الدم الأول (1)
خرج هيلموت من قاعة مجلس النبلاء وعلى وجهه نظرة إنهاك واضحة. كانت خطواته في الرواق ثقيلة لكنها مليئة بالانشغال. شعر بشيء من الارتياح لأن الأمور سارت على نحو غير متوقع بشكل جيد.
لم يكن قد مر سوى يوم واحد فقط على سماعها نبأ قرار بارث بالتك بقيادة حملة القمع بنفسه. لم تستطع هيلا تصديق أن بارث بالتك كان ينتظرها، رغم أنها كانت أبعد منه مقارنةً بالجيش الشمالي أو جماعة هوجين، عبر كمين مدروس بهذا الشكل.
كان بارث بالتك وهيلموت خصمين يحتفظان بعلاقة عدائية، لكنها تكاملية منذ بداية عهد الحكم الأبدي — فقد خدم هيلموت كمرتكز روحي لتوحيد الإمبراطورية تحت سلطة الكنيسة، في حين نجح بارث في توحيد الجيش وقيادته، ذلك الجيش الذي كان يمكن أن يشكل تهديدًا للإمبراطورية.
“لم لا نتعلّم من تاريخ المجد الذي سارت فيه الكنيسة؟ ألم يُظهر قداستك لغير المؤمنين أن قوة جلالته لا تزال حية في كابرا الغربية؟”
من دون أيٍ منهما، كانت الإمبراطورية لتتمزق وسط حمامات الدم. ولهذا، اعترف هيلموت بقدرات بارث بالتك وأعجب بها، رغم كراهيته له.
في تلك اللحظة، اخترق سهم ضخم ساق أوركا بصوت سحق مروّع.
لذا، كان هيلموت سعيدًا بأن هذه الحادثة تمّت تسويتها بسلاسة على عكس ما كان يتوقع. فبارث بالتك الذي يعرفه هيلموت هو رجل كان من الممكن أن يحوّل العاصمة إلى بحر من الدماء بكل سهولة.
ثم فهمت خطة بافان — لقد دخل وشق صفوف جيش الشرق مثل الأفعى، بعدما لاحظ مدى طول صفهم بسبب العدد الهائل من الجنود. لم يكن هدف بافان هو إيقاف هيلا فقط، بل أيضًا إيقاف تحرك الجيش الشرقي نفسه.
وفي ذات الوقت، تساءل هيلموت عن السبب وراء تصرف بارث بالتك بهذه الطريقة.
“وحتى لو سقطت العاصمة، ألن يكونوا أكثر استعدادًا للاستسلام لأناس يشبهونهم بدلًا من المحاربين المتعصبين من الشمال أو فرسان جماعة هوجين؟”
‘هل فعلاً فعل فقط ما يجب على الجندي فعله؟’
“إنها كمين! الجميع، استعدوا للقتال!”
هزّ هيلموت رأسه. كلاهما كان يعرف نقاط ضعف الآخر. كان هيلموت يعلم جيدًا أنه ليس رجلاً بريئًا، وكذلك كان بارث بالتك. كلاهما كان مغطى بنفس الوحل.
“…نحن نعيش في زمن مختلف عن الحقبة الدموية حينها…”
أحيانًا، كان هيلموت يظن أن سبب كراهيتهما لبعضهما هو أنهما يشتركان في نفس الرائحة النتنة.
خرج هيلموت من قاعة مجلس النبلاء وعلى وجهه نظرة إنهاك واضحة. كانت خطواته في الرواق ثقيلة لكنها مليئة بالانشغال. شعر بشيء من الارتياح لأن الأمور سارت على نحو غير متوقع بشكل جيد.
‘مهما كان يخطط له… أتمنى فقط أن يختفي الإمبراطور العائد مع بارث بالتك.’
“بافان!”
كان بارث بالتك قد انتهى بالفعل. شعب الإمبراطورية قد أدار له ظهره بالكامل، وهذه الحملة ستكون الأخيرة له — سواء قتل الإمبراطور العائد أو قُتل على يده.
كان هورهيل يمتلك مهارات مبارزة جيدة، لكنه يفتقر إلى الذكاء اللازم للتخطيط الاستراتيجي والتكتيكي. وكانت هيلا دومًا ترى في ذلك أمرًا مؤسفًا.
“قداستك.”
سألها هورهيل بقلق: “جلالتك؟”
توقف هيلموت عند سماعه صوتًا قادمًا من خلفه. كان الصوت يعود إلى إيميل إيلدي، زعيم عائلة إيلدي، الذي كان جالسًا بصمت في زاوية القاعة طوال الوقت. لم يكن فقط قائد الفصيل الديني، بل كان أيضًا وريثًا لإمبراطورية تجارية ثرية. ومع ذلك، قيل إنه تكبّد خسارة ضخمة مؤخرًا عندما تم إسقاط هايفدن، مصدر دخله الأكبر.
وتناثر الدم الأحمر.
“السيد إيلدي”، حيّاه هيلموت باختصار. “ما الأمر؟”
كان الأمر مشجعًا ومثيرًا إلى حد ما أن يسيروا لمساعدة جلالته في صنع التاريخ مرة أخرى — مع أن هيلا كانت أكثر سعادة لأنها ستتمكن أخيرًا من توجيه لكمة في وجه الأوغاد في العاصمة.
“سأتجاوز الكلمات المعقدة وغير الضرورية، بالنظر إلى الوضع الحالي. ماذا تنوي أن تفعل بالكنيسة؟”
‘هل يسعى للانتقام؟’
كان هيلموت حذرًا من احتمال أن يطلب إيميل المساعدة لبارث بالتك بدافع الانتقام. لم يكن باستطاعة هيلموت فعل ذلك الآن، لكن إيميل إيلدي كان يتبرع كثيرًا للكنيسة بحيث لا يمكن تجاهله ببساطة.
قالت هيلا لهورهيل بابتسامة: “بصراحة، أشعر أنني سأكون أقل من يؤثر على نتيجة هذه الحرب بين جميع من أعلنوا نيتهم في المشاركة فيها.”
“…مدينة تورا المقدسة صاخبة وفوضوية لدرجة أنني سأضطر إلى تنظيف الداخل أولًا”، قال هيلموت.
‘مهما كان يخطط له… أتمنى فقط أن يختفي الإمبراطور العائد مع بارث بالتك.’
“أظن أن هذه فكرة رائعة.”
ضحكت هيلا باستهزاء دون قصد قبل أن تقول لهورهيل آخر جملة:
ازداد حذر هيلموت عندما سمع إيميل يقول شيئًا غير متوقع تمامًا.
“لقد زل لساني، قداستك. أنا مجرد مؤمن مخلص كرّس ثروته وابنه الأصغر للكنيسة. أرجو ألا تُسيء فهم ولائي.”
“لكن بالنظر إلى الوضع الحالي وطريقتك في التصرف عندما ظهر الوصي في قاعة المجلس، لا يبدو أنك تملك خطة محددة لمعالجة الوضع.”
وبدلًا من الرد على صرخة هيلا، ركز بافان سهمًا في قوسه بصمت. ومرّ السهم مرة أخرى بجانب وجهها.
“ما الذي تحاول قوله؟” تشوّه وجه هيلموت؛ فليس من الممتع لأحد أن تُسلّط الأضواء على أخطائه.
قالت هيلا: “بصراحة، أراهن أن بين رجالنا من يعارض حقيقة أننا نتمرد على العاصمة. كما سيكون هناك من سيهرب فور بدء المعركة، وهذا أمر لا مفر منه. وقد يكون هناك من يظن أنه لا داعي لأن نذهب بأنفسنا إلى العاصمة ما دام الشمال والجنوب يضغطان عليهم بالفعل.”
“الكنيسة كانت متساهلة للغاية، قداستك. مجرد جندي، ونبيل من خلفية رسولية، وحتى حمقى يجرؤون على إهانة الكنيسة. كل هذا لأن الكنيسة فشلت في اكتساب السلطة الكافية”، قال إيميل بوجه حازم.
التفت هورهيل نحوها عند سماعه كلماتها.
“…لا يمكنني إنكار ذلك. أعترف أنني كنت متهاونًا. لكن الأمور ستكون مختلفة من الآن فصاعدًا.”
‘مهما كان يخطط له… أتمنى فقط أن يختفي الإمبراطور العائد مع بارث بالتك.’
“هذا ليس كافيًا، قداستك. نحن بحاجة إلى السلطة القوية التي أظهرتها الكنيسة في الأيام الأولى من عهد الحكم الأبدي. ألم تُظهر لنا إرادة جلالته عبر وسيط آنذاك؟”
‘هل يسعى للانتقام؟’
“…نحن نعيش في زمن مختلف عن الحقبة الدموية حينها…”
“لا حاجة لإراقة الكثير من الدماء، أليس كذلك؟ القوة الكافية لتوحيد مدينة تورا المقدسة أكثر من كافية. إذا هُزم الوصي، سيصبح الجيش في النهاية مجرد سيف بلا مالك. على قداستك أن تُظهر للجميع أنك مؤهل لحمل ذلك السيف.”
“بل ليس مختلفًا، قداستك. إذا هُزم الوصي ووصل جيش المتمردين إلى تورا، فإن سلطة جلالته وسلطة الكنيسة ستُدمّران بالكامل.”
“…لا يمكنني إنكار ذلك. أعترف أنني كنت متهاونًا. لكن الأمور ستكون مختلفة من الآن فصاعدًا.”
لم يكن هيلموت يعتبر نفسه رجلًا صالحًا. وكان يعرف أيضًا أن كلمات إيميل إيلدي مجنونة. ومع ذلك، لم يستطع إلا أن يشعر أن جنون كلمات إيميل إيلدي كان مغريًا إلى حدٍ ما.
وتناثر الدم الأحمر.
“هل تطلب مني أن أُظهر سلطة جلالته عبر استخدام قوتي؟” سأل هيلموت.
“لم لا نتعلّم من تاريخ المجد الذي سارت فيه الكنيسة؟ ألم يُظهر قداستك لغير المؤمنين أن قوة جلالته لا تزال حية في كابرا الغربية؟”
“لا حاجة لإراقة الكثير من الدماء، أليس كذلك؟ القوة الكافية لتوحيد مدينة تورا المقدسة أكثر من كافية. إذا هُزم الوصي، سيصبح الجيش في النهاية مجرد سيف بلا مالك. على قداستك أن تُظهر للجميع أنك مؤهل لحمل ذلك السيف.”
أدركت هيلا أن هجوم الكمين من جيش العاصمة لم يكن بالحدة التي توقعتها. في الواقع، كانت الصرخات تأتي في الأساس من الخلف فقط.
‘بابا يكون أيضًا قائدًا للقوات المسلحة، أليس كذلك؟’
ثم توقفت هيلا فجأة عن الكلام. كانت عيناها مثبتتين على منحدر الجبل.
اقتراح إيميل إيلدي لم يكن سيئًا في أذني هيلموت.
وبدلًا من الرد على صرخة هيلا، ركز بافان سهمًا في قوسه بصمت. ومرّ السهم مرة أخرى بجانب وجهها.
“إذا كنت قادرًا على توحيد القوة التي تركها جلالته في شكل النعمة مع قوة الإمبراطورية في كيان واحد… فلن يكون من الصعب هزيمة الخونة. سيكون ذلك شرفًا، وكأن الإمبراطور قد عاد.”
***
‘الإمبراطور…’
التفت هورهيل نحوها عند سماعه كلماتها.
“لا تقل شيئًا قد يسبّب سوء فهم”، قال هيلموت.
قالت هيلا: “بصراحة، أراهن أن بين رجالنا من يعارض حقيقة أننا نتمرد على العاصمة. كما سيكون هناك من سيهرب فور بدء المعركة، وهذا أمر لا مفر منه. وقد يكون هناك من يظن أنه لا داعي لأن نذهب بأنفسنا إلى العاصمة ما دام الشمال والجنوب يضغطان عليهم بالفعل.”
“لقد زل لساني، قداستك. أنا مجرد مؤمن مخلص كرّس ثروته وابنه الأصغر للكنيسة. أرجو ألا تُسيء فهم ولائي.”
تذكّر هيلموت من غير قصد أن الابن الأصغر لإيميل إيلدي كان في السابق أحد فرسان المعبد، وأنه قدّم تبرعًا ضخمًا كي ينضم إلى جماعة الغراب الأبيض، لكنه قُتل على يد شيطان تانتايل.
تذكّر هيلموت من غير قصد أن الابن الأصغر لإيميل إيلدي كان في السابق أحد فرسان المعبد، وأنه قدّم تبرعًا ضخمًا كي ينضم إلى جماعة الغراب الأبيض، لكنه قُتل على يد شيطان تانتايل.
وبدلًا من الرد على صرخة هيلا، ركز بافان سهمًا في قوسه بصمت. ومرّ السهم مرة أخرى بجانب وجهها.
وكان الإمبراطور العائد الذي يتجه الآن نحو العاصمة هو نفس شيطان تانتايل.
“لم لا نتعلّم من تاريخ المجد الذي سارت فيه الكنيسة؟ ألم يُظهر قداستك لغير المؤمنين أن قوة جلالته لا تزال حية في كابرا الغربية؟”
‘هل يسعى للانتقام؟’
قالت: “أتمنى فقط أن لا يصادف رجالنا باقي حلفائنا في البداية فيهربوا بسبب الخوف…”
لم تكن كلمات إيميل خاطئة. ما تحتاجه الإمبراطورية في وقت الغزو الأجنبي هو قائد يمكنه توحيد الجميع تحت راية واحدة. لم يكن بارث بالتك مرشحًا مناسبًا لذلك، لأنه من عرقٍ مختلف. من ناحية أخرى، كان بإمكان هيلموت نفسه أن يُجسّد سلطة جلالته في شكل نعمة.
‘مهما كان يخطط له… أتمنى فقط أن يختفي الإمبراطور العائد مع بارث بالتك.’
“السيد إيلدي”، همس هيلموت إلى إيميل بصوت منخفض. “هل لديك شيء في ذهنك؟”
رغم الصوت الصاخب، والثلج الذي انهال عليه، بقي بافان مركزًا.
“لم لا نتعلّم من تاريخ المجد الذي سارت فيه الكنيسة؟ ألم يُظهر قداستك لغير المؤمنين أن قوة جلالته لا تزال حية في كابرا الغربية؟”
من دون أيٍ منهما، كانت الإمبراطورية لتتمزق وسط حمامات الدم. ولهذا، اعترف هيلموت بقدرات بارث بالتك وأعجب بها، رغم كراهيته له.
‘كابرا.’
بافان بيلتير، قائد جماعة العاصمة، كان يحدق بهدوء إلى الأسفل نحو جيش الشرق وهم يُذبحون. وُلد بافان في الشرق، ونشأ في الشرق، وتلقى تعليمه على يد لورد الشرق، لكنه لم يحمل ذرة رحمة.
تصلّب وجه هيلموت. لكن إيميل واصل الهمس له.
لم يكن هيلموت يعتبر نفسه رجلًا صالحًا. وكان يعرف أيضًا أن كلمات إيميل إيلدي مجنونة. ومع ذلك، لم يستطع إلا أن يشعر أن جنون كلمات إيميل إيلدي كان مغريًا إلى حدٍ ما.
“قداستك، الناس حمقى ودائمًا ما يبحثون عن هدف يلقون عليه اللوم. ستكون أنت الهدف التالي لهم بعد هزيمة الوصي. عندها، عليك أن تُظهر أن عدالة جلالته بين يديك. حينها فقط سيعرف الناس من يجب عليهم خدمته.”
“لا تقل شيئًا قد يسبّب سوء فهم”، قال هيلموت.
***
‘هل يسعى للانتقام؟’
قالت هيلا لهورهيل بابتسامة: “بصراحة، أشعر أنني سأكون أقل من يؤثر على نتيجة هذه الحرب بين جميع من أعلنوا نيتهم في المشاركة فيها.”
“بل ليس مختلفًا، قداستك. إذا هُزم الوصي ووصل جيش المتمردين إلى تورا، فإن سلطة جلالته وسلطة الكنيسة ستُدمّران بالكامل.”
التفت هورهيل نحوها عند سماعه كلماتها.
وميض فضي اخترق جسد هورهيل على ظهر أوركا.
كانا يتسلقان جبال يولت، التي تفصل بين الشرق والعاصمة — وكان الطريق مكتظًا بالجنود والمرتزقة القادمين من الشرق. لا يزال أمامهم يومان من المسير قبل الوصول إلى برج السحر. وقد بدا أن الضوء الأحمر الرفيع قد أصبح أكثر كثافة الآن.
أحيانًا، كان هيلموت يظن أن سبب كراهيتهما لبعضهما هو أنهما يشتركان في نفس الرائحة النتنة.
“لدينا الفرقة الرابعة من الجيش الإمبراطوري التي تم تعزيزها عبر المعارك، ووحدة المرتزقة المتحدة، ووحدة العقاب التي تدربت على يد جلالته شخصيًا — لا، أظن أن اسمهم الآن وحدة حرب العصابات ذات المهام الخاصة، أليس كذلك؟ على أي حال، لدينا أيضًا تنينٌ في صفّنا.”
صرخت هيلا: “هورهيل! اتجه نحو برج السحر!” على أمل أن يتمكن هورهيل من سماعها وسط الفوضى. “اللعنة، ذلك الأحمق بافان يخطط لإيقاف جيش الشرق من الوصول إلى برج السحر! إذا فشلنا في سد الفجوة، سيقوم بارث بالتك بالقضاء على حلفائنا واحدًا تلو الآخر! انطلق وأوصل الرسالة!”
قال هورهيل: “من الأفضل أن نُبرز إحدى نقاط قوتنا الكبيرة بدلًا من التشديد على عدة نقاط صغيرة. على أية حال، لسنا في حرب من أجل الاستعراض، ولكن…”
رأى بافان ذلك، ووجّه قوسه نحو هورهيل. وفي تلك اللحظة، نفث أوركا نيرانه على السلسلة المعلقة بالجسر، مما أدى إلى سقوط منجنيق أكبر من حجم الإنسان على مسافة ذراع واحدة فقط من بافان.
مرر يده بهدوء على عنق التنين الذي كان يركبه، أوركا. كان أوركا قد قام بمهام استطلاع طوال نصف اليوم تقريبًا، ونزل الآن ليريح جناحيه. ومنذ أن أزال خوان جميع القيود عنه، بدأ أوركا ينمو بسرعة كبيرة، وأصبح قادرًا على قطع مسافات أطول يومًا بعد يوم.
قالت هيلا بازدراء: “أحمق. نحن نفعل هذا لتجنب الحرب.”
“لكنني لا أظن أن جيشنا سيكون أضعف من الجيوش الأخرى.”
تذكّر هيلموت من غير قصد أن الابن الأصغر لإيميل إيلدي كان في السابق أحد فرسان المعبد، وأنه قدّم تبرعًا ضخمًا كي ينضم إلى جماعة الغراب الأبيض، لكنه قُتل على يد شيطان تانتايل.
“نعم، حسنًا… لدينا العدد الأكبر من الجنود، لذا سنقوم بدورنا بالتأكيد. مع ذلك، أخطط للتركيز أكثر على السياسة بدلًا من الجوانب العسكرية. من الغباء الاعتقاد أننا أقوى فقط لأننا نمتلك عددًا أكبر. لكن ربما سنتمكن من تغيير المعادلة حين تختل موازين القوى.”
رأى بافان ذلك، ووجّه قوسه نحو هورهيل. وفي تلك اللحظة، نفث أوركا نيرانه على السلسلة المعلقة بالجسر، مما أدى إلى سقوط منجنيق أكبر من حجم الإنسان على مسافة ذراع واحدة فقط من بافان.
قلة قليلة فقط من الجنود الشرقيين شعروا بالقلق من حقيقة أنهم يسيرون نحو العاصمة. كانت الشائعات منتشرة حول ظهور التنين الذي اجتاح أراضي الإمبراطورية الشرقية، وعن إبادة متمردي آربالد، و”الإمبراطور” الذي كان يقودهم.
أدركت هيلا أن هجوم الكمين من جيش العاصمة لم يكن بالحدة التي توقعتها. في الواقع، كانت الصرخات تأتي في الأساس من الخلف فقط.
كان الأمر مشجعًا ومثيرًا إلى حد ما أن يسيروا لمساعدة جلالته في صنع التاريخ مرة أخرى — مع أن هيلا كانت أكثر سعادة لأنها ستتمكن أخيرًا من توجيه لكمة في وجه الأوغاد في العاصمة.
“قداستك.”
قالت هيلا: “بصراحة، أراهن أن بين رجالنا من يعارض حقيقة أننا نتمرد على العاصمة. كما سيكون هناك من سيهرب فور بدء المعركة، وهذا أمر لا مفر منه. وقد يكون هناك من يظن أنه لا داعي لأن نذهب بأنفسنا إلى العاصمة ما دام الشمال والجنوب يضغطان عليهم بالفعل.”
كان بارث بالتك وهيلموت خصمين يحتفظان بعلاقة عدائية، لكنها تكاملية منذ بداية عهد الحكم الأبدي — فقد خدم هيلموت كمرتكز روحي لتوحيد الإمبراطورية تحت سلطة الكنيسة، في حين نجح بارث في توحيد الجيش وقيادته، ذلك الجيش الذي كان يمكن أن يشكل تهديدًا للإمبراطورية.
أجابها هورهيل: “هكذا هي الحروب. لا خيار لنا إلا أن نقود حتى أولئك الناس.”
“قداستك، الناس حمقى ودائمًا ما يبحثون عن هدف يلقون عليه اللوم. ستكون أنت الهدف التالي لهم بعد هزيمة الوصي. عندها، عليك أن تُظهر أن عدالة جلالته بين يديك. حينها فقط سيعرف الناس من يجب عليهم خدمته.”
قالت هيلا بازدراء: “أحمق. نحن نفعل هذا لتجنب الحرب.”
“نحن بحاجة لإعطاء انطباع أن الشمال والشرق والجنوب يتحدّون العاصمة دفعة واحدة. بهذه الطريقة، سيتزعزع الغرب أيضًا. لا أظن أن المتعصبين سيتأثرون بأي شيء نفعله، لكنهم على الأقل سيتلقّون الرسالة.”
“ماذا؟”
“بافان!”
“نحن بحاجة لإعطاء انطباع أن الشمال والشرق والجنوب يتحدّون العاصمة دفعة واحدة. بهذه الطريقة، سيتزعزع الغرب أيضًا. لا أظن أن المتعصبين سيتأثرون بأي شيء نفعله، لكنهم على الأقل سيتلقّون الرسالة.”
“هورهيل! حلق فورًا وابدأ بالاستطلاع حولنا!”
كان هورهيل يمتلك مهارات مبارزة جيدة، لكنه يفتقر إلى الذكاء اللازم للتخطيط الاستراتيجي والتكتيكي. وكانت هيلا دومًا ترى في ذلك أمرًا مؤسفًا.
‘هل فعلاً فعل فقط ما يجب على الجندي فعله؟’
ضحكت هيلا باستهزاء دون قصد قبل أن تقول لهورهيل آخر جملة:
‘الإمبراطور…’
“وحتى لو سقطت العاصمة، ألن يكونوا أكثر استعدادًا للاستسلام لأناس يشبهونهم بدلًا من المحاربين المتعصبين من الشمال أو فرسان جماعة هوجين؟”
لذا، كان هيلموت سعيدًا بأن هذه الحادثة تمّت تسويتها بسلاسة على عكس ما كان يتوقع. فبارث بالتك الذي يعرفه هيلموت هو رجل كان من الممكن أن يحوّل العاصمة إلى بحر من الدماء بكل سهولة.
كان هذا هو السبب الذي جعلهم يجمعون أكبر عدد ممكن من الجنود، رغم أن ذلك جعلهم يبدون كمجموعة من الحثالة تم تجميعها على عجل.
“لم لا نتعلّم من تاريخ المجد الذي سارت فيه الكنيسة؟ ألم يُظهر قداستك لغير المؤمنين أن قوة جلالته لا تزال حية في كابرا الغربية؟”
قالت: “أتمنى فقط أن لا يصادف رجالنا باقي حلفائنا في البداية فيهربوا بسبب الخوف…”
لكنّه لم يتمكن من تفادي الشفرة التي اندفعت نحو وجهه.
ثم توقفت هيلا فجأة عن الكلام. كانت عيناها مثبتتين على منحدر الجبل.
“هورهيل! حلق فورًا وابدأ بالاستطلاع حولنا!”
سألها هورهيل بقلق: “جلالتك؟”
قالت هيلا بازدراء: “أحمق. نحن نفعل هذا لتجنب الحرب.”
“لا… هذا غير ممكن… لقد تم شراء الحراس الذين يراقبون سلسلة الجبال بالفعل، وجيش العاصمة لم يغادر بعد على الأرجح…”
ثم توقفت هيلا فجأة عن الكلام. كانت عيناها مثبتتين على منحدر الجبل.
أصدرت هيلا أمرًا لهورهيل بسرعة:
ثم توقفت هيلا فجأة عن الكلام. كانت عيناها مثبتتين على منحدر الجبل.
“هورهيل! حلق فورًا وابدأ بالاستطلاع حولنا!”
قلة قليلة فقط من الجنود الشرقيين شعروا بالقلق من حقيقة أنهم يسيرون نحو العاصمة. كانت الشائعات منتشرة حول ظهور التنين الذي اجتاح أراضي الإمبراطورية الشرقية، وعن إبادة متمردي آربالد، و”الإمبراطور” الذي كان يقودهم.
أشار هورهيل على الفور إلى أوركا دون أن يسأل هيلا عن قصدها مرة أخرى.
“هل تطلب مني أن أُظهر سلطة جلالته عبر استخدام قوتي؟” سأل هيلموت.
وفي اللحظة التي خفق فيها أوركا بجناحيه، برقت ومضة في أحد جوانب الجبل.
أصدرت هيلا أمرًا لهورهيل بسرعة:
طاخ!
“قداستك، الناس حمقى ودائمًا ما يبحثون عن هدف يلقون عليه اللوم. ستكون أنت الهدف التالي لهم بعد هزيمة الوصي. عندها، عليك أن تُظهر أن عدالة جلالته بين يديك. حينها فقط سيعرف الناس من يجب عليهم خدمته.”
في تلك اللحظة، اخترق سهم ضخم ساق أوركا بصوت سحق مروّع.
كان هذا هو السبب الذي جعلهم يجمعون أكبر عدد ممكن من الجنود، رغم أن ذلك جعلهم يبدون كمجموعة من الحثالة تم تجميعها على عجل.
“أوركا!”
مرر يده بهدوء على عنق التنين الذي كان يركبه، أوركا. كان أوركا قد قام بمهام استطلاع طوال نصف اليوم تقريبًا، ونزل الآن ليريح جناحيه. ومنذ أن أزال خوان جميع القيود عنه، بدأ أوركا ينمو بسرعة كبيرة، وأصبح قادرًا على قطع مسافات أطول يومًا بعد يوم.
ارتج جسد أوركا بزئير ألم. كان السهم قد أصاب ساقه بدقة، لكن لم يكن هناك ما يمنعه من الطيران نحو السماء.
“…مدينة تورا المقدسة صاخبة وفوضوية لدرجة أنني سأضطر إلى تنظيف الداخل أولًا”، قال هيلموت.
عندما حلق أوركا في السماء، تم سحب منجنيق ضخم بواسطة سلسلة. وفي الوقت نفسه، نهض جنود جيش العاصمة الذين كانوا مختبئين تحت الثلوج وأوراق الأشجار الجافة جميعًا دفعة واحدة.
لذا، كان هيلموت سعيدًا بأن هذه الحادثة تمّت تسويتها بسلاسة على عكس ما كان يتوقع. فبارث بالتك الذي يعرفه هيلموت هو رجل كان من الممكن أن يحوّل العاصمة إلى بحر من الدماء بكل سهولة.
“إنها كمين! الجميع، استعدوا للقتال!”
لكنّه لم يتمكن من تفادي الشفرة التي اندفعت نحو وجهه.
أصدرت هيلا أوامرها بسرعة، لكن صرخة انطلقت من الخلف بالفعل. وفي ذات الوقت، مرّ سهم بجانب وجه هيلا. وقبل أن تدرك ما يحدث، صرخ الضابط المساعد الذي كان يمشي بجانبها وانهار على الأرض.
لم تكن كلمات إيميل خاطئة. ما تحتاجه الإمبراطورية في وقت الغزو الأجنبي هو قائد يمكنه توحيد الجميع تحت راية واحدة. لم يكن بارث بالتك مرشحًا مناسبًا لذلك، لأنه من عرقٍ مختلف. من ناحية أخرى، كان بإمكان هيلموت نفسه أن يُجسّد سلطة جلالته في شكل نعمة.
“اللعنة، كيف وصلوا إلى هنا بهذه السرعة؟”
ضحكت هيلا باستهزاء دون قصد قبل أن تقول لهورهيل آخر جملة:
لم يكن قد مر سوى يوم واحد فقط على سماعها نبأ قرار بارث بالتك بقيادة حملة القمع بنفسه. لم تستطع هيلا تصديق أن بارث بالتك كان ينتظرها، رغم أنها كانت أبعد منه مقارنةً بالجيش الشمالي أو جماعة هوجين، عبر كمين مدروس بهذا الشكل.
“اللعنة، كيف وصلوا إلى هنا بهذه السرعة؟”
ثم رأت هيلا ظلًا مألوفًا واقفًا على جانب تلة من جبال يولت. اشتعلت عيناها بالغضب.
أدركت هيلا أن هجوم الكمين من جيش العاصمة لم يكن بالحدة التي توقعتها. في الواقع، كانت الصرخات تأتي في الأساس من الخلف فقط.
“بافان!”
“السيد إيلدي”، همس هيلموت إلى إيميل بصوت منخفض. “هل لديك شيء في ذهنك؟”
بافان بيلتير، قائد جماعة العاصمة، كان يحدق بهدوء إلى الأسفل نحو جيش الشرق وهم يُذبحون. وُلد بافان في الشرق، ونشأ في الشرق، وتلقى تعليمه على يد لورد الشرق، لكنه لم يحمل ذرة رحمة.
“إذا كنت قادرًا على توحيد القوة التي تركها جلالته في شكل النعمة مع قوة الإمبراطورية في كيان واحد… فلن يكون من الصعب هزيمة الخونة. سيكون ذلك شرفًا، وكأن الإمبراطور قد عاد.”
وبدلًا من الرد على صرخة هيلا، ركز بافان سهمًا في قوسه بصمت. ومرّ السهم مرة أخرى بجانب وجهها.
تصلّب وجه هيلموت. لكن إيميل واصل الهمس له.
ضغطت هيلا على أسنانها وهي ترى أوركا يحوم في الهواء مرتبكًا ولا يعرف ما يفعل. كان أوركا قد نفث نيرانه عدة مرات نحو التل، لكن نيرانه لم تكن فعالة ضد الجنود المختبئين تحت الأشجار المغطاة بالثلوج.
‘الإمبراطور…’
أدركت هيلا أن هجوم الكمين من جيش العاصمة لم يكن بالحدة التي توقعتها. في الواقع، كانت الصرخات تأتي في الأساس من الخلف فقط.
ثم فهمت خطة بافان — لقد دخل وشق صفوف جيش الشرق مثل الأفعى، بعدما لاحظ مدى طول صفهم بسبب العدد الهائل من الجنود. لم يكن هدف بافان هو إيقاف هيلا فقط، بل أيضًا إيقاف تحرك الجيش الشرقي نفسه.
ثم فهمت خطة بافان — لقد دخل وشق صفوف جيش الشرق مثل الأفعى، بعدما لاحظ مدى طول صفهم بسبب العدد الهائل من الجنود. لم يكن هدف بافان هو إيقاف هيلا فقط، بل أيضًا إيقاف تحرك الجيش الشرقي نفسه.
ثم رأت هيلا ظلًا مألوفًا واقفًا على جانب تلة من جبال يولت. اشتعلت عيناها بالغضب.
كانت هذه أولى استراتيجيات بارث بالتك. لقد جعل الأمر يبدو وكأنه يذهب إلى الحرب تحت ضغط من العاصمة، لكن ذلك كان خدعة — فقد أرسل قواته مع بافان بيلتير قبل حدوث أي شيء.
“إنها كمين! الجميع، استعدوا للقتال!”
صرخت هيلا: “هورهيل! اتجه نحو برج السحر!” على أمل أن يتمكن هورهيل من سماعها وسط الفوضى. “اللعنة، ذلك الأحمق بافان يخطط لإيقاف جيش الشرق من الوصول إلى برج السحر! إذا فشلنا في سد الفجوة، سيقوم بارث بالتك بالقضاء على حلفائنا واحدًا تلو الآخر! انطلق وأوصل الرسالة!”
ارتج جسد أوركا بزئير ألم. كان السهم قد أصاب ساقه بدقة، لكن لم يكن هناك ما يمنعه من الطيران نحو السماء.
لم يتمكن هورهيل من مغادرة الميدان بسهولة، وظل يحلق في السماء وهو يشاهد مذبحة الجيش الشرقي، لكنه دفع أوركا إلى خفق جناحيه في النهاية، إذ لم يكن بوسعه سوى تنفيذ أمر هيلا.
“بل ليس مختلفًا، قداستك. إذا هُزم الوصي ووصل جيش المتمردين إلى تورا، فإن سلطة جلالته وسلطة الكنيسة ستُدمّران بالكامل.”
رأى بافان ذلك، ووجّه قوسه نحو هورهيل. وفي تلك اللحظة، نفث أوركا نيرانه على السلسلة المعلقة بالجسر، مما أدى إلى سقوط منجنيق أكبر من حجم الإنسان على مسافة ذراع واحدة فقط من بافان.
قالت هيلا بازدراء: “أحمق. نحن نفعل هذا لتجنب الحرب.”
رغم الصوت الصاخب، والثلج الذي انهال عليه، بقي بافان مركزًا.
“أوركا!”
لكنّه لم يتمكن من تفادي الشفرة التي اندفعت نحو وجهه.
كان بارث بالتك قد انتهى بالفعل. شعب الإمبراطورية قد أدار له ظهره بالكامل، وهذه الحملة ستكون الأخيرة له — سواء قتل الإمبراطور العائد أو قُتل على يده.
وميض فضي اخترق جسد هورهيل على ظهر أوركا.
***
وتناثر الدم الأحمر.
لم يتمكن هورهيل من مغادرة الميدان بسهولة، وظل يحلق في السماء وهو يشاهد مذبحة الجيش الشرقي، لكنه دفع أوركا إلى خفق جناحيه في النهاية، إذ لم يكن بوسعه سوى تنفيذ أمر هيلا.
***
“لم لا نتعلّم من تاريخ المجد الذي سارت فيه الكنيسة؟ ألم يُظهر قداستك لغير المؤمنين أن قوة جلالته لا تزال حية في كابرا الغربية؟”
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات
“السيد إيلدي”، حيّاه هيلموت باختصار. “ما الأمر؟”
من دون أيٍ منهما، كانت الإمبراطورية لتتمزق وسط حمامات الدم. ولهذا، اعترف هيلموت بقدرات بارث بالتك وأعجب بها، رغم كراهيته له.
