عقد الصفقات مع الجنون (3)
اتسعت عينا بافان وهو يحدّق في هيلا.
***
اقتراح هيلا لم يكن شيئًا قد ناقشته معه من قبل، ولم يعرف ما الذي ينبغي أن يفعله في هذا الموقف، إذ كانت مهمته الأساسية حماية هيلا.
“تلك المرأة أمامكما انتهى بها الأمر إلى تدمير كاينهريار إيولين. وللأسف، ليس لدي حتى فرصة لإصلاحه. وفي الوقت نفسه، فقدت قدرتها على استدعاء الموتى وأصبحت مجرد بشرية عادية. لذلك كنت قد فكرتُ في البداية بحرقها في نيران التوبة، لكنني صادفتُ فيها إمكانية فريدة أثناء محاولتي دفعها إلى التوبة،” قال ديسماس بابتسامة متسامحة. “تلك المرأة تملك إمكانية أن تصبح كاينهريار نيجراتو.”
في هذه الأثناء، التوى فم ديسماس بابتسامة ساخرة.
في هذه الأثناء، التوى فم ديسماس بابتسامة ساخرة.
“يا له من اقتراح سخيف. أسيرة ذات قيمة، تقولين؟ لماذا أفرّط في الشابة قائدة فرسان هوجين مقابل عجوز مُقعَدة مثلك؟”
وفي تلك اللحظة، اندلعت ألسنة لهبٍ اخترقت السماء، شقت الغيوم وانتشرت في الفضاء.
“شهرة فرسان هوجين لم تعد سوى من الماضي. فرسانهم الأسطوريون جميعهم قد ماتوا، وكان ديلموند آخر من سقط. والقدرة الوحيدة التي بقيت لديهم كانت نكرومانسر قائدتهم، لكن أنيا لم تعد تملكها. من المضيعة أن تُدعى قائدة فرسان هوجين بعد الآن.”
“هذا أفضل حتى. سأتمكن من الإضرار بمسيرتك.”
ضربت هيلا صدرها.
فتح خوان فمه أولًا.
“أما أنا، فقد صنعتُ قيمتي بنفسي، بغض النظر عن قدرتي على استخدام السحر أو السيف. أنا حاكمة الشرق وحدي، دوقة، وأمسك الآن بالقوة الجوهرية لتورا. وكما تعلم، ليس للشرق أي خلفاء. لذلك فإن تخلّي العاصمة عني لا يختلف عن تخلّيها عن الشرق.”
غطّت هيلا أنفها بكمّها وحدّقت حولها بعجلة.
كانت قصة هيلا مقنعة بما يكفي لتثير اهتمام حتى بافان نفسه. إذ كان من المعروف أنه لا يوجد خلف للشرق، وقد عانى الشرق من ارتباك عظيم وفوضى عند افتراض موت هيلا مؤقتًا. كان من المؤكد أن سكان الشرق سيتزعزعون بشدّة إذا شاع خبر وقوعها أسيرة.
***
لكن تعبير ديسماس لم يتغيّر.
وعلى ظهر أنيا، وُجدت جروحٌ وندوب واضحة تركها الجلد بالسياط. كان دليلًا جليًا على تعذيبٍ قاسٍ.
“لا يهمّني ذلك الهراء السياسي. ما يهمّني هو أن أبقى وفيًا لجلالته.”
***
“كان جلالته ليقبل اقتراحي بسرور لو كان بوسعه أن يستولي على الشرق كلّه دون أن تُسفك قطرة دم واحدة.”
سددت هيلا لكمة إلى أنف بافان. تدفق الدم من أنفه مجددًا، لكنه لم يُفلتها.
“وجودك في يدي لا يعني أن الشرق قد أصبح في يدي. ثمّ، لستُ أنا جلالته. أنا فقط أطيع إرادته، هذا كل ما في الأمر. واجبي أن أبشّر بإرادته، وأعلّم الناس إرادته، وأطهّر من يرفضها. فقولي لي إذًا، لماذا لا أحرق أنيا، وأنتِ، وقائد فرسان العاصمة هذا؟”
اتسعت عينا بافان وهو يحدّق في هيلا.
شعر بافان برغبة جامحة في أن يسأل ديسماس إن كان ينوي حقًا قتل مبعوثي العاصمة، لكنه بالكاد كبح نفسه. ففي النهاية، هيلا هي من تجلس على طاولة التفاوض، وليس مكانه أن يتقدّم.
“مولاتي، أرجوك.”
لكن بدا أن هيلا تركزت على الجزء الآخر من كلمات ديسماس؛ وبما أنه ذكر أنيا أيضًا، فهذا يعني بلا شك أنها ما تزال على قيد الحياة.
كانت هيلا تعرف ما يقصده ديسماس، فقد سمعت عن قيامة إيولين. غير أنها لم تفهم سبب إثارة هذا الموضوع وسط حديثهم.
تنهدت هيلا.
سددت هيلا لكمة إلى أنف بافان. تدفق الدم من أنفه مجددًا، لكنه لم يُفلتها.
“كنتَ لتُحرقنا جميعًا فور وصولنا لو كنتَ تنوي قتلنا فعلًا. ليس عندي ما أقدمه أكثر من هذا. لكن أظن أن عرضي جذّاب بما يكفي أصلًا. كنتُ سأعرض عليك حتى قائد فرسان العاصمة كرهينة بدلًا عن أنيا لو أمكن، لكن…” هزّت كتفيها.
“دوقة هينا. هذا التنين صغير للغاية مقارنةً بتنانين بيلديف التي رأيتها في الماضي. إن كنتِ تظنين أن تنينًا قد يكون خطتكم البديلة، فأنتِ بالغا…”
حدّق بافان في هيلا بذهول، بينما لم تلتفت هيلا إليه إطلاقًا.
في تلك اللحظة، رأى بافان ضوءًا ساطعًا. فأسرع بجذب هيلا بعيدًا عن أنيا.
“إنه لن يوافق أبدًا، لأنه لا يستمع إليّ أصلًا، وفوق ذلك هو إنسان أناني للغاية. هذا غير أننا لدينا بالفعل الكثير مما يجب أن نستعيده منك، أيها الجنرال العقائدي ديسماس. أخشى أنك ستبدأ بالشك فينا إن قدّمنا لك أكثر مما ينبغي. فلنعتبر هذا بداية حسنة، أليس كذلك؟”
في تلك اللحظة، فتح ديسماس فمه فجأة.
توتّر بافان وهو يرى لهجة هيلا المتعجرفة، فيما ابتسم ديسماس كأنه مهتم. وجهه، الذي بدا قبل لحظات كقناع متجمّد بلا ملامح، تحوّل فجأة إلى وجه ودود ودافئ تمامًا كما كان عند لقائهما الأول.
شعر بافان برغبة جامحة في أن يسأل ديسماس إن كان ينوي حقًا قتل مبعوثي العاصمة، لكنه بالكاد كبح نفسه. ففي النهاية، هيلا هي من تجلس على طاولة التفاوض، وليس مكانه أن يتقدّم.
“دوقة هينا، لا تفشلين أبدًا في إدهاشي. لا بدّ أن أقول إنني منبهر حقًا بجرأتك حين وضعتِ نفسكِ موضع الرهان.” اقترب ديسماس من هيلا وصافحها. “بصراحة، كنا نفكر نحن أيضًا بإعادة الآنسة أنيا لأسباب إنسانية. لقد كانت مزعجة حقًا في التعامل معها. لكن سيكون من الوقاحة أن أرفض عرضك. تفضلي بالبقاء معنا إذن، وكوني جسرًا للتفاوض مع أولئك الذين يحتلون تورا بشكل غير شرعي.”
لقد بددت الموجة الصادمة التي دمّرت الخيام الغيوم الداكنة في السماء. لكن السماء الصافية لم تُرَ. بل كان هناك تنين هائل، طوله مئات الأمتار، يغطي الحوض بأكمله وهو يحلق في الجو.
كان من المستحيل أصلًا أن يتسامح ديسماس مع خوان. فهو مؤمن مخلص للكنيسة، ولا يمكنه أن يغفر لخوان الذي “احتل تورا بشكل غير شرعي” وطرد البابا. أما خوان فكان لديه أشياء كثيرة ينبغي أن يستعيدها من ديسماس، بما فيها جسده الأصلي والبابا.
“أنت محق. لم أكن حذرة بما يكفي. وبالطبع حياتي أهم من حياتك. بافان، أنت تقدّم الطريق.”
تساءلت هيلا إن كان ثمة جدوى من كونها جسرًا للتفاوض بينما لم يكن أمام الطرفين خيار سوى القتال إلا إن تصالحا فجأة، لكنها شعرت بالارتياح لأن ديسماس قد قبل التفاوض في الوقت الحالي.
“إذن ما هي؟ قد تُحرقين رمادًا في أي لحظة إن بقيتِ قرب ديسماس. لم أفاجأ حين سمعتُ أن قائدة فرسان هوجين أُحرقت، بل بالعكس، فوجئتُ بسماع أنها ما تزال حيّة.”
“إذن، هل يمكنني رؤية الآنسة أنيا من فضلك؟” سألت هيلا.
***
“بالطبع. تفضلا باتباعي.” أجاب ديسماس.
في الوقت ذاته، أمسكت هيلا بسيف بافان وأسرعت لقطع الحبال التي تشد أنيا إلى العمود.
حاولت هيلا أن تتبعه، لكن بافان جذبها من طرف كمّها فجأة.
كان من المستحيل أصلًا أن يتسامح ديسماس مع خوان. فهو مؤمن مخلص للكنيسة، ولا يمكنه أن يغفر لخوان الذي “احتل تورا بشكل غير شرعي” وطرد البابا. أما خوان فكان لديه أشياء كثيرة ينبغي أن يستعيدها من ديسماس، بما فيها جسده الأصلي والبابا.
“ما الذي تفعلينه بحق الجحيم يا معلمتي؟ كان يجب أن تخبريني مسبقًا إن كان لديكِ خطة كهذه.”
ولما رأى بافان ذلك، فزع وأفلتها، فلم تضيع هيلا الفرصة. هرعت مباشرة نحو أنيا بمجرد أن سحبت السيف، بينما اكتفى ديسماس بابتسامةٍ ماكرة وهو يراقبها.
“خطة، تبا. حتى جلالته لا يعرف عن هذا.”
“إذن ما هي؟ قد تُحرقين رمادًا في أي لحظة إن بقيتِ قرب ديسماس. لم أفاجأ حين سمعتُ أن قائدة فرسان هوجين أُحرقت، بل بالعكس، فوجئتُ بسماع أنها ما تزال حيّة.”
“إذن ما هي؟ قد تُحرقين رمادًا في أي لحظة إن بقيتِ قرب ديسماس. لم أفاجأ حين سمعتُ أن قائدة فرسان هوجين أُحرقت، بل بالعكس، فوجئتُ بسماع أنها ما تزال حيّة.”
“كنتَ لتُحرقنا جميعًا فور وصولنا لو كنتَ تنوي قتلنا فعلًا. ليس عندي ما أقدمه أكثر من هذا. لكن أظن أن عرضي جذّاب بما يكفي أصلًا. كنتُ سأعرض عليك حتى قائد فرسان العاصمة كرهينة بدلًا عن أنيا لو أمكن، لكن…” هزّت كتفيها.
كان قد انتشر في العاصمة إشاعة رهيبة عن الغرب. فجو تورا الذي كانت الكنيسة تهيمن عليه اعتُبر علمانيًا نسبيًا مقارنةً بالغرب. وكان هذا أيضًا بفضل تأثير مجلس النبلاء وبارث بالتيك. لكن في الغرب حيث لا وجود لتلك الكوابح، سُمعت قصص عن النار والرماد والقيود بشكل متكرر.
وفي وسط تلك الأشلاء، كانت أنيا مربوطةً إلى عمود.
“أتظن حقًا أنني سأخاف من الحرق حتى الموت في مثل عمري؟ أن تُنقذ العذراء وتُضحّى بالعجوز—ذلك تبادل جيد في رأيي.”
“كنتَ لتُحرقنا جميعًا فور وصولنا لو كنتَ تنوي قتلنا فعلًا. ليس عندي ما أقدمه أكثر من هذا. لكن أظن أن عرضي جذّاب بما يكفي أصلًا. كنتُ سأعرض عليك حتى قائد فرسان العاصمة كرهينة بدلًا عن أنيا لو أمكن، لكن…” هزّت كتفيها.
“ربما بالنسبة لكِ، لكن عليّ أن أعيدكِ سالمة كي أحظى باعتراف جلالته. لا يمكنكِ أن تتخذي قرارات متهوّرة بنفسكِ و…”
“أعتذر عن إفساد طاولة المفاوضات بهذه الطريقة. لكن…”
“هذا أفضل حتى. سأتمكن من الإضرار بمسيرتك.”
اتسعت عينا بافان وهو يحدّق في هيلا.
“معلمتي، أرجوكِ…”
“خطة، تبا. حتى جلالته لا يعرف عن هذا.”
تنهد بافان وهزّ رأسه. ثم سأل فجأة، كأنما خطر بباله شيء عرضًا:
‘هل من المفترض أن ترمز إلى راية بيضاء أو شيء كهذا؟’
“على ذكر ذلك، كيف عرفتِ أن قائدة فرسان هوجين لا تصرخ مهما تألمت؟”
“أفترض أنك لستَ مستاءً كثيرًا، بما أنك استعملت أيضًا طاولة المفاوضات كفخ، أليس كذلك؟”
“لم أعرف. لقد ألقيتُ طُعمًا فالتقطه ديسماس. لم يكن عندي ما أخسره؛ فالرماد يمكن جمعه مرة أخرى ببساطة.” هزّت كتفيها هيلا.
وفي تلك الأثناء، توجهت عينا خوان إلى هيلد، التي أومأت برأسها بعدما تلقت إشارته.
بقي بافان عاجزًا عن الكلام.
وفي تلك اللحظة، اندلعت ألسنة لهبٍ اخترقت السماء، شقت الغيوم وانتشرت في الفضاء.
في تلك اللحظة، سُمع صوت ديسماس.
وفي تلك اللحظة، اندلعت ألسنة لهبٍ اخترقت السماء، شقت الغيوم وانتشرت في الفضاء.
“دوقة هينا، وقائد بافان، لقد وصلنا.”
وما إن أنهى كلامه حتى جذب الجهاز المعلق إلى جانب الخيمة. انشق سقف الخيمة فجأة في كل اتجاه، وانهمر ضوء السماء الغائمة الكئيب ليُضيء المكان.
كان المكان الذي قادهم إليه ديسماس خيمة كبيرة على نحو غير معتاد.
“على ذكر ذلك، كيف عرفتِ أن قائدة فرسان هوجين لا تصرخ مهما تألمت؟”
***
أدارت هيلا وبافان رأسيهما نحو ديسماس.
انفجرَت رائحةٌ نتنة عندما فُتح باب الخيمة. كانت رائحةً مألوفة لكلٍّ من هيلا وبافان—رائحة جثثٍ متعفنة ودماء. ارتجف الاثنان وشعرا بالتوتر.
في الوقت ذاته، أمسكت هيلا بسيف بافان وأسرعت لقطع الحبال التي تشد أنيا إلى العمود.
‘لقد احتجزوا أنيا في مكان مثل هذا؟’
غطّت هيلا أنفها بكمّها وحدّقت حولها بعجلة.
حدّقت هيلا في ديسماس بنظرة حادة.
“أعتذر عن إفساد طاولة المفاوضات بهذه الطريقة. لكن…”
“تفضلا بالدخول. لا تقلقا، لا أحد من الموجودين هناك ميت.”
كانت هيلا تعرف ما يقصده ديسماس، فقد سمعت عن قيامة إيولين. غير أنها لم تفهم سبب إثارة هذا الموضوع وسط حديثهم.
أمسك بافان بذراع هيلا، لكن هيلا نزعت يدها ودخلت الخيمة. تبعهما ديسماس وبافان مباشرة. كان داخل الخيمة مظلمًا لدرجة أن عينيهما احتاجتا وقتًا حتى تعتادا على الظلام.
“دوقة هينا، وقائد بافان، لقد وصلنا.”
ومع تعوّد بصرهما تدريجيًا، بدأت قطع اللحم الأحمر والدماء المتناثرة في كل مكان تملأ مجال رؤيتهما.
***
غطّت هيلا أنفها بكمّها وحدّقت حولها بعجلة.
حاولت هيلا أن تتبعه، لكن بافان جذبها من طرف كمّها فجأة.
وفي وسط تلك الأشلاء، كانت أنيا مربوطةً إلى عمود.
“أما أنا، فقد صنعتُ قيمتي بنفسي، بغض النظر عن قدرتي على استخدام السحر أو السيف. أنا حاكمة الشرق وحدي، دوقة، وأمسك الآن بالقوة الجوهرية لتورا. وكما تعلم، ليس للشرق أي خلفاء. لذلك فإن تخلّي العاصمة عني لا يختلف عن تخلّيها عن الشرق.”
كانت هيلا على وشك الاندفاع نحو أنيا، لكن بافان أوقفها مرة أخرى.
“أفترض أنك لستَ مستاءً كثيرًا، بما أنك استعملت أيضًا طاولة المفاوضات كفخ، أليس كذلك؟”
“مولاتي، تحركي بحذر من فضلك. لا نعرف حتى ما هذه الأشياء.”
وبدلًا من محاولة إقناع بافان، مدت هيلا يدها وسحبت السيف من غمده عند خصره.
“أنت محق. لم أكن حذرة بما يكفي. وبالطبع حياتي أهم من حياتك. بافان، أنت تقدّم الطريق.”
نظر ديسماس إلى الأعلى بفضول، لكنه سرعان ما أصبح بلا تعبير.
“مولاتي، أرجوك.”
“إنه لن يوافق أبدًا، لأنه لا يستمع إليّ أصلًا، وفوق ذلك هو إنسان أناني للغاية. هذا غير أننا لدينا بالفعل الكثير مما يجب أن نستعيده منك، أيها الجنرال العقائدي ديسماس. أخشى أنك ستبدأ بالشك فينا إن قدّمنا لك أكثر مما ينبغي. فلنعتبر هذا بداية حسنة، أليس كذلك؟”
دفعت هيلا بافان دفعًا ليقترب من أنيا أولًا.
“تلك المرأة أمامكما انتهى بها الأمر إلى تدمير كاينهريار إيولين. وللأسف، ليس لدي حتى فرصة لإصلاحه. وفي الوقت نفسه، فقدت قدرتها على استدعاء الموتى وأصبحت مجرد بشرية عادية. لذلك كنت قد فكرتُ في البداية بحرقها في نيران التوبة، لكنني صادفتُ فيها إمكانية فريدة أثناء محاولتي دفعها إلى التوبة،” قال ديسماس بابتسامة متسامحة. “تلك المرأة تملك إمكانية أن تصبح كاينهريار نيجراتو.”
وفي هذه الأثناء، كانت أنيا مقيدة إلى العمود بلا حول ولا قوة، وكأنها فقدت وعيها. وبينما كانت هيلا تدقق النظر فيها لتتأكد من حالتها، رمق بافان ديسماس بنظراتٍ حذرة ليتأكد إن كان يخطط لشيء خلف ظهرهما.
“أما أنا، فقد صنعتُ قيمتي بنفسي، بغض النظر عن قدرتي على استخدام السحر أو السيف. أنا حاكمة الشرق وحدي، دوقة، وأمسك الآن بالقوة الجوهرية لتورا. وكما تعلم، ليس للشرق أي خلفاء. لذلك فإن تخلّي العاصمة عني لا يختلف عن تخلّيها عن الشرق.”
لكن ديسماس لم يفعل شيئًا سوى الوقوف بعيدًا يراقبهما.
أمسك بافان بذراع هيلا، لكن هيلا نزعت يدها ودخلت الخيمة. تبعهما ديسماس وبافان مباشرة. كان داخل الخيمة مظلمًا لدرجة أن عينيهما احتاجتا وقتًا حتى تعتادا على الظلام.
وعلى ظهر أنيا، وُجدت جروحٌ وندوب واضحة تركها الجلد بالسياط. كان دليلًا جليًا على تعذيبٍ قاسٍ.
“ما نقوم به هنا هو صناعة ما أحب أن أسميه ’كاينهريار‘. ليس أمرًا مميزًا كثيرًا؛ غايته إحياء الكائنات الإلهية الزائفة والسيطرة عليها بقوة جلالته. لقد اعتاد الآلهة أن يستعبدونا نحن البشر، لكننا الآن نحن من سنستعبد الآلهة.”
في تلك اللحظة، فتح ديسماس فمه فجأة.
في هذه الأثناء، التوى فم ديسماس بابتسامة ساخرة.
“أوه، بالمناسبة. هناك شيء نسيت أن أخبركما به.”
وعلى ظهر أنيا، وُجدت جروحٌ وندوب واضحة تركها الجلد بالسياط. كان دليلًا جليًا على تعذيبٍ قاسٍ.
أدارت هيلا وبافان رأسيهما نحو ديسماس.
كان المكان الذي قادهم إليه ديسماس خيمة كبيرة على نحو غير معتاد.
“ما نقوم به هنا هو صناعة ما أحب أن أسميه ’كاينهريار‘. ليس أمرًا مميزًا كثيرًا؛ غايته إحياء الكائنات الإلهية الزائفة والسيطرة عليها بقوة جلالته. لقد اعتاد الآلهة أن يستعبدونا نحن البشر، لكننا الآن نحن من سنستعبد الآلهة.”
وبدلًا من محاولة إقناع بافان، مدت هيلا يدها وسحبت السيف من غمده عند خصره.
كانت هيلا تعرف ما يقصده ديسماس، فقد سمعت عن قيامة إيولين. غير أنها لم تفهم سبب إثارة هذا الموضوع وسط حديثهم.
“أما أنا، فقد صنعتُ قيمتي بنفسي، بغض النظر عن قدرتي على استخدام السحر أو السيف. أنا حاكمة الشرق وحدي، دوقة، وأمسك الآن بالقوة الجوهرية لتورا. وكما تعلم، ليس للشرق أي خلفاء. لذلك فإن تخلّي العاصمة عني لا يختلف عن تخلّيها عن الشرق.”
“تلك المرأة أمامكما انتهى بها الأمر إلى تدمير كاينهريار إيولين. وللأسف، ليس لدي حتى فرصة لإصلاحه. وفي الوقت نفسه، فقدت قدرتها على استدعاء الموتى وأصبحت مجرد بشرية عادية. لذلك كنت قد فكرتُ في البداية بحرقها في نيران التوبة، لكنني صادفتُ فيها إمكانية فريدة أثناء محاولتي دفعها إلى التوبة،” قال ديسماس بابتسامة متسامحة. “تلك المرأة تملك إمكانية أن تصبح كاينهريار نيجراتو.”
لكن تعبير ديسماس لم يتغيّر.
وما إن أنهى كلامه حتى جذب الجهاز المعلق إلى جانب الخيمة. انشق سقف الخيمة فجأة في كل اتجاه، وانهمر ضوء السماء الغائمة الكئيب ليُضيء المكان.
وبدأ تنين صغير يهبط من خلال الغيوم.
في تلك اللحظة، رأى بافان ضوءًا ساطعًا. فأسرع بجذب هيلا بعيدًا عن أنيا.
“شهرة فرسان هوجين لم تعد سوى من الماضي. فرسانهم الأسطوريون جميعهم قد ماتوا، وكان ديلموند آخر من سقط. والقدرة الوحيدة التي بقيت لديهم كانت نكرومانسر قائدتهم، لكن أنيا لم تعد تملكها. من المضيعة أن تُدعى قائدة فرسان هوجين بعد الآن.”
“مولاتي! ابتعدي عنها!”
لكن تعبير ديسماس لم يتغيّر.
“ما الذي تفعله أيها الوغد!”
“مولاتي! ابتعدي عنها!”
سددت هيلا لكمة إلى أنف بافان. تدفق الدم من أنفه مجددًا، لكنه لم يُفلتها.
اقتراح هيلا لم يكن شيئًا قد ناقشته معه من قبل، ولم يعرف ما الذي ينبغي أن يفعله في هذا الموقف، إذ كانت مهمته الأساسية حماية هيلا.
“إنها فخ، مولاتي! ذلك الحقير لا ينوي إعادة أنيا أبدًا!”
وفي هذه الأثناء، كانت أنيا مقيدة إلى العمود بلا حول ولا قوة، وكأنها فقدت وعيها. وبينما كانت هيلا تدقق النظر فيها لتتأكد من حالتها، رمق بافان ديسماس بنظراتٍ حذرة ليتأكد إن كان يخطط لشيء خلف ظهرهما.
“أعرف ذلك!”
“هناك احتمال كبير للفشل، بما أن جسدها ليس إلهيًا بالكامل، لكن الاحتمال يبقى احتمالًا. أليس كاينهريار إله الموت جديرًا بالمحاولة؟”
وبدلًا من محاولة إقناع بافان، مدت هيلا يدها وسحبت السيف من غمده عند خصره.
اقتراح هيلا لم يكن شيئًا قد ناقشته معه من قبل، ولم يعرف ما الذي ينبغي أن يفعله في هذا الموقف، إذ كانت مهمته الأساسية حماية هيلا.
ولما رأى بافان ذلك، فزع وأفلتها، فلم تضيع هيلا الفرصة. هرعت مباشرة نحو أنيا بمجرد أن سحبت السيف، بينما اكتفى ديسماس بابتسامةٍ ماكرة وهو يراقبها.
“أعتذر عن إفساد طاولة المفاوضات بهذه الطريقة. لكن…”
“هناك احتمال كبير للفشل، بما أن جسدها ليس إلهيًا بالكامل، لكن الاحتمال يبقى احتمالًا. أليس كاينهريار إله الموت جديرًا بالمحاولة؟”
وفي هذه الأثناء، كانت أنيا مقيدة إلى العمود بلا حول ولا قوة، وكأنها فقدت وعيها. وبينما كانت هيلا تدقق النظر فيها لتتأكد من حالتها، رمق بافان ديسماس بنظراتٍ حذرة ليتأكد إن كان يخطط لشيء خلف ظهرهما.
بدأ جسد أنيا، المربوط إلى العمود، يرتجف عندما لامس ضوء الشمس جسدها. وتغير لون اللحوم المتناثرة في كل مكان سريعًا، إذ بدأت تجف بالتزامن مع ارتجاف أنيا.
اتسعت عينا بافان وهو يحدّق في هيلا.
في الوقت ذاته، أمسكت هيلا بسيف بافان وأسرعت لقطع الحبال التي تشد أنيا إلى العمود.
كانت هيلا على وشك الاندفاع نحو أنيا، لكن بافان أوقفها مرة أخرى.
وعندما رأى بافان ذلك، عضّ على شفتيه وأخرج شيئًا من جيبه.
“إشارة نارية؟”
“سأعتبر أن المفاوضات قد فشلت، مولاتي!”
نظر ديسماس إلى الأعلى بفضول، لكنه سرعان ما أصبح بلا تعبير.
مد يده إلى السماء ممسكًا بعصًا ما بإحكام.
وفي هذه الأثناء، كانت أنيا مقيدة إلى العمود بلا حول ولا قوة، وكأنها فقدت وعيها. وبينما كانت هيلا تدقق النظر فيها لتتأكد من حالتها، رمق بافان ديسماس بنظراتٍ حذرة ليتأكد إن كان يخطط لشيء خلف ظهرهما.
لم تفهم هيلا ما يفعله، ولا عرفت ماهية تلك العصا.
في الوقت ذاته، أمسكت هيلا بسيف بافان وأسرعت لقطع الحبال التي تشد أنيا إلى العمود.
‘هل من المفترض أن ترمز إلى راية بيضاء أو شيء كهذا؟’
سددت هيلا لكمة إلى أنف بافان. تدفق الدم من أنفه مجددًا، لكنه لم يُفلتها.
وفي تلك اللحظة، اندلعت ألسنة لهبٍ اخترقت السماء، شقت الغيوم وانتشرت في الفضاء.
“أتظن حقًا أنني سأخاف من الحرق حتى الموت في مثل عمري؟ أن تُنقذ العذراء وتُضحّى بالعجوز—ذلك تبادل جيد في رأيي.”
نظر ديسماس إلى الأعلى بفضول، لكنه سرعان ما أصبح بلا تعبير.
وفي وسط تلك الأشلاء، كانت أنيا مربوطةً إلى عمود.
“إشارة نارية؟”
“إذن ما هي؟ قد تُحرقين رمادًا في أي لحظة إن بقيتِ قرب ديسماس. لم أفاجأ حين سمعتُ أن قائدة فرسان هوجين أُحرقت، بل بالعكس، فوجئتُ بسماع أنها ما تزال حيّة.”
وبدأ تنين صغير يهبط من خلال الغيوم.
“شهرة فرسان هوجين لم تعد سوى من الماضي. فرسانهم الأسطوريون جميعهم قد ماتوا، وكان ديلموند آخر من سقط. والقدرة الوحيدة التي بقيت لديهم كانت نكرومانسر قائدتهم، لكن أنيا لم تعد تملكها. من المضيعة أن تُدعى قائدة فرسان هوجين بعد الآن.”
“جلالتك!”
“دوقة هينا، لا تفشلين أبدًا في إدهاشي. لا بدّ أن أقول إنني منبهر حقًا بجرأتك حين وضعتِ نفسكِ موضع الرهان.” اقترب ديسماس من هيلا وصافحها. “بصراحة، كنا نفكر نحن أيضًا بإعادة الآنسة أنيا لأسباب إنسانية. لقد كانت مزعجة حقًا في التعامل معها. لكن سيكون من الوقاحة أن أرفض عرضك. تفضلي بالبقاء معنا إذن، وكوني جسرًا للتفاوض مع أولئك الذين يحتلون تورا بشكل غير شرعي.”
كان هورهيل وأوركا يقتربان بسرعة من هيلا وبافان. وبرغم أن أوركا كان تنينًا، إلا أن ديسماس ضحك حين رأى صغر حجمه؛ بدا وكأنه فقس من بيضته بالأمس فقط.
وفي وسط تلك الأشلاء، كانت أنيا مربوطةً إلى عمود.
“دوقة هينا. هذا التنين صغير للغاية مقارنةً بتنانين بيلديف التي رأيتها في الماضي. إن كنتِ تظنين أن تنينًا قد يكون خطتكم البديلة، فأنتِ بالغا…”
“لا يهمّني ذلك الهراء السياسي. ما يهمّني هو أن أبقى وفيًا لجلالته.”
لكن في تلك اللحظة، اجتاحت الرياح أرجاء الحوض. تطايرت الخيام وتناثرت كأنها غبار لا وزن له. كان الصدمة عظيمة لدرجة أن ديسماس نفسه ترنح على قدميه. وتصلّب وجهه وهو يرفع رأسه نحو السماء.
فتح خوان فمه أولًا.
لقد بددت الموجة الصادمة التي دمّرت الخيام الغيوم الداكنة في السماء. لكن السماء الصافية لم تُرَ. بل كان هناك تنين هائل، طوله مئات الأمتار، يغطي الحوض بأكمله وهو يحلق في الجو.
“هناك احتمال كبير للفشل، بما أن جسدها ليس إلهيًا بالكامل، لكن الاحتمال يبقى احتمالًا. أليس كاينهريار إله الموت جديرًا بالمحاولة؟”
إنه إنتالوسيا.
سددت هيلا لكمة إلى أنف بافان. تدفق الدم من أنفه مجددًا، لكنه لم يُفلتها.
***
نظر ديسماس إلى الأعلى بفضول، لكنه سرعان ما أصبح بلا تعبير.
[لقد جئتُ إلى هنا فقط لحماية أوركا. لقد أقسمتُ ألّا أتدخل أو أطلق لهيبي، سواء كان الخصم عملاقًا أو إنسانًا، لذا عليك أنت أن تتولى البقية.]
في تلك اللحظة، سُمع صوت ديسماس.
“أعرف، أعرف”، أجاب خوان بهدوء. لقد أقسمت التنانين ألّا تتدخل مباشرة في الحروب بين البشر، وكان خوان يتذكر سماعه عن هذا القسم.
لم تفهم هيلا ما يفعله، ولا عرفت ماهية تلك العصا.
وفي تلك الأثناء، توجهت عينا خوان إلى هيلد، التي أومأت برأسها بعدما تلقت إشارته.
‘لقد احتجزوا أنيا في مكان مثل هذا؟’
قفز خوان بسرعة إلى الهواء. وظهرت ألسنة لهب حول جسده وهو يهبط بسرعة، ليسقط جسده في وسط حوض لوين كنيزك ساقط. ارتفع غبار هائل عند سقوطه، لكن الحرارة العنيفة المتدفقة من المركز جعلت سحابة الغبار تشتعل قبل أن تتمكن حتى من الارتفاع نحو السماء.
اتسعت عينا بافان وهو يحدّق في هيلا.
تأمل ديسماس بصمت في خوان الذي كان يقترب منه وهو مغطى باللهب.
أدارت هيلا وبافان رأسيهما نحو ديسماس.
“أعتذر عن إفساد طاولة المفاوضات بهذه الطريقة. لكن…”
لقد بددت الموجة الصادمة التي دمّرت الخيام الغيوم الداكنة في السماء. لكن السماء الصافية لم تُرَ. بل كان هناك تنين هائل، طوله مئات الأمتار، يغطي الحوض بأكمله وهو يحلق في الجو.
فتح خوان فمه أولًا.
لكن ديسماس لم يفعل شيئًا سوى الوقوف بعيدًا يراقبهما.
“أفترض أنك لستَ مستاءً كثيرًا، بما أنك استعملت أيضًا طاولة المفاوضات كفخ، أليس كذلك؟”
أمسك بافان بذراع هيلا، لكن هيلا نزعت يدها ودخلت الخيمة. تبعهما ديسماس وبافان مباشرة. كان داخل الخيمة مظلمًا لدرجة أن عينيهما احتاجتا وقتًا حتى تعتادا على الظلام.
***
“ما الذي تفعلينه بحق الجحيم يا معلمتي؟ كان يجب أن تخبريني مسبقًا إن كان لديكِ خطة كهذه.”
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات
لقد بددت الموجة الصادمة التي دمّرت الخيام الغيوم الداكنة في السماء. لكن السماء الصافية لم تُرَ. بل كان هناك تنين هائل، طوله مئات الأمتار، يغطي الحوض بأكمله وهو يحلق في الجو.
“تلك المرأة أمامكما انتهى بها الأمر إلى تدمير كاينهريار إيولين. وللأسف، ليس لدي حتى فرصة لإصلاحه. وفي الوقت نفسه، فقدت قدرتها على استدعاء الموتى وأصبحت مجرد بشرية عادية. لذلك كنت قد فكرتُ في البداية بحرقها في نيران التوبة، لكنني صادفتُ فيها إمكانية فريدة أثناء محاولتي دفعها إلى التوبة،” قال ديسماس بابتسامة متسامحة. “تلك المرأة تملك إمكانية أن تصبح كاينهريار نيجراتو.”
