المنفى IV
المنفى IV
خفضت جيسو رأسها.
لم يزل سماع كلمات شخص يصغرني بكثير وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة يبعث في نفسي اضطرابًا لا ينتهي. بالنظر إلى مجرد شوكة قنفذ، كان الشتاء الذي اجتازته هذه الفتاة قاسيًا إلى حد يفوق الوصف.
لم تكن بادرة استسلام أو قبول، كما هو شائع في الأعمال الدرامية السياسية. لا، هنا في الواقع، كانت أبسط أشكال رفض هذا العالم. إذا كان النظر المباشر في عيني شخص ما يرمز إلى دليل جوهري على القوة، فإن صرف النظر يرمز إلى عكس ذلك تمامًا.
“جيسو، ألا تتذكري؟”
في أنقاض القرية المحترقة، عُثر على ناجٍ وحيد.
الشيء المثير للاهتمام هو أن جيوون خفضت رأسها أيضًا، منهكة من القوة بعد تحمل التعذيب المستمر.
السيدة ذات الشعر الفضي، والفتاة ذات الشعر الأسود.
“ثم ستتجاوز الأمر… أنتِ تعرفين جيدًا أي نوع من الأشخاص هي جيوون.”
كلتاهما خفضت ذقنها، غير أن المعنى الكامن خلف الإيماءة اختلف اختلافًا جذريًّا بينهما. بالنسبة إلى جيوون، لم تكن ترى حاجة إلى “النظر” إلى خصمها. أما بالنسبة إلى جيسو، فقد سُلِب منها “معنى النظر” إلى خصمها.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
تجسّدت صورتان من العدمية، راحتا تتلاعبان بالهواء المخنوق، قبل أن ينساب صوت جيوون الرقيق.
لم يزل سماع كلمات شخص يصغرني بكثير وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة يبعث في نفسي اضطرابًا لا ينتهي. بالنظر إلى مجرد شوكة قنفذ، كان الشتاء الذي اجتازته هذه الفتاة قاسيًا إلى حد يفوق الوصف.
“الحكاية التي رويتها لكِ بعد بضعة أيام من تبنّيكِ… تلك التي تحكي عن الإمبراطور السفّاح. إن كنتِ قد نَسِيتِها، فسأعيدها عليكِ. ذات مرة، كان هناك إمبراطور بلغ من السطوة حدًا لم يكن أحد ليجرؤ على تجاوزه. هذا الإمبراطور أحرق قرية جبلية فقيرة عن بكرة أبيها.
التفت الإمبراطور إلى كبير حُجّابه. “وأنت، ما رأيك فيما فعلتُه؟”
أو بالأحرى، إن احتسبنا وجودي مختبئًا بين الشجيرات، فقد كنا اثنين.
أُبيدت القرية بالكامل. فهل كان لهذه المجزرة أي معنى؟
“بالفعل.”
تساءل الوزراء والجنود عن ذلك، غير أن الإمبراطور حرّم عليهم الاستفسار. وهكذا وقعت المجزرة. وبعد أن أزهق أرواح كل رجل وامرأة وطفل في القرية، التفت إلى وزرائه متسائلًا:
تلك الكلمة أصابتني في الصميم.
“ما الذي تظنون أنني فعلته الآن؟”
“جبان.”
“فقط من يكدّسون ثروات طائلة هم من يمكنهم التصريح بأن ’المال بلا معنى في الحياة’. فقط من يكرّسون حياتهم للعلم يمكنهم الجزم بأن ’المعرفة بلا معنى في الحياة’. جيسو، أنا بحاجة إليكِ. لشخصٍ مثلكِ.”
تقدم أحد الوزراء، مرتجفًا من الخوف، وأجاب:
“لستِ بشرًا… أنتِ شذوذ. لا، أنتِ ألعن من وحش. جيوون، سأكرهك إلى الأبد.”
“مولاي، أنت الحاكم المطلق لكل شيء، تمتلك سلطة عظيمة. هؤلاء القرويون تجرؤوا على عصيان مشيئتك، فهم خونة، وقد أنزلتَ بهم العقاب العادل.”
“أمثالك…”
لكن الحقيقة أن القرية لم ترتكب أي ذنب. أهلها عملوا، دفعوا الضرائب، وأدّوا الخدمة العسكرية—باجتهاد حينًا، وتراخٍ حينًا آخر. إن كان تدمير هذه القرية فعلًا مبرَّرًا، فذاك يعني أن الإمبراطورية بأكملها موبوءة بالخيانة.
“أمثالك…”
مرّرت جيوون أصابعها بين خصلات جيسو، مبعدةً شعرها عن أذنها. لم ترفّ لها عين، ولم ترتعش حتى من لمستها.
ومع ذلك، كال الوزير المديح للإمبراطور، متملقًا إياه لينجو بحياته.
تحجرت الكلمة بين أسنان جيسو.
“القوة هي حين تُمدح حتى الأفعال الشنيعة.”
لم تكن بادرة استسلام أو قبول، كما هو شائع في الأعمال الدرامية السياسية. لا، هنا في الواقع، كانت أبسط أشكال رفض هذا العالم. إذا كان النظر المباشر في عيني شخص ما يرمز إلى دليل جوهري على القوة، فإن صرف النظر يرمز إلى عكس ذلك تمامًا.
بيد أن تزلّف الوزير اليائس لم يرق للطاغية.
“لقد أحرقتَ قريتنا وقتلتَ أهلها… دون سبب.”
“لم يكن عليه تبرير أفعاله. وحده من يطلب اعتراف الآخرين يسعى للتبرير. لم يكن عليه أن يغض الطرف عن أفعاله. وحده من يخشى العواقب يحاول محو ما فات.”
التفت الإمبراطور إلى كبير حُجّابه. “وأنت، ما رأيك فيما فعلتُه؟”
في الغابة التي لفّها الغسق، تسللت نسائم الليل إلى لحاء الصنوبر قبل أن يحلّ الظلام تمامًا. تنشّقت جيوون ذلك الهواء العميق، وهي تغوص في أفكارها.
أجاب الحاجب دون تردد:
“هذا العبد المتواضع لا يجرؤ على الحكم على أفعال جلالتك.”
تُركت جيسو وحدها.
لم يكن من الضروري معرفة ما إن كانت القرية متمرّدة. لم يكن ذلك مسموحًا.
“حتى بعد القيام بمثل هذه الأشياء—الحرق العمد والمذابح—كان بخير.”
على خلاف الوزراء الذين اضطروا إلى إيجاد مبررات لكل خطوة يخطوها الإمبراطور ليتمكنوا من إدارة شؤون الدولة، تخلّى الحاجب عن أي حكمٍ شخصي. لقد أتقن فنّ البقاء، واتّسم بانعدام المعنى في مواقفه.
اقتاد الجنود الطفل الناجي إلى حضرة الإمبراطور، الذي، تمامًا كما استجوب الوزير والحاجب، طرح عليه سؤالًا من باب التسلية:
“القوة هي حين يُنتزع حتى أبسط حقّ بشري في إصدار الأحكام.”
أجاب الطفل من خلال حنجرة أحرقتها النيران:
وهكذا، أثبت الحاجب أنه الأقرب إلى الطاغية.
ولكن، ماذا حدث بعد ذلك؟ لو أن هذه الحكاية قد وقعت فعلًا، لأصبحت أسطورة خالدة. غير أن معجزة وقعت بدلًا من ذلك.
بيد أن تزلّف الوزير اليائس لم يرق للطاغية.
الإمبراطور كان يضحك.
في أنقاض القرية المحترقة، عُثر على ناجٍ وحيد.
————————
“القوة الحقيقية ليست كذلك. حتى بعد ارتكاب الفظائع، وكشفها للعلن، والاعتراف بأنها مذابح بلا معنى، والإفصاح عن كل شيء دون مواربة، ومع ذلك لا يواجه الإمبراطور أي عواقب—عندها فقط تصبح قوته (سُلطته) مطلقة. لهذا السبب أبقى على حياة الطفل وجعله حاجبه، رغم أن الطفل كان يحترق بنيران الانتقام كل يوم، يلعن الطاغية. بقاء ذلك الطفل وشهادته، بلا فائدة أو تأثير، كانا الدليل على قوة الإمبراطور.”
كان بالكاد قد تجاوز العاشرة من عمره، وجنسه غير واضح المعالم. الحروق الشديدة شوهت وجهه.
“مولاي، أنت الحاكم المطلق لكل شيء، تمتلك سلطة عظيمة. هؤلاء القرويون تجرؤوا على عصيان مشيئتك، فهم خونة، وقد أنزلتَ بهم العقاب العادل.”
“ما الذي تظنون أنني فعلته الآن؟”
اقتاد الجنود الطفل الناجي إلى حضرة الإمبراطور، الذي، تمامًا كما استجوب الوزير والحاجب، طرح عليه سؤالًا من باب التسلية:
“ما الذي تظن أنني فعلتُه الآن؟”
“العلامة الكاملة.” أمسكت بكتفي جيسو. “هذا بالضبط هو الأمر، جيسو… أنتِ الناجية من القرية. أنتِ حاجبي. ولهذا ربيتكِ بعناية وأبقيتكِ إلى جانبي.”
أجاب الطفل من خلال حنجرة أحرقتها النيران:
“سأسأل مرة أخرى. بعد خمس سنوات؟ لنفترض أنها مراجعة كل ست سنوات. جيسو، لماذا تعتقدين أن الإمبراطور كان راضيًا عن إجابة الطفل؟”
“لقد أحرقتَ قريتنا وقتلتَ أهلها… دون سبب.”
ساد الصمت.
“الحكاية التي رويتها لكِ بعد بضعة أيام من تبنّيكِ… تلك التي تحكي عن الإمبراطور السفّاح. إن كنتِ قد نَسِيتِها، فسأعيدها عليكِ. ذات مرة، كان هناك إمبراطور بلغ من السطوة حدًا لم يكن أحد ليجرؤ على تجاوزه. هذا الإمبراطور أحرق قرية جبلية فقيرة عن بكرة أبيها.
ابتلع الوزير ريقه بصعوبة، وتجمدت قلوب الجنود، وانبعث صوت غريب وسط السكون.
“بالفعل.”
الإمبراطور كان يضحك.
“آه.”
انحنى حتى صار في مستوى نظر الطفل، ثم نطق:
كان ثاني ما شغلني—
“كانت إجابة جيدة. إجابة خاطئة لا تُنسى. لو كان هذا سؤالًا شخصيًا، لحصلتِ على 60 نقطة… 60 من 100. بينما تردد الآخرون أو تشبثوا بعبارات قديمة مُعدّلة، تعاطفت مع الموقف بصدق وفكّرت فيه مليًا. لطالما كنت مُجتهدة،” أثنت عليها بحرارة.
“بالفعل.”
“لم يكن عليه تبرير أفعاله. وحده من يطلب اعتراف الآخرين يسعى للتبرير. لم يكن عليه أن يغض الطرف عن أفعاله. وحده من يخشى العواقب يحاول محو ما فات.”
وعيّن الناجي الصغير حاجبًا جديدًا له.
“أنتِ طفيلي… الشذوذات تتطفل على مشاعر البشر وعقولهم كي تبقى. تستغلنا. فبماذا تختلفين عنها؟ لماذا أنتِ موجودة؟ لماذا ما زلتِ على قيد الحياة؟”
ويُقال إن “الحاجب الموشوم بالحروق” خدم الطاغية حتى شاخ، وظل بجانبه طوال حياته الطويلة.
“ثم ستتجاوز الأمر… أنتِ تعرفين جيدًا أي نوع من الأشخاص هي جيوون.”
“هذه هي الحكاية. هل تذكّرتِها الآن؟”
في الغابة التي لفّها الغسق، تسللت نسائم الليل إلى لحاء الصنوبر قبل أن يحلّ الظلام تمامًا. تنشّقت جيوون ذلك الهواء العميق، وهي تغوص في أفكارها.
تحدثت المريضة النفسية فضية الشعر مثل المعلم الذي يمتدح الطالب لإكمال واجباته المدرسية.
“جيسو، سألتُك ذات السؤال سابقًا. لماذا رفض الإمبراطور إجابات الوزير والحاجب، بينما قَبِلَ إجابات الطفل؟”
لا يوجد رد.
“ما زلتُ أتذكر بوضوح. أجبتِ: ‘أراد الإمبراطور أن يُظهر أنه يستطيع تجاهل ردود الوزير والحاجب كما يشاء، واختيار طفلٍ متواضعٍ مكانهما، أمام الجميع’.”
أُبيدت القرية بالكامل. فهل كان لهذه المجزرة أي معنى؟
لحظة صمت.
صمتت الغابة.
انحنى حتى صار في مستوى نظر الطفل، ثم نطق:
كان هذا الصمت الخالي من التعبير هو ابتسامة جيوون.
همهمة.
“هذا صحيح. أنت تتذكري جيدًا.”
“أنا أحترم اختيارك. لكن أعيدي النظر في منح جيوون حتى فرصة ’التعافي من جراح الحياة’.” وحين لم تجب، أضفت، “يمكنكِ أن تقرري لاحقًا. لن يكون الأوان قد فات بعد.”
تحدثت المريضة النفسية فضية الشعر مثل المعلم الذي يمتدح الطالب لإكمال واجباته المدرسية.
اقتاد الجنود الطفل الناجي إلى حضرة الإمبراطور، الذي، تمامًا كما استجوب الوزير والحاجب، طرح عليه سؤالًا من باب التسلية:
“كانت إجابة جيدة. إجابة خاطئة لا تُنسى. لو كان هذا سؤالًا شخصيًا، لحصلتِ على 60 نقطة… 60 من 100. بينما تردد الآخرون أو تشبثوا بعبارات قديمة مُعدّلة، تعاطفت مع الموقف بصدق وفكّرت فيه مليًا. لطالما كنت مُجتهدة،” أثنت عليها بحرارة.
“أنتِ طفيلي… الشذوذات تتطفل على مشاعر البشر وعقولهم كي تبقى. تستغلنا. فبماذا تختلفين عنها؟ لماذا أنتِ موجودة؟ لماذا ما زلتِ على قيد الحياة؟”
رفعت جيوون رأسها أخيرًا.
عينا جيسو الخضراوان الداكنتان التهبتا وسط ظلمة الغابة.
“سأسأل مرة أخرى. بعد خمس سنوات؟ لنفترض أنها مراجعة كل ست سنوات. جيسو، لماذا تعتقدين أن الإمبراطور كان راضيًا عن إجابة الطفل؟”
ومع ذلك، كال الوزير المديح للإمبراطور، متملقًا إياه لينجو بحياته.
ظلت جيسو صامتة.
“ما الذي تنوين فعله بتلك الحبل؟”
من وراء الشجيرات، كنتُ أعرف غريزيًا الإجابة الصحيحة التي كانت تُفكّر بها جيوون. ففي النهاية، أنا وهي مرتبطان منذ الدورة الخامسة. كنتُ أفهم طريقة تفكيرها جيدًا.
وهكذا، أثبت الحاجب أنه الأقرب إلى الطاغية.
ومع ذلك، كان من غير المؤكد ما إذا كانت جيسو، شخص التقيتها للمرة الأولى في الدورة 703، قادرة على الوصول إلى هذه الإجابة.
انحنى حتى صار في مستوى نظر الطفل، ثم نطق:
“سأسأل مرة أخرى. بعد خمس سنوات؟ لنفترض أنها مراجعة كل ست سنوات. جيسو، لماذا تعتقدين أن الإمبراطور كان راضيًا عن إجابة الطفل؟”
انفرجت شفاه جيسو الحمراء.
“لأنه كان بخير.”
“سأسأل مرة أخرى. بعد خمس سنوات؟ لنفترض أنها مراجعة كل ست سنوات. جيسو، لماذا تعتقدين أن الإمبراطور كان راضيًا عن إجابة الطفل؟”
وهكذا، أثبت الحاجب أنه الأقرب إلى الطاغية.
همهمة.
لقد استخدمت هالتها.
“لأنه كان بخير.”
“همم؟” جاء الهمهمة المحفزة.
أنفاسها تلاحقت.
“جيسو، سألتُك ذات السؤال سابقًا. لماذا رفض الإمبراطور إجابات الوزير والحاجب، بينما قَبِلَ إجابات الطفل؟”
“حتى بعد القيام بمثل هذه الأشياء—الحرق العمد والمذابح—كان بخير.”
رفعت جيسو رأسها.
من وراء الشجيرات، كنتُ أعرف غريزيًا الإجابة الصحيحة التي كانت تُفكّر بها جيوون. ففي النهاية، أنا وهي مرتبطان منذ الدورة الخامسة. كنتُ أفهم طريقة تفكيرها جيدًا.
ولكن، ماذا حدث بعد ذلك؟ لو أن هذه الحكاية قد وقعت فعلًا، لأصبحت أسطورة خالدة. غير أن معجزة وقعت بدلًا من ذلك.
“لم يكن عليه تبرير أفعاله. وحده من يطلب اعتراف الآخرين يسعى للتبرير. لم يكن عليه أن يغض الطرف عن أفعاله. وحده من يخشى العواقب يحاول محو ما فات.”
“همم.”
“ثم ستتجاوز الأمر… أنتِ تعرفين جيدًا أي نوع من الأشخاص هي جيوون.”
“…لا يصابون بأذى. بوسعك العيش مكتفية بذلك، لكنك لا تفعلين. تلهثين وراء شخص آخر، أي شخص، فقط لتثبتي أن ’أنا لا أتأذى‘ لأنك تظنين أن ذلك دليل على قوتك!”
“القوة الحقيقية ليست كذلك. حتى بعد ارتكاب الفظائع، وكشفها للعلن، والاعتراف بأنها مذابح بلا معنى، والإفصاح عن كل شيء دون مواربة، ومع ذلك لا يواجه الإمبراطور أي عواقب—عندها فقط تصبح قوته (سُلطته) مطلقة. لهذا السبب أبقى على حياة الطفل وجعله حاجبه، رغم أن الطفل كان يحترق بنيران الانتقام كل يوم، يلعن الطاغية. بقاء ذلك الطفل وشهادته، بلا فائدة أو تأثير، كانا الدليل على قوة الإمبراطور.”
“صحيح.” قالت جيوون. “تسعون من مئة. أحسنتِ يا جيسو. كما هو متوقع، الناس ينضجون بمرور الوقت.”
انغرس خنجر في جذع شجرة الصنوبر بصوت مكتوم، ملامسًا شفتَي جيوون كأنه يطالبها بالصمت. خيط رفيع من الدم انسال على ذقنها.
“تعذيبي لا معنى له. لكن حتى انعدام المعنى يحمل معنى. فكّري في الأمر. البشر يتحملون حياةً شاقة فقط لإثبات أن شيئًا ما بلا معنى.”
“أمثالك…”
في تلك اللحظة، تهشمت الملامح المتصلبة على وجه جيسو.
عينا جيسو الخضراوان الداكنتان التهبتا وسط ظلمة الغابة.
أُبيدت القرية بالكامل. فهل كان لهذه المجزرة أي معنى؟
“…لا يصابون بأذى. بوسعك العيش مكتفية بذلك، لكنك لا تفعلين. تلهثين وراء شخص آخر، أي شخص، فقط لتثبتي أن ’أنا لا أتأذى‘ لأنك تظنين أن ذلك دليل على قوتك!”
في الغابة التي لفّها الغسق، تسللت نسائم الليل إلى لحاء الصنوبر قبل أن يحلّ الظلام تمامًا. تنشّقت جيوون ذلك الهواء العميق، وهي تغوص في أفكارها.
وحش.
بطريقة ما، انشقّ الليل، وانهمر منه ضوء النجوم، ومدّت جيوون يدها. الحبال التي كانت توثقها انحلّت، كأنها لم تكن سوى قيد وهمي.
“لقد أحرقتَ قريتنا وقتلتَ أهلها… دون سبب.”
تحجرت الكلمة بين أسنان جيسو.
“أنتِ طفيلي… الشذوذات تتطفل على مشاعر البشر وعقولهم كي تبقى. تستغلنا. فبماذا تختلفين عنها؟ لماذا أنتِ موجودة؟ لماذا ما زلتِ على قيد الحياة؟”
بخار ساخن تسرب من شفتيها، حرارة مسعورة أحرقت صدرها.
“على الأقل، اشعري بالألم. لماذا لا تهتزّين؟ فقدتِ ذراعًا. قُطع عنقك. تمزّق جسدك. إن كنتِ بشرًا، فلا بد أن ذلك يؤلم!”
“أنا أشعر بالألم. فقدتُ وعيي ست عشرة مرة أثناء التعذيب اليوم.”
همهمة.
ساد الصمت.
“هذا ليس ما أعنيه!” صرخت الفتاة. “الأمر مختلف. أنتِ… أنتِ…”
“هذا ليس ما أعنيه!” صرخت الفتاة. “الأمر مختلف. أنتِ… أنتِ…”
أنفاسها تلاحقت.
“الحكاية التي رويتها لكِ بعد بضعة أيام من تبنّيكِ… تلك التي تحكي عن الإمبراطور السفّاح. إن كنتِ قد نَسِيتِها، فسأعيدها عليكِ. ذات مرة، كان هناك إمبراطور بلغ من السطوة حدًا لم يكن أحد ليجرؤ على تجاوزه. هذا الإمبراطور أحرق قرية جبلية فقيرة عن بكرة أبيها.
صمتت الغابة.
“لستِ بشرًا… أنتِ شذوذ. لا، أنتِ ألعن من وحش. جيوون، سأكرهك إلى الأبد.”
“…لا يصابون بأذى. بوسعك العيش مكتفية بذلك، لكنك لا تفعلين. تلهثين وراء شخص آخر، أي شخص، فقط لتثبتي أن ’أنا لا أتأذى‘ لأنك تظنين أن ذلك دليل على قوتك!”
صمتت الغابة.
تقدم أحد الوزراء، مرتجفًا من الخوف، وأجاب:
أو بالأحرى، إن احتسبنا وجودي مختبئًا بين الشجيرات، فقد كنا اثنين.
بطريقة ما، انشقّ الليل، وانهمر منه ضوء النجوم، ومدّت جيوون يدها. الحبال التي كانت توثقها انحلّت، كأنها لم تكن سوى قيد وهمي.
“لستِ بشرًا… أنتِ شذوذ. لا، أنتِ ألعن من وحش. جيوون، سأكرهك إلى الأبد.”
“القوة هي حين تُمدح حتى الأفعال الشنيعة.”
لقد استخدمت هالتها.
“العلامة الكاملة.” أمسكت بكتفي جيسو. “هذا بالضبط هو الأمر، جيسو… أنتِ الناجية من القرية. أنتِ حاجبي. ولهذا ربيتكِ بعناية وأبقيتكِ إلى جانبي.”
ويُقال إن “الحاجب الموشوم بالحروق” خدم الطاغية حتى شاخ، وظل بجانبه طوال حياته الطويلة.
“آه.”
صمت.
فغرت جيسو فمها. لقد استبدّ بها اليأس.
على النقيض، كانت جيوون، التي قبضت على ذراعي جيسو بإحكام، تغتبط داخليًّا خلف ملامحها الرصينة.
تحدثت المريضة النفسية فضية الشعر مثل المعلم الذي يمتدح الطالب لإكمال واجباته المدرسية.
في تلك اللحظة، تهشمت الملامح المتصلبة على وجه جيسو.
“تعذيبي لا معنى له. لكن حتى انعدام المعنى يحمل معنى. فكّري في الأمر. البشر يتحملون حياةً شاقة فقط لإثبات أن شيئًا ما بلا معنى.”
السيدة ذات الشعر الفضي، والفتاة ذات الشعر الأسود.
“فقط من يكدّسون ثروات طائلة هم من يمكنهم التصريح بأن ’المال بلا معنى في الحياة’. فقط من يكرّسون حياتهم للعلم يمكنهم الجزم بأن ’المعرفة بلا معنى في الحياة’. جيسو، أنا بحاجة إليكِ. لشخصٍ مثلكِ.”
حدقت فيها جيسو بعينين خاويتين.
بخار ساخن تسرب من شفتيها، حرارة مسعورة أحرقت صدرها.
“تبدين مرهقة اليوم، لذا عودي للراحة. ابتداءً من الغد، ستستأنف أيام المهام. تدريب مكثف. عمليات مرنة. تغذية سليمة وراحة كافية. كل ذلك ضروري لأسلوب حياة صحي.”
تشنجت جيسو، متصلبةً بشكل غير طبيعي. وقبل أن يتمكن المستنقع المظلم من لفظ فقاعاته اللزجة، كنت أنا من بادر بالكلام.
مرّرت جيوون أصابعها بين خصلات جيسو، مبعدةً شعرها عن أذنها. لم ترفّ لها عين، ولم ترتعش حتى من لمستها.
“أنا حقًّا أعتبركِ ابنةً لي في قلبي.”
انحنى حتى صار في مستوى نظر الطفل، ثم نطق:
تُركت جيسو وحدها.
صمت.
تُركت جيسو وحدها.
“نعم.”
“سأرحل أولًا. الرياح تزداد برودة، فعودي سريعًا.”
اقتاد الجنود الطفل الناجي إلى حضرة الإمبراطور، الذي، تمامًا كما استجوب الوزير والحاجب، طرح عليه سؤالًا من باب التسلية:
ثم تلاشى صوت الأوراق اليابسة تحت خطاها.
تُركت جيسو وحدها.
في الغابة التي لفّها الغسق، تسللت نسائم الليل إلى لحاء الصنوبر قبل أن يحلّ الظلام تمامًا. تنشّقت جيوون ذلك الهواء العميق، وهي تغوص في أفكارها.
تُركت جيسو وحدها.
أو بالأحرى، إن احتسبنا وجودي مختبئًا بين الشجيرات، فقد كنا اثنين.
لقد استخدمت هالتها.
في تلك اللحظة، كنت غارقًا في التفكير.
صمت.
“هذه هي الحكاية. هل تذكّرتِها الآن؟”
كان أول ما شغلني، بالطبع، هو ثقل حياتي ذاتها. لم يكن القرار بالانخراط مع جيوون أمرًا اتخذته بخفة، بل جاء بعد تفكير طويل وعميق. ومع ذلك، لم يكن من السهل تحمّل تبعات أخطاء الدورة الـ703.
“سأسأل مرة أخرى. بعد خمس سنوات؟ لنفترض أنها مراجعة كل ست سنوات. جيسو، لماذا تعتقدين أن الإمبراطور كان راضيًا عن إجابة الطفل؟”
كان ثاني ما شغلني—
عينا جيسو الخضراوان الداكنتان التهبتا وسط ظلمة الغابة.
“ما الذي تنوين فعله بتلك الحبل؟”
من وراء الشجيرات، كنتُ أعرف غريزيًا الإجابة الصحيحة التي كانت تُفكّر بها جيوون. ففي النهاية، أنا وهي مرتبطان منذ الدورة الخامسة. كنتُ أفهم طريقة تفكيرها جيدًا.
بيد أن تزلّف الوزير اليائس لم يرق للطاغية.
“هاه؟” رمقتني جيسو بنظرة حادة. “هل كنت تراقب؟”
وحش.
“نعم.”
ساد الصمت.
“كل شيء؟”
لم يكن من الضروري معرفة ما إن كانت القرية متمرّدة. لم يكن ذلك مسموحًا.
تلك الكلمة أصابتني في الصميم.
“نعم، كل شيء.”
“ما الذي تظن أنني فعلتُه الآن؟”
“جبان.”
تساءل الوزراء والجنود عن ذلك، غير أن الإمبراطور حرّم عليهم الاستفسار. وهكذا وقعت المجزرة. وبعد أن أزهق أرواح كل رجل وامرأة وطفل في القرية، التفت إلى وزرائه متسائلًا:
تلك الكلمة أصابتني في الصميم.
“أنا أشعر بالألم. فقدتُ وعيي ست عشرة مرة أثناء التعذيب اليوم.”
لم يزل سماع كلمات شخص يصغرني بكثير وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة يبعث في نفسي اضطرابًا لا ينتهي. بالنظر إلى مجرد شوكة قنفذ، كان الشتاء الذي اجتازته هذه الفتاة قاسيًا إلى حد يفوق الوصف.
“هاه؟” رمقتني جيسو بنظرة حادة. “هل كنت تراقب؟”
المنفى IV
“لا تقتلي نفسك.”
خفضت جيسو رأسها.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
تشنجت جيسو، متصلبةً بشكل غير طبيعي. وقبل أن يتمكن المستنقع المظلم من لفظ فقاعاته اللزجة، كنت أنا من بادر بالكلام.
“إن متِّ بيدك، فجيوون ستتألم بلا شك. ستحزن. ليوم. ليومين. ربما لأسبوع أو اثنين.”
“العلامة الكاملة.” أمسكت بكتفي جيسو. “هذا بالضبط هو الأمر، جيسو… أنتِ الناجية من القرية. أنتِ حاجبي. ولهذا ربيتكِ بعناية وأبقيتكِ إلى جانبي.”
“إن كان الأمر كذلك—”
“نعم.”
“ثم ستتجاوز الأمر… أنتِ تعرفين جيدًا أي نوع من الأشخاص هي جيوون.”
ولكن، ماذا حدث بعد ذلك؟ لو أن هذه الحكاية قد وقعت فعلًا، لأصبحت أسطورة خالدة. غير أن معجزة وقعت بدلًا من ذلك.
صمت.
تحدثت المريضة النفسية فضية الشعر مثل المعلم الذي يمتدح الطالب لإكمال واجباته المدرسية.
وهكذا، أثبت الحاجب أنه الأقرب إلى الطاغية.
“أنا أحترم اختيارك. لكن أعيدي النظر في منح جيوون حتى فرصة ’التعافي من جراح الحياة’.” وحين لم تجب، أضفت، “يمكنكِ أن تقرري لاحقًا. لن يكون الأوان قد فات بعد.”
تحجرت الكلمة بين أسنان جيسو.
في تلك اللحظة، تهشمت الملامح المتصلبة على وجه جيسو.
————————
ومع ذلك، كان من غير المؤكد ما إذا كانت جيسو، شخص التقيتها للمرة الأولى في الدورة 703، قادرة على الوصول إلى هذه الإجابة.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
“هذه هي الحكاية. هل تذكّرتِها الآن؟”
