألم. ركلت ساقاه وتخبطتا، لكن حركاته كانت خرقاء، تكاد تكون كالسكر، وهو يحاول تحرير رأسه من الكرمة.
حاولتُ جاهدةً انتزاعها، وضربها بعيدًا. لكن الوقت قد فات.
انقبضت معدتي وأنا أجلس. جافين وفينتان؟ هل عادا ليحاولا استعادة جثة كبش الفداء؟
استعاد الأودوكو توازنه بهزة من رأسه، وتحرك ظهره تحت جذعي المتشنج وهو يحاول النهوض على قدميه. في محاولة يائسة للهروب من عيني الوحش المرقط الجائعتين، لففت ذراعي المصابة حول ظهر الأودوكو وأمسكت بقاعدة قرنه بقبضتي السليمة، محاولًا رمي ساقي فوق ظهره.
رمشت لأبدد صورة عالم الروح، ونظرت إلى أسفل بدهشة إلى سنّ فضي متوهج شفاف في قبضتي.
انطلق الأودوكو المذعور بأقصى سرعة، يندفع بين جذوع الأشجار، وينحرف في اللحظة الأخيرة. كان يتخبط ويتقلب أثناء ركضه، محاولًا إلقاءي، لكنني تشبثت به بكل ما أوتيت من قوة. وذراعاي تحترقان، حاولت أن أرفع نفسي فوقه لأتمكن من التشبث به بشكل أفضل بينما أبتلع مرارة، لكن فجأةً غمرتني ذكريات اللحظات الأخيرة المشؤومة، فضاعفت من رعب الأشجار. سمعت صوت هدير خلفي —المفترس— لكن هل هو يتبعني حقًا أم مجرد جزء من الذاكرة؟
قبل لحظات من الارتطام، فتحت عيني.
ضغطتُ على أسناني، ورمشتُ بسرعة لأطرد الرؤية المزدوجة، وكافحتُ لصدّ الروح، لدفعها للخارج. لا بدّ من وجود حل. مددتُ ذهني، أفكر في عالم الروح. ولثانية، لمع شيء أبيض في بصري. اختفت الأشجار الإضافية الشبحية، وكدتُ أقسم أنني رأيتُ—
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
قفز الأودوكو فوق جذع شجرة ساقطة، يركل بعنف، ثم هبط بقوة، وانثنت ساقه المصابة. بين معدتي المتشنجة ويدي اليسرى الضعيفة، فقدت قبضتي وانطلقت بعيدًا. دوى صوت بوق الأودوكو الصارخ حول جمجمتي وأنا أسقط على ظهري، عاجزًا عن التنفس، وأضلاعي تحترق، وارتداده يمزق أحشائي.
انطلق الأودوكو المذعور بأقصى سرعة، يندفع بين جذوع الأشجار، وينحرف في اللحظة الأخيرة. كان يتخبط ويتقلب أثناء ركضه، محاولًا إلقاءي، لكنني تشبثت به بكل ما أوتيت من قوة. وذراعاي تحترقان، حاولت أن أرفع نفسي فوقه لأتمكن من التشبث به بشكل أفضل بينما أبتلع مرارة، لكن فجأةً غمرتني ذكريات اللحظات الأخيرة المشؤومة، فضاعفت من رعب الأشجار. سمعت صوت هدير خلفي —المفترس— لكن هل هو يتبعني حقًا أم مجرد جزء من الذاكرة؟
لا بد للروح أن ترحل.
عالم الروح. أخرجها من عالم الروح.
في اللحظة التي انفصل فيها الذيل، فردته كعباءة تمامًا حين نشر المفترس أجنحته. هويتُ إلى الأرض على يديّ وركبتيّ، وسحبت الذيل المفرود فوق رأسي، وانكمشت تحته بين البتلات الزائفة الممزقة كما رأيت القطيع يفعل بالأمس. سأبدو كأنني لا شيء أكثر من زهرة عملاقة.
ها هو ذا مجددًا! عائق أبيض فوق عيني اليسرى، وفي وسطه، أشكال داكنة تتمايل تحت الماء الضحل. حجران يدوران حولي، أحدهما مستدير والآخر مدبب.
رغم أنني لم أشعر بأي حرقة في رئتي وأنا أواصل الضغط عليها، إلا أن أنفاسي تقطعت، وأنا أحاول تحويلها إلى كتلة مستطيلة الشكل يبلغ طولها حوالي ست بوصات. وبينما كنت أجلس لأتفحصها، كدت أسقط أرضًا من شدة الدوار.
ألم وهمي حارق مزّق وركيّ، محطّم صورة عالم الروح. انطلقت صرخة مكتومة من صدري بينما تشبّث رعب غريب بحواسي المُرهفة أصلًا، وتعرقت رعبًا فجأة.
مشيتُ نحو الشجرة حيث كان طرف القرن لا يزال مغروسًا في لحائها. لم يتحرك قيد أنملة عندما حاولتُ سحبه، لكنني أحضرتُ حجرًا من أرض الغابة ومزقتُ اللحاء المحيط به حتى انفصل أخيرًا. ثم عدتُ إلى الجثة وبدأتُ باستخدام الطرف الحاد كأداة تقطيع، أطعن وأمزق الغشاء والأوتار.
وأنا ألهث، تدحرجت على جانبي، رفعت رأسي، ورأيت الأودوكو يخفض رأسه. هز قرونه، موجهًا فروعها الحادة وزوج القرون المميتة الشائكة على جبهته نحوي مباشرة. فقاعات رغوة خضراء اللون تتدفق من فمه بينما يحك حافره بالأوراق.
تشنجت أحشائي بشدة، وجسدي ينبض ألمًا في كل مكان، وأنا أتقيأ جفافًا. هذه المرة، حين مددت بصري الداخلي نحو عالم الروح، ظهرت المياه اللؤلؤية وصخور الروح المعلّقة فورًا، متراكبة على نصف مجال رؤيتي. رفعت يدًا نحو عيني اليسرى بدهشة، فارتسمت يد شفافة فوق الصورة البيضاء.
كنتُ قد نهضتُ للتو على يديّ وركبتيّ عندما انقضّ عليّ، مما أجبرني على الانحناء جانبًا. تدحرجتُ، ثم عدتُ إلى وضعي الطبيعي على ركبتيّ، وسمعتُ صوت ارتطام قرون الأودوكو الأمامية بجذع الشجرة. كان ذيله متدليًا وممزقًا، نتيجةً للتمزق الذي أصابه في الاشتباك مع المفترس. تدفق الدم والصديد الأصفر من الجرح في فخذه. كان يضرب رأسه بعنف محاولًا التخلص من اللحاء.
لم يتبقَّ سوى سنتيمترات قليلة لأُنهي الأمر حين سمعت صرخة طائر عالية ومذعورة، وحفيفًا في أعالي الأشجار. التفتُّ نحو صوت خفقان الأجنحة بينما طار الطائر المفزوع. وخلفه أغصان الأشجار تهتز، تقفز صعودًا وهبوطًا. هناك شيء ضخم يتحرك بين الفروع، متجه نحوي.
تشنجت أحشائي بشدة، وجسدي ينبض ألمًا في كل مكان، وأنا أتقيأ جفافًا. هذه المرة، حين مددت بصري الداخلي نحو عالم الروح، ظهرت المياه اللؤلؤية وصخور الروح المعلّقة فورًا، متراكبة على نصف مجال رؤيتي. رفعت يدًا نحو عيني اليسرى بدهشة، فارتسمت يد شفافة فوق الصورة البيضاء.
انتابني الحماس لهذا الاحتمال، فربطت جذعي بعناية بخيط دبور النساج، ثم فحصت الذيل. كان ممزقًا بالقرب من مكان اتصاله بالجسم، معلقًا ببضع بوصات فقط من الوتر.
حرّكت ذراعي صعودًا وهبوطًا، فتحرّكت ذراع هيئتي الروحية معها. لكن كيف أوقف الامتصاص الذي يعقد أمعائي… أو أسرّعه؟
رفعتها من الماء. ظهر على أحد جانبيها سطح مستوٍ بحجم قطعة نقدية. كانت قابلة للتشكّل، ولو قليلًا. ارتفع حاجباي، وأمسكتها بين كفّيّ. ضغطت حتى ارتجفت ذراعاي ونبض شكلي الشفاف بتوهّج ناعم كضوء القمر. وعندما أرخيت الضغط، ظهرت على الحجر تموّجات دقيقة بالكاد تُرى حيث تركت أصابعي آثارها.
مددت يدي نحو الظلال تحت الصخور، لكن يد روحي اصطدمت بالسنّ المعلّق الذي كنت قد شكّلته، وشعرت بملمسه الصلب بأطراف أصابعي الحقيقية. دوّى طقطقة مجلجلة بين الأشجار؛ كان الأودوكو الهائج قد كسر قرنه بنفسه ليتحرر.
“تورين، اصرخ!” صاحت كوا من مكان ما داخل حقل الزهور.
مذعورًا، قبضت يدي حول السنّ، أقرب شيء إلى سلاح في المتناول، داخل عالم الروح أو خارجه، وسحبت يدي بعنف. وجاء حجر الروح المُشكَّل معه.
تشنجت أحشائي بشدة، وجسدي ينبض ألمًا في كل مكان، وأنا أتقيأ جفافًا. هذه المرة، حين مددت بصري الداخلي نحو عالم الروح، ظهرت المياه اللؤلؤية وصخور الروح المعلّقة فورًا، متراكبة على نصف مجال رؤيتي. رفعت يدًا نحو عيني اليسرى بدهشة، فارتسمت يد شفافة فوق الصورة البيضاء.
رمشت لأبدد صورة عالم الروح، ونظرت إلى أسفل بدهشة إلى سنّ فضي متوهج شفاف في قبضتي.
يبدو أنني ضغطت بقوة أكبر على أحد الجانبين، مما جعل ذلك الطرف أنحف وأكثر حدة، أشبه بالشوكة. ولأنني أدركت أنه يجب عليّ تعديلها، وضعتها مجددًا في الماء، مستخدمًا كل قوتي في ذراعيّ المتصلبتين.
لقد أخرجته من عالم الروح! ماذا يعني ذلك؟ وماذا أيضًا يمكنني أن—
تبدّد الخوف الدخيل شيئًا فشيئًا. مرهقًا، تنفستُ خلال آخر التواءات أمعائي وفتحتُ عينيّ أحدّق في الموضع الذي كان فيه سنّ الروح. بطريقة ظا، كنتُ قد سحبته من عالم الروح.
خُنق الاندفاع الذي اجتاحني حين تراكبت موجة أخرى من الذكريات فوق رؤية ضبابية لفراء أبيض، ومخالب حادة، وأنياب سيفية مهيبة. وبينما حاولت زعزعتها، أطلق الأودوكو الجريح شخيرًا ثقيلًا، وأنفاسه تتعثر في صدره البرميلي. قفز بصري بين الوحش شبه الحيواني والحجر المُشكَّل، لا يزيد حجمه على سكين جيب وببدائية شوكة متضخمة. ثم استدار الأودوكو نحوي من جديد. كانت عيناه محمرتين دامعتين، ورغوة تتطاير. أيًا كان السم الذي حقنه المفترس، فقد أصاب الحيوان العاشب بالجنون، ولم يكن لديّ سوى سنٌّ طوله ست بوصات لأدافع به عن نفسي. هل يمكن استخدامه أصلًا؟ هل هو مادي لأي شخص أو أي شيء سواي؟
بحثتُ في المنطقة عن مخرج أو شيء أكبر، لكن ألمًا وهميًا حادًا طعنني في مؤخرة رقبتي. أجبرتُ ساقيّ المنهكتين على الحركة، وركضتُ نحو أقرب شجرة بينما كان الأودوكو يهاجمني. طاردتني حوافر وشخير غاضب بسرعة كبيرة. لم يكن لديّ وقت للتسلق. ثم، وسط الضباب، لمحتُ كرومًا ذهبية تلتف حول جذع الشجرة.
لا بد للروح أن ترحل.
أنفاسٌ كريهةٌ دفأت عنقي المتألم، وسمعتُ هديرًا يتردد صداه من ذاكرة الروح، فأرسلت صاعقة رعبٍ إلى رأسي وأنا أمسك بالكرمة، فأمزقها من لحائها. استدرتُ حين وصل إليّ الأودوكو. مزّق أحد أغصان قرنه جرحًا حارقًا عبر أضلاعي، لكنني تمكنتُ من لفّ الكرمة حول القرن وشدّها بإحكام، ولففتُ الجزء الزائد حول ذراعي. ألقيتُ بكلّ ثقل جسدي إلى الخلف، ساحبًا رأس الأودوكو إلى الخلف والأسفل، ولويتُ عنقه. سقط على جانبه النازف، وهو يئنّ من الألم. ركلت ساقاه وتخبطتا، لكن حركاته كانت خرقاء، تكاد تكون كالسكر، وهو يحاول تحرير رأسه من الكرمة.
تضاربت النشوة مع القلق وأنا أراقب روح الأودوكو تتصاعد إلى الأعلى كالبخار.
اندفعتُ إلى الأمام وطعنتُ السنّ الفضي المتوهج إلى أسفل، فاخترق هالة الأودوكو بسهولة صادمة، ثم اخترق عينه الكبيرة. انفجر دم دافئ على يدي بينما احتكّ السنّ بمحجر العين. اجتاحتني موجة أخرى من الألم العاصف في أحشائي، وتداخل الإحساس الوهمي مع الواقع؛ دم الأودوكو الحي سال على معصمي، بينما بدا دم الأودوكو الوهمي كأنه يندفع من عنقي في نوافير حارّة.
جعلني طنين خافت في المسافة أتخبط بقوة أكبر، وقلبي يخفق بشدة.
انتفض الأودوكو الحقيقي مبتعدًا عني، لكن وقد غذّاني الأدرينالين، سحبتُ بقوة مع الكرمة وغرستُ السنّ في الفتحة المدمّرة نفسها. توغّل عميقًا، وتشنّج الأودوكو، لكن السنّ تحطّم في قبضتي كأنه زجاج. تناثرت شظايا متوهجة إلى الخارج، تتلألأ كأشعة القمر، ثم تلاشت.
تشنجت أحشائي بشدة، وجسدي ينبض ألمًا في كل مكان، وأنا أتقيأ جفافًا. هذه المرة، حين مددت بصري الداخلي نحو عالم الروح، ظهرت المياه اللؤلؤية وصخور الروح المعلّقة فورًا، متراكبة على نصف مجال رؤيتي. رفعت يدًا نحو عيني اليسرى بدهشة، فارتسمت يد شفافة فوق الصورة البيضاء.
تراجعتُ إلى الخلف، ورعشة شاملة اجتاحت جسدي وأنا أحاول التخلّص من اللحظات الأخيرة المروّعة للروح. كان جسدي يبرد بينما العرق ينهمر على وجهي. احتضنتُ بطني وأغمضتُ عينيّ، هامسًا، “غير حقيقي. ليس أنا.”
لم أجرؤ على الحركة بعد. منكمشًا تحت الذيل، كنت أسمع أعالي الأشجار تهتز بينما يثبت المفترس فريسته عاليًا عن الأرض، قريبًا أكثر مما يبعث على الارتياح. لكن لم يكن بإمكاني البقاء هنا إلى الأبد. أفضل خيار لي هو الهرب بينما هو منشغل تمامًا.
تبدّد الخوف الدخيل شيئًا فشيئًا. مرهقًا، تنفستُ خلال آخر التواءات أمعائي وفتحتُ عينيّ أحدّق في الموضع الذي كان فيه سنّ الروح. بطريقة ظا، كنتُ قد سحبته من عالم الروح.
لم أجرؤ على الحركة بعد. منكمشًا تحت الذيل، كنت أسمع أعالي الأشجار تهتز بينما يثبت المفترس فريسته عاليًا عن الأرض، قريبًا أكثر مما يبعث على الارتياح. لكن لم يكن بإمكاني البقاء هنا إلى الأبد. أفضل خيار لي هو الهرب بينما هو منشغل تمامًا.
تضاربت النشوة مع القلق وأنا أراقب روح الأودوكو تتصاعد إلى الأعلى كالبخار.
قبل أن أتمكن من قول المزيد، صدمتني قوة من الخلف، فأخرجت أنفاسي بصوت مكتوم. سُحب الجزء العلوي من جسدي إلى الأمام، وساقاي تجران على الأرض. وما زلتُ محاصرًا في الحرير، فقد كنتُ الآن مربوطًا بإحكام إلى جسد حيوان الأودوكوس الدافئ، وصدره وظهره ملفوفان بنفس الخيوط المتشابكة حولي.
بينما لا يزال رعب موت الآخر حاضرًا في ذهني، لم أكن أرغب تمامًا في أخذها، لكنني كنت أعلم أنه يجب عليّ فعل ذلك. والآن لديّ خيارات، أليس كذلك؟ على حد علمي، كانت أحجار الروح في الواقع سبائك روحية، قابلة للتشكيل، لتصبح أسلحة حقيقية.
عبست. “أبيعك ال…” اهتز رأسها وأذناها. “لا. فكر في الأمر على أنه…” فتحت فمها ثم أغلقته، وفكّرت لحظة، “هل أنت على دراية بمفاهيم التوازن الداخلي وتنظيم الطاقة؟”
عندما تحولت روح الأودوكو إلى كرة، كان عليّ أن أقرر: هل أمتصها أم أحولها إلى سبيكة؟
احم. ثاني فائدة لعالم الروح:
مددت يدي، ثم تراجعت عن ذلك. كل شيء يؤلمني. كان الدم من الجرح في جنبي يغمر قميصي. شعرت وكأن ساقيّ قد مرتا بمفرمة لحم، وذراعي الأيسر بأكمله ينبض مع دقات قلبي.
لم يتبقَّ سوى سنتيمترات قليلة لأُنهي الأمر حين سمعت صرخة طائر عالية ومذعورة، وحفيفًا في أعالي الأشجار. التفتُّ نحو صوت خفقان الأجنحة بينما طار الطائر المفزوع. وخلفه أغصان الأشجار تهتز، تقفز صعودًا وهبوطًا. هناك شيء ضخم يتحرك بين الفروع، متجه نحوي.
اقتربت الروح مني، فتركتها تأتي. هذه المرة، عندما استقرت في صدري، كنت مستعدًا.
قالت، “بالضبط. ثم يمكننا دفع هذا الإشعاع داخل أجسادنا أو تمديده حول الأسلحة التي نمسكها، هذا الاستخدام الثاني.”
تنفستُ عبر الألم، مغمضًا عينيّ لتفادي ازدواج الرؤية المربك. شعرتُ بكل ضربة سددتها بالسنّ، وكأنها اخترقت رأسي أنا. ارتجف خوف الأودوكو داخلي. كان ذلك أسوأ ما في الأمر؛ أن أشعر برعب لحظاته الأخيرة. ذلك، ومعرفة أنني أنا من سبّب هذا الألم. أن أرى نفسي مفترسًا من خلال عيني فريستي. ذكّرتُ نفسي بأنني لم أملك خيارًا؛ عاشبًا كان أم لا، كان وحشًا متحولًا بريًا، وكان سيقتلني.
حين خمد الحفيف وبدأت أولى أصوات الأكل، نهضت على قدميّ، وعباءة الذيل مسدلة على كتفيّ، وانطلقتُ هاربًا.
وسط القلق الذي تسببه الروح، تسللت فكرة أخرى بحدة.
قالت فجأةً، “التحديق لا يُجدي نفعًا.”
كوا؟ هل هي بخير؟
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
لا بدّ أنها كذلك. إنها قادرة تمامًا على الاعتناء بنفسها، أنا متأكد. ربما هي تبحث عني بالفعل.
الفصل 27 — سبيكة
فتحت عينيّ ونظرت حولي كما لو كنت أراها تقترب مني، لكن لم يكن هناك سوى غابة كثيفة. خفّت آلامي قليلًا، لكن جنبي لا يزال ينزف. رفعت سترتي وقميصي بحذر لأرى بوضوح: تتدلى قطعة كبيرة من الجلد بحرية، والدم ينزف من جرح طويل يتبع انحناءة أضلاعي.
لم يتبقَّ سوى سنتيمترات قليلة لأُنهي الأمر حين سمعت صرخة طائر عالية ومذعورة، وحفيفًا في أعالي الأشجار. التفتُّ نحو صوت خفقان الأجنحة بينما طار الطائر المفزوع. وخلفه أغصان الأشجار تهتز، تقفز صعودًا وهبوطًا. هناك شيء ضخم يتحرك بين الفروع، متجه نحوي.
أنا بحاجة إلى تضميدها، ولكن بأي ضمادة؟
وأنا ألهث، تدحرجت على جانبي، رفعت رأسي، ورأيت الأودوكو يخفض رأسه. هز قرونه، موجهًا فروعها الحادة وزوج القرون المميتة الشائكة على جبهته نحوي مباشرة. فقاعات رغوة خضراء اللون تتدفق من فمه بينما يحك حافره بالأوراق.
ربّتتُ على جيوبي، متذكرًا خيط دبابير النساج. وبينما كنتُ أستخرجه وأبدأ بفكّه من الكرة التي صنعتها، نظرتُ إلى ذيل الأودوكو المتضرر. قد تُشكّل الطيات الغشائية رقعةً جيدة. يُمكنني قصّ جزءٍ صغير، ولصقه على الجرح، وربطه بخيط.
كتمتُ استياءي. “حسنًا، ماذا تفعلين؟ بالإضافة إلى التأمل،” أضفتُ بينما كانت تأخذ نفسًا للإجابة.
أو ربما… يمكنني استخدام الذيل كعباءة. عباءة تمويه.
جلست كوا متربعةً داخل المدخل الضيق، مغمضة العينين، وكفوفها مستريحة على ركبتيها. ملأ نورها المكان، لكنه لم يشكل هالةً بسيطةً حولها كالهالة العادية، بل سار على جسدها في أنماطٍ ساحرة. امتدت منه أشرطةٌ قويةٌ لامعةٌ كالأفاعي على ذراعيها، ثم شكلت حلقاتٍ حول خصرها وانقسمت عند ساقيها. عندما وصل إلى قدميها، أطلقت زفيرًا عميقًا، فانطلق الشريطان من أصابع قدميها وقفزا إلى جبهتها. هناك، دارا في دوائر متحدة المركز بينما كانت تنفخ في بطنها. ومع زفيرها التالي، سلكا مسارين منفصلين، متدفقين كنافورةٍ ليلامسا كتفيها ويبدآ الرحلة من جديد.
انتابني الحماس لهذا الاحتمال، فربطت جذعي بعناية بخيط دبور النساج، ثم فحصت الذيل. كان ممزقًا بالقرب من مكان اتصاله بالجسم، معلقًا ببضع بوصات فقط من الوتر.
قالت، “أنا لا أتحدث عن تنويعات، بل عن الأفعال التي يمكن لمستخدم الإشعاع القيام بها. يمكننا سحب الإشعاع المحيط من الجو إلى داخلنا، هذه طريقة استخدام.”
أحتاج إلى شيء حاد. ويفضل أن يكون من العظم المتحول. وأنا أعرف من أين أحصل عليه.
تبدّد الخوف الدخيل شيئًا فشيئًا. مرهقًا، تنفستُ خلال آخر التواءات أمعائي وفتحتُ عينيّ أحدّق في الموضع الذي كان فيه سنّ الروح. بطريقة ظا، كنتُ قد سحبته من عالم الروح.
مشيتُ نحو الشجرة حيث كان طرف القرن لا يزال مغروسًا في لحائها. لم يتحرك قيد أنملة عندما حاولتُ سحبه، لكنني أحضرتُ حجرًا من أرض الغابة ومزقتُ اللحاء المحيط به حتى انفصل أخيرًا. ثم عدتُ إلى الجثة وبدأتُ باستخدام الطرف الحاد كأداة تقطيع، أطعن وأمزق الغشاء والأوتار.
هبط الوحش بين الشجيرات، وسمعته يشم الهواء.
لم يتبقَّ سوى سنتيمترات قليلة لأُنهي الأمر حين سمعت صرخة طائر عالية ومذعورة، وحفيفًا في أعالي الأشجار. التفتُّ نحو صوت خفقان الأجنحة بينما طار الطائر المفزوع. وخلفه أغصان الأشجار تهتز، تقفز صعودًا وهبوطًا. هناك شيء ضخم يتحرك بين الفروع، متجه نحوي.
وضعت مخلبًا على قاعدة جمجمتها وأدارت رقبتها لأتمكن من رؤيتها وهي ترسم دائرة. “الأولى هي التاج.” رسمت دائرة أخرى على صدرها. “الثانية هي القلب.” ثم ثالثة فوق حجابها الحاجز. “الثالثة هي النفس.”
تسارع نبضي، وبدأت أقطع آخر ما تبقى من الأوتار، وعيناي تتنقلان بين ما أفعله وبين الأوراق الذهبية. ومن خلال الأغصان، لمحت بقعًا مرقطة وفراءً أبيض كالعظم. كان مموهًا جيدًا… لولا بقع الدم السوداء. تلك سمحت لي بتتبّع الوحش المرقط وهو يستخدم قدميه الخلفيتين القابضة ومخالب يديه الأماميتين للمناورة بين الفروع، يتسلق كقط ثم يتأرجح كقرد.
أصغيتُ. حفيف أوراق الشجر، وجذور تتمزق، ووقع أقدام ثقيلة. هناك شيء ضخم في الخارج. كثيرون، أكثر من أن يكونوا آل كالهون. استطعتُ سماع طقطقة الشجيرات وهي تسقط من جذورها.
في اللحظة التي انفصل فيها الذيل، فردته كعباءة تمامًا حين نشر المفترس أجنحته. هويتُ إلى الأرض على يديّ وركبتيّ، وسحبت الذيل المفرود فوق رأسي، وانكمشت تحته بين البتلات الزائفة الممزقة كما رأيت القطيع يفعل بالأمس. سأبدو كأنني لا شيء أكثر من زهرة عملاقة.
أطلقت نفخة خفيفة من أنفها تعبيرًا عن التسلية. “لأنت متعلم سريع.”
هبط الوحش بين الشجيرات، وسمعته يشم الهواء.
انتظرت.
لن يشمّ رائحتي، طمأنتُ نفسي، وحتى لو فعل فلن يرغب بي. لديه طعام كبير، شهي، وغني بالإشعاع يشغله.
“تورين؟!” قاطع صوت كوا أصوات المخلوق المضطربة.
هذا ما كان عليّ أن آمله، على أي حال. ومع ذلك، قبضتُ على القرن بيدي، مستعدًا لاستهداف العينين.
انقبضت معدتي وأنا أجلس. جافين وفينتان؟ هل عادا ليحاولا استعادة جثة كبش الفداء؟
بالكاد تجرأتُ على التنفس، ولم أستطع سوى الإصغاء والتفسير. أصدر الوحش المتحول صوتًا غامضًا يشبه الخرير. سمعتُ قضمًا، ثم سحبًا. تحركت الأوراق من حولي بينما جُرّت الجثة بعيدًا عن مخبئي.
لم أشعر بأي ألمٍ يُذكر. في الواقع، لم تعد البقع المكشوفة التي خلّفتها الخيوط تُشعِرني بالحرارة والتهيج. لكنني شعرتُ بثقلٍ ودوار، كما لو أنني أغمضتُ عينيّ للتوّ ثمّ أُيقظتُ فجأةً بهزّةٍ عنيفة. وتساءلتُ مرّةً أخرى عمّا إذا أنام نومًا عميقًا عندما أكون في عالم الروح.
أدرتُ رأسي، وشققتُ ببطء تمزقًا صغيرًا في الغشاء بإصبعين، وتلصصتُ من خلاله. كان ذيل المفترس ملتفًا حول عنق الأودوكو، وطرفه الشائك مغروسًا في اللحم كخطاف، بينما انغرست مخالبه في جذع شجرة. تزحلق صعودًا إلى الأغصان، حاملًا الجثة الثقيلة وكأنها بلا وزن.
كوا؟ هل هي بخير؟
لم أجرؤ على الحركة بعد. منكمشًا تحت الذيل، كنت أسمع أعالي الأشجار تهتز بينما يثبت المفترس فريسته عاليًا عن الأرض، قريبًا أكثر مما يبعث على الارتياح. لكن لم يكن بإمكاني البقاء هنا إلى الأبد. أفضل خيار لي هو الهرب بينما هو منشغل تمامًا.
“مع ذلك، لم أرَ قطّ أحدًا يُحرّك الإشعاع بهذه الطريقة أو يُحلّله إلى مفاهيم. أو… ماذا سميته سابقًا؟ نوى ميتافيزيقية (سأستخدم “تجريدي”)؟” عبستُ، مُحاولًا تذكّر كل ما قالته. “إذا كان مفهومًا، فكيف يُمكن علاجه؟”
حين خمد الحفيف وبدأت أولى أصوات الأكل، نهضت على قدميّ، وعباءة الذيل مسدلة على كتفيّ، وانطلقتُ هاربًا.
أومأت برأسها، قالت، “الثالث هو التحكم في حركة الإشعاع نفسها، ما قد تسميه التنفيذ. ومستوى المهارة والقوة في هذا التنفيذ يعتمد على مدى توازن الثلاثة معًا، أي مقدار التحكم الذي يحققه المرء في نفسه. لهذا أستخدم تقنية التأمل هذه، لأراجع حالتي وأقيّم وضعي. في هذا الجسد، للأسف، توازني ليس مثاليًا.”
ليس معي سوى حذاء واحد، ما جعل كل خطوة ثانية مقامرة. أغصان صغيرة اخترقت جوربي، لكنني واصلت الركض حتى أجبرني غرز في جنبي على التوقف، وظهري ملتصق بجذع شجرة.
قلت، “إخراج.”
محاولًا تهدئة أنفاسي المتقطعة، أصغيتُ بحثًا عن أصوات المطاردة، لا شيء سوى زقزقة الطيور وخرير الجدول الذي كان يعدني بالمأوى، أو بما تبقى منه، كان قريبًا.
لقد أخرجته من عالم الروح! ماذا يعني ذلك؟ وماذا أيضًا يمكنني أن—
لكن في اللحظة التي بدأتُ فيها أسترخي، تمزق هدوء الأدغال بصراخ جهنمي كنت أعرفه جيدًا.
“تورين؟!” قاطع صوت كوا أصوات المخلوق المضطربة.
————————
فتحت إحدى عينيها بصعوبة. “أما السؤال…”
احم. ثاني فائدة لعالم الروح:
فسقطت للوراء.
– امتصاص الروح وتقوية/شفاء/تحسين الجسد به
انتفض الأودوكو الحقيقي مبتعدًا عني، لكن وقد غذّاني الأدرينالين، سحبتُ بقوة مع الكرمة وغرستُ السنّ في الفتحة المدمّرة نفسها. توغّل عميقًا، وتشنّج الأودوكو، لكن السنّ تحطّم في قبضتي كأنه زجاج. تناثرت شظايا متوهجة إلى الخارج، تتلألأ كأشعة القمر، ثم تلاشت.
– تشكيل أحجار الروح واستدعائها إلى العالم الحقيقي (مثل السيوف اللي في غلاف الرواية).
لم أشعر بأي ألمٍ يُذكر. في الواقع، لم تعد البقع المكشوفة التي خلّفتها الخيوط تُشعِرني بالحرارة والتهيج. لكنني شعرتُ بثقلٍ ودوار، كما لو أنني أغمضتُ عينيّ للتوّ ثمّ أُيقظتُ فجأةً بهزّةٍ عنيفة. وتساءلتُ مرّةً أخرى عمّا إذا أنام نومًا عميقًا عندما أكون في عالم الروح.
انطلق الأودوكو المذعور بأقصى سرعة، يندفع بين جذوع الأشجار، وينحرف في اللحظة الأخيرة. كان يتخبط ويتقلب أثناء ركضه، محاولًا إلقاءي، لكنني تشبثت به بكل ما أوتيت من قوة. وذراعاي تحترقان، حاولت أن أرفع نفسي فوقه لأتمكن من التشبث به بشكل أفضل بينما أبتلع مرارة، لكن فجأةً غمرتني ذكريات اللحظات الأخيرة المشؤومة، فضاعفت من رعب الأشجار. سمعت صوت هدير خلفي —المفترس— لكن هل هو يتبعني حقًا أم مجرد جزء من الذاكرة؟
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
حاولتُ جاهدةً انتزاعها، وضربها بعيدًا. لكن الوقت قد فات.
ومضت الظلال من حولي وشعرت بآثار أقدام الأجساد المارة.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
“تورين؟!” قاطع صوت كوا أصوات المخلوق المضطربة.
ها هو ذا مجددًا! عائق أبيض فوق عيني اليسرى، وفي وسطه، أشكال داكنة تتمايل تحت الماء الضحل. حجران يدوران حولي، أحدهما مستدير والآخر مدبب.
