869. اقتراح
لم ينس نوح أمة أودريا وضريحها. بل ظل مهتمًا بطبيعة ذلك المكان.
في البداية، اعتاد أن يتقبلها كمنطقة تدريب تستخدمها الإمبراطورية لتصفية جيشها. وكانت الرواية الرسمية أن منافسًا لملك الإمبراطورية خسر في ضد الرتب السماوية، مما جعل الأمة بأكملها تعاني من ذلك.
ومع ذلك، كانت هذه مجرد المعرفة التي تناقلها الممارسون البشر. وقد أظهرت السجلات المسترجعة من القصر البشري بعض التناقضات في تلك القصة.
لو القصتان صحيحتين، ستكون أمة أودريا قد بقيت على هذه الحال لأكثر من ثلاثين ألف عام، وهو أمرٌ لم يُصدّقه نوح. لا يُمكن لمنظمةٍ مؤلفةٍ من بضعة آلافٍ فقط من الممارسين البشر أن تصمد كل هذا العمر.
بدا هناك سرٌّ ما. ومع ذلك، أجبر وجود ملك الإمبراطورية الخبراء الفضوليين القلائل على التخلي عن استكشافه.
لكن الملك قد اختفى لأكثر من عشر سنوات، وبدأت الشائعات تنتشر مرة أخرى.
لم تكن فيث قد فكرت في أمة أودريا عندما أدركت الصعوبات التي واجهها نوح خلال تجاربه. لم يكن الكثير من الممارسين على دراية بوجود الضريح، لكن معظمهم استطاع ربط تلك البلاد بملك الإمبراطورية.
أي شيء يتعلق بكيان سماوي سيكون لا يُقدر بثمن بالنسبة للممارسين الأبطال، وستكون منظمات بأكملها على استعداد لخوض الحروب من أجلهم. مع ذلك، عرفت فيث بمنطقة التدريب تلك لأن جون أخبرتها تقريبًا بكل شيء عن وقتها مع نوح.
هذا ما أوحى لها بأن حل مشكلة نوح قد يكون داخل إحدى مناطق التدريب المخصصة للممارسين الأبطال. ففي النهاية، من البديهي أنه بحاجة إلى كل مساعدة ممكنة في هذا المشروع.
حتى جون اعترفت بأنها احتاجت مساعدة نوح لنجاح ذلك المشروع السري. هذا وحده دليل على أنه سيواجه صعوبة هو الآخر.
في الحقيقة، لم يكن نوح يرغب بالعودة إلى الضريح بعد. بدت طبقته الأخيرة مخصصة لممارسي الرتبة السادسة، وفقًا لقصة ليزا، التي قالت إنه لا يستطيع استكشاف المبنى بأكمله في مستواه الحالي.
قد خرج لتوه من سلسلة طويلة من التحسينات، إذ أتاحت له الحرب التعبير عن شخصيته بشكل كبير. بمجرد أن يُكمل الأمر بالطاقة العليا، سيُضطر إلى الانغماس في مشاريع أخرى تُعنى بقوته ككل.
لكن أربع سنوات من التجارب لم تُفضِ إلى شيء، ولم يستطع إلا اكتشاف أسباب إخفاقاته حتى مع استخدام أسلوب الاستنتاج السماوي. الإجراء الفعلي لا يزال غامضًا في ذهنه، ولم يستطع سوى تجربة المزيد من الأساليب للعثور عليه في وضعه الحالي.
“يجب أن تتضمن نهاية الطبقة الخامسة قوانين، لأنها جزء أساسي من هذه الرتبة ” فكّر نوح وهو يُقيّم اقتراح فيث. “فهم المزيد عن هذا العالم سيفيد جميع مشاريعي وشخصيتي”.
بدأت الفكرة التي قمعها في ذهنه لفترة طويلة تتشكل.
قبل دقائق، لم تكن هناك سوى أفكار حول الطاقة العليا. ومع ذلك، بدأ نوح يؤمن بأن الضريح قادر على تحسين حالة تجاربه بعد أن قيّم جميع الإيجابيات والسلبيات.
كذلك، الخيار الوحيد الآخر هو الاستمرار في الاختبار بشكل أعمى، على أمل أن يجد اتجاهًا يتابعه قريبًا.
أظهرت جون تعبيرًا قبيحًا عند سماع كلمات فيث.
من جهة، لم تُعجبها فكرة عودة نوح إلى الأمة التي أقام فيها علاقته الأولى. ومن جهة أخرى، لم تُرِد أن ينفصلا.
ومع ذلك، أدركت أن نوح يواجه بعض العقبات الخطيرة. ففي النهاية، حتى الانفجارات وحدها جعلت حتى الشيخة إستيل قلقة على سلامة المدينة المحايدة.
“هل أنت متأكد من أنها فكرة جيدة؟” سأل دانيال. “ما زلنا في حرب مع الإمبراطورية.”
اعتاد دانيال على الاندهاش في تلك الدقائق القصيرة، فلم يتردد لحظةً عند سماع كلمة “حبيبته السابقة”. بل قدّم وجهة نظر موضوعية للوضع السياسي الراهن.
أجابت فيث: “قواتنا الثلاث لا تزال تتعافى. سمعتُ بعض الحكماء يقولون إن علينا الانتظار خمسين عامًا على الأقل قبل الانتقال إلى القارة. نحن لا نخسر شيئًا الآن، بينما الإمبراطورية تضعف في أرض قاحلة.”
بالطبع، لم تكن القارة أرضًا قاحلة، على الأقل حتى الآن. فيث تبالغ لإثبات وجهة نظرها.
إن عزل الإمبراطورية في القارة سيعيق نموها، بينما تسيطر القوات الغازية الثلاث على كامل الأراضي الخالدة. في هذه الحالة، ستتسع الفجوة في القوة بين الجانبين تدريجيًا. لم يعد هناك جدوى من خوض معارك أخرى.
نوح يعلم ذلك جيدًا، بل إنه وافق على قرار القوى الثلاث بوقف الحرب لبضعة عقود. ومع ذلك، يفكر في زيارة الضريح، وكان من المؤكد أن ذلك سيُثير قضايا أخرى داخلية في المنظمات الثلاث.
الخليّة وعائلة إلباس والمجلس في سلام. لم يجرؤ أحدٌ منهم على خيانة أحد حلفائه، لأن الطرف الأضعف قد يتحالف مع الإمبراطورية إذا ساءت الأمور.
وسوف يؤدي هذا إلى إعادة التوازن لقوى تلك الأراضي الفانية مرة أخرى وإهدار الرتب التي تم التضحية بها أثناء الحرب.
ومع ذلك، فإن أي نقص مفاجئ في القوى العاملة سيؤثر حتمًا على نموهم. فإذا غادر نوح، ستخسر الخلية مكاسب أقل بكثير من المدينة المحايدة، وستشهد تباطؤ مشاريعها الأخرى لتعويض خسارة أحد أهم أصولها.
ولم يكن هناك حل حقيقي لهذه المشكلة أيضًا لأن الخلية لم يكن بها عدد كبير من الممارسين من الرتبة الخامسة مثل القوات الأخرى.
التقط نوح دفتر ملاحظاته المكتوب وبدأ في إرسال سلسلة من الرسائل الذهنية إلى الشيوخ الآخرين في تلك المرحلة.
لم يكن يهتم بالسياسة قط، ولم يُكلف نفسه عناء تعلم كيفية إدارة منظمة. لذا، عليه الاعتماد على رأي الشيوخ ليرى إن كانت تلك اللحظة الأنسب لبدء مهمة جديدة.
كذلك، لم يمانع قضاء سنوات أخرى في مدينة السوق السماوي. هو يتحسن على أي حال. الضريح مجرد فكرة تستحق التجربة، لكنه لم يكن جزءًا أساسيًا من تدريبه.
أجابت الشيخة جوليا بعد دقائق، وترددت كلماتها في ذهن نوح: “ليس من الصعب استبدالكما أنت ودانيال خلال بضع سنوات. لم تحصل الخلية إلا على أراضٍ قاحلة، والشيوخ الآخرون من الرتبة الرابعة كافيين التعامل معها. مع ذلك، قد ترغب في جعلها مهمة رسمية. من الأفضل إشراك الأمم الأخرى في هذه الفترة تحديدًا.”
