الفصل 471: هوريا (6)
“ألم يكن بإمكانك الطيران بشكل أسرع قليلًا؟” تذمّرت سيينا، وهي تشعر ببعض الندم.
لو لم يتمكن يوجين من القضاء على كاماش قبل وصولهم، لكانت قد وجدت نقطة ضعفه وتفنّنت في السخرية منه.
“لقد طرت بأقصى سرعة استطعتُها،” دافعت رايميرا عن نفسها.
ضحكت سيينا بسخرية، “لا تكذبي. أحقًا تظنين أنني لم ألاحظ أنك تعمدتِ خفض سرعتك لأجل يوجين؟”
لم يكن هناك أي أساس لهذه الكلمات القاسية التي وجهتها سيينا إلى رايميرا بنظرة حادة. هذه الساحرة العظيمة سيئة الطبع والكلام، كانت كعادتها تثير الجلبة بلا سبب وجيه.
“أنا… أنا لم أبطئ عمدًا أبدًا…” تمتمت رايميرا بصوت متألم.
لو كان يوجين، أو كريستينا، أو أنيس هم من تعرضوا لتوبيخ سيينا، لكانوا قد ردوا عليها من دون تردد أو خوف، لكن للأسف، رايميرا لم تستطع ذلك.
“كفي عن اختلاق الهراء واذهبي لتجلسي،” قالت أنيس وهي تمشي نحو سيينا وتصفعها على كتفها.
كانت سيينا تدرك في قرارة نفسها أنها تثير الضجة بلا سبب حقيقي، لذا بدلًا من الرد، اكتفت بأن أصدرت سعالًا محرجًا عدة مرات، “أحم… كما هو متوقع من تلميذي، أن يتمكن من هزيمة عملاق ضخم بتلك السرعة، وبمفرده!”
رغم شعورها بخيبة الأمل لأنها لم تحصل على فرصة لمضايقة يوجين، إلا أن قدرته على القضاء على العملاق بكل هذه القوة، استحقت الثناء. خاصة وأنهم جميعًا قد شهدوا عن بُعد مدى القوة الرهيبة لكاماش. لو أنه استطاع إيقاف الجيش أو اجتاح الخطوط الأمامية، لكان الأمر كارثيًا للغاية.
“آآآه، السير يوجين اندفع بمفرده نحو معسكر العدو لتقليل الأضرار على حلفائه!” صاحت كريستينا بحماس.
ورغم أن كلماتها كانت أشبه بتمجيد، إلا أنها لم تكن بعيدة عن الحقيقة. حتى من وجهة نظر أنيس، السبب في اندفاع يوجين بمفرده كان على الأرجح قلقه من الأضرار الجانبية بسبب حجم كاماش الضخم.
“حسنًا… قد يكون أيضًا أراد قتله بنفسه فحسب،” تمتمت أنيس وهي تنظر إلى سيينا.
شعرت سيينا بالفخر تجاه أداء تلميذها. فسعلت مجددًا عند هذه النظرة ثم أومأت برأسها.
“حسنًا إذن، هل ننطلق؟” أومأت سيينا لهم للمضي قدماً.
كانت فيالق السحر، فخر أروث، تحت قيادة ترمبل، بينما كان كل رئيس برج يقود السحرة التابعين لبرجه. أما بالنسبة لبرج السحر الأخضر، الذي ما زال منصب رئيسه شاغرًا، فلم يكن هناك خيار سوى أن يتولى جينيريك القيادة مؤقتًا.
كُلفت سيينا، وبلزاك، ورينين بفتح طريق عبر جبال الحريش. بالطبع، هذا لم يكن يعني أنهم سيقتصرون على مهاجمة تلك الجبال فقط؛ بل كان بإمكانهم تقديم الدعم في أماكن أخرى أو استغلال الفرص المناسبة لتحقيق تقدم ساحق.
“لنذهب،” قالت سيينا بثقة وهي تلتفت إلى الاثنين الآخرين.
أما برج السحر الأسود، فقد تم حله عمليًا، لذا كان بلزاك هو العضو الوحيد الباقي. في الحقيقة، حتى لو لم يكن الأمر كذلك، لكان من السخافة أن يجلب الحلفاء ساحرًا أسود إلى هذه المعركة. لقد كان بلزاك هنا فقط لأن سيينا اتخذت الكثير من الاحتياطات قبل السماح له بالمشاركة.
“أخشى أنني لن أستطيع استخدام تعويذة العمى” قال بلزاك بنبرة خيبة أمل.
لو أن خصومهم كان جيش بشري كما توقع، لكانت تقنيته المميزة “العمى” ذات فائدة عظيمة. لكن، لم يكن هناك سوى الحلفاء من البشر على أرض المعركة الآن. وحتى لو استخدمها ضد الموتى الأحياء أو الوحوش أو شياطين العدو، فلن تكون فعّالة كما ينبغي.
“لا تقم بأي تصرف يثير الريبة بلا داع. فقط كن مساعدي،” أمرته سيينا. “ولا تفرط في الأكل*.”
*ملاحظة: هنا تم الإشارة إلى توقيع بلزاك الجديد “الشراهة”، والذي يسمح له بامتصاص القوة المظلمة.
“مفهوم،” ردّ بلزاك مطيعًا.
لو قام بأي حركة مريبة، لما ترددت سيينا لحظة واحدة في قتله.
صحيح أنهما أصبحا معتادين على العمل معًا، لكن ذلك لم يكن كافيًا ليجعلها تتردد في قتله. لم تنسى سيينا مطلقًا أنه ساحر أسود، وكانت تدرك تمامًا أنه سيصبح عدوهم يومًا ما.
كان بلزاك واعيًا تمامًا لهذه الحقيقة. ورغم أنه لم يتوقع أبدًا أن يجد نفسه يقاتل في معركة كهذه، فقد شعر أنه نال نعمة عظيمة بفرصة القتال إلى جانب “الحكيمة سيينا”.
“لن أغير شيئًا”، فكّر بلزاك بسعادة.
لو كانت أميليا قد حاولت أن تؤدي طقسًا لتصبح ملكة شياطين مثلما فعل إدموند، لكان بوسعه أن يجني فوائد عديدة من تلك العملية. ومع ذلك، لم يشعر بلزاك بأي ندم على ما جرى.
“من خلال هذه الحرب، سأقترب أكثر من رغبتي الخفية”، فكّر بلزاك وهو ينظر إلى سيينا بنظرة مليئة بالإعجاب والرهبة.
أعظم ساحرة في التاريخ كله. الساحرة التي تجاوزت حدود البشرية، متحدية أن تصبح سامية السحر، والتي بدت وكأنها تقترب حقًا من تحقيق هدفها.
كانت سيينا الحكيمة تسير عبر السماء، وهي تمسك عصا “فروست”.
فوووش!
تشكلت مجرّة متلألئة خلف سيينا. تبعها رينين وبلزاك من الخلف، وهما يشعران بالرهبة.
في الأسفل، تمتم قائد فرسان التنين الأبيض، ألشيستر، بصوت مرتعش، “السيف الفارغ….”
منذ مسيرة الفرسان، لم تتح له الفرصة لرؤية يوجين يقاتل مباشرة. لهذا السبب، شعر ألشيستر بإثارة شديدة لرؤية قوة يوجين ومدى اكتمال تقنية السيف الفارغ.
كانت تقنية “السيف الفارغ” تقنية سرية قد تم تطويرها وإتقانها عبر أجيال عديدة من عائلة دراغونيك. ولكن، شعر ألشيستر الآن بأنه لم يعد يستطيع الاكتفاء بإنجازات عائلته. لقد وصل سيف يوجين الفارغ إلى مستوى أعلى بكثير مما حققه ألشيستر، بطريرك عائلة دراغونيك.
“لم يقتصر استخدامها على سيفه فقط”، تذكّر ألشيستر.
تلك الكرة السوداء التي رماها يوجين، التي دمّرت قوة الظلام المتجسدة وذراع العملاق بضربة واحدة، لا بد أنها كانت ناتجة عن تطبيق نفس مبادئ السيف الفارغ. هذه الحقيقة جعلت ألشيستر يرتعش مرة أخرى.
هل كان غاضبًا لأن يوجين استخدم تقنيات عائلته السرية بدون إذن؟ لم يكن أبدًا ليشعر بالاستياء بسبب أمر كهذا. ما شعر به ألشيستر الآن كان موجة هائلة من المشاعر، لا تكاد تُوصف. هذا هو يوجين ليونهارت، البطل الذي سيهزم ملوك الشياطين وينقذ العالم.
“أن يُستخدم السيف الفارغ الذي تعلّمه مني بهذا الإتقان…”، فكر ألشيستر بحماس.
ظل يبتسم وهو يستمتع بهذا الشعور، حتى وصلت قوات الجيش إلى موقع معين. مؤقتًا، أخفى ابتسامته، ثم رفع يده. رفع الفرسان الذين يتبعونه راية فرسان التنين الأبيض على الفور.
وسرعان ما رفعت بقية وحدات الجيش الاخرى راياتها عالياً. وبدأ العدو يدخل في نطاق الرؤية تدريجيًا. خلف جثة العملاق التي كانت تلتهمها نيران يوجين السوداء، بدأ جيش الموتى الأحياء بالتقدم عبر الصحراء السوداء القاتمة.
لكن الوحوش الشيطانية تحركت قبل الموتى الأحياء. رغم أنهم لا يُقارنون بكاماش، ناهيك عن جبال الحريش، فإن تلك الوحوش كانت ضخمة للغاية، كل واحدة منها كان بحجم قصر كبير.
هؤلاء الوحوش الشيطانية يُصنَّفون ضمن فئة “الوحوش الشيطانية الخارقة”. لم يُسمَّوا بذلك بسبب حجمهم الكبير فحسب، بل لأن أجسادهم بالكامل تتألف من طاقة الظلام النقية.
فتح بعض هؤلاء الوحوش، الذين كانوا في مقدمة الصفوف، أفواههم على مصراعيها.
فووووووم!
بدأت طاقة الظلام تتجمع بين أنيابهم. وكان واضحًا ما الذي سيحدث تاليًا؛ ستنطلق هذه الطاقة قريبًا على هيئة نفَس يشبه نفَس التنانين.
بمجرد تحرك الوحوش، استعدت قوات التحالف للرد فورًا. بناءً على أوامر ترمبل، ألقى فيلق السحراء تعويذة موحدة في اللحظة ذاتها.
وووم!
غطى حاجز سحري كثيف مقدمة الجيش بأكملها. في الوقت نفسه، جُهزت تعاويذ مضادة متعددة. في المؤخرة، رسم سحرة البرج الأحمر بقيادة لوفليان دوائر الاستدعاء، ومن هذه الدوائر انتشرت مئات المدافع.
بووم بووم بووم بوووم!
بدأت المعركة بإطلاق جميع المدافع في وقت واحد. بدأت جميع الدول تطلق قصفها المدفعي. ورغم توقعات أن تكون مدافع أروث السحرية الأقوى، إلا أن الواقع خالف ذلك. فقد كانت مدافع ليونهارت، التي ملأتها أقصى تخيلات الأقزام الجامحة، تطلق قذائف مانا الأكثر تدميرًا بصوت صاخب مدوّي.
بووم، بووم، بووم!
اخترقت القذائف المدفعية الحاجز وضربت الوحوش الشيطانية.
تعثرت الوحوش المصابة، لكنها لم تسقط بعد. إلا أن تقدمها توقف. ولم يقف العدو صامتًا، إذ أطلقت طاقة الظلام المكثفة من أفواههم في شكل موجة مخروطية، تمامًا مثل نفَس التنانين.
بدأت طبقة من الضوء تتلألأ فوق الحاجز السحري الكثيف. أدى الكهنة من العهد المضيء، المتمركزين قرب المدافع، معجزة جماعية في اللحظة المناسبة. باستثناء فرسان الصليب الدموي، كان فرسان البالادين قد كُلّفوا بحماية الكهنة، لكنهم ساهموا أيضًا في تقديم قوة مقدسة إضافية.
رغم أن نيران المدافع وحدها استطاعت إيقاف تقدم الوحوش الشيطانية العملاقة، بدا صعبًا القضاء عليها تمامًا بهذه الطريقة. بمجرد صدور هذا التقييم، رفعت جميع المدافع زواياها، لتصوب نحو جيش الموتى الأحياء الذي كان يتبع الوحوش.
أطلق ملك الوحوش روهر، الملك الوحيد الذي حضر الحرب شخصيًا، زئيرًا: “هجووم!”
كان الملك أمان وفرسانه، المعروفون بالأنياب البيضاء، يركبون الذئاب، لكن الذئب الذي امتطاه أمان كان الأكبر بينهم جميعًا. ذلك الذئب هو أبيل، نفس الذئب العملاق الذي رافق يوجين عبر حقول الثلج.
ركب غيلياد حصانًا أسود ضخم، وصاح: “سيان.”
“نعم، يا بطريرك العائلة،” رد سيان، راكبًا حصانًا إلى جانب غيلياد.
شعر سيان بالامتنان لأنه يرتدي خوذة، فرغم أنه خاض المعركة في الغابة المطيرة، إلا أنه لم يستطع منع التوتر الذي اجتاحه أمام حرب بهذا الحجم. شعر بصلابة في خديه، فالتفت ليلقي نظرة على والده.
“تبدو متوترًا،” قال غيلياد وهو يلمح حال ابنه.
لم يكن سيان قادرًا على إخفاء مشاعره.
لكن، قبل أن يرد سيان، اعترف غيلياد بابتسامة: “أنا أيضًا أشعر ببعض التوتر.”
“هاه…؟” اتسعت عينا سيان بدهشة.
“أتظن أنني معتاد على الحروب؟” ضحك غيلياد، “هاها… ناهيك عن الحرب؛ لقد مر وقت طويل منذ أن قاتلت بجدية.”
اتسعت عينا سيان أكثر وأكثر.
كيف لم يدرك ذلك من قبل؟ في الواقع، كان طبيعيًا.
فتح سيان فمه، لكنه لم يجد كلمات يقولها.
حتى الآن، كان العالم في سلام مؤقت. ولم يجرؤ الكثير من النبلاء على معاداة ليونهارت.
بفضل ذلك، لم يكن لدى عائلة ليونهارت أي خصوم حقيقيين. ولم تكن هناك حروب إقليمية أو مبارزات مع النبلاء الآخرين. حتى فرسان الأسد الأسود، رغم تدريباتهم القاسية، لم يشاركوا في معارك حقيقية.
أما العائلة الرئيسية وفرسان الأسد الأبيض، فقد كانوا يتدربون بانتظام، لكن هذه هي أول مرة يذهبون فيها إلى حرب حقيقية.
تردد سيان، “آه، أيها البطريرك…”
“قد أكون متوترًا، لكن…” تابع غيلياد بهدوء، بينما تحرك درعه الحربي خاصته استجابةً لإرادته، وانفتحت خوذته قليلاً، كاشفة وجهه. “…لكن أكثر من التوتر، أشعر بالحماس. كأن دمي يغلي.”
كانت هذه المرة الأولى في حياة سيان التي يرى فيها والده بتعبير كهذا. الوجه الصارم المعتاد، المفعم بالهيبة كبطريرك للعائلة، قد ارتسمت عليه الآن ابتسامة غريبة.
“سيان،” ناداه غيلياد مجددًا.
“آه… ن-نعم؟” تلعثم سيان.
“راقب ظهري جيدًا، حتى لا يفرط والدك في الحماس،” قال غيلياد بابتسامة متحمسة.
ظل سيان صامتًا، “….”
“كابني، لا أستطيع أن أوكل ظهري إلا إليك،” أضاف غيلياد بابتسامة ممتلئة باللطف والحب والثقة.
ارتعشت كتفا سيان للحظة، ثم أومأ بحزم، “نعم!”
أن يقف غيلياد وابنه على ساحة معركة واحدة… لا، لم يكن سيان وحده. في مكان عالٍ في السماء، كانت ابنته أيضًا. وكذلك، ابنه الآخر، الذي عاد بعد أن سبقهم وهزم العملاق بمفرده.
“يوجين ليس ليونهارت الوحيد هنا،” قال غيلياد وهو يغلق خوذته. “فلنذهب ونخفف عن ذلك الفتى بعض العبء.”
رفع غيلياد سيفه عاليًا.
آآآآآه!
زأر جميع فرسان الأسد الأبيض خلفه في انسجام.
ثم اندفعوا جميعًا معًا. تلاهم فرسان شيموين بقيادة أورتوس، ثم المرتزقة بقيادة إيفيك، وأخيرًا محاربو قبيلة زوران بقيادة إيفاتار، وهم يطلقون صيحات الحرب.
كيياااااك!
رفرفت عشرات الوحوش الطائرة في السماء. وعندما ترددت رايميرا، غير متأكدة مما يجب عليها فعله، اندفعت الأسراب الجوية خلفها.
هبط يوجين على ظهر رايميرا، “كان يجب أن أنظف السماء قليلًا قبل العودة.”
“لماذا جمعت جيشًا إذا كنت تنوي فعل كل شيء بنفسك؟” سألت سيينا بسخرية.
أجاب يوجين بجدية، “مهما كنت قويًا، لو حاولت القضاء عليهم وحدي، سينفد مني كل طاقتي.”
“طالما أنك مدرك لذلك، فلماذا تشتكي؟” قاطعته أنيس بنفاد صبر، وهي تمسك بمعصمه. “هل أصبت بأي مكان؟”
“لا يمكن أن أُصاب من مجرد قتال ضد ذلك الأحمق،” رد يوجين بسخرية.
تنهدت أنيس، “لو عدت بخدش واحد فقط، لكنت مزقتك إربًا.”
“ألا تظنين أن رد فعلك قاسٍ جدًا تجاه شخص بذل قصارى جهده وحده؟ ألا يجب أن تمدحيني بدلًا من ذلك؟” تذمر يوجين.
“لقد قمت بعمل رائع حقًا،” قالت أنيس بابتسامة مشرقة وهي تربت على يده.
شعر يوجين بالحرج، فأدار رأسه بعيدًا.
في أسفل، كان بإمكانه رؤية الرايات المتقدمة. في المقدمة، راية عائلة ليونهارت. وخلفه، رفرفت العديد من الرايات الأخرى.
رفع يوجين رأسه، فرأى الأسراب الجوية وهي تصطدم بالوحوش الطائرة. أول ما لفت نظره كان رافاييل يلوح بسيفه الضخم فوق أبولو العملاق. ثم بدأ يوجين يبحث عن وجوه مألوفة أخرى بين وحدات الطيران.
أول ما بحث عنه كان الأسود السوداء وهم يركبون الويفرن.
كانت كارمن قد تركت الويفرن الخاص بها، قافزة فوق وحش شيطاني، تضربه بقبضتيها.
على مسافة ليست بعيدة، كان جيون يقود الويفرن الخاص به بمهارة وهو يلوح بسيفه. كذلك لمح جينوس يستخدم تقنية “هيجان آسورا”.
وكان من السهل أيضًا إيجاد ديزرا و غارغيث.
ثم كانت هناك سييل. كانت تستخدم شفرة جافيل الطويلة والضيقة كرمح، تقطع بها جلود الوحوش الشيطانية. للحظة، اكتفى يوجين بالتحديق في اللهب الذي كان يلتف حول سييل مثل بدة الأسد.
“…هل كان يجدر بي أن آتي وحدي؟” تمتم يوجين لنفسه.
“هل تنوي تركنا جميعًا خلفك أيضًا؟” سألته أنيس متحدّية.
تردد يوجين، “حسنًا… في حالتكم… كنتم لتتبعوني حتى لو طلبت منكم عدم فعل ذلك.”
“هم أيضًا كانوا سيفعلون الشيء نفسه،” قالت أنيس بابتسامة وهي تمسك بيد يوجين. “أنت لم تستدعهم هنا. لقد جاءوا جميعًا من أجلك.”
“لكنهم جاؤوا لأنني كنت أنوي بدء هذه الحرب،” رد يوجين بنبرة يملؤها الذنب.
رفعت أنيس حاجبها، “إذا كنت تظن أن ذلك كان خطأً، فما جدوى كل هذا؟”
هز يوجين رأسه، “لا أشعر بأي ندم. فقط، فجأة، تسللت إلي بعض الشكوك.”
“حتى لو مات شخص ما هنا، فلن تكون تلك غلطتك.” توقفت أنيس للحظة ثم هزت رأسها. “…لا، لا ينبغي أن أصوغها هكذا. من الصحيح أنك بالفعل كنت تنوي إشعال هذه الحرب. وهم جاءوا من أجلك، ومن أجل العالم كله. لذا، ربما، بطريقة ما، كل هذا بالفعل مسؤوليتك.”
ضغطت كفها بلطف على يد يوجين. شعر يوجين بختم القديس الذي حُفر في جلد كفها الناعم.
“في هذه الحالة، بصفتي القديسة، اسمح لي أن أغفر خطاياك. وسأصلي من أجل كل من يموت هنا، كي يصعد إلى السماء بدلًا من الجحيم،” وعدت أنيس.
“هاه،” أطلق يوجين ضحكة لا إرادية.
السماء، هكذا تقول.
“لقد مضى زمن طويل منذ أن سمعت هذه الكلمات،” قال يوجين بابتسامة باهتة.
“هناك دومًا من يصلي في ساحة المعركة، راجيًا أن يذهب الموتى إلى السماء. وبصفتي القديسة، فمن واجبي أن أتحمل مسؤولية تلك الصلاة،” قالت أنيس، مبتسمة مع يوجين.
ثم أفلتت يده، واستدارت. كان كهنة التألق الرشيق جميعهم راكعين، ينظرون إليها وإلى يوجين.
تبدّل وعي القديسة.
“حسنًا، الآن لنقم بما يجب فعله،” همست أنيس في رأسهم.
بعد أن سيطرت على الجسد، أخذت كريستينا نفسًا عميقًا ببطء، وأومأت.
“حسنًا، الآن لنقم بما يجب فعله،” كررت كريستينا الكلمات ذاتها، بينما تنشر جناحيها.
فووووش!
انتشرت أجنحتها الثمانية على مصراعيها. رفع كهنة التألق الرشيق أيديهم في الصلاة، وأحنوا رؤوسهم عميقًا.
آآآآه!
رُسمت دائرة من الضوء في منتصف ظهر رايميرا.
“تفضّل،” قالت كريستينا.
مايز، الساحر الوحيد الباقي واقفًا على ظهر رايميرا، انبهر مؤقتًا من المشهد المقدس، لكنه سرعان ما استعاد تعبيره الجاد وأومأ.
“حسنًا،” قال مايز رافعًا عصاه.
ثم ألقى توقيعه المميز: “السفينة الحربية”. التعويذة التي تُستخدم عادة لتسليح سفينة بأكملها بالسحر، غلفت الآن رايميرا.
“أوووو…!” صرخت رايميرا بحماسة.
رغم أنهم تدربوا على هذا مسبقًا، إلا أن رايميرا لم تستطع كبح الإثارة عندما حان وقت الأداء الفعلي. نجح سحر “السفينة الحربية” في تسليح رايميرا.
ولم تبقَ رايميرا ساكنة خلال ذلك. فمن بين ألقاب التنانين “أسياد السحر”. لذا، استخدمت تعويذتها التنينية الخاصة لتعزيز صيغة “السفينة الحربية”.
“هذه السيدة أصبحت الآن تنينًا وسفينة معركة في آن واحد…!” صرخت رايميرا وهي ترفرف بجناحيها بحماس.
في لحظات، ارتفعت في السماء ارتفاعًا كبيرًا. عندما أصبحت أعلى من أسراب الوحوش الطائرة التي كانت تقاتل في الأمام، رأت بوضوح كيف كانت هوريا محاطة بالكامل بجبال الحريش.
لم تتمكن من رؤية المدينة بوضوح تام. كان ذلك بسبب حجاب الظلام القاتم الذي غطى المدينة كأنه سقف أسود.
“جربي أن تطلقي هجومًا عليه،” اقترح يوجين.
“يا مُنقذي! أتريد أن ترى نفَس هذه السيدة؟!” ردت رايميرا بحماسة.
شجعها يوجين، “إذا أردتِ إطلاقه، فأطلقيه وحسب.”
حتى الآن، كانت متحمسة جدًا ومتشوقة، ولو لم يسمح لها يوجين بإطلاق نفَسها قريبًا، لكان من الواضح أنها ستفقد أعصابها.
“انظر إلى قوة هذه السيدة!” صرخت رايميرا، بينما اخترق ضوء ساطع السماء.
{√•——————-•√}
اللهُمَّ صَلِّ وسلم وزد وبارك وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
ترجمة: Almaster-7
{√•——————-•√}
