عقد الصفقات مع الجنون (2)
لم يستطع بافان إخفاء ارتباكه وهو ينظر إلى البنية الضخمة التي تحيط بقمة حوض لوين على شكل دائري. كان بافان يأتي إلى حوض لوين كثيرًا، لأنه مكان اعتاد بارث بالتيك زيارته حين أراد التفكير في هدوء. ومع ذلك، لم يرَ مثل هذه البنية من قبل.
“لا تقلق. لا يوجد حراس على الجدار. أنا هنا لأتفاوض مع ديسماس—لا حاجة لأن أدخل ومعي مجموعة جنود.”
نظرت هيلا بفضول إلى الهيكل المبني على قمة الحوض.
“مر وقت طويل يا قائد بافان. هل الوصي بخير؟”
“ما هذا بحق الجحيم؟ هل تلك قلعة؟ لا أظن، أعتقد أنها مصنوعة من الفولاذ… لم أسمع قط عن قلعة مبنية من الفولاذ من قبل.”
“أنت ذاك النحيل والضعيف… أوه، اعذرني. أعني… لقد أصبحت… أكثر صحة بكثير مما كنت.” تلعثمت هيلا.
“ولا أنا، يا معلمتي. لم يكن هناك شيء كهذا هنا حتى قبل بضعة أسابيع فقط. وفي نفس الوقت، ليس شيئًا يمكن بناؤه في يوم أو يومين، أليس كذلك؟”
لم يُبدِ ديسماس أي اهتمام بما قالته هيلا، لكنه كان يستمع بصمت.
“إذاً فهذا لا يعني إلا شيئًا واحدًا،” قالت هيلا وهي تطعن جوادها لتسريع السير. “لابد أن ديسماس يلعب معنا بمكرٍ من نوع ما.”
“هؤلاء عمالقة حُولوا إلى عبيد. يبدو أنهم أُسروا من ما وراء الحدود الغربية،” تمتم بافان.
صُدم بافان وسارع للحاق بهيلا بعد أن تقدمت فجأة على جوادها. عضّ على شفتيه؛ كان قلقًا من ذهابها بعيدًا عن الجنود الآخرين خلفهم. بغض النظر عن مشاعره الشخصية تجاه هيلا، يجب تجنب أي احتمال لوفاتها أو إصابتها بأي ثمن.
ولما لم تتكلم هيلا، قرر بافان أن يبدأ هو.
“تمهلّي، يا معلمتي!”
لم تستفق هيلا من ذهولها إلا بعد أن سمعت سعاله. ولأول مرة، شعرت بالامتنان لطبيعة بافان القاسية.
بينما صعد بافان جواده على المنحدر، تمكن من رؤية هيلا تتجول حول الجدار الضخم المصنوع من الفولاذ. كانت تنظر مدهوشة إلى حجم البنية الفولاذية الهائل.
“يا معلمتي، ابتعدي على الأقل عن الجدران. ماذا لو أطلقوا سهماً عليكِ من الأعلى؟”
“لا أقول إنه مبنٍ بإتقان، لكنه لا يزال صلبًا جدًا. جدران فولاذية، هاه؟ كيف خطر لأحدهم هذا الفكرة المتهورة؟ وكيف جلبوها إلى هنا أساسًا؟”
“عذرًا؟ بالطبع كان علي أن أحرقها، لأنها رفضت التوبة. أولئك الذين يُطهّرون بالنيران يصعدون إلى الشمس دون أن يحملوا خطايا العالم. يُقال إن جسد جلالته باقٍ على الأرض، لكن روحه تقيم في قصر الشمس وهو يحكم السطح والعالم السفلي معًا. ورغم أنها كانت فتاة لوّثت روحها باستخدام السحر الدنس، فأنا واثق أن جلالته سيكون كريماً بما يكفي ليحتضنها، لأنها كانت ما تزال صغيرة.”
“يا معلمتي، ابتعدي على الأقل عن الجدران. ماذا لو أطلقوا سهماً عليكِ من الأعلى؟”
“أنت ذاك النحيل والضعيف… أوه، اعذرني. أعني… لقد أصبحت… أكثر صحة بكثير مما كنت.” تلعثمت هيلا.
“لا تقلق. لا يوجد حراس على الجدار. أنا هنا لأتفاوض مع ديسماس—لا حاجة لأن أدخل ومعي مجموعة جنود.”
ثم تنحنح بافان ليكسر حدة الصمت القاتل.
“لا أستطيع وحدي أن أتحمّل مسؤولية سلامتك، يا معلمتي.”
“هل عانت كثيرًا من الألم؟”
“أحقًا؟ كانت خطتي أن أفعل أقصى ما أستطيع لإقحالك في خطر.”
ما إن دخلت هيلا وبافان الخيمة حتى خاطبهما رجل ضخم يرتدي درعًا أحمر. كان صوته عميقًا وقويًا.
“حسنًا، لقد نجحتِ حتى الآن جدًا.” ردّ بافان بملامح مُتعَبة.
“إذن أنت تقول إنها كانت تصرخ.”
سارت هيلا على طول الجدار الفولاذي ونقرت عليه بطرف سيفها. ثم هزّت رأسها عند سماع الصوت الثقيل المكتوم.
“حسنًا، لقد نجحتِ حتى الآن جدًا.” ردّ بافان بملامح مُتعَبة.
“لم يكتفوا بتغطية سور القلعة بالفولاذ. الجدار كله مصنوع من الفولاذ بالكامل. أريد أن أعرف كيف استطاعوا جلب كل هذا إلى هنا. وليس فقط عدم وجود حراس، هناك أمر آخر مفقود، مخالف لأي سور حصن عادي.”
“لا تقلق. لا يوجد حراس على الجدار. أنا هنا لأتفاوض مع ديسماس—لا حاجة لأن أدخل ومعي مجموعة جنود.”
“وما هو ذلك؟” سأل بافان.
“سأعرض عليك رهينة أفضل بكثير. سأكون رهينتك بدلًا من آنيا.”
“المدخل.”
“لا أستطيع وحدي أن أتحمّل مسؤولية سلامتك، يا معلمتي.”
كما قالت هيلا، كانت ألواح الفولاذ مصطفة بعرض نحو خمسة أمتار وارتفاع نحو خمسة عشر مترًا—لكن الباب لم يكن موجودًا في أي مكان. لم تستطع هيلا وبافان إلا أن يصطدما ببعضهما إذ جاؤا لهذه المسألة خصيصًا لمقابلة ديسماس والتفاوض معه.
رفع ديسماس خوذته ببطء بعد أن أنهى كلامه. كان رجلاً ذا شعر أحمر قصير، يعطي انطباعًا دافئًا وطيبًا. كان على وجهه ابتسامة ودودة لدرجة أن هيلا بالكاد صدقت أنه عدو يمكنه أن يشعل حربًا في أي لحظة.
ولكن هيلا قررت التفكير بشكل بسيط. أمسكت بسيفها وشرعت تضرب الجدار وهي جالسة على جوادها.
“هل عانت كثيرًا من الألم؟”
طن! طن! طن!
نظر ديسماس إلى الرماد المبعثر، ثم سرعان ما أصبح بلا تعبير. تجمّد جو الخيمة أمام برودة ملامحه، وكأن ابتسامته الدافئة كانت مجرد كذبة.
رنّ صوت طرق حادّ، مما أزعج أذني بافان.
“ماذا تعني بقولك جئنا عبثًا؟” سألت هيلا.
“يا! هل هناك أحد؟ أنا هنا لمقابلة ديسماس ديلفر!”
“أعلم أنكما تكبدتما عناء المجيء إلى هنا، لكن يبدو أنكما جئتما عبثًا.”
شعر بافان بعدم الارتياح لإحداث ضجة أمام معسكر العدو. لكنه كان يعلم أنه يجب عليهم محاولة كل ما في وسعهم للقاء ديسماس، حتى لو اقتضى الأمر إثارة ضجيج أمام معسكر العدو.
“لا تقلق. لا يوجد حراس على الجدار. أنا هنا لأتفاوض مع ديسماس—لا حاجة لأن أدخل ومعي مجموعة جنود.”
ومع ذلك، بدل الانضمام إلى هيلا في الضجيج، راقب بافان الجدران عن كثب ليمنع وقوع سهم يصيب هيلا.
فكرت هيلا في نفسها. لكنها بدلاً من قول كلمات عديمة الفائدة، قررت أن تحاول إقناعه.
في تلك اللحظة، توقفا فجأة إذ رأيا الجدار الفولاذي يهتز لوهلة. ثم ارتفعت لوحتان فولاذيتان أمام هيلا وبافان ببطء وفتحتا شَقًّا ضيّقًا على الجانبين. كان الفتحة ضيقة بحيث لا تتسع إلا لشخصين فقط.
“حسنًا. سأدخل أولًا، فأنتِ تخاطرين بحياتك لتنقذيني، حسنًا؟”
“يريدون منا أن ندخل، أليس كذلك؟”
“ولا أنا، يا معلمتي. لم يكن هناك شيء كهذا هنا حتى قبل بضعة أسابيع فقط. وفي نفس الوقت، ليس شيئًا يمكن بناؤه في يوم أو يومين، أليس كذلك؟”
“أظنها فخ، يا معلمتي. أشعر أننا سنُسحق حال دخولنا.”
الفارس الذي توقف أمام هيلا خلع خوذته.
“حسنًا. سأدخل أولًا، فأنتِ تخاطرين بحياتك لتنقذيني، حسنًا؟”
“تمهلّي، يا معلمتي!”
“أبدأ أعتقد أنه سيكون أسهل لو تركتك تموت هنا بدل أن أجاهد لإنقاذك؛ يمكنني بعدها أن أطلب مغفرة جلالته.”
“لو كان هذا سهلًا على أرض مستوية فقد يكون قادرًا على ذلك، لكن صعوبة الارتفاع هنا تجعله مرهقًا. لكن المشكلة الحقيقية ليست ذلك فحسب. إن الحفاظ على المعنويات سيكون التحدي الأكبر إذا قرّر هؤلاء العمالقة المزّودون بدرع حديدي أن يجنّوا. ألم يكن من الأفضل جلب جولمات تورا ليقاتلوا بدل أن نرى الجيش الإمبراطوري البريء يعاني؟”
تجاهلت هيلا بافان وقادت الطريق للدخول.
“نعم. لقد صرخت.”
قمَع بافان أسنانه وتبعها. لحسن الحظ، لم تُغلق الجدران عليهم لتسحقهم. ولم يدركا شكل الجدار إلا بعد دخولهما بالكامل.
“أنت ذاك النحيل والضعيف… أوه، اعذرني. أعني… لقد أصبحت… أكثر صحة بكثير مما كنت.” تلعثمت هيلا.
خلف الجدار وقف عمالقة ضخمون يدعمون الجدار الفولاذي.
“لم تسمع حتى أيًا من اقتراحاتي بعد.”
فتح بافان وهيلا فميهما عند رؤية العمالقة البالغ طول الواحد منهم نحو عشرين مترًا، حاملين دروعًا حديدية ضخمة بيديهما ومتكئين عليها. الجدار تشكّل من صفوف هؤلاء العمالقة المحيطين بالحوض.
لقد بدأت المفاوضات.
تذكّرت هيلا كيف أن سور تورا صنع من الجولمات. كان الجدار المبني بالعمالقة أقل دقة بكثير مقارنة بسور تورا، لكنه كان جدارًا حقيقيًا قابلًا للتحرك ويمكن استخدامه حتى ممن ليسوا بقوة الإمبراطور.
“دوق هينا. لم نلتقي منذ زمن.”
“هؤلاء عمالقة حُولوا إلى عبيد. يبدو أنهم أُسروا من ما وراء الحدود الغربية،” تمتم بافان.
“المدخل.”
كما قال بافان، الجميع كان يرتدي عصابات على أعينهم، ولديهم أجهزة غريبة مُدمجة في رؤوسهم وأعمدتهم الفقرية وأطرافهم. ونادرًا ما كان هناك عملاق بلا عصابة على عينيه، لكنهم حينها بدوا فاقدي العقل.
“ماذا تعني بقولك جئنا عبثًا؟” سألت هيلا.
ثم رأت هيلا وبافان أشخاصًا يمتطون ظهور العمالقة. وعندما يشد هؤلاء الأشخاص على الحبال، عادت العمالقة التي انفتحت لتشكّل الجدار لتغلقه ببطء مجددًا.
“مر وقت طويل يا قائد بافان. هل الوصي بخير؟”
“هل تعتقد أن الجيش الإمبراطوري سيتمكن من اقتحام هذا الجدار؟” سألت هيلا.
“سُررت بلقائكما. أنتما دوق هينّا وقائد بافان من رتبة فرسان العاصمة، أليس كذلك؟ الدوكتورال جنرال ديسماس ينتظركما.”
“لو كان هذا سهلًا على أرض مستوية فقد يكون قادرًا على ذلك، لكن صعوبة الارتفاع هنا تجعله مرهقًا. لكن المشكلة الحقيقية ليست ذلك فحسب. إن الحفاظ على المعنويات سيكون التحدي الأكبر إذا قرّر هؤلاء العمالقة المزّودون بدرع حديدي أن يجنّوا. ألم يكن من الأفضل جلب جولمات تورا ليقاتلوا بدل أن نرى الجيش الإمبراطوري البريء يعاني؟”
ولما لم تتكلم هيلا، قرر بافان أن يبدأ هو.
في تلك اللحظة، سُمعت أصوات حوافر خيول. فارس بلباس أحمر امتطى جوادًا واقترب من هيلا وبافان داخل الحوض.
“لقد تحولت إلى رماد، لكن بالطبع. إن كان ذلك يناسبكما.”
عند رؤية رمز اليد التي تمسك مطرقة ملطخة بالدم، استنتجا أنه لابد أن يكون فارسًا من طائفة سورتر.
“هؤلاء عمالقة حُولوا إلى عبيد. يبدو أنهم أُسروا من ما وراء الحدود الغربية،” تمتم بافان.
الفارس الذي توقف أمام هيلا خلع خوذته.
في تلك اللحظة، توقفا فجأة إذ رأيا الجدار الفولاذي يهتز لوهلة. ثم ارتفعت لوحتان فولاذيتان أمام هيلا وبافان ببطء وفتحتا شَقًّا ضيّقًا على الجانبين. كان الفتحة ضيقة بحيث لا تتسع إلا لشخصين فقط.
“سُررت بلقائكما. أنتما دوق هينّا وقائد بافان من رتبة فرسان العاصمة، أليس كذلك؟ الدوكتورال جنرال ديسماس ينتظركما.”
ومع ذلك، بدل الانضمام إلى هيلا في الضجيج، راقب بافان الجدران عن كثب ليمنع وقوع سهم يصيب هيلا.
***
“لقد أحرقت تلك الفتاة المدعوة آنيا بالأمس. أرسلت رمادها إلى جلالته.”
“دوق هينا. لم نلتقي منذ زمن.”
“لم تسمع حتى أيًا من اقتراحاتي بعد.”
ما إن دخلت هيلا وبافان الخيمة حتى خاطبهما رجل ضخم يرتدي درعًا أحمر. كان صوته عميقًا وقويًا.
“نعم. لقد صرخت.”
لم تستطع هيلا التعرف عليه لأنه كان يرتدي خوذة، لكنها تمكنت من التخمين من خلال تعابير بافان المتوترة أن الرجل هو ديسماس ديلفر.
“سعيد بسماع ذلك. وكل الفضل يعود إلى نعمة جلالته.”
ومع ذلك، بقي ترحيبه غامضًا وغير مفهوم.
ثم تنحنح بافان ليكسر حدة الصمت القاتل.
“هل التقينا من قبل، أيها الجنرال ديسماس؟” سألت هيلا.
نظرت هيلا طويلًا داخل الصندوق الذي تفوح منه رائحة الرماد، ثم تكلمت أخيرًا.
“سأكون ممتنًا لو ناديتني بالجنرال العقائدي. قد لا تتذكرين، فقد كنت صغيرًا جدًا حينها. اعتدت أن أزور الشرق مع أخي الأكبر عندما كانت التنانين لا تزال تحلق في السماء.”
طن! طن! طن!
رفع ديسماس خوذته ببطء بعد أن أنهى كلامه. كان رجلاً ذا شعر أحمر قصير، يعطي انطباعًا دافئًا وطيبًا. كان على وجهه ابتسامة ودودة لدرجة أن هيلا بالكاد صدقت أنه عدو يمكنه أن يشعل حربًا في أي لحظة.
“…لماذا أخبرتنا بكذبة كهذه؟” سألت هيلا.
نهض ديسماس من مقعده وأمسك بيد هيلا. عندها فقط تذكّرته. غير أنه كان من الصعب أن تفكر أن ديسماس الذي في ذاكرتها هو نفس الرجل الذي يقف أمامها الآن.
“لماذا حرقتها؟”
“أنت ذاك النحيل والضعيف… أوه، اعذرني. أعني… لقد أصبحت… أكثر صحة بكثير مما كنت.” تلعثمت هيلا.
لكنها لم تتوقع أن يكون هو من يثير الموضوع أولًا.
“كل الفضل يعود إلى جهودي في الاحتفاظ بطموح جلالته العظيم في قلبي. لقد مُنحت قوة إله قوي، لكن عليّ أن أسيطر على جسدي لأحتوي تلك القوة بداخلي.”
“آنيا ليست رهينة مفيدة. ببساطة لا تستحق. أنا متأكدة أنك تعلم هذا بالفعل، لكنني سمعت أن آنيا فقدت قدراتها كاستدعائية للموتى. إنها مجرد إنسانة عادية الآن.”
رغم أن هيلا وديسماس كانا قائدين في الجيش الإمبراطوري، إلا أنه كان من الصعب أن يلتقيا، بما أنهما متمركزان في أقصى الشرق وأقصى الغرب من الإمبراطورية. كانت هيلا قد سمعت من الشائعات أن ديسماس أصبح رجلاً ضخمًا، لكنها لم تتوقع أن يتحول إلى هذا الرجل مفتول العضلات.
“مر وقت طويل يا قائد بافان. هل الوصي بخير؟”
في هذه الأثناء، حيّا ديسماس بافان أيضًا.
“لقد تحولت إلى رماد، لكن بالطبع. إن كان ذلك يناسبكما.”
“مر وقت طويل يا قائد بافان. هل الوصي بخير؟”
“سأكون ممتنًا لو ناديتني بالجنرال العقائدي. قد لا تتذكرين، فقد كنت صغيرًا جدًا حينها. اعتدت أن أزور الشرق مع أخي الأكبر عندما كانت التنانين لا تزال تحلق في السماء.”
ارتسمت على وجه بافان ملامح غريبة عند سماع سؤال ديسماس. لم يشهد بافان اللحظات الأخيرة لبارث بالتيك، لكنه جمع وخزّن الرمح الذي أصابه بجروح قاتلة.
ولكن هيلا قررت التفكير بشكل بسيط. أمسكت بسيفها وشرعت تضرب الجدار وهي جالسة على جوادها.
كان رمحًا يحمل رمزًا واضحًا يخص فرسان سورتر.
شعر بافان بعدم الارتياح لإحداث ضجة أمام معسكر العدو. لكنه كان يعلم أنه يجب عليهم محاولة كل ما في وسعهم للقاء ديسماس، حتى لو اقتضى الأمر إثارة ضجيج أمام معسكر العدو.
لم يستطع بافان أن يعرف إن كان ديسماس يتظاهر بالجهل أو يستهزئ به، فلم يكن أمامه سوى أن يعطي جوابًا غامضًا هو الآخر.
أومأ ديسماس إلى الحارس الواقف عند المدخل. خرج الحارس ثم عاد سريعًا ومعه صندوق صغير. كان الصندوق المربع ممتلئًا بالرماد الأبيض.
“نعم. بفضلك.”
أومأ ديسماس إلى الحارس الواقف عند المدخل. خرج الحارس ثم عاد سريعًا ومعه صندوق صغير. كان الصندوق المربع ممتلئًا بالرماد الأبيض.
“سعيد بسماع ذلك. وكل الفضل يعود إلى نعمة جلالته.”
لقد سمعت هيلا بالفعل من خوان أن أمبرا قد دُمّر وأن آنيا فقدت معظم قدراتها في استدعاء الموتى. علاوة على ذلك، كانت تعرف أن آنيا أصيبت بجروح خطيرة من قتالها ضد إيولين.
تبادل هيلا وبافان النظرات؛ فقد توقعا أن تكون المفاوضات أصعب بكثير مما اعتقدا. فبكل المقاييس، بدا أن ديسماس قد فقد عقله تمامًا.
“قد يكون عرضنا بتركك على قيد الحياة هو الاقتراح الأكثر جاذبية لدينا.”
ابتسم ديسماس بود وهو يصافح هيلا، ثم دخل مباشرة في صلب المفاوضات.
“…لماذا أخبرتنا بكذبة كهذه؟” سألت هيلا.
“أعرف سبب قدومكما. الأمر يتعلق بتلك الفتاة المدعوة آنيا، أليس كذلك؟”
“قد يكون عرضنا بتركك على قيد الحياة هو الاقتراح الأكثر جاذبية لدينا.”
ضيّقت هيلا عينيها. كانت تفكر طويلًا فيما قد يقوله ديسماس لهما. لم تكن تتوقع منه إلا رفض المفاوضات تمامًا أو إنكار اختطاف آنيا، وكانت قد أعدّت ردودًا مضادة واقتراحات لإقناعه.
“لا أقول إنه مبنٍ بإتقان، لكنه لا يزال صلبًا جدًا. جدران فولاذية، هاه؟ كيف خطر لأحدهم هذا الفكرة المتهورة؟ وكيف جلبوها إلى هنا أساسًا؟”
لكنها لم تتوقع أن يكون هو من يثير الموضوع أولًا.
رنّ صوت طرق حادّ، مما أزعج أذني بافان.
“لا أظن أنه من المناسب تسميتها فتاة… لكنها ما تزال صغيرة السن. أيها الجنرال العقائدي ديسماس، نحن كبار السن لا نبالي إن متنا، لكن ألن يكون من الأفضل أن نعطي الشباب المزيد من الفرص ونظهر لهم بعض الرحمة؟”
تبادل هيلا وبافان النظرات؛ فقد توقعا أن تكون المفاوضات أصعب بكثير مما اعتقدا. فبكل المقاييس، بدا أن ديسماس قد فقد عقله تمامًا.
“أعلم أنكما تكبدتما عناء المجيء إلى هنا، لكن يبدو أنكما جئتما عبثًا.”
“لا أظن أنه من المناسب تسميتها فتاة… لكنها ما تزال صغيرة السن. أيها الجنرال العقائدي ديسماس، نحن كبار السن لا نبالي إن متنا، لكن ألن يكون من الأفضل أن نعطي الشباب المزيد من الفرص ونظهر لهم بعض الرحمة؟”
“ماذا تعني بقولك جئنا عبثًا؟” سألت هيلا.
“قد يكون عرضنا بتركك على قيد الحياة هو الاقتراح الأكثر جاذبية لدينا.”
“لقد أحرقت تلك الفتاة المدعوة آنيا بالأمس. أرسلت رمادها إلى جلالته.”
“…لماذا أخبرتنا بكذبة كهذه؟” سألت هيلا.
خيم صمت طويل على الخيمة.
“تمهلّي، يا معلمتي!”
ثم تنحنح بافان ليكسر حدة الصمت القاتل.
“ما هذا بحق الجحيم؟ هل تلك قلعة؟ لا أظن، أعتقد أنها مصنوعة من الفولاذ… لم أسمع قط عن قلعة مبنية من الفولاذ من قبل.”
لم تستفق هيلا من ذهولها إلا بعد أن سمعت سعاله. ولأول مرة، شعرت بالامتنان لطبيعة بافان القاسية.
“تمهلّي، يا معلمتي!”
ولما لم تتكلم هيلا، قرر بافان أن يبدأ هو.
انحنى ديسماس والتقط حفنة من الرماد.
“هل يمكن أن نرى بقاياها؟”
“على حد علمي، آنيا لا تصرخ مهما كان الألم الذي تعانيه.”
“لقد تحولت إلى رماد، لكن بالطبع. إن كان ذلك يناسبكما.”
عندها سكبت هيلا محتويات الصندوق الذي بين يديها على الأرض دون تردد ما إن سمعت جوابه.
أومأ ديسماس إلى الحارس الواقف عند المدخل. خرج الحارس ثم عاد سريعًا ومعه صندوق صغير. كان الصندوق المربع ممتلئًا بالرماد الأبيض.
لم يستطع بافان إخفاء ارتباكه وهو ينظر إلى البنية الضخمة التي تحيط بقمة حوض لوين على شكل دائري. كان بافان يأتي إلى حوض لوين كثيرًا، لأنه مكان اعتاد بارث بالتيك زيارته حين أراد التفكير في هدوء. ومع ذلك، لم يرَ مثل هذه البنية من قبل.
نظرت هيلا طويلًا داخل الصندوق الذي تفوح منه رائحة الرماد، ثم تكلمت أخيرًا.
ولكن هيلا قررت التفكير بشكل بسيط. أمسكت بسيفها وشرعت تضرب الجدار وهي جالسة على جوادها.
“لماذا حرقتها؟”
“لأني أردت أن أرى كلاب الإمبراطور الزائف وهي تتفاجأ. ذلك الجمود الذي ارتسم على وجهيكما كان مشهدًا رائعًا.”
“عذرًا؟ بالطبع كان علي أن أحرقها، لأنها رفضت التوبة. أولئك الذين يُطهّرون بالنيران يصعدون إلى الشمس دون أن يحملوا خطايا العالم. يُقال إن جسد جلالته باقٍ على الأرض، لكن روحه تقيم في قصر الشمس وهو يحكم السطح والعالم السفلي معًا. ورغم أنها كانت فتاة لوّثت روحها باستخدام السحر الدنس، فأنا واثق أن جلالته سيكون كريماً بما يكفي ليحتضنها، لأنها كانت ما تزال صغيرة.”
“…لماذا أخبرتنا بكذبة كهذه؟” سألت هيلا.
“هل عانت كثيرًا من الألم؟”
“المدخل.”
“مقدار الألم يصبح مقياسًا للتأمل الذاتي. إن كانت الروح تُطهَّر بألم الجسد، فما أثمن من ذلك؟ كانت صرخات الفتاة مؤلمة لآذاننا، لكننا شعرنا بالارتياح لظننا أننا أنقذنا روح شخص آخر وأرسلناها بأمان إلى…”
صُدم بافان وسارع للحاق بهيلا بعد أن تقدمت فجأة على جوادها. عضّ على شفتيه؛ كان قلقًا من ذهابها بعيدًا عن الجنود الآخرين خلفهم. بغض النظر عن مشاعره الشخصية تجاه هيلا، يجب تجنب أي احتمال لوفاتها أو إصابتها بأي ثمن.
“إذن أنت تقول إنها كانت تصرخ.”
“لو كان هذا سهلًا على أرض مستوية فقد يكون قادرًا على ذلك، لكن صعوبة الارتفاع هنا تجعله مرهقًا. لكن المشكلة الحقيقية ليست ذلك فحسب. إن الحفاظ على المعنويات سيكون التحدي الأكبر إذا قرّر هؤلاء العمالقة المزّودون بدرع حديدي أن يجنّوا. ألم يكن من الأفضل جلب جولمات تورا ليقاتلوا بدل أن نرى الجيش الإمبراطوري البريء يعاني؟”
قاطعت هيلا كلام ديسماس قبل أن يكمله.
“المدخل.”
ارتجف ديسماس وتوقف لحظة، ثم أومأ برأسه.
بينما صعد بافان جواده على المنحدر، تمكن من رؤية هيلا تتجول حول الجدار الضخم المصنوع من الفولاذ. كانت تنظر مدهوشة إلى حجم البنية الفولاذية الهائل.
“نعم. لقد صرخت.”
“يريدون منا أن ندخل، أليس كذلك؟”
عندها سكبت هيلا محتويات الصندوق الذي بين يديها على الأرض دون تردد ما إن سمعت جوابه.
“لأني أردت أن أرى كلاب الإمبراطور الزائف وهي تتفاجأ. ذلك الجمود الذي ارتسم على وجهيكما كان مشهدًا رائعًا.”
وبينما تجمدت ملامح ديسماس بسبب الرماد الأبيض الذي غطى الخيمة، وضع بافان يده على مقبض سيفه بقلق.
تنهدت هيلا وقدمت اقتراحها.
“على حد علمي، آنيا لا تصرخ مهما كان الألم الذي تعانيه.”
“ما هذا بحق الجحيم؟ هل تلك قلعة؟ لا أظن، أعتقد أنها مصنوعة من الفولاذ… لم أسمع قط عن قلعة مبنية من الفولاذ من قبل.”
نظر ديسماس إلى الرماد المبعثر، ثم سرعان ما أصبح بلا تعبير. تجمّد جو الخيمة أمام برودة ملامحه، وكأن ابتسامته الدافئة كانت مجرد كذبة.
“سعيد بسماع ذلك. وكل الفضل يعود إلى نعمة جلالته.”
انحنى ديسماس والتقط حفنة من الرماد.
ولكن هيلا قررت التفكير بشكل بسيط. أمسكت بسيفها وشرعت تضرب الجدار وهي جالسة على جوادها.
“هذا أستطيع أن أؤكده.”
نهض ديسماس من مقعده وأمسك بيد هيلا. عندها فقط تذكّرته. غير أنه كان من الصعب أن تفكر أن ديسماس الذي في ذاكرتها هو نفس الرجل الذي يقف أمامها الآن.
“…لماذا أخبرتنا بكذبة كهذه؟” سألت هيلا.
“هل تعتقد أن الجيش الإمبراطوري سيتمكن من اقتحام هذا الجدار؟” سألت هيلا.
“لأني أردت أن أرى كلاب الإمبراطور الزائف وهي تتفاجأ. ذلك الجمود الذي ارتسم على وجهيكما كان مشهدًا رائعًا.”
لقد سمعت هيلا بالفعل من خوان أن أمبرا قد دُمّر وأن آنيا فقدت معظم قدراتها في استدعاء الموتى. علاوة على ذلك، كانت تعرف أن آنيا أصيبت بجروح خطيرة من قتالها ضد إيولين.
تحول نبرته فجأة إلى التعالي، وكأنه لم يعد بحاجة ليتظاهر باللطف، مما جعله يبدو شخصًا مختلفًا كليًا عما بدا عليه قبل قليل.
“حسنًا. سأدخل أولًا، فأنتِ تخاطرين بحياتك لتنقذيني، حسنًا؟”
ومن هذا استنتجت هيلا أن شخصية ديسماس مراوغة للغاية.
“وما هو ذلك؟” سأل بافان.
لقد بدأت المفاوضات.
نهض ديسماس من مقعده وأمسك بيد هيلا. عندها فقط تذكّرته. غير أنه كان من الصعب أن تفكر أن ديسماس الذي في ذاكرتها هو نفس الرجل الذي يقف أمامها الآن.
“هل ما تزال آنيا على قيد الحياة؟” سألت هيلا.
***
“نعم. لكن لا أظن أن هناك سببًا يجعلني أعيدها إليكما.”
“حسنًا، لقد نجحتِ حتى الآن جدًا.” ردّ بافان بملامح مُتعَبة.
“لم تسمع حتى أيًا من اقتراحاتي بعد.”
الفارس الذي توقف أمام هيلا خلع خوذته.
“الإمبراطور الزائف أهان والدي، جلالته، وقداسته. إن كان يريد أن يقدم اقتراحًا يرضيني، فلا أظن أن هناك ما يمكن أن يقدمه لي غير رأسه. وبالطبع، فالأفضل لبقية أتباعه أن يفروا بعدها.”
كان رمحًا يحمل رمزًا واضحًا يخص فرسان سورتر.
“قد يكون عرضنا بتركك على قيد الحياة هو الاقتراح الأكثر جاذبية لدينا.”
“ما هذا بحق الجحيم؟ هل تلك قلعة؟ لا أظن، أعتقد أنها مصنوعة من الفولاذ… لم أسمع قط عن قلعة مبنية من الفولاذ من قبل.”
فكرت هيلا في نفسها. لكنها بدلاً من قول كلمات عديمة الفائدة، قررت أن تحاول إقناعه.
“لأني أردت أن أرى كلاب الإمبراطور الزائف وهي تتفاجأ. ذلك الجمود الذي ارتسم على وجهيكما كان مشهدًا رائعًا.”
“آنيا ليست رهينة مفيدة. ببساطة لا تستحق. أنا متأكدة أنك تعلم هذا بالفعل، لكنني سمعت أن آنيا فقدت قدراتها كاستدعائية للموتى. إنها مجرد إنسانة عادية الآن.”
“يا معلمتي، ابتعدي على الأقل عن الجدران. ماذا لو أطلقوا سهماً عليكِ من الأعلى؟”
لقد سمعت هيلا بالفعل من خوان أن أمبرا قد دُمّر وأن آنيا فقدت معظم قدراتها في استدعاء الموتى. علاوة على ذلك، كانت تعرف أن آنيا أصيبت بجروح خطيرة من قتالها ضد إيولين.
أومأ ديسماس إلى الحارس الواقف عند المدخل. خرج الحارس ثم عاد سريعًا ومعه صندوق صغير. كان الصندوق المربع ممتلئًا بالرماد الأبيض.
لم يُبدِ ديسماس أي اهتمام بما قالته هيلا، لكنه كان يستمع بصمت.
“نعم. لقد صرخت.”
تنهدت هيلا وقدمت اقتراحها.
“لا أقول إنه مبنٍ بإتقان، لكنه لا يزال صلبًا جدًا. جدران فولاذية، هاه؟ كيف خطر لأحدهم هذا الفكرة المتهورة؟ وكيف جلبوها إلى هنا أساسًا؟”
“سأعرض عليك رهينة أفضل بكثير. سأكون رهينتك بدلًا من آنيا.”
“لا تقلق. لا يوجد حراس على الجدار. أنا هنا لأتفاوض مع ديسماس—لا حاجة لأن أدخل ومعي مجموعة جنود.”
“هل يمكن أن نرى بقاياها؟”
