Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

مُصاغ الروح 27

سبيكة
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

سبيكة

الفصل 27 — سبيكة

قالت على مضض مع عبوس، “في لحظة هدوء وسكون، نعم. لكن ما رأيته كان نتيجة الجلوس في تركيز تام لساعات. في خضم المعركة، لن أملك سوى جزء ضئيل من ذلك التحكم، للأسف. أنا في وضع غير مواتٍ.”

جاثيًا على ركبتيّ في مياه عالم الروح المتلألئة، سكنت تمامًا، وسرت قشعريرة من النشوة على طول عمودي الفقري وأنا أنظر إلى صخرة الروح الدخانية الداكنة كالفحم تحت راحتيّ.

فتحت إحدى عينيها بصعوبة. “أما السؤال…”

هل شعرتُ حقًا بأنها تحرّكت؟

مشيتُ نحو الشجرة حيث كان طرف القرن لا يزال مغروسًا في لحائها. لم يتحرك قيد أنملة عندما حاولتُ سحبه، لكنني أحضرتُ حجرًا من أرض الغابة ومزقتُ اللحاء المحيط به حتى انفصل أخيرًا. ثم عدتُ إلى الجثة وبدأتُ باستخدام الطرف الحاد كأداة تقطيع، أطعن وأمزق الغشاء والأوتار.

رفعتها من الماء. ظهر على أحد جانبيها سطح مستوٍ بحجم قطعة نقدية. كانت قابلة للتشكّل، ولو قليلًا. ارتفع حاجباي، وأمسكتها بين كفّيّ. ضغطت حتى ارتجفت ذراعاي ونبض شكلي الشفاف بتوهّج ناعم كضوء القمر. وعندما أرخيت الضغط، ظهرت على الحجر تموّجات دقيقة بالكاد تُرى حيث تركت أصابعي آثارها.

باشرت العمل، وضعتها تحت الماء ثم انحنيت على يديّ وركبتيّ لأضغط عليها بكلتا راحتيّ. كان شكلي المتوهّج ينبض مع كل جهد. تمايلت ذهابًا وإيابًا، محاولًا عجن الحجر وتليينه، لكنه كان كأصلب طين في العالم وأكثره عنادًا. لم تتعب يداي ولا ذراعاي، لكنهما بدأتا تشعران بالثقل، وصار التحرك صعبًا، كأنني محاط بالماء من كل جانب، لا مجرد راكع فيه. تراكم الضغط عند كتفيّ، وفي صدري، وفي أذنيّ.

لكن ما الغاية منها؟ إن كان المطلوب إعادة تشكيلها لا كسرها، فما الذي ينبغي أن تصبح عليه؟

ركض وهو ملتصق بي، وساقاي المتدليتان تصطدمان بالأرض. انتشر ذيله خلفه، يهتز كريش الطاووس، حاجبًا رؤيتي للمأوى. إلى يميني، هناك حيوان أودوكو آخر ذو لون أحمر يركض بأقصى سرعة، وقد اتسعت فتحتا أنفه وبرزت عيناه من الرعب.

ربما عليّ فقط تسطيحها أكثر لتشبه إحدى الظلال.

لقد أخرجته من عالم الروح! ماذا يعني ذلك؟ وماذا أيضًا يمكنني أن—

باشرت العمل، وضعتها تحت الماء ثم انحنيت على يديّ وركبتيّ لأضغط عليها بكلتا راحتيّ. كان شكلي المتوهّج ينبض مع كل جهد. تمايلت ذهابًا وإيابًا، محاولًا عجن الحجر وتليينه، لكنه كان كأصلب طين في العالم وأكثره عنادًا. لم تتعب يداي ولا ذراعاي، لكنهما بدأتا تشعران بالثقل، وصار التحرك صعبًا، كأنني محاط بالماء من كل جانب، لا مجرد راكع فيه. تراكم الضغط عند كتفيّ، وفي صدري، وفي أذنيّ.

لن يشمّ رائحتي، طمأنتُ نفسي، وحتى لو فعل فلن يرغب بي. لديه طعام كبير، شهي، وغني بالإشعاع يشغله.

رغم أنني لم أشعر بأي حرقة في رئتي وأنا أواصل الضغط عليها، إلا أن أنفاسي تقطعت، وأنا أحاول تحويلها إلى كتلة مستطيلة الشكل يبلغ طولها حوالي ست بوصات. وبينما كنت أجلس لأتفحصها، كدت أسقط أرضًا من شدة الدوار.

هبط الوحش بين الشجيرات، وسمعته يشم الهواء.

يبدو أنني ضغطت بقوة أكبر على أحد الجانبين، مما جعل ذلك الطرف أنحف وأكثر حدة، أشبه بالشوكة. ولأنني أدركت أنه يجب عليّ تعديلها، وضعتها مجددًا في الماء، مستخدمًا كل قوتي في ذراعيّ المتصلبتين.

انطلق الأودوكو المذعور بأقصى سرعة، يندفع بين جذوع الأشجار، وينحرف في اللحظة الأخيرة. كان يتخبط ويتقلب أثناء ركضه، محاولًا إلقاءي، لكنني تشبثت به بكل ما أوتيت من قوة. وذراعاي تحترقان، حاولت أن أرفع نفسي فوقه لأتمكن من التشبث به بشكل أفضل بينما أبتلع مرارة، لكن فجأةً غمرتني ذكريات اللحظات الأخيرة المشؤومة، فضاعفت من رعب الأشجار. سمعت صوت هدير خلفي —المفترس— لكن هل هو يتبعني حقًا أم مجرد جزء من الذاكرة؟

ثم شعرت بضغط مفاجئ في الحجاب الحاجز، كما لو أنني تعرضت لدفعة قوية.

ليس معي سوى حذاء واحد، ما جعل كل خطوة ثانية مقامرة. أغصان صغيرة اخترقت جوربي، لكنني واصلت الركض حتى أجبرني غرز في جنبي على التوقف، وظهري ملتصق بجذع شجرة.

فسقطت للوراء.

استعاد الأودوكو توازنه بهزة من رأسه، وتحرك ظهره تحت جذعي المتشنج وهو يحاول النهوض على قدميه. في محاولة يائسة للهروب من عيني الوحش المرقط الجائعتين، لففت ذراعي المصابة حول ظهر الأودوكو وأمسكت بقاعدة قرنه بقبضتي السليمة، محاولًا رمي ساقي فوق ظهره.

قبل لحظات من الارتطام، فتحت عيني.

شعرت بألم في كاحلي المصاب بالمخالب عندما تدحرجت محاولًا تجنب الأشعة الساطعة، لكنني انتهيت بالتحديق مباشرة في مصدر الإضاءة.

أعادت العصي الشاحبة والتربة الخصبة إلى ذاكرتي مكاني، مختبئًا داخل المأوى الذي صنعته في الغابة، وأشعة الشمس الذهبية تتسلل من بين الأغصان المتشابكة. أطلقتُ صوتًا مبهمًا أشبه ب”ممم”، وأنا أحاول جاهدًا التخلص من النعاس.

قالت، “أنا لا أتحدث عن تنويعات، بل عن الأفعال التي يمكن لمستخدم الإشعاع القيام بها. يمكننا سحب الإشعاع المحيط من الجو إلى داخلنا، هذه طريقة استخدام.”

لم أشعر بأي ألمٍ يُذكر. في الواقع، لم تعد البقع المكشوفة التي خلّفتها الخيوط تُشعِرني بالحرارة والتهيج. لكنني شعرتُ بثقلٍ ودوار، كما لو أنني أغمضتُ عينيّ للتوّ ثمّ أُيقظتُ فجأةً بهزّةٍ عنيفة. وتساءلتُ مرّةً أخرى عمّا إذا أنام نومًا عميقًا عندما أكون في عالم الروح.

ضغطتُ على أسناني، ورمشتُ بسرعة لأطرد الرؤية المزدوجة، وكافحتُ لصدّ الروح، لدفعها للخارج. لا بدّ من وجود حل. مددتُ ذهني، أفكر في عالم الروح. ولثانية، لمع شيء أبيض في بصري. اختفت الأشجار الإضافية الشبحية، وكدتُ أقسم أنني رأيتُ—

استلقيت فقط، وعيناي ترفرفان، لكن أنماطًا متلألئة من الضوء رقصت على أرضية التراب وعلى طول وجهي، مما جعل الغفوة مرة أخرى مستحيلة.

حرّكت ذراعي صعودًا وهبوطًا، فتحرّكت ذراع هيئتي الروحية معها. لكن كيف أوقف الامتصاص الذي يعقد أمعائي… أو أسرّعه؟

شعرت بألم في كاحلي المصاب بالمخالب عندما تدحرجت محاولًا تجنب الأشعة الساطعة، لكنني انتهيت بالتحديق مباشرة في مصدر الإضاءة.

– تشكيل أحجار الروح واستدعائها إلى العالم الحقيقي (مثل السيوف اللي في غلاف الرواية).

جلست كوا متربعةً داخل المدخل الضيق، مغمضة العينين، وكفوفها مستريحة على ركبتيها. ملأ نورها المكان، لكنه لم يشكل هالةً بسيطةً حولها كالهالة العادية، بل سار على جسدها في أنماطٍ ساحرة. امتدت منه أشرطةٌ قويةٌ لامعةٌ كالأفاعي على ذراعيها، ثم شكلت حلقاتٍ حول خصرها وانقسمت عند ساقيها. عندما وصل إلى قدميها، أطلقت زفيرًا عميقًا، فانطلق الشريطان من أصابع قدميها وقفزا إلى جبهتها. هناك، دارا في دوائر متحدة المركز بينما كانت تنفخ في بطنها. ومع زفيرها التالي، سلكا مسارين منفصلين، متدفقين كنافورةٍ ليلامسا كتفيها ويبدآ الرحلة من جديد.

لكن في اللحظة التي بدأتُ فيها أسترخي، تمزق هدوء الأدغال بصراخ جهنمي كنت أعرفه جيدًا.

كنتُ مذهولًا لدرجة أنني لم أستطع الكلام، فراقبتُ النمط للمرة الثالثة قبل أن تتشكل لديّ أفكار متماسكة. لم أرَ قط شخصًا يتمتع بهذا القدر من التحكم في إشعاعه. كان تشكيل الأشكال أو إحداث أي نوع من الحركة أمرًا نادرًا. معظم المشعين ينشرون طاقة الإشعاع على أسلحتهم أو أجسادهم بالكامل، مستخدمين تلك الأشكال كدليل. كانت قدرة فينتان على إعادة توجيه هالات الإشعاع المركزة بسرعة على أجزاء مختلفة من جسده مثيرة للإعجاب، لكن هذا —جعل الإشعاع الخاص بها يتبع نمطًا منظمًا ومتكررًا عبر جسدها— أمر لا يُصدق.

بالكاد تجرأتُ على التنفس، ولم أستطع سوى الإصغاء والتفسير. أصدر الوحش المتحول صوتًا غامضًا يشبه الخرير. سمعتُ قضمًا، ثم سحبًا. تحركت الأوراق من حولي بينما جُرّت الجثة بعيدًا عن مخبئي.

أين تعلمت ذلك؟ هل كانت ممارسة سرية طورها صاحب عملها في القطاع الخاص؟

قلت، “إدخال.”

قالت فجأةً، “التحديق لا يُجدي نفعًا.”

ربّتتُ على جيوبي، متذكرًا خيط دبابير النساج. وبينما كنتُ أستخرجه وأبدأ بفكّه من الكرة التي صنعتها، نظرتُ إلى ذيل الأودوكو المتضرر. قد تُشكّل الطيات الغشائية رقعةً جيدة. يُمكنني قصّ جزءٍ صغير، ولصقه على الجرح، وربطه بخيط.

“آه… آسفة.”

ومضت الظلال من حولي وشعرت بآثار أقدام الأجساد المارة.

فتحت إحدى عينيها بصعوبة. “أما السؤال…”

انتظرت.

“كيف؟” تلعثمتُ وأنا أستند على ساعدي.

تنفستُ عبر الألم، مغمضًا عينيّ لتفادي ازدواج الرؤية المربك. شعرتُ بكل ضربة سددتها بالسنّ، وكأنها اخترقت رأسي أنا. ارتجف خوف الأودوكو داخلي. كان ذلك أسوأ ما في الأمر؛ أن أشعر برعب لحظاته الأخيرة. ذلك، ومعرفة أنني أنا من سبّب هذا الألم. أن أرى نفسي مفترسًا من خلال عيني فريستي. ذكّرتُ نفسي بأنني لم أملك خيارًا؛ عاشبًا كان أم لا، كان وحشًا متحولًا بريًا، وكان سيقتلني.

قالت وهي تُغمض عينها مجددًا، “عليك أن تكون أكثر تحديدًا.”

عبست. “أبيعك ال…” اهتز رأسها وأذناها. “لا. فكر في الأمر على أنه…” فتحت فمها ثم أغلقته، وفكّرت لحظة، “هل أنت على دراية بمفاهيم التوازن الداخلي وتنظيم الطاقة؟”

“كيف تفعلين ذلك؟”

باشرت العمل، وضعتها تحت الماء ثم انحنيت على يديّ وركبتيّ لأضغط عليها بكلتا راحتيّ. كان شكلي المتوهّج ينبض مع كل جهد. تمايلت ذهابًا وإيابًا، محاولًا عجن الحجر وتليينه، لكنه كان كأصلب طين في العالم وأكثره عنادًا. لم تتعب يداي ولا ذراعاي، لكنهما بدأتا تشعران بالثقل، وصار التحرك صعبًا، كأنني محاط بالماء من كل جانب، لا مجرد راكع فيه. تراكم الضغط عند كتفيّ، وفي صدري، وفي أذنيّ.

فتحت عينيها كلتيهما وفكّت مخالبها من حول ركبتيها. تلاشت الدوائر التي كانت تدور على رأسها، وكأنها تغوص في فرائها، وقالت، “السؤال الأنسب هو: ماذا أفعل؟”

قالت وهي تُغمض عينها مجددًا، “عليك أن تكون أكثر تحديدًا.”

كتمتُ استياءي. “حسنًا، ماذا تفعلين؟ بالإضافة إلى
التأمل،” أضفتُ بينما كانت تأخذ نفسًا للإجابة.

انبطحتُ على بطني، وذراعي المصابة ملتصقة بجسدي، وخرجتُ مسرعًا من الحفرة، لأجد نفسي أمام حوافرٍ تضرب الأرض بقوة. تدحرجتُ على ظهري، متفاديًا مجموعةً منها، لكنني رفعتُ بصري لأرى مجموعةً أخرى على وشك أن تسحق جمجمتي. مرّ وميضٌ ذهبيٌّ وأبيض فوق رأسي، وأطلق الوحش صرخةً أخرى وهو يهوي بجانبي، بعد أن أسقطته كوا أرضًا. رأيتُ فراءً داكنًا، وأطرافًا تتخبط، وذيلًا ورديًّا ذهبيًّا منتشرًا بينما أستعيد توازني.

أطلقت نفخة خفيفة من أنفها تعبيرًا عن التسلية. “لأنت متعلم سريع.”

تشنجت أحشائي بشدة، وجسدي ينبض ألمًا في كل مكان، وأنا أتقيأ جفافًا. هذه المرة، حين مددت بصري الداخلي نحو عالم الروح، ظهرت المياه اللؤلؤية وصخور الروح المعلّقة فورًا، متراكبة على نصف مجال رؤيتي. رفعت يدًا نحو عيني اليسرى بدهشة، فارتسمت يد شفافة فوق الصورة البيضاء.

انتظرت.

“كيف؟” تلعثمتُ وأنا أستند على ساعدي.

“أنا أمارس أنويتي الميتافيزيقية.”

هذا ما كان عليّ أن آمله، على أي حال. ومع ذلك، قبضتُ على القرن بيدي، مستعدًا لاستهداف العينين.

[[⌐☐=☐: بدون شكل مادي أو جوهر.]

أصغيتُ. حفيف أوراق الشجر، وجذور تتمزق، ووقع أقدام ثقيلة. هناك شيء ضخم في الخارج. كثيرون، أكثر من أن يكونوا آل كالهون. استطعتُ سماع طقطقة الشجيرات وهي تسقط من جذورها.

عبستُ. “يبدو الأمر وكأنه مجموعة من الكلمات الرنانة المربوطة معًا لبيع الجرانولا لي.”

ضغطتُ على أسناني، ورمشتُ بسرعة لأطرد الرؤية المزدوجة، وكافحتُ لصدّ الروح، لدفعها للخارج. لا بدّ من وجود حل. مددتُ ذهني، أفكر في عالم الروح. ولثانية، لمع شيء أبيض في بصري. اختفت الأشجار الإضافية الشبحية، وكدتُ أقسم أنني رأيتُ—

عبست. “أبيعك ال…” اهتز رأسها وأذناها. “لا. فكر في الأمر على أنه…” فتحت فمها ثم أغلقته، وفكّرت لحظة، “هل أنت على دراية بمفاهيم التوازن الداخلي وتنظيم الطاقة؟”

في تلك اللحظة بالذات، انتابني ألمٌ مبرحٌ في المريء. نظرتُ إلى أسفل فرأيتُ آخر وميضٍ من الضوء الأبيض بينما تغوص روح الأودوكو الأحمر في صدري.

سخرتُ، قلت، “نعم. لكن ما علاقة هذا بالموضوع؟”

لم أجرؤ على الحركة بعد. منكمشًا تحت الذيل، كنت أسمع أعالي الأشجار تهتز بينما يثبت المفترس فريسته عاليًا عن الأرض، قريبًا أكثر مما يبعث على الارتياح. لكن لم يكن بإمكاني البقاء هنا إلى الأبد. أفضل خيار لي هو الهرب بينما هو منشغل تمامًا.

قالت، “الفكرة هي الموازنة. أنا أوازن بين ثلاثة أنماط من طاقة الإشعاع لخلق توازن في أساليبي وتحقيق تحكم أعلى في الإشعاع.”

لا بدّ أنها كذلك. إنها قادرة تمامًا على الاعتناء بنفسها، أنا متأكد. ربما هي تبحث عني بالفعل.

قلت، “ثلاثة أنماط؟ لم أسمع من قبل عن أي تنويعات للإشعاع. الإشعاع هو الإشعاع.”

عندما تحولت روح الأودوكو إلى كرة، كان عليّ أن أقرر: هل أمتصها أم أحولها إلى سبيكة؟

قالت، “أنا لا أتحدث عن تنويعات، بل عن الأفعال التي يمكن لمستخدم الإشعاع القيام بها. يمكننا سحب الإشعاع المحيط من الجو إلى داخلنا، هذه طريقة استخدام.”

عبست. “أبيعك ال…” اهتز رأسها وأذناها. “لا. فكر في الأمر على أنه…” فتحت فمها ثم أغلقته، وفكّرت لحظة، “هل أنت على دراية بمفاهيم التوازن الداخلي وتنظيم الطاقة؟”

قلت، “إدخال.”

بينما لا يزال رعب موت الآخر حاضرًا في ذهني، لم أكن أرغب تمامًا في أخذها، لكنني كنت أعلم أنه يجب عليّ فعل ذلك. والآن لديّ خيارات، أليس كذلك؟ على حد علمي، كانت أحجار الروح في الواقع سبائك روحية، قابلة للتشكيل، لتصبح أسلحة حقيقية.

قالت، “بالضبط. ثم يمكننا دفع هذا الإشعاع داخل أجسادنا أو تمديده حول الأسلحة التي نمسكها، هذا الاستخدام الثاني.”

كوا؟ هل هي بخير؟

قلت، “إخراج.”

شعرت بألم في كاحلي المصاب بالمخالب عندما تدحرجت محاولًا تجنب الأشعة الساطعة، لكنني انتهيت بالتحديق مباشرة في مصدر الإضاءة.

أومأت برأسها، قالت، “الثالث هو التحكم في حركة الإشعاع نفسها، ما قد تسميه التنفيذ. ومستوى المهارة والقوة في هذا التنفيذ يعتمد على مدى توازن الثلاثة معًا، أي مقدار التحكم الذي يحققه المرء في نفسه. لهذا أستخدم تقنية التأمل هذه، لأراجع حالتي وأقيّم وضعي. في هذا الجسد، للأسف، توازني ليس مثاليًا.”

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

“مع ذلك، بدا لي أنك تؤدين بشكل ممتاز.”

التفتت أذنا كوا فجأة نحو المدخل، وتصلبت. “هناك خطب ما.”

قالت على مضض مع عبوس، “في لحظة هدوء وسكون، نعم. لكن ما رأيته كان نتيجة الجلوس في تركيز تام لساعات. في خضم المعركة، لن أملك سوى جزء ضئيل من ذلك التحكم، للأسف. أنا في وضع غير مواتٍ.”

رغم أنني لم أشعر بأي حرقة في رئتي وأنا أواصل الضغط عليها، إلا أن أنفاسي تقطعت، وأنا أحاول تحويلها إلى كتلة مستطيلة الشكل يبلغ طولها حوالي ست بوصات. وبينما كنت أجلس لأتفحصها، كدت أسقط أرضًا من شدة الدوار.

“مع ذلك، لم أرَ قطّ أحدًا يُحرّك الإشعاع بهذه الطريقة أو يُحلّله إلى مفاهيم. أو… ماذا سميته سابقًا؟ نوى ميتافيزيقية (سأستخدم “تجريدي”)؟” عبستُ، مُحاولًا تذكّر كل ما قالته. “إذا كان مفهومًا، فكيف يُمكن علاجه؟”

أعادت العصي الشاحبة والتربة الخصبة إلى ذاكرتي مكاني، مختبئًا داخل المأوى الذي صنعته في الغابة، وأشعة الشمس الذهبية تتسلل من بين الأغصان المتشابكة. أطلقتُ صوتًا مبهمًا أشبه ب”ممم”، وأنا أحاول جاهدًا التخلص من النعاس.

“النوى ليست المفهوم بالضبط.” أصدرت صوت “همم” خافتًا، وحركت شفتيها في تفكير. “إنه شيء علمني إياه رئيسي، عندما بدأت التدريب لأول مرة، كنوع من… التمرين؟ علمنا أن للمضعين ثلاثة نوى تجريدية في الجسم تتوافق مع، أو تحتوي على، الأفعال الرئيسية الثلاثة التي تشكل محاذاة المشع.”

باشرت العمل، وضعتها تحت الماء ثم انحنيت على يديّ وركبتيّ لأضغط عليها بكلتا راحتيّ. كان شكلي المتوهّج ينبض مع كل جهد. تمايلت ذهابًا وإيابًا، محاولًا عجن الحجر وتليينه، لكنه كان كأصلب طين في العالم وأكثره عنادًا. لم تتعب يداي ولا ذراعاي، لكنهما بدأتا تشعران بالثقل، وصار التحرك صعبًا، كأنني محاط بالماء من كل جانب، لا مجرد راكع فيه. تراكم الضغط عند كتفيّ، وفي صدري، وفي أذنيّ.

وضعت مخلبًا على قاعدة جمجمتها وأدارت رقبتها لأتمكن من رؤيتها وهي ترسم دائرة. “الأولى هي التاج.” رسمت دائرة أخرى على صدرها. “الثانية هي القلب.” ثم ثالثة فوق حجابها الحاجز. “الثالثة هي النفس.”

انتفض الأودوكو الحقيقي مبتعدًا عني، لكن وقد غذّاني الأدرينالين، سحبتُ بقوة مع الكرمة وغرستُ السنّ في الفتحة المدمّرة نفسها. توغّل عميقًا، وتشنّج الأودوكو، لكن السنّ تحطّم في قبضتي كأنه زجاج. تناثرت شظايا متوهجة إلى الخارج، تتلألأ كأشعة القمر، ثم تلاشت.

سألتُ في حيرة، “ماذا؟ مع من تدربت؟”

ألم وهمي حارق مزّق وركيّ، محطّم صورة عالم الروح. انطلقت صرخة مكتومة من صدري بينما تشبّث رعب غريب بحواسي المُرهفة أصلًا، وتعرقت رعبًا فجأة.

التفتت أذنا كوا فجأة نحو المدخل، وتصلبت. “هناك خطب ما.”

كنتُ مذهولًا لدرجة أنني لم أستطع الكلام، فراقبتُ النمط للمرة الثالثة قبل أن تتشكل لديّ أفكار متماسكة. لم أرَ قط شخصًا يتمتع بهذا القدر من التحكم في إشعاعه. كان تشكيل الأشكال أو إحداث أي نوع من الحركة أمرًا نادرًا. معظم المشعين ينشرون طاقة الإشعاع على أسلحتهم أو أجسادهم بالكامل، مستخدمين تلك الأشكال كدليل. كانت قدرة فينتان على إعادة توجيه هالات الإشعاع المركزة بسرعة على أجزاء مختلفة من جسده مثيرة للإعجاب، لكن هذا —جعل الإشعاع الخاص بها يتبع نمطًا منظمًا ومتكررًا عبر جسدها— أمر لا يُصدق.

انقبضت معدتي وأنا أجلس. جافين وفينتان؟ هل عادا ليحاولا
استعادة جثة كبش الفداء؟

 

أصغيتُ. حفيف أوراق الشجر، وجذور تتمزق، ووقع أقدام ثقيلة. هناك شيء ضخم في الخارج. كثيرون، أكثر من أن يكونوا آل كالهون. استطعتُ سماع طقطقة الشجيرات وهي تسقط من جذورها.

هل شعرتُ حقًا بأنها تحرّكت؟

مع شظية عظمية في يدها، خرجت كوا من المدخل بحذر، والتفت جانبًا لتجنب الزهور المتدلية بخيوط حريرية، ثم تراجعت وهي تلعن عندما عبر ظلٌ الجانب الأيمن من الأحراش. ثم ظل آخر على اليسار. سمعت صوتًا يشبه صهيل الخيول، ثم ارتطم جسد ضخم بالمأوى، وأمطر رأسي بالعصي. انقضت ساق قوية وركلت كتفي بحوافرها المشقوقة، مما أدى إلى تخديره حتى أطراف أصابعي.

“كيف؟” تلعثمتُ وأنا أستند على ساعدي.

“تورين؟!” قاطع صوت كوا أصوات المخلوق المضطربة.

عبستُ. “يبدو الأمر وكأنه مجموعة من الكلمات الرنانة المربوطة معًا لبيع الجرانولا لي.”

انبطحتُ على بطني، وذراعي المصابة ملتصقة بجسدي، وخرجتُ مسرعًا من الحفرة، لأجد نفسي أمام حوافرٍ تضرب الأرض بقوة. تدحرجتُ على ظهري، متفاديًا مجموعةً منها، لكنني رفعتُ بصري لأرى مجموعةً أخرى على وشك أن تسحق جمجمتي. مرّ وميضٌ ذهبيٌّ وأبيض فوق رأسي، وأطلق الوحش صرخةً أخرى وهو يهوي بجانبي، بعد أن أسقطته كوا أرضًا. رأيتُ فراءً داكنًا، وأطرافًا تتخبط، وذيلًا ورديًّا ذهبيًّا منتشرًا بينما أستعيد توازني.

وسط القلق الذي تسببه الروح، تسللت فكرة أخرى بحدة.

“اهر-أوغه!” قفزت كوا للخلف من قرون الأودوكو الساقطة المتأرجحة، لتصطدم من الجانب بواحدة أخرى تندفع نحوها، مما أدى إلى إرسال جسدها المغطى بالإشعاع بعيدًا عن الأنظار.

 

نهضتُ على قدميّ، لكنّ قطيعًا آخر من طيور الأودوكو المندفعة صدمَني. التفت ذراعي المكسورة حول ظهري، وشعرتُ بالألم بعد ثانية حين فقدتُ توازني وسقطتُ بين الزهور، متشابكًا في الخيوط المتينة المتقاطعة التي ربطتُها بها. علقت بي الزهور في أرجوحة على ارتفاع بضعة أقدام عن الأرض، وذراعي السليمة مربوطة فوق رأسي. تشنجتُ، فسال الرحيق على ياقة قميصي، وانطلق ألمٌ حادٌّ جديدٌ في كتفي. لم تستجب أصابع ذراعي المصابة، فانكمشت ببطء بألم، عاجزًا عن تمزيق الحرير.

“كيف تفعلين ذلك؟”

ومضت الظلال من حولي وشعرت بآثار أقدام الأجساد المارة.

ركض وهو ملتصق بي، وساقاي المتدليتان تصطدمان بالأرض. انتشر ذيله خلفه، يهتز كريش الطاووس، حاجبًا رؤيتي للمأوى. إلى يميني، هناك حيوان أودوكو آخر ذو لون أحمر يركض بأقصى سرعة، وقد اتسعت فتحتا أنفه وبرزت عيناه من الرعب.

جعلني طنين خافت في المسافة أتخبط بقوة أكبر، وقلبي يخفق بشدة.

اندفعتُ إلى الأمام وطعنتُ السنّ الفضي المتوهج إلى أسفل، فاخترق هالة الأودوكو بسهولة صادمة، ثم اخترق عينه الكبيرة. انفجر دم دافئ على يدي بينما احتكّ السنّ بمحجر العين. اجتاحتني موجة أخرى من الألم العاصف في أحشائي، وتداخل الإحساس الوهمي مع الواقع؛ دم الأودوكو الحي سال على معصمي، بينما بدا دم الأودوكو الوهمي كأنه يندفع من عنقي في نوافير حارّة.

“تورين، اصرخ!” صاحت كوا من مكان ما داخل حقل الزهور.

انبطحتُ على بطني، وذراعي المصابة ملتصقة بجسدي، وخرجتُ مسرعًا من الحفرة، لأجد نفسي أمام حوافرٍ تضرب الأرض بقوة. تدحرجتُ على ظهري، متفاديًا مجموعةً منها، لكنني رفعتُ بصري لأرى مجموعةً أخرى على وشك أن تسحق جمجمتي. مرّ وميضٌ ذهبيٌّ وأبيض فوق رأسي، وأطلق الوحش صرخةً أخرى وهو يهوي بجانبي، بعد أن أسقطته كوا أرضًا. رأيتُ فراءً داكنًا، وأطرافًا تتخبط، وذيلًا ورديًّا ذهبيًّا منتشرًا بينما أستعيد توازني.

“هنا!”

كتمتُ استياءي. “حسنًا، ماذا تفعلين؟ بالإضافة إلى التأمل،” أضفتُ بينما كانت تأخذ نفسًا للإجابة.

قبل أن أتمكن من قول المزيد، صدمتني قوة من الخلف، فأخرجت أنفاسي بصوت مكتوم. سُحب الجزء العلوي من جسدي إلى الأمام، وساقاي تجران على الأرض. وما زلتُ محاصرًا في الحرير، فقد كنتُ الآن مربوطًا بإحكام إلى جسد حيوان الأودوكوس الدافئ، وصدره وظهره ملفوفان بنفس الخيوط المتشابكة حولي.

أو ربما… يمكنني استخدام الذيل كعباءة. عباءة تمويه.

ركض وهو ملتصق بي، وساقاي المتدليتان تصطدمان بالأرض. انتشر ذيله خلفه، يهتز كريش الطاووس، حاجبًا رؤيتي للمأوى. إلى يميني، هناك حيوان أودوكو آخر ذو لون أحمر يركض بأقصى سرعة، وقد اتسعت فتحتا أنفه وبرزت عيناه من الرعب.

قلت، “إدخال.”

انزلق حذائي المتعثر على حجرٍ وطار بعيدًا. تمزقت ساقاي وخدشتهما الأغصان والأرض الصلبة وأنا أطلق صرخة ذعر، ممسكًا بحبال الحرير الملتوية في يدي العالقة، محاولًا تمزيقها بأظافري. لكن فجأةً قفز الدودوكو عاليًا، متجاوزًا مجرى النهر، فتشبثتُ بالخيوط التي تربطنا بكل قوتي.

أحتاج إلى شيء حاد. ويفضل أن يكون من العظم المتحول. وأنا أعرف من أين أحصل عليه.

انطوى الذيل العريض للودوكو، مخففًا مقاومة الهواء أثناء قفزه، ونظرت مباشرة إلى وجه المفترس الذي دفع القطيع إلى الهرب —وحش أبيض عظمي مغطى ببقع ذهبية مرقطة. توسعت ثلاث مجموعات من الخياشيم على طول خطمه القططي، تشم رائحة الخوف. ركزت أربع عيون لوزية على العواشب الهاربة بينما مزقت أرجله الأمامية المفتولة الأرض بمخالبه.

أو ربما… يمكنني استخدام الذيل كعباءة. عباءة تمويه.

خلفه، أضاء حقل الزهور بفرقعات كهربائية، وتناثر الشرر حول مأوانا بينما انقض سرب من دبابير النساج على أثر الزهور المتهالكة. أضاء هذا المشهد الساطع قفزة الوحش المرقط فوق الجدول، متألقًا من خلال الغشاء الرقيق من الجلد الذي مده المخلوق بين أرجله الأربعة. انزلق فوق الماء ثم فوق الضفة، مُلقيًا بظلاله على رأسي. ثم انقض، بمخالبه أولًا، ومزق ظهر الأودوكو الأحمر الذي يجري بجانبي.

مشيتُ نحو الشجرة حيث كان طرف القرن لا يزال مغروسًا في لحائها. لم يتحرك قيد أنملة عندما حاولتُ سحبه، لكنني أحضرتُ حجرًا من أرض الغابة ومزقتُ اللحاء المحيط به حتى انفصل أخيرًا. ثم عدتُ إلى الجثة وبدأتُ باستخدام الطرف الحاد كأداة تقطيع، أطعن وأمزق الغشاء والأوتار.

أطلق الأودوكو الأحمر صرخة غريبة، وركل بطن الوحش. انحرف واصطدم بأودوكو الذي يحملني، فأطاح بنا جميعًا على أرض الغابة. تطايرت الأوراق والتراب إلى فمي وعيني بينما انزلقنا معًا عبر الأدغال مع كدمات، ارتطامات، وخدوش —فقدنا كل إحساس بالاتجاه. عندما توقفنا، كان الجزء العلوي من جسدي ملتفًا على ظهر الأودوكو البني، وقطع من الحرير في فمي، لكن ذراعي باتت حرة.

تضاربت النشوة مع القلق وأنا أراقب روح الأودوكو تتصاعد إلى الأعلى كالبخار.

أوقف صوتُ طقطقة عظم قلبي، فنظرتُ لأعلى فرأيتُ لحمًا يتمزق وخيوطًا بيضاء من الروح بينما يمزق الوحش المرقط الحبل الشوكي لأودوكو الأحمر. تناثر الدم على جبهتي. ثغى الأودوكو البني تحتي، وهو يتدحرج ليضع ساقيه تحته، وحدقت عينا الوحش المرقط اليسرى بنا. ارتفع ذيل المفترس كالكوبرا، كاشفًا عن شوكة في نهايته، تلمع بقطرة من سائل لزج. اخترق الذيل فخذ الأودوكو الخلفي وهو يحاول النهوض، مما جعله يسقط مرة أخرى.

أوقف صوتُ طقطقة عظم قلبي، فنظرتُ لأعلى فرأيتُ لحمًا يتمزق وخيوطًا بيضاء من الروح بينما يمزق الوحش المرقط الحبل الشوكي لأودوكو الأحمر. تناثر الدم على جبهتي. ثغى الأودوكو البني تحتي، وهو يتدحرج ليضع ساقيه تحته، وحدقت عينا الوحش المرقط اليسرى بنا. ارتفع ذيل المفترس كالكوبرا، كاشفًا عن شوكة في نهايته، تلمع بقطرة من سائل لزج. اخترق الذيل فخذ الأودوكو الخلفي وهو يحاول النهوض، مما جعله يسقط مرة أخرى.

في تلك اللحظة بالذات، انتابني ألمٌ مبرحٌ في المريء. نظرتُ إلى أسفل فرأيتُ آخر وميضٍ من الضوء الأبيض بينما تغوص روح الأودوكو الأحمر في صدري.

تشنجت أحشائي بشدة، وجسدي ينبض ألمًا في كل مكان، وأنا أتقيأ جفافًا. هذه المرة، حين مددت بصري الداخلي نحو عالم الروح، ظهرت المياه اللؤلؤية وصخور الروح المعلّقة فورًا، متراكبة على نصف مجال رؤيتي. رفعت يدًا نحو عيني اليسرى بدهشة، فارتسمت يد شفافة فوق الصورة البيضاء.

كلا!

اقتربت الروح مني، فتركتها تأتي. هذه المرة، عندما استقرت في صدري، كنت مستعدًا.

حاولتُ جاهدةً انتزاعها، وضربها بعيدًا. لكن الوقت قد فات.

كلا!

استعاد الأودوكو توازنه بهزة من رأسه، وتحرك ظهره تحت جذعي المتشنج وهو يحاول النهوض على قدميه. في محاولة يائسة للهروب من عيني الوحش المرقط الجائعتين، لففت ذراعي المصابة حول ظهر الأودوكو وأمسكت بقاعدة قرنه بقبضتي السليمة، محاولًا رمي ساقي فوق ظهره.

تراجعتُ إلى الخلف، ورعشة شاملة اجتاحت جسدي وأنا أحاول التخلّص من اللحظات الأخيرة المروّعة للروح. كان جسدي يبرد بينما العرق ينهمر على وجهي. احتضنتُ بطني وأغمضتُ عينيّ، هامسًا، “غير حقيقي. ليس أنا.”

انطلق الأودوكو المذعور بأقصى سرعة، يندفع بين جذوع الأشجار، وينحرف في اللحظة الأخيرة. كان يتخبط ويتقلب أثناء ركضه، محاولًا إلقاءي، لكنني تشبثت به بكل ما أوتيت من قوة. وذراعاي تحترقان، حاولت أن أرفع نفسي فوقه لأتمكن من التشبث به بشكل أفضل بينما أبتلع مرارة، لكن فجأةً غمرتني ذكريات اللحظات الأخيرة المشؤومة، فضاعفت من رعب الأشجار. سمعت صوت هدير خلفي —المفترس— لكن هل هو يتبعني حقًا أم مجرد جزء من الذاكرة؟

عبستُ. “يبدو الأمر وكأنه مجموعة من الكلمات الرنانة المربوطة معًا لبيع الجرانولا لي.”

ضغطتُ على أسناني، ورمشتُ بسرعة لأطرد الرؤية المزدوجة، وكافحتُ لصدّ الروح، لدفعها للخارج. لا بدّ من وجود حل. مددتُ ذهني، أفكر في عالم الروح. ولثانية، لمع شيء أبيض في بصري. اختفت الأشجار الإضافية الشبحية، وكدتُ أقسم أنني رأيتُ—

قالت، “بالضبط. ثم يمكننا دفع هذا الإشعاع داخل أجسادنا أو تمديده حول الأسلحة التي نمسكها، هذا الاستخدام الثاني.”

قفز الأودوكو فوق جذع شجرة ساقطة، يركل بعنف، ثم هبط بقوة، وانثنت ساقه المصابة. بين معدتي المتشنجة ويدي اليسرى الضعيفة، فقدت قبضتي وانطلقت بعيدًا. دوى صوت بوق الأودوكو الصارخ حول جمجمتي وأنا أسقط على ظهري، عاجزًا عن التنفس، وأضلاعي تحترق، وارتداده يمزق أحشائي.

وضعت مخلبًا على قاعدة جمجمتها وأدارت رقبتها لأتمكن من رؤيتها وهي ترسم دائرة. “الأولى هي التاج.” رسمت دائرة أخرى على صدرها. “الثانية هي القلب.” ثم ثالثة فوق حجابها الحاجز. “الثالثة هي النفس.”

لا بد للروح أن ترحل.

وسط القلق الذي تسببه الروح، تسللت فكرة أخرى بحدة.

عالم الروح. أخرجها من عالم الروح.

قالت فجأةً، “التحديق لا يُجدي نفعًا.”

ها هو ذا مجددًا! عائق أبيض فوق عيني اليسرى، وفي وسطه، أشكال داكنة تتمايل تحت الماء الضحل. حجران يدوران حولي، أحدهما مستدير والآخر مدبب.

سخرتُ، قلت، “نعم. لكن ما علاقة هذا بالموضوع؟”

ألم وهمي حارق مزّق وركيّ، محطّم صورة عالم الروح. انطلقت صرخة مكتومة من صدري بينما تشبّث رعب غريب بحواسي المُرهفة أصلًا، وتعرقت رعبًا فجأة.

تضاربت النشوة مع القلق وأنا أراقب روح الأودوكو تتصاعد إلى الأعلى كالبخار.

وأنا ألهث، تدحرجت على جانبي، رفعت رأسي، ورأيت الأودوكو يخفض رأسه. هز قرونه، موجهًا فروعها الحادة وزوج القرون المميتة الشائكة على جبهته نحوي مباشرة. فقاعات رغوة خضراء اللون تتدفق من فمه بينما يحك حافره بالأوراق.

“تورين؟!” قاطع صوت كوا أصوات المخلوق المضطربة.

كنتُ قد نهضتُ للتو على يديّ وركبتيّ عندما انقضّ عليّ، مما أجبرني على الانحناء جانبًا. تدحرجتُ، ثم عدتُ إلى وضعي الطبيعي على ركبتيّ، وسمعتُ صوت ارتطام قرون الأودوكو الأمامية بجذع الشجرة. كان ذيله متدليًا وممزقًا، نتيجةً للتمزق الذي أصابه في الاشتباك مع المفترس. تدفق الدم والصديد الأصفر من الجرح في فخذه. كان يضرب رأسه بعنف محاولًا التخلص من اللحاء.

– امتصاص الروح وتقوية/شفاء/تحسين الجسد به

تشنجت أحشائي بشدة، وجسدي ينبض ألمًا في كل مكان، وأنا أتقيأ جفافًا. هذه المرة، حين مددت بصري الداخلي نحو عالم الروح، ظهرت المياه اللؤلؤية وصخور الروح المعلّقة فورًا، متراكبة على نصف مجال رؤيتي. رفعت يدًا نحو عيني اليسرى بدهشة، فارتسمت يد شفافة فوق الصورة البيضاء.

نهضتُ على قدميّ، لكنّ قطيعًا آخر من طيور الأودوكو المندفعة صدمَني. التفت ذراعي المكسورة حول ظهري، وشعرتُ بالألم بعد ثانية حين فقدتُ توازني وسقطتُ بين الزهور، متشابكًا في الخيوط المتينة المتقاطعة التي ربطتُها بها. علقت بي الزهور في أرجوحة على ارتفاع بضعة أقدام عن الأرض، وذراعي السليمة مربوطة فوق رأسي. تشنجتُ، فسال الرحيق على ياقة قميصي، وانطلق ألمٌ حادٌّ جديدٌ في كتفي. لم تستجب أصابع ذراعي المصابة، فانكمشت ببطء بألم، عاجزًا عن تمزيق الحرير.

حرّكت ذراعي صعودًا وهبوطًا، فتحرّكت ذراع هيئتي الروحية معها. لكن كيف أوقف الامتصاص الذي يعقد أمعائي… أو أسرّعه؟

ومضت الظلال من حولي وشعرت بآثار أقدام الأجساد المارة.

مددت يدي نحو الظلال تحت الصخور، لكن يد روحي اصطدمت بالسنّ المعلّق الذي كنت قد شكّلته، وشعرت بملمسه الصلب بأطراف أصابعي الحقيقية. دوّى طقطقة مجلجلة بين الأشجار؛ كان الأودوكو الهائج قد كسر قرنه بنفسه ليتحرر.

جعلني طنين خافت في المسافة أتخبط بقوة أكبر، وقلبي يخفق بشدة.

مذعورًا، قبضت يدي حول السنّ، أقرب شيء إلى سلاح في المتناول، داخل عالم الروح أو خارجه، وسحبت يدي بعنف. وجاء حجر الروح المُشكَّل معه.

“آه… آسفة.”

رمشت لأبدد صورة عالم الروح، ونظرت إلى أسفل بدهشة إلى سنّ فضي متوهج شفاف في قبضتي.

“هنا!”

لقد أخرجته من عالم الروح! ماذا يعني ذلك؟ وماذا أيضًا يمكنني أن—

خُنق الاندفاع الذي اجتاحني حين تراكبت موجة أخرى من الذكريات فوق رؤية ضبابية لفراء أبيض، ومخالب حادة، وأنياب سيفية مهيبة. وبينما حاولت زعزعتها، أطلق الأودوكو الجريح شخيرًا ثقيلًا، وأنفاسه تتعثر في صدره البرميلي. قفز بصري بين الوحش شبه الحيواني والحجر المُشكَّل، لا يزيد حجمه على سكين جيب وببدائية شوكة متضخمة. ثم استدار الأودوكو نحوي من جديد. كانت عيناه محمرتين دامعتين، ورغوة تتطاير. أيًا كان السم الذي حقنه المفترس، فقد أصاب الحيوان العاشب بالجنون، ولم يكن لديّ سوى سنٌّ طوله ست بوصات لأدافع به عن نفسي. هل يمكن استخدامه أصلًا؟ هل هو مادي لأي شخص أو أي شيء سواي؟

تسارع نبضي، وبدأت أقطع آخر ما تبقى من الأوتار، وعيناي تتنقلان بين ما أفعله وبين الأوراق الذهبية. ومن خلال الأغصان، لمحت بقعًا مرقطة وفراءً أبيض كالعظم. كان مموهًا جيدًا… لولا بقع الدم السوداء. تلك سمحت لي بتتبّع الوحش المرقط وهو يستخدم قدميه الخلفيتين القابضة ومخالب يديه الأماميتين للمناورة بين الفروع، يتسلق كقط ثم يتأرجح كقرد.

بحثتُ في المنطقة عن مخرج أو شيء أكبر، لكن ألمًا وهميًا حادًا طعنني في مؤخرة رقبتي. أجبرتُ ساقيّ المنهكتين على الحركة، وركضتُ نحو أقرب شجرة بينما كان الأودوكو يهاجمني. طاردتني حوافر وشخير غاضب بسرعة كبيرة. لم يكن لديّ وقت للتسلق. ثم، وسط الضباب، لمحتُ كرومًا ذهبية تلتف حول جذع الشجرة.

بالكاد تجرأتُ على التنفس، ولم أستطع سوى الإصغاء والتفسير. أصدر الوحش المتحول صوتًا غامضًا يشبه الخرير. سمعتُ قضمًا، ثم سحبًا. تحركت الأوراق من حولي بينما جُرّت الجثة بعيدًا عن مخبئي.

أنفاسٌ كريهةٌ دفأت عنقي المتألم، وسمعتُ هديرًا يتردد صداه من ذاكرة الروح، فأرسلت صاعقة رعبٍ إلى رأسي وأنا أمسك بالكرمة، فأمزقها من لحائها. استدرتُ حين وصل إليّ الأودوكو. مزّق أحد أغصان قرنه جرحًا حارقًا عبر أضلاعي، لكنني تمكنتُ من لفّ الكرمة حول القرن وشدّها بإحكام، ولففتُ الجزء الزائد حول ذراعي. ألقيتُ بكلّ ثقل جسدي إلى الخلف، ساحبًا رأس الأودوكو إلى الخلف والأسفل، ولويتُ عنقه. سقط على جانبه النازف، وهو يئنّ من الألم. ركلت ساقاه وتخبطتا، لكن حركاته كانت خرقاء، تكاد تكون كالسكر، وهو يحاول تحرير رأسه من الكرمة.

عبست. “أبيعك ال…” اهتز رأسها وأذناها. “لا. فكر في الأمر على أنه…” فتحت فمها ثم أغلقته، وفكّرت لحظة، “هل أنت على دراية بمفاهيم التوازن الداخلي وتنظيم الطاقة؟”

اندفعتُ إلى الأمام وطعنتُ السنّ الفضي المتوهج إلى أسفل، فاخترق هالة الأودوكو بسهولة صادمة، ثم اخترق عينه الكبيرة. انفجر دم دافئ على يدي بينما احتكّ السنّ بمحجر العين. اجتاحتني موجة أخرى من الألم العاصف في أحشائي، وتداخل الإحساس الوهمي مع الواقع؛ دم الأودوكو الحي سال على معصمي، بينما بدا دم الأودوكو الوهمي كأنه يندفع من عنقي في نوافير حارّة.

ركض وهو ملتصق بي، وساقاي المتدليتان تصطدمان بالأرض. انتشر ذيله خلفه، يهتز كريش الطاووس، حاجبًا رؤيتي للمأوى. إلى يميني، هناك حيوان أودوكو آخر ذو لون أحمر يركض بأقصى سرعة، وقد اتسعت فتحتا أنفه وبرزت عيناه من الرعب.

انتفض الأودوكو الحقيقي مبتعدًا عني، لكن وقد غذّاني الأدرينالين، سحبتُ بقوة مع الكرمة وغرستُ السنّ في الفتحة المدمّرة نفسها. توغّل عميقًا، وتشنّج الأودوكو، لكن السنّ تحطّم في قبضتي كأنه زجاج. تناثرت شظايا متوهجة إلى الخارج، تتلألأ كأشعة القمر، ثم تلاشت.

“تورين، اصرخ!” صاحت كوا من مكان ما داخل حقل الزهور.

تراجعتُ إلى الخلف، ورعشة شاملة اجتاحت جسدي وأنا أحاول التخلّص من اللحظات الأخيرة المروّعة للروح. كان جسدي يبرد بينما العرق ينهمر على وجهي. احتضنتُ بطني وأغمضتُ عينيّ، هامسًا، “غير حقيقي. ليس أنا.”

أو ربما… يمكنني استخدام الذيل كعباءة. عباءة تمويه.

تبدّد الخوف الدخيل شيئًا فشيئًا. مرهقًا، تنفستُ خلال آخر التواءات أمعائي وفتحتُ عينيّ أحدّق في الموضع الذي كان فيه سنّ الروح. بطريقة ظا، كنتُ قد سحبته من عالم الروح.

في تلك اللحظة بالذات، انتابني ألمٌ مبرحٌ في المريء. نظرتُ إلى أسفل فرأيتُ آخر وميضٍ من الضوء الأبيض بينما تغوص روح الأودوكو الأحمر في صدري.

تضاربت النشوة مع القلق وأنا أراقب روح الأودوكو تتصاعد إلى الأعلى كالبخار.

فسقطت للوراء.

بينما لا يزال رعب موت الآخر حاضرًا في ذهني، لم أكن أرغب تمامًا في أخذها، لكنني كنت أعلم أنه يجب عليّ فعل ذلك. والآن لديّ خيارات، أليس كذلك؟ على حد علمي، كانت أحجار الروح في الواقع سبائك روحية، قابلة للتشكيل، لتصبح أسلحة حقيقية.

ليس معي سوى حذاء واحد، ما جعل كل خطوة ثانية مقامرة. أغصان صغيرة اخترقت جوربي، لكنني واصلت الركض حتى أجبرني غرز في جنبي على التوقف، وظهري ملتصق بجذع شجرة.

عندما تحولت روح الأودوكو إلى كرة، كان عليّ أن أقرر: هل أمتصها أم أحولها إلى سبيكة؟

في اللحظة التي انفصل فيها الذيل، فردته كعباءة تمامًا حين نشر المفترس أجنحته. هويتُ إلى الأرض على يديّ وركبتيّ، وسحبت الذيل المفرود فوق رأسي، وانكمشت تحته بين البتلات الزائفة الممزقة كما رأيت القطيع يفعل بالأمس. سأبدو كأنني لا شيء أكثر من زهرة عملاقة.

مددت يدي، ثم تراجعت عن ذلك. كل شيء يؤلمني. كان الدم من الجرح في جنبي يغمر قميصي. شعرت وكأن ساقيّ قد مرتا بمفرمة لحم، وذراعي الأيسر بأكمله ينبض مع دقات قلبي.

بحثتُ في المنطقة عن مخرج أو شيء أكبر، لكن ألمًا وهميًا حادًا طعنني في مؤخرة رقبتي. أجبرتُ ساقيّ المنهكتين على الحركة، وركضتُ نحو أقرب شجرة بينما كان الأودوكو يهاجمني. طاردتني حوافر وشخير غاضب بسرعة كبيرة. لم يكن لديّ وقت للتسلق. ثم، وسط الضباب، لمحتُ كرومًا ذهبية تلتف حول جذع الشجرة.

اقتربت الروح مني، فتركتها تأتي. هذه المرة، عندما استقرت في صدري، كنت مستعدًا.

ليس معي سوى حذاء واحد، ما جعل كل خطوة ثانية مقامرة. أغصان صغيرة اخترقت جوربي، لكنني واصلت الركض حتى أجبرني غرز في جنبي على التوقف، وظهري ملتصق بجذع شجرة.

تنفستُ عبر الألم، مغمضًا عينيّ لتفادي ازدواج الرؤية المربك. شعرتُ بكل ضربة سددتها بالسنّ، وكأنها اخترقت رأسي أنا. ارتجف خوف الأودوكو داخلي. كان ذلك أسوأ ما في الأمر؛ أن أشعر برعب لحظاته الأخيرة. ذلك، ومعرفة أنني أنا من سبّب هذا الألم. أن أرى نفسي مفترسًا من خلال عيني فريستي. ذكّرتُ نفسي بأنني لم أملك خيارًا؛ عاشبًا كان أم لا، كان وحشًا متحولًا بريًا، وكان سيقتلني.

عندما تحولت روح الأودوكو إلى كرة، كان عليّ أن أقرر: هل أمتصها أم أحولها إلى سبيكة؟

وسط القلق الذي تسببه الروح، تسللت فكرة أخرى بحدة.

ربّتتُ على جيوبي، متذكرًا خيط دبابير النساج. وبينما كنتُ أستخرجه وأبدأ بفكّه من الكرة التي صنعتها، نظرتُ إلى ذيل الأودوكو المتضرر. قد تُشكّل الطيات الغشائية رقعةً جيدة. يُمكنني قصّ جزءٍ صغير، ولصقه على الجرح، وربطه بخيط.

كوا؟ هل هي بخير؟

أنا بحاجة إلى تضميدها، ولكن بأي ضمادة؟

لا بدّ أنها كذلك. إنها قادرة تمامًا على الاعتناء بنفسها، أنا متأكد. ربما هي تبحث عني بالفعل.

انتفض الأودوكو الحقيقي مبتعدًا عني، لكن وقد غذّاني الأدرينالين، سحبتُ بقوة مع الكرمة وغرستُ السنّ في الفتحة المدمّرة نفسها. توغّل عميقًا، وتشنّج الأودوكو، لكن السنّ تحطّم في قبضتي كأنه زجاج. تناثرت شظايا متوهجة إلى الخارج، تتلألأ كأشعة القمر، ثم تلاشت.

فتحت عينيّ ونظرت حولي كما لو كنت أراها تقترب مني، لكن لم يكن هناك سوى غابة كثيفة. خفّت آلامي قليلًا، لكن جنبي لا يزال ينزف. رفعت سترتي وقميصي بحذر لأرى بوضوح: تتدلى قطعة كبيرة من الجلد بحرية، والدم ينزف من جرح طويل يتبع انحناءة أضلاعي.

وسط القلق الذي تسببه الروح، تسللت فكرة أخرى بحدة.

أنا بحاجة إلى تضميدها، ولكن بأي ضمادة؟

استلقيت فقط، وعيناي ترفرفان، لكن أنماطًا متلألئة من الضوء رقصت على أرضية التراب وعلى طول وجهي، مما جعل الغفوة مرة أخرى مستحيلة.

ربّتتُ على جيوبي، متذكرًا خيط دبابير النساج. وبينما كنتُ أستخرجه وأبدأ بفكّه من الكرة التي صنعتها، نظرتُ إلى ذيل الأودوكو المتضرر. قد تُشكّل الطيات الغشائية رقعةً جيدة. يُمكنني قصّ جزءٍ صغير، ولصقه على الجرح، وربطه بخيط.

استلقيت فقط، وعيناي ترفرفان، لكن أنماطًا متلألئة من الضوء رقصت على أرضية التراب وعلى طول وجهي، مما جعل الغفوة مرة أخرى مستحيلة.

أو ربما… يمكنني استخدام الذيل كعباءة. عباءة تمويه.

“مع ذلك، لم أرَ قطّ أحدًا يُحرّك الإشعاع بهذه الطريقة أو يُحلّله إلى مفاهيم. أو… ماذا سميته سابقًا؟ نوى ميتافيزيقية (سأستخدم “تجريدي”)؟” عبستُ، مُحاولًا تذكّر كل ما قالته. “إذا كان مفهومًا، فكيف يُمكن علاجه؟”

انتابني الحماس لهذا الاحتمال، فربطت جذعي بعناية بخيط دبور النساج، ثم فحصت الذيل. كان ممزقًا بالقرب من مكان اتصاله بالجسم، معلقًا ببضع بوصات فقط من الوتر.

الفصل 27 — سبيكة

أحتاج إلى شيء حاد. ويفضل أن يكون من العظم المتحول. وأنا أعرف من أين أحصل عليه.

تبدّد الخوف الدخيل شيئًا فشيئًا. مرهقًا، تنفستُ خلال آخر التواءات أمعائي وفتحتُ عينيّ أحدّق في الموضع الذي كان فيه سنّ الروح. بطريقة ظا، كنتُ قد سحبته من عالم الروح.

مشيتُ نحو الشجرة حيث كان طرف القرن لا يزال مغروسًا في لحائها. لم يتحرك قيد أنملة عندما حاولتُ سحبه، لكنني أحضرتُ حجرًا من أرض الغابة ومزقتُ اللحاء المحيط به حتى انفصل أخيرًا. ثم عدتُ إلى الجثة وبدأتُ باستخدام الطرف الحاد كأداة تقطيع، أطعن وأمزق الغشاء والأوتار.

“كيف تفعلين ذلك؟”

لم يتبقَّ سوى سنتيمترات قليلة لأُنهي الأمر حين سمعت صرخة طائر عالية ومذعورة، وحفيفًا في أعالي الأشجار. التفتُّ نحو صوت خفقان الأجنحة بينما طار الطائر المفزوع. وخلفه أغصان الأشجار تهتز، تقفز صعودًا وهبوطًا. هناك شيء ضخم يتحرك بين الفروع، متجه نحوي.

لكن في اللحظة التي بدأتُ فيها أسترخي، تمزق هدوء الأدغال بصراخ جهنمي كنت أعرفه جيدًا.

تسارع نبضي، وبدأت أقطع آخر ما تبقى من الأوتار، وعيناي تتنقلان بين ما أفعله وبين الأوراق الذهبية. ومن خلال الأغصان، لمحت بقعًا مرقطة وفراءً أبيض كالعظم. كان مموهًا جيدًا… لولا بقع الدم السوداء. تلك سمحت لي بتتبّع الوحش المرقط وهو يستخدم قدميه الخلفيتين القابضة ومخالب يديه الأماميتين للمناورة بين الفروع، يتسلق كقط ثم يتأرجح كقرد.

لكن ما الغاية منها؟ إن كان المطلوب إعادة تشكيلها لا كسرها، فما الذي ينبغي أن تصبح عليه؟

في اللحظة التي انفصل فيها الذيل، فردته كعباءة تمامًا حين نشر المفترس أجنحته. هويتُ إلى الأرض على يديّ وركبتيّ، وسحبت الذيل المفرود فوق رأسي، وانكمشت تحته بين البتلات الزائفة الممزقة كما رأيت القطيع يفعل بالأمس. سأبدو كأنني لا شيء أكثر من زهرة عملاقة.

في تلك اللحظة بالذات، انتابني ألمٌ مبرحٌ في المريء. نظرتُ إلى أسفل فرأيتُ آخر وميضٍ من الضوء الأبيض بينما تغوص روح الأودوكو الأحمر في صدري.

هبط الوحش بين الشجيرات، وسمعته يشم الهواء.

اندفعتُ إلى الأمام وطعنتُ السنّ الفضي المتوهج إلى أسفل، فاخترق هالة الأودوكو بسهولة صادمة، ثم اخترق عينه الكبيرة. انفجر دم دافئ على يدي بينما احتكّ السنّ بمحجر العين. اجتاحتني موجة أخرى من الألم العاصف في أحشائي، وتداخل الإحساس الوهمي مع الواقع؛ دم الأودوكو الحي سال على معصمي، بينما بدا دم الأودوكو الوهمي كأنه يندفع من عنقي في نوافير حارّة.

لن يشمّ رائحتي، طمأنتُ نفسي، وحتى لو فعل فلن يرغب بي. لديه طعام كبير، شهي، وغني بالإشعاع يشغله.

هذا ما كان عليّ أن آمله، على أي حال. ومع ذلك، قبضتُ على القرن بيدي، مستعدًا لاستهداف العينين.

هذا ما كان عليّ أن آمله، على أي حال. ومع ذلك، قبضتُ على القرن بيدي، مستعدًا لاستهداف العينين.

بالكاد تجرأتُ على التنفس، ولم أستطع سوى الإصغاء والتفسير. أصدر الوحش المتحول صوتًا غامضًا يشبه الخرير. سمعتُ قضمًا، ثم سحبًا. تحركت الأوراق من حولي بينما جُرّت الجثة بعيدًا عن مخبئي.

بالكاد تجرأتُ على التنفس، ولم أستطع سوى الإصغاء والتفسير. أصدر الوحش المتحول صوتًا غامضًا يشبه الخرير. سمعتُ قضمًا، ثم سحبًا. تحركت الأوراق من حولي بينما جُرّت الجثة بعيدًا عن مخبئي.

انطلق الأودوكو المذعور بأقصى سرعة، يندفع بين جذوع الأشجار، وينحرف في اللحظة الأخيرة. كان يتخبط ويتقلب أثناء ركضه، محاولًا إلقاءي، لكنني تشبثت به بكل ما أوتيت من قوة. وذراعاي تحترقان، حاولت أن أرفع نفسي فوقه لأتمكن من التشبث به بشكل أفضل بينما أبتلع مرارة، لكن فجأةً غمرتني ذكريات اللحظات الأخيرة المشؤومة، فضاعفت من رعب الأشجار. سمعت صوت هدير خلفي —المفترس— لكن هل هو يتبعني حقًا أم مجرد جزء من الذاكرة؟

أدرتُ رأسي، وشققتُ ببطء تمزقًا صغيرًا في الغشاء بإصبعين، وتلصصتُ من خلاله. كان ذيل المفترس ملتفًا حول عنق الأودوكو، وطرفه الشائك مغروسًا في اللحم كخطاف، بينما انغرست مخالبه في جذع شجرة. تزحلق صعودًا إلى الأغصان، حاملًا الجثة الثقيلة وكأنها بلا وزن.

عندما تحولت روح الأودوكو إلى كرة، كان عليّ أن أقرر: هل أمتصها أم أحولها إلى سبيكة؟

لم أجرؤ على الحركة بعد. منكمشًا تحت الذيل، كنت أسمع أعالي الأشجار تهتز بينما يثبت المفترس فريسته عاليًا عن الأرض، قريبًا أكثر مما يبعث على الارتياح. لكن لم يكن بإمكاني البقاء هنا إلى الأبد. أفضل خيار لي هو الهرب بينما هو منشغل تمامًا.

اقتربت الروح مني، فتركتها تأتي. هذه المرة، عندما استقرت في صدري، كنت مستعدًا.

حين خمد الحفيف وبدأت أولى أصوات الأكل، نهضت على قدميّ، وعباءة الذيل مسدلة على كتفيّ، وانطلقتُ هاربًا.

نهضتُ على قدميّ، لكنّ قطيعًا آخر من طيور الأودوكو المندفعة صدمَني. التفت ذراعي المكسورة حول ظهري، وشعرتُ بالألم بعد ثانية حين فقدتُ توازني وسقطتُ بين الزهور، متشابكًا في الخيوط المتينة المتقاطعة التي ربطتُها بها. علقت بي الزهور في أرجوحة على ارتفاع بضعة أقدام عن الأرض، وذراعي السليمة مربوطة فوق رأسي. تشنجتُ، فسال الرحيق على ياقة قميصي، وانطلق ألمٌ حادٌّ جديدٌ في كتفي. لم تستجب أصابع ذراعي المصابة، فانكمشت ببطء بألم، عاجزًا عن تمزيق الحرير.

ليس معي سوى حذاء واحد، ما جعل كل خطوة ثانية مقامرة. أغصان صغيرة اخترقت جوربي، لكنني واصلت الركض حتى أجبرني غرز في جنبي على التوقف، وظهري ملتصق بجذع شجرة.

ركض وهو ملتصق بي، وساقاي المتدليتان تصطدمان بالأرض. انتشر ذيله خلفه، يهتز كريش الطاووس، حاجبًا رؤيتي للمأوى. إلى يميني، هناك حيوان أودوكو آخر ذو لون أحمر يركض بأقصى سرعة، وقد اتسعت فتحتا أنفه وبرزت عيناه من الرعب.

محاولًا تهدئة أنفاسي المتقطعة، أصغيتُ بحثًا عن أصوات المطاردة، لا شيء سوى زقزقة الطيور وخرير الجدول الذي كان يعدني بالمأوى، أو بما تبقى منه، كان قريبًا.

لقد أخرجته من عالم الروح! ماذا يعني ذلك؟ وماذا أيضًا يمكنني أن—

لكن في اللحظة التي بدأتُ فيها أسترخي، تمزق هدوء الأدغال بصراخ جهنمي كنت أعرفه جيدًا.

سألتُ في حيرة، “ماذا؟ مع من تدربت؟”

————————

أوقف صوتُ طقطقة عظم قلبي، فنظرتُ لأعلى فرأيتُ لحمًا يتمزق وخيوطًا بيضاء من الروح بينما يمزق الوحش المرقط الحبل الشوكي لأودوكو الأحمر. تناثر الدم على جبهتي. ثغى الأودوكو البني تحتي، وهو يتدحرج ليضع ساقيه تحته، وحدقت عينا الوحش المرقط اليسرى بنا. ارتفع ذيل المفترس كالكوبرا، كاشفًا عن شوكة في نهايته، تلمع بقطرة من سائل لزج. اخترق الذيل فخذ الأودوكو الخلفي وهو يحاول النهوض، مما جعله يسقط مرة أخرى.

احم. ثاني فائدة لعالم الروح:

قفز الأودوكو فوق جذع شجرة ساقطة، يركل بعنف، ثم هبط بقوة، وانثنت ساقه المصابة. بين معدتي المتشنجة ويدي اليسرى الضعيفة، فقدت قبضتي وانطلقت بعيدًا. دوى صوت بوق الأودوكو الصارخ حول جمجمتي وأنا أسقط على ظهري، عاجزًا عن التنفس، وأضلاعي تحترق، وارتداده يمزق أحشائي.

– امتصاص الروح وتقوية/شفاء/تحسين الجسد به

أصغيتُ. حفيف أوراق الشجر، وجذور تتمزق، ووقع أقدام ثقيلة. هناك شيء ضخم في الخارج. كثيرون، أكثر من أن يكونوا آل كالهون. استطعتُ سماع طقطقة الشجيرات وهي تسقط من جذورها.

– تشكيل أحجار الروح واستدعائها إلى العالم الحقيقي (مثل السيوف اللي في غلاف الرواية).

مددت يدي نحو الظلال تحت الصخور، لكن يد روحي اصطدمت بالسنّ المعلّق الذي كنت قد شكّلته، وشعرت بملمسه الصلب بأطراف أصابعي الحقيقية. دوّى طقطقة مجلجلة بين الأشجار؛ كان الأودوكو الهائج قد كسر قرنه بنفسه ليتحرر.

 

استعاد الأودوكو توازنه بهزة من رأسه، وتحرك ظهره تحت جذعي المتشنج وهو يحاول النهوض على قدميه. في محاولة يائسة للهروب من عيني الوحش المرقط الجائعتين، لففت ذراعي المصابة حول ظهر الأودوكو وأمسكت بقاعدة قرنه بقبضتي السليمة، محاولًا رمي ساقي فوق ظهره.

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

بحثتُ في المنطقة عن مخرج أو شيء أكبر، لكن ألمًا وهميًا حادًا طعنني في مؤخرة رقبتي. أجبرتُ ساقيّ المنهكتين على الحركة، وركضتُ نحو أقرب شجرة بينما كان الأودوكو يهاجمني. طاردتني حوافر وشخير غاضب بسرعة كبيرة. لم يكن لديّ وقت للتسلق. ثم، وسط الضباب، لمحتُ كرومًا ذهبية تلتف حول جذع الشجرة.

 

وأنا ألهث، تدحرجت على جانبي، رفعت رأسي، ورأيت الأودوكو يخفض رأسه. هز قرونه، موجهًا فروعها الحادة وزوج القرون المميتة الشائكة على جبهته نحوي مباشرة. فقاعات رغوة خضراء اللون تتدفق من فمه بينما يحك حافره بالأوراق.

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

– تشكيل أحجار الروح واستدعائها إلى العالم الحقيقي (مثل السيوف اللي في غلاف الرواية).

انزلق حذائي المتعثر على حجرٍ وطار بعيدًا. تمزقت ساقاي وخدشتهما الأغصان والأرض الصلبة وأنا أطلق صرخة ذعر، ممسكًا بحبال الحرير الملتوية في يدي العالقة، محاولًا تمزيقها بأظافري. لكن فجأةً قفز الدودوكو عاليًا، متجاوزًا مجرى النهر، فتشبثتُ بالخيوط التي تربطنا بكل قوتي.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط