مصعد بهو [14]
الهدوء الذي تبع اعتراف ليو كان ثقيلاً.
كان الهواء ثقيل، وكأنه دخان خانق.
الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.
نظر ليو إلى لوحته الجديدة، وجه إنساني مرهق يحدق به.
كنت أرى نظرات الازدراء، وأسمع الضحكات المكتومة.
كان يعلوه تعبير أرتياح خفيف، لكنه ارتياح شخص نجا من حريق ليجد أن منزله قد تحول إلى رماد.
لكنني لم أفعل.
كان يمكن سماع صوت أنفاسنا فقط في الرواق الطويل.
أربعة أشخاص، أربع لوحات. اثنتان قد كشفتا عن حقيقتهما.
نظرت إليه، ثم نظرت إلي .. وفي عينيها لم يكن هناك امتنان. كان هناك فقط … أبتسامة خافتة.
اثنتان لا تزالان ترتديان أقنعتهما.
كان خلف صالة الألعاب الرياضية، ملقى في بركة من الوحل بجوار حاويات القمامة.
من التالي؟
ثم، تحركت .. يد الفتاة الصغيرة في لوحتها الأصلية.
ماذا يمكن أن يقال؟ “أنا آسف”؟ “أتفهم”؟
ببطء، تجاوزت لوحتي ولوحة ليو.
تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.
واستقرت وهي تشير بثبات نحو لوحة نور أكيم.
تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.
ذلك الوجه المذعور، تلك ما بدأ انها صرخة صامتة محبوسة خلف طبقة من الطلاء.
جاءت إلي وهي تبكي، تبكي حقًا لأول مرة منذ سنوات.
التفتنا جميعًا نحو نور.
الصدى الأول: من سطح مبنى مهجور.
تجمدت في مكانها، كأن عمودًا فقريًا من الجليد قد تشكل في ظهرها.
لم أشعر بالغضب. لم أشعر بالاشمئزاز.
الهلع النقي شل حركتها. اتسعت عيناها، ورأيت انعكاس لوحتها فيها.
بدأت تتراجع خطوة، ثم أخرى، كحيوان محاصر.
“حسنًا…” همست، والصوت كان باردًا.
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
“أسف ..”
الكلمة خرجت منها بصعوبة.
واتخذت قراري .. اخترت نفسي.
وضعت يدها بكتفها بتوتر.
“سأستخدم مهارتي.”
التفت سام ببطء، وكأن حركته كانت مؤلمة. نظر إلى لوحته، ثم نظر إلينا.
“لا، هذا صعب …”
“لا يهمني!”
وجوه كنت قد نسيتها، أو بالأحرى، أجبرت نفسي على نسيانها.
ليو، الذي كان لا يزال يتعافى من جلسته العلاجية القسرية، نظر إليها بنظرة معقدة.
الوحوش في مدرستنا لم يكونوا يرتدون أقنعة أو يحملون سكاكين. كانوا يرتدون ملابس عصرية، ويحملون هواتف باهظة الثمن، وأسلحتهم كانت كلماتهم.
“نور،” قال بهدوء، وصوته يحمل وزنًا جديدًا. “يبدو أن هذا هو الطريق الوحيد للخروج.”
لجزء من الثانية، تردد صدى حقيقي في الرواق صرخة يأس نقي، مليئة بالاشمئزاز من الذات، جعلت الهواء يهتز.
“لا تفهمون!”
نظرت إليه، ثم نظرت إلي .. وفي عينيها لم يكن هناك امتنان. كان هناك فقط … أبتسامة خافتة.
صرخة مكتومة خرجت منها، ممزوجة بالخوف .. اهتز جسدها بالكامل.
في تلك الليلة، على سطح مبنانا السكني، تحت الأضواء البرتقالية الباهتة للمدينة، كانت إيلينا ترسم في دفترها.
أتذكر ذلك اليوم في الكافتيريا .. الضجيج كان لا يطاق، خليط من الضحك والصراخ وصوت الأطباق.
” أمري صعب .. ليس مثلكم! إنه ليس حزنًا أو ضعفًا يمكن إصلاحه باعتراف نبيل!”
بدأت تهز رأسها بعنف، ونظرت للأسفل منزلة رأسها.
“إنه … قذارة. شيء لا يمكن قوله … لن أسامح نفسي.”
لكنني كنت أتجمد. كنت أقف هناك، والكلمات تموت في حنجرتي.
“أنا لا أخاف من هذا المكان. أنا أخاف من أن يأتي اليوم الذي سأضطر فيه للاختيار مرة أخرى … لأنني أعرف أنني سأختار نفسي دائمًا. سأختار دائمًا أن أكون جبانة.”
“هذا معقد،” قال ليو بعدم فهم.
“تريدون المعرفة؟ .. سأعطيكم ما تريدون.”
كانت محاصرة في كابوسها الخاص، ونحن مجرد متفرجين.
نظرت إلى ليو. وجهه الذي كان قد استعاد بعضًا من إنسانيته بعد اعترافه، عاد ليتصلب. لم تكن نظرة لوم، بل نظرة … إدراك.
الهدوء الذي تبع اعتراف ليو كان ثقيلاً.
‘إنها خائفة.’ نظرت إليها بتفهم..
جاءت إلي وهي تبكي، تبكي حقًا لأول مرة منذ سنوات.
ماذا يكون سبب الخوف؟ …
“هذا معقد،” قال ليو بعدم فهم.
” لن أسامح نفسي”
الصدى الأول: من سطح مبنى مهجور.
حدقت في لوحتها، في تلك الصرخة الصامتة، وكأنها ترى شبحًا تعرفه جيدًا.
‘تأنيب ضمير؟ .. هذا غير متوقع من فتاة مبهجة.’
“اتركيها وشأنها، سارة،” قلت بصوت خافت، بالكاد كان مسموعًا.
جحيم كل شخص هنا أعمق وأقذر مما كان يتخيل.
وأخيرًا، وكأنها أدركت أنه لا مفر، توقفت عن التراجع.
توقف كتفيها عن الارتجاف.
وفي أسوأ يوم على الإطلاق، اليوم الذي كسر شيئًا ما بداخلها إلى الأبد، سرقوا دفتر الرسم الخاص بها.
كانت هدفًا مثاليًا.
وحل محل كل ذلك هدوء …
“اغغ !” وضعت يدي في فمي.
رفعت رأسها، ونظرت إلينا بنظرة بائسة.
الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.
“حسنًا…” همست، والصوت كان باردًا.
لوحة سام أوينز.
“تريدون المعرفة؟ .. سأعطيكم ما تريدون.”
كلمات كالزجاج المكسور، تقطع بعمق وتترك ندوبًا لا تراها العين، لكنها تنزف في الداخل.
[بيب .. بيب ! ] أغلقت الخط.
صمت.
شعرها الأشقر الباهت كان يفتقر دائمًا إلى اللمعان، كأنه استسلم للشمس منذ زمن طويل. عيناها الواسعتان كانتا تحملان هموم أكبر من عمرها. وجسدها النحيل كان يبدو وكأنه سيتحطم مع أول هبة ريح قوية، كأنها لم تكن مصنوعة لهذا العالم القاسي.
****
بدأت تهز رأسها بعنف، ونظرت للأسفل منزلة رأسها.
****
“لا تفهمون!”
قبل عام…
كان يمكن سماع صوت أنفاسنا فقط في الرواق الطويل.
الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.
وجوه ليو وآدم وسام تلاشت، وتستبدل بوجوه أخرى.
كان دفتر الرسم هو درعها، وروحها، والمكان الوحيد الذي لم يتمكن أحد من إيذائها فيه.
كان دفتر الرسم هو درعها، وروحها، والمكان الوحيد الذي لم يتمكن أحد من إيذائها فيه.
وجوه كنت قد نسيتها، أو بالأحرى، أجبرت نفسي على نسيانها.
أنا لم أعد هنا .. أنا هناك.
الوجه المذعور اختفى. والصرخة تلاشت.
***
شعرها الأشقر الباهت كان يفتقر دائمًا إلى اللمعان، كأنه استسلم للشمس منذ زمن طويل. عيناها الواسعتان كانتا تحملان هموم أكبر من عمرها. وجسدها النحيل كان يبدو وكأنه سيتحطم مع أول هبة ريح قوية، كأنها لم تكن مصنوعة لهذا العالم القاسي.
في ذلك الخريف البارد، في السنة التي تغير فيها كل شيء.
رفعت رأسها، ونظرت إلينا بنظرة بائسة.
كان هناك نوعان من الصمت في حياتي.
الصمت الذي يسبق استخدام مهارتي، وهو صمت هادئ مليء بالترقب، كهدوء سطح بحيرة قبل سقوط حجر.
واستقرت وهي تشير بثبات نحو لوحة نور أكيم.
الوجه المذعور اختفى. والصرخة تلاشت.
والصمت الذي يأتي بعدها، وهو صمت مؤلم، ليس فراغًا، بل ضجيجًا أبيض، مليء بطنين من الأصداء التي لا معنى لها والتي تخدش جدران عقلي الداخلية.
إيلينا صديقتي كانت الوحيدة التي تفهم كلا النوعين.
الوحوش في مدرستنا لم يكونوا يرتدون أقنعة أو يحملون سكاكين. كانوا يرتدون ملابس عصرية، ويحملون هواتف باهظة الثمن، وأسلحتهم كانت كلماتهم.
ضحك أصدقاؤها.
كنا في الخامسة عشرة .. في ذلك العمر، العالم إما أبيض أو أسود، وأنت إما صديق أو عدو.
بالنسبة لإيلينا، كان العالم كله عدوًا.
كانت محاصرة في كابوسها الخاص، ونحن مجرد متفرجين.
هي بالتأكيد ستذهب للقطار .. هل تتسوق؟
كانت مثل زهرة شتوية رقيقة تتفتح في عاصفة ثلجية، جميلة بشكل مؤلم، ومحكوم عليها بالذبول.
حاد، بارد، نظيف بشكل مرعب. شعرت بالرياح وهي تئن عبر الفراغ.
شعرها الأشقر الباهت كان يفتقر دائمًا إلى اللمعان، كأنه استسلم للشمس منذ زمن طويل. عيناها الواسعتان كانتا تحملان هموم أكبر من عمرها. وجسدها النحيل كان يبدو وكأنه سيتحطم مع أول هبة ريح قوية، كأنها لم تكن مصنوعة لهذا العالم القاسي.
***
كانت هدفًا مثاليًا.
فتحت نور عينيها، ولم تعد الفتاة الخجولة التي تحاول المساعدة. كانت شيئًا آخر .. كانت شاهدة على جريمتها الخاصة، وحكمًا على نفسها، وجلادًا. لم تكن هناك دموع.
كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.
الوحوش في مدرستنا لم يكونوا يرتدون أقنعة أو يحملون سكاكين. كانوا يرتدون ملابس عصرية، ويحملون هواتف باهظة الثمن، وأسلحتهم كانت كلماتهم.
حولها، كانت هناك ظلال باهتة، أصداء لأماكن وأشخاص، لكنها كانت تدير ظهرها لهم جميعًا.
كلمات كالزجاج المكسور، تقطع بعمق وتترك ندوبًا لا تراها العين، لكنها تنزف في الداخل.
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
“هل تأكل على الإطلاق؟ تبدو كشبح.”
ولأول مرة منذ أن دخلنا هذا الطابق، رأيت شيئًا في عينيه.
“لماذا هي صامتة طوال الوقت؟ غريبة الأطوار.”
“نور،” قال بهدوء، وصوته يحمل وزنًا جديدًا. “يبدو أن هذا هو الطريق الوحيد للخروج.”
كنت أسمعهم. مهارتي، حتى في حالتها البدائية، كانت تلتقط همساتهم من الجانب الآخر من الفصل، من نهاية الممر.
قبل عام…
كنت أرى نظرات الازدراء، وأسمع الضحكات المكتومة.
في ذلك الخريف البارد، في السنة التي تغير فيها كل شيء.
في تلك الفترة كانت مهارتي قد أستيقظت لتو ولم تكن مستقرة.
كنت أشعر بثقل كلماتهم وهو يهبط على كتفي إيلينا المنحنيين. كنت أشعر بالغضب يغلي في داخلي، حارقًا، عاجزًا.
لكنني كنت أتجمد. كنت أقف هناك، والكلمات تموت في حنجرتي.
صمت.
“أنا متأكدة. لقد رأيتها …”
كنت جبانة.
أتذكر ذلك اليوم في الكافتيريا .. الضجيج كان لا يطاق، خليط من الضحك والصراخ وصوت الأطباق.
“هل تأكل على الإطلاق؟ تبدو كشبح.”
كنت أحاول التركيز على طعامي، متجاهلة الصداع الذي بدأ ينبض في صدغي.
كانت إيلينا تجلس أمامي، تأكل بصمت، وكتفاها منحنيان قليلاً، كأنها تحاول أن تجعل نفسها أصغر، غير مرئية.
ضحك أصدقاؤها.
لكنهم رأوها. إنهم دائمًا يرونها.
مرت “سارة” وطاولتها، الفتاة الأكثر شعبية في صفنا.
جاءت إلي وهي تبكي، تبكي حقًا لأول مرة منذ سنوات.
توقفت، ونظرت إلى طبق إيلينا بنظرة اشمئزاز.
“أوه، إيلينا، هل تأكلين هذا حقًا؟” قالت بصوت عالٍ بما يكفي ليلتفت الجميع. “لا عجب أن بشرتك تبدو … هكذا.”
ضحك أصدقاؤها.
[بيب .. بيب ! ] أغلقت الخط.
شعرت بالدم يغلي في عروقي. نظرت إلى إيلينا، ورأيتها تنكمش أكثر في مقعدها، ووجها يحمر.
“اتركيها وشأنها، سارة،” قلت بصوت خافت، بالكاد كان مسموعًا.
نظرت إلي سارة، ورفعت حاجبها. “أوه، انظروا، المحامية تتكلم. لماذا تدافعين دائمًا عن هذه الغريبة الأطوار، نور؟”
“أوه، إيلينا، هل تأكلين هذا حقًا؟” قالت بصوت عالٍ بما يكفي ليلتفت الجميع. “لا عجب أن بشرتك تبدو … هكذا.”
لم أجد كلمات للرد. فتحت فمي، لكن لم يخرج شيء.
لقد تجمدت.
كانت ترسم عوالم خيالية، مخلوقات غريبة، وقلاعًا في السماء. كان هذا هو مهربها.
ضحكت سارة مرة أخرى، ثم مضت في طريقها.
في تلك الليلة، على سطح مبنانا السكني، تحت الأضواء البرتقالية الباهتة للمدينة، كانت إيلينا ترسم في دفترها.
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
كانت ترسم عوالم خيالية، مخلوقات غريبة، وقلاعًا في السماء. كان هذا هو مهربها.
“وجدناها … لقد قفزت من مبنى المنسوجات المتخلي عنه.”
كان دفتر الرسم هو درعها، وروحها، والمكان الوحيد الذي لم يتمكن أحد من إيذائها فيه.
دموع حقيقية، حارة. “لقد أخذوه، نور. هدية أخي الصغير.”
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
ثم، التقطت إشارتين .. إشارتين صديان منفصلان.
الألم كان كالبركان على الدماغ .. شعرت وكأن شيئًا ما يتمزق داخل جمجمتي.
“لم أكن أعرف ماذا أقول،” اعترفت، وشعرت بالخجل يحرقني.
“أنت دائمًا هكذا،” قالت، وهذه المرة، كان هناك أثر من الخيبة في صوتها. “أنتي ترين كل شيء، نور. لكنك لا تنظرين حقًا.”
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
أغمضت عيني، واستدعيت اللعنة.
تصاعدت القسوة …
اين ستذهب يا ترى ؟ … في الأساس لماذا ستذهب لسطح مهجور.
لم تعد مجرد كلمات. أصبحت أفعالاً. بدأوا يأخذون أغراضها، يسكبون المشروبات على كتبها “عن طريق الخطأ”.
“أنت دائمًا هكذا،” قالت، وهذه المرة، كان هناك أثر من الخيبة في صوتها. “أنتي ترين كل شيء، نور. لكنك لا تنظرين حقًا.”
وفي أسوأ يوم على الإطلاق، اليوم الذي كسر شيئًا ما بداخلها إلى الأبد، سرقوا دفتر الرسم الخاص بها.
كانت هدفًا مثاليًا.
جاءت إلي وهي تبكي، تبكي حقًا لأول مرة منذ سنوات.
من التالي؟
دموع حقيقية، حارة. “لقد أخذوه، نور. هدية أخي الصغير.”
“رنغ-رنغ-رنغ-!”
“اتركيها وشأنها، سارة،” قلت بصوت خافت، بالكاد كان مسموعًا.
في تلك اللحظة، شعرت بموجة من الغضب تتغلب على خوفي. “سأجده لك،” قلت بحزم.
في تلك الفترة كانت مهارتي قد أستيقظت لتو ولم تكن مستقرة.
“سأستخدم مهارتي.”
الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.
ماذا يمكن أن يقال؟ “أنا آسف”؟ “أتفهم”؟
في تلك الفترة كانت مهارتي قد أستيقظت لتو ولم تكن مستقرة.
“لا،” قالت وهي تمسك بذراعي. “إنه يؤلمك.”
تجمدت في مكانها، كأن عمودًا فقريًا من الجليد قد تشكل في ظهرها.
“لا يهمني!”
كان الهواء ثقيل، وكأنه دخان خانق.
أغمضت عيني، واستدعيت اللعنة.
في ذالك اليوم إيلينا أدركت إن حتى عالمها الجميل يمكن أن يدنس ويرمى في القمامة بسهولة.
انفجر الألم في رأسي !
***
الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.
“اغغ !” وضعت يدي في فمي.
تجمدت في مكانها، كأن عمودًا فقريًا من الجليد قد تشكل في ظهرها.
مرت “سارة” وطاولتها، الفتاة الأكثر شعبية في صفنا.
ضجيج أبيض، طنين حاد .. لكنني تجاهلته.
“اغغ !” وضعت يدي في فمي.
بحثت عن صدى الورق، عن صدى أقلام الرصاص.
شعرت بالراحة. راحة قذرة، ولزجة، لكنها كانت راحة.
صوتها في الهاتف، هادئ بشكل مريب.
وفي النهاية وجدته.
كان خلف صالة الألعاب الرياضية، ملقى في بركة من الوحل بجوار حاويات القمامة.
عندما أحضرته لها، كان ممزقًا، وصفحاته ملطخة بالوحل والمياه القذرة. رسوماتها، عوالمها، كانت تنزف ألوانًا باهتة.
واستقرت وهي تشير بثبات نحو لوحة نور أكيم.
‘تأنيب ضمير؟ .. هذا غير متوقع من فتاة مبهجة.’
“أسف ..”
نظرت إليه، ثم نظرت إلي .. وفي عينيها لم يكن هناك امتنان. كان هناك فقط … أبتسامة خافتة.
في ذالك اليوم إيلينا أدركت إن حتى عالمها الجميل يمكن أن يدنس ويرمى في القمامة بسهولة.
ثم، تحركت .. يد الفتاة الصغيرة في لوحتها الأصلية.
كان خلف صالة الألعاب الرياضية، ملقى في بركة من الوحل بجوار حاويات القمامة.
منذ ذلك اليوم، توقفت عن الرسم .. والضوء في عينيها بدأ يخفت.
ثم جاءت تلك الليلة.
كنت أراها تتلاشى يومًا بعد يوم. كنت أرى الظلال تحت عينيها تزداد قتامة.
‘لقد اختارت نفسها.’ فكرت، والسخرية في عقلي كانت مرة كالعلقم.
فكرت في استخدام مهارتي مرة أخرى. “لأرى” ما يحدث داخل منزلها. “لأسمع” ما تقوله والدتها.
شعرت بالراحة. راحة قذرة، ولزجة، لكنها كانت راحة.
في تلك الليلة، على سطح مبنانا السكني، تحت الأضواء البرتقالية الباهتة للمدينة، كانت إيلينا ترسم في دفترها.
لكنني لم أفعل.
الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.
كنت خائفة .. خائفة مما قد أجده.
كانا والديها منفصلين .. وكانت تعيش مع والدتها.
كنت أعرف بالفعل مهنة والدتها … كانت بائعة هوى .. عاهرة.
“أنت دائمًا هكذا،” قالت، وهذه المرة، كان هناك أثر من الخيبة في صوتها. “أنتي ترين كل شيء، نور. لكنك لا تنظرين حقًا.”
‘إنها مجرد فترة صعبة،’ كذبت على نفسي.
شعرت بشيء أقرب إلى … تفهم بارد ومقيت.
سوف تتجاوزها.
اخترت راحتي على ألمها. كانت تلك هي الخيانة الأولى.
ثم جاءت تلك الليلة.
حولها، كانت هناك ظلال باهتة، أصداء لأماكن وأشخاص، لكنها كانت تدير ظهرها لهم جميعًا.
صوتها في الهاتف، هادئ بشكل مريب.
***
[سأذهب لمكان يمكنني أن أرتاح به قليلًا.]
“إنه … قذارة. شيء لا يمكن قوله … لن أسامح نفسي.”
[بيب .. بيب ! ] أغلقت الخط.
صمت.
انفجر الألم في رأسي !
الخط مات، وقطعة من روحي ماتت معه.
أغمضت عيني، واستدعيت مهارتي بكل ما أوتيت من قوة.
الهلع النقي شل حركتها. اتسعت عيناها، ورأيت انعكاس لوحتها فيها.
الذعر كان كالصقيع، يجمد أطرافي.
كانت ترسم عوالم خيالية، مخلوقات غريبة، وقلاعًا في السماء. كان هذا هو مهربها.
أغمضت عيني، واستدعيت مهارتي بكل ما أوتيت من قوة.
“اتركيها وشأنها، سارة،” قلت بصوت خافت، بالكاد كان مسموعًا.
الألم كان كالبركان على الدماغ .. شعرت وكأن شيئًا ما يتمزق داخل جمجمتي.
الحقيقة هي أن البطولة شيء نقرأ عنه في القصص.
طعم الدم والكهرباء ملأ فمي .. العالم من حولي لم يعد موجودًا، فقط محيط هائج من الأصداء الصارخة.
جاءت إلي وهي تبكي، تبكي حقًا لأول مرة منذ سنوات.
“أين أنت .. أرجوك ..”
دفعت مهارتي عبر المدينة، متجاهلة صراخ جسدي.
ثم، التقطت إشارتين .. إشارتين صديان منفصلان.
الصدى الأول: من سطح مبنى مهجور.
ذلك الوجه الهادئ والبارد، الذي كان يبدو كبحيرة متجمدة.
وجوه كنت قد نسيتها، أو بالأحرى، أجبرت نفسي على نسيانها.
حاد، بارد، نظيف بشكل مرعب. شعرت بالرياح وهي تئن عبر الفراغ.
واتخذت قراري .. اخترت نفسي.
التفت سام ببطء، وكأن حركته كانت مؤلمة. نظر إلى لوحته، ثم نظر إلينا.
شعرت بصلابة الخرسانة الباردة. مجرد لمسه جعل معدتي تتقلص …
الصدى الثاني: من محطة الحافلات القديمة على الطريق السريع.
فوضوي، مليء بضجيج المحركات، باهت، ومشوش. لكنه كان … محتملًا. لم يكن يمزق رأسي بنفس القسوة.
اين ستذهب يا ترى ؟ … في الأساس لماذا ستذهب لسطح مهجور.
ذلك الوجه الهادئ والبارد، الذي كان يبدو كبحيرة متجمدة.
تشكلت كذبة على شفتي. سم اخترت أن أبصقه لأنقذ نفسي.
نظرت إلى الخيارين في عقلي.
“لا تفهمون!”
حدقت فينا، ونظرتها كانت حادة كشظية زجاج.
واتخذت قراري .. اخترت نفسي.
الصمت الذي تبع نهاية قصة نور كان مختلفًا.
ذلك الوجه الهادئ والبارد، الذي كان يبدو كبحيرة متجمدة.
هي بالتأكيد ستذهب للقطار .. هل تتسوق؟
في الواقع، نحن مجرد حيوانات أنانية تحاول يائسة تقليل معاناتها. نور لم تكن وحشًا .. كانت فقط … إنسانًا بشكل مخيب للآمال.
تشكلت كذبة على شفتي. سم اخترت أن أبصقه لأنقذ نفسي.
لم يتكلم أحد.
“إنها في محطة الحافلات!” قلت لوالدة إيلينا عبر الهاتف، وصوتي كان ثابتًا بشكل مرعب، ثابتًا بأنانية.
“أنا متأكدة. لقد رأيتها …”
****
نظرت إلى ليو. وجهه الذي كان قد استعاد بعضًا من إنسانيته بعد اعترافه، عاد ليتصلب. لم تكن نظرة لوم، بل نظرة … إدراك.
جلست في ظلام غرفتي، وتلاشى الألم في رأسي ببطء.
اثنتان لا تزالان ترتديان أقنعتهما.
شعرت بالراحة. راحة قذرة، ولزجة، لكنها كانت راحة.
كانت محاصرة في كابوسها الخاص، ونحن مجرد متفرجين.
“رنغ-رنغ-رنغ-!”
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
بعد ساعة، رن هاتفي.
صوت شرطي بارد، ورسمي.
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
“وجدناها … لقد قفزت من مبنى المنسوجات المتخلي عنه.”
دموع حقيقية، حارة. “لقد أخذوه، نور. هدية أخي الصغير.”
بدأت تهز رأسها بعنف، ونظرت للأسفل منزلة رأسها.
حدقت في لوحتها، في تلك الصرخة الصامتة، وكأنها ترى شبحًا تعرفه جيدًا.
صمت.
ضحك أصدقاؤها.
“لقد فات الأوان.”
بحثت عن صدى الورق، عن صدى أقلام الرصاص.
في تلك اللحظة، لم أبكي .. لم أصرخ.
شيء ما في داخلي تجمد وأصبح صامتًا إلى الأبد.
“تريدون المعرفة؟ .. سأعطيكم ما تريدون.”
الصرخة التي كان يجب أن أطلقها … حبست في حنجرتي.
كنت أراها تتلاشى يومًا بعد يوم. كنت أرى الظلال تحت عينيها تزداد قتامة.
وهي هناك، منذ ذلك اليوم
“اغغ !” وضعت يدي في فمي.
***
التفتنا جميعًا نحو نور.
***
***
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
الصمت الذي تبع نهاية قصة نور كان مختلفًا.
دموع حقيقية، حارة. “لقد أخذوه، نور. هدية أخي الصغير.”
أغمضت عيني، واستدعيت اللعنة.
لم يكن صمت ترقب أو خوف. كان صمتًا لزجًا، ثقيلاً، مشبعًا برائحة خطيئة عمرها عام.
لم تكن لوحة لبطلة أو شريرة. كانت لوحة لشخص محطم، يعيش مع عواقب خيار واحد.
الهواء نفسه في الرواق بدا وكأنه تعفن.
حتى سام، الذي كان دائمًا صامتًا كتمثال، بدا وكأن عينيه قد اتسعت قليلاً.
فتحت نور عينيها، ولم تعد الفتاة الخجولة التي تحاول المساعدة. كانت شيئًا آخر .. كانت شاهدة على جريمتها الخاصة، وحكمًا على نفسها، وجلادًا. لم تكن هناك دموع.
الوحوش في مدرستنا لم يكونوا يرتدون أقنعة أو يحملون سكاكين. كانوا يرتدون ملابس عصرية، ويحملون هواتف باهظة الثمن، وأسلحتهم كانت كلماتهم.
كان هناك فقط برودة.
نظرت إلى ليو. وجهه الذي كان قد استعاد بعضًا من إنسانيته بعد اعترافه، عاد ليتصلب. لم تكن نظرة لوم، بل نظرة … إدراك.
الألم كان كالبركان على الدماغ .. شعرت وكأن شيئًا ما يتمزق داخل جمجمتي.
جحيم كل شخص هنا أعمق وأقذر مما كان يتخيل.
***
حتى سام، الذي كان دائمًا صامتًا كتمثال، بدا وكأن عينيه قد اتسعت قليلاً.
“لماذا لم تقولي شيئًا أقوى؟” سألتني بصوت هادئ، دون أن ترفع عينيها عن الصفحة.
لم تكن لوحة لبطلة أو شريرة. كانت لوحة لشخص محطم، يعيش مع عواقب خيار واحد.
لم أشعر بالغضب. لم أشعر بالاشمئزاز.
التفت سام ببطء، وكأن حركته كانت مؤلمة. نظر إلى لوحته، ثم نظر إلينا.
كان هناك فقط برودة.
شعرت بشيء أقرب إلى … تفهم بارد ومقيت.
‘لقد اختارت نفسها.’ فكرت، والسخرية في عقلي كانت مرة كالعلقم.
في لحظة الاختيار بين ألمها وحياة صديقتها، اختارت أن توقف ألمها .. من منا لن يفعل؟
وجوه كنت قد نسيتها، أو بالأحرى، أجبرت نفسي على نسيانها.
الحقيقة هي أن البطولة شيء نقرأ عنه في القصص.
ماذا يمكن أن يقال؟ “أنا آسف”؟ “أتفهم”؟
في الواقع، نحن مجرد حيوانات أنانية تحاول يائسة تقليل معاناتها. نور لم تكن وحشًا .. كانت فقط … إنسانًا بشكل مخيب للآمال.
كنت أحاول التركيز على طعامي، متجاهلة الصداع الذي بدأ ينبض في صدغي.
حدقت فينا، ونظرتها كانت حادة كشظية زجاج.
“انظري إلى شعرها، كأنه قش ميت.”
“أنا لا أخاف من هذا المكان. أنا أخاف من أن يأتي اليوم الذي سأضطر فيه للاختيار مرة أخرى … لأنني أعرف أنني سأختار نفسي دائمًا. سأختار دائمًا أن أكون جبانة.”
فوضوي، مليء بضجيج المحركات، باهت، ومشوش. لكنه كان … محتملًا. لم يكن يمزق رأسي بنفس القسوة.
بدأت تهز رأسها بعنف، ونظرت للأسفل منزلة رأسها.
في تلك اللحظة، الصرخة في لوحتها لم تعد صامتة.
فوضوي، مليء بضجيج المحركات، باهت، ومشوش. لكنه كان … محتملًا. لم يكن يمزق رأسي بنفس القسوة.
“كيااااااااااااااااااااا !!!!”
‘تأنيب ضمير؟ .. هذا غير متوقع من فتاة مبهجة.’
لجزء من الثانية، تردد صدى حقيقي في الرواق صرخة يأس نقي، مليئة بالاشمئزاز من الذات، جعلت الهواء يهتز.
منذ ذلك اليوم، توقفت عن الرسم .. والضوء في عينيها بدأ يخفت.
‘لقد اختارت نفسها.’ فكرت، والسخرية في عقلي كانت مرة كالعلقم.
شعرت بها في عظامي.
ثم، تغيرت اللوحة.
لوحة سام أوينز.
الوجه المذعور اختفى. والصرخة تلاشت.
الصدى الأول: من سطح مبنى مهجور.
بدلاً من ذلك، ظهرت صورة جديدة.
فتاة تقف في الظلام، ويداها تغطيان أذنيها بقوة .. ليس لمنع الصوت من الدخول، بل لمنع الحقيقة من الخروج.
الصمت الذي يسبق استخدام مهارتي، وهو صمت هادئ مليء بالترقب، كهدوء سطح بحيرة قبل سقوط حجر.
حولها، كانت هناك ظلال باهتة، أصداء لأماكن وأشخاص، لكنها كانت تدير ظهرها لهم جميعًا.
“رنغ-رنغ-رنغ-!”
لم تكن لوحة لبطلة أو شريرة. كانت لوحة لشخص محطم، يعيش مع عواقب خيار واحد.
الكلمات خرجن مني كهمس، والجدران الحجرية للرواق بدأت في الذوبان.
لم يتكلم أحد.
ماذا يمكن أن يقال؟ “أنا آسف”؟ “أتفهم”؟
كل الكلمات بدت رخيصة ومجوفة أمام حقيقة قبيحة كهذه.
التفتنا جميعًا لننظر إلى لوحة الفتاة الصغيرة. الشاهد الصامت على كل اعترافاتنا.
تحركت يدها للمرة الأخيرة في هذه الجولة من التعذيب النفسي.
في لحظة الاختيار بين ألمها وحياة صديقتها، اختارت أن توقف ألمها .. من منا لن يفعل؟
ببطء، أشارت نحو آخر لوحة متبقية.
لوحة سام أوينز.
ذلك الوجه الهادئ والبارد، الذي كان يبدو كبحيرة متجمدة.
دموع حقيقية، حارة. “لقد أخذوه، نور. هدية أخي الصغير.”
لكن الآن، الشقوق الدقيقة التي كانت عليه بدأت تتسع، كأن الجليد على وشك التحطم.
التفت سام ببطء، وكأن حركته كانت مؤلمة. نظر إلى لوحته، ثم نظر إلينا.
كنت أسمعهم. مهارتي، حتى في حالتها البدائية، كانت تلتقط همساتهم من الجانب الآخر من الفصل، من نهاية الممر.
ولأول مرة منذ أن دخلنا هذا الطابق، رأيت شيئًا في عينيه.
“أسف ..”
ليس خوفًا. ليس يأسًا.
أنا لم أعد هنا .. أنا هناك.
“إنها في محطة الحافلات!” قلت لوالدة إيلينا عبر الهاتف، وصوتي كان ثابتًا بشكل مرعب، ثابتًا بأنانية.
بل… استسلامًا.
استسلام شخص كان ينتظر دوره طوال هذا الوقت.
حتى سام، الذي كان دائمًا صامتًا كتمثال، بدا وكأن عينيه قد اتسعت قليلاً.
كانت مثل زهرة شتوية رقيقة تتفتح في عاصفة ثلجية، جميلة بشكل مؤلم، ومحكوم عليها بالذبول.
العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.
****
انفجر الألم في رأسي !
العلقم هو ما يطلق على نبات شديد المرارة.
