الخاتمة: دار الأيتام
كانت شمس الصيف حارقة.
وسرعان ما فُتح الباب مرةً أخرى. خرجت امرأة ذات شعرٍ أشقر لامع وعينين غريبتين. كانت غرابة عينيها في أن إحداهما زرقاء والأخرى برتقالية.
كانت سيدةٌ نبيلة تمتطي حصانها على طريقٍ ريفي تحيط به حقول قمحٍ خضراء لم تنضج بعد. وبدا أن أشعة الشمس الساطعة تزعجها، فشدّت رداءها أكثر على وجهها.
أومأت سينا بصمت.
كانت ترتدي رداءً يبدو عاديًا، لكن سلالة الحصان المدرَّب جيدًا الذي كانت تركبه دلّت على مكانتها الرفيعة.
“شكرًا لأنكِ تضعينني في مكانة عالية هكذا، لكن… لقد مضى وقت طويل منذ أن وضعت سيفي جانبًا. سأكون بمستوى فارس عادي فقط حتى لو حملت سيفي مجددًا. لا أنوي حمل السيف مرة أخرى على أي حال، ولا أعتقد أنني سأكون ذات عون كبير حتى لو فعلت. هل تظنين حقًا أن بافان سيتحفظ لمجرد اسمي؟”
ألقى الفارس المرافق نظرةً عليها وقال، “آنسة هيريتيا. هل نأخذ استراحة؟”
لم يتطور التبادل إلى مستوى التجارة بين الدول، لكن كانت هناك تعاملات تجارية تجري بين الحضارات والبلدان الواقعة خلف الحدود.
هزّت هيريتيا رأسها وأشارت إلى منزلٍ ريفي صغير يقع غير بعيد.
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.
“لا، أظن أننا وصلنا تقريبًا على أي حال. لنمشِ قليلًا بعد.”
كانت شمس الصيف حارقة.
كان هناك منزل ريفي صغير على تلةٍ منخفضة. بدا قديمًا، لكنه ظهر نظيفًا ومعتنى به جيدًا.
“لا بأس. التبرعات التي قدمتِها كانت عونًا كبيرًا،” ابتسمت سينا.
مدّ الفارس يده إلى هيريتيا وقال بحذر، “هل يمكنكِ المشي؟”
“بالطبع، لا أعلم إن كانت الأمور ستسير بسلاسة هكذا. فالتبادل بين الحضارات لا بد أن يكون مصحوبًا بصراعات، في نهاية المطاف. بمعنى آخر، نحن أشبه بمن يهاجم دولًا أخرى لإيقاف الدمار المحتوم للإمبراطورية.”
“إذا أردتُ أن أعتاد على المشي، فعليّ أن أمشي أكثر.”
“إذا أردتُ أن أعتاد على المشي، فعليّ أن أمشي أكثر.”
نزلت هيريتيا عن الحصان وخطت بحذر على الأرض. انكشفت ساقٌ صناعية متقنة الصنع، لكنها سُرعان ما غطّتها تنورتها.
“لا بأس. التبرعات التي قدمتِها كانت عونًا كبيرًا،” ابتسمت سينا.
بدت هيريتيا وكأنها تجد صعوبة في الحفاظ على توازنها، لكنها تمكنت في النهاية من وضع قدمها الأخرى.
أومأت سينا بصمت.
كان الفارس يراقب حركة هيريتيا عن كثب وهو يتبعها بصمت.
كانت تلك خطوته الأولى نحو وراثة العرش.
وبعد وقتٍ قصير من اقترابهم من المنزل، ظهر طفلٌ صغير. نظر الطفل إلى هيريتيا بعينين فضوليتين، ثم ركض إلى داخل المنزل. وبعد قليل، اندفع باقي الأطفال إلى الخارج يحدّقون في هيريتيا بينما كانت وجوههم فقط بارزة.
“لا بأس. التبرعات التي قدمتِها كانت عونًا كبيرًا،” ابتسمت سينا.
ومن بينهم، خرجت فتاة تبدو في نحو العاشرة من عمرها مسرعةً وهي تمسح يديها في مئزرها.
كانت تلك خطوته الأولى نحو وراثة العرش.
“مرحبًا. ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟”
“لكنه كان يستطيع على الأقل أن يبحث عنها من أجل—”
“أنا أبحث عن مالك هذا المنزل.”
“هاه…” تنهدت سينا، وكأنها مذهولة. “إذًا كان من الطبيعي أن تفقد الأعراق غير المتجانسة خصائصها الفريدة وتعود إلى أشكالها الأصلية عندما ماتت الآلهة. انتظري، إذًا خطة دان لصنع إله للبشر كانت…”
وسرعان ما فُتح الباب مرةً أخرى. خرجت امرأة ذات شعرٍ أشقر لامع وعينين غريبتين. كانت غرابة عينيها في أن إحداهما زرقاء والأخرى برتقالية.
لم تفعل المرأة شيئًا سوى الوقوف إلى جانب الإمبراطور.
لم يستغرق الأمر طويلًا حتى تعرّفت السيدة النبيلة على المرأة. ففي النهاية، لم يتغير مظهرها على الإطلاق منذ آخر مرة رأتها فيها.
أعادت سينا سيفها فورًا وتخلّت عن منصبها كفارسة ما إن أعلن بافان نفسه الدوق الأعظم. وبدلًا من خدمة الإمبراطورية كفارسة، انطلقت تبحث عن آثار خوان لتسوية دينها القديم.
“مرّ وقتٌ طويل، سينا.”
“سيمزَّق الشرق في غمضة عين.”
نظرت سينا إلى هيريتيا بعينين متسعتين وصرخت، “هيريتيا؟ يا إلهي! أحقًا أنتِ؟ هيريتيا؟”
ابتسمت هيريتيا بمرارة عند سؤال سينا.
فتحت هيريتيا ذراعيها على اتساعهما بابتسامةٍ كبيرة.
تنهدت سينا. لم تكن مدةً طويلة ولا قصيرة.
اقتربت سينا من هيريتيا دون أن تقول كلمةً وعانقتها بقوة.
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.
ربّتت هيريتيا على رأس سينا وابتسمت.
“سينا. هل تعرفين لماذا قال جلالته إن البشر هم من سيهزم كزاتكويزايل؟ لماذا تظنين أنه مدح البشر هكذا بينما كان يحتقر فكرة إنشاء عالم للبشر وحدهم؟”
“لقد مرّت خمس سنوات.”
“لكن موقف الشرق لم يتغير. وأنا أفهمهم، مع ذلك. إنها منطقة لم تتعرض للتمييز لفترةٍ طويلة فحسب، بل حققت أيضًا إنجازاتٍ عظيمة هذه المرة. كيف يمكنهم السماح لعدوٍ وقف يومًا ضد الإمبراطور بأن يمسك بزمام السلطة الإمبراطورية؟”
‘خمس سنوات…’
اختفت الحدود عندما تخلّص خوان من جسد مانانين ماكلير، لكن قلوب الناس ما زالت ترفض الفكرة غريزيًا. ومع ذلك، كانت هيريتيا تشق طريقًا بنشاط إلى ما وراء الحدود.
تنهدت سينا. لم تكن مدةً طويلة ولا قصيرة.
“عفوًا؟” سألت سينا بعينين متفاجئتين.
“هل مرّ كل هذا الوقت فعلًا؟”
“حسنًا، أظن أن هذا كل شيء إذًا. أشعر بالخجل لأنني طلبتُ منكِ مثل هذا الطلب المحرج.”
“لقد كان الزمن يمرّ بسرعةٍ كبيرة منذ ذلك اليوم…”
ومن بين ذلك الواقع البارد كانت المقاعد الرسمية الكثيرة الفارغة، وكان أحد تلك المقاعد عرش الإمبراطور.
دخلت هيريتيا المنزل مع سينا. تجمّع الأطفال حولهما ونظروا إلى هيريتيا بأعينٍ فضولية. نظرت هيريتيا إلى الأطفال بابتسامةٍ مشرقةٍ على نحوٍ طاغٍ، ثم حوّلت نظرها إلى أرجاء المنزل.
لم تُجب سينا هيريتيا. أعدّت كوبًا من الشاي ووضعته على الطاولة.
“هل هذا هو ميتم إلين إليوت؟” سألت هيريتيا.
“هل يمكنكِ التدخل والتوسّط بينهما، آنسة هيريتيا؟”
أومأت سينا بصمت.
“لا أصدق أنني استخدمتُ للتو عبارة المسؤولين الشبان. لم يمضِ وقت طويل منذ أن بدأنا نحن أنفسنا، ونحن شباب، مقاومة النظام القديم. لقد مرّت خمس سنوات فقط، ومع ذلك فقد تغيّر الجميع جذريًا.”
نظرت هيريتيا ذهابًا وإيابًا بين المنزل والأطفال بتعبيرٍ يعتصر القلب.
“إنه يتزامن مع الوقت الذي بُعث فيه جلالته. ماذا لو كان موتها وبعث جلالته مرتبطين؟” سألت هيريتيا.
كل من قضى وقتًا مع خوان قبل خمس سنوات شعر بالمديونية. بعد ذلك اليوم، خرجت سينا تبحث عن آثار المرأة التي ذكرها خوان وجيرارد.
“على أي حال، هذا شاي جيد. كثيرًا ما يجلب الملاحون أشياء مثيرة للاهتمام. ربما يسافرون إلى أماكن بعيدة.”
كان هناك احتمالٌ كبير أن الجميع، بما فيهم خوان، وجدوا صعوبةً في مجرد ذكر اسمها.
“لم يكن هناك شيء يُدعى بالأعراق غير المتجانسة حتى عصر التنانين القديمة. يُقال إن الكائنات العاقلة الوحيدة كانت البشر. لكن عندما جاء العصر الأسطوري، جعلت الآلهة البشر يعلنون أنفسهم كعرق مستقل. لذلك، كان من الطبيعي أن تحمي الآلهة الأعراق غير المتجانسة مقابل خدمتها لها. ولهذا السبب لا يملك البشر وحدهم آلهة.”
لكن كان من الممكن أيضًا أنهم لم يكونوا يعرفونها جيدًا أصلًا.
“أعتقد أنني الوحيدة التي تقف بين الطرفين. لقد حذّرت بافان عدة مرات من أنني لن أقف مكتوفة الأيدي إذا هاجم الشرق، لكن تأثير تهديدي لن يدوم طويلًا. إذا هاجم الشرق أولًا، فسيأتي الرد المضاد فورًا. أنا على درايةٍ تامة بقدرات بافان والجيش الإمبراطوري…”
ولذلك، لم تستطع سينا أن تفهم لماذا وُصفت تلك المرأة بأنها إحدى المرتدّين.
مالت هيريتيا بحذر نحو سينا وهمست، “ومن هذا المنطلق، أحتاج منكِ أن تسدي لي خدمة. سينا، هل يمكنكِ أن تقفي إلى جانب هيلد من أجلي؟”
فبالنسبة لها، لم تكن المرأة تستحق مثل هذا اللقب الضخم.
مدّ الفارس يده إلى هيريتيا وقال بحذر، “هل يمكنكِ المشي؟”
لم تفعل المرأة شيئًا سوى الوقوف إلى جانب الإمبراطور.
“سيدة سينا، لا—آنسة سينا. لقد غادرتِ قبل أن يعلن بافان نفسه الإمبراطور الثاني، أليس كذلك؟”
“لقد فوجئتُ حقًا عندما سمعتُ أنكِ وجدتِ هذا المكان. لم يكن أحد يعرف مكان إلين إليوت، كما تعلمين؟ حتى جلالته لم يبحث عنها فعليًا قط،” قالت هيريتيا.
“سيدة سينا، لا—آنسة سينا. لقد غادرتِ قبل أن يعلن بافان نفسه الإمبراطور الثاني، أليس كذلك؟”
“أشعر أن خوان كان يعرف بالفعل ما الذي حدث لها. لقد مرّ وقتٌ طويل على أي حال. كانت إلين مجرد امرأةٍ عادية مقارنةً ببقية الشخصيات الأسطورية إلى جانب خوان. كانت قد تجاوزت الأربعين عندما اغتيل الإمبراطور، وكانت تقترب من المئة حين بُعث جلالته من جديد. أفهم لماذا كان من الصعب عليه أن يظن أنها ما تزال على قيد الحياة،” أجابت سينا.
كانت سيدةٌ نبيلة تمتطي حصانها على طريقٍ ريفي تحيط به حقول قمحٍ خضراء لم تنضج بعد. وبدا أن أشعة الشمس الساطعة تزعجها، فشدّت رداءها أكثر على وجهها.
“لكنه كان يستطيع على الأقل أن يبحث عنها من أجل—”
“الأمر أخطر مما تظنين، آنسة سينا. لقد وقعت بالفعل عدة اشتباكات بين الجنود، بل وكانت هناك محاولات اغتيال أيضًا.”
“عندما توفيت إلين إليوت،” قالت سينا بهدوء، “كانت في السابعة والتسعين من عمرها. كان ذلك في أواخر الخريف—هكذا أخبرني أهل الحي.”
“عفوًا؟” سألت سينا بعينين متفاجئتين.
بدت الدهشة على وجه هيريتيا بعد أن حسبت عمر إلين.
بدأت دموع هيريتيا تتساقط وهي تتمتم، “لقد كنت أفكر دائمًا أنه ينبغي عليّ الزيارة، لكنني أندم لأن الأمر استغرق مني كل هذا الوقت.”
“إنه يتزامن مع الوقت الذي بُعث فيه جلالته. ماذا لو كان موتها وبعث جلالته مرتبطين؟” سألت هيريتيا.
كان وجود هيريتيا هو السبب الذي جعل سينا غير قلقة كثيرًا عندما غادرت العاصمة. فقد كانت هيريتيا تملك السلطة للسيطرة على الغوليمات المحيطة بالمدينة المقدسة تورا. إضافةً إلى ذلك، كانت دوقةً تمتلك من العلاقات ما يكفي للهيمنة على مجلس النبلاء، وكانت تحمل أيضًا ختم الإمبراطور.
“لستُ متأكدة، لكن… لقد شهدنا بعث جلالته مراتٍ عديدة من قبل، وقد أخبرنا أيضًا أن نعيش لكي يعيش هو.”
“لكن ذلك…”
“لكن ذلك…”
بدت هيريتيا وكأنها تجد صعوبة في الحفاظ على توازنها، لكنها تمكنت في النهاية من وضع قدمها الأخرى.
“لا أعرف نوع العلاقة التي كانت بين إلين وجلالته، لكن يمكنني أن أتخيل أفكارها عند حافة الموت وما الذي كانت تنتظره طوال حياتها. ربما كانت الوحيدة في الإمبراطورية التي واصلت الإيمان بعودة خوان، لا بعودة الإمبراطور الذي سيجلس على العرش الأبدي…”
كان هناك احتمالٌ كبير أن الجميع، بما فيهم خوان، وجدوا صعوبةً في مجرد ذكر اسمها.
“لا أستطيع حتى أن أتخيل كم كانت تتوق لرؤية عودة خوان…” شبكت سينا يديها وتابعت. “من دونها، كان بعث جلالته سيتأخر مئات السنين على الأقل. نحن جميعًا مدينون لإلين إليوت، ودَيننا لها بقدر ما نحن مدينون لخوان. وربما علم جلالته بمصير إلين حين بُعث.”
نظرت هيريتيا ذهابًا وإيابًا بين المنزل والأطفال بتعبيرٍ يعتصر القلب.
بدأت دموع هيريتيا تتساقط وهي تتمتم، “لقد كنت أفكر دائمًا أنه ينبغي عليّ الزيارة، لكنني أندم لأن الأمر استغرق مني كل هذا الوقت.”
“لكنه كان يستطيع على الأقل أن يبحث عنها من أجل—”
“لا بأس. التبرعات التي قدمتِها كانت عونًا كبيرًا،” ابتسمت سينا.
كانت سيدةٌ نبيلة تمتطي حصانها على طريقٍ ريفي تحيط به حقول قمحٍ خضراء لم تنضج بعد. وبدا أن أشعة الشمس الساطعة تزعجها، فشدّت رداءها أكثر على وجهها.
في الواقع، رأت سينا أنه لا حاجة لهيريتيا إلى الاعتذار أصلًا.
ابتسمت هيريتيا ابتسامة خفيفة واقتربت من سينا بنظرة جادة للغاية.
كان العثور على ميتم إلين إليوت مجرد إصرارٍ منها. أما هيريتيا، فقد اضطلعت بمهامّ أكثر أهميةً وصعوبة—محاولة حماية الإمبراطورية، على سبيل المثال.
كان هيلد جديرًا بالإعجاب من حيث الشخصية والقوة، لكن تلك الصفات لم تكن ذات أهمية كبيرة. وعلى الجانب الآخر، وجد هيلد صعوبةً في الاعتراف ببافان كإمبراطور بعد أن تعرّض للخيانة مرارًا.
“كيف حال بافان بيلتيري؟ لا يزور هذه المنطقة أحد سوى تاجرٍ متجول يتعامل معنا، لذلك من الصعب أن تصلنا أخبار عن العالم الخارجي،” سألت سينا.
“سيمزَّق الشرق في غمضة عين.”
كشفت هيريتيا عن ملامح حزن. فما زالت ذكريات انتصارهم في ذلك اليوم تجعل قلوبهم تخفق ودماءهم تغلي. ففي النهاية، كان انتصارًا معجزًا لم يكن ممكنًا إلا لأن الجميع وقفوا كتفًا إلى كتف.
“أنا… لست متأكدة. أظن أنه لم يستطع التفكير في تعبير آخر؟”
لكنهم اضطروا سريعًا إلى مواجهة الواقع البارد.
“سينا. هل تعرفين لماذا قال جلالته إن البشر هم من سيهزم كزاتكويزايل؟ لماذا تظنين أنه مدح البشر هكذا بينما كان يحتقر فكرة إنشاء عالم للبشر وحدهم؟”
ومن بين ذلك الواقع البارد كانت المقاعد الرسمية الكثيرة الفارغة، وكان أحد تلك المقاعد عرش الإمبراطور.
وبعد وقتٍ قصير من اقترابهم من المنزل، ظهر طفلٌ صغير. نظر الطفل إلى هيريتيا بعينين فضوليتين، ثم ركض إلى داخل المنزل. وبعد قليل، اندفع باقي الأطفال إلى الخارج يحدّقون في هيريتيا بينما كانت وجوههم فقط بارزة.
***
“عفوًا؟” سألت سينا بعينين متفاجئتين.
“سيدة سينا، لا—آنسة سينا. لقد غادرتِ قبل أن يعلن بافان نفسه الإمبراطور الثاني، أليس كذلك؟”
بدت الدهشة على وجه هيريتيا بعد أن حسبت عمر إلين.
أومأت سينا موافقةً على كلمات هيريتيا.
لم يتطور التبادل إلى مستوى التجارة بين الدول، لكن كانت هناك تعاملات تجارية تجري بين الحضارات والبلدان الواقعة خلف الحدود.
لم يكن الأمر مفاجئًا لأحد، فقد كان بافان أول من قفز إلى صراع السلطة مباشرةً بعد النصر. كان بافان يملك دعم الجيش وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة طوال الوقت، فأعلن نفسه دوقًا أعظم مؤقتًا.
“إنه يتزامن مع الوقت الذي بُعث فيه جلالته. ماذا لو كان موتها وبعث جلالته مرتبطين؟” سألت هيريتيا.
كانت تلك خطوته الأولى نحو وراثة العرش.
ابتسمت هيريتيا ابتسامة خفيفة واقتربت من سينا بنظرة جادة للغاية.
وبالطبع، اندلعت ردود فعلٍ عنيفة في جميع أنحاء الإمبراطورية، لكن ذلك كان أمرًا لا مفر منه. كانت الإمبراطورية على وشك الانقسام، ولم يكن لديها في الواقع إمبراطورٌ حقيقي منذ زمنٍ طويل.
“أوه، لا. هذا فقط… أنا آسفة. لا أستطيع إلا أن أشعر بأن ما فعلناه كان بلا جدوى.”
لذلك، كان من الطبيعي أن تبدأ الإمبراطورية بالانهيار بمجرد اختفاء الإمبراطور.
كشفت هيريتيا عن ملامح حزن. فما زالت ذكريات انتصارهم في ذلك اليوم تجعل قلوبهم تخفق ودماءهم تغلي. ففي النهاية، كان انتصارًا معجزًا لم يكن ممكنًا إلا لأن الجميع وقفوا كتفًا إلى كتف.
ومع ذلك، كان لا بد من الحفاظ على أنقاض الإمبراطورية قدر الإمكان. ومن هذا المنطلق، كان إعلان بافان أفضل إجراء للحفاظ على الإمبراطورية.
“هل يمكنكِ التدخل والتوسّط بينهما، آنسة هيريتيا؟”
أعادت سينا سيفها فورًا وتخلّت عن منصبها كفارسة ما إن أعلن بافان نفسه الدوق الأعظم. وبدلًا من خدمة الإمبراطورية كفارسة، انطلقت تبحث عن آثار خوان لتسوية دينها القديم.
“لكن موقف الشرق لم يتغير. وأنا أفهمهم، مع ذلك. إنها منطقة لم تتعرض للتمييز لفترةٍ طويلة فحسب، بل حققت أيضًا إنجازاتٍ عظيمة هذه المرة. كيف يمكنهم السماح لعدوٍ وقف يومًا ضد الإمبراطور بأن يمسك بزمام السلطة الإمبراطورية؟”
“أنا أعلم بالفعل أن بافان أعلن نفسه الإمبراطور الثاني. إنه خبر يستحيل تفويته. وقد سمعت أن الحكومة الحالية تؤدي عملها بشكلٍ ممتاز، لكن…”
اختفت الحدود عندما تخلّص خوان من جسد مانانين ماكلير، لكن قلوب الناس ما زالت ترفض الفكرة غريزيًا. ومع ذلك، كانت هيريتيا تشق طريقًا بنشاط إلى ما وراء الحدود.
“لا يزال هناك بعض الناس يجدون صعوبة في الاعتراف به كإمبراطور. كانت ردود الفعل من الشرق كبيرة على وجه الخصوص. ففي النهاية، تلقّى الشرق ثاني أكبر قدر من الدمار بعد الشمال. لقد جادل هورهيل بأن لهيلد حق الخلافة الإمبراطورية، لكن… كان من الصعب تقبّل هذا الطرح،” قالت هيريتيا بابتسامةٍ مريرة.
“لا يزال هناك بعض الناس يجدون صعوبة في الاعتراف به كإمبراطور. كانت ردود الفعل من الشرق كبيرة على وجه الخصوص. ففي النهاية، تلقّى الشرق ثاني أكبر قدر من الدمار بعد الشمال. لقد جادل هورهيل بأن لهيلد حق الخلافة الإمبراطورية، لكن… كان من الصعب تقبّل هذا الطرح،” قالت هيريتيا بابتسامةٍ مريرة.
كان طرح هورهيل منطقيًا. فقد توفي أبناء الإمبراطور، لكن هيلد هو ابن جيرارد. ومع ذلك، لم يكن هناك أي سبيل لأن يقبل الناس بابن خائن كإمبراطور.
“هل يمكنكِ التدخل والتوسّط بينهما، آنسة هيريتيا؟”
كان هيلد جديرًا بالإعجاب من حيث الشخصية والقوة، لكن تلك الصفات لم تكن ذات أهمية كبيرة. وعلى الجانب الآخر، وجد هيلد صعوبةً في الاعتراف ببافان كإمبراطور بعد أن تعرّض للخيانة مرارًا.
“سيدة سينا، لا—آنسة سينا. لقد غادرتِ قبل أن يعلن بافان نفسه الإمبراطور الثاني، أليس كذلك؟”
أومأت سينا. “لقد سمعتُ فعلًا أن هناك صراعًا كبيرًا بينهما.”
“أنا… لست متأكدة. أظن أنه لم يستطع التفكير في تعبير آخر؟”
“الأمر أخطر مما تظنين، آنسة سينا. لقد وقعت بالفعل عدة اشتباكات بين الجنود، بل وكانت هناك محاولات اغتيال أيضًا.”
“لا، أظن أننا وصلنا تقريبًا على أي حال. لنمشِ قليلًا بعد.”
اتسعت عينا سينا. “محاولات اغتيال؟ من أي طرف؟”
“لكن موقف الشرق لم يتغير. وأنا أفهمهم، مع ذلك. إنها منطقة لم تتعرض للتمييز لفترةٍ طويلة فحسب، بل حققت أيضًا إنجازاتٍ عظيمة هذه المرة. كيف يمكنهم السماح لعدوٍ وقف يومًا ضد الإمبراطور بأن يمسك بزمام السلطة الإمبراطورية؟”
“من الطرفين. قد يكون بافان قد حرّك بعض الخيوط نظرًا لدهائه، لكن الوضع قبيح بينهما.”
مدّ الفارس يده إلى هيريتيا وقال بحذر، “هل يمكنكِ المشي؟”
“هل يمكنكِ التدخل والتوسّط بينهما، آنسة هيريتيا؟”
“لكن إذا كنتِ قلقة بشأن الحرب، فلا داعي للقلق من اندلاعها في المستقبل القريب. ومع ذلك، فإن الرادع ليس أنا ولا هذا الميتم—بل شخص آخر.”
كان وجود هيريتيا هو السبب الذي جعل سينا غير قلقة كثيرًا عندما غادرت العاصمة. فقد كانت هيريتيا تملك السلطة للسيطرة على الغوليمات المحيطة بالمدينة المقدسة تورا. إضافةً إلى ذلك، كانت دوقةً تمتلك من العلاقات ما يكفي للهيمنة على مجلس النبلاء، وكانت تحمل أيضًا ختم الإمبراطور.
“لا تقولي ذلك، هيريتيا.”
كانت لهيريتيا مكانةٌ قوية داخل الإمبراطورية.
تنهدت سينا. لم تكن مدةً طويلة ولا قصيرة.
حتى إن الناس كثيرًا ما قالوا إن هناك إمبراطورين داخل الإمبراطورية.
***
ابتسمت هيريتيا بمرارة عند سؤال سينا.
“هيريتيا.”
“…لقد اخترت الوقوف إلى جانب بافان. أنتِ تعلمين أن هيلد تقدّم لي من قبل. لم يكن الأمر أنني لم أكن أكنّ له أي مشاعر، لكن الإمبراطورية كانت ستتمزق فورًا لو اخترت الوقوف إلى جانب هيلد. لم أستطع قبول عرض هيلد. كان قد تقرر بالفعل أن يصبح بافان الإمبراطور.”
ومع ذلك، استطاعت سينا أن تفهم ما تشعر به هيريتيا.
في النهاية، دعمت هيريتيا بافان. وكان ذلك مبنيًا على فكرة أن الدعوات إلى الحكم الذاتي المستقل ستتراجع إذا مال ميزان القوى بالكامل لصالح بافان.
لم تُجب سينا هيريتيا. أعدّت كوبًا من الشاي ووضعته على الطاولة.
وقد تبيّن أن هيريتيا كانت محقة، إذ تراجعت بشكلٍ حاد النقاشات حول تلك الفكرة في الشمال والجنوب.
وبالطبع، اندلعت ردود فعلٍ عنيفة في جميع أنحاء الإمبراطورية، لكن ذلك كان أمرًا لا مفر منه. كانت الإمبراطورية على وشك الانقسام، ولم يكن لديها في الواقع إمبراطورٌ حقيقي منذ زمنٍ طويل.
“لكن موقف الشرق لم يتغير. وأنا أفهمهم، مع ذلك. إنها منطقة لم تتعرض للتمييز لفترةٍ طويلة فحسب، بل حققت أيضًا إنجازاتٍ عظيمة هذه المرة. كيف يمكنهم السماح لعدوٍ وقف يومًا ضد الإمبراطور بأن يمسك بزمام السلطة الإمبراطورية؟”
فتحت هيريتيا ذراعيها على اتساعهما بابتسامةٍ كبيرة.
“هذا صحيح. إنه وضعٌ صعب فعلًا…” تمتمت سينا.
كانت هيريتيا تعلم أن ما أوقفه الإمبراطور بالقوة قد بدأ يتدفق مجددًا. كان دمار الإمبراطورية أمرًا محتومًا، لكن هيريتيا أرادت حماية الإمبراطورية قدر استطاعتها.
مالت هيريتيا بحذر نحو سينا وهمست، “ومن هذا المنطلق، أحتاج منكِ أن تسدي لي خدمة. سينا، هل يمكنكِ أن تقفي إلى جانب هيلد من أجلي؟”
***
“عفوًا؟” سألت سينا بعينين متفاجئتين.
“على أي حال، هذا شاي جيد. كثيرًا ما يجلب الملاحون أشياء مثيرة للاهتمام. ربما يسافرون إلى أماكن بعيدة.”
كان تعبير هيريتيا جادًا. فهي كانت الرجل الثاني في الإمبراطورية. لم تستطع سينا فهم اقتراحها. لماذا تطلب هيريتيا من سينا أن تدعم الطرف الذي كان يسعى لأن تصبح الإمبراطورية دولةً ذات حكمٍ ذاتي؟
في النهاية، كان من الصعب تحديد من كان على صواب ومن كان على خطأ. لم يكن بوسعهم سوى أن يأملوا أن يستقر العالم ويتغيّر بدلًا من أن يظلّ غارقًا في الفوضى إلى الأبد.
“أعتقد أنني الوحيدة التي تقف بين الطرفين. لقد حذّرت بافان عدة مرات من أنني لن أقف مكتوفة الأيدي إذا هاجم الشرق، لكن تأثير تهديدي لن يدوم طويلًا. إذا هاجم الشرق أولًا، فسيأتي الرد المضاد فورًا. أنا على درايةٍ تامة بقدرات بافان والجيش الإمبراطوري…”
“هذا منطقي،” أجابت سينا مبتسمة.
“سيمزَّق الشرق في غمضة عين.”
لم يكن الأمر مفاجئًا لأحد، فقد كان بافان أول من قفز إلى صراع السلطة مباشرةً بعد النصر. كان بافان يملك دعم الجيش وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة طوال الوقت، فأعلن نفسه دوقًا أعظم مؤقتًا.
كانت إنتالوسيا قد غادرت الإمبراطورية منذ زمنٍ طويل مع أوركا. وحتى لو كانت لا تزال هنا، لما تدخلت في حربٍ بين البشر.
“لا بأس. التبرعات التي قدمتِها كانت عونًا كبيرًا،” ابتسمت سينا.
“إذًا تريدينني أن أقاتل من أجل الشرق؟” سألت سينا.
خفضت هيريتيا رأسها عندما أدركت زلّة لسانها.
“لا. وجودكِ وحده سيكون رادعًا كافيًا لبافان.”
“شكرًا لأنكِ تضعينني في مكانة عالية هكذا، لكن… لقد مضى وقت طويل منذ أن وضعت سيفي جانبًا. سأكون بمستوى فارس عادي فقط حتى لو حملت سيفي مجددًا. لا أنوي حمل السيف مرة أخرى على أي حال، ولا أعتقد أنني سأكون ذات عون كبير حتى لو فعلت. هل تظنين حقًا أن بافان سيتحفظ لمجرد اسمي؟”
قطّبت سينا حاجبيها.
أعادت سينا سيفها فورًا وتخلّت عن منصبها كفارسة ما إن أعلن بافان نفسه الدوق الأعظم. وبدلًا من خدمة الإمبراطورية كفارسة، انطلقت تبحث عن آثار خوان لتسوية دينها القديم.
“شكرًا لأنكِ تضعينني في مكانة عالية هكذا، لكن… لقد مضى وقت طويل منذ أن وضعت سيفي جانبًا. سأكون بمستوى فارس عادي فقط حتى لو حملت سيفي مجددًا. لا أنوي حمل السيف مرة أخرى على أي حال، ولا أعتقد أنني سأكون ذات عون كبير حتى لو فعلت. هل تظنين حقًا أن بافان سيتحفظ لمجرد اسمي؟”
“أتفهم أنكِ تريدين منع الحرب بأي وسيلة ممكنة. أنا حزينة لأن رفاقنا القدامى على وشك القتال ضد بعضهم، رغم أنهم وقفوا يومًا كتفًا إلى كتف. لكن لا نية لديّ للاستقرار في أي مكان،” أجابت سينا بصوت حازم.
ابتسمت هيريتيا بمرارة. “سينا. ليس لديكِ أي فكرة عن مدى أهميتكِ. السبب في أن الإمبراطورية والشرق لم يصطدما بعد هو أنهم لا يعرفون أي جانب ستختارين و… احترامًا لميتم إيلين إليوت. لكن المسؤولين الشبان لا يعرفونكِ، والأمور بدأت تتغير بسبب جهلهم.”
أعادت سينا سيفها فورًا وتخلّت عن منصبها كفارسة ما إن أعلن بافان نفسه الدوق الأعظم. وبدلًا من خدمة الإمبراطورية كفارسة، انطلقت تبحث عن آثار خوان لتسوية دينها القديم.
ضحكت هيريتيا ضحكة خاوية كما لو أن كلماتها نفسها قد أذهلتها.
“هذا صحيح. إنه وضعٌ صعب فعلًا…” تمتمت سينا.
“لا أصدق أنني استخدمتُ للتو عبارة المسؤولين الشبان. لم يمضِ وقت طويل منذ أن بدأنا نحن أنفسنا، ونحن شباب، مقاومة النظام القديم. لقد مرّت خمس سنوات فقط، ومع ذلك فقد تغيّر الجميع جذريًا.”
“لا يزال هناك بعض الناس يجدون صعوبة في الاعتراف به كإمبراطور. كانت ردود الفعل من الشرق كبيرة على وجه الخصوص. ففي النهاية، تلقّى الشرق ثاني أكبر قدر من الدمار بعد الشمال. لقد جادل هورهيل بأن لهيلد حق الخلافة الإمبراطورية، لكن… كان من الصعب تقبّل هذا الطرح،” قالت هيريتيا بابتسامةٍ مريرة.
كانت هيريتيا تعلم أن ما أوقفه الإمبراطور بالقوة قد بدأ يتدفق مجددًا. كان دمار الإمبراطورية أمرًا محتومًا، لكن هيريتيا أرادت حماية الإمبراطورية قدر استطاعتها.
ومع ذلك، كان لا بد من الحفاظ على أنقاض الإمبراطورية قدر الإمكان. ومن هذا المنطلق، كان إعلان بافان أفضل إجراء للحفاظ على الإمبراطورية.
لم تُجب سينا هيريتيا. أعدّت كوبًا من الشاي ووضعته على الطاولة.
“حسنًا، أظن أن هذا كل شيء إذًا. أشعر بالخجل لأنني طلبتُ منكِ مثل هذا الطلب المحرج.”
تسلّمت هيريتيا الكوب بامتنان.
أعادت سينا سيفها فورًا وتخلّت عن منصبها كفارسة ما إن أعلن بافان نفسه الدوق الأعظم. وبدلًا من خدمة الإمبراطورية كفارسة، انطلقت تبحث عن آثار خوان لتسوية دينها القديم.
“أتفهم أنكِ تريدين منع الحرب بأي وسيلة ممكنة. أنا حزينة لأن رفاقنا القدامى على وشك القتال ضد بعضهم، رغم أنهم وقفوا يومًا كتفًا إلى كتف. لكن لا نية لديّ للاستقرار في أي مكان،” أجابت سينا بصوت حازم.
مالت هيريتيا بحذر نحو سينا وهمست، “ومن هذا المنطلق، أحتاج منكِ أن تسدي لي خدمة. سينا، هل يمكنكِ أن تقفي إلى جانب هيلد من أجلي؟”
“سينا…”
“لا بأس. التبرعات التي قدمتِها كانت عونًا كبيرًا،” ابتسمت سينا.
“على أي حال، هذا شاي جيد. كثيرًا ما يجلب الملاحون أشياء مثيرة للاهتمام. ربما يسافرون إلى أماكن بعيدة.”
“عندما توفيت إلين إليوت،” قالت سينا بهدوء، “كانت في السابعة والتسعين من عمرها. كان ذلك في أواخر الخريف—هكذا أخبرني أهل الحي.”
تنهدت هيريتيا وأخذت رشفة من الشاي.
ابتسمت هيريتيا أيضًا ووضعت فنجان الشاي جانبًا.
نظرت سينا عن كثب إلى الأمتعة المعلّقة على ظهر الحصان. بدا مقدار أمتعة هيريتيا وكأنها لم تأتِ لرحلة قصيرة. وعند هذا المشهد، أدركت سينا سريعًا نية هيريتيا.
“هل يمكنكِ التدخل والتوسّط بينهما، آنسة هيريتيا؟”
“هل ستغادرين الإمبراطورية بعدما سمعتِ أنني لن أذهب إلى الشرق؟”
لم تفعل المرأة شيئًا سوى الوقوف إلى جانب الإمبراطور.
“هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله الآن،” قالت هيريتيا وهي تضع فنجان الشاي على الطاولة. “بالطبع، هذا لا يعني أنه لا توجد إجراءات مضادة. لا بد أنكِ تعلمين بالفعل أن تجّاري اكتشفوا حضارات بشرية أخرى من وراء الحدود. أوبيرت يعمل بجد أيضًا. أنوي إشغال الشرق عن الشؤون الداخلية للإمبراطورية. لا حاجة لأن يظلوا مقيّدين بالإمبراطور والإمبراطورية بعد أن مرّت خمس سنوات منذ ذلك اليوم…”
“حسنًا، أظن أن هذا كل شيء إذًا. أشعر بالخجل لأنني طلبتُ منكِ مثل هذا الطلب المحرج.”
“ما وراء الحدود…”
“كل ذلك كان في النهاية لصنع إله لجميع الأعراق، وكان ذلك هو جلالته. كانت الأعراق غير المتجانسة مشوّهة قليلًا حتى اغتيال الإمبراطور بسبب تلميحات دان، لكنها استعادت أشكالها الأصلية بعد إحياء جلالته. أليس هذا مثيرًا للاهتمام؟”
اختفت الحدود عندما تخلّص خوان من جسد مانانين ماكلير، لكن قلوب الناس ما زالت ترفض الفكرة غريزيًا. ومع ذلك، كانت هيريتيا تشق طريقًا بنشاط إلى ما وراء الحدود.
“لقد كان الزمن يمرّ بسرعةٍ كبيرة منذ ذلك اليوم…”
لم يتطور التبادل إلى مستوى التجارة بين الدول، لكن كانت هناك تعاملات تجارية تجري بين الحضارات والبلدان الواقعة خلف الحدود.
“لكن إذا كنتِ قلقة بشأن الحرب، فلا داعي للقلق من اندلاعها في المستقبل القريب. ومع ذلك، فإن الرادع ليس أنا ولا هذا الميتم—بل شخص آخر.”
“بالطبع، لا أعلم إن كانت الأمور ستسير بسلاسة هكذا. فالتبادل بين الحضارات لا بد أن يكون مصحوبًا بصراعات، في نهاية المطاف. بمعنى آخر، نحن أشبه بمن يهاجم دولًا أخرى لإيقاف الدمار المحتوم للإمبراطورية.”
“أشعر أن خوان كان يعرف بالفعل ما الذي حدث لها. لقد مرّ وقتٌ طويل على أي حال. كانت إلين مجرد امرأةٍ عادية مقارنةً ببقية الشخصيات الأسطورية إلى جانب خوان. كانت قد تجاوزت الأربعين عندما اغتيل الإمبراطور، وكانت تقترب من المئة حين بُعث جلالته من جديد. أفهم لماذا كان من الصعب عليه أن يظن أنها ما تزال على قيد الحياة،” أجابت سينا.
“كنت أعلم بوجود بشر وراء الحدود، لكن… لا أستطيع تخيّل وجود حضارة ودولة هناك. هل هم بشر أصلًا؟ أم أعراق غير متجانسة؟”
كان هناك احتمالٌ كبير أن الجميع، بما فيهم خوان، وجدوا صعوبةً في مجرد ذكر اسمها.
“أعراق غير متجانسة، هاه؟” ضحكت هيريتيا.
اقتربت سينا من هيريتيا دون أن تقول كلمةً وعانقتها بقوة.
ابتسمت هيريتيا ابتسامة خفيفة واقتربت من سينا بنظرة جادة للغاية.
أومأت سينا بصمت.
“سينا. هل تعرفين لماذا قال جلالته إن البشر هم من سيهزم كزاتكويزايل؟ لماذا تظنين أنه مدح البشر هكذا بينما كان يحتقر فكرة إنشاء عالم للبشر وحدهم؟”
اقتربت سينا من هيريتيا دون أن تقول كلمةً وعانقتها بقوة.
“أنا… لست متأكدة. أظن أنه لم يستطع التفكير في تعبير آخر؟”
“أنا أعلم بالفعل أن بافان أعلن نفسه الإمبراطور الثاني. إنه خبر يستحيل تفويته. وقد سمعت أن الحكومة الحالية تؤدي عملها بشكلٍ ممتاز، لكن…”
“لقد وجدتُ شيئًا مثيرًا للاهتمام أثناء تفحّصي سجلات العم هارمون. اتّضح أن العم هارمون كان عضوًا في آرونتال. آه، بالطبع. أنا أتحدث عن آرونتال الحقيقية، لا آرونتال المزيّفة تحت حكم دان. يبدو أنه تمكّن من النجاة بحياته قبل أن يُقبض على جميع أفراد آرونتال ويُعدموا. ومع ذلك، فقد استخرج بعض السجلات المثيرة للاهتمام من سجلات آرونتال.”
“كل ذلك كان في النهاية لصنع إله لجميع الأعراق، وكان ذلك هو جلالته. كانت الأعراق غير المتجانسة مشوّهة قليلًا حتى اغتيال الإمبراطور بسبب تلميحات دان، لكنها استعادت أشكالها الأصلية بعد إحياء جلالته. أليس هذا مثيرًا للاهتمام؟”
“أي نوع من السجلات؟”
مالت هيريتيا بحذر نحو سينا وهمست، “ومن هذا المنطلق، أحتاج منكِ أن تسدي لي خدمة. سينا، هل يمكنكِ أن تقفي إلى جانب هيلد من أجلي؟”
“لم يكن هناك شيء يُدعى بالأعراق غير المتجانسة حتى عصر التنانين القديمة. يُقال إن الكائنات العاقلة الوحيدة كانت البشر. لكن عندما جاء العصر الأسطوري، جعلت الآلهة البشر يعلنون أنفسهم كعرق مستقل. لذلك، كان من الطبيعي أن تحمي الآلهة الأعراق غير المتجانسة مقابل خدمتها لها. ولهذا السبب لا يملك البشر وحدهم آلهة.”
“أتفهم أنكِ تريدين منع الحرب بأي وسيلة ممكنة. أنا حزينة لأن رفاقنا القدامى على وشك القتال ضد بعضهم، رغم أنهم وقفوا يومًا كتفًا إلى كتف. لكن لا نية لديّ للاستقرار في أي مكان،” أجابت سينا بصوت حازم.
“هاه…” تنهدت سينا، وكأنها مذهولة. “إذًا كان من الطبيعي أن تفقد الأعراق غير المتجانسة خصائصها الفريدة وتعود إلى أشكالها الأصلية عندما ماتت الآلهة. انتظري، إذًا خطة دان لصنع إله للبشر كانت…”
“أي نوع من السجلات؟”
“كل ذلك كان في النهاية لصنع إله لجميع الأعراق، وكان ذلك هو جلالته. كانت الأعراق غير المتجانسة مشوّهة قليلًا حتى اغتيال الإمبراطور بسبب تلميحات دان، لكنها استعادت أشكالها الأصلية بعد إحياء جلالته. أليس هذا مثيرًا للاهتمام؟”
“عندما توفيت إلين إليوت،” قالت سينا بهدوء، “كانت في السابعة والتسعين من عمرها. كان ذلك في أواخر الخريف—هكذا أخبرني أهل الحي.”
“هذا منطقي،” أجابت سينا مبتسمة.
“لا أستطيع حتى أن أتخيل كم كانت تتوق لرؤية عودة خوان…” شبكت سينا يديها وتابعت. “من دونها، كان بعث جلالته سيتأخر مئات السنين على الأقل. نحن جميعًا مدينون لإلين إليوت، ودَيننا لها بقدر ما نحن مدينون لخوان. وربما علم جلالته بمصير إلين حين بُعث.”
ابتسمت هيريتيا أيضًا ووضعت فنجان الشاي جانبًا.
اتسعت عينا سينا. “محاولات اغتيال؟ من أي طرف؟”
“حسنًا، أظن أن هذا كل شيء إذًا. أشعر بالخجل لأنني طلبتُ منكِ مثل هذا الطلب المحرج.”
فتحت هيريتيا ذراعيها على اتساعهما بابتسامةٍ كبيرة.
“لا تقولي ذلك، هيريتيا.”
“لا يزال هناك بعض الناس يجدون صعوبة في الاعتراف به كإمبراطور. كانت ردود الفعل من الشرق كبيرة على وجه الخصوص. ففي النهاية، تلقّى الشرق ثاني أكبر قدر من الدمار بعد الشمال. لقد جادل هورهيل بأن لهيلد حق الخلافة الإمبراطورية، لكن… كان من الصعب تقبّل هذا الطرح،” قالت هيريتيا بابتسامةٍ مريرة.
بقيت هيريتيا جالسة في صمت لوقت طويل.
“هذا صحيح. إنه وضعٌ صعب فعلًا…” تمتمت سينا.
لاحظت سينا متأخرة الدموع التي كانت تنهمر على وجنتي هيريتيا.
ابتسمت هيريتيا ابتسامة خفيفة واقتربت من سينا بنظرة جادة للغاية.
أحضرت سينا منديلًا وقدّمته لهيريتيا وهي في حيرة.
لكنهم اضطروا سريعًا إلى مواجهة الواقع البارد.
“أوه، لا. هذا فقط… أنا آسفة. لا أستطيع إلا أن أشعر بأن ما فعلناه كان بلا جدوى.”
“عندما توفيت إلين إليوت،” قالت سينا بهدوء، “كانت في السابعة والتسعين من عمرها. كان ذلك في أواخر الخريف—هكذا أخبرني أهل الحي.”
“هيريتيا.”
في النهاية، دعمت هيريتيا بافان. وكان ذلك مبنيًا على فكرة أن الدعوات إلى الحكم الذاتي المستقل ستتراجع إذا مال ميزان القوى بالكامل لصالح بافان.
“ظننتُ أننا نصنع تاريخًا عظيمًا عندما قاتلنا معًا تحت راية جلالته. وقفنا معًا في مواجهة كارثة هائلة. لكن الآن… نحن نقاتل بعضنا بعضًا مجددًا. هل كُتب علينا أن نقاتل حتى آخر رجل باقٍ؟ لو كان الإمبراطور الأبدي هنا، لكانت الأمور—”
كان تعبير هيريتيا جادًا. فهي كانت الرجل الثاني في الإمبراطورية. لم تستطع سينا فهم اقتراحها. لماذا تطلب هيريتيا من سينا أن تدعم الطرف الذي كان يسعى لأن تصبح الإمبراطورية دولةً ذات حكمٍ ذاتي؟
“هذا هراء، هيريتيا،” قاطعتها سينا بصوت حازم.
بدأت دموع هيريتيا تتساقط وهي تتمتم، “لقد كنت أفكر دائمًا أنه ينبغي عليّ الزيارة، لكنني أندم لأن الأمر استغرق مني كل هذا الوقت.”
خفضت هيريتيا رأسها عندما أدركت زلّة لسانها.
في الواقع، رأت سينا أنه لا حاجة لهيريتيا إلى الاعتذار أصلًا.
ومع ذلك، استطاعت سينا أن تفهم ما تشعر به هيريتيا.
“إذا أردتُ أن أعتاد على المشي، فعليّ أن أمشي أكثر.”
في النهاية، كان من الصعب تحديد من كان على صواب ومن كان على خطأ. لم يكن بوسعهم سوى أن يأملوا أن يستقر العالم ويتغيّر بدلًا من أن يظلّ غارقًا في الفوضى إلى الأبد.
“لا أستطيع حتى أن أتخيل كم كانت تتوق لرؤية عودة خوان…” شبكت سينا يديها وتابعت. “من دونها، كان بعث جلالته سيتأخر مئات السنين على الأقل. نحن جميعًا مدينون لإلين إليوت، ودَيننا لها بقدر ما نحن مدينون لخوان. وربما علم جلالته بمصير إلين حين بُعث.”
أرادت سينا أن تكون كلماتها عزاءً لهيريتيا، فتحدثت بحذر، “هيريتيا. نحن لا نعرف ما الذي سيحدث في المستقبل، لكن…”
“أتفهم أنكِ تريدين منع الحرب بأي وسيلة ممكنة. أنا حزينة لأن رفاقنا القدامى على وشك القتال ضد بعضهم، رغم أنهم وقفوا يومًا كتفًا إلى كتف. لكن لا نية لديّ للاستقرار في أي مكان،” أجابت سينا بصوت حازم.
“لكن؟”
خفضت هيريتيا رأسها عندما أدركت زلّة لسانها.
“لكن إذا كنتِ قلقة بشأن الحرب، فلا داعي للقلق من اندلاعها في المستقبل القريب. ومع ذلك، فإن الرادع ليس أنا ولا هذا الميتم—بل شخص آخر.”
لم تُجب سينا هيريتيا. أعدّت كوبًا من الشاي ووضعته على الطاولة.
***
“لا أعرف نوع العلاقة التي كانت بين إلين وجلالته، لكن يمكنني أن أتخيل أفكارها عند حافة الموت وما الذي كانت تنتظره طوال حياتها. ربما كانت الوحيدة في الإمبراطورية التي واصلت الإيمان بعودة خوان، لا بعودة الإمبراطور الذي سيجلس على العرش الأبدي…”
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.
كان وجود هيريتيا هو السبب الذي جعل سينا غير قلقة كثيرًا عندما غادرت العاصمة. فقد كانت هيريتيا تملك السلطة للسيطرة على الغوليمات المحيطة بالمدينة المقدسة تورا. إضافةً إلى ذلك، كانت دوقةً تمتلك من العلاقات ما يكفي للهيمنة على مجلس النبلاء، وكانت تحمل أيضًا ختم الإمبراطور.
أرادت سينا أن تكون كلماتها عزاءً لهيريتيا، فتحدثت بحذر، “هيريتيا. نحن لا نعرف ما الذي سيحدث في المستقبل، لكن…”
