أرحل عن قصري
لاحظ ملفاً آخر على الحاسوب كان موضوعاً في موضع بارز جداً. بجانب الحاسوب وجد هاتفاً محمولاً ودمية بومة معدنية ميكانيكية بساق واحدة وجناح واحد، وبعض وثائق الهوية، يبدو أنه قد هيأ نفسه جيداً قبل فقدان ذاكرته. وجد أن نفسه أكثر فائدة من النظام.
أطفأ توماس ضوء الحجرة، وشعر بأنّ حل لغز هويّته قد لاح في الأفق.
وفي رمشة عين، تغير المشهد أمام توماس، ووجد نفسه يمشي ببطء في طريق متعرّج في مدينة تشبه جوثام يكتنفها الضباب من كل جانب، وبناية شاهقة تُشبه فندق إنتركونتيننتال واقفة بشموخ في نهاية طريقه، بينما تبدو ظلال الأبنية السوداء البعيدة كأفواه عمالقة تتغذى على الضوء. وعندما كاد يقطع النهر، توقف توماس فجأة، وظل المشهد الضبابي حوله كما هو لم يتغيّر، فثبت في مكانه على الجسر لا يتحرك.
لم يسترح عقله ولو قليلاً منذ استفاق صباح اليوم، وقد انشغل إلى درجة أنه لم يحس بالجوع على الإطلاق. لم تؤلمه جراحه حقاً بل أحس بالخدر في موضعها، فخلع معطفه وبقي بقميصه.
أطفأ توماس ضوء الحجرة، وشعر بأنّ حل لغز هويّته قد لاح في الأفق.
جلس على الأريكة وشمّر عن سواعده ليصب لنفسه كأساً من الماء، وحاول تجميع صورة “توماس واين” في ذهنه أثناء الإصغاء لصوت المذيعة الرتيب.
”مستحيل، أنت تعلم أنني… انتظر، أنت لست نايت آول!” لم يتردد الطرف الآخر وقطع اتصاله في الحال، وبدأ يحذف سجلات المحادثة والمكالمات ويجري تتبعاً مضاداً لفصل نفسه تماماً عن الشبكة.
شخصية هامشية، فقد والديه في سن صغيرة، نشأ وحيداً، فكان موهوباً ولكن منعزلاً ومتحفظاً، يسير المعشر وقليل العدوانية. إن لم يغفل موقع ويكيبيديا شيئاً، فإن المرات التي عاد فيها إلى مسقط رأسه جوثام علانية خلال السنوات العشر الأخيرة تُعدّ على الأصابع، ورغم وراثته لقصر واين، فإنه لا يأتيه للزيارة إلا نادراً، ناهيك عن الإقامة فيه.
جلس توماس على كرسي ذي ظهر عالٍ، أمامه شاشة حاسوب ضخمة، وقد كان مرتدياً ملابس ذات أسلوب “الواقعية السحرية” (Magic Realism).
ولكن ما حقيقته؟
أُعيد بناء فندق إنتركونتيننتال قبل خمس سنين في القسم الغربي العلوي، ولم تعرف سوى قلة مقربة من إدارييه المخلصين أن توماس واين هو مالكه. وفي غضون شهر وأربعة عشر يوماً، واجه أعداءً مجهولين في أمريكا الجنوبية.
لم يسترح عقله ولو قليلاً منذ استفاق صباح اليوم، وقد انشغل إلى درجة أنه لم يحس بالجوع على الإطلاق. لم تؤلمه جراحه حقاً بل أحس بالخدر في موضعها، فخلع معطفه وبقي بقميصه.
لو كان توماس واين حقاً لا يستحق الانتباه، فهل قاموا بخطفه لابتزاز مجموعة واين؟ وبالنظر إلى موقف بروس واين منه، هل كانت أخوّتهما تستطيع تحمل هذا القدر من المِحن؟ وهل كان لبروس واين دور في ذلك؟
”حسناً، ليكن اجتماعنا في الحادي عشر من يوليو. سأزورك في فندق إنتركونتيننتال”. وانتهت المكالمة.
وبينما كان يفكر، تسلل النعاس إلى وعيه، فمال على الأريكة بتعبير باهت يحدق في السقف، وشعر بأن جزءاً من روحه يهبط في غور عميق.
شخصية هامشية، فقد والديه في سن صغيرة، نشأ وحيداً، فكان موهوباً ولكن منعزلاً ومتحفظاً، يسير المعشر وقليل العدوانية. إن لم يغفل موقع ويكيبيديا شيئاً، فإن المرات التي عاد فيها إلى مسقط رأسه جوثام علانية خلال السنوات العشر الأخيرة تُعدّ على الأصابع، ورغم وراثته لقصر واين، فإنه لا يأتيه للزيارة إلا نادراً، ناهيك عن الإقامة فيه.
لكن تلك الغفوة لم تبدأ هادئة.
خَمَّن توماس: “في الثامن من يوليو، واجهت بعض المتاعب، وتوقعت أن ذاكرتي قد تتأثر، فألغيت كلمة مرور الحاسوب”. وجد أيضاً تسجيلات لكاميرا مراقبة أخرى في الغرفة A2701. بعد أن طلب خدمة التنظيف عبر الهاتف، أتى على الفور بعض المختصين -لم يبدوا كأشخاص بسيطين- وأخذوا السجادة الملطخة بالدماء، ورتبوا باقي مرافق الغرفة.
بدأ توماس بحلم كانت فيه الخفافيش والبوم في تعارك مخلفين فوضى عارمة، وفي النهاية ظلّ الخفاش مُعلّقاً بالمصباح يأبى النزول، والبومة المنتوفة فقدت من الريش ما يكفي لصنع منفضة غبار. وكأنّ هذا الحلم يحمل دلالة عميقة لم يُدركها توماس بعد.
داميان واين: هذا الصبي هو روبن الرابع وخليفة تيم دريك، وهو ابن باتمان البيولوجي كما ذُكر في الفصل من تاليا الغول، وهي ابنة رأس الغول، زعيم عصبة القتلة الذي تدرب بروس واين فترة على يده قبل أن ينفصل عنهم بسبب اختلاف عقلياتهم؛ فباتمان لا يقتل. وقد كان رأس الغول قبلها يفضله على كل تلاميذه ويرى فيه خلفاً له. لم يكن باتمان يعرف بوجود داميان إلا حين أحضرته أمه تاليا إليه بعمر العشر سنوات، وواجه تحديات في تربيته على مبدأ عدم القتل وكبح كبريائه وشخصيته الجامحة -التي تشبهه جداً-. ومع الوقت تفاهما، ولا يزال داميان هو روبن الحالي، وطور احتراماً لوالده أكثر من أي روبن، كما أنه يرث عباءة باتمان في العوالم المستقبلية.
وفي رمشة عين، تغير المشهد أمام توماس، ووجد نفسه يمشي ببطء في طريق متعرّج في مدينة تشبه جوثام يكتنفها الضباب من كل جانب، وبناية شاهقة تُشبه فندق إنتركونتيننتال واقفة بشموخ في نهاية طريقه، بينما تبدو ظلال الأبنية السوداء البعيدة كأفواه عمالقة تتغذى على الضوء. وعندما كاد يقطع النهر، توقف توماس فجأة، وظل المشهد الضبابي حوله كما هو لم يتغيّر، فثبت في مكانه على الجسر لا يتحرك.
توماس: ؟؟؟
مرت دقيقة، ثم خمس دقائق، وحين عدّ توماس حتى كاد يصل إلى الألف ومئتي ثانية، جاءه صوت موبي الغاضب: “لِمَ لا تتقدم؟”.
لم يسترح عقله ولو قليلاً منذ استفاق صباح اليوم، وقد انشغل إلى درجة أنه لم يحس بالجوع على الإطلاق. لم تؤلمه جراحه حقاً بل أحس بالخدر في موضعها، فخلع معطفه وبقي بقميصه.
”ولِمَ علي أن أتقدم؟ وماذا ينتظرني في الأمام؟”.
”ولِمَ علي أن أتقدم؟ وماذا ينتظرني في الأمام؟”.
”لا أستطيع…”
جلس توماس على كرسي ذي ظهر عالٍ، أمامه شاشة حاسوب ضخمة، وقد كان مرتدياً ملابس ذات أسلوب “الواقعية السحرية” (Magic Realism).
”لا تستطيع إخباري” أجاب توماس مستبقاً، “حسناً، إذن. أجد أني أحببت الوقوف هنا”. ثم اتكأ على حاجز الجسر وبدأ يتأمل المنظر المعتم.
”يا أخي اعتبرها مكافأة لإخبارك باسمك ساعة استيقاظك واستمع إليّ هذه المرة، حسناً؟”.
صاح موبي بصوت عالٍ: “إنني أسدي لك صنيعاً! كدت أن تموت مرة، ألا تعلم؟ بالتأكيد لا تعلم! لكنك تعلم أنك فاقد للذاكرة، وأضمن لك أن أحدث التقنيات الطبية لن تستطيع مساعدتك، أنا الوحيد القادر على ذلك، أنا! وأنت لا تظهر لي أبسط قدر من الامتنان!”.
”في الحلم، رغم أن المنظر من النافذة لم يكن واضحاً، لكن ظلال المباني كانت تشبه إلى حد كبير إطلالة الغرفة A2701″. دخل توماس المصعد. “والمتصل في الحلم ذكر أنه سيزورني في فندق إنتركونتيننتال مما جعلني أخمن أن قاعة الزجاج موجودة في الفندق، ويفترض أن يكون إما طابقي أو الطابق أعلاه فهما الأقرب للعلو. أما عن ساعة الحائط فقد تركت عندي انطباعاً بالأمس، فقررت أن أجربها ثانية، ولأن حل أحجيتها لم يكن في الأرقام اعتقدت أنها قد تعمل بالمقاييس الحيوية فذاك أشبه بأسلوبي”.
لكن توماس لم يقع في شرك هذا الكائن، غابت ابتسامته المعتادة عن وجهه، وأكد قائلاً: “…اسمح لي أن أذكرك، منذ فتحت عينيّ وعرفتُك حتى اللحظة، لم تتطرق لهذا الحديث قط. وفي ثمانين بالمئة من حواراتنا القصيرة السابقة، كنت كمدمن غاز ضحك يحتاج إلى إسعاف عاجل”.
مرت دقيقة، ثم خمس دقائق، وحين عدّ توماس حتى كاد يصل إلى الألف ومئتي ثانية، جاءه صوت موبي الغاضب: “لِمَ لا تتقدم؟”.
اختنق موبي بحنقة، ثم خَفَتت حدة صوته قليلاً، وبدأ يتحدث بلهجة بها شيء من المساومة: “اسمع، أولاً لا تقسُ عليّ، كانت تلك المواقف مضحكة حقاً”.
أظهر التاريخ على شاشة الحاسوب أنه في الثاني من يوليو، أي قبل أسبوع واحد. وفقاً للأخبار، كان قد نجا للتو من عملية خطف وابتزاز مروعة، ومع إصاباته كان الأحكم له أن يكون الآن في المستشفى يتلقى الرعاية الطبية، لكنه مع ذلك اختار إخفاء إصاباته ومزاولة عمله دون تخاذل، متخفياً عن الجميع ليتواصل مع شريك عمل في مسقط رأسه. وجد هذا القدر من العزيمة ملهماً حقاً.
”سأعد حتى ثلاثة وخير لك أن تشرح ما يجري”.
لو كان توماس واين حقاً لا يستحق الانتباه، فهل قاموا بخطفه لابتزاز مجموعة واين؟ وبالنظر إلى موقف بروس واين منه، هل كانت أخوّتهما تستطيع تحمل هذا القدر من المِحن؟ وهل كان لبروس واين دور في ذلك؟
أسرع موبي في الكلام: “ثانياً، هذا لأني لا أستطيع التطرق لبعض الأمور خلال النهار، وهذا هو الوقت الوحيد الذي أستطيع فيه؛ نحن الآن في حلمك ويمكنني من خلاله أن أعود بك إلى الماضي لأعرض عليك ما جرى قبل أن تفقد ذاكرتك. لذا، أنصحك بأن تضع أحقادك جانباً، وتزيح عنك الشك المتجذر في عظامك، وتسارع في السير إلى الأمام كما طلبت منك، ألا تشعر بالفضول لمعرفة أي نوع من الأشخاص كنت؟ جوابك يقبع في آخر هذا الطريق”.
”ولِمَ علي أن أتقدم؟ وماذا ينتظرني في الأمام؟”.
سحب توماس نظره عن الطريق وعاد به للنهر المظلم: “لست شخصاً شديد الفضول بطبيعتي”. امتد ظله طويلاً على الأرض تحت ضوء القمر، بدا للناظر من زاوية معينة كبومة ضخمة جاثمة على غصن، مما أثار قشعريرة في نفس موبي الذي كانت رؤيته واضحة لا تشوبها شائبة.
”ولِمَ علي أن أتقدم؟ وماذا ينتظرني في الأمام؟”.
”يا أخي اعتبرها مكافأة لإخبارك باسمك ساعة استيقاظك واستمع إليّ هذه المرة، حسناً؟”.
ما فائدة فم لا يجيب على الأسئلة، لا فرق إن امتلك قدرة على الكلام من عدمها. إنها الساعة السابعة والنصف صباح العاشر من يوليو، لو كان لأي شيء حدث بالأمس تتمة، يجب أن يحين أوانه الآن. وبالفعل، أثناء إطلاع توماس على الملف على هاتفه وهو يفكر إذا كان سيطلب إفطاره من حليب وشوفان أم ساندويتش، جاءته مكالمة من موظفة الاستقبال: “صباح الخير سيد توماس. السيدان ريتشارد غرايسون وداميان واين في الأسفل راغبان في لقائك، فما قولك؟”.
يبدو أن صفة “الجبن” و”الذلّ” في شخصية موبي مترابطتان، وفي هذه اللحظات زادت نسبة خضوعه كثيراً، فأصبح أسلوب حديثه مؤدباً ووديعاً: “هيا، أرجوك، فقط سر إلى الأمام قليلاً”.
في هذه اللحظة، شعر توماس بأنه على وشك الاستيقاظ من حلمه، فسارع بإغلاق واجهة الدردشة، وتحقق مما إذا كانت هناك معلومات مفيدة على الحاسوب، لكنه وجد أنه غير قادر على فتح أي ملفات سواء كانت مشفرة أم لا، ويبدو أن المعلومات التي يمكن الحصول عليها من هذا الحلم محدودة كما قال موبي تماماً.
في النهاية استأنف توماس سيره، واقترب من البناية التي يُشتبه في أنها فندق إنتركونتيننتال، ورأى تحت جدارها بومة ميكانيكية بحجم كف رجل بالغ، بدت متقنة الصنع. طارت البومة وحطت على كتفه، وصوت موبي ينبعث من منقارها الذي يُفتح ويُغلق، لكنه لم يقل كلمات تناسب مظهره الجديد: “صحيح، أخبرني يا توماس، هل لعبت أساسنز كريد (Assassin’s Creed) من قبل؟”.
”تمت إعادة التشغيل”.
توماس: ؟؟؟
أظهر التاريخ على شاشة الحاسوب أنه في الثاني من يوليو، أي قبل أسبوع واحد. وفقاً للأخبار، كان قد نجا للتو من عملية خطف وابتزاز مروعة، ومع إصاباته كان الأحكم له أن يكون الآن في المستشفى يتلقى الرعاية الطبية، لكنه مع ذلك اختار إخفاء إصاباته ومزاولة عمله دون تخاذل، متخفياً عن الجميع ليتواصل مع شريك عمل في مسقط رأسه. وجد هذا القدر من العزيمة ملهماً حقاً.
في اللحظة التالية، تشتت الضباب وتغير المشهد أمامه. وجد نفسه في قاعة واسعة تبلغ مساحتها مئات الأمتار المربعة، استُبدلت جدرانها الأربعة بنوافذ زجاجية معتمة (أي أن الشخص في الداخل وحده من يرى من خلال الزجاج) ومضادة للرصاص، وبلاط الأرض يلمع كالمرايا، وقد قُسّمت مساحة العمل والمعيشة إلى نصفين، وكان هذا النصف الأخير ينضح بطابع يوحي أن قاطنه أعزب منعزل وغير آبه.
وفي اللحظة التالية، استيقظ فجأة جالساً على أريكة الغرفة A2701. كانت فترة الشفق، ولم يكن قد غيّر ملابسه. نهض وسار إلى ساعة الحائط في غرفة النوم، تجاهل الوقت الذي تعرضه ومد يده وضغط على نقطة اتصال العقارب حيث الترس في مركز القرص.
جلس توماس على كرسي ذي ظهر عالٍ، أمامه شاشة حاسوب ضخمة، وقد كان مرتدياً ملابس ذات أسلوب “الواقعية السحرية” (Magic Realism).
نقل توماس الملف البارز من الحاسوب إلى هاتفه، ثم وضع الهاتف والمحفظة في جيبه، ولم يقضِ وقتاً أطول هناك، بل نزل على الفور إلى الغرفة A2701، وأعاد ساعة الحائط إلى حالتها الأصلية. وعندما غادر، جاءت دمية البومة الميكانيكية تعرج مرة وترفرف بجناحها كدجاجة، وبطريقة ما تمكنت من الهبوط على كتف توماس.
أما عن ماهية هذا الأسلوب؟ هو كالذي يرتديه شخص معين يُصرّ على ارتداء زي خفاش، ذاك مقارب لما يرتديه توماس الآن: زي بومة على هيئة إنسان. فله عباءة ذات نسيج معدني تشبه ريش طائر تتدلى خلفه، ودرع ضيق مضاد للرصاص يلف جسده، ونظارة واقية مستديرة، وعلى رأسه أذنان مدببتان للدلالة.
جاء صوت موبي إلى ذهنه: “ها أنا ذا، أحياناً يكون من العملي امتلاك جسد مادي، ولكن لِمَ لا تستطيع هذه الهيئة التحدث؟”.
كان الحاسوب مشغلاً، فسمع منه صوتاً مُعدَّلاً إلكترونياً بدا أن صاحبه لم يرد أن تُعرف هويته، وقد حمل قدراً من الغضب إذ تحدث: “نايت آول! (بومة الليل)، هذه هي المرة الثانية التي تنقض فيها اتفاقنا، وإن تكرر ذلك ثالثة فلا عهد لك عندي ولا لزام! صحيح أني عازم على العمل في جوثام، لكني لست ملزماً بك شريكاً إن استمررت في التطاول”.
سحب توماس نظره عن الطريق وعاد به للنهر المظلم: “لست شخصاً شديد الفضول بطبيعتي”. امتد ظله طويلاً على الأرض تحت ضوء القمر، بدا للناظر من زاوية معينة كبومة ضخمة جاثمة على غصن، مما أثار قشعريرة في نفس موبي الذي كانت رؤيته واضحة لا تشوبها شائبة.
حسناً، يالها من معلومة؛ فإضافة إلى اسمه الكامل توماس واين، اتضح أن عنده لقباً آخر وهو: “نايت آول”. ومع أنه لم يعد يستطيع تذكر قصة اللقب، إلا أنه وجد أن الذوق العام وهوايات الناس في هذا العصر غريبان بعض الشيء، على العموم اختار توماس السير مع التيار.
أظهر التاريخ على شاشة الحاسوب أنه في الثاني من يوليو، أي قبل أسبوع واحد. وفقاً للأخبار، كان قد نجا للتو من عملية خطف وابتزاز مروعة، ومع إصاباته كان الأحكم له أن يكون الآن في المستشفى يتلقى الرعاية الطبية، لكنه مع ذلك اختار إخفاء إصاباته ومزاولة عمله دون تخاذل، متخفياً عن الجميع ليتواصل مع شريك عمل في مسقط رأسه. وجد هذا القدر من العزيمة ملهماً حقاً.
يبدو أن صفة “الجبن” و”الذلّ” في شخصية موبي مترابطتان، وفي هذه اللحظات زادت نسبة خضوعه كثيراً، فأصبح أسلوب حديثه مؤدباً ووديعاً: “هيا، أرجوك، فقط سر إلى الأمام قليلاً”.
تحدث موبي كأنّه دليل إرشادي في لعبة: “استأنف الحوار، وحاول إعادة تمثيل المشهد الذي وقع في الماضي، كلما زاد تطابقك مع ما حصل وقتها زادت المعلومات التي ستنالها. عندك فرص غير محدودة لإعادة المحاولة إذا أخطأت، لكن الوقت سيظل مشكلة لأن كل هذا سينتهي ما إن تستيقظ، لذا استخدمه بحكمة. لا تقلق، الأمر سهل هذه المرة، إذ لابد أن يكون هذا الحوار مرتبطاً بالهجوم الذي تعرضت له صباح اليوم، اعتبرها مرحلة تعليمية”.
”يا أخي اعتبرها مكافأة لإخبارك باسمك ساعة استيقاظك واستمع إليّ هذه المرة، حسناً؟”.
عليه أن يكون ممتناً لحظه، فقد كان يومه حافلاً بالأحداث. طائرة مسيرة هاجمت الغرفة A2701، فندق إنتركونتيننتال، مركز الشرطة، باتمان، واين. باستثناء معلومات أخرى قد يكون توماس تجاهلها، كل هذه الأحداث ساعدته على صنع خمسة احتمالات رئيسية، وبما أنه قادر على إعادة المشهد كما يزعم موبي، فما عليه سوى تجربتها واحدة تلو الأخرى، فالحصر هو أسهل استراتيجية.
كان الحاسوب مشغلاً، فسمع منه صوتاً مُعدَّلاً إلكترونياً بدا أن صاحبه لم يرد أن تُعرف هويته، وقد حمل قدراً من الغضب إذ تحدث: “نايت آول! (بومة الليل)، هذه هي المرة الثانية التي تنقض فيها اتفاقنا، وإن تكرر ذلك ثالثة فلا عهد لك عندي ولا لزام! صحيح أني عازم على العمل في جوثام، لكني لست ملزماً بك شريكاً إن استمررت في التطاول”.
فتح توماس ميكروفون الحاسوب، وكان زي نايت آول مزوّداً بمغير للصوت، لكن طريقة كلامه ونبرته اختلفت غريزياً عما كانت عليه في النهار، فجاء صوته خفيضاً وأجشاً مع ضحكة مكتومة تخلو من العاطفة: “المرة الثانية التي أخرق فيها اتفاقنا؟ عن أي خرق تتحدث؟”.
”سأعد حتى ثلاثة وخير لك أن تشرح ما يجري”.
”لا تتغابَ” لم يرتب الطرف الآخر، واستمر الحوار: “قلت لك ألا تتجرأ على أذية واين!”.
وفي اللحظة التالية، استيقظ فجأة جالساً على أريكة الغرفة A2701. كانت فترة الشفق، ولم يكن قد غيّر ملابسه. نهض وسار إلى ساعة الحائط في غرفة النوم، تجاهل الوقت الذي تعرضه ومد يده وضغط على نقطة اتصال العقارب حيث الترس في مركز القرص.
عجباً! رغم وضعه لخمسة احتمالات، لم يعتبر توماس “واين” ذا شأن، بل مجرد زيادة عدد للاحتمالات التي وضعها. كما أنه هو نفسه واين، أهذا هو صراع العائلات الثرية على السلطة الذي يحب عامة الناس متابعته؟
توماس: ؟؟؟
حاول توماس الإنكار: “مصدر معلوماتك خاطئ”.
خَمَّن توماس: “في الثامن من يوليو، واجهت بعض المتاعب، وتوقعت أن ذاكرتي قد تتأثر، فألغيت كلمة مرور الحاسوب”. وجد أيضاً تسجيلات لكاميرا مراقبة أخرى في الغرفة A2701. بعد أن طلب خدمة التنظيف عبر الهاتف، أتى على الفور بعض المختصين -لم يبدوا كأشخاص بسيطين- وأخذوا السجادة الملطخة بالدماء، ورتبوا باقي مرافق الغرفة.
”مستحيل، أنت تعلم أنني… انتظر، أنت لست نايت آول!” لم يتردد الطرف الآخر وقطع اتصاله في الحال، وبدأ يحذف سجلات المحادثة والمكالمات ويجري تتبعاً مضاداً لفصل نفسه تماماً عن الشبكة.
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .nightmode .shola-widget, .nightmode .shola-lb-wrap, .nightmode .shola-pb-wrap { background: #222; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .nightmode .shola-modal-box { background: #222; color: #ddd; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 17 يوم متبقي 11,000 شعلة الهدف: 66,666 16.5% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 10,000🥈Fares saeed🔥 1,000 🥇M. K💎 10,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉ibrahim shazly💎 5004الخال!💎 100
أوه، ياله من شخص حذر. سأل توماس موبي: “كيف أعيد المحاولة؟ هل أقول إعادة التشغيل أو ما شابه؟”.
أجاب توماس: “قرر الموعد والوقت كما يحلو لك”.
”تمت إعادة التشغيل”.
ها قد ظهر الواين الثالث! الآن ما عاد كالأمس، عنده هاتف ويمكنه البحث فوراً عن أي اسم لا يعرفه، وبفضل الواي فاي المجانية التي جاءت متأخرة من فندق إنتركونتيننتال، عرف من جوجل أن ريتشارد غرايسون هو الابن الأكبر بالتبني لبروس واين، أما داميان فهو ابنه البيولوجي.
”…قلت لك ألا تتجرأ على أذية واين!”.
”حسناً، ليكن اجتماعنا في الحادي عشر من يوليو. سأزورك في فندق إنتركونتيننتال”. وانتهت المكالمة.
هذه المرة فكر توماس في كلماته لوقت أطول بقليل، وقبل أن يشك الطرف الآخر أجاب: “كانت صدفة”.
أجاب توماس: “قرر الموعد والوقت كما يحلو لك”.
”صدفة؟ أتسميها صدفة؟ كاد توماس واين يلقى حتفه في بيرو وأنت تسميها صدفة! اعلم أنه لو مات هناك، لجعلت الفوضى تسود جوثام ولشقلبتها لك رأساً على عقب، ويمكنك ساعتها نسيان طموحاتك في المدينة تماماً والعودة من حيث أتيت. هذا ما عندي لأقوله، وأذكرك مجدداً يا نايت آول وللمرة الأخيرة، أبعد مخالبك عمن لا علاقة له بالخطة”.
أُعيد بناء فندق إنتركونتيننتال قبل خمس سنين في القسم الغربي العلوي، ولم تعرف سوى قلة مقربة من إدارييه المخلصين أن توماس واين هو مالكه. وفي غضون شهر وأربعة عشر يوماً، واجه أعداءً مجهولين في أمريكا الجنوبية.
لم يجب توماس، لكن المتصل أضاف: “إضافة إلى ذلك، يجب أن أقابلك، متى يتسنى لك الوقت؟ أبعد أسبوع من الآن وقت مناسب؟”.
تحدث موبي كأنّه دليل إرشادي في لعبة: “استأنف الحوار، وحاول إعادة تمثيل المشهد الذي وقع في الماضي، كلما زاد تطابقك مع ما حصل وقتها زادت المعلومات التي ستنالها. عندك فرص غير محدودة لإعادة المحاولة إذا أخطأت، لكن الوقت سيظل مشكلة لأن كل هذا سينتهي ما إن تستيقظ، لذا استخدمه بحكمة. لا تقلق، الأمر سهل هذه المرة، إذ لابد أن يكون هذا الحوار مرتبطاً بالهجوم الذي تعرضت له صباح اليوم، اعتبرها مرحلة تعليمية”.
أجاب توماس: “قرر الموعد والوقت كما يحلو لك”.
”صدفة؟ أتسميها صدفة؟ كاد توماس واين يلقى حتفه في بيرو وأنت تسميها صدفة! اعلم أنه لو مات هناك، لجعلت الفوضى تسود جوثام ولشقلبتها لك رأساً على عقب، ويمكنك ساعتها نسيان طموحاتك في المدينة تماماً والعودة من حيث أتيت. هذا ما عندي لأقوله، وأذكرك مجدداً يا نايت آول وللمرة الأخيرة، أبعد مخالبك عمن لا علاقة له بالخطة”.
”حسناً، ليكن اجتماعنا في الحادي عشر من يوليو. سأزورك في فندق إنتركونتيننتال”. وانتهت المكالمة.
حاول توماس الإنكار: “مصدر معلوماتك خاطئ”.
في هذه اللحظة، شعر توماس بأنه على وشك الاستيقاظ من حلمه، فسارع بإغلاق واجهة الدردشة، وتحقق مما إذا كانت هناك معلومات مفيدة على الحاسوب، لكنه وجد أنه غير قادر على فتح أي ملفات سواء كانت مشفرة أم لا، ويبدو أن المعلومات التي يمكن الحصول عليها من هذا الحلم محدودة كما قال موبي تماماً.
لو كان توماس واين حقاً لا يستحق الانتباه، فهل قاموا بخطفه لابتزاز مجموعة واين؟ وبالنظر إلى موقف بروس واين منه، هل كانت أخوّتهما تستطيع تحمل هذا القدر من المِحن؟ وهل كان لبروس واين دور في ذلك؟
وفي اللحظة التالية، استيقظ فجأة جالساً على أريكة الغرفة A2701. كانت فترة الشفق، ولم يكن قد غيّر ملابسه. نهض وسار إلى ساعة الحائط في غرفة النوم، تجاهل الوقت الذي تعرضه ومد يده وضغط على نقطة اتصال العقارب حيث الترس في مركز القرص.
”لا تستطيع إخباري” أجاب توماس مستبقاً، “حسناً، إذن. أجد أني أحببت الوقوف هنا”. ثم اتكأ على حاجز الجسر وبدأ يتأمل المنظر المعتم.
انكمشت المنطقة التي لمسها للداخل بعد التحقق من بصمته، وانسحبت العقارب تلقائياً، ودار قرص الساعة ليكشف عن كاميرا بالداخل للتحقق الثاني من القزحية. بعد نجاح التحقق، ظهر باب سريّ خلف الساعة يقود إلى مصعد يؤدي إلى الطابق العلوي.
سحب توماس نظره عن الطريق وعاد به للنهر المظلم: “لست شخصاً شديد الفضول بطبيعتي”. امتد ظله طويلاً على الأرض تحت ضوء القمر، بدا للناظر من زاوية معينة كبومة ضخمة جاثمة على غصن، مما أثار قشعريرة في نفس موبي الذي كانت رؤيته واضحة لا تشوبها شائبة.
صاح موبي متعجباً: “كيف اكتشفت الحيلة؟”.
”في الحلم، رغم أن المنظر من النافذة لم يكن واضحاً، لكن ظلال المباني كانت تشبه إلى حد كبير إطلالة الغرفة A2701″. دخل توماس المصعد. “والمتصل في الحلم ذكر أنه سيزورني في فندق إنتركونتيننتال مما جعلني أخمن أن قاعة الزجاج موجودة في الفندق، ويفترض أن يكون إما طابقي أو الطابق أعلاه فهما الأقرب للعلو. أما عن ساعة الحائط فقد تركت عندي انطباعاً بالأمس، فقررت أن أجربها ثانية، ولأن حل أحجيتها لم يكن في الأرقام اعتقدت أنها قد تعمل بالمقاييس الحيوية فذاك أشبه بأسلوبي”.
في النهاية استأنف توماس سيره، واقترب من البناية التي يُشتبه في أنها فندق إنتركونتيننتال، ورأى تحت جدارها بومة ميكانيكية بحجم كف رجل بالغ، بدت متقنة الصنع. طارت البومة وحطت على كتفه، وصوت موبي ينبعث من منقارها الذي يُفتح ويُغلق، لكنه لم يقل كلمات تناسب مظهره الجديد: “صحيح، أخبرني يا توماس، هل لعبت أساسنز كريد (Assassin’s Creed) من قبل؟”.
صعد المصعد لثوانٍ ثم انفتح، فإذا بالمنظر يتجلّى كما رآه في حلمه. أشرقت شمس الصباح بلا تحفظ واحتلت أشعة الشمس هذا الطابق الذي كله زجاج، وحول أشعتها طفا في الجو غبار دقيق، رأى زي النايت آول ملطخاً بالدماء مُلقى على الأريكة، والحاسوب على المكتب مطفأ، فذهب توماس لتشغيله، واستخرج تسجيلات كاميرا المراقبة الداخلية. يبدو أن سجلات الأيام السبعة الماضية قد حذفت، ولم يكن أحد في الغرفة لستة أيام من الأيام السبعة.
لاحظ ملفاً آخر على الحاسوب كان موضوعاً في موضع بارز جداً. بجانب الحاسوب وجد هاتفاً محمولاً ودمية بومة معدنية ميكانيكية بساق واحدة وجناح واحد، وبعض وثائق الهوية، يبدو أنه قد هيأ نفسه جيداً قبل فقدان ذاكرته. وجد أن نفسه أكثر فائدة من النظام.
في الثامن من يوليو وحده، أي اليوم الذي سبق استيقاظ توماس في الغرفة A2701، أظهر التسجيل خروجه من باب المصعد، وكانت خطاه مترنحة قليلاً، فقام أولاً بتضميد جروحه، ثم التقط الهاتف السلكي الوحيد في الغرفة الذي لا يتناسب مع التكنولوجيا المتقدمة لبقية المعدات، وبالحكم على حركة شفاهه كان يقول: “خدمة تنظيف الغرف”. بعدها غيّر ملابسه، وانشغل أمام الحاسوب لفترة، ثم أطفأه، واختفى ظله عند مدخل المصعد.
”كلاً، لا شكراً”. أراد أن يحضر الصبية الإفطار.
خَمَّن توماس: “في الثامن من يوليو، واجهت بعض المتاعب، وتوقعت أن ذاكرتي قد تتأثر، فألغيت كلمة مرور الحاسوب”. وجد أيضاً تسجيلات لكاميرا مراقبة أخرى في الغرفة A2701. بعد أن طلب خدمة التنظيف عبر الهاتف، أتى على الفور بعض المختصين -لم يبدوا كأشخاص بسيطين- وأخذوا السجادة الملطخة بالدماء، ورتبوا باقي مرافق الغرفة.
صاح موبي متعجباً: “كيف اكتشفت الحيلة؟”.
بعد مغادرتهم، ظهر توماس في المقطع وهو ينزل الدرج، وبعد إغلاق الباب سقط على أريكة غرفة المعيشة، خارت قواه وتقهقر جسده على الأريكة كأنه لم ينم لعام كامل. كان هذا آخر تسجيل قبل استيقاظه.
”لا تتغابَ” لم يرتب الطرف الآخر، واستمر الحوار: “قلت لك ألا تتجرأ على أذية واين!”.
لاحظ ملفاً آخر على الحاسوب كان موضوعاً في موضع بارز جداً. بجانب الحاسوب وجد هاتفاً محمولاً ودمية بومة معدنية ميكانيكية بساق واحدة وجناح واحد، وبعض وثائق الهوية، يبدو أنه قد هيأ نفسه جيداً قبل فقدان ذاكرته. وجد أن نفسه أكثر فائدة من النظام.
جلس توماس على كرسي ذي ظهر عالٍ، أمامه شاشة حاسوب ضخمة، وقد كان مرتدياً ملابس ذات أسلوب “الواقعية السحرية” (Magic Realism).
نقل توماس الملف البارز من الحاسوب إلى هاتفه، ثم وضع الهاتف والمحفظة في جيبه، ولم يقضِ وقتاً أطول هناك، بل نزل على الفور إلى الغرفة A2701، وأعاد ساعة الحائط إلى حالتها الأصلية. وعندما غادر، جاءت دمية البومة الميكانيكية تعرج مرة وترفرف بجناحها كدجاجة، وبطريقة ما تمكنت من الهبوط على كتف توماس.
”…قلت لك ألا تتجرأ على أذية واين!”.
كراك
”حسناً سيد توماس، ألا ترغب في طلب خدمة توصيل الطعام من الفندق؟”.
جاء صوت موبي إلى ذهنه: “ها أنا ذا، أحياناً يكون من العملي امتلاك جسد مادي، ولكن لِمَ لا تستطيع هذه الهيئة التحدث؟”.
شخصية هامشية، فقد والديه في سن صغيرة، نشأ وحيداً، فكان موهوباً ولكن منعزلاً ومتحفظاً، يسير المعشر وقليل العدوانية. إن لم يغفل موقع ويكيبيديا شيئاً، فإن المرات التي عاد فيها إلى مسقط رأسه جوثام علانية خلال السنوات العشر الأخيرة تُعدّ على الأصابع، ورغم وراثته لقصر واين، فإنه لا يأتيه للزيارة إلا نادراً، ناهيك عن الإقامة فيه.
ما فائدة فم لا يجيب على الأسئلة، لا فرق إن امتلك قدرة على الكلام من عدمها. إنها الساعة السابعة والنصف صباح العاشر من يوليو، لو كان لأي شيء حدث بالأمس تتمة، يجب أن يحين أوانه الآن. وبالفعل، أثناء إطلاع توماس على الملف على هاتفه وهو يفكر إذا كان سيطلب إفطاره من حليب وشوفان أم ساندويتش، جاءته مكالمة من موظفة الاستقبال: “صباح الخير سيد توماس. السيدان ريتشارد غرايسون وداميان واين في الأسفل راغبان في لقائك، فما قولك؟”.
لم يجب توماس، لكن المتصل أضاف: “إضافة إلى ذلك، يجب أن أقابلك، متى يتسنى لك الوقت؟ أبعد أسبوع من الآن وقت مناسب؟”.
ها قد ظهر الواين الثالث! الآن ما عاد كالأمس، عنده هاتف ويمكنه البحث فوراً عن أي اسم لا يعرفه، وبفضل الواي فاي المجانية التي جاءت متأخرة من فندق إنتركونتيننتال، عرف من جوجل أن ريتشارد غرايسون هو الابن الأكبر بالتبني لبروس واين، أما داميان فهو ابنه البيولوجي.
مرت دقيقة، ثم خمس دقائق، وحين عدّ توماس حتى كاد يصل إلى الألف ومئتي ثانية، جاءه صوت موبي الغاضب: “لِمَ لا تتقدم؟”.
عائلة ثرية ممتدة، لا عجب أن يكونوا على قمة الهرم الرأسمالي. لكن توماس لم يشعر بأنه عديم الحيلة في منافسة العلاقات الاجتماعية، فعلى الأقل، إن تطورت علاقته ببروس واين يوماً من الازدراء المتبادل إلى تبادل اللكمات، يمكنه أن يشير إلى الباب ويصرخ: “اخرج من قصري!”.
لكن توماس لم يقع في شرك هذا الكائن، غابت ابتسامته المعتادة عن وجهه، وأكد قائلاً: “…اسمح لي أن أذكرك، منذ فتحت عينيّ وعرفتُك حتى اللحظة، لم تتطرق لهذا الحديث قط. وفي ثمانين بالمئة من حواراتنا القصيرة السابقة، كنت كمدمن غاز ضحك يحتاج إلى إسعاف عاجل”.
وهذه المرة، لم ينتظر توماس موبي ليعلق، بل قال مبادراً: “كنت أمزح”. هذا ما يسميه توقع سيناريو سيء ولكنه ممتع، احتياطاً. قال لموظفة الاستقبال: “سيدتي، هل يمكنك أن تطلبي منهما إحضار وجبة فطور لي في طريقهما؟ إن كان ذلك ممكناً بالطبع”.
وفي اللحظة التالية، استيقظ فجأة جالساً على أريكة الغرفة A2701. كانت فترة الشفق، ولم يكن قد غيّر ملابسه. نهض وسار إلى ساعة الحائط في غرفة النوم، تجاهل الوقت الذي تعرضه ومد يده وضغط على نقطة اتصال العقارب حيث الترس في مركز القرص.
”حسناً سيد توماس، ألا ترغب في طلب خدمة توصيل الطعام من الفندق؟”.
بعد مغادرتهم، ظهر توماس في المقطع وهو ينزل الدرج، وبعد إغلاق الباب سقط على أريكة غرفة المعيشة، خارت قواه وتقهقر جسده على الأريكة كأنه لم ينم لعام كامل. كان هذا آخر تسجيل قبل استيقاظه.
”كلاً، لا شكراً”. أراد أن يحضر الصبية الإفطار.
في اللحظة التالية، تشتت الضباب وتغير المشهد أمامه. وجد نفسه في قاعة واسعة تبلغ مساحتها مئات الأمتار المربعة، استُبدلت جدرانها الأربعة بنوافذ زجاجية معتمة (أي أن الشخص في الداخل وحده من يرى من خلال الزجاج) ومضادة للرصاص، وبلاط الأرض يلمع كالمرايا، وقد قُسّمت مساحة العمل والمعيشة إلى نصفين، وكان هذا النصف الأخير ينضح بطابع يوحي أن قاطنه أعزب منعزل وغير آبه.
(انتهى الفصل)
أُعيد بناء فندق إنتركونتيننتال قبل خمس سنين في القسم الغربي العلوي، ولم تعرف سوى قلة مقربة من إدارييه المخلصين أن توماس واين هو مالكه. وفي غضون شهر وأربعة عشر يوماً، واجه أعداءً مجهولين في أمريكا الجنوبية.
فقرة المصطلحات:
لم يسترح عقله ولو قليلاً منذ استفاق صباح اليوم، وقد انشغل إلى درجة أنه لم يحس بالجوع على الإطلاق. لم تؤلمه جراحه حقاً بل أحس بالخدر في موضعها، فخلع معطفه وبقي بقميصه.
داميان واين: هذا الصبي هو روبن الرابع وخليفة تيم دريك، وهو ابن باتمان البيولوجي كما ذُكر في الفصل من تاليا الغول، وهي ابنة رأس الغول، زعيم عصبة القتلة الذي تدرب بروس واين فترة على يده قبل أن ينفصل عنهم بسبب اختلاف عقلياتهم؛ فباتمان لا يقتل. وقد كان رأس الغول قبلها يفضله على كل تلاميذه ويرى فيه خلفاً له. لم يكن باتمان يعرف بوجود داميان إلا حين أحضرته أمه تاليا إليه بعمر العشر سنوات، وواجه تحديات في تربيته على مبدأ عدم القتل وكبح كبريائه وشخصيته الجامحة -التي تشبهه جداً-. ومع الوقت تفاهما، ولا يزال داميان هو روبن الحالي، وطور احتراماً لوالده أكثر من أي روبن، كما أنه يرث عباءة باتمان في العوالم المستقبلية.
ولكن ما حقيقته؟
”مستحيل، أنت تعلم أنني… انتظر، أنت لست نايت آول!” لم يتردد الطرف الآخر وقطع اتصاله في الحال، وبدأ يحذف سجلات المحادثة والمكالمات ويجري تتبعاً مضاداً لفصل نفسه تماماً عن الشبكة.
