مصعد بهو [14]
الهدوء الذي تبع اعتراف ليو كان ثقيلاً.
كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.
كان الهواء ثقيل، وكأنه دخان خانق.
توقفت، ونظرت إلى طبق إيلينا بنظرة اشمئزاز.
نظر ليو إلى لوحته الجديدة، وجه إنساني مرهق يحدق به.
كنت أرى نظرات الازدراء، وأسمع الضحكات المكتومة.
كان يعلوه تعبير أرتياح خفيف، لكنه ارتياح شخص نجا من حريق ليجد أن منزله قد تحول إلى رماد.
كان يمكن سماع صوت أنفاسنا فقط في الرواق الطويل.
الهدوء الذي تبع اعتراف ليو كان ثقيلاً.
أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.
اثنتان لا تزالان ترتديان أقنعتهما.
من التالي؟
كان هناك نوعان من الصمت في حياتي.
ثم، تحركت .. يد الفتاة الصغيرة في لوحتها الأصلية.
شعرت بالدم يغلي في عروقي. نظرت إلى إيلينا، ورأيتها تنكمش أكثر في مقعدها، ووجها يحمر.
ببطء، تجاوزت لوحتي ولوحة ليو.
عندما أحضرته لها، كان ممزقًا، وصفحاته ملطخة بالوحل والمياه القذرة. رسوماتها، عوالمها، كانت تنزف ألوانًا باهتة.
واستقرت وهي تشير بثبات نحو لوحة نور أكيم.
“أنت دائمًا هكذا،” قالت، وهذه المرة، كان هناك أثر من الخيبة في صوتها. “أنتي ترين كل شيء، نور. لكنك لا تنظرين حقًا.”
عندما أحضرته لها، كان ممزقًا، وصفحاته ملطخة بالوحل والمياه القذرة. رسوماتها، عوالمها، كانت تنزف ألوانًا باهتة.
ذلك الوجه المذعور، تلك ما بدأ انها صرخة صامتة محبوسة خلف طبقة من الطلاء.
قبل عام…
التفتنا جميعًا نحو نور.
“أنا لا أخاف من هذا المكان. أنا أخاف من أن يأتي اليوم الذي سأضطر فيه للاختيار مرة أخرى … لأنني أعرف أنني سأختار نفسي دائمًا. سأختار دائمًا أن أكون جبانة.”
تجمدت في مكانها، كأن عمودًا فقريًا من الجليد قد تشكل في ظهرها.
ثم، تغيرت اللوحة.
الهلع النقي شل حركتها. اتسعت عيناها، ورأيت انعكاس لوحتها فيها.
الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.
بدأت تتراجع خطوة، ثم أخرى، كحيوان محاصر.
‘إنها خائفة.’ نظرت إليها بتفهم..
“أسف ..”
الكلمة خرجت منها بصعوبة.
نظر ليو إلى لوحته الجديدة، وجه إنساني مرهق يحدق به.
وضعت يدها بكتفها بتوتر.
‘لقد اختارت نفسها.’ فكرت، والسخرية في عقلي كانت مرة كالعلقم.
“لا، هذا صعب …”
بالنسبة لإيلينا، كان العالم كله عدوًا.
كانت ترسم عوالم خيالية، مخلوقات غريبة، وقلاعًا في السماء. كان هذا هو مهربها.
ليو، الذي كان لا يزال يتعافى من جلسته العلاجية القسرية، نظر إليها بنظرة معقدة.
“وجدناها … لقد قفزت من مبنى المنسوجات المتخلي عنه.”
والصمت الذي يأتي بعدها، وهو صمت مؤلم، ليس فراغًا، بل ضجيجًا أبيض، مليء بطنين من الأصداء التي لا معنى لها والتي تخدش جدران عقلي الداخلية.
“نور،” قال بهدوء، وصوته يحمل وزنًا جديدًا. “يبدو أن هذا هو الطريق الوحيد للخروج.”
توقف كتفيها عن الارتجاف.
“لا تفهمون!”
صرخة مكتومة خرجت منها، ممزوجة بالخوف .. اهتز جسدها بالكامل.
لم أشعر بالغضب. لم أشعر بالاشمئزاز.
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
” أمري صعب .. ليس مثلكم! إنه ليس حزنًا أو ضعفًا يمكن إصلاحه باعتراف نبيل!”
ماذا يكون سبب الخوف؟ …
بدأت تهز رأسها بعنف، ونظرت للأسفل منزلة رأسها.
“لماذا هي صامتة طوال الوقت؟ غريبة الأطوار.”
“إنه … قذارة. شيء لا يمكن قوله … لن أسامح نفسي.”
كان يعلوه تعبير أرتياح خفيف، لكنه ارتياح شخص نجا من حريق ليجد أن منزله قد تحول إلى رماد.
***
“هذا معقد،” قال ليو بعدم فهم.
لكنني لم أفعل.
كانت محاصرة في كابوسها الخاص، ونحن مجرد متفرجين.
“نور،” قال بهدوء، وصوته يحمل وزنًا جديدًا. “يبدو أن هذا هو الطريق الوحيد للخروج.”
في تلك اللحظة، الصرخة في لوحتها لم تعد صامتة.
‘إنها خائفة.’ نظرت إليها بتفهم..
ماذا يكون سبب الخوف؟ …
” لن أسامح نفسي”
العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.
في ذلك الخريف البارد، في السنة التي تغير فيها كل شيء.
حدقت في لوحتها، في تلك الصرخة الصامتة، وكأنها ترى شبحًا تعرفه جيدًا.
شعرت بشيء أقرب إلى … تفهم بارد ومقيت.
‘تأنيب ضمير؟ .. هذا غير متوقع من فتاة مبهجة.’
كنت أشعر بثقل كلماتهم وهو يهبط على كتفي إيلينا المنحنيين. كنت أشعر بالغضب يغلي في داخلي، حارقًا، عاجزًا.
“وجدناها … لقد قفزت من مبنى المنسوجات المتخلي عنه.”
وأخيرًا، وكأنها أدركت أنه لا مفر، توقفت عن التراجع.
لوحة سام أوينز.
توقف كتفيها عن الارتجاف.
عندما أحضرته لها، كان ممزقًا، وصفحاته ملطخة بالوحل والمياه القذرة. رسوماتها، عوالمها، كانت تنزف ألوانًا باهتة.
كنت أحاول التركيز على طعامي، متجاهلة الصداع الذي بدأ ينبض في صدغي.
فتاة تقف في الظلام، ويداها تغطيان أذنيها بقوة .. ليس لمنع الصوت من الدخول، بل لمنع الحقيقة من الخروج.
وحل محل كل ذلك هدوء …
شعرها الأشقر الباهت كان يفتقر دائمًا إلى اللمعان، كأنه استسلم للشمس منذ زمن طويل. عيناها الواسعتان كانتا تحملان هموم أكبر من عمرها. وجسدها النحيل كان يبدو وكأنه سيتحطم مع أول هبة ريح قوية، كأنها لم تكن مصنوعة لهذا العالم القاسي.
لم يتكلم أحد.
ضحك أصدقاؤها.
رفعت رأسها، ونظرت إلينا بنظرة بائسة.
“هذا معقد،” قال ليو بعدم فهم.
أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.
“حسنًا…” همست، والصوت كان باردًا.
“أوه، إيلينا، هل تأكلين هذا حقًا؟” قالت بصوت عالٍ بما يكفي ليلتفت الجميع. “لا عجب أن بشرتك تبدو … هكذا.”
الكلمة خرجت منها بصعوبة.
“تريدون المعرفة؟ .. سأعطيكم ما تريدون.”
ثم، تغيرت اللوحة.
اين ستذهب يا ترى ؟ … في الأساس لماذا ستذهب لسطح مهجور.
شعرت بالدم يغلي في عروقي. نظرت إلى إيلينا، ورأيتها تنكمش أكثر في مقعدها، ووجها يحمر.
كنت جبانة.
نظرت إلى الخيارين في عقلي.
الهدوء الذي تبع اعتراف ليو كان ثقيلاً.
****
****
صوتها في الهاتف، هادئ بشكل مريب.
قبل عام…
شعرها الأشقر الباهت كان يفتقر دائمًا إلى اللمعان، كأنه استسلم للشمس منذ زمن طويل. عيناها الواسعتان كانتا تحملان هموم أكبر من عمرها. وجسدها النحيل كان يبدو وكأنه سيتحطم مع أول هبة ريح قوية، كأنها لم تكن مصنوعة لهذا العالم القاسي.
الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.
كانا والديها منفصلين .. وكانت تعيش مع والدتها.
‘إنها خائفة.’ نظرت إليها بتفهم..
وجوه ليو وآدم وسام تلاشت، وتستبدل بوجوه أخرى.
حاد، بارد، نظيف بشكل مرعب. شعرت بالرياح وهي تئن عبر الفراغ.
وجوه كنت قد نسيتها، أو بالأحرى، أجبرت نفسي على نسيانها.
****
أنا لم أعد هنا .. أنا هناك.
***
الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.
شعرت بها في عظامي.
في ذلك الخريف البارد، في السنة التي تغير فيها كل شيء.
في ذالك اليوم إيلينا أدركت إن حتى عالمها الجميل يمكن أن يدنس ويرمى في القمامة بسهولة.
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
كان هناك نوعان من الصمت في حياتي.
الصمت الذي يسبق استخدام مهارتي، وهو صمت هادئ مليء بالترقب، كهدوء سطح بحيرة قبل سقوط حجر.
صوتها في الهاتف، هادئ بشكل مريب.
والصمت الذي يأتي بعدها، وهو صمت مؤلم، ليس فراغًا، بل ضجيجًا أبيض، مليء بطنين من الأصداء التي لا معنى لها والتي تخدش جدران عقلي الداخلية.
****
“إنها في محطة الحافلات!” قلت لوالدة إيلينا عبر الهاتف، وصوتي كان ثابتًا بشكل مرعب، ثابتًا بأنانية.
إيلينا صديقتي كانت الوحيدة التي تفهم كلا النوعين.
كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.
كنا في الخامسة عشرة .. في ذلك العمر، العالم إما أبيض أو أسود، وأنت إما صديق أو عدو.
بالنسبة لإيلينا، كان العالم كله عدوًا.
“رنغ-رنغ-رنغ-!”
كانت مثل زهرة شتوية رقيقة تتفتح في عاصفة ثلجية، جميلة بشكل مؤلم، ومحكوم عليها بالذبول.
من التالي؟
شعرها الأشقر الباهت كان يفتقر دائمًا إلى اللمعان، كأنه استسلم للشمس منذ زمن طويل. عيناها الواسعتان كانتا تحملان هموم أكبر من عمرها. وجسدها النحيل كان يبدو وكأنه سيتحطم مع أول هبة ريح قوية، كأنها لم تكن مصنوعة لهذا العالم القاسي.
كانت هدفًا مثاليًا.
تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.
ببطء، أشارت نحو آخر لوحة متبقية.
الوحوش في مدرستنا لم يكونوا يرتدون أقنعة أو يحملون سكاكين. كانوا يرتدون ملابس عصرية، ويحملون هواتف باهظة الثمن، وأسلحتهم كانت كلماتهم.
كان الهواء ثقيل، وكأنه دخان خانق.
الصدى الأول: من سطح مبنى مهجور.
كلمات كالزجاج المكسور، تقطع بعمق وتترك ندوبًا لا تراها العين، لكنها تنزف في الداخل.
حاد، بارد، نظيف بشكل مرعب. شعرت بالرياح وهي تئن عبر الفراغ.
نظرت إليه، ثم نظرت إلي .. وفي عينيها لم يكن هناك امتنان. كان هناك فقط … أبتسامة خافتة.
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
“أنا متأكدة. لقد رأيتها …”
“هل تأكل على الإطلاق؟ تبدو كشبح.”
ثم، تحركت .. يد الفتاة الصغيرة في لوحتها الأصلية.
“لماذا هي صامتة طوال الوقت؟ غريبة الأطوار.”
في تلك اللحظة، الصرخة في لوحتها لم تعد صامتة.
كنت أسمعهم. مهارتي، حتى في حالتها البدائية، كانت تلتقط همساتهم من الجانب الآخر من الفصل، من نهاية الممر.
كنت أرى نظرات الازدراء، وأسمع الضحكات المكتومة.
“حسنًا…” همست، والصوت كان باردًا.
كنت أشعر بثقل كلماتهم وهو يهبط على كتفي إيلينا المنحنيين. كنت أشعر بالغضب يغلي في داخلي، حارقًا، عاجزًا.
أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.
لكنني كنت أتجمد. كنت أقف هناك، والكلمات تموت في حنجرتي.
“لقد فات الأوان.”
كنت جبانة.
أتذكر ذلك اليوم في الكافتيريا .. الضجيج كان لا يطاق، خليط من الضحك والصراخ وصوت الأطباق.
كنت أحاول التركيز على طعامي، متجاهلة الصداع الذي بدأ ينبض في صدغي.
كانت إيلينا تجلس أمامي، تأكل بصمت، وكتفاها منحنيان قليلاً، كأنها تحاول أن تجعل نفسها أصغر، غير مرئية.
لكنهم رأوها. إنهم دائمًا يرونها.
صمت.
مرت “سارة” وطاولتها، الفتاة الأكثر شعبية في صفنا.
“رنغ-رنغ-رنغ-!”
توقفت، ونظرت إلى طبق إيلينا بنظرة اشمئزاز.
“أوه، إيلينا، هل تأكلين هذا حقًا؟” قالت بصوت عالٍ بما يكفي ليلتفت الجميع. “لا عجب أن بشرتك تبدو … هكذا.”
‘إنها مجرد فترة صعبة،’ كذبت على نفسي.
ضحك أصدقاؤها.
شعرت بالدم يغلي في عروقي. نظرت إلى إيلينا، ورأيتها تنكمش أكثر في مقعدها، ووجها يحمر.
“اتركيها وشأنها، سارة،” قلت بصوت خافت، بالكاد كان مسموعًا.
في الواقع، نحن مجرد حيوانات أنانية تحاول يائسة تقليل معاناتها. نور لم تكن وحشًا .. كانت فقط … إنسانًا بشكل مخيب للآمال.
نظرت إلي سارة، ورفعت حاجبها. “أوه، انظروا، المحامية تتكلم. لماذا تدافعين دائمًا عن هذه الغريبة الأطوار، نور؟”
لم أجد كلمات للرد. فتحت فمي، لكن لم يخرج شيء.
صمت.
لكنني كنت أتجمد. كنت أقف هناك، والكلمات تموت في حنجرتي.
لقد تجمدت.
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.
ضحكت سارة مرة أخرى، ثم مضت في طريقها.
صرخة مكتومة خرجت منها، ممزوجة بالخوف .. اهتز جسدها بالكامل.
في تلك الليلة، على سطح مبنانا السكني، تحت الأضواء البرتقالية الباهتة للمدينة، كانت إيلينا ترسم في دفترها.
كانت ترسم عوالم خيالية، مخلوقات غريبة، وقلاعًا في السماء. كان هذا هو مهربها.
في تلك الليلة، على سطح مبنانا السكني، تحت الأضواء البرتقالية الباهتة للمدينة، كانت إيلينا ترسم في دفترها.
“لا تفهمون!”
كان دفتر الرسم هو درعها، وروحها، والمكان الوحيد الذي لم يتمكن أحد من إيذائها فيه.
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
“لم أكن أعرف ماذا أقول،” اعترفت، وشعرت بالخجل يحرقني.
“أنت دائمًا هكذا،” قالت، وهذه المرة، كان هناك أثر من الخيبة في صوتها. “أنتي ترين كل شيء، نور. لكنك لا تنظرين حقًا.”
بحثت عن صدى الورق، عن صدى أقلام الرصاص.
بدلاً من ذلك، ظهرت صورة جديدة.
تصاعدت القسوة …
حتى سام، الذي كان دائمًا صامتًا كتمثال، بدا وكأن عينيه قد اتسعت قليلاً.
لم تعد مجرد كلمات. أصبحت أفعالاً. بدأوا يأخذون أغراضها، يسكبون المشروبات على كتبها “عن طريق الخطأ”.
وفي أسوأ يوم على الإطلاق، اليوم الذي كسر شيئًا ما بداخلها إلى الأبد، سرقوا دفتر الرسم الخاص بها.
تشكلت كذبة على شفتي. سم اخترت أن أبصقه لأنقذ نفسي.
جاءت إلي وهي تبكي، تبكي حقًا لأول مرة منذ سنوات.
دموع حقيقية، حارة. “لقد أخذوه، نور. هدية أخي الصغير.”
الصرخة التي كان يجب أن أطلقها … حبست في حنجرتي.
في تلك اللحظة، شعرت بموجة من الغضب تتغلب على خوفي. “سأجده لك،” قلت بحزم.
لم يتكلم أحد.
كنت أشعر بثقل كلماتهم وهو يهبط على كتفي إيلينا المنحنيين. كنت أشعر بالغضب يغلي في داخلي، حارقًا، عاجزًا.
“سأستخدم مهارتي.”
” لن أسامح نفسي”
في تلك الفترة كانت مهارتي قد أستيقظت لتو ولم تكن مستقرة.
لكنني كنت أتجمد. كنت أقف هناك، والكلمات تموت في حنجرتي.
“لا،” قالت وهي تمسك بذراعي. “إنه يؤلمك.”
لم يتكلم أحد.
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
“لا يهمني!”
كل الكلمات بدت رخيصة ومجوفة أمام حقيقة قبيحة كهذه.
أغمضت عيني، واستدعيت اللعنة.
في تلك الليلة، على سطح مبنانا السكني، تحت الأضواء البرتقالية الباهتة للمدينة، كانت إيلينا ترسم في دفترها.
“أنا متأكدة. لقد رأيتها …”
انفجر الألم في رأسي !
شعرها الأشقر الباهت كان يفتقر دائمًا إلى اللمعان، كأنه استسلم للشمس منذ زمن طويل. عيناها الواسعتان كانتا تحملان هموم أكبر من عمرها. وجسدها النحيل كان يبدو وكأنه سيتحطم مع أول هبة ريح قوية، كأنها لم تكن مصنوعة لهذا العالم القاسي.
“اغغ !” وضعت يدي في فمي.
ضجيج أبيض، طنين حاد .. لكنني تجاهلته.
تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.
بحثت عن صدى الورق، عن صدى أقلام الرصاص.
كنت أسمعهم. مهارتي، حتى في حالتها البدائية، كانت تلتقط همساتهم من الجانب الآخر من الفصل، من نهاية الممر.
وفي النهاية وجدته.
كان خلف صالة الألعاب الرياضية، ملقى في بركة من الوحل بجوار حاويات القمامة.
شعرت بالراحة. راحة قذرة، ولزجة، لكنها كانت راحة.
عندما أحضرته لها، كان ممزقًا، وصفحاته ملطخة بالوحل والمياه القذرة. رسوماتها، عوالمها، كانت تنزف ألوانًا باهتة.
كانت ترسم عوالم خيالية، مخلوقات غريبة، وقلاعًا في السماء. كان هذا هو مهربها.
مرت “سارة” وطاولتها، الفتاة الأكثر شعبية في صفنا.
صوت شرطي بارد، ورسمي.
واتخذت قراري .. اخترت نفسي.
نظرت إليه، ثم نظرت إلي .. وفي عينيها لم يكن هناك امتنان. كان هناك فقط … أبتسامة خافتة.
شيء ما في داخلي تجمد وأصبح صامتًا إلى الأبد.
صوتها في الهاتف، هادئ بشكل مريب.
كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.
في ذالك اليوم إيلينا أدركت إن حتى عالمها الجميل يمكن أن يدنس ويرمى في القمامة بسهولة.
تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.
الكلمة خرجت منها بصعوبة.
منذ ذلك اليوم، توقفت عن الرسم .. والضوء في عينيها بدأ يخفت.
“لماذا هي صامتة طوال الوقت؟ غريبة الأطوار.”
كنت أراها تتلاشى يومًا بعد يوم. كنت أرى الظلال تحت عينيها تزداد قتامة.
فتاة تقف في الظلام، ويداها تغطيان أذنيها بقوة .. ليس لمنع الصوت من الدخول، بل لمنع الحقيقة من الخروج.
فكرت في استخدام مهارتي مرة أخرى. “لأرى” ما يحدث داخل منزلها. “لأسمع” ما تقوله والدتها.
“سأستخدم مهارتي.”
“لقد فات الأوان.”
لكنني لم أفعل.
كنت خائفة .. خائفة مما قد أجده.
كانت هدفًا مثاليًا.
كانا والديها منفصلين .. وكانت تعيش مع والدتها.
****
كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.
ثم، تغيرت اللوحة.
‘إنها مجرد فترة صعبة،’ كذبت على نفسي.
بعد ساعة، رن هاتفي.
سوف تتجاوزها.
قبل عام…
***
اخترت راحتي على ألمها. كانت تلك هي الخيانة الأولى.
ثم جاءت تلك الليلة.
الهدوء الذي تبع اعتراف ليو كان ثقيلاً.
صوتها في الهاتف، هادئ بشكل مريب.
” أمري صعب .. ليس مثلكم! إنه ليس حزنًا أو ضعفًا يمكن إصلاحه باعتراف نبيل!”
صوت شرطي بارد، ورسمي.
[سأذهب لمكان يمكنني أن أرتاح به قليلًا.]
ليس خوفًا. ليس يأسًا.
التفتنا جميعًا لننظر إلى لوحة الفتاة الصغيرة. الشاهد الصامت على كل اعترافاتنا.
[بيب .. بيب ! ] أغلقت الخط.
صمت.
ماذا يكون سبب الخوف؟ …
“رنغ-رنغ-رنغ-!”
الخط مات، وقطعة من روحي ماتت معه.
كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.
الذعر كان كالصقيع، يجمد أطرافي.
أغمضت عيني، واستدعيت مهارتي بكل ما أوتيت من قوة.
“لا يهمني!”
الألم كان كالبركان على الدماغ .. شعرت وكأن شيئًا ما يتمزق داخل جمجمتي.
ثم، التقطت إشارتين .. إشارتين صديان منفصلان.
طعم الدم والكهرباء ملأ فمي .. العالم من حولي لم يعد موجودًا، فقط محيط هائج من الأصداء الصارخة.
“أنت دائمًا هكذا،” قالت، وهذه المرة، كان هناك أثر من الخيبة في صوتها. “أنتي ترين كل شيء، نور. لكنك لا تنظرين حقًا.”
” أمري صعب .. ليس مثلكم! إنه ليس حزنًا أو ضعفًا يمكن إصلاحه باعتراف نبيل!”
“أين أنت .. أرجوك ..”
دفعت مهارتي عبر المدينة، متجاهلة صراخ جسدي.
***
ثم، تحركت .. يد الفتاة الصغيرة في لوحتها الأصلية.
ثم، التقطت إشارتين .. إشارتين صديان منفصلان.
الصدى الأول: من سطح مبنى مهجور.
‘إنها مجرد فترة صعبة،’ كذبت على نفسي.
حاد، بارد، نظيف بشكل مرعب. شعرت بالرياح وهي تئن عبر الفراغ.
كانت مثل زهرة شتوية رقيقة تتفتح في عاصفة ثلجية، جميلة بشكل مؤلم، ومحكوم عليها بالذبول.
الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.
شعرت بصلابة الخرسانة الباردة. مجرد لمسه جعل معدتي تتقلص …
“لم أكن أعرف ماذا أقول،” اعترفت، وشعرت بالخجل يحرقني.
الصدى الثاني: من محطة الحافلات القديمة على الطريق السريع.
كانت محاصرة في كابوسها الخاص، ونحن مجرد متفرجين.
فوضوي، مليء بضجيج المحركات، باهت، ومشوش. لكنه كان … محتملًا. لم يكن يمزق رأسي بنفس القسوة.
اين ستذهب يا ترى ؟ … في الأساس لماذا ستذهب لسطح مهجور.
في تلك اللحظة، لم أبكي .. لم أصرخ.
الصمت الذي تبع نهاية قصة نور كان مختلفًا.
صمت.
نظرت إلى الخيارين في عقلي.
الصمت الذي يسبق استخدام مهارتي، وهو صمت هادئ مليء بالترقب، كهدوء سطح بحيرة قبل سقوط حجر.
تصاعدت القسوة …
لوحة سام أوينز.
واتخذت قراري .. اخترت نفسي.
هي بالتأكيد ستذهب للقطار .. هل تتسوق؟
كان خلف صالة الألعاب الرياضية، ملقى في بركة من الوحل بجوار حاويات القمامة.
وفي أسوأ يوم على الإطلاق، اليوم الذي كسر شيئًا ما بداخلها إلى الأبد، سرقوا دفتر الرسم الخاص بها.
تشكلت كذبة على شفتي. سم اخترت أن أبصقه لأنقذ نفسي.
أغمضت عيني، واستدعيت اللعنة.
“إنها في محطة الحافلات!” قلت لوالدة إيلينا عبر الهاتف، وصوتي كان ثابتًا بشكل مرعب، ثابتًا بأنانية.
انفجر الألم في رأسي !
“أنا متأكدة. لقد رأيتها …”
جلست في ظلام غرفتي، وتلاشى الألم في رأسي ببطء.
حولها، كانت هناك ظلال باهتة، أصداء لأماكن وأشخاص، لكنها كانت تدير ظهرها لهم جميعًا.
“أسف ..”
شعرت بالراحة. راحة قذرة، ولزجة، لكنها كانت راحة.
كان يمكن سماع صوت أنفاسنا فقط في الرواق الطويل.
“رنغ-رنغ-رنغ-!”
بعد ساعة، رن هاتفي.
صوت شرطي بارد، ورسمي.
الصدى الثاني: من محطة الحافلات القديمة على الطريق السريع.
“أنت دائمًا هكذا،” قالت، وهذه المرة، كان هناك أثر من الخيبة في صوتها. “أنتي ترين كل شيء، نور. لكنك لا تنظرين حقًا.”
“وجدناها … لقد قفزت من مبنى المنسوجات المتخلي عنه.”
توقف كتفيها عن الارتجاف.
كنت أراها تتلاشى يومًا بعد يوم. كنت أرى الظلال تحت عينيها تزداد قتامة.
صمت.
“لقد فات الأوان.”
في تلك اللحظة، لم أبكي .. لم أصرخ.
سوف تتجاوزها.
شيء ما في داخلي تجمد وأصبح صامتًا إلى الأبد.
تصاعدت القسوة …
الصرخة التي كان يجب أن أطلقها … حبست في حنجرتي.
‘إنها خائفة.’ نظرت إليها بتفهم..
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
والصمت الذي يأتي بعدها، وهو صمت مؤلم، ليس فراغًا، بل ضجيجًا أبيض، مليء بطنين من الأصداء التي لا معنى لها والتي تخدش جدران عقلي الداخلية.
“سأستخدم مهارتي.”
***
إيلينا صديقتي كانت الوحيدة التي تفهم كلا النوعين.
***
صمت.
***
الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.
“أنا متأكدة. لقد رأيتها …”
الصمت الذي تبع نهاية قصة نور كان مختلفًا.
لم يكن صمت ترقب أو خوف. كان صمتًا لزجًا، ثقيلاً، مشبعًا برائحة خطيئة عمرها عام.
استسلام شخص كان ينتظر دوره طوال هذا الوقت.
الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.
فتحت نور عينيها، ولم تعد الفتاة الخجولة التي تحاول المساعدة. كانت شيئًا آخر .. كانت شاهدة على جريمتها الخاصة، وحكمًا على نفسها، وجلادًا. لم تكن هناك دموع.
الكلمة خرجت منها بصعوبة.
كان هناك فقط برودة.
بل… استسلامًا.
نظرت إلى ليو. وجهه الذي كان قد استعاد بعضًا من إنسانيته بعد اعترافه، عاد ليتصلب. لم تكن نظرة لوم، بل نظرة … إدراك.
تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.
جحيم كل شخص هنا أعمق وأقذر مما كان يتخيل.
الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.
من التالي؟
حتى سام، الذي كان دائمًا صامتًا كتمثال، بدا وكأن عينيه قد اتسعت قليلاً.
سوف تتجاوزها.
“رنغ-رنغ-رنغ-!”
لم أشعر بالغضب. لم أشعر بالاشمئزاز.
نظرت إلى ليو. وجهه الذي كان قد استعاد بعضًا من إنسانيته بعد اعترافه، عاد ليتصلب. لم تكن نظرة لوم، بل نظرة … إدراك.
شعرت بشيء أقرب إلى … تفهم بارد ومقيت.
وضعت يدها بكتفها بتوتر.
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
‘لقد اختارت نفسها.’ فكرت، والسخرية في عقلي كانت مرة كالعلقم.
جحيم كل شخص هنا أعمق وأقذر مما كان يتخيل.
في لحظة الاختيار بين ألمها وحياة صديقتها، اختارت أن توقف ألمها .. من منا لن يفعل؟
“لماذا هي صامتة طوال الوقت؟ غريبة الأطوار.”
الحقيقة هي أن البطولة شيء نقرأ عنه في القصص.
لم أشعر بالغضب. لم أشعر بالاشمئزاز.
الصدى الأول: من سطح مبنى مهجور.
في الواقع، نحن مجرد حيوانات أنانية تحاول يائسة تقليل معاناتها. نور لم تكن وحشًا .. كانت فقط … إنسانًا بشكل مخيب للآمال.
مرت “سارة” وطاولتها، الفتاة الأكثر شعبية في صفنا.
حدقت فينا، ونظرتها كانت حادة كشظية زجاج.
ليس خوفًا. ليس يأسًا.
“أنا لا أخاف من هذا المكان. أنا أخاف من أن يأتي اليوم الذي سأضطر فيه للاختيار مرة أخرى … لأنني أعرف أنني سأختار نفسي دائمًا. سأختار دائمًا أن أكون جبانة.”
دفعت مهارتي عبر المدينة، متجاهلة صراخ جسدي.
في تلك اللحظة، الصرخة في لوحتها لم تعد صامتة.
حتى سام، الذي كان دائمًا صامتًا كتمثال، بدا وكأن عينيه قد اتسعت قليلاً.
“لقد فات الأوان.”
“كيااااااااااااااااااااا !!!!”
لجزء من الثانية، تردد صدى حقيقي في الرواق صرخة يأس نقي، مليئة بالاشمئزاز من الذات، جعلت الهواء يهتز.
والصمت الذي يأتي بعدها، وهو صمت مؤلم، ليس فراغًا، بل ضجيجًا أبيض، مليء بطنين من الأصداء التي لا معنى لها والتي تخدش جدران عقلي الداخلية.
شعرت بها في عظامي.
ماذا يمكن أن يقال؟ “أنا آسف”؟ “أتفهم”؟
ثم، تغيرت اللوحة.
“أسف ..”
الوجه المذعور اختفى. والصرخة تلاشت.
الصدى الثاني: من محطة الحافلات القديمة على الطريق السريع.
بدلاً من ذلك، ظهرت صورة جديدة.
“هل تأكل على الإطلاق؟ تبدو كشبح.”
شعرت بشيء أقرب إلى … تفهم بارد ومقيت.
فتاة تقف في الظلام، ويداها تغطيان أذنيها بقوة .. ليس لمنع الصوت من الدخول، بل لمنع الحقيقة من الخروج.
حولها، كانت هناك ظلال باهتة، أصداء لأماكن وأشخاص، لكنها كانت تدير ظهرها لهم جميعًا.
لم تكن لوحة لبطلة أو شريرة. كانت لوحة لشخص محطم، يعيش مع عواقب خيار واحد.
لم يتكلم أحد.
صمت.
في ذالك اليوم إيلينا أدركت إن حتى عالمها الجميل يمكن أن يدنس ويرمى في القمامة بسهولة.
ماذا يمكن أن يقال؟ “أنا آسف”؟ “أتفهم”؟
كل الكلمات بدت رخيصة ومجوفة أمام حقيقة قبيحة كهذه.
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
التفتنا جميعًا لننظر إلى لوحة الفتاة الصغيرة. الشاهد الصامت على كل اعترافاتنا.
لجزء من الثانية، تردد صدى حقيقي في الرواق صرخة يأس نقي، مليئة بالاشمئزاز من الذات، جعلت الهواء يهتز.
تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.
تجمدت في مكانها، كأن عمودًا فقريًا من الجليد قد تشكل في ظهرها.
صمت.
ببطء، أشارت نحو آخر لوحة متبقية.
بحثت عن صدى الورق، عن صدى أقلام الرصاص.
لوحة سام أوينز.
نظرت إلى ليو. وجهه الذي كان قد استعاد بعضًا من إنسانيته بعد اعترافه، عاد ليتصلب. لم تكن نظرة لوم، بل نظرة … إدراك.
ذلك الوجه الهادئ والبارد، الذي كان يبدو كبحيرة متجمدة.
جحيم كل شخص هنا أعمق وأقذر مما كان يتخيل.
لكن الآن، الشقوق الدقيقة التي كانت عليه بدأت تتسع، كأن الجليد على وشك التحطم.
لم أشعر بالغضب. لم أشعر بالاشمئزاز.
في الواقع، نحن مجرد حيوانات أنانية تحاول يائسة تقليل معاناتها. نور لم تكن وحشًا .. كانت فقط … إنسانًا بشكل مخيب للآمال.
التفت سام ببطء، وكأن حركته كانت مؤلمة. نظر إلى لوحته، ثم نظر إلينا.
بحثت عن صدى الورق، عن صدى أقلام الرصاص.
ولأول مرة منذ أن دخلنا هذا الطابق، رأيت شيئًا في عينيه.
ثم، تحركت .. يد الفتاة الصغيرة في لوحتها الأصلية.
ليس خوفًا. ليس يأسًا.
الصمت الذي يسبق استخدام مهارتي، وهو صمت هادئ مليء بالترقب، كهدوء سطح بحيرة قبل سقوط حجر.
بل… استسلامًا.
الكلمة خرجت منها بصعوبة.
“اغغ !” وضعت يدي في فمي.
استسلام شخص كان ينتظر دوره طوال هذا الوقت.
العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.
****
ضحك أصدقاؤها.
العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.
لم تعد مجرد كلمات. أصبحت أفعالاً. بدأوا يأخذون أغراضها، يسكبون المشروبات على كتبها “عن طريق الخطأ”.
