مصعد بهو [14]
الهدوء الذي تبع اعتراف ليو كان ثقيلاً.
كانت ترسم عوالم خيالية، مخلوقات غريبة، وقلاعًا في السماء. كان هذا هو مهربها.
كان الهواء ثقيل، وكأنه دخان خانق.
أنا لم أعد هنا .. أنا هناك.
نظر ليو إلى لوحته الجديدة، وجه إنساني مرهق يحدق به.
كان يعلوه تعبير أرتياح خفيف، لكنه ارتياح شخص نجا من حريق ليجد أن منزله قد تحول إلى رماد.
رفعت رأسها، ونظرت إلينا بنظرة بائسة.
من التالي؟
كان يمكن سماع صوت أنفاسنا فقط في الرواق الطويل.
أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.
فكرت في استخدام مهارتي مرة أخرى. “لأرى” ما يحدث داخل منزلها. “لأسمع” ما تقوله والدتها.
اثنتان لا تزالان ترتديان أقنعتهما.
كانت محاصرة في كابوسها الخاص، ونحن مجرد متفرجين.
لم يكن صمت ترقب أو خوف. كان صمتًا لزجًا، ثقيلاً، مشبعًا برائحة خطيئة عمرها عام.
من التالي؟
ببطء، أشارت نحو آخر لوحة متبقية.
ثم، تحركت .. يد الفتاة الصغيرة في لوحتها الأصلية.
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
ببطء، تجاوزت لوحتي ولوحة ليو.
واستقرت وهي تشير بثبات نحو لوحة نور أكيم.
فكرت في استخدام مهارتي مرة أخرى. “لأرى” ما يحدث داخل منزلها. “لأسمع” ما تقوله والدتها.
ذلك الوجه المذعور، تلك ما بدأ انها صرخة صامتة محبوسة خلف طبقة من الطلاء.
“لا، هذا صعب …”
[بيب .. بيب ! ] أغلقت الخط.
الصمت الذي يسبق استخدام مهارتي، وهو صمت هادئ مليء بالترقب، كهدوء سطح بحيرة قبل سقوط حجر.
التفتنا جميعًا نحو نور.
تجمدت في مكانها، كأن عمودًا فقريًا من الجليد قد تشكل في ظهرها.
كانت هدفًا مثاليًا.
الهلع النقي شل حركتها. اتسعت عيناها، ورأيت انعكاس لوحتها فيها.
بدأت تتراجع خطوة، ثم أخرى، كحيوان محاصر.
“لا يهمني!”
“أسف ..”
عندما أحضرته لها، كان ممزقًا، وصفحاته ملطخة بالوحل والمياه القذرة. رسوماتها، عوالمها، كانت تنزف ألوانًا باهتة.
الكلمة خرجت منها بصعوبة.
عندما أحضرته لها، كان ممزقًا، وصفحاته ملطخة بالوحل والمياه القذرة. رسوماتها، عوالمها، كانت تنزف ألوانًا باهتة.
وضعت يدها بكتفها بتوتر.
“لا، هذا صعب …”
توقف كتفيها عن الارتجاف.
ليو، الذي كان لا يزال يتعافى من جلسته العلاجية القسرية، نظر إليها بنظرة معقدة.
تصاعدت القسوة …
“نور،” قال بهدوء، وصوته يحمل وزنًا جديدًا. “يبدو أن هذا هو الطريق الوحيد للخروج.”
“لا تفهمون!”
” لن أسامح نفسي”
كنت أحاول التركيز على طعامي، متجاهلة الصداع الذي بدأ ينبض في صدغي.
صرخة مكتومة خرجت منها، ممزوجة بالخوف .. اهتز جسدها بالكامل.
لم تكن لوحة لبطلة أو شريرة. كانت لوحة لشخص محطم، يعيش مع عواقب خيار واحد.
” أمري صعب .. ليس مثلكم! إنه ليس حزنًا أو ضعفًا يمكن إصلاحه باعتراف نبيل!”
العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.
بدأت تهز رأسها بعنف، ونظرت للأسفل منزلة رأسها.
“إنه … قذارة. شيء لا يمكن قوله … لن أسامح نفسي.”
“هذا معقد،” قال ليو بعدم فهم.
كانت محاصرة في كابوسها الخاص، ونحن مجرد متفرجين.
الصرخة التي كان يجب أن أطلقها … حبست في حنجرتي.
كانا والديها منفصلين .. وكانت تعيش مع والدتها.
‘إنها خائفة.’ نظرت إليها بتفهم..
ماذا يكون سبب الخوف؟ …
الوجه المذعور اختفى. والصرخة تلاشت.
” لن أسامح نفسي”
انفجر الألم في رأسي !
كنت أحاول التركيز على طعامي، متجاهلة الصداع الذي بدأ ينبض في صدغي.
حدقت في لوحتها، في تلك الصرخة الصامتة، وكأنها ترى شبحًا تعرفه جيدًا.
‘تأنيب ضمير؟ .. هذا غير متوقع من فتاة مبهجة.’
في تلك اللحظة، الصرخة في لوحتها لم تعد صامتة.
وأخيرًا، وكأنها أدركت أنه لا مفر، توقفت عن التراجع.
جاءت إلي وهي تبكي، تبكي حقًا لأول مرة منذ سنوات.
توقف كتفيها عن الارتجاف.
أتذكر ذلك اليوم في الكافتيريا .. الضجيج كان لا يطاق، خليط من الضحك والصراخ وصوت الأطباق.
وحل محل كل ذلك هدوء …
شعرت بصلابة الخرسانة الباردة. مجرد لمسه جعل معدتي تتقلص …
اخترت راحتي على ألمها. كانت تلك هي الخيانة الأولى.
رفعت رأسها، ونظرت إلينا بنظرة بائسة.
“اغغ !” وضعت يدي في فمي.
الخط مات، وقطعة من روحي ماتت معه.
“حسنًا…” همست، والصوت كان باردًا.
أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.
“تريدون المعرفة؟ .. سأعطيكم ما تريدون.”
ثم، التقطت إشارتين .. إشارتين صديان منفصلان.
نظرت إلي سارة، ورفعت حاجبها. “أوه، انظروا، المحامية تتكلم. لماذا تدافعين دائمًا عن هذه الغريبة الأطوار، نور؟”
وجوه كنت قد نسيتها، أو بالأحرى، أجبرت نفسي على نسيانها.
****
لجزء من الثانية، تردد صدى حقيقي في الرواق صرخة يأس نقي، مليئة بالاشمئزاز من الذات، جعلت الهواء يهتز.
****
كان هناك فقط برودة.
فتحت نور عينيها، ولم تعد الفتاة الخجولة التي تحاول المساعدة. كانت شيئًا آخر .. كانت شاهدة على جريمتها الخاصة، وحكمًا على نفسها، وجلادًا. لم تكن هناك دموع.
قبل عام…
في الواقع، نحن مجرد حيوانات أنانية تحاول يائسة تقليل معاناتها. نور لم تكن وحشًا .. كانت فقط … إنسانًا بشكل مخيب للآمال.
لم أجد كلمات للرد. فتحت فمي، لكن لم يخرج شيء.
الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.
وجوه ليو وآدم وسام تلاشت، وتستبدل بوجوه أخرى.
كنت أسمعهم. مهارتي، حتى في حالتها البدائية، كانت تلتقط همساتهم من الجانب الآخر من الفصل، من نهاية الممر.
وجوه كنت قد نسيتها، أو بالأحرى، أجبرت نفسي على نسيانها.
“لا تفهمون!”
تصاعدت القسوة …
أنا لم أعد هنا .. أنا هناك.
***
ماذا يكون سبب الخوف؟ …
اثنتان لا تزالان ترتديان أقنعتهما.
“كيااااااااااااااااااااا !!!!”
مرت “سارة” وطاولتها، الفتاة الأكثر شعبية في صفنا.
في ذلك الخريف البارد، في السنة التي تغير فيها كل شيء.
“هل تأكل على الإطلاق؟ تبدو كشبح.”
كان هناك نوعان من الصمت في حياتي.
أغمضت عيني، واستدعيت اللعنة.
الصمت الذي يسبق استخدام مهارتي، وهو صمت هادئ مليء بالترقب، كهدوء سطح بحيرة قبل سقوط حجر.
الذعر كان كالصقيع، يجمد أطرافي.
كنا في الخامسة عشرة .. في ذلك العمر، العالم إما أبيض أو أسود، وأنت إما صديق أو عدو.
والصمت الذي يأتي بعدها، وهو صمت مؤلم، ليس فراغًا، بل ضجيجًا أبيض، مليء بطنين من الأصداء التي لا معنى لها والتي تخدش جدران عقلي الداخلية.
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
صوت شرطي بارد، ورسمي.
إيلينا صديقتي كانت الوحيدة التي تفهم كلا النوعين.
كان الهواء ثقيل، وكأنه دخان خانق.
كنا في الخامسة عشرة .. في ذلك العمر، العالم إما أبيض أو أسود، وأنت إما صديق أو عدو.
بالنسبة لإيلينا، كان العالم كله عدوًا.
كانت مثل زهرة شتوية رقيقة تتفتح في عاصفة ثلجية، جميلة بشكل مؤلم، ومحكوم عليها بالذبول.
قبل عام…
شعرها الأشقر الباهت كان يفتقر دائمًا إلى اللمعان، كأنه استسلم للشمس منذ زمن طويل. عيناها الواسعتان كانتا تحملان هموم أكبر من عمرها. وجسدها النحيل كان يبدو وكأنه سيتحطم مع أول هبة ريح قوية، كأنها لم تكن مصنوعة لهذا العالم القاسي.
كانت هدفًا مثاليًا.
واستقرت وهي تشير بثبات نحو لوحة نور أكيم.
الوحوش في مدرستنا لم يكونوا يرتدون أقنعة أو يحملون سكاكين. كانوا يرتدون ملابس عصرية، ويحملون هواتف باهظة الثمن، وأسلحتهم كانت كلماتهم.
الذعر كان كالصقيع، يجمد أطرافي.
كلمات كالزجاج المكسور، تقطع بعمق وتترك ندوبًا لا تراها العين، لكنها تنزف في الداخل.
بل… استسلامًا.
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
التفتنا جميعًا نحو نور.
“هل تأكل على الإطلاق؟ تبدو كشبح.”
“أسف ..”
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
“لماذا هي صامتة طوال الوقت؟ غريبة الأطوار.”
حاد، بارد، نظيف بشكل مرعب. شعرت بالرياح وهي تئن عبر الفراغ.
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
كنت أسمعهم. مهارتي، حتى في حالتها البدائية، كانت تلتقط همساتهم من الجانب الآخر من الفصل، من نهاية الممر.
‘لقد اختارت نفسها.’ فكرت، والسخرية في عقلي كانت مرة كالعلقم.
كنت أرى نظرات الازدراء، وأسمع الضحكات المكتومة.
“هل تأكل على الإطلاق؟ تبدو كشبح.”
حاد، بارد، نظيف بشكل مرعب. شعرت بالرياح وهي تئن عبر الفراغ.
كنت أشعر بثقل كلماتهم وهو يهبط على كتفي إيلينا المنحنيين. كنت أشعر بالغضب يغلي في داخلي، حارقًا، عاجزًا.
أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.
لكنني كنت أتجمد. كنت أقف هناك، والكلمات تموت في حنجرتي.
لم يكن صمت ترقب أو خوف. كان صمتًا لزجًا، ثقيلاً، مشبعًا برائحة خطيئة عمرها عام.
كنت جبانة.
أتذكر ذلك اليوم في الكافتيريا .. الضجيج كان لا يطاق، خليط من الضحك والصراخ وصوت الأطباق.
وحل محل كل ذلك هدوء …
كنت أحاول التركيز على طعامي، متجاهلة الصداع الذي بدأ ينبض في صدغي.
كانت إيلينا تجلس أمامي، تأكل بصمت، وكتفاها منحنيان قليلاً، كأنها تحاول أن تجعل نفسها أصغر، غير مرئية.
كان الهواء ثقيل، وكأنه دخان خانق.
لكنهم رأوها. إنهم دائمًا يرونها.
وجوه ليو وآدم وسام تلاشت، وتستبدل بوجوه أخرى.
مرت “سارة” وطاولتها، الفتاة الأكثر شعبية في صفنا.
ببطء، أشارت نحو آخر لوحة متبقية.
توقفت، ونظرت إلى طبق إيلينا بنظرة اشمئزاز.
انفجر الألم في رأسي !
شعرت بشيء أقرب إلى … تفهم بارد ومقيت.
“أوه، إيلينا، هل تأكلين هذا حقًا؟” قالت بصوت عالٍ بما يكفي ليلتفت الجميع. “لا عجب أن بشرتك تبدو … هكذا.”
لكنني لم أفعل.
ضحك أصدقاؤها.
الهدوء الذي تبع اعتراف ليو كان ثقيلاً.
كانت إيلينا تجلس أمامي، تأكل بصمت، وكتفاها منحنيان قليلاً، كأنها تحاول أن تجعل نفسها أصغر، غير مرئية.
شعرت بالدم يغلي في عروقي. نظرت إلى إيلينا، ورأيتها تنكمش أكثر في مقعدها، ووجها يحمر.
“اتركيها وشأنها، سارة،” قلت بصوت خافت، بالكاد كان مسموعًا.
كنت خائفة .. خائفة مما قد أجده.
نظرت إلي سارة، ورفعت حاجبها. “أوه، انظروا، المحامية تتكلم. لماذا تدافعين دائمًا عن هذه الغريبة الأطوار، نور؟”
لم أجد كلمات للرد. فتحت فمي، لكن لم يخرج شيء.
لقد تجمدت.
هي بالتأكيد ستذهب للقطار .. هل تتسوق؟
مرت “سارة” وطاولتها، الفتاة الأكثر شعبية في صفنا.
ضحكت سارة مرة أخرى، ثم مضت في طريقها.
في تلك الليلة، على سطح مبنانا السكني، تحت الأضواء البرتقالية الباهتة للمدينة، كانت إيلينا ترسم في دفترها.
كنت أسمعهم. مهارتي، حتى في حالتها البدائية، كانت تلتقط همساتهم من الجانب الآخر من الفصل، من نهاية الممر.
كانت ترسم عوالم خيالية، مخلوقات غريبة، وقلاعًا في السماء. كان هذا هو مهربها.
***
كان دفتر الرسم هو درعها، وروحها، والمكان الوحيد الذي لم يتمكن أحد من إيذائها فيه.
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
بعد ساعة، رن هاتفي.
“لم أكن أعرف ماذا أقول،” اعترفت، وشعرت بالخجل يحرقني.
منذ ذلك اليوم، توقفت عن الرسم .. والضوء في عينيها بدأ يخفت.
ماذا يمكن أن يقال؟ “أنا آسف”؟ “أتفهم”؟
“أنت دائمًا هكذا،” قالت، وهذه المرة، كان هناك أثر من الخيبة في صوتها. “أنتي ترين كل شيء، نور. لكنك لا تنظرين حقًا.”
بل… استسلامًا.
في لحظة الاختيار بين ألمها وحياة صديقتها، اختارت أن توقف ألمها .. من منا لن يفعل؟
إيلينا صديقتي كانت الوحيدة التي تفهم كلا النوعين.
الوجه المذعور اختفى. والصرخة تلاشت.
تصاعدت القسوة …
لم يكن صمت ترقب أو خوف. كان صمتًا لزجًا، ثقيلاً، مشبعًا برائحة خطيئة عمرها عام.
لم تعد مجرد كلمات. أصبحت أفعالاً. بدأوا يأخذون أغراضها، يسكبون المشروبات على كتبها “عن طريق الخطأ”.
وفي أسوأ يوم على الإطلاق، اليوم الذي كسر شيئًا ما بداخلها إلى الأبد، سرقوا دفتر الرسم الخاص بها.
ببطء، أشارت نحو آخر لوحة متبقية.
جاءت إلي وهي تبكي، تبكي حقًا لأول مرة منذ سنوات.
الألم كان كالبركان على الدماغ .. شعرت وكأن شيئًا ما يتمزق داخل جمجمتي.
دموع حقيقية، حارة. “لقد أخذوه، نور. هدية أخي الصغير.”
في تلك اللحظة، شعرت بموجة من الغضب تتغلب على خوفي. “سأجده لك،” قلت بحزم.
ليو، الذي كان لا يزال يتعافى من جلسته العلاجية القسرية، نظر إليها بنظرة معقدة.
“سأستخدم مهارتي.”
إيلينا صديقتي كانت الوحيدة التي تفهم كلا النوعين.
في تلك الفترة كانت مهارتي قد أستيقظت لتو ولم تكن مستقرة.
بالنسبة لإيلينا، كان العالم كله عدوًا.
“لا،” قالت وهي تمسك بذراعي. “إنه يؤلمك.”
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
بعد ساعة، رن هاتفي.
أتذكر ذلك اليوم في الكافتيريا .. الضجيج كان لا يطاق، خليط من الضحك والصراخ وصوت الأطباق.
“لا يهمني!”
انفجر الألم في رأسي !
أغمضت عيني، واستدعيت اللعنة.
نظرت إلى الخيارين في عقلي.
انفجر الألم في رأسي !
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
***
“اغغ !” وضعت يدي في فمي.
“لا،” قالت وهي تمسك بذراعي. “إنه يؤلمك.”
لكنني كنت أتجمد. كنت أقف هناك، والكلمات تموت في حنجرتي.
لكن الآن، الشقوق الدقيقة التي كانت عليه بدأت تتسع، كأن الجليد على وشك التحطم.
ضجيج أبيض، طنين حاد .. لكنني تجاهلته.
****
بحثت عن صدى الورق، عن صدى أقلام الرصاص.
اثنتان لا تزالان ترتديان أقنعتهما.
وفي النهاية وجدته.
****
كان خلف صالة الألعاب الرياضية، ملقى في بركة من الوحل بجوار حاويات القمامة.
كانا والديها منفصلين .. وكانت تعيش مع والدتها.
عندما أحضرته لها، كان ممزقًا، وصفحاته ملطخة بالوحل والمياه القذرة. رسوماتها، عوالمها، كانت تنزف ألوانًا باهتة.
وأخيرًا، وكأنها أدركت أنه لا مفر، توقفت عن التراجع.
نظرت إليه، ثم نظرت إلي .. وفي عينيها لم يكن هناك امتنان. كان هناك فقط … أبتسامة خافتة.
وحل محل كل ذلك هدوء …
في ذالك اليوم إيلينا أدركت إن حتى عالمها الجميل يمكن أن يدنس ويرمى في القمامة بسهولة.
“هل تأكل على الإطلاق؟ تبدو كشبح.”
منذ ذلك اليوم، توقفت عن الرسم .. والضوء في عينيها بدأ يخفت.
[سأذهب لمكان يمكنني أن أرتاح به قليلًا.]
كنت أراها تتلاشى يومًا بعد يوم. كنت أرى الظلال تحت عينيها تزداد قتامة.
حولها، كانت هناك ظلال باهتة، أصداء لأماكن وأشخاص، لكنها كانت تدير ظهرها لهم جميعًا.
كانت إيلينا تجلس أمامي، تأكل بصمت، وكتفاها منحنيان قليلاً، كأنها تحاول أن تجعل نفسها أصغر، غير مرئية.
فكرت في استخدام مهارتي مرة أخرى. “لأرى” ما يحدث داخل منزلها. “لأسمع” ما تقوله والدتها.
هي بالتأكيد ستذهب للقطار .. هل تتسوق؟
لكنني لم أفعل.
كنت خائفة .. خائفة مما قد أجده.
في لحظة الاختيار بين ألمها وحياة صديقتها، اختارت أن توقف ألمها .. من منا لن يفعل؟
كانا والديها منفصلين .. وكانت تعيش مع والدتها.
هي بالتأكيد ستذهب للقطار .. هل تتسوق؟
شعرت بالدم يغلي في عروقي. نظرت إلى إيلينا، ورأيتها تنكمش أكثر في مقعدها، ووجها يحمر.
كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.
أغمضت عيني، واستدعيت مهارتي بكل ما أوتيت من قوة.
‘إنها مجرد فترة صعبة،’ كذبت على نفسي.
شعرت بصلابة الخرسانة الباردة. مجرد لمسه جعل معدتي تتقلص …
سوف تتجاوزها.
***
اخترت راحتي على ألمها. كانت تلك هي الخيانة الأولى.
“تريدون المعرفة؟ .. سأعطيكم ما تريدون.”
ثم جاءت تلك الليلة.
في تلك اللحظة، الصرخة في لوحتها لم تعد صامتة.
صوتها في الهاتف، هادئ بشكل مريب.
كانت محاصرة في كابوسها الخاص، ونحن مجرد متفرجين.
[سأذهب لمكان يمكنني أن أرتاح به قليلًا.]
“تريدون المعرفة؟ .. سأعطيكم ما تريدون.”
[بيب .. بيب ! ] أغلقت الخط.
“لا، هذا صعب …”
صمت.
أغمضت عيني، واستدعيت مهارتي بكل ما أوتيت من قوة.
ضحك أصدقاؤها.
الخط مات، وقطعة من روحي ماتت معه.
الذعر كان كالصقيع، يجمد أطرافي.
أغمضت عيني، واستدعيت مهارتي بكل ما أوتيت من قوة.
الألم كان كالبركان على الدماغ .. شعرت وكأن شيئًا ما يتمزق داخل جمجمتي.
طعم الدم والكهرباء ملأ فمي .. العالم من حولي لم يعد موجودًا، فقط محيط هائج من الأصداء الصارخة.
ليس خوفًا. ليس يأسًا.
ثم، تغيرت اللوحة.
“أين أنت .. أرجوك ..”
ببطء، تجاوزت لوحتي ولوحة ليو.
“وجدناها … لقد قفزت من مبنى المنسوجات المتخلي عنه.”
دفعت مهارتي عبر المدينة، متجاهلة صراخ جسدي.
ضحك أصدقاؤها.
ثم، التقطت إشارتين .. إشارتين صديان منفصلان.
“سأستخدم مهارتي.”
الصدى الأول: من سطح مبنى مهجور.
أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
حاد، بارد، نظيف بشكل مرعب. شعرت بالرياح وهي تئن عبر الفراغ.
الصدى الأول: من سطح مبنى مهجور.
أغمضت عيني، واستدعيت مهارتي بكل ما أوتيت من قوة.
شعرت بصلابة الخرسانة الباردة. مجرد لمسه جعل معدتي تتقلص …
الصدى الثاني: من محطة الحافلات القديمة على الطريق السريع.
***
فوضوي، مليء بضجيج المحركات، باهت، ومشوش. لكنه كان … محتملًا. لم يكن يمزق رأسي بنفس القسوة.
بالنسبة لإيلينا، كان العالم كله عدوًا.
اين ستذهب يا ترى ؟ … في الأساس لماذا ستذهب لسطح مهجور.
بدأت تتراجع خطوة، ثم أخرى، كحيوان محاصر.
نظرت إلى الخيارين في عقلي.
صمت.
كان الهواء ثقيل، وكأنه دخان خانق.
واتخذت قراري .. اخترت نفسي.
منذ ذلك اليوم، توقفت عن الرسم .. والضوء في عينيها بدأ يخفت.
هي بالتأكيد ستذهب للقطار .. هل تتسوق؟
“لا تفهمون!”
تشكلت كذبة على شفتي. سم اخترت أن أبصقه لأنقذ نفسي.
توقف كتفيها عن الارتجاف.
بدلاً من ذلك، ظهرت صورة جديدة.
“إنها في محطة الحافلات!” قلت لوالدة إيلينا عبر الهاتف، وصوتي كان ثابتًا بشكل مرعب، ثابتًا بأنانية.
“أنا متأكدة. لقد رأيتها …”
“لقد فات الأوان.”
جلست في ظلام غرفتي، وتلاشى الألم في رأسي ببطء.
أغمضت عيني، واستدعيت مهارتي بكل ما أوتيت من قوة.
اخترت راحتي على ألمها. كانت تلك هي الخيانة الأولى.
شعرت بالراحة. راحة قذرة، ولزجة، لكنها كانت راحة.
شعرت بها في عظامي.
“رنغ-رنغ-رنغ-!”
وحل محل كل ذلك هدوء …
بعد ساعة، رن هاتفي.
“أنا متأكدة. لقد رأيتها …”
صوت شرطي بارد، ورسمي.
“وجدناها … لقد قفزت من مبنى المنسوجات المتخلي عنه.”
“اتركيها وشأنها، سارة،” قلت بصوت خافت، بالكاد كان مسموعًا.
صمت.
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
“إنه … قذارة. شيء لا يمكن قوله … لن أسامح نفسي.”
“لقد فات الأوان.”
ولأول مرة منذ أن دخلنا هذا الطابق، رأيت شيئًا في عينيه.
في تلك اللحظة، لم أبكي .. لم أصرخ.
***
شيء ما في داخلي تجمد وأصبح صامتًا إلى الأبد.
الصرخة التي كان يجب أن أطلقها … حبست في حنجرتي.
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
شعرت بصلابة الخرسانة الباردة. مجرد لمسه جعل معدتي تتقلص …
كان دفتر الرسم هو درعها، وروحها، والمكان الوحيد الذي لم يتمكن أحد من إيذائها فيه.
***
الألم كان كالبركان على الدماغ .. شعرت وكأن شيئًا ما يتمزق داخل جمجمتي.
***
***
بل… استسلامًا.
[سأذهب لمكان يمكنني أن أرتاح به قليلًا.]
الصمت الذي تبع نهاية قصة نور كان مختلفًا.
العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.
لم يكن صمت ترقب أو خوف. كان صمتًا لزجًا، ثقيلاً، مشبعًا برائحة خطيئة عمرها عام.
الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.
****
فتحت نور عينيها، ولم تعد الفتاة الخجولة التي تحاول المساعدة. كانت شيئًا آخر .. كانت شاهدة على جريمتها الخاصة، وحكمًا على نفسها، وجلادًا. لم تكن هناك دموع.
كان هناك فقط برودة.
نظرت إلى ليو. وجهه الذي كان قد استعاد بعضًا من إنسانيته بعد اعترافه، عاد ليتصلب. لم تكن نظرة لوم، بل نظرة … إدراك.
جحيم كل شخص هنا أعمق وأقذر مما كان يتخيل.
“أنا لا أخاف من هذا المكان. أنا أخاف من أن يأتي اليوم الذي سأضطر فيه للاختيار مرة أخرى … لأنني أعرف أنني سأختار نفسي دائمًا. سأختار دائمًا أن أكون جبانة.”
بدأت تتراجع خطوة، ثم أخرى، كحيوان محاصر.
أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.
حتى سام، الذي كان دائمًا صامتًا كتمثال، بدا وكأن عينيه قد اتسعت قليلاً.
وفي أسوأ يوم على الإطلاق، اليوم الذي كسر شيئًا ما بداخلها إلى الأبد، سرقوا دفتر الرسم الخاص بها.
بدأت تهز رأسها بعنف، ونظرت للأسفل منزلة رأسها.
بعد ساعة، رن هاتفي.
لم أشعر بالغضب. لم أشعر بالاشمئزاز.
كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.
شعرت بشيء أقرب إلى … تفهم بارد ومقيت.
‘لقد اختارت نفسها.’ فكرت، والسخرية في عقلي كانت مرة كالعلقم.
واتخذت قراري .. اخترت نفسي.
بدأت تهز رأسها بعنف، ونظرت للأسفل منزلة رأسها.
في لحظة الاختيار بين ألمها وحياة صديقتها، اختارت أن توقف ألمها .. من منا لن يفعل؟
الحقيقة هي أن البطولة شيء نقرأ عنه في القصص.
في الواقع، نحن مجرد حيوانات أنانية تحاول يائسة تقليل معاناتها. نور لم تكن وحشًا .. كانت فقط … إنسانًا بشكل مخيب للآمال.
“أسف ..”
حدقت فينا، ونظرتها كانت حادة كشظية زجاج.
“أنا لا أخاف من هذا المكان. أنا أخاف من أن يأتي اليوم الذي سأضطر فيه للاختيار مرة أخرى … لأنني أعرف أنني سأختار نفسي دائمًا. سأختار دائمًا أن أكون جبانة.”
في تلك اللحظة، الصرخة في لوحتها لم تعد صامتة.
كان يعلوه تعبير أرتياح خفيف، لكنه ارتياح شخص نجا من حريق ليجد أن منزله قد تحول إلى رماد.
جلست في ظلام غرفتي، وتلاشى الألم في رأسي ببطء.
ثم، تغيرت اللوحة.
“كيااااااااااااااااااااا !!!!”
“لقد فات الأوان.”
لجزء من الثانية، تردد صدى حقيقي في الرواق صرخة يأس نقي، مليئة بالاشمئزاز من الذات، جعلت الهواء يهتز.
رفعت رأسها، ونظرت إلينا بنظرة بائسة.
***
شعرت بها في عظامي.
ثم، تغيرت اللوحة.
استسلام شخص كان ينتظر دوره طوال هذا الوقت.
الوجه المذعور اختفى. والصرخة تلاشت.
بدلاً من ذلك، ظهرت صورة جديدة.
فتاة تقف في الظلام، ويداها تغطيان أذنيها بقوة .. ليس لمنع الصوت من الدخول، بل لمنع الحقيقة من الخروج.
حولها، كانت هناك ظلال باهتة، أصداء لأماكن وأشخاص، لكنها كانت تدير ظهرها لهم جميعًا.
نظرت إلى ليو. وجهه الذي كان قد استعاد بعضًا من إنسانيته بعد اعترافه، عاد ليتصلب. لم تكن نظرة لوم، بل نظرة … إدراك.
لم تكن لوحة لبطلة أو شريرة. كانت لوحة لشخص محطم، يعيش مع عواقب خيار واحد.
لم يتكلم أحد.
حولها، كانت هناك ظلال باهتة، أصداء لأماكن وأشخاص، لكنها كانت تدير ظهرها لهم جميعًا.
لكنني كنت أتجمد. كنت أقف هناك، والكلمات تموت في حنجرتي.
ماذا يمكن أن يقال؟ “أنا آسف”؟ “أتفهم”؟
لكنهم رأوها. إنهم دائمًا يرونها.
كل الكلمات بدت رخيصة ومجوفة أمام حقيقة قبيحة كهذه.
التفتنا جميعًا لننظر إلى لوحة الفتاة الصغيرة. الشاهد الصامت على كل اعترافاتنا.
الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.
تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.
ببطء، أشارت نحو آخر لوحة متبقية.
توقف كتفيها عن الارتجاف.
لوحة سام أوينز.
لم تكن لوحة لبطلة أو شريرة. كانت لوحة لشخص محطم، يعيش مع عواقب خيار واحد.
توقف كتفيها عن الارتجاف.
ذلك الوجه الهادئ والبارد، الذي كان يبدو كبحيرة متجمدة.
كنت جبانة.
لكن الآن، الشقوق الدقيقة التي كانت عليه بدأت تتسع، كأن الجليد على وشك التحطم.
طعم الدم والكهرباء ملأ فمي .. العالم من حولي لم يعد موجودًا، فقط محيط هائج من الأصداء الصارخة.
“أين أنت .. أرجوك ..”
التفت سام ببطء، وكأن حركته كانت مؤلمة. نظر إلى لوحته، ثم نظر إلينا.
ثم، تغيرت اللوحة.
ولأول مرة منذ أن دخلنا هذا الطابق، رأيت شيئًا في عينيه.
ليس خوفًا. ليس يأسًا.
بل… استسلامًا.
استسلام شخص كان ينتظر دوره طوال هذا الوقت.
كنت خائفة .. خائفة مما قد أجده.
***
****
كان هناك نوعان من الصمت في حياتي.
“لقد فات الأوان.”
العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.
