الفصل 4
الفصل 4
“مذكرات التعايش مع المرض” هي، في جوهرها، وصيتها – هذا ما أعتقده. في ذلك الكتاب الورقي غير المستخدم، تدون الأشياء اليومية التي تراها وتشعر بها، تاركة إياها وراءها. من الواضح أن طريقة التسجيل هذه امتلكت قواعد خاصة بها.
وبالمناسبة، يمكنكم القول إنه يعادل نحو 6 فصول — بل أكثر قليلًا — من معظم الروايات العادية التي يبلغ متوسط الفصل فيها حوالي 2000 كلمة….
لا أستطيع القول إنني عرفت أيًّا منها على وجه اليقين، لكنني كنت واثقًا إلى حد ما من بعضها بعد أن لاحظتها. أولًا، لم تكتفِ بتسجيل تجاربها اليومية فحسب. الأيام التي رأت فيها شيئًا مميزًا، والأيام التي شعرت فيها بشيء مميز – في “مذكرات التعايش مع المرض”، جمعتْ فقط الأشياء التي بدت ذات قيمة لتتركها وراءها بعد وفاتها.
بينما نظرتُ إلى الفتاة التي غضبت من أجل العدالة، والتي باتت أيامها معدودة، فكرت أن أبناء الشياطين يملكون حقًا حظ الشياطين.
نزلنا بسلم متحرك طويل من الرصيف إلى طابق يوجد فيه متجر الهدايا التذكارية ومنطقة الاستراحة. بدا المكان وكأنه قد جُدّد حديثًا؛ إذ حصل على درجة كاملة في النظافة وترك لدي انطباعًا إيجابيًا.
ثانيًا، آثرتْ ألا تترك معلومات غير نصية في “مذكرات التعايش مع المرض.” يبدو أنها اعتقدت أن أشياء مثل الرسومات أو الرسوم البيانية لا تناسب كتابًا ورقيًّا، واختارت أن تكتب فقط بقلم حبر أسود في “مذكرات التعايش مع المرض.”
وبينما قالت ذلك، وبحركات بطيئة وخاملة، انتقلَت إلى الجانب الأيسر من السرير الكبير، واستلقَت على ظهرها، وأغلقَت عينيها. فكرتُ أنه سيكون من الجيد لو نامَت هكذا فحسب، لكنها قهقهَت وهي تضرب سطح السرير بكلتا ذراعيها. لسوء الحظ، لم يبدُ أنها ستتنازل عن المباراة الأخيرة.
أخيرًا، قررتْ ألا تُري أحدًا “مذكرات التعايش مع المرض” حتى تموت. باستثنائي أنا، إذ رأيت الصفحة الأولى بفعل قوة قاهرة أكثر من كونه خطأً من جانبها، لم يطّلع أحد آخر على سجلات حياتها. يبدو أنها طلبت من والديها أن يوزّعاها على جميع أحبائها بعد وفاتها. ومهما كان الغرض الحالي من ذلك، فإن المقربين منها سيتلقّون رسالتها بعد موتها، مما يجعلها أشبه بوصيتها.
الحقيقة أنني تمنيتُ عكس ما تكهنَت به تمامًا، لكنني لم أخبرها بذلك. بالمناسبة، ألم يكن هذا معبود الدراسة؟ حسنًا، إنه معبود، لذا ربما لم تهم التفاصيل.
ولكن على الرغم من أنه لم يكن من المفترض أن يتمكن أي شخص من التأثير على تلك السجلات أو أن يتأثر بها حتى وفاتها، فقد أعطيتها رأيي في “مذكرات التعايش مع المرض” مرة واحدة فقط.
“هيهي، أظن أنها لقاؤك. تيهي.”
بينما تساءلتُ عما إذا حان الوقت للحصول على وظيفة بدوام جزئي، دُفعت برتقالة أمام عيني مباشرة.
تعلق الأمر باسمي – لم أرغب في ظهوره في “مذكرات التعايش مع المرض.” السبب ببساطة أنني لم أرغب في تلقي أي تدقيق أو نقد غير ضروري من والديها وأصدقائها بعد وفاتها. في خضم عملنا في لجنة المكتبة، أدلت بملاحظة بخصوص “مذكرات التعايش مع المرض” قائلة إن “أشخاصًا مختلفين يظهرون فيها.” عندها طلبتُ رسميًا حذف اسمي. جاءت إجابتها: “أنا من يكتبها، لذا الأمر متروك لي.” ابتلعتُ أي كلمات أخرى لدي. أضافت: “إذا قلتَ أنك لا تحبها، فهذا يجعلني أرغب في فعلها أكثر.” استسلمتُ للمشاكل التي ستترتب بعد وفاة زميلتي.
لزمت الصديقة المقربة الصمت لفترة من الوقت على الجانب الآخر من الهاتف. وضعَت الفتاة الهاتف بصبر مقابل أذنها. أخيرًا، أمكن سماع صوت من الجهاز الإلكتروني.
استقلينا مصعدًا آخر للوصول إلى الطابق الأرضي، وبلغنا أخيرًا بوابات التذاكر. غمرني إحساس غير متوقع لحظة خروجي، لدرجة أنني شككتُ في حواسي. كما قالت سابقًا، تمكنتُ من شم رائحة الرامن. مذهل؛ ربما صحَّ القول إذن، بأن مَن يعيشون في المحافظات الحضرية يمكنهم شم رائحة الصلصة، بينما مَن يعيشون في المحافظات الريفية يمكنهم شم رائحة الأودون. لم أذهب إلى أي منهما من قبل، لذا لم أستطع إنكار هذه الاحتمالية، ولكن مَن كان يظن أن طبقًا واحدًا يمكن أن يتغلغل في حياة البشر اليومية إلى هذا الحد؟
ومع ذلك، ربما كُتب اسمي بالفعل مع الحلقات المتعلقة بالياكينيكو والحلوى، ولكن خلال اليومين اللذين أعقبا ذهابنا إلى “جنة الحلويات”، لم يكن من المفترض أن يظهر اسمي في “مذكرات التعايش مع المرض.”
جاءت الكلمات المفاجئة من خلفي —يبدو أنها توصّلَت أخيرًا إلى قرار، وبينما رجوتُ بكل جوارحي ألّا يكون شيئًا يهدد قلبي، أجبتُ وظهري لا يزال مواجهًا لها.
السبب أنني في هذين اليومين، لم أتبادل كلمة واحدة معها في المدرسة. لم يُعد ذلك أمرًا غير عادي أو ما شابه، لأننا اعتدنا دائمًا القيام بأعمالنا الخاصة في الفصل. بدلًا من ذلك، يمكن القول إن تلك الأيام التي زينتها الياكينيكو والحلويات مثّلت الحالة غير العادية.
“لقد قلتها حقًا هاه؟”
ذهبتُ إلى المدرسة، وأنهيتُ الاختبارات، وعدتُ إلى المنزل بهدوء. وعلى الرغم من أنني كثيرًا ما شعرتُ بنظرات صديقتها المقرّبة وأفراد تلك المجموعة، فإنني قررتُ أنه لا داعي لأن أتكلف التأثر بهم.
لم يحدث شيء مميز حقًا في هذين اليومين. إذا اضطررتُ لاختيار شيء ما، فهناك حادثتان بسيطتان فقط، الأولى منهما – بينما كنت أكنس الممر بصمت، جاء صبي لم يعتد النظر إليّ عادةً حتى ليتحدث معي.
“يو، زميلي العادي، هل تواعد ياماوتشي؟”
يونيكلو: متجر مشهور للملابس منخفضة التكلفة.
اتسم أسلوب حديثه، على الرغم من افتقاره إلى الأناقة، بنوعٍ من الانتعاش. ارتبتُ في أنه ربما حمل قدرًا من المودّة لها، ومن ثم غضب مني غضبًا غير منطقي، لكن مظهره أوحى بغير ذلك. وبالحكم على ما ارتسم على وجهه، لم يبدُ عليه أدنى انزعاج، بل خيّم عليه في الواقع شيء من البهجة في غير موضعها. لا بد أنه واحد من أولئك الأشخاص التافهين المدفوعين بفضول لا ينضب.
“شكرًا، كيوكو.”
“لا، إطلاقًا.”
“أهذا صحيح؟ لكن كلاكما تناولتما الحلوى، أليس كذلك؟”
“تصادف أن تناولنا وجبة معًا فقط.”
“بمعنى آخر، لا يمكنني قلب لوحة الشوغي، أليس كذلك؟ لا بأس، لن أفعل شيئًا غير راقٍ كهذا.”
“ما هذا؟”
“آه!! تعني هينا! إن لديها أصل ألماني كما تعلم. همم، إذن أنت تحب هذا النوع من الفتيات. رغم أن هينا جميلة، لا أظن أن لديها حبيبًا أو أي شيء، ولو كنتُ فتًى لاخترتُ هينا أيضًا على الأرجح. لديكَ ذوق جيد هاه!.”
“لماذا أنت مهتم؟”
“همم؟ آه، لا تقل لي أنك تعتقد أنني معجب بياماوتشي؟ مستحيل! انظر، أنا أحب الفتيات الأكثر رقيًا.”
“أيًا كان الأمر، فهذا فوزي، هههه.”
على الرغم من أنني لم أسأله، استمر في الثرثرة بلا مبالاة. يبدو أن الشيء الوحيد الذي اتفقنا عليه هو أنها ليست راقية.
“آسفة على الانتظار!” وقبل أن أتمكن من التأكيد على أننا لم ننتظر على الإطلاق، وُضع طبقان أحمران من أوميغاي-موتشي وكوبان من الشاي الأخضر على طاولتنا. نظرًا لوجوب الدفع مقدمًا، قسمنا الفاتورة إلى نصفين وسلمنا عملاتنا المعدنية إلى موظف المتجر.
عرّجنا على متجر يبيع منتجات “أولترامان” في الطريق، واشترَت لي هدية تمثّلَت في دمية من الفينيل الناعم لوحش يشبه هيكلاً عظميًا لديناصور، على الرغم من أنني جهلتُ المغزى من اختيارها. وحين سألتُها، قالت إنه يناسبني. لم يُحسّن ذلك مزاجي. وفي المقابل، اشتريتُ لها دمية من الفينيل الناعم لـ “أولترامان.” وعندما قلتُ لها إنه يناسبها، راق لها الأمر واعتدل مزاجها كالعادة.
“فهمت، إذًا لدينا فكرة خاطئة، لكن الجميع في الفصل يتحدثون عن ذلك، كما تعلم.”
بعد قولها ذلك، وكأنها فكرَت في شيءٍ ما، أخرجَت “مذكرات التعايش مع المرض” من حقيبتها وكتبت ملاحظة. كثيرًا ما رأيتُ هذا السلوك عند مراقبتها.
“كل هذا سوء فهم، لذا لا أمانع.”
سرعان ما وصلت جدة لطيفة المظهر حاملة كوبين من الماء، وأخذت طلباتنا.
قالت ذلك وهي تصب كأسين آخرين من مشروب البرقوق. ونظرًا لنفاد الصودا، ملأت الكأسين حتى الحافة بمشروب البرقوق القوي. وحتى دون تذوقه، أمكنني إدراك مدى حلاوته من الرائحة المنبعثة منه.
“يا لك من ناضج، هل تريد بعض العلكة؟”
“ليس حقًا. هل يمكنك أن تمسك مجرفة الغبار لي؟”
“أنا لا أحكم على الناس بمظهرهم كما تعلمين.”
“اترك الأمر لي.”
افتقر للموثوقية واعتاد التغيب عن واجب التنظيف، لذا ظننت أنه سيرفضني. لكن على عكس التوقعات، أمسك بالمجرفة من أجلي بشكل مفيد. ربما لم يفهم مفهوم وقت التنظيف، ولو علمه أحدهم، لأبدى استعداده للقيام به بشكل صحيح.
تمامًا كما طلبَت، أمسكتُ بالكوبين وأحضرتُهما إلى الطاولة.
وكأنه يضحك على مدى ضعف خيالي، مرة أخرى، بدأ الوحش القابع في أعماق قلبي يتنفس.
لم يتابع المسألة أكثر من ذلك. مثّلت هذه أول حادثة حدثت خلال هذين اليومين وجدتها غير عادية.
بينما كنتُ أفكر في أشياء من هذا القبيل، أدركتُ فجأة أنني كنت أستدرج القدر عمليًا لتعكير صفو سلامي؛ يبدو كخطأ شخص معين أنني أصبحتُ مرتابًا تمامًا. لحسن الحظ، انقضى وقتي الثمين دون أي إزعاج. ركزتُ على روايتي لمدة تقارب الساعة قبل أن أصل إلى موضع جيد للتوقف. عندها أدركتُ فجأة السلام الذي تمكنتُ من تحقيقه؛ ولكن لم أتوقع أبدًا الإمساك به. نظرتُ إلى جانبي لأرى الفتاة تغط في نوم عميق، والمجلة مستقرة على بطنها.
لم يُعد التحدث مع زميل في الفصل أمرًا مزعجًا، لكن بينما بدت الحالة غير العادية التالية تافهة، إلا أنها وضعتني في مزاج كئيب نوعًا ما. اختفت العلامة التي كان من المفترض أن تكون محصورة داخل كتابي الورقي. على الرغم من أنني تذكرت لحسن الحظ المشهد الذي توقفت عنده، إلا أن هذا المرجع لم يكن من النوع الذي يوزع مجانًا في المكتبات وما شابه؛ بل قطعة مصنوعة من البلاستيك الرقيق اشتريتها عندما ذهبت إلى المتحف سابقًا. لم أعرف متى فُقدت، ولكن على أي حال، ورغم أنني لم أشعر بأي مرارة لأن إهمالي بدا السبب الأساسي، إلا أنني شعرت بالإحباط لأول مرة منذ فترة.
“شكرًا، كيوكو.”
ومع ذلك، وبرغم شعوري بالإحباط بسبب شيء يبدو سطحيًا في النهاية، مر هذان اليومان بشكل عادي بالنسبة لي. وبما أن المعيار بالنسبة لي هو الهدوء – فهذا يعني أنني لم أكن مُطارَدًا من قبل الفتاة التي أوشكت على الموت.
بدأت نهاية الروتين ليلة الأربعاء. كنت أستمتع بآخر “الحياة الطبيعية” عندما تلقيتُ رسالة واحدة.
بينما بدأت تهز شعرها المبلل بالعرق من جانب إلى آخر، ابتسمت كعادتها.
“لكن بنكرياسي هو المتعفن.”
بغض النظر عن مدى أملي وتمنياتي، لم يوجد ما يغير حقيقة أنني في ذلك الوقت لم ألاحظ بوادر الشذوذ التي بدأت – ربما لأنني شخصية [في رواية]. حتى في الروايات، الوحيدون الذين يعرفون إعداد الفصل الأول هم القراء. الشخصيات نفسها لا تعرف شيئًا واحدًا.
“أنا، أنا، أنا، أنا فعلتُها! …… همم؟.”
جاء محتوى الرسالة كما يلي:
“حقيقة!.”
بينما شربتُ الشاي من زجاجة بلاستيكية بدت غير مناسبة للمكان تمامًا، راقبتُها من الجانب وهي تتعامل مع موظف الاستقبال.
“عمل جيد في الاختبارات! سنحصل على يوم عطلة من الاختبارات غدًا، أليس كذلك؟ [وجه مبتسم] للدخول في صلب الموضوع، هل ستكون متفرغًا؟ ستكون متفرغًا على أي حال، أليس كذلك؟ أفكر في الذهاب في رحلة بالقطار! [علامة السلام] هل هناك أي مكان تريد الذهاب إليه؟”
“ما الذي حصلتَ عليه؟”
أفسدتْ تخميناتها حول ظروف الناس مزاجي نوعًا ما، لكنها أصابت كبد الحقيقة عندما قالت إنني متفرغ، ولم أمتلك أي سبب لرفضها، لذا أجبت: “لا مانع لدي من الذهاب إلى أي مكان تريدين الذهاب إليه قبل أن تموتي.”
“إنه شاب رائع للغاية. نعم، حقًا، لقد اعترف لي بحبه، وظننتُ أنه لكونه شخصًا طيبًا وصديقًا، فلا بأس من مواعدته، لذا استعصى عليّ فهم أن الأمر لم يكن كذلك. أعني، لقد قلتُ ذلك بصراحة، أليس كذلك؟ بعد أن بدأنا نتواعد، سرعان ما يتعكر مزاجه، وبمجرد نشوب شجار، يظل غاضبًا لفترة طويلة جدًا. لا بأس بالأمر لو كنا أصدقاء، لكنني لم أرغب في البقاء معه بعد ذلك.”
بالطبع، عاد هذا ليلاحقني لاحقًا. توجّب علي ببساطة أن أعرف أنه لا يجب ترك اتخاذ القرار لها.
عند النظر إلى السقف، ومضت الثريا من زاوية عيني.
عدتُ إلى الغرفة دون إجابة. جلستُ على الأريكة، وأخذتُ جهاز التحكم عن بعد من الطاولة المستديرة أمامي، وشغلتُ التلفاز الذي ضاهى الغرفة حجمًا، وتصفحتُ القنوات. عُرض العديد من البرامج المحلية التي لا أشاهدها عادةً، وأثار الفنانون الذين يستعرضون اللهجات اهتمامي أكثر من هراء الفتاة.
وهكذا، سرعان ما تبعتها الرسالة التي تحدد المكان والوقت. تمثلت نقطة اللقاء في محطة قطار كبيرة وبارزة داخل المحافظة، وجاء الوقت مبكرًا بشكل غريب، لكنني اعتبرتُ ذلك مجرد نزوة أخرى من نزواتها الكثيرة.
وأنا ما زلتُ واقفًا، قلبتُ البطاقة التي علقَت زاويتها تحت الكوب الحاوي للقليل من مشروب البرقوق.
رددتُ برسالة احتوت على حرفين فقط، فردّت بآخر رسالة تلقيتُها في ذلك اليوم.
بينما بدأت تهز شعرها المبلل بالعرق من جانب إلى آخر، ابتسمت كعادتها.
“لا يمكنك أبدًا أن تنقض هذا الوعد، حسنًا؟”
بغض النظر عن مدى تعارضنا مع بعضنا البعض، لم أعتد أبدًا إخلاف الوعود، لذا رددت بـ “حسنًا” أخيرة وتركتُ هاتفي المحمول على مكتبي.
مستخدمًا اسمي الأول واسم عائلتي كأساس، حضر في ذهني كاتبان.
كحرق للأحداث، شكّلت كلمة “وعد” جوهر خدعة الفتاة. في الواقع، ربما أنا الوحيد الذي فسّرها على أنها خدعة. ظننتُ أن “الوعد” الذي ذكرتْه أشار إلى نزهتنا غدًا. كنتُ مخطئًا. أشار “وعدها” إلى زلة لساني – “لا مانع لدي من الذهاب إلى أي مكان تريدين الذهاب إليه قبل أن تموتي.”
في اليوم التالي، توجهتُ إلى مكان لقائنا في الصباح الباكر ووجدتها تنتظر هناك بالفعل. حملتْ حقيبة ظهر زرقاء سماوية لا تحضرها عادةً، وارتدت قبعة من القش لا تضعها عادةً – بدت وكأنها ذاهبة في رحلة.
شحذتُ عزيمتي.
“إذا توجّب عليّ اختيار شيء ما، أظن أنني أحببت الأفلام دائمًا.”
قبل حتى أن نتبادل التحيات، أعربَت عن صدمتها من مظهري.
ذهبتُ إلى المدرسة، وأنهيتُ الاختبارات، وعدتُ إلى المنزل بهدوء. وعلى الرغم من أنني كثيرًا ما شعرتُ بنظرات صديقتها المقرّبة وأفراد تلك المجموعة، فإنني قررتُ أنه لا داعي لأن أتكلف التأثر بهم.
“هل أصبتَ بحروق الشمس؟”
“ملابسك خفيفة جدًا! أهذا كل ما تحمله؟ ماذا عن ملابسك البديلة؟”
“…………ملابس بديلة؟”
“همم، حسنًا، أعتقد أنه يمكنك شراء بعضها هناك فقط. يبدو أن هناك متجر يونيكلو*.”
“هناك؟ يونيكلو؟”
“……شكرًا.”
تلك هي المرة الأولى التي شعرتُ فيها ببوادر القلق في قلبي.
بصرف النظر عن عدم جدوى الأمر برمته، سارت محادثتنا من هذه النقطة فصاعدًا بطريقة انتهى بي الأمر فيها مغلوبًا على أمري. لأسباب تتعلق بالسهولة، حُذف جزء كبير منها من هنا.
متجاهلةً شكوكي وأسئلتي وكأنها ريح في أذنيها، نظرَت إلى ساعتها وأجابت بالسؤال – “هل تناولتَ الفطور؟”
بعد ذلك، لم يكن الشاب، بل زميله الأكبر سنًا من انحنى انحناءة عميقة وواسعة اعتذارًا، وبدأ يتحدث إليها. فابتسمت ابتسامة حزينة.
بينما أنَت بصدق من الحزن والإحباط والغيظ، قلبَت هي أيضًا بطاقة. نظرتُ إلى الرقم الذي سحبَته، وأنا – الذي اقتنعتُ بأنني فزت – سال العرق على ظهري.
“لم يكن مشبعًا جدًا، لكنني تناولتُ الخبز.”
ركبنا المترو وتوجهنا إلى وسط المدينة.
“أنا لم آكل. هل بأس إن اشترينا شيئًا؟”
“أنا جبان، لذا دعنا نحظر تلك الضربة المميتة من الآن فصاعدًا. هذا ليس عدلًا.”
اعتقدتُ أنه لا توجد أي مشكلة معينة في ذلك، لذا وافقتُ. ابتسمَت وبدأتْ تتجه نحو وجهتها بخطوات واسعة. افترضتُ أننا متجهون إلى متجر بقالة، لكننا وصلنا إلى متجر بينتو بدلًا من ذلك.
شعرتُ بالإحباط بشأن مسار العمل الذي توجّب عليّ اتخاذه، ولكن كما هو متوقع، عجزتُ عن قلب رقعة الشوغي.
“أي شيءٍ غير الملح يعد مجرد معارضة للنظام.”
“هاه، هل ستحصلين على بينتو السكك الحديدية؟”
“بهذا، أصبحنا نحن الاثنان رفيقين في الحساء الساخن أيضًا.”
“أجل، إنه للأكل في الشينكانسن. هل ستحصل على واحد أيضًا؟”
باغتني سؤال الفتاة التي ظلّت تقارن بين الأصناف المحلية في مجلة السفر بجانبي. نظرًا لأن مشهد خضرة الجبال قد هدّأ من روعي، فقد أجبتُ عن سؤالها بصراحة. ورغم أن اسمي ليس غريبًا لتلك الدرجة، إلا أنها راحَت تومئ برأسها باهتمام كبير. وعقب ذلك، همسَت باسمي الكامل لنفسها.
لستُ متأكدًا ممّا إذا كان الأمر مرتبطًا بذلك، لكنني وجدتُ حذائي الداخلي في سلة المهملات.
“انتظري انتظري انتظري انتظري انتظري.”
أمسكتُ بأعلى ذراع الفتاة التي راحَت تعجب بسعادة بعلب البينتو المصطفة للعرض، وسحبتها بعيدًا عن الكاشير. ابتسمَت الجدة عند الصندوق بوداعة وهي تنظر إلى الفتاة، لكن عندما التقَت عيونهما للمرة الثانية، ارتسم على وجه الفتاة تعبير مصدوم، مما سبب للجدة صدمة أيضًا.
“هذا يجب أن يكون تعبيري.”
“كيف كنتُ وأنا طفلة هاه – على أية حال، قيل لي إنني كنتُ كثيرة الحركة.”
“ما الخطب؟”
التقطتُ الموتشي الأبيض المستدير الذي يبدو أنه يُصنع باستمرار داخل المتجر، وبدت قشرته الخارجية المقرمشة واضحة. عندما قضمتُه، ملأت فمي حلاوة وفيرة، مع عجينة الفاصوليا الحمراء المالحة قليلًا. بدا طعمه لذيذًا، وتناسب الشاي الأخضر معه جيدًا.
“شينكانسن؟ بينتو السكك الحديدية؟ اشرحي بشكل صحيح – ماذا سنفعل بالضبط اليوم؟”
“همم، حسنًا، أعتقد أنه يمكنك شراء بعضها هناك فقط. يبدو أن هناك متجر يونيكلو*.”
تميّزَت أول رشفة كحول شربتها منذ فترة برائحة منعشة، وبحلاوةٍ غير متوقعة.
“كما قلتُ، نحن ذاهبان في رحلة بالقطار.”
“إذن بكلمة ’قطار‘، قصدتِ الشينكانسن؟ وعندما تقولين ’رحلة‘، إلى أي مدى تقصدين أن نذهب؟”
بتعبير مختلف عمّا سبق، نظرَت إليّ مباشرة في عيني. بدت جادة بوضوح في تلك الكلمات. وبلا مخرج، أجبتُ: “سأفكر في الأمر.” وجاء ردّها المقتضب: “أرجوك افعل.” قيلت تلك الكلمات بقناعة صادقة. فتردد قلبي، الذي قرر بالفعل أننا لن نتوافق على أي حال، ولو قليلًا.
بعد أن صنعَت وجهًا قال إنها تذكرَت شيئًا ما أخيرًا، أدخلَت يدها في جيبها وأخرجَت قطعتين مستطيلتين من الورق. أدركتُ على الفور أنهما تذكرتان.
“أنا لا أحكم على الناس بمظهرهم كما تعلمين.”
مررَت لي واحدة، وبعد أن ألقيتُ نظرة عليها، اتسعت عيناي تمامًا.
وبينما كنتُ أجوب المرفق مع الفتاة المتألقة، انقضى الوقت سريعًا. ابتاعَت بعض قطع الملابس. وتوالَت جيئتها إليّ وهي تحمل قمصانًا وتنانيرَ لطيفة، طالبةً مني تقييم كلّ واحدةٍ منها، ولكن لعدم فهمي حقيقة الجيد أو السيئ في أزياء الفتيات، آثرتُ القول إنها تناسبها – وهي كلمات خلت من المديح والنقد. وبشكل غير متوقع، حسّنت تلك الكلمات مزاجها، لذا سررتُ لذلك. وبما أنني لم أكذب بشأن ملاءمة الملابس لها، لم يخالج قلبي أيّ وخز للضمير.
“امم، هل هذه مزحة؟”
شربتُ المزيد من الخمر. وصرتُ أكثر تبلدًا تجاه الطعم مما كنتُ عليه سابقًا.
قهقهَت. بدا أنها جادة.
ولكن على الرغم من أنه لم يكن من المفترض أن يتمكن أي شخص من التأثير على تلك السجلات أو أن يتأثر بها حتى وفاتها، فقد أعطيتها رأيي في “مذكرات التعايش مع المرض” مرة واحدة فقط.
“مكتوب هنا أننا لن نذهب إلى مكانٍ ما في رحلة ليوم واحد، لذا يبدو أنه لا يزال بإمكاننا إعادة التفكير في هذا.”
“أنا لم آكل. هل بأس إن اشترينا شيئًا؟”
“…………لا، لا، أيها الزميل المتوافق كن، لقد فهمت الأمر خطأ.”
بعد أن انتهينا من إطعام السلاحف، مشينا على طول الممر بجانب المسبح ومررنا بمطعم. بناءً على اقتراحها، دخلنا إليه. جُهّز المتجر بمكيف هواء، فتنهدنا بشكل لا إرادي بسبب الراحة التي وفرها لنا. بدا المطعم واسعًا، وتواجدَت فيه ثلاث مجموعات أخرى من الزبائن غيرنا. جلست هناك عائلة، وزوجان مسنان أنيقان، ومجموعة من أربع سيدات كبيرات في السن انشغلن بحديث صاخب. جلسنا على الطاولة بجوار النافذة.
“يا للراحة، إذًا إنها مزحة.”
“واااه، أمبي.”
وحتى لا أسيء إلى السكيرة التي واجهتني بنظرة فظة، شربتُ بعض المشروب أيضًا. وبذلك، صرتُ أنا أيضًا ثملًا إلى حدٍ ما، لكنني ظللتُ أفضل منها في الحفاظ على وجه خالٍ من التعبير.
“ليس الأمر كذلك، نحن لن نذهب في رحلة ليوم واحد فقط.”
“هذا صحيح، لقد تعرقتُ أكثر مما توقعتُ. أنا آسف حقًا، لكنني سأردُ لكِ الدين بالتأكيد قبل أن تموتين، فهل يمكنكِ إقراضي بعض المال؟”
“إذن لقد خدعتِها من أجلي، كما هو متوقع من كيوكو. شكرًا جزيلًا. كيف فعلتِ ذلك؟”
“…………هاه؟”
بعد أن صنعَت وجهًا قال إنها تذكرَت شيئًا ما أخيرًا، أدخلَت يدها في جيبها وأخرجَت قطعتين مستطيلتين من الورق. أدركتُ على الفور أنهما تذكرتان.
بصرف النظر عن عدم جدوى الأمر برمته، سارت محادثتنا من هذه النقطة فصاعدًا بطريقة انتهى بي الأمر فيها مغلوبًا على أمري. لأسباب تتعلق بالسهولة، حُذف جزء كبير منها من هنا.
“.…لا مفر، سأشارككِ.”
أصرّت على رأيها، وبينما حاولتُ إقناعها بخلاف ذلك، لعبَت ورقتها الرابحة – رسائل الأمس. وهكذا تم استغلال نيتي في عدم نكث الوعد أبدًا.
قبل أن أدرك ذلك، وجدت نفسي أستقل الشينكانسن بالفعل.
“هاااه.”
وقفنا أمام الصندوق الذي أدى دور محفظة المعبود، وألقينا فيه مبلغًا صغيرًا من المال كقربان. ثم أدينا صلواتنا بشكل صحيح؛ انحناءتان، وصفقتان، وانحناءة أخرى.
بينما حدقتُ في المناظر المتدفقة من مقعد النافذة، ضاع ترددي بشأن ما إذا ينبغي عليّ قبول أن أُدفع إلى هذا الموقف الراهن. بجانبي، استمتعَت الفتاة بأرزها المخلوط.
“حسناً، أظن أن هذا لا يخرق القواعد.”
“هذه هي المرة الأولى التي أذهب فيها في رحلة كهذه! أيها الزميل المتوافق كن، هل فعلتَ شيئًا كهذا من قبل؟”
“كلا.”
“كما تعلمين، أنتِ—”
“يمكنك الاسترخاء كما تعلم، فقد أعددتُ مجلات سفر بشكل مناسب لليوم.”
“قد يكون العشب لا يزال أخضر، لكنه ليس الربيع… الجو حار.”
“آه، أهذا صحيح.”
“أعلم، صحيح!”
حتى قوارب القصب لابد أن تمتلك حدًا في مكان ما؛ عبستُ في نفسي.
استيقظنا أنا وهي في الوقت نفسه للسبب عينه. أصدر هاتف خلوي رنينًا صاخبًا. أخرجتُ هاتفي من حقيبتي، لكن لم يظهر أي إشعار —وبما أن ذلك يعني حتمية كونه هاتفها، فقد استعدتُ الهاتف المتروك على الأريكة وسلمتُه للفتاة الجالسة على السرير. فتحَت الفتاة ذات العينين الناعستين الهاتف القابل للطي، ووضعته بجوار أذنها.
بالمناسبة، تمامًا مثل الياكينيكو، جاءت أموال تذاكر الشينكانسن من محفظتها. أخبرتني ألا أهتم، لكن لا يصح ألا أسدد لها، حتى لو كان ذلك على حساب كرامة إنسان مثلي.
بينما تساءلتُ عما إذا حان الوقت للحصول على وظيفة بدوام جزئي، دُفعت برتقالة أمام عيني مباشرة.
“إذن بكلمة ’قطار‘، قصدتِ الشينكانسن؟ وعندما تقولين ’رحلة‘، إلى أي مدى تقصدين أن نذهب؟”
وبينما كنتُ أجوب المرفق مع الفتاة المتألقة، انقضى الوقت سريعًا. ابتاعَت بعض قطع الملابس. وتوالَت جيئتها إليّ وهي تحمل قمصانًا وتنانيرَ لطيفة، طالبةً مني تقييم كلّ واحدةٍ منها، ولكن لعدم فهمي حقيقة الجيد أو السيئ في أزياء الفتيات، آثرتُ القول إنها تناسبها – وهي كلمات خلت من المديح والنقد. وبشكل غير متوقع، حسّنت تلك الكلمات مزاجها، لذا سررتُ لذلك. وبما أنني لم أكذب بشأن ملاءمة الملابس لها، لم يخالج قلبي أيّ وخز للضمير.
“أتريد البعض؟”
“فقط إذا فعلتُ شيئًا غريبًا، أليس كذلك؟ لذا بالإضافة إلى القول إنني كنت بريئًا، أرجوكِ اشرحي الأمور بشكل صحيح.”
“هل من خطـبٍ ما؟”
“……شكرًا.”
“وماذا تعنين بالضبط بقولك هذا؟”
استلمتُ البرتقالة وبدأت بهدوء في تقشير جلدها.
لم أشعر بأي شيء.
“ليس لديكَ أي طاقة على الإطلاق، هاه. لا تقل لي أنك تشعر بالرغبة في النزول؟”
بعد انتهائي من غسل رأسي وجسدي، غمرتُ نفسي في حوض الاستحمام.
“لا، سأبقى على متن القطار. من أجل خططك، والشينكانسن أيضًا. وأنا أتأمل في قراري بالقيام بذلك.”
“يا له من أمر محبط، عليك أن تكون أكثر مرحًا عند السفر!”
“مستحيل، أنت تعرفين بالفعل أنني انفصلتُ عنه!”
“على الرغم من أن الأمر يبدو لي وكأنه اختطاف أكثر من كونه رحلة.”
“بمعنى آخر، لا يمكنني قلب لوحة الشوغي، أليس كذلك؟ لا بأس، لن أفعل شيئًا غير راقٍ كهذا.”
“إذا نويتَ الاستمرار في النظر إلى نفسك، فيجب أن تنظر إليّ بدلًا من ذلك.”
نعم، أعذار. توجّب عليّ اتخاذ موقف حازم والذهاب في اتجاه مختلف عنها. وحتى بالنسبة لها، ربما استحال منعي. ومع ذلك، لم أفعل ذلك عن طيب خاطر. السبب؟ حسنًا، لستُ متأكدًا.
“وماذا تعنين بالضبط بقولك هذا؟”
التفتُّ نحو الحمام، ورأيتُ ذراعها المبللة تلوح في الأرجاء؛ هي التي افتقرت حتى لأدنى فكرة عن حالة قلبي.
مرة أخرى عاملَت كلماتي كالريح، وأغلقَت الغطاء على بينتو السكك الحديدية الذي انتهَت منه، وربطَت شريطًا مطاطيًا حوله. أعطَت حركات يدها الرشيقة انطباعًا بأنها إنسان حي تمامًا.
“آه، ربما بهذا، سأبزغ مثل مذنّب، وتتناقل الأجيال القادمة اسمي بصفتي الساحرة الأسطورية التي اختفَت فجأة.”
ثنيتُ نفسي عن التعبير بالكلمات عن التناقض بين إحساس الواقع الذي ينبعث منها وبين الواقع الفعلي، وواصلتُ أكل البرتقالة بصمت، فصًّا تلو الآخر. اشترَت البرتقال من كشك، لكنه جاء حلوًا ومليئًا بالعصارة بشكل غير متوقع. ألقيتُ نظرة إلى الخارج فرأيتُ المناظر الريفية تمتد إلى مسافة بعيدة؛ وهو مشهد لم أكن لأراه في العادة. لمحتُ فزاعة في الحقل، ولسببٍ ما، جعلني ذلك أستسلم لحقيقة أنه لم يعد هناك أي جدوى من المقاومة.
ولمنعها من إدراك المشاعر المتولدة بداخلي، بحثتُ مسرعًا عن أنبوب كريم تنظيف الوجه وسلمته لها.
“بالمناسبة، أيها الزميل المتوافق كن، ما هو اسمك الأول؟”
“لقد أكلتُه بالفعل. حسنًا، من يقلب الورقة الأكبر من داخل هذه الدائرة سيكون الفائز. وسيحصل الفائز على الحق.”
وأثناء تذوقها لمختلف أصناف الطعام، اشترَت وجبات خفيفة وبيض سمك خاص لعائلتها، بالإضافة إلى بعض الوجبات الخفيفة لصديقتها المقرّبة. واشتريتُ أيضًا بعض الوجبات الخفيفة لنفسي، تلك التي حازت الجائزة الذهبية من “موند سيليكشن” لسنوات متتالية. ونظرًا لإخباري عائلتي فقط أنني سأقضي الليلة في منزل صديق، استحال عليّ جلب أيّ هدايا تذكارية إلى المنزل. وهو أمر مؤسف حقًا، بالرغم من أنه لا حيلة في الأمر هذه المرة.
باغتني سؤال الفتاة التي ظلّت تقارن بين الأصناف المحلية في مجلة السفر بجانبي. نظرًا لأن مشهد خضرة الجبال قد هدّأ من روعي، فقد أجبتُ عن سؤالها بصراحة. ورغم أن اسمي ليس غريبًا لتلك الدرجة، إلا أنها راحَت تومئ برأسها باهتمام كبير. وعقب ذلك، همسَت باسمي الكامل لنفسها.
“هل من خطـبٍ ما؟”
“ألم يكن هناك روائي يحمل اسمًا مشابهًا لاسمك؟”
“هذا صحيح، لكنني لا أعرف مَن الذي خطرَ ببالكِ.”
“نعم، لذا، وبما أن تلك مسؤوليتهم، يبدو أنهم سيجهزون لنا غرفة أفضل بكثير من تلك التي حجزناها.”
مستخدمًا اسمي الأول واسم عائلتي كأساس، حضر في ذهني كاتبان.
حين وصلتُ إلى جزء ذاكرتي حيث تعرضتُ للاعتداء من قِبَلها في قطار الشينكانسن، نادتني.
“هل هذا هو سبب حبك للروايات؟”
جاء العرض الذي استمر حوالي عشرين دقيقة مسليًا، وعند الإيماءة الفكاهية للمهرج بعد العرض، وضعتُ مائة ين في قبعته، كعادة طالب مدرسة ثانوية نموذجي. وبما أنها بدت مستمتعة، وضعت هي خمسمائة ين.
“هذا ليس بعيدًا عن الحقيقة. لقد بدأتُ القراءة بسبب ذلك فعلًا، لكنني أحب الكتب لأنني أجدها مثيرة للاهتمام.”
“أيها الزميل المتوافق كن، تمهل فحسب، فالليل طويل.”
“كلا. كما ترين، أنا من أصل نبيل، لذا لا بأس حتى لو لم أحرّك جسدي.”
“هممم، إذن اسمكَ يُطابق اسم كاتبك المفضل؟”
“سنستقل الشينكانسن في الساعة الثانية والنصف، لذا سنمتلك وقتًا لتناول الغداء وشراء الهدايا التذكارية. هل نذهب إلى مكانٍ ما قبل ذلك؟”
“كلا. المفضل لدي هو أوسامو دازاي.”
“.…لا مفر، سأشارككِ.”
بدَت متفاجئة بعض الشيء عند سماع اسم أحد أعلام الأدب، وفتحَت عينيها على وسعهما.
“بقولك أوسامو دازاي، تعني ذلك الذي كتب “لم يعد إنسانًا”؟”
عرّجنا على متجر يبيع منتجات “أولترامان” في الطريق، واشترَت لي هدية تمثّلَت في دمية من الفينيل الناعم لوحش يشبه هيكلاً عظميًا لديناصور، على الرغم من أنني جهلتُ المغزى من اختيارها. وحين سألتُها، قالت إنه يناسبني. لم يُحسّن ذلك مزاجي. وفي المقابل، اشتريتُ لها دمية من الفينيل الناعم لـ “أولترامان.” وعندما قلتُ لها إنه يناسبها، راق لها الأمر واعتدل مزاجها كالعادة.
البطاقة التي سحبتُها هي—
“هذا صحيح.”
التفتُّ نحو الحمام، ورأيتُ ذراعها المبللة تلوح في الأرجاء؛ هي التي افتقرت حتى لأدنى فكرة عن حالة قلبي.
“إذن أنت تحب الكتب الكئيبة من هذا النوع، هاه.”
“تحدي……”
“صحيح أن طبيعة أوسامو دازاي الكئيبة تتجلّى عبر أجواء كتبه، لكن لا يمكن استبعاد الكلمات لمجرد أنها كئيبة كما تعلمين.”
“يا للوحدة. لكنني أحضرتُ أوراق البوكر.”
نادرًا ما أتحدث بحماس شديد، لكنها ردّت بعبوس، وكأنها غير مهتمة.
كحرق للأحداث، شكّلت كلمة “وعد” جوهر خدعة الفتاة. في الواقع، ربما أنا الوحيد الذي فسّرها على أنها خدعة. ظننتُ أن “الوعد” الذي ذكرتْه أشار إلى نزهتنا غدًا. كنتُ مخطئًا. أشار “وعدها” إلى زلة لساني – “لا مانع لدي من الذهاب إلى أي مكان تريدين الذهاب إليه قبل أن تموتي.”
“………… إمم، هل هذا لا بأس به حقًا؟ كنت مستعدة حتى للكشف عن قياساتي الثلاثة* على الأقل.”
“هممم، حسنًا، أظنها لا تثير اهتمامي.”
**********************************************************************
“يبدو أنكِ لستِ مهتمة بالأدب حقًا، هاه.”
ثانيًا، آثرتْ ألا تترك معلومات غير نصية في “مذكرات التعايش مع المرض.” يبدو أنها اعتقدت أن أشياء مثل الرسومات أو الرسوم البيانية لا تناسب كتابًا ورقيًّا، واختارت أن تكتب فقط بقلم حبر أسود في “مذكرات التعايش مع المرض.”
“هيا، هيا، قد يكون الحمل على الظهر جيدًا، أو ربما حتى حمل الأميـ- واااه!.”
“أجل، ليس حقًا. لكنني أقرأ المانغا.”
“لا يمكنك أبدًا أن تنقض هذا الوعد، حسنًا؟”
أمالَت رقبتها النحيلة، وقربَت وجهها مني بمسافة قريبة جدًا، وقد علَت محياها ابتسامة ساخرة. “على الرغم من أنني سأقول إنها جذابة لو اضطررت لذلك”، انتهى بي الأمر بالتفكير هكذا – وتلك أكبر زلاتي حتى الآن.
تمامًا كما توقعتُ. لم يكن الأمر يتعلق بالجودة أو السوء، بل لم أستطع تخيلها تقرأ رواية بصبر. حتى بالنسبة للمانغا، إذا تواجدَت في المنزل، فمن المحتمل أنها تقرأها وهي تتسكع في غرفتها وتصدر ضجيجًا عند كل شيء صغير.
لم يكن باليد حيلة لأن شريكتي في المحادثة لم تكن مهتمة بما أقوله، لذا سألتُها عن شيء أثار فضولي.
عند ذهابي إلى المدرسة يوم الاثنين، شاع نبأ سفري معها في أرجاء الفصل كافة.
“يبدو أن والديكِ لا يمانعان سفركِ. ماذا فعلتِ؟”
“………….”
“أخبرتُهما أنني سأسافر مع كيوكو. لو أخبرتُ والديّ أن هناك شيئًا أخيرًا أريد القيام به، فمن المرجح أن يوافقا على ذلك وهما يذرفان الدموع، ولكن كما هو متوقع من السفر مع صبي؛ لا أستطيع تخيل رد فعلهما.”
“أنتِ فظيعة حقًّا؛ تدوسين على مشاعر والديكِ.”
“بهذا، أصبحنا نحن الاثنان رفيقين في الحساء الساخن أيضًا.”
“بالمناسبة، ماذا عنكَ؟ ما العذر الذي قدمته لوالديكَ؟”
“بما أنني لم أرغب في إقلاق والديّ، فقد كذبتُ عليهما بشأن وجود أصدقاء لي. لذا أخبرتهما أنني سأقيم في منزل صديق.”
وأنا ما زلتُ واقفًا، قلبتُ البطاقة التي علقَت زاويتها تحت الكوب الحاوي للقليل من مشروب البرقوق.
“هذا فظيع، لكن يا للوحدة.”
لماذا؟
“سأتحقق من التقويم وأتصل بك لاحقًا، حسنًا —وكأن ذلك سيحدث!”
“ولكن ألا يمكنكِ القول إن أحدًا لم يتأذَ؟”
جاءت الكلمات المفاجئة من خلفي —يبدو أنها توصّلَت أخيرًا إلى قرار، وبينما رجوتُ بكل جوارحي ألّا يكون شيئًا يهدد قلبي، أجبتُ وظهري لا يزال مواجهًا لها.
هزّت رأسها باستياء وشرعَت في إخراج مجلة أخرى من حقيبة الظهر الموضوعة بجانب قدميها. يا له من موقف من الجانية التي أجبرَتني على الكذب على والديّ اللذين أحبهما. وعندما رأيتُ انشغالها بمجلتها، انتهزتُ الفرصة لاستخراج كتاب ورقي من حقيبتي، وبدأتُ أركز عليه بدلًا من ذلك. بعد أن أنهكني القدر غير العادي من الضوضاء التي كانت تحدثها منذ الصباح، لم أرغب في شيء سوى الاستسلام للقصة وترك قلبي يُشفى.
بينما كنتُ أفكر في أشياء من هذا القبيل، أدركتُ فجأة أنني كنت أستدرج القدر عمليًا لتعكير صفو سلامي؛ يبدو كخطأ شخص معين أنني أصبحتُ مرتابًا تمامًا. لحسن الحظ، انقضى وقتي الثمين دون أي إزعاج. ركزتُ على روايتي لمدة تقارب الساعة قبل أن أصل إلى موضع جيد للتوقف. عندها أدركتُ فجأة السلام الذي تمكنتُ من تحقيقه؛ ولكن لم أتوقع أبدًا الإمساك به. نظرتُ إلى جانبي لأرى الفتاة تغط في نوم عميق، والمجلة مستقرة على بطنها.
لم تستيقظ طوال بقية الرحلة. ولا حتى بعد وصول الشينكانسن إلى محطتنا.
“… كما قلت، أردتُ فقط التجربة مرة واحدة. هذا يكفي.”
“واهاها، فهمت.”
إذا توجّب عليّ قول شيء، فقد بدا الأمر كما لو أن حياتها القصيرة قد انتهت في الشينكانسن، ولكن الحقيقة أنها ببساطة صعبة الاستيقاظ للغاية؛ لم يكن ذلك نذير شؤم، ولم يكن سوء فهم أيضًا. نكزتُ خدّيها برفق وقرصتُ أنفها، لكنها تحركت بذهول فقط ولم تظهر أي علامات على الاستيقاظ. وكحل أخير، أطلقتُ شريطًا مطاطيًا تواجد بحوزتي على ظهر يدها العارية؛ فقفزت من مقعدها برد فعل مبالغ فيه.
“ألم تكن قيمة يوم واحد في حياة الإنسان ثابتة؟”
“بإمكانك أن توقظني بالنداء أو شيء من هذا القبيل!” قالَت وهي تضربني على كتفي. رغم أنني تكبدتُ كل هذا العناء لإيقاظها؛ أمر لا يصدق.
“أول هبوط لنا! واااه! أستطيع شم رائحة الرامن!”
“أليس هذا ما تتوقعينه من خيالك فقط؟”
“أنا أشمها بالتأكيد! أليس أنفك هو الذي تعفن؟”
“أنا ممتن فقط لأن عقلي ليس متعفنًا مثلك.”
“لكن بنكرياسي هو المتعفن.”
على أي حال، انتهى بي المطاف بمشاركة الغرفة معها. ومع ذلك، لم يوجد ما أشعر بالذنب تجاهه. وبإمكاني ضمان ذلك لبقية حياتي. كنا نقيين.
“أنا جبان، لذا دعنا نحظر تلك الضربة المميتة من الآن فصاعدًا. هذا ليس عدلًا.”
“مكتوب هنا أننا لن نذهب إلى مكانٍ ما في رحلة ليوم واحد، لذا يبدو أنه لا يزال بإمكاننا إعادة التفكير في هذا.”
“هيا، بما أننا حصلنا على غرفة جيدة، يجب أن تجرّب السرير بشكل لائق على الأقل!.”
بينما غدَت تضحك، قالت: “ماذا لو جعلنا الزميل المتوافق كن ضربة مميتة أيضًا؟” لكنني لم أكن أخطط للإصابة بمرض خطير في المستقبل القريب، لذا رفضتُ طلبها بلطف.
“بالمناسبة، ماذا عنكَ؟ ما العذر الذي قدمته لوالديكَ؟”
نزلنا بسلم متحرك طويل من الرصيف إلى طابق يوجد فيه متجر الهدايا التذكارية ومنطقة الاستراحة. بدا المكان وكأنه قد جُدّد حديثًا؛ إذ حصل على درجة كاملة في النظافة وترك لدي انطباعًا إيجابيًا.
“ماذا، هل حاولتِ انتزاع بنكرياسي بالقوة؟”
استقلينا مصعدًا آخر للوصول إلى الطابق الأرضي، وبلغنا أخيرًا بوابات التذاكر. غمرني إحساس غير متوقع لحظة خروجي، لدرجة أنني شككتُ في حواسي. كما قالت سابقًا، تمكنتُ من شم رائحة الرامن. مذهل؛ ربما صحَّ القول إذن، بأن مَن يعيشون في المحافظات الحضرية يمكنهم شم رائحة الصلصة، بينما مَن يعيشون في المحافظات الريفية يمكنهم شم رائحة الأودون. لم أذهب إلى أي منهما من قبل، لذا لم أستطع إنكار هذه الاحتمالية، ولكن مَن كان يظن أن طبقًا واحدًا يمكن أن يتغلغل في حياة البشر اليومية إلى هذا الحد؟
حتى دون النظر إلى وجه الفتاة الواقفة بجانبي، علمتُ أنها تضحك عليّ بالتأكيد، لذا رفضتُ النظر إليها تمامًا.
“يا له من أمر محبط، عليك أن تكون أكثر مرحًا عند السفر!”
“إذن، إلى أين نحن ذاهبون؟”
“لنرى، حسنًا، حين نسمعها، تبدو لنا جميعها مثل لهجة كانساي نفسها، ولكن يوجد في الواقع عدد كبير من المتغيرات. كم عدد المتغيرات التي تظنين وجودها؟.”
“هيهيهيهيهيهي، هاه؟”
لم تقل ما إذا جاء خياري جيدًا أم سيئًا. بقيَت ببساطة تحدق في السقف، وأصدرَت الأمر التالي:
يا له من أمر مزعج.
“آه، إلى أين نحن ذاهبون؟ نحن ذاهبون لمقابلة معبود الدراسة. لكن قبل ذلك، سنتناول الغداء.”
بالمناسبة، شعرتُ بالفعل بخلو معدتي.
“الشخصية لا تهم حقًا، الأمر يتعلق بمن تعتقد أن لديها أجمل وجه.”
“كما توقعتُ، لا بد أن يكون رامن، ما رأيك؟”
بعد أن انتهينا من إطعام السلاحف، مشينا على طول الممر بجانب المسبح ومررنا بمطعم. بناءً على اقتراحها، دخلنا إليه. جُهّز المتجر بمكيف هواء، فتنهدنا بشكل لا إرادي بسبب الراحة التي وفرها لنا. بدا المطعم واسعًا، وتواجدَت فيه ثلاث مجموعات أخرى من الزبائن غيرنا. جلست هناك عائلة، وزوجان مسنان أنيقان، ومجموعة من أربع سيدات كبيرات في السن انشغلن بحديث صاخب. جلسنا على الطاولة بجوار النافذة.
“لا اعتراض.”
“هاه، لا تقل لي أنكَ تمنيت أن أضعف تدريجيًّا؟ أنت الأسوأ! كنتُ مخطئة في حقك!”
وسط صخب المحطة، تتبعتُ خطواتها الكبيرة بخطواتي المريحة. يبدو أننا كنا متجهين إلى متجر قرأتْ عنه في المجلة أثناء وجودنا في الشينكانسن. لم تظهر مشيتها أي علامة على التوقف أو التردد. نزلنا إلى الطابق السفلي، وخرجنا من المحطة إلى شارع تحت الأرض، ووجدنا أنفسنا أمام متجر الرامن أسرع مما توقعنا. كلما اقتربنا من المتجر، ازدادت كثافة رائحة المرق المميزة، وعلى الرغم من أنني لم أنزعج حقًّا، إلا أن نسخًا من صفحة لمانغا شهيرة عن الطعام تروج لهذا المتجر كانت ملصقة على جداره الخارجي. ومع ذلك، لم يبدُ المتجر غريبًا، لذا شعرتُ بالارتياح.
“كلا، لن أقف. لأنني لا أستطيع وضع أي قوة في ساقي.”
“أجل، إنه للأكل في الشينكانسن. هل ستحصل على واحد أيضًا؟”
جاء طعم الرامن لذيذًا. وصل الطعام بسرعة عقب طلبنا، وسرعان ما بدأنا في حشو أنفسنا. اختار كلانا الحصول على حصة إضافية من المعكرونة، وعندما سُئلنا عن درجة صلابة المعكرونة التي نريدها، سمعتها تقول “عارضة فولاذية”؛ فتبعتها بأدب. لم أكن أعلم بوجود مثل هذا التصنيف لمستوى الصلابة؛ من الأفضل ألا يعرف أحد عن هذا الأمر، لأنه جعلني أحمر خجلًا. بالمناسبة، ربما تم ابتكار “هاريغاني” عن طريق غلي المعكرونة لفترة زمنية أقصر.
“… كما قلت، أردتُ فقط التجربة مرة واحدة. هذا يكفي.”
“آآآه، حقيقة أم تحدي؟.”
بعد أن استعدنا نشاطنا بفضل الوجبة الدسمة، ركبنا قطارنا التالي بسرعة. لم يكن ثمة داعٍ للاستعجال، لأن ضريح معبود الدراسة الذي أرادت زيارته يقع على بعد حوالي ثلاثين دقيقة بالقطار، ولكن بما أن قائدة رحلتنا طلبَت منا الإسراع، فقد اتبعتُ خطاها ببساطة.
“أي شيء تتمنينه.”
استلمتُ البرتقالة وبدأت بهدوء في تقشير جلدها.
أثناء جلوسي في القطار، تذكرتُ تقريرًا قرأتُه في مكانٍ ما، ففتحتُ شفتيّ المطبقتين.
“أنا أمد لك يد العون، فهيا، قفي.”
“أي نوع من الأطفال كنتِ؟.”
“يبدو أن هذه المحافظة غير آمنة إلى حد ما، لذا من الأفضل توخي الحذر. يبدو أن حوادث إطلاق النار وما شابهها شائعة جدًا.”
“أهذا صحيح؟ لكن أليس الأمر كذلك في أي محافظة؟ ألم تسمع عن جريمة القتل التي وقعت في المحافظة المجاورة قبل أيام؟”
لم يُعد التحدث مع زميل في الفصل أمرًا مزعجًا، لكن بينما بدت الحالة غير العادية التالية تافهة، إلا أنها وضعتني في مزاج كئيب نوعًا ما. اختفت العلامة التي كان من المفترض أن تكون محصورة داخل كتابي الورقي. على الرغم من أنني تذكرت لحسن الحظ المشهد الذي توقفت عنده، إلا أن هذا المرجع لم يكن من النوع الذي يوزع مجانًا في المكتبات وما شابه؛ بل قطعة مصنوعة من البلاستيك الرقيق اشتريتها عندما ذهبت إلى المتحف سابقًا. لم أعرف متى فُقدت، ولكن على أي حال، ورغم أنني لم أشعر بأي مرارة لأن إهمالي بدا السبب الأساسي، إلا أنني شعرت بالإحباط لأول مرة منذ فترة.
يا له من أمر مزعج.
“لم أشاهد الأخبار مؤخرًا مع ذلك.”
غادرنا المطعم بعد أن شبعنا من الحساء الساخن، وداعبت وجوهنا نسمات الليل العليلة. ورغم وجود مكيفات هواء داخل المطعم، فقد تعطل عملها فعليًا بسبب قدور الحساء الساخن الكثيرة التي تغلي بالداخل. غادرَت هي بعدي، لأنها تولت دفع الفاتورة. وقد وافقتُ على أن أترك لها الفواتير بشرط أن أسدد لها كل ما أنفقته عليّ في هذه الرحلة.
“قال أحد أفراد الشرطة ذلك على التلفزيون، لكن يبدو أن مرتكبي الهجمات العشوائية هم الأصعب في القبض عليهم. كما يقولون، أبناء الشيطان لديهم حظ الشيطان!”
“نعم، قد يكون ذلك لطيفًا أيضًا.”
قهقهَت بطريقة خلتُ أن سكان الجحيم وحدهم يضحكون بها، وبدا الخبث يكمن بوضوح في عينيها.
“مع أن هذا لا ينبغي أن يكون الاستنتاج الرئيسي من هذه القصة.”
“لا بد أن هذا هو السبب في أنك ستستمر في العيش وأنا سأموت.”
عرفتُ أن هذا هو الواقع.
“لقد تعلمتُ هذا للتو، لكن الأمثال لا يمكن الوثوق بها. سأتذكر ذلك.”
“أجل، ليس حقًا. لكنني أقرأ المانغا.”
استغرق القطار بالفعل ثلاثين دقيقة لنقلنا إلى وجهتنا. كانت السماء مشمسة لدرجة أثارت أعصابي؛ بمجرد الوقوف في الجوار، بدأتُ أغرق في العرق. تساءلتُ عما إذا كنت سأكون بخير حقًا دون تغيير ملابسي، لكن بدا أن محطتنا التالية ستكون قريبة من متجر “يونيكلو.”
“يا له من طقس رائع!”
“التلصص ممنوع.”
بابتسامة تضاهي الشمس، صعدَت المنحدر المؤدي إلى الضريح بخطوات خفيفة. اكتظ المنحدر المؤدي إلى الساحة بالناس على الرغم من أنه ما بعد ظهر يوم عادي في الأسبوع. على جانبي الشارع، انتشرت متاجر تبيع كافة أنواع الهدايا التذكارية، والأغراض المتنوعة، والطعام، وحتى قمصان الـ “تي شيرت” غريبة المظهر؛ كان حقًا مشهدًا يستحق المشاهدة. لفت انتباهي متجر يبيع الموتشي المختص بشكل خاص، وبدأت الرائحة الحلوة المنبعثة منه تدغدغ تجويف أنفي.
من حين لآخر، تنجذب الفتاة المترنحة إلى أحد المتاجر، لكن في النهاية، لم نشتري أي شيء. لحسن حظنا، أبدى موظفو المتجر تفهمًا، وتمكنتُ من الاستمتاع بمشاهدة البضائع في سلام.
“ساكوراااا! أخبريني أين أنتِ الآن!” بعبوس، أبعدَت الهاتف عن أذنها. بمجرد أن هدأ المتصل، وضعَت هاتفها مقابل أذنها مرة أخرى.
سئمتُ من شرح أمور كهذه، وأظن أنه لو استطاع أي شخص قراءة ما في قلبي، لكان تطور هذه الحالة واضحًا تمامًا، لكنها تغلبَت عليّ، وانتهى بي الأمر بالمبيت في الغرفة ذاتها.
بعد أن وصلنا أخيرًا إلى نهاية المنحدر -ونحن غارقان في العرق- توجهنا مباشرة إلى أول آلة بيع في الأفق. أصابني الإحباط للخسارة أمام آلة بيع، خاصةً تلك التي رُكبت عمدًا في مثل هذا الموقع الرائع لاستغلال المارة العطشى، ولكن لا مقاومة لغريزة الحفاظ على الحياة.
“أجل، أمبي.”
بينما بدأت تهز شعرها المبلل بالعرق من جانب إلى آخر، ابتسمت كعادتها.
“الحق في سؤاله: “الحقيقة أم التحدي؟” بالحديث عن ذلك، أظنُ أن عشر جولات ستفي بالغرض. حاليًا، اختر ورقة وحسب.”
“إذا كنتِ تعتقدين حقًا أنها رائعة، فلا تقوليها بهذا الازدراء.”
“أشعر وكأننا حقًا في ربيع العمر!”
عند ذهابي إلى المدرسة يوم الاثنين، شاع نبأ سفري معها في أرجاء الفصل كافة.
تميّزَت أول رشفة كحول شربتها منذ فترة برائحة منعشة، وبحلاوةٍ غير متوقعة.
“قد يكون العشب لا يزال أخضر، لكنه ليس الربيع… الجو حار.”
“على الرغم من وجود من يقولون إنها أقل فقط من نعمة كبيرة.”
“كلا، لن أقف. لأنني لا أستطيع وضع أي قوة في ساقي.”
“هل انضممتَ سابقًا إلى أي أندية رياضية؟”
“حسنًا، أظن أنني سأختار تلك التي بجوار كوبي مباشرة.”
“كلا. كما ترين، أنا من أصل نبيل، لذا لا بأس حتى لو لم أحرّك جسدي.”
لهذا بدا الأمر وكأن زلزالًا ضرب قلبي من مكانٍ ما عندما وقعت عيناي على محتوياتها.
“لا تهن ذوي الأصول النبيلة. يجب أن تمارس المزيد من الرياضة، فأنت تتعرق بقدر ما أتعرق، وأنا مريضة.”
“هل هذا هو سبب حبك للروايات؟”
“لكن هذا لا علاقة له بقلة ممارستي للتمارين الرياضية.”
“نعم، قد يكون ذلك لطيفًا أيضًا.”
نظرتُ في الاتجاه الآخر، وسمعتُها تقهقه. لم تنبس ببنت شفة بعد أن توقفت عن الضحك.
حتى الأشخاص من حولنا وصلوا إلى حدود طاقتهم؛ جلس الكثيرون دون خجل في ظلال الأشجار القريبة. يبدو أن اليوم جاء حارًا بشكل خاص أيضًا.
بعد أن تغلّبنا على الجفاف بطريقةٍ ما، انسللنا بعيدًا عن الشباب الآخرين، واستأنفنا رحلتنا. غسلنا أيدينا، ووضعناها على تمثال بقرة لاهب الحرارة، وعبرنا جسرًا بينما كنا نشاهد السلاحف تطفو على الماء، وأخيرًا وصلنا أمام المعبود. أما عن سبب مصادفتنا لبقرة في الطريق، فقد تذكرتُ قراءة تفسير لذلك، لكن الحرارة الفاترة أنستني إياه. هي، من ناحية أخرى، لم تبدُ عازمة أبدًا على قراءته.
حتى الأشخاص من حولنا وصلوا إلى حدود طاقتهم؛ جلس الكثيرون دون خجل في ظلال الأشجار القريبة. يبدو أن اليوم جاء حارًا بشكل خاص أيضًا.
وقفنا أمام الصندوق الذي أدى دور محفظة المعبود، وألقينا فيه مبلغًا صغيرًا من المال كقربان. ثم أدينا صلواتنا بشكل صحيح؛ انحناءتان، وصفقتان، وانحناءة أخرى.
وأيًا يكن الأمر، لم يبدُ أنني ارتكبتُ خطأً عن غير قصد.
كنتُ قد تعلمتُ من مكان ما أن زيارة الأضرحة ليست في الواقع وقتًا لتقديم الأمنيات للمعبودات. فهي في الأصل تعني تعبيرًا عن عزم المرء أمام القوى الغيبية. لكن في تلك اللحظة، لم أستطع حشد أي نوع من العزم. وبما أنه لا سبيل لفعل شيء حيال ذلك، فكرتُ في تقديم بعض المساعدة للفتاة التي بجانبي. متظاهرًا بالجهل، تمنيتُ أمنية للمعبود.
الحقيقة أنني تمنيتُ عكس ما تكهنَت به تمامًا، لكنني لم أخبرها بذلك. بالمناسبة، ألم يكن هذا معبود الدراسة؟ حسنًا، إنه معبود، لذا ربما لم تهم التفاصيل.
“هل تحاولين أن تجعلي الأمر يبدو وكأننا نعيش تحت سقف واحد ونأكل من نفس القِدر؟.”
أتمنى أن يُشفى بنكرياسها.
ظنًا مني أن إظهار استيائي مثّل جزءًا من خطتها، ظللتُ خاليًا من التعبير أمامها، وهي تضحك بشكلٍ بغيض بينما تشرب الخمر.
فقط عندما انتهيتُ أدركتُ أنني صليتُ لفترة أطول منها. بالتأكيد، جاءَت الأمنيات التي نعلم أنها لن تتحقق أسهل في الصلاة من أجلها. ربما قد تمنت شيئًا مختلفًا عني في الواقع. لم أشعر بالحاجة إلى سؤالها. الصلوات شيء يجب تقديمه في صمت، وبشكل منفرد.
غادرنا المعبد الداخلي واتجهنا عائدين من حيث أتينا. لكن بدلًا من عبور الجسر الذي عبرناه من قبل، انعطفنا يسارًا، ومررنا ببيت الكنوز وبركة تسمى بركة السوسن. طفَت الكثير من السلاحف على الماء، فذهبنا لشراء حبيبات طعام لننثرها لها. عند النظر إلى حركات السلاحف المسترخية، شُغلتُ قليلًا عن الحرارة. خرجتُ من ذهولي حين أدركتُ بهدوء أنها بدأتْ تتحدث مع فتاة صغيرة. نظرتُ إلى وجهها المبتسم وفكرتُ: “كما هو متوقع من إنسانة هي النقيض لي تمامًا.” سألَت الفتاة الصغيرة: “أختي الكبرى، هل هو حبيبك؟” فأجابت: “لا، نحن فقط متوافقان!” أربكَت إجابتها الفتاة الصغيرة.
“تمنيتُ أن أكون مفعمة بالحيوية حتى أموت. أيها الزميل المتوافق كن، ماذا عنك؟”
ارتسمَت على وجهها علامات الدهشة لسببٍ ما، وبعد نظرها إليّ، سرعان ما عادت لابتسامتها المعتادة وأمسكَت ذراعي بقوة. ولجهلي بما يتوجّب عليّ فعله، داهمني الخوف. ولعلّها أدركَت ما شعرتُ به، فبدت عليها علامات الحرج، ثم سحبَت يدها وهمسَت: “آسفة.”
“… أنتِ دائمًا تدوسين على نواياي، هاه.”
“هل أنتِ غبية؟.”
“واااه! شعور رائع!.”
“هاه، لا تقل لي أنكَ تمنيت أن أضعف تدريجيًّا؟ أنت الأسوأ! كنتُ مخطئة في حقك!”
لا، الاستسلام مبكر جدًا. لا بد من وجود مخرج في مكانٍ ما.
“ولماذا قد أتمنى سوء حظ شخص آخر؟”
“آآآه، حقيقة أم تحدي؟.”
“الزميل المتوافق كن، يجب أن تستحم أيضًا، الجاكوزي رائع!”
الحقيقة أنني تمنيتُ عكس ما تكهنَت به تمامًا، لكنني لم أخبرها بذلك. بالمناسبة، ألم يكن هذا معبود الدراسة؟ حسنًا، إنه معبود، لذا ربما لم تهم التفاصيل.
استيقظنا أنا وهي في الوقت نفسه للسبب عينه. أصدر هاتف خلوي رنينًا صاخبًا. أخرجتُ هاتفي من حقيبتي، لكن لم يظهر أي إشعار —وبما أن ذلك يعني حتمية كونه هاتفها، فقد استعدتُ الهاتف المتروك على الأريكة وسلمتُه للفتاة الجالسة على السرير. فتحَت الفتاة ذات العينين الناعستين الهاتف القابل للطي، ووضعته بجوار أذنها.
“حسنًا أنا أحب تسومي-شوغي، لقدرتي على لعبها بمفردي.”
“مهلًا، لنذهب لنسحب حظوظنا!”
مالت إلى الخلف ونظرَت نحو الأعلى، وبدَت مستمتعة. بالطبع، لم تكن النية وراء سؤالي هي السماع عن ذكرياتها العزيزة. ما أردتُ معرفَته هو كيف تكوّن إنسان مثلها. أردت أن أعرف كيف نشأت هي – نقيضتي – وكيف أثّر البشر المحيطون بها عليها، وكيف أثّرت هي عليهم.
قطبتُ حاجبي عند اقتراحها. لطالما اعتبرتُ أن أوراق الحظ لا علاقة لها بمصيرها. كانت التنبؤات عن المستقبل مكتوبة عليها، لكن تلك الفتاة لم تملك مستقبلًا.
“أي نوعٍ من الألعاب يحمل اسمًا ثقيلًا كهذا؟”
هرعَت إلى المكان الذي تُباع فيه أوراق الحظ، ووضعَت بثقة مائة ين في الصندوق، وسحبَت ورقة حظ. لم يكن أمامي خيار، لذا جاريتُها.
“شكرًا، كيوكو.”
سمعتُ دندنتها لأغنية في الحمام، شيء سمعَته من قبل في إعلانٍ تجاري على الأرجح.
“من يحصل على الحظ الأفضل يفوز!”
استلمتُ البرتقالة وبدأت بهدوء في تقشير جلدها.
“ما رأيكِ في أوراق الحظ؟”
“هل توجد مثل هذه اللعبة حقًا؟ هل أنتِ متأكدة من عدم اختراعك لها في التو واللحظة؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا أصر على إبطال ذلك لموافقتي على عدم الانسحاب من اللعبة.”
“……ممم.”
“آه، حصلت على نعمة عظيمة.”
“أجل، أظن أن هذا صحيح أيضًا.”
ابتسمَت من الأذن إلى الأذن. في قلبي، أصابني الذهول. ماذا يظن الخالق بهذه الفتاة؟ بهذا، ثبَت أن قصاصات الحظ لا تحمل أي قوة على الإطلاق. أو ربما يُعد ذلك في الواقع عملًا من أعمال اللطف من الخالق تجاه الفتاة التي سحبت بالفعل لعنة كبيرة للغاية.
قهقهَت بطريقة خلتُ أن سكان الجحيم وحدهم يضحكون بها، وبدا الخبث يكمن بوضوح في عينيها.
“ليس حقًا، أنا غير مهتم بالمعالم السياحية بشكل أساسي، لذا لا أعرف أي أماكن يمكننا الذهاب إليها. قلتُ ذلك بالفعل في رسالة الأمس، لكنني لا أمانع الذهاب إلى أي مكان تريدين قصده.”
رفعَت صوتها.
وبينما قالت ذلك، وبحركات بطيئة وخاملة، انتقلَت إلى الجانب الأيسر من السرير الكبير، واستلقَت على ظهرها، وأغلقَت عينيها. فكرتُ أنه سيكون من الجيد لو نامَت هكذا فحسب، لكنها قهقهَت وهي تضرب سطح السرير بكلتا ذراعيها. لسوء الحظ، لم يبدُ أنها ستتنازل عن المباراة الأخيرة.
“أهاهاهاهاهاهاهاهاهاها! انظر، انظر! إنها تقول: ” ‘مرضكِ سيُشفى قريبًا!’ لا توجد أي إمكانية لشفائه!”
في هذا العالم، توجد فكرة مفادها أن ذنوب الجناة والمتفرجين تحمل نفس الوزن. في هذه الحالة، لم أختلف عن تلك السيدات، ولذا امتنعتُ عن إدانتهن بشدة.
“.…ما الذي تستمتعين به في هذا؟”
بعد أن صنعَت وجهًا قال إنها تذكرَت شيئًا ما أخيرًا، أدخلَت يدها في جيبها وأخرجَت قطعتين مستطيلتين من الورق. أدركتُ على الفور أنهما تذكرتان.
“حسنًا، لقد قررت.”
“ما الذي حصلتَ عليه؟”
الرقم 13 من البستوني – وإذا بها ورقة الملك.
“بركة.”
“لا تسأليني ما الخطب! أنا أسألكِ أين أنتِ!”
بعد أن استعدنا نشاطنا بفضل الوجبة الدسمة، ركبنا قطارنا التالي بسرعة. لم يكن ثمة داعٍ للاستعجال، لأن ضريح معبود الدراسة الذي أرادت زيارته يقع على بعد حوالي ثلاثين دقيقة بالقطار، ولكن بما أن قائدة رحلتنا طلبَت منا الإسراع، فقد اتبعتُ خطاها ببساطة.
“إذن فهي أقل من نعمة صغيرة؟”
“لقد قلتُ ذلك من قبل، لكن لا يمكنكَ التراجع الآن. ألم توافق على ذلك أيضًا؟ لن تفعل أي شيء غير راقٍ، أليس كذلك؟”
“على الرغم من وجود من يقولون إنها أقل فقط من نعمة كبيرة.”
“مهلًا….”
“أيًا كان الأمر، فهذا فوزي، هههه.”
وبدا السقف الأبيض وكأنه يبتلع حتى وعيي.
“ما الذي تستمتعين به في هذا الأمر؟”
“واو، ورقتكَ تقول إنك ستلتقي بشريك جيد في الحب، كم هذا لطيف.”
لم يحدث شيء مميز حقًا في هذين اليومين. إذا اضطررتُ لاختيار شيء ما، فهناك حادثتان بسيطتان فقط، الأولى منهما – بينما كنت أكنس الممر بصمت، جاء صبي لم يعتد النظر إليّ عادةً حتى ليتحدث معي.
وهكذا، سرعان ما تبعتها الرسالة التي تحدد المكان والوقت. تمثلت نقطة اللقاء في محطة قطار كبيرة وبارزة داخل المحافظة، وجاء الوقت مبكرًا بشكل غريب، لكنني اعتبرتُ ذلك مجرد نزوة أخرى من نزواتها الكثيرة.
“إذا كنتِ تعتقدين حقًا أنها رائعة، فلا تقوليها بهذا الازدراء.”
لا مشكلة، لأن معظم الألعاب التي تتضمن أوراق البوكر تُعد معارك ذكاء وحظ.
“سنستقل الشينكانسن في الساعة الثانية والنصف، لذا سنمتلك وقتًا لتناول الغداء وشراء الهدايا التذكارية. هل نذهب إلى مكانٍ ما قبل ذلك؟”
أمالَت رقبتها النحيلة، وقربَت وجهها مني بمسافة قريبة جدًا، وقد علَت محياها ابتسامة ساخرة. “على الرغم من أنني سأقول إنها جذابة لو اضطررت لذلك”، انتهى بي الأمر بالتفكير هكذا – وتلك أكبر زلاتي حتى الآن.
وسط صخب المحطة، تتبعتُ خطواتها الكبيرة بخطواتي المريحة. يبدو أننا كنا متجهين إلى متجر قرأتْ عنه في المجلة أثناء وجودنا في الشينكانسن. لم تظهر مشيتها أي علامة على التوقف أو التردد. نزلنا إلى الطابق السفلي، وخرجنا من المحطة إلى شارع تحت الأرض، ووجدنا أنفسنا أمام متجر الرامن أسرع مما توقعنا. كلما اقتربنا من المتجر، ازدادت كثافة رائحة المرق المميزة، وعلى الرغم من أنني لم أنزعج حقًّا، إلا أن نسخًا من صفحة لمانغا شهيرة عن الطعام تروج لهذا المتجر كانت ملصقة على جداره الخارجي. ومع ذلك، لم يبدُ المتجر غريبًا، لذا شعرتُ بالارتياح.
استغرق القطار بالفعل ثلاثين دقيقة لنقلنا إلى وجهتنا. كانت السماء مشمسة لدرجة أثارت أعصابي؛ بمجرد الوقوف في الجوار، بدأتُ أغرق في العرق. تساءلتُ عما إذا كنت سأكون بخير حقًا دون تغيير ملابسي، لكن بدا أن محطتنا التالية ستكون قريبة من متجر “يونيكلو.”
نظرتُ في الاتجاه الآخر، وسمعتُها تقهقه. لم تنبس ببنت شفة بعد أن توقفت عن الضحك.
غادرنا المعبد الداخلي واتجهنا عائدين من حيث أتينا. لكن بدلًا من عبور الجسر الذي عبرناه من قبل، انعطفنا يسارًا، ومررنا ببيت الكنوز وبركة تسمى بركة السوسن. طفَت الكثير من السلاحف على الماء، فذهبنا لشراء حبيبات طعام لننثرها لها. عند النظر إلى حركات السلاحف المسترخية، شُغلتُ قليلًا عن الحرارة. خرجتُ من ذهولي حين أدركتُ بهدوء أنها بدأتْ تتحدث مع فتاة صغيرة. نظرتُ إلى وجهها المبتسم وفكرتُ: “كما هو متوقع من إنسانة هي النقيض لي تمامًا.” سألَت الفتاة الصغيرة: “أختي الكبرى، هل هو حبيبك؟” فأجابت: “لا، نحن فقط متوافقان!” أربكَت إجابتها الفتاة الصغيرة.
بعد أن انتهينا من إطعام السلاحف، مشينا على طول الممر بجانب المسبح ومررنا بمطعم. بناءً على اقتراحها، دخلنا إليه. جُهّز المتجر بمكيف هواء، فتنهدنا بشكل لا إرادي بسبب الراحة التي وفرها لنا. بدا المطعم واسعًا، وتواجدَت فيه ثلاث مجموعات أخرى من الزبائن غيرنا. جلست هناك عائلة، وزوجان مسنان أنيقان، ومجموعة من أربع سيدات كبيرات في السن انشغلن بحديث صاخب. جلسنا على الطاولة بجوار النافذة.
“ماذا لو اخترنا كلينا بطاقتين تحملان الرقم نفسه؟”
“كنتُ أعرف ذلك”، فكرت. أنا، الراغب في البقاء متفرجًا، وهي، الراغبة في التدخل – سار الأمر على هذا النحو. يمكنني القول باقتناع إنه لو عكستُ نفسي كشخص، لو كنت أنا هي، لوقفتُ أنا أيضًا.
سرعان ما وصلت جدة لطيفة المظهر حاملة كوبين من الماء، وأخذت طلباتنا.
شعرتُ بالإحباط بشأن مسار العمل الذي توجّب عليّ اتخاذه، ولكن كما هو متوقع، عجزتُ عن قلب رقعة الشوغي.
“……شكرًا.”
“اثنان من أوميغاي-موتشي، وأعتقد أنني سأطلب شايًا. هل الشاي يناسبك أيضًا؟”
أومأتُ برأسي، فابتسمت الجدة وهي تتجه إلى مؤخرة المحل.
“مع أن هذا لا ينبغي أن يكون الاستنتاج الرئيسي من هذه القصة.”
شربتُ الماء البارد، وشعرتُ بانخفاض درجة حرارة جسدي بشكل مطرد. غمرني شعور بالراحة لانتشار البرودة إلى أطراف أصابعي.
“الحق في سؤاله: “الحقيقة أم التحدي؟” بالحديث عن ذلك، أظنُ أن عشر جولات ستفي بالغرض. حاليًا، اختر ورقة وحسب.”
“تلك الحلوى – سمّيتِها أوميغاي-موتشي، أليس كذلك؟”
“فضلًا عن ذلك، إن رغبتِ في الذهاب حقًا، لم يتوجّب عليكِ الكذب أو أي شيء، فقط اذهبي في الرحلة بشكل صحيح. حتى أنني كنت سأرافقكِ.”
“إنها حلوى خاصة. ذُكرت في المجلة.”
لم أفهم حقًا، لكنني أدركتُ وقوعي في وضع غير مواتٍ بالتأكيد، لذا تأهبتُ.
“آسفة على الانتظار!” وقبل أن أتمكن من التأكيد على أننا لم ننتظر على الإطلاق، وُضع طبقان أحمران من أوميغاي-موتشي وكوبان من الشاي الأخضر على طاولتنا. نظرًا لوجوب الدفع مقدمًا، قسمنا الفاتورة إلى نصفين وسلمنا عملاتنا المعدنية إلى موظف المتجر.
التقطتُ الموتشي الأبيض المستدير الذي يبدو أنه يُصنع باستمرار داخل المتجر، وبدت قشرته الخارجية المقرمشة واضحة. عندما قضمتُه، ملأت فمي حلاوة وفيرة، مع عجينة الفاصوليا الحمراء المالحة قليلًا. بدا طعمه لذيذًا، وتناسب الشاي الأخضر معه جيدًا.
“إنه شاب رائع للغاية. نعم، حقًا، لقد اعترف لي بحبه، وظننتُ أنه لكونه شخصًا طيبًا وصديقًا، فلا بأس من مواعدته، لذا استعصى عليّ فهم أن الأمر لم يكن كذلك. أعني، لقد قلتُ ذلك بصراحة، أليس كذلك؟ بعد أن بدأنا نتواعد، سرعان ما يتعكر مزاجه، وبمجرد نشوب شجار، يظل غاضبًا لفترة طويلة جدًا. لا بأس بالأمر لو كنا أصدقاء، لكنني لم أرغب في البقاء معه بعد ذلك.”
“أوه، يا لصدقك الشديد. إذن، هل استمتعت؟”
“أليس طعمه رائعًا؟ اتباعي غدا قرارًا صائبًا في النهاية.”
غمرتني مرونة توقعتُها.
“قليلًا فقط.”
“إممم، هذا صحيح، همم.”
“أنت لست صادقًا، هاه. بهذه الطريقة، ألن تعود إلى الوحدة بمجرد رحيلي؟”
ليس وكأن ذلك يزعجني. هذا ما فكرتُ فيه. بالنسبة لي، يمثّل الوضع الحالي الحالة الشاذة الحقيقية.
بمجرد رحيلها، سأعود إلى نمط حياتي الأصلي. دون التفاعل مع أي شخص، سأغلف نفسي في عالم الروايات. سأعود إلى هذا النوع من الحياة اليومية. لا يُعد ذلك شيئًا سيئًا بالتأكيد. لكنني لم أعتقد باستطاعتي جعلها تفهم ذلك.
“أجل.”
“بإمكانك أن توقظني بالنداء أو شيء من هذا القبيل!” قالَت وهي تضربني على كتفي. رغم أنني تكبدتُ كل هذا العناء لإيقاظها؛ أمر لا يصدق.
بمجرد أن انتهينا من وجبتنا، فتحَت مجلتها على الطاولة.
“ماذا سنفعل بعد ذلك؟”
سئمتُ من شرح أمور كهذه، وأظن أنه لو استطاع أي شخص قراءة ما في قلبي، لكان تطور هذه الحالة واضحًا تمامًا، لكنها تغلبَت عليّ، وانتهى بي الأمر بالمبيت في الغرفة ذاتها.
“أوه، أنت حقًا منجذب لهذا الأمر، هاه.”
“همم؟ آه، لا تقل لي أنك تعتقد أنني معجب بياماوتشي؟ مستحيل! انظر، أنا أحب الفتيات الأكثر رقيًا.”
بعد أدائها دور “الرجل المستقيم” في روتينها الصغير، أغلقَت باب الحمام.
“قررتُ أنني قد ألعق الطبق حتى يصبح نظيفًا بعد رؤية فزاعة على متن القطار السريع.”
“آه، حسنًا، لا أفهم ما قلته للتو. لكنني أعددتُ قائمة بالأشياء التي أريد القيام بها قبل أن أموت.”
بدا ذلك أمرًا جيدًا. ربما أدركَت مدى عدم جدوى قضاء الوقت معي.
ودون تطفل خاص، أخذتُ “البوكي” الذي اشترَته وقضمتُ واحدة.
“مثل الذهاب في رحلة مع صبي، وتناول رامين تونكوتسو في مكان ابتكاره، وعلى الرغم من أننا انطلقنا في هذه الرحلة للتو، فإن الهدف الأخير لي اليوم يكمن في تناول حساء الأحشاء في العشاء. إذا تمكنتُ من تحقيق ذلك اليوم، سأغدو سعيدة للغاية. الزميل المتوافق كن، هل هناك أي مكان آخر تريد الذهاب إليه؟”
“هل أصبتَ بحروق الشمس؟”
“ليس حقًا، أنا غير مهتم بالمعالم السياحية بشكل أساسي، لذا لا أعرف أي أماكن يمكننا الذهاب إليها. قلتُ ذلك بالفعل في رسالة الأمس، لكنني لا أمانع الذهاب إلى أي مكان تريدين قصده.”
بعد أن وصلنا أخيرًا إلى نهاية المنحدر -ونحن غارقان في العرق- توجهنا مباشرة إلى أول آلة بيع في الأفق. أصابني الإحباط للخسارة أمام آلة بيع، خاصةً تلك التي رُكبت عمدًا في مثل هذا الموقع الرائع لاستغلال المارة العطشى، ولكن لا مقاومة لغريزة الحفاظ على الحياة.
تراجع الوحش في الوقت الراهن.
“همم، فهمت، إذن ماذا سنفعل… واه!”
“لا كذب في هذا القول، هاه.”
أطلقَت صوتًا غبيًا. يعود السبب لصوت شيء ينكسر مصحوبًا بصراخ فظ من شخص ما ملأ الغرفة. التفتُ نحو مصدر الضجة وأدركتُ أن إحدى السيدات في تلك المجموعة الصاخبة من السيدات قد رفعت صوتها بشكل هستيري. بجانبهن، انحنَت الجدة برأسها. يبدو أنها تعثرَت بطريقة ما وأسقطت فنجان شاي. باغتَ صوت تحطم فنجان الشاي الخزفي على الأرض الفتاة التي انشغلَت بالتفكير في خطوتنا التالية.
راقبتُ الوضع ولاحظتُ ما يجري. على الرغم من استمرار الجدة في الاعتذار بشدة، إلا أن السيدة التي يبدو أن الشاي انسكب على ملابسها تملكتها الهستيريا بشكل متزايد، وبدت لا تختلف عن المجنونة. نظرتُ أمامي، فرأيتُ أنها راقبَت الموقف أيضًا وهي تحتسي الشاي.
استعدتُ رباطة جأشي، وحقيقة تمكني من فعل ذلك القدر بعثت فيّ الاطمئنان.
“حتى كيوكو ذكرت أشياء جيدة عن حبيبي السابق. لأنه بدا فتىً لطيفًا في ظاهره.”
ظننتُ أن الموقف سيُحل بطريقة ما بشكل سلمي، لكن توقعاتي سرعان ما تبددت – فقد فقدت تلك السيدة أعصابها تمامًا ودفعت الجدة بعنف. بعد دفعها، ترنحت الجدة واصطدمت بطاولة، مما تسبب في انقلابها وسقوطها على الأرض. كما تناثرت زجاجة صلصة الصويا ومجموعة من عيدان الطعام التي تستخدم لمرة واحدة.
بعد أن تغلّبنا على الجفاف بطريقةٍ ما، انسللنا بعيدًا عن الشباب الآخرين، واستأنفنا رحلتنا. غسلنا أيدينا، ووضعناها على تمثال بقرة لاهب الحرارة، وعبرنا جسرًا بينما كنا نشاهد السلاحف تطفو على الماء، وأخيرًا وصلنا أمام المعبود. أما عن سبب مصادفتنا لبقرة في الطريق، فقد تذكرتُ قراءة تفسير لذلك، لكن الحرارة الفاترة أنستني إياه. هي، من ناحية أخرى، لم تبدُ عازمة أبدًا على قراءته.
الوحيد الذي بقي على الهامش بعد مشاهدة الوضع الحالي هو أنا.
نفس واحد —سمعتُ تدفق الهواء الكبير، ونطقَت هي بآخر سؤال في تلك الليلة.
“أي نوعٍ من الألعاب يحمل اسمًا ثقيلًا كهذا؟”
“انتظري لحظة!”
عندها، عرفتُ أن الشخص الآخر على الخط هو الصديقة المقربة. ردًا على صديقتها التي أثارَت ضجة، أطلقَت تثاؤبًا خاليًا من الهموم.
رافعةً صوتها إلى مستوى لم أسمعه حتى الآن، وقفَت الفتاة التي افتُرض بها مشاركتي الطاولة، واندفعَت نحو الجدة في الممر.
أفرغَت المشروب في كوبها، وسكبَت لنفسها كأسًا ثالثًا. أشارَت نصف ابتسامتها الدائمة إلى أن بعض الكحول قد بدأ بالفعل يسري في جسدها. بالمناسبة، احتقن وجهي بالحرارة منذ فترة.
“كنتُ أعرف ذلك”، فكرت. أنا، الراغب في البقاء متفرجًا، وهي، الراغبة في التدخل – سار الأمر على هذا النحو. يمكنني القول باقتناع إنه لو عكستُ نفسي كشخص، لو كنت أنا هي، لوقفتُ أنا أيضًا.
ساعدَت الفتاة الجدة على النهوض، وهي تصرخ في السيدات اللواتي اعتبرتهن أعداء لها. بالطبع، قاومت خصومها، ولكن ربما تمثّلت هنا قيمتها الحقيقية. بعد رؤيتها تتصرف هكذا، تحرك العملاء الآخرون في المتجر – أب الأسرة والزوجان المسنان – ودعموا الفتاة.
بعد أن استعدنا نشاطنا بفضل الوجبة الدسمة، ركبنا قطارنا التالي بسرعة. لم يكن ثمة داعٍ للاستعجال، لأن ضريح معبود الدراسة الذي أرادت زيارته يقع على بعد حوالي ثلاثين دقيقة بالقطار، ولكن بما أن قائدة رحلتنا طلبَت منا الإسراع، فقد اتبعتُ خطاها ببساطة.
بعد تلقي انتقادات من جميع الجهات، احمرّت وجوه السيدات الأخريات خجلًا. غادرت المجموعة المتجر على عجل، متذمرات طوال الطريق للخارج. مع رحيل مثيرات الشغب، تفقدت الفتاة حالة الجدة، وحظيَت بالثناء في المقابل. كنت لا أزال أشرب الشاي.
“ألم يكن هناك روائي يحمل اسمًا مشابهًا لاسمك؟”
بعد إعادتها الطاولة إلى وضعها الأصلي، عادَت الفتاة قائلة: “لقد عدت.” بدت لا تزال غاضبة. ظننتُ أنها ربما استاءَت من عدم تحركي، لكن لم يكن الأمر كذلك.
“على الرغم من أن الجدة تعثّرَت وسقطت لأن تلك السيدة مدّت قدمها فجأة. يا له من أمر فظيع تمامًا!”
“ألا تعرف؟ إذن سأشرح القواعد أثناء اللعب. لكن أولًا، القاعدة الأهم. لا يمكنك الانسحاب من اللعبة مطلقًا. فهمت؟”
“أجل.”
غُسلت ببطء الآثار التي خلّفها الوحش الذي داس على قلبي.
في هذا العالم، توجد فكرة مفادها أن ذنوب الجناة والمتفرجين تحمل نفس الوزن. في هذه الحالة، لم أختلف عن تلك السيدات، ولذا امتنعتُ عن إدانتهن بشدة.
بعد أن استعدنا نشاطنا بفضل الوجبة الدسمة، ركبنا قطارنا التالي بسرعة. لم يكن ثمة داعٍ للاستعجال، لأن ضريح معبود الدراسة الذي أرادت زيارته يقع على بعد حوالي ثلاثين دقيقة بالقطار، ولكن بما أن قائدة رحلتنا طلبَت منا الإسراع، فقد اتبعتُ خطاها ببساطة.
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، “الوحدة القتالية”، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
بينما نظرتُ إلى الفتاة التي غضبت من أجل العدالة، والتي باتت أيامها معدودة، فكرت أن أبناء الشياطين يملكون حقًا حظ الشياطين.
سادنا الطهر والبراءة.
“اصمتي أيتها الغبية.”
“يوجد الكثير من البشر الذين يجب أن يموتوا قبلكِ، هاه.”
“التلصص ممنوع.”
“أعلم، صحيح!”
للقرّاء مستخدمي أجهزة الأندرويد، يُفضّل متابعة القراءة عبر التطبيق لضمان أفضل تجربة.
سئمتُ من شرح أمور كهذه، وأظن أنه لو استطاع أي شخص قراءة ما في قلبي، لكان تطور هذه الحالة واضحًا تمامًا، لكنها تغلبَت عليّ، وانتهى بي الأمر بالمبيت في الغرفة ذاتها.
ابتسمَت بمرارة لموافقتها. تمامًا كما اعتقدتُ، ربما سأغدو وحيدًا مرة أخرى بعد رحيلها.
“كلا. المفضل لدي هو أوسامو دازاي.”
عندما غادرنا المتجر، تلقَّت ستة أقراص أوميغاي-موتشي من الجدة كهدية شكر وتذكار. رفضَتها في البداية، لكن أمام إصرار الجدة، قبلَتها بامتنان. أنا أيضًا حصلتُ على بعض من أوميغاي-موتشي التي خُبزت كجزء من دفعة سابقة، واستمتعتُ بقوامها الرطب والمختلف – حتى هذا أيضًا بدا لذيذًا.
“لعبة؟ هل سنلعب الشوغي حتى؟”
شربتُ الماء البارد، وشعرتُ بانخفاض درجة حرارة جسدي بشكل مطرد. غمرني شعور بالراحة لانتشار البرودة إلى أطراف أصابعي.
“في الوقت الحالي، لنذهب باتجاه المدينة، لحاجتنا إلى البحث عن متجر يونيكلو أيضًا.”
“هذا صحيح، لقد تعرقتُ أكثر مما توقعتُ. أنا آسف حقًا، لكنني سأردُ لكِ الدين بالتأكيد قبل أن تموتين، فهل يمكنكِ إقراضي بعض المال؟”
“وما هذا؟”
“لقد قلتها حقًا هاه؟”
“هاه، لا أريد ذلك.”
تأكدتُ من ذلك مسبقًا في المجلة التي أحضرتها معها، لذا لم أذهل بفخامة وأناقة ديكور الفندق. ولو لم أهيئ قلبي، لربما سقط فكي على الأرض. ولذا، توجّب عليّ الانحناء لها. ولكن لامتلاكي ذرة من الكرامة تأبى ذلك، سُررت جدًا بالتظاهر بالدهشة ظاهريًا فقط.
“تشيوني سوغيهارا! الشخص الذي منح التأشيرات للـ****. أعتقد أنه رائع للغاية لأنه مضى قدمًا فيما اعتقد هو نفسه أنه صواب.”
“…………أنتِ من نسل الشياطين، هاه. فلنتوافق معًا في الجحيم.”
“واهاها، إنها كذبة، كنتُ أمزح فقط، أمزح فقط. لا بأس حتى لو لم تسدد لي.”
“أوه، أنت حقًا منجذب لهذا الأمر، هاه.”
“مستحيل، سأردُ لك كل ما دفعتِه حتى الآن أيضًا.”
“يا لكَ من عنيد.”
بعد أن انتهينا من إطعام السلاحف، مشينا على طول الممر بجانب المسبح ومررنا بمطعم. بناءً على اقتراحها، دخلنا إليه. جُهّز المتجر بمكيف هواء، فتنهدنا بشكل لا إرادي بسبب الراحة التي وفرها لنا. بدا المطعم واسعًا، وتواجدَت فيه ثلاث مجموعات أخرى من الزبائن غيرنا. جلست هناك عائلة، وزوجان مسنان أنيقان، ومجموعة من أربع سيدات كبيرات في السن انشغلن بحديث صاخب. جلسنا على الطاولة بجوار النافذة.
لهذا بدا الأمر وكأن زلزالًا ضرب قلبي من مكانٍ ما عندما وقعت عيناي على محتوياتها.
ركبنا القطار، وتوجهنا عائدين إلى المحطة التي جئنا منها. عمّ الهدوء داخل القطار. غفا كبار السن، واجتمع الأطفال الصغار معًا، عاقدين مجلس حربهم وهم يهمسون. بما أن الفتاة قرأت مجلتها بجانبي، نظرَت إلى الخارج بذهول. أشار الوقت إلى اقتراب المساء، لكن سماء الصيف ظلت مشرقة. سيغدو رائعًا لو بقيت مشرقة إلى الأبد. بعد وصولي إلى هذه اللحظة من الزمن، بدأتُ أفكر في هذا النوع من الأشياء تبعًا لأهوائي.
بناءً على أمرها، اخترتُ مرةً أخرى بطاقة ثانية. بقيت تسع جولات. بدا من المستبعد تمكني من الهرب في منتصف الطريق، لذا أملتُ أن تكون جميع الأسئلة المتبقية لي. يا للأسف، يبدو أنني لم أكن محظوظًا في مثل هذه الأوقات.
بكل بساطة، التقطتُ بطاقة من داخل الدائرة، وسعيتُ قدر الإمكان لتفريغ ذهني من الأفكار غير الضرورية قبل أن أقلبها.
“لو أنني طلبتُ ذلك من الخالق بدلًا من ذلك”، همستُ لنفسي، بينما طوَت مجلتها وأغلقت عينيها. بقيَت على تلك الحال، غارقة في نوم عميق حتى وصلنا إلى محطتنا.
بغض النظر عن مدى تعارضنا مع بعضنا البعض، لم أعتد أبدًا إخلاف الوعود، لذا رددت بـ “حسنًا” أخيرة وتركتُ هاتفي المحمول على مكتبي.
زاد عدد الأشخاص في المحطة عما كان عليه في فترة ما بعد الظهر. وسط الطلاب والموظفين الذين يقطعون رحلاتهم اليومية، مشينا بتمهل. اعتقدتُ أن سكان هذه المحافظة يمشون أسرع من سكان المناطق الأخرى. ربما لتجنب المشاكل في محافظة غير آمنة.
ظننتُ أن الموقف سيُحل بطريقة ما بشكل سلمي، لكن توقعاتي سرعان ما تبددت – فقد فقدت تلك السيدة أعصابها تمامًا ودفعت الجدة بعنف. بعد دفعها، ترنحت الجدة واصطدمت بطاولة، مما تسبب في انقلابها وسقوطها على الأرض. كما تناثرت زجاجة صلصة الصويا ومجموعة من عيدان الطعام التي تستخدم لمرة واحدة.
“هذا يجب أن يكون تعبيري.”
بعد التشاور معها، قررنا التوجه إلى منطقة وسط المدينة الوحيدة داخل المحافظة. بحثنا عن ذلك على هواتفنا المحمولة، ويبدو أن هنالك متجر يونيكلو أيضًا. بحثنا أكثر، واتضح أنه لكي نصل إلى المحطة الأولى داخل المدينة من موقع المعبد، توجّب علينا الاستمرار في السير دون الخروج من بوابات التذاكر. لكن على أية حال، بعد تعرضي للاختطاف، استحال عليّ القيام ببحثي، وهي لم تكن أبدًا إنسانة دقيقة بما يكفي لتهتم بمثل هذه الأمور.
“ووهو، أظن أن السماء تحابي الأطفال ذوي القلوب الطيبة.”
تميّزَت أول رشفة كحول شربتها منذ فترة برائحة منعشة، وبحلاوةٍ غير متوقعة.
ركبنا المترو وتوجهنا إلى وسط المدينة.
“واااه، أمبي.”
حل الظلام تمامًا، وأصبحت الساعة الآن الثامنة مساءً. جلسنا على طاولة هوري-غوتاتسو، ننقر حساءً ساخنًا يتصاعد منه البخار. طعم الحساء المميز الخالي من أي مكونات أخرى سوى الأحشاء والملفوف والثوم المعمر تركني – أنا الذي أعلنتُ تفوق اللحم على الأحشاء – عاجزًا عن الكلام. بالطبع، ظلَت الفتاة صاخبة كالعادة.
“من الرائع أن تكون على قيد الحياة!”
“هيهي، أظن أنها لقاؤك. تيهي.”
“لا كذب في هذا القول، هاه.”
“انتشرَت أخبار عن جمعية الآباء والأمهات عبر سلسلة الاتصال الهاتفي هذا الصباح! بعد دوركِ، يأتي دوري كما تعلمين! تلقيت مكالمة من والدتك، وأنا من رد عليها —واجهتُ صعوبة كبيرة في خداعها.”
شربتُ الحساء من وعائي. بدا لذيذًا للغاية.
بعد وصولنا إلى المدينة، زرنا متجر يونيكلو، وعقب ذلك، تجولنا ببساطة في الأرجاء دون هدف. دخلنا متجر نظارات لرغبتِها في شراء نظارات شمسية، ثم زرنا مكتبة كنتُ قد لمحتُها. بدا ممتعًا جدًا مجرد النظر إلى مشهد المدينة في أرض لا أعرفها. في وقت لاحق، طاردنا الحمَام في حديقة صادفناها، وتذوقنا الحلويات الشهيرة للمحافظة في محل حلويات محلي. مر الوقت سريعًا.
“أنا لا أتصرف ببرود أو أي شيء، أنا فقط أحب المشروبات الكحولية. ألن تشرب؟”
مع زحف ظلام الليل، بدأ سكان المحافظة في الاصطفاف أمام أكشاك الطعام غير المعتادة على طول الشارع. بينما بقيتُ مشدوهًا بالمشهد أمامي، بدأنا التوجه نحو مطعم للقدر الساخن لفت انتباهها. نظرًا لأنه يوم من أيام الأسبوع – أو ربما كنا محظوظين فقط – وُجهنا إلى طاولة في المطعم المزدحم مباشرة. “كل هذا بفضلي”، هكذا تفاخرَت، لكنها لم تقم حتى بالحجز أو أي شيء من هذا القبيل، لذا لم يعُد الفضل لها على الإطلاق.
حتى الأشخاص من حولنا وصلوا إلى حدود طاقتهم؛ جلس الكثيرون دون خجل في ظلال الأشجار القريبة. يبدو أن اليوم جاء حارًا بشكل خاص أيضًا.
في الغالب، لم نتحدث عن أي شيء ذي أهمية أثناء وجبتنا. لقد استمرَّت في مدح القدر الساخن من البداية إلى النهاية بينما استمتعتُ بالطعام بهدوء. تمكنتُ من الاستمتاع بالحساء دون قول أي شيء غير مهم. عندما تواجه طعامًا لذيذًا، لا يجدر بك التصرف بخلاف ذلك.
“انتظري لحظة!”
المرة التالية التي فتحَت فيها فمها العديم الفائدة ذاك حين أضاف عامل المطعم المعكرونة الصينية إلى الحساء المليء بطعم الأومامي.
“لم تعاملين جسدك بهذه القسوة؟ أنا أكره البرد، لذا أرغب في الفرار إلى جنوبٍ أبعد من هذا.”
“بهذا، أصبحنا نحن الاثنان رفيقين في الحساء الساخن أيضًا.”
“لا تهن ذوي الأصول النبيلة. يجب أن تمارس المزيد من الرياضة، فأنت تتعرق بقدر ما أتعرق، وأنا مريضة.”
“هل تحاولين أن تجعلي الأمر يبدو وكأننا نعيش تحت سقف واحد ونأكل من نفس القِدر؟.”
“انتظري لحظة!”
“أكثر من ذلك. لأنني لم أتناول الحساء الساخن مع أيٍّ من أحبائي من قبل.”
ضحكَت ضحكة مكتومة. وسبب اختلاف طريقة ضحكتها عن المعتاد سريان الكحول في جسدها. فقد طلبت النبيذ بوقاحة رغم كونها طالبة في المدرسة الثانوية. ولم يتردد النادل أمام طلبها الجريء للغاية، وسرعان ما قدّم لها كأسًا من النبيذ الأبيض. مع أن سعادتي لازدادت لو اتصل بالشرطة.
رغبَت الفتاة، وقد أصبح مزاجها أفضل من المعتاد، في الحديث عن نفسها أكثر من المعتاد. ناسبني ذلك لتفضيلي الاستماع إلى ما يقوله البشر الآخرون على الحديث بنفسي.
أما عن مسار محادثتنا، فقد بدأت بالحديث عن حبيبها الأخير الذي يبدو أنه زميلي في الفصل أيضًا.
“آه، إلى أين نحن ذاهبون؟ نحن ذاهبون لمقابلة معبود الدراسة. لكن قبل ذلك، سنتناول الغداء.”
“…………ملابس بديلة؟”
“إنه شاب رائع للغاية. نعم، حقًا، لقد اعترف لي بحبه، وظننتُ أنه لكونه شخصًا طيبًا وصديقًا، فلا بأس من مواعدته، لذا استعصى عليّ فهم أن الأمر لم يكن كذلك. أعني، لقد قلتُ ذلك بصراحة، أليس كذلك؟ بعد أن بدأنا نتواعد، سرعان ما يتعكر مزاجه، وبمجرد نشوب شجار، يظل غاضبًا لفترة طويلة جدًا. لا بأس بالأمر لو كنا أصدقاء، لكنني لم أرغب في البقاء معه بعد ذلك.”
رفعَت النبيذ إلى فمها. ولزمتُ الصمت، عاجزًا عن التعاطف، ومستمعًا لما تقول.
“حتى كيوكو ذكرت أشياء جيدة عن حبيبي السابق. لأنه بدا فتىً لطيفًا في ظاهره.”
لقد كنتُ أنتظر اتصالها بي.
“لا يبدو أن لهذا علاقة بي.”
“من الرائع أن تكون على قيد الحياة!”
لم يتابع المسألة أكثر من ذلك. مثّلت هذه أول حادثة حدثت خلال هذين اليومين وجدتها غير عادية.
“هذا صحيح، ففي النهاية، كيوكو تتجنبك.”
رددتُ برسالة احتوت على حرفين فقط، فردّت بآخر رسالة تلقيتُها في ذلك اليوم.
“………… إمم، هل هذا لا بأس به حقًا؟ كنت مستعدة حتى للكشف عن قياساتي الثلاثة* على الأقل.”
“ألم تظني أنك ستؤذينني بقولكِ شيئًا كهذا؟.”
تصنعتُ وجهًا رائعًا ينم عن الجهل، إن جاز لي القول، وأجبت: “كلا، إنها لعبة.” وبعيون دامعة، صرخَت: “إذن اطرح أسئلة أكثر متعة!.” وبعد ذلك، شرعَت في شرب كوب آخر من المشروب.
تجاهلتُ الفتاة التي استمرت على قول “أمبي~” بعد أن راقَت لها الكلمة على الأرجح، وركزتُ نظري على دائرة البطاقات لاختيار آخر بطاقة لي. في أوقات كهذه، قد يوجد أشخاص يترددون ويحرصون بشدة على اختيارهم، لكنهم مخطئون. نظرًا لاختيارنا في ظل الظروف نفسها تقريبًا، لم يكن هنالك أي عوامل أخرى باستثناء الحظ. في مثل هذه الحالات، يجدر بالمرء اتخاذ قراره بسرعة دون الالتفات إلى الوراء.
“هل تأذيت؟.”
في أوقات كهذه، أنا —الذي يتسم بصدق يمنعه من الكذب— وُضعت في موقف غير مواتٍ. ربما غدا الأمر أسهل لي لو امتلكت القدرة لأصبح إنسانًا يقوى على قلب رقعة الشوغي، لكنني لم أرغب في التحول لذلك، ولم أستطع.
“لستُ متألمًا. أنا أيضًا أتجنبها، لذا نحن متعادلان.”
“مع أنني أريدكَ أن تتوافق مع كيوكو بعد موتي، هاه.”
استنتجتُ من تعبيرها نيتها استغلال فجوة الخبرة بيننا لتتغلب عليّ، وهذا بدوره أشعل حماسي – صممتُ على تلقينها درسًا أو اثنين.
بتعبير مختلف عمّا سبق، نظرَت إليّ مباشرة في عيني. بدت جادة بوضوح في تلك الكلمات. وبلا مخرج، أجبتُ: “سأفكر في الأمر.” وجاء ردّها المقتضب: “أرجوك افعل.” قيلت تلك الكلمات بقناعة صادقة. فتردد قلبي، الذي قرر بالفعل أننا لن نتوافق على أي حال، ولو قليلًا.
“.…لا مفر، سأشارككِ.”
غادرنا المطعم بعد أن شبعنا من الحساء الساخن، وداعبت وجوهنا نسمات الليل العليلة. ورغم وجود مكيفات هواء داخل المطعم، فقد تعطل عملها فعليًا بسبب قدور الحساء الساخن الكثيرة التي تغلي بالداخل. غادرَت هي بعدي، لأنها تولت دفع الفاتورة. وقد وافقتُ على أن أترك لها الفواتير بشرط أن أسدد لها كل ما أنفقته عليّ في هذه الرحلة.
“واااه! شعور رائع!.”
“لا يزال الجو باردًا في الليل، هاه.”
مشَت إلى السرير، وأحضرَت علبة تحوي مجموعة أوراق بوكر من داخل حقيبتها.
“صحيح؟ حسنًا إذًا، أظن أن الوقت قد حان للتوجه إلى الفندق.”
“هيه، يبدو أنهم ارتكبوا خطأً صغيرًا.”
سمعتُ عن مكان إقامتنا منها في وقت سابق من بعد الظهر. وهو فندق راقٍ إلى حد ما متصل بمحطة الشينكانسن التي وصلنا إليها، ويبدو مشهورًا حتى داخل المحافظة. نوَت في الواقع الإقامة في فندق أعمال بسيط، ولكن عند إبلاغ والديها بخططها، اقترحا عليها الإقامة في مكانٍ أفضل، وقدموا لها دعمًا ماليًا. وبما أنها قطعت كل هذه المسافة، فلا سبب يمنع الاستفادة من لطفهم – بدا الأمر من هذا القبيل. بالطبع، خُصص نصف المال الذي دفعه والداها للصديقة المقربة، لكن المسؤولية عن ذلك تقع عليها، لذا ليس الأمر من شأني.
بالمناسبة، فيما يلي الجولات الخمس من الأسئلة والأجوبة التي جعلَتها تقول: “هل هذه مقابلة؟.”
بعد وصولنا إلى المحطة، لم يستغرق بلوغ الفندق وقتًا طويلًا. لا، لم أشكك في المعلومات الرسمية، بل قصدتُ أن الفندق أقرب مما توقعتُ.
تأكدتُ من ذلك مسبقًا في المجلة التي أحضرتها معها، لذا لم أذهل بفخامة وأناقة ديكور الفندق. ولو لم أهيئ قلبي، لربما سقط فكي على الأرض. ولذا، توجّب عليّ الانحناء لها. ولكن لامتلاكي ذرة من الكرامة تأبى ذلك، سُررت جدًا بالتظاهر بالدهشة ظاهريًا فقط.
عندما سألتُ، نهضَت هي بحيوية، ومشَت إلى حقيبتها الزرقاء السماوية، وأخرجَت دفتر ملاحظات. يبدو أنها حشرَت تذاكر الشينكانسن بداخله.
رغم تجنبي الانبهار، ساورني القلق المتوقع في هذه الأجواء التي لا تناسب مكانتي الاجتماعية. لذا تركتُها تتولى إجراءات تسجيل الدخول، بينما جلستُ على أريكة الردهة الأنيقة وانتظرتُها بهدوء. شعرتُ براحة عميقة ولطيفة وأنا جالس على الأريكة.
“مكتوب هنا أننا لن نذهب إلى مكانٍ ما في رحلة ليوم واحد، لذا يبدو أنه لا يزال بإمكاننا إعادة التفكير في هذا.”
“وماذا تعنين بالضبط بقولك هذا؟”
بنظرة تدل على اعتيادها ذلك، توجهت بجرأة إلى المكتب، وانحنى جميع موظفي الفندق رؤوسهم عند اقترابها. اعتقدتُ بلا شك أنها لن تصبح بالغة محترمة، لكنني تذكرتُ بعد ذلك أنها ببساطة لن تصبح بالغة.
بينما شربتُ الشاي من زجاجة بلاستيكية بدت غير مناسبة للمكان تمامًا، راقبتُها من الجانب وهي تتعامل مع موظف الاستقبال.
تمامًا كما قالت، بمجرد تفعيل وظيفة الجاكوزي، غلفني شعور بالنعيم تعجز الكلمات عن وصفه.
بدا الشاب المسؤول عن تسجيل دخولها نحيفًا، وقد مشط شعره للخلف – شاب يحيط به تمامًا جو موظف استقبال الفندق.
وطوال بقية عطلة نهاية الأسبوع، انعدم أيّ اتصالٍ منها على الإطلاق. وكالعادة، لزمتُ غرفتي أقرأ الكتب، ولم أغادرها إلا بمفردي وقت الظهيرة قاصدًا المتجر لشراء بعض الآيس كريم. وبعد إمضائي ما تبقى من اليومين دون أيّ أحداثٍ تُذكر، أدركتُ في ليلة الأحد حقيقةً ما.
رغم تجنبي الانبهار، ساورني القلق المتوقع في هذه الأجواء التي لا تناسب مكانتي الاجتماعية. لذا تركتُها تتولى إجراءات تسجيل الدخول، بينما جلستُ على أريكة الردهة الأنيقة وانتظرتُها بهدوء. شعرتُ براحة عميقة ولطيفة وأنا جالس على الأريكة.
وبينما فكرتُ في المشكلة التي سيواجهها موظف الاستقبال، بدأتْ تملأ نموذجًا قُدم لها. لم أستمع إلى محتوى محادثتهم من هذه النقطة فصاعدًا، لكنها أعادت الورقة، وبدأ موظف الاستقبال المبتسم، بسلوكه الراقي، إدخال المعلومات في الحاسوب. وربما بعد تأكده من الحجز، التفتَ إليها وبدأ يتحدث بتهذيب.
“7.”
علَت وجهها تعابير الدهشة، وهزّت رأسها. فتصلّب وجه موظف الاستقبال ردًا على ذلك، وعاد لتشغيل الحاسوب، بينما لا يزال يحدثها. هزّت رأسها مرة أخرى، وأنزلت حقيبة ظهرها عن كتفيها، وسلمته ورقة أخرجتها من داخلها.
قارن موظف الاستقبال الورقة بشاشة الحاسوب، وعبس قبل تراجعه مؤقتًا إلى خلف المنضدة. انتظرتُ مثلها دون فعل شيء محدد، حتى عاد برفقة رجل أكبر سنًا؛ وانحنى الاثنان لها مرارًا وتكرارًا.
كنتُ قد تعلمتُ من مكان ما أن زيارة الأضرحة ليست في الواقع وقتًا لتقديم الأمنيات للمعبودات. فهي في الأصل تعني تعبيرًا عن عزم المرء أمام القوى الغيبية. لكن في تلك اللحظة، لم أستطع حشد أي نوع من العزم. وبما أنه لا سبيل لفعل شيء حيال ذلك، فكرتُ في تقديم بعض المساعدة للفتاة التي بجانبي. متظاهرًا بالجهل، تمنيتُ أمنية للمعبود.
بعد ذلك، لم يكن الشاب، بل زميله الأكبر سنًا من انحنى انحناءة عميقة وواسعة اعتذارًا، وبدأ يتحدث إليها. فابتسمت ابتسامة حزينة.
“لا اعتراض.”
راقبتُ الموقف من الجانب، متسائلاً إن حدث شيء ما. وبالتفكير المنطقي، جاز الاعتقاد بوجود خطأ من جانب الفندق، وأن الحجز سُجل بشكل خاطئ، لكنني شعرت أن ذلك وحده لا يفسر ابتسامتها المضطربة. وأيًا كانت الحالة، توقعتُ تعامل الفندق مع الموقف بشكل صحيح، لذا لم أفكر كثيرًا في الأمر. وفي أسوأ الأحوال، يمكننا ببساطة قضاء الليل في أحد مقاهي الإنترنت.
“لا أعرف هذه المنطقة لذا سأترك الأمر لكِ فحسب.”
“كيف عرفتِ؟”
لا تزال تبتسم بقلق، وتواصل اختلاس النظر إليّ، ولذلك، ودون سبب محدد، أومأتُ لها برأسي. لم يحمل هذا التصرف أي معنى، ولكن بعد ملاحظتها رد فعلي، قالت شيئًا للرجلين المتأسفين عند المكتب.
“اصمتي أيتها الغبية.”
هذه المرة شربَت خمر البرقوق خاصتها بينما تقلب بطاقة. إنها 11 قلوب.
على الفور، أشرقَت وجوه الموظفين، ورغم إبقائهما رؤوسهما منخفضة كالعادة، بدا أنهما أعربا لها عن امتنانهما هذه المرة. رغبتُ، بعد بضع دقائق، في ضرب نفسي التي ظنّت أن انتهاء محادثتهما أمر جيد. وكما قلت مرارًا وتكرارًا، افتقرتُ إلى مهارات إدارة الأزمات.
“لنذهب في رحلة أخرى – أظن أن المرة القادمة ستكون في الشتاء.”
بعد استلامها المفتاح وما شابه، عادَت ورأسها منخفض مرة أخرى. نظرتُ إلى وجهها وقلتُ لها: “يبدو أنك واجهتِ بعض المشاكل، هاه.” ردّت على جهودي بتعبيرات وجهها. أولًا، ضمت شفتيها، مظهرة حرجها وخوفها، ثم نظرت خلسة إلى تعبيري، وأخيرًا – وكأنها تخلصت من كل ذلك – ابتسمَت ابتسامة عريضة.
“هيه، يبدو أنهم ارتكبوا خطأً صغيرًا.”
“مع أنني أريدكَ أن تتوافق مع كيوكو بعد موتي، هاه.”
سمعتُ دندنتها لأغنية في الحمام، شيء سمعَته من قبل في إعلانٍ تجاري على الأرجح.
“نعم.”
“فجأةً غدوتُ عاجزًا عن الإيمان بأي معبود.”
“لقد ملأوا جميع الغرف من النوع الذي حجزناه في الأصل.”
“فهمت.”
“نعم، لذا، وبما أن تلك مسؤوليتهم، يبدو أنهم سيجهزون لنا غرفة أفضل بكثير من تلك التي حجزناها.”
“لقد قلتُ ذلك من قبل، لكن لا يمكنكَ التراجع الآن. ألم توافق على ذلك أيضًا؟ لن تفعل أي شيء غير راقٍ، أليس كذلك؟”
“هذا رائع جدًا، هاه.”
“مهلًا….”
لا تنسوا ترك تعليق واحد على الأقل للتعبير عن تقديركم ودعمكم لجهودي في تدقيق هذا الفصل، ولا تنسوني من دعائكم بالتوفيق ~
“لدي بضعة شروط.”
لوَّحت بالمفتاح الوحيد الذي حملَته في يدها بجانب وجهها.
“لا كذب في هذا القول، هاه.”
“سيتعين علينا مشاركة الغرفة، لكن لا بأس بذلك، صحيح؟.”
“كلا.”
“……هاه؟.”
“هل هذا القدر كافٍ؟.”
لم توجد أي جملة منطقية يمكنني قولها ردًا على ابتسامتها.
بنظرة تدل على اعتيادها ذلك، توجهت بجرأة إلى المكتب، وانحنى جميع موظفي الفندق رؤوسهم عند اقترابها. اعتقدتُ بلا شك أنها لن تصبح بالغة محترمة، لكنني تذكرتُ بعد ذلك أنها ببساطة لن تصبح بالغة.
سئمتُ من شرح أمور كهذه، وأظن أنه لو استطاع أي شخص قراءة ما في قلبي، لكان تطور هذه الحالة واضحًا تمامًا، لكنها تغلبَت عليّ، وانتهى بي الأمر بالمبيت في الغرفة ذاتها.
“ماذا لو اخترنا كلينا بطاقتين تحملان الرقم نفسه؟”
أودُ ألا يظن أحد أنني شخص ضعيف الإرادة ومغازل يوافق بسهولة على المبيت في الغرفة ذاتها مع شخص من الجنس الآخر. لوضع الأمر في سياق معين، وجدتُ بعض المشاكل المالية بيني وبينها. وبمجرد استغلال ذلك وحده، رُفض إصراري على أفضلية مكوثي في مكان منفصل.
“ألم تظني أنك ستؤذينني بقولكِ شيئًا كهذا؟.”
ومع ذلك، لمن كنت أختلق الأعذار؟
“حسناً، حقيقة أم تحدٍ؟ للحقيقة، أخبرني بثلاثة أشياء تظن أنها لطيفة فيّ. للتحدي، احملني إلى السرير.”
صمتَت، وألقت ذراعيها المضطربتين على السرير بلا مبالاة.
نعم، أعذار. توجّب عليّ اتخاذ موقف حازم والذهاب في اتجاه مختلف عنها. وحتى بالنسبة لها، ربما استحال منعي. ومع ذلك، لم أفعل ذلك عن طيب خاطر. السبب؟ حسنًا، لستُ متأكدًا.
“هذا منطقي، يمكنني تخيل ذلك بسهولة.”
على أي حال، انتهى بي المطاف بمشاركة الغرفة معها. ومع ذلك، لم يوجد ما أشعر بالذنب تجاهه. وبإمكاني ضمان ذلك لبقية حياتي. كنا نقيين.
“بما أننا نشرب بالفعل، فلنساير الزخم ونلعب “الحقيقة أم التحدي” أيضًا.”
قهقهَت. بدا أنها جادة.
“أليس النوم معًا في السرير نفسه أمرًا مثيرًا؟.”
“…………6.”
“آه، يبدو هذا جيدًا، لنذهب إلى مكانٍ ما خلال العطلة الصيفية. متى تحصل كيوكو على استراحة من أنشطة النادي؟”
حسنًا، كنتُ الوحيد النقي.
“هل تحاولين أن تجعلي الأمر يبدو وكأننا نعيش تحت سقف واحد ونأكل من نفس القِدر؟.”
“هل أنتِ غبية؟.”
عبستُ في وجه الفتاة التي قالت شيئًا غريبًا بعد دورانها حول نفسها كأنها ترقص تحت الثريا التي بعثت ضوءًا خافتًا من وسط الغرفة الفسيحة. جلسَت على أريكة جيدة في الغرفة ذات الطراز الغربي، وأخبرتُها بأمر من أبسط مبادئ المنطق.
جاء محتوى الرسالة كما يلي:
“سأكون هنا.”
“سيكون ذلك مزعجًا بخلاف ذلك، لذا سنختار بطاقةً أخرى وحسب. ذكرتُ هذا سابقًا أيضًا، ولكن بما أنني اختلقتُ القاعدة لمناسبتها، فهذه اللعبة لا علاقة لها بالبوكر نفسه.”
“هيا، بما أننا حصلنا على غرفة جيدة، يجب أن تجرّب السرير بشكل لائق على الأقل!.”
“بما أنني لم أرغب في إقلاق والديّ، فقد كذبتُ عليهما بشأن وجود أصدقاء لي. لذا أخبرتهما أنني سأقيم في منزل صديق.”
“في هذه الحالة، سأستلقي على السرير لفترة قصيرة لاحقًا.”
أتمنى أن يُشفى بنكرياسها.
“ألا يفترض بك السعادة للنوم مع فتاة؟.”
رغبَت الفتاة، وقد أصبح مزاجها أفضل من المعتاد، في الحديث عن نفسها أكثر من المعتاد. ناسبني ذلك لتفضيلي الاستماع إلى ما يقوله البشر الآخرون على الحديث بنفسي.
“هل توجد مثل هذه اللعبة حقًا؟ هل أنتِ متأكدة من عدم اختراعك لها في التو واللحظة؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا أصر على إبطال ذلك لموافقتي على عدم الانسحاب من اللعبة.”
“كُفي عن هذه المحاولات غير المبررة لتشويه سمعتي. انظري، أنا مجرد رجل نبيل أينما ذهبت. احتفظي بهذه الأشياء للحبيب.”
وسط صخب المحطة، تتبعتُ خطواتها الكبيرة بخطواتي المريحة. يبدو أننا كنا متجهين إلى متجر قرأتْ عنه في المجلة أثناء وجودنا في الشينكانسن. لم تظهر مشيتها أي علامة على التوقف أو التردد. نزلنا إلى الطابق السفلي، وخرجنا من المحطة إلى شارع تحت الأرض، ووجدنا أنفسنا أمام متجر الرامن أسرع مما توقعنا. كلما اقتربنا من المتجر، ازدادت كثافة رائحة المرق المميزة، وعلى الرغم من أنني لم أنزعج حقًّا، إلا أن نسخًا من صفحة لمانغا شهيرة عن الطعام تروج لهذا المتجر كانت ملصقة على جداره الخارجي. ومع ذلك، لم يبدُ المتجر غريبًا، لذا شعرتُ بالارتياح.
“قد يكون العشب لا يزال أخضر، لكنه ليس الربيع… الجو حار.”
“بما أننا لسنا في علاقة، ألن يكون ممتعًا فعل أشياء لا ينبغي لنا فعلها؟.”
“آه، ربما بهذا، سأبزغ مثل مذنّب، وتتناقل الأجيال القادمة اسمي بصفتي الساحرة الأسطورية التي اختفَت فجأة.”
بالمناسبة، شعرتُ بالفعل بخلو معدتي.
بعد قولها ذلك، وكأنها فكرَت في شيءٍ ما، أخرجَت “مذكرات التعايش مع المرض” من حقيبتها وكتبت ملاحظة. كثيرًا ما رأيتُ هذا السلوك عند مراقبتها.
“أعلم ذلك صحيح~، آه، ربما سمعتَ بالفعل، ولكن يبدو أن كيوكو ستقتلكَ.”
“وا~و! يوجد جاكوزي!.”
“إذن أنت تحب الكتب الكئيبة من هذا النوع، هاه.”
بينما استمعتُ إليها تمرح في الحمام، فتحتُ الباب الزجاجي وخرجتُ إلى الشرفة. وقعت الغرفة التي أرشدونا إليها في الطابق الخامس عشر من المبنى الشاهق، ورغم أنها لم تكن جناحًا، فقد بدت فخمة للغاية بالنسبة لطلاب الثانوية. المرحاض والحمام منفصلان، والمنظر الليلي مذهل.
“واااه، إنه رائع.”
“لعبة؟ هل سنلعب الشوغي حتى؟”
قبل أن أدرك، لقد خرجَت إلى الشرفة، لتستمتع بالمنظر الليلي. وتمايل شعرها الطويل مع هبوب الرياح.
“أظن أنك ستُقتل على يد كيوكو بغض النظر عمّا تسمعه.”
“نحن الاثنان فقط نحدق في الليل – ألا تظن أن هذا رومانسي؟.”
عدتُ إلى الغرفة دون إجابة. جلستُ على الأريكة، وأخذتُ جهاز التحكم عن بعد من الطاولة المستديرة أمامي، وشغلتُ التلفاز الذي ضاهى الغرفة حجمًا، وتصفحتُ القنوات. عُرض العديد من البرامج المحلية التي لا أشاهدها عادةً، وأثار الفنانون الذين يستعرضون اللهجات اهتمامي أكثر من هراء الفتاة.
تخلَّت عن الشرفة، وأغلقَت الباب الزجاجي، وتخطتني لتجلس على السرير. وتخيلتُ من تعبير وجهها حين صرخت “واه” مدى مرونة السرير. حسنًا، لا ضير من تجربة نوابضه قليلًا.
“أجل، أمبي.”
ومثلي تمامًا، بدأتْ تشاهد التلفاز الكبير.
“اللهجات مثيرة للاهتمام، هاه. “هل أكلتم؟” يبدو وكأنه محارب من زمن بعيد. ورغم حداثة المدينة، تبدو لهجتها قديمة – يا للغرابة.”
“آه، أهذا صحيح.”
“ألا تنوي حقًا التحمس لهذه اللعبة؟ ها أنا قادمة – واااه، الرقم 2 من القلوب.”
بالنسبة لشخص مثلها، قالت شيئًا ذا مغزى.
“يبدو أن دراسة اللهجات كعمل سيكون أمرًا ممتعًا.”
“تمنيتُ أن أكون مفعمة بالحيوية حتى أموت. أيها الزميل المتوافق كن، ماذا عنك؟”
“لقد تعلمتُ هذا للتو، لكن الأمثال لا يمكن الوثوق بها. سأتذكر ذلك.”
“يبدو أننا نتفق أحيانًا، هاه. حتى أنا أفكر أنه لا بأس بدراسة هذا النوع من الأشياء بمجرد التحاقي بالجامعة.”
“كم هذا جميل، كنتُ أرغب في الذهاب إلى الجامعة أيضًا.”
“……ماذا تريدين مني أن أقول حيال ذلك؟.”
أودُ توقفها عن هذه الأمور غير المضحكة والمغلفة بالعاطفة. لم أكن أعرف حتى كيف يتوجّب عليّ الشعور.
“أليس لديك أي معلومات عامة عن اللهجات أو شيء من هذا القبيل؟.”
“إذن من هو؟”
“ووهو، أظن أن السماء تحابي الأطفال ذوي القلوب الطيبة.”
“لنرى، حسنًا، حين نسمعها، تبدو لنا جميعها مثل لهجة كانساي نفسها، ولكن يوجد في الواقع عدد كبير من المتغيرات. كم عدد المتغيرات التي تظنين وجودها؟.”
“لعبة؟ هل سنلعب الشوغي حتى؟”
بعد وصولنا إلى المدينة، زرنا متجر يونيكلو، وعقب ذلك، تجولنا ببساطة في الأرجاء دون هدف. دخلنا متجر نظارات لرغبتِها في شراء نظارات شمسية، ثم زرنا مكتبة كنتُ قد لمحتُها. بدا ممتعًا جدًا مجرد النظر إلى مشهد المدينة في أرض لا أعرفها. في وقت لاحق، طاردنا الحمَام في حديقة صادفناها، وتذوقنا الحلويات الشهيرة للمحافظة في محل حلويات محلي. مر الوقت سريعًا.
“عشرة آلاف!.”
“لا بد أن هذا هو السبب في أنك ستستمر في العيش وأنا سأموت.”
“……هذا مستحيل تمامًا. سأغضب إن واصلتِ إعطاء إجابات من وحي خيالكِ، أتعلمين؟ توجد آراء مختلفة، لكن يقول البعض إن العدد الفعلي قد يقترب من ثلاثين.”
شربتُ الماء البارد، وشعرتُ بانخفاض درجة حرارة جسدي بشكل مطرد. غمرني شعور بالراحة لانتشار البرودة إلى أطراف أصابعي.
الرقم 13 من البستوني – وإذا بها ورقة الملك.
“هاه، أهذا صحيح.”
“……أتساءل كم عدد الأشخاص الذين آذيتِهم حتى الآن.”
“أجل، أمبي.”
في الغالب، لم نتحدث عن أي شيء ذي أهمية أثناء وجبتنا. لقد استمرَّت في مدح القدر الساخن من البداية إلى النهاية بينما استمتعتُ بالطعام بهدوء. تمكنتُ من الاستمتاع بالحساء دون قول أي شيء غير مهم. عندما تواجه طعامًا لذيذًا، لا يجدر بك التصرف بخلاف ذلك.
نظرًا لكونها فتاة ذات شبكة واسعة من المعارف، فمن المحتمل أن يكون هذا الرقم لا يحصى. بصراحة، يا لها من إنسانة آثمة. وفي هذا الصدد، أنا، من لم أتعرف على أي شخص، لن أؤذي أحدًا أبدًا. أما بخصوص أيُّنا الشخص الصالح، أعتقد أن الحكم سيكون منقسمًا.
شاهدَت التلفاز بصمت لفترة، ولكن بعد برهة – ربما لعدم قدرتها تحمل البقاء ساكنة – بدأت تتدحرج على السرير الواسع، وبعد إفساد ترتيبه تمامًا، صرخَت بصوت عالٍ: “سأستحم!.” وتلى ذلك دخولها الحمام وبدء ملء الحوض بالماء الساخن. ومع صوت الماء المتدفق كموسيقى خلفية من وراء جدار الحمام، أخرجَت أشياء صغيرة مختلفة من حقيبتها، وفتحَت الماء في غرفة الغسيل المنفصلة عن الحمام. ربما بدأت تزيل مكياجها. مع أنني لم أكن مهتمًا بذلك.
اتسم أسلوب حديثه، على الرغم من افتقاره إلى الأناقة، بنوعٍ من الانتعاش. ارتبتُ في أنه ربما حمل قدرًا من المودّة لها، ومن ثم غضب مني غضبًا غير منطقي، لكن مظهره أوحى بغير ذلك. وبالحكم على ما ارتسم على وجهه، لم يبدُ عليه أدنى انزعاج، بل خيّم عليه في الواقع شيء من البهجة في غير موضعها. لا بد أنه واحد من أولئك الأشخاص التافهين المدفوعين بفضول لا ينضب.
“سأتحقق من التقويم وأتصل بك لاحقًا، حسنًا —وكأن ذلك سيحدث!”
بمجرد امتلاء الحوض بالماء الساخن، توارَت في الحمام بابتهاجٍ مَرِح.
“لم يكن مشبعًا جدًا، لكنني تناولتُ الخبز.”
بدت جادة للغاية في هذا الأمر، وأصبح تعبيرها يفيض بحيوية تفوق المعتاد. إن ما جعل البشر يتألقون هو قدرتهم على تحقيق أهدافهم رغم ضيق وقتهم. ولوقوفها بجانبي، لعلّها تألقت ببروز أكبر.
“التلصص ممنوع.”
أطلقَت صوتًا غبيًا. يعود السبب لصوت شيء ينكسر مصحوبًا بصراخ فظ من شخص ما ملأ الغرفة. التفتُ نحو مصدر الضجة وأدركتُ أن إحدى السيدات في تلك المجموعة الصاخبة من السيدات قد رفعت صوتها بشكل هستيري. بجانبهن، انحنَت الجدة برأسها. يبدو أنها تعثرَت بطريقة ما وأسقطت فنجان شاي. باغتَ صوت تحطم فنجان الشاي الخزفي على الأرض الفتاة التي انشغلَت بالتفكير في خطوتنا التالية.
وبحلول وقت وصولنا المدينة التي نقطنها، شرعَت سماء الصيف تكتسي ببطء لونًا أزرق غامقًا. استقللنا القطار إلى محطتنا المعتادة، وامتطينا دراجتينا إلى مكانٍ قريبٍ من مدرستنا قبل افتراقنا في المكان المعتاد. ونظرًا لأننا سنلتقي الاثنين على أيّ حال، سرعان ما ودّعنا – الفتاة وأنا – بعضنا البعض وتوجه كلٌ في طريقه إلى منزله.
تلك النصيحة الحمقاء التي تلقيتُها، لكنني لم أنظر إليها حتى وهي تدخل الحمام.
“لقد أكلتُه بالفعل. حسنًا، من يقلب الورقة الأكبر من داخل هذه الدائرة سيكون الفائز. وسيحصل الفائز على الحق.”
أترون، ذلك لأنني رجلٌ نبيل.
“يمكنك الاسترخاء كما تعلم، فقد أعددتُ مجلات سفر بشكل مناسب لليوم.”
إذا توجّب عليّ قول شيء، فقد بدا الأمر كما لو أن حياتها القصيرة قد انتهت في الشينكانسن، ولكن الحقيقة أنها ببساطة صعبة الاستيقاظ للغاية؛ لم يكن ذلك نذير شؤم، ولم يكن سوء فهم أيضًا. نكزتُ خدّيها برفق وقرصتُ أنفها، لكنها تحركت بذهول فقط ولم تظهر أي علامات على الاستيقاظ. وكحل أخير، أطلقتُ شريطًا مطاطيًا تواجد بحوزتي على ظهر يدها العارية؛ فقفزت من مقعدها برد فعل مبالغ فيه.
سمعتُ دندنتها لأغنية في الحمام، شيء سمعَته من قبل في إعلانٍ تجاري على الأرجح.
عدتُ إلى الغرفة دون إجابة. جلستُ على الأريكة، وأخذتُ جهاز التحكم عن بعد من الطاولة المستديرة أمامي، وشغلتُ التلفاز الذي ضاهى الغرفة حجمًا، وتصفحتُ القنوات. عُرض العديد من البرامج المحلية التي لا أشاهدها عادةً، وأثار الفنانون الذين يستعرضون اللهجات اهتمامي أكثر من هراء الفتاة.
أصرّت على رأيها، وبينما حاولتُ إقناعها بخلاف ذلك، لعبَت ورقتها الرابحة – رسائل الأمس. وهكذا تم استغلال نيتي في عدم نكث الوعد أبدًا.
بينما أتساءل كيف بحق العالم وصلتُ إلى الوضع الحالي الذي أجلس فيه قريبًا جدًا من زميلة في الفصل وهي تستحم بالماء الساخن، فكرتُ في خططي وأفعالي وتأملتُها.
“انتشرَت أخبار عن جمعية الآباء والأمهات عبر سلسلة الاتصال الهاتفي هذا الصباح! بعد دوركِ، يأتي دوري كما تعلمين! تلقيت مكالمة من والدتك، وأنا من رد عليها —واجهتُ صعوبة كبيرة في خداعها.”
“…………من بين وجوه البشر الذين أستطيع إجبار نفسي على تذكرهم – الرقم ثلاثة.”
عند النظر إلى السقف، ومضت الثريا من زاوية عيني.
“أتريد البعض؟”
حين وصلتُ إلى جزء ذاكرتي حيث تعرضتُ للاعتداء من قِبَلها في قطار الشينكانسن، نادتني.
غُسلت ببطء الآثار التي خلّفها الوحش الذي داس على قلبي.
نظرتُ داخل الحقيبة – الملونة بألوان زاهية تشبهها تمامًا.
“الزميل المتوافق كن، هل يمكنك إحضار كريم تنظيف الوجه من حقيبتي؟”
انصياعًا لصوتها المتردد من الحمام، ودون شعورٍ بأي شيء خاص، أمسكتُ حقيبة الظهر السماوية المتروكة على السرير واطلعتُ على ما بداخلها.
على الفور، أشرقَت وجوه الموظفين، ورغم إبقائهما رؤوسهما منخفضة كالعادة، بدا أنهما أعربا لها عن امتنانهما هذه المرة. رغبتُ، بعد بضع دقائق، في ضرب نفسي التي ظنّت أن انتهاء محادثتهما أمر جيد. وكما قلت مرارًا وتكرارًا، افتقرتُ إلى مهارات إدارة الأزمات.
لم أشعر بأي شيء.
لهذا بدا الأمر وكأن زلزالًا ضرب قلبي من مكانٍ ما عندما وقعت عيناي على محتوياتها.
نظرتُ داخل الحقيبة – الملونة بألوان زاهية تشبهها تمامًا.
“إذن، إلى أين نحن ذاهبون؟”
“لقد ملأوا جميع الغرف من النوع الذي حجزناه في الأصل.”
وعلى الرغم من عدم وجود داعٍ أو سبب للاضطراب، خفق قلبي بشدة.
بعد أن انتهينا من إطعام السلاحف، مشينا على طول الممر بجانب المسبح ومررنا بمطعم. بناءً على اقتراحها، دخلنا إليه. جُهّز المتجر بمكيف هواء، فتنهدنا بشكل لا إرادي بسبب الراحة التي وفرها لنا. بدا المطعم واسعًا، وتواجدَت فيه ثلاث مجموعات أخرى من الزبائن غيرنا. جلست هناك عائلة، وزوجان مسنان أنيقان، ومجموعة من أربع سيدات كبيرات في السن انشغلن بحديث صاخب. جلسنا على الطاولة بجوار النافذة.
رغم افتراضي المعرفة، ورغم افتراضي الفهم.
رغم وجوب استيعابي فرضية وجودها بالفعل، اختنقتُ بعد رؤية ذلك.
اهدأ…
قلتُ لنفسي ذلك.
“صحيح؟ حسنًا إذًا، أظن أن الوقت قد حان للتوجه إلى الفندق.”
احتوَت حقيبتها عدة محاقن، وكمية غير مسبوقة من الحبوب، وما بدا أنه جهاز قياس جهلتُ كيفية تشغيله.
تمكنتُ بطريقةٍ ما من التماسك ومنع أفكاري من الاندفاع بعيدًا.
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 7 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉Hamood Mahemed💎 5004ibrahim shazly💎 5005الخال!💎 100
أطفأتُ الكهرباء، واستلقيتُ وظهري إليها، منتظرًا ببساطة أن ينتزعني ملاك النوم ويأخذني بعيدًا. من وقت لآخر، اهتز السرير الذي لم يخصني وحدي بينما تتقلب هي وتتحرك في نومها. يبدو أنها افتقرَت للقلب الذي يسمح لها بالمشاركة.
عرفتُ أن هذا هو الواقع.
الحقيقة المتمثّلة في حفاظها على وجودها بقوة العلوم الطبية.
لستُ متأكدًا ممّا إذا كان الأمر مرتبطًا بذلك، لكنني وجدتُ حذائي الداخلي في سلة المهملات.
“كيف عرفتِ؟”
عندما نظرتُ إلى ما يقع أمام عيني، شعرتُ برعب لا يوصف يحل بي.
“ألم يكن هناك روائي يحمل اسمًا مشابهًا لاسمك؟”
وفي تلك اللحظة بالذات، أظهر وجه الخوف الذي أسرني نفسه.
عند وصولي المنزل، لم يعد والداي بعد. وبعد غسل يديّ جيدًا وشطف فمي، لزمتُ غرفتي. وحين استلقيتُ على سريري، غشيتني موجة مفاجئة من النعاس. وبينما تساءلتُ عمّا إذا كنتُ متعبًا جسديًا، أو محرومًا من النوم، أو ربما كليهما، غلبني النوم.
تراجع الوحش في الوقت الراهن.
“هل من خطـبٍ ما؟”
“بما أننا لسنا في علاقة، ألن يكون ممتعًا فعل أشياء لا ينبغي لنا فعلها؟.”
“ما رأيكِ في أوراق الحظ؟”
التفتُّ نحو الحمام، ورأيتُ ذراعها المبللة تلوح في الأرجاء؛ هي التي افتقرت حتى لأدنى فكرة عن حالة قلبي.
مرة أخرى عاملَت كلماتي كالريح، وأغلقَت الغطاء على بينتو السكك الحديدية الذي انتهَت منه، وربطَت شريطًا مطاطيًا حوله. أعطَت حركات يدها الرشيقة انطباعًا بأنها إنسان حي تمامًا.
شعرتُ بالامتلاء التام بعد حساء الأحشاء، لكن الوجبات السريعة حرّكَت شهيتي بشكلٍ غريب مجددًا.
ولمنعها من إدراك المشاعر المتولدة بداخلي، بحثتُ مسرعًا عن أنبوب كريم تنظيف الوجه وسلمته لها.
“شكرًا! آه، هذا لأنني عارية الآن!”
قبل تمكني حتى من استجماع رد، صاحَت: “قل شيئًا على الأقل! هذا محرج!.”
بعد أدائها دور “الرجل المستقيم” في روتينها الصغير، أغلقَت باب الحمام.
غُسلت ببطء الآثار التي خلّفها الوحش الذي داس على قلبي.
اقتربتُ من السرير الذي شغلته وألقيتُ بجسدي عليه.
“اللهجات مثيرة للاهتمام، هاه. “هل أكلتم؟” يبدو وكأنه محارب من زمن بعيد. ورغم حداثة المدينة، تبدو لهجتها قديمة – يا للغرابة.”
غمرتني مرونة توقعتُها.
هزّت رأسها باستياء وشرعَت في إخراج مجلة أخرى من حقيبة الظهر الموضوعة بجانب قدميها. يا له من موقف من الجانية التي أجبرَتني على الكذب على والديّ اللذين أحبهما. وعندما رأيتُ انشغالها بمجلتها، انتهزتُ الفرصة لاستخراج كتاب ورقي من حقيبتي، وبدأتُ أركز عليه بدلًا من ذلك. بعد أن أنهكني القدر غير العادي من الضوضاء التي كانت تحدثها منذ الصباح، لم أرغب في شيء سوى الاستسلام للقصة وترك قلبي يُشفى.
وبدا السقف الأبيض وكأنه يبتلع حتى وعيي.
سيطر عليّ التشوش.
لكن لماذا؟
“يبدو أنكِ لستِ مهتمة بالأدب حقًا، هاه.”
لسببٍ ما، يبدو أنني وقعت في الفخ مجددًا. كم مرة تكرر هذا الأمر؟
يجدر بي الوعي، ويجدر بي المعرفة، ويجدر بي الفهم.
“لنرى، حسنًا، حين نسمعها، تبدو لنا جميعها مثل لهجة كانساي نفسها، ولكن يوجد في الواقع عدد كبير من المتغيرات. كم عدد المتغيرات التي تظنين وجودها؟.”
لكن رغم ذلك، لا زلتُ أشيح بنظري.
سيطر عليّ التشوش.
أشيحُ بنظري عن واقعها.
في الواقع، بمجرّد رؤية تلك الأغراض، أصبحتُ محكومًا بمشاعر خاطئة.
بدا الأمر وكأن وحشًا ينهش قلبي.
لماذا؟
دارَت أفكاري المضطربة مرارًا وتكرارًا، وغفوتُ على السرير، وربما وصل الدوار إلى عيني.
بتعبير مختلف عمّا سبق، نظرَت إليّ مباشرة في عيني. بدت جادة بوضوح في تلك الكلمات. وبلا مخرج، أجبتُ: “سأفكر في الأمر.” وجاء ردّها المقتضب: “أرجوك افعل.” قيلت تلك الكلمات بقناعة صادقة. فتردد قلبي، الذي قرر بالفعل أننا لن نتوافق على أي حال، ولو قليلًا.
عندما استعدتُ وعيي، هزَّت الفتاة التي غسلت شعرها كتفي.
“كم هذا جميل، كنتُ أرغب في الذهاب إلى الجامعة أيضًا.”
تراجع الوحش في الوقت الراهن.
“إذن أردتَ النوم على السرير.”
اختلط السائلان معًا، مكوّنَين “كوكتيلًا” غامضًا.
“… كما قلت، أردتُ فقط التجربة مرة واحدة. هذا يكفي.”
ظننتُ أن الموقف سيُحل بطريقة ما بشكل سلمي، لكن توقعاتي سرعان ما تبددت – فقد فقدت تلك السيدة أعصابها تمامًا ودفعت الجدة بعنف. بعد دفعها، ترنحت الجدة واصطدمت بطاولة، مما تسبب في انقلابها وسقوطها على الأرض. كما تناثرت زجاجة صلصة الصويا ومجموعة من عيدان الطعام التي تستخدم لمرة واحدة.
وقفتُ وجلستُ على الأريكة.
ولضمان عدم ملاحظتها الجروح التي خلّفها الوحش، حدقتُ في التلفاز بأكبر قدرٍ ممكن من الخلو من التعبير.
شيء وددتُ معرفته عنها – لم يوجد سوى هذا.
“حقيقة.”
استعدتُ رباطة جأشي، وحقيقة تمكني من فعل ذلك القدر بعثت فيّ الاطمئنان.
بدت جادة للغاية في هذا الأمر، وأصبح تعبيرها يفيض بحيوية تفوق المعتاد. إن ما جعل البشر يتألقون هو قدرتهم على تحقيق أهدافهم رغم ضيق وقتهم. ولوقوفها بجانبي، لعلّها تألقت ببروز أكبر.
جففَت الفتاة شعرها الطويل بالمجفف المتوفر.
سادنا الطهر والبراءة.
بدا الأمر وكأن وحشًا ينهش قلبي.
“الزميل المتوافق كن، يجب أن تستحم أيضًا، الجاكوزي رائع!”
“أظن أن عليّ ذلك. لا تتلصصي، لأنني سأخلع جلدي البشري عند دخولي الحمام.”
دون النطق بكلمة واحدة، استدرت.
“هل أصبتَ بحروق الشمس؟”
“…………فهمت.”
“أجل، أظن أن هذا صحيح أيضًا.”
“صحيح أن طبيعة أوسامو دازاي الكئيبة تتجلّى عبر أجواء كتبه، لكن لا يمكن استبعاد الكلمات لمجرد أنها كئيبة كما تعلمين.”
توجهتُ إلى الحمام مع كيس “يونيكلو” المحتوي على الملابس التي اشتريتُها بالمال المقترض منها.
“أنا، أنا، أنا، أنا فعلتُها! …… همم؟.”
“ما هو الاهتمام الذي لازمكِ لأطول فترة؟.”
حيث الرطوبة في أقصاها، عبقت رائحة حلوة في الأرجاء، لكن لمعرفتي الأفضل بالأمور، اعتبرتُها مجرد نسجٍ من خيالي.
شكرًا لقراءتكم هذا الفصل.
تحسبًا لأي طارئ، أغلقتُ الباب جيدًا قبل خلعي الملابس واغتسالي تحت “الدش”.
جاءت الكلمات المفاجئة من خلفي —يبدو أنها توصّلَت أخيرًا إلى قرار، وبينما رجوتُ بكل جوارحي ألّا يكون شيئًا يهدد قلبي، أجبتُ وظهري لا يزال مواجهًا لها.
بعد انتهائي من غسل رأسي وجسدي، غمرتُ نفسي في حوض الاستحمام.
“.…لا مفر، سأشارككِ.”
تمامًا كما قالت، بمجرد تفعيل وظيفة الجاكوزي، غلفني شعور بالنعيم تعجز الكلمات عن وصفه.
“آه، يبدو هذا جيدًا، لنذهب إلى مكانٍ ما خلال العطلة الصيفية. متى تحصل كيوكو على استراحة من أنشطة النادي؟”
غُسلت ببطء الآثار التي خلّفها الوحش الذي داس على قلبي.
الحمامات رائعة.
“……أتساءل كم عدد الأشخاص الذين آذيتِهم حتى الآن.”
استمتعتُ تمامًا بحمام فندق فاخر افترضتُ عدم تذوقي لمثله لعشر سنوات قادمة على الأقل.
“أجل.”
غادرتُ الحمام ووجدتُ أضواء الثريا مطفأة، مما جعل الغرفة أكثر إعتامًا بشكلٍ ملحوظ.
بينما أنَت بصدق من الحزن والإحباط والغيظ، قلبَت هي أيضًا بطاقة. نظرتُ إلى الرقم الذي سحبَته، وأنا – الذي اقتنعتُ بأنني فزت – سال العرق على ظهري.
جلسَت الفتاة على الأريكة التي افترضتُ كونها سريري، وعلى الطاولة المستديرة كيس متجر صغير لم يوجد من قبل.
“مستحيل، سأردُ لك كل ما دفعتِه حتى الآن أيضًا.”
“اشتريتُ بعض الوجبات الخفيفة والأغراض من المتجر الصغير في الطابق السفلي! هل يمكنك إحضار كوبين من الرف هناك؟”
ألقيت نظرة على وجهها الذي بدا محبطًا، وشعرتُ بالراحة من صميم قلبي. أكبر مقاومة استطعتُ حشدها خلال الجولات العشر لهذه اللعبة هي التفوق على يدها، ولو لمرة واحدة أخرى. أقسمتُ أنه حالما تنتهي هذه الجولات العشر، لن أشاركها أبدًا في هذه الأنشطة غير المفهومة التي تسميها ألعابًا.
يونيكلو: متجر مشهور للملابس منخفضة التكلفة.
تمامًا كما طلبَت، أمسكتُ بالكوبين وأحضرتُهما إلى الطاولة.
“أجل، أظن أن هذا صحيح أيضًا.”
وبما أن الأريكة مشغولة، جلستُ على الكرسي ذي التصميم الأنيق المقابل للطاولة.
“آه، أهذا صحيح.”
أما عن مسار محادثتنا، فقد بدأت بالحديث عن حبيبها الأخير الذي يبدو أنه زميلي في الفصل أيضًا.
ومثل الأريكة، امتلك هذا الكرسي أيضًا مرونة كفيلة بتهدئة قلب أي شخص.
أمالَت رقبتها النحيلة، وقربَت وجهها مني بمسافة قريبة جدًا، وقد علَت محياها ابتسامة ساخرة. “على الرغم من أنني سأقول إنها جذابة لو اضطررت لذلك”، انتهى بي الأمر بالتفكير هكذا – وتلك أكبر زلاتي حتى الآن.
“صحيح؟ بما أن الفتيات كن أطول قامة في المدرسة الابتدائية، دخلتُ في شجارات حتى مع أضخم فتى في الفصل. حتى أنني حطمتُ بعض الأشياء، لذا تم اعتباري كطفلة مثيرة للمشاكل.”
بينما جلستُ بارتياح، أنزلَت كيس المتجر الصغير إلى الأرض، وأخرجَت منه زجاجة، وسكبَت محتوياتها في الكوبين.
علَت وجهها تعابير الدهشة، وهزّت رأسها. فتصلّب وجه موظف الاستقبال ردًا على ذلك، وعاد لتشغيل الحاسوب، بينما لا يزال يحدثها. هزّت رأسها مرة أخرى، وأنزلت حقيبة ظهرها عن كتفيها، وسلمته ورقة أخرجتها من داخلها.
ملأَتهما كليهما حتى نصف سعتهما بسائلٍ كهرماني اللون، ثم واصلَت ملأهما بمشروب غازي عديم اللون من زجاجة أخرى حتى كادا يفيضان.
“بالمناسبة، لن أظهر أي رحمة إذا اخترت القيام بتحدٍ بدلًا من ذلك.”
اختلط السائلان معًا، مكوّنَين “كوكتيلًا” غامضًا.
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، “الوحدة القتالية”، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
“لقد أكلتُه بالفعل. حسنًا، من يقلب الورقة الأكبر من داخل هذه الدائرة سيكون الفائز. وسيحصل الفائز على الحق.”
“وما هذا؟”
سرعان ما وصلت جدة لطيفة المظهر حاملة كوبين من الماء، وأخذت طلباتنا.
“لقد قلتها حقًا هاه؟”
“خمر البرقوق الممزوج بالصودا – أتساءل عمّا إذا بدَت هذه النسبة مناسبة.”
أودُ ألا يظن أحد أنني شخص ضعيف الإرادة ومغازل يوافق بسهولة على المبيت في الغرفة ذاتها مع شخص من الجنس الآخر. لوضع الأمر في سياق معين، وجدتُ بعض المشاكل المالية بيني وبينها. وبمجرد استغلال ذلك وحده، رُفض إصراري على أفضلية مكوثي في مكان منفصل.
“راودتني الفكرة منذ حساء الأحشاء، لكنكِ مجرّد طالبة في المدرسة الثانوية.”
“أنا لا أتصرف ببرود أو أي شيء، أنا فقط أحب المشروبات الكحولية. ألن تشرب؟”
الحقيقة المتمثّلة في حفاظها على وجودها بقوة العلوم الطبية.
بعد أن صنعَت وجهًا قال إنها تذكرَت شيئًا ما أخيرًا، أدخلَت يدها في جيبها وأخرجَت قطعتين مستطيلتين من الورق. أدركتُ على الفور أنهما تذكرتان.
“.…لا مفر، سأشارككِ.”
غادرنا المعبد الداخلي واتجهنا عائدين من حيث أتينا. لكن بدلًا من عبور الجسر الذي عبرناه من قبل، انعطفنا يسارًا، ومررنا ببيت الكنوز وبركة تسمى بركة السوسن. طفَت الكثير من السلاحف على الماء، فذهبنا لشراء حبيبات طعام لننثرها لها. عند النظر إلى حركات السلاحف المسترخية، شُغلتُ قليلًا عن الحرارة. خرجتُ من ذهولي حين أدركتُ بهدوء أنها بدأتْ تتحدث مع فتاة صغيرة. نظرتُ إلى وجهها المبتسم وفكرتُ: “كما هو متوقع من إنسانة هي النقيض لي تمامًا.” سألَت الفتاة الصغيرة: “أختي الكبرى، هل هو حبيبك؟” فأجابت: “لا، نحن فقط متوافقان!” أربكَت إجابتها الفتاة الصغيرة.
قرّبتُ الكوب المملوء تمامًا إلى فمي، حريصًا على عدم سكب أيٍ من خمر البرقوق.
“أليس هذا ما تتوقعينه من خيالك فقط؟”
تميّزَت أول رشفة كحول شربتها منذ فترة برائحة منعشة، وبحلاوةٍ غير متوقعة.
وبينما فكرتُ في المشكلة التي سيواجهها موظف الاستقبال، بدأتْ تملأ نموذجًا قُدم لها. لم أستمع إلى محتوى محادثتهم من هذه النقطة فصاعدًا، لكنها أعادت الورقة، وبدأ موظف الاستقبال المبتسم، بسلوكه الراقي، إدخال المعلومات في الحاسوب. وربما بعد تأكده من الحجز، التفتَ إليها وبدأ يتحدث بتهذيب.
استمتعَت هي بارتشاف حصتها من خمر البرقوق – تمامًا كما أعلنَت – بينما وزّعَت وجباتها الخفيفة على الطاولة واحدةً تلو الأخرى.
البطاقة التي سحبتُها هي—
“إلى أي حزبٍ من نكهات رقائق البطاطس تنتمي؟ أنا في حزب الكونسوميه.”
“أي شيءٍ غير الملح يعد مجرد معارضة للنظام.”
“فضلًا عن ذلك، إن رغبتِ في الذهاب حقًا، لم يتوجّب عليكِ الكذب أو أي شيء، فقط اذهبي في الرحلة بشكل صحيح. حتى أنني كنت سأرافقكِ.”
“نحن نسير حقًا في اتجاهاتٍ مختلفة هاه! لم أشترِ سوى الكونسوميه رغم ذلك – تستحق هذا.”
“حسناً، أظن أن هذا لا يخرق القواعد.”
راقبتُ الفتاة التي بدت مستمتعةً للغاية، وبالتأكيد، أصبح الخمر حلوًا جدًا.
شعرتُ بالامتلاء التام بعد حساء الأحشاء، لكن الوجبات السريعة حرّكَت شهيتي بشكلٍ غريب مجددًا.
وبينما قضمتُ رقائق بطاطس الكونسوميه الغادرة، ارتشفتُ الخمر.
بمجرد انتهائنا كِلينا من كأسنا الأول، سكبَت كأسًا ثانيًا لكلٍ منا، وقدّمَت اقتراحًا.
سواءً عددتُ ذلك تصرفًا رجوليًا أم لا، فإن الرقم لن يتغير.
“لنلعب لعبة.”
“أي شيء تتمنينه.”
“لعبة؟ هل سنلعب الشوغي حتى؟”
أودُ ألا يظن أحد أنني شخص ضعيف الإرادة ومغازل يوافق بسهولة على المبيت في الغرفة ذاتها مع شخص من الجنس الآخر. لوضع الأمر في سياق معين، وجدتُ بعض المشاكل المالية بيني وبينها. وبمجرد استغلال ذلك وحده، رُفض إصراري على أفضلية مكوثي في مكان منفصل.
تصنعتُ وجهًا رائعًا ينم عن الجهل، إن جاز لي القول، وأجبت: “كلا، إنها لعبة.” وبعيون دامعة، صرخَت: “إذن اطرح أسئلة أكثر متعة!.” وبعد ذلك، شرعَت في شرب كوب آخر من المشروب.
“أنا في مستوىً يؤهلني لفهم قواعد الشوغي على الأقل، لكنكَ تبدو لي لاعبًا قويًا.”
“أريد فقط أن ينتهي هذا بسرعة. لذا فقد استسلمتُ للأمر.”
“حسنًا أنا أحب تسومي-شوغي، لقدرتي على لعبها بمفردي.”
فكرت في الطريقة المثلى لتجنب الضرر في هذا الموقف. لم يكن ثمة مفر – فاخترت الحقيقة.
“يا للوحدة. لكنني أحضرتُ أوراق البوكر.”
استقلينا مصعدًا آخر للوصول إلى الطابق الأرضي، وبلغنا أخيرًا بوابات التذاكر. غمرني إحساس غير متوقع لحظة خروجي، لدرجة أنني شككتُ في حواسي. كما قالت سابقًا، تمكنتُ من شم رائحة الرامن. مذهل؛ ربما صحَّ القول إذن، بأن مَن يعيشون في المحافظات الحضرية يمكنهم شم رائحة الصلصة، بينما مَن يعيشون في المحافظات الريفية يمكنهم شم رائحة الأودون. لم أذهب إلى أي منهما من قبل، لذا لم أستطع إنكار هذه الاحتمالية، ولكن مَن كان يظن أن طبقًا واحدًا يمكن أن يتغلغل في حياة البشر اليومية إلى هذا الحد؟
مشَت إلى السرير، وأحضرَت علبة تحوي مجموعة أوراق بوكر من داخل حقيبتها.
“أعتقد أن اللعب بأوراق البوكر ونحن اثنان فقط أكثر وحدة. على سبيل المثال، ماذا تريدين منا أن نلعب حتى؟”
“المليونير الكبير؟”
“سيؤول الأمر لمجرد ثورةٍ تلو الأخرى ولن يوجد أي عامة.”
قهقهَت، وبدت في مزاج جيد.
مرة أخرى عاملَت كلماتي كالريح، وأغلقَت الغطاء على بينتو السكك الحديدية الذي انتهَت منه، وربطَت شريطًا مطاطيًا حوله. أعطَت حركات يدها الرشيقة انطباعًا بأنها إنسان حي تمامًا.
“إذن من هو؟”
“هممم.”
“هذا صحيح. يقولون إن الوقت يبدو أطول إن لم تكن مستمتعًا.”
بعد إخراج أوراق البوكر من العلبة البلاستيكية، بدت مفكرةً بينما اهتز جسدها جراء خلط الأوراق.
“سنة واحدة من حياتي تعادل خمس سنوات من حياة الآخرين، لذا سينجح الأمر حتمًا. ترقّب ذلك.”
ودون تطفل خاص، أخذتُ “البوكي” الذي اشترَته وقضمتُ واحدة.
“حقيقة أم تحدي؟.”
بمجرد خلطها الأوراق حوالي خمس مرات، توقفَت.
عدتُ إلى الغرفة دون إجابة. جلستُ على الأريكة، وأخذتُ جهاز التحكم عن بعد من الطاولة المستديرة أمامي، وشغلتُ التلفاز الذي ضاهى الغرفة حجمًا، وتصفحتُ القنوات. عُرض العديد من البرامج المحلية التي لا أشاهدها عادةً، وأثار الفنانون الذين يستعرضون اللهجات اهتمامي أكثر من هراء الفتاة.
وبعد إيمائها لنفسها بالموافقة مرات لا تحصى على ما يبدو لتوصلها إلى فكرةٍ ما، التفتت عيناها المتلألئة إليّ.
لهذا بدا الأمر وكأن زلزالًا ضرب قلبي من مكانٍ ما عندما وقعت عيناي على محتوياتها.
“بما أننا نشرب بالفعل، فلنساير الزخم ونلعب “الحقيقة أم التحدي” أيضًا.”
عقدتُ حاجبيّ، لسماعي اسم لعبةٍ لم أعتد سماعها.
بناءً على أمرها، اخترتُ مرةً أخرى بطاقة ثانية. بقيت تسع جولات. بدا من المستبعد تمكني من الهرب في منتصف الطريق، لذا أملتُ أن تكون جميع الأسئلة المتبقية لي. يا للأسف، يبدو أنني لم أكن محظوظًا في مثل هذه الأوقات.
“أي نوعٍ من الألعاب يحمل اسمًا ثقيلًا كهذا؟”
“لقد ملأوا جميع الغرف من النوع الذي حجزناه في الأصل.”
“ألا تعرف؟ إذن سأشرح القواعد أثناء اللعب. لكن أولًا، القاعدة الأهم. لا يمكنك الانسحاب من اللعبة مطلقًا. فهمت؟”
نظرًا لكونها فتاة ذات شبكة واسعة من المعارف، فمن المحتمل أن يكون هذا الرقم لا يحصى. بصراحة، يا لها من إنسانة آثمة. وفي هذا الصدد، أنا، من لم أتعرف على أي شخص، لن أؤذي أحدًا أبدًا. أما بخصوص أيُّنا الشخص الصالح، أعتقد أن الحكم سيكون منقسمًا.
“بمعنى آخر، لا يمكنني قلب لوحة الشوغي، أليس كذلك؟ لا بأس، لن أفعل شيئًا غير راقٍ كهذا.”
“لقد قلتها حقًا هاه؟”
“مع أن هذا لا ينبغي أن يكون الاستنتاج الرئيسي من هذه القصة.”
بدا لضحكتها الشقية نبرة بغيضة.
“لكن هذا لا علاقة له بقلة ممارستي للتمارين الرياضية.”
نقلَت جميع الوجبات الخفيفة الموجودة على الطاولة إلى الأرض، ووزعَت ببراعة أوراق البوكر المقلوبة على سطح الطاولة لتشكل دائرة.
علَت وجهها تعابير الدهشة، وهزّت رأسها. فتصلّب وجه موظف الاستقبال ردًا على ذلك، وعاد لتشغيل الحاسوب، بينما لا يزال يحدثها. هزّت رأسها مرة أخرى، وأنزلت حقيبة ظهرها عن كتفيها، وسلمته ورقة أخرجتها من داخلها.
استنتجتُ من تعبيرها نيتها استغلال فجوة الخبرة بيننا لتتغلب عليّ، وهذا بدوره أشعل حماسي – صممتُ على تلقينها درسًا أو اثنين.
لا مشكلة، لأن معظم الألعاب التي تتضمن أوراق البوكر تُعد معارك ذكاء وحظ.
“ألم أقلها؟ أن تحـ~ـملـ~ـنـي.”
لن تفيد الخبرة كثيرًا بمجرد فهمي القواعد.
“مثل الذهاب في رحلة مع صبي، وتناول رامين تونكوتسو في مكان ابتكاره، وعلى الرغم من أننا انطلقنا في هذه الرحلة للتو، فإن الهدف الأخير لي اليوم يكمن في تناول حساء الأحشاء في العشاء. إذا تمكنتُ من تحقيق ذلك اليوم، سأغدو سعيدة للغاية. الزميل المتوافق كن، هل هناك أي مكان آخر تريد الذهاب إليه؟”
وطوال بقية عطلة نهاية الأسبوع، انعدم أيّ اتصالٍ منها على الإطلاق. وكالعادة، لزمتُ غرفتي أقرأ الكتب، ولم أغادرها إلا بمفردي وقت الظهيرة قاصدًا المتجر لشراء بعض الآيس كريم. وبعد إمضائي ما تبقى من اليومين دون أيّ أحداثٍ تُذكر، أدركتُ في ليلة الأحد حقيقةً ما.
“بالمناسبة، نحن نستخدم أوراق البوكر لتوفرها لدينا بالصدفة، لكن استخدام حجر-ورقة-مقص سيفي بالغرض أيضًا.”
“… أعيدي إليّ حماسي.”
تلك هي المرة الأولى التي شعرتُ فيها ببوادر القلق في قلبي.
“لقد أكلتُه بالفعل. حسنًا، من يقلب الورقة الأكبر من داخل هذه الدائرة سيكون الفائز. وسيحصل الفائز على الحق.”
لستُ أعرف.
رفعَت زاويتي شفتيها ببطء.
“الحق؟”
“إذا توجّب عليّ اختيار شيء ما، أظن أنني أحببت الأفلام دائمًا.”
الرقم 13 من البستوني – وإذا بها ورقة الملك.
“الحق في سؤاله: “الحقيقة أم التحدي؟” بالحديث عن ذلك، أظنُ أن عشر جولات ستفي بالغرض. حاليًا، اختر ورقة وحسب.”
انصياعًا للطلب، قلبتُ بطاقة. إنها 8 بستوني.
قهقهَت بطريقة خلتُ أن سكان الجحيم وحدهم يضحكون بها، وبدا الخبث يكمن بوضوح في عينيها.
قبل تمكني حتى من استجماع رد، صاحَت: “قل شيئًا على الأقل! هذا محرج!.”
“ماذا لو اخترنا كلينا بطاقتين تحملان الرقم نفسه؟”
“أول هبوط لنا! واااه! أستطيع شم رائحة الرامن!”
“لدي بضعة شروط.”
“سيكون ذلك مزعجًا بخلاف ذلك، لذا سنختار بطاقةً أخرى وحسب. ذكرتُ هذا سابقًا أيضًا، ولكن بما أنني اختلقتُ القاعدة لمناسبتها، فهذه اللعبة لا علاقة لها بالبوكر نفسه.”
بالنسبة لشخص مثلها، قالت شيئًا ذا مغزى.
هذه المرة شربَت خمر البرقوق خاصتها بينما تقلب بطاقة. إنها 11 قلوب.
بعد قولها ذلك، وكأنها فكرَت في شيءٍ ما، أخرجَت “مذكرات التعايش مع المرض” من حقيبتها وكتبت ملاحظة. كثيرًا ما رأيتُ هذا السلوك عند مراقبتها.
لم أفهم حقًا، لكنني أدركتُ وقوعي في وضع غير مواتٍ بالتأكيد، لذا تأهبتُ.
“ليس حقًا، أنا غير مهتم بالمعالم السياحية بشكل أساسي، لذا لا أعرف أي أماكن يمكننا الذهاب إليها. قلتُ ذلك بالفعل في رسالة الأمس، لكنني لا أمانع الذهاب إلى أي مكان تريدين قصده.”
“ياااي، إذن أملك الحق الآن. سأسألك الآن “الحقيقة أم التحدي؟” وأولًا، ستقول “الحقيقة”. حسنًا، الحقيقة أم التحدي؟”
“الحقيقة… ثم ماذا؟”
“إذن فهي أقل من نعمة صغيرة؟”
“إذن كبداية، من تظن الألطف في فصلنا؟”
“نحن نسير حقًا في اتجاهاتٍ مختلفة هاه! لم أشترِ سوى الكونسوميه رغم ذلك – تستحق هذا.”
“………… ما الذي تسألينه فجأةً؟”
“أجل.”
“هذه لعبة الحقيقة أم التحدي، أتعلم؟ إذا عجزت عن الإجابة، فيتحتم عليك اختيار التحدي. وإذا اخترتَ التحدي، فسأقرر ما عليك القيام به كجزء من التحدي. سواءً الحقيقة أم التحدي، لا يمكنك بأي حالٍ تجنب اختيار أحدهما.”
“بقيت جولتان؛ سأسحب الآن – الرقم 11 من البستوني.”
“يا لها من لعبة شيطانية.”
“مهلًا، أيها الزميل المتوافق كن، أعتذر، لكن هذه المرة، هل يمكنك الاختيار بعد أن أكشف عن كل من السؤال والترتيب؟.”
“الزميل المتوافق كن.”
“لقد قلتُ ذلك من قبل، لكن لا يمكنكَ التراجع الآن. ألم توافق على ذلك أيضًا؟ لن تفعل أي شيء غير راقٍ، أليس كذلك؟”
ظنًا مني أن إظهار استيائي مثّل جزءًا من خطتها، ظللتُ خاليًا من التعبير أمامها، وهي تضحك بشكلٍ بغيض بينما تشرب الخمر.
يا له من أمر مزعج.
لا، الاستسلام مبكر جدًا. لا بد من وجود مخرج في مكانٍ ما.
وطوال بقية عطلة نهاية الأسبوع، انعدم أيّ اتصالٍ منها على الإطلاق. وكالعادة، لزمتُ غرفتي أقرأ الكتب، ولم أغادرها إلا بمفردي وقت الظهيرة قاصدًا المتجر لشراء بعض الآيس كريم. وبعد إمضائي ما تبقى من اليومين دون أيّ أحداثٍ تُذكر، أدركتُ في ليلة الأحد حقيقةً ما.
“هل توجد مثل هذه اللعبة حقًا؟ هل أنتِ متأكدة من عدم اختراعك لها في التو واللحظة؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا أصر على إبطال ذلك لموافقتي على عدم الانسحاب من اللعبة.”
ومثل الأريكة، امتلك هذا الكرسي أيضًا مرونة كفيلة بتهدئة قلب أي شخص.
بعد استلامها المفتاح وما شابه، عادَت ورأسها منخفض مرة أخرى. نظرتُ إلى وجهها وقلتُ لها: “يبدو أنك واجهتِ بعض المشاكل، هاه.” ردّت على جهودي بتعبيرات وجهها. أولًا، ضمت شفتيها، مظهرة حرجها وخوفها، ثم نظرت خلسة إلى تعبيري، وأخيرًا – وكأنها تخلصت من كل ذلك – ابتسمَت ابتسامة عريضة.
“يا للأسف، هاه. هل تظن حقًا أنني من نوع البشر الذي لا يفكر في خططه جيدًا؟”
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان، واحفظ المسلمين في جميع البلدان التي تعاني من الفتن والحروب، إنك على كل شيء قدير.
“لا أعرف هذه المنطقة لذا سأترك الأمر لكِ فحسب.”
“أظن ذلك.”
“بقيت جولتان؛ سأسحب الآن – الرقم 11 من البستوني.”
“مواهاها، إنها لعبة كاملة ظهرت حتى في العديد من الأفلام. أؤكد لك أنها حقيقية لبحثي عنها جيدًا بعد رؤيتها في فيلم ذات مرة. لذا شكرًا لك على تكبد العناء لإعادة التأكيد على عدم انسحابك من اللعبة.”
قهقهَت بطريقة خلتُ أن سكان الجحيم وحدهم يضحكون بها، وبدا الخبث يكمن بوضوح في عينيها.
بناءً على أمرها، اخترتُ مرةً أخرى بطاقة ثانية. بقيت تسع جولات. بدا من المستبعد تمكني من الهرب في منتصف الطريق، لذا أملتُ أن تكون جميع الأسئلة المتبقية لي. يا للأسف، يبدو أنني لم أكن محظوظًا في مثل هذه الأوقات.
لسببٍ ما، يبدو أنني وقعت في الفخ مجددًا. كم مرة تكرر هذا الأمر؟
“دعنا لا ننتهك النظام العام والآداب في “حقائقنا وتحدياتنا” – آه، لكنكَ لم تجرب أي شيء إباحي من قبل هاه، يا للمصيبة، عليك أن تتذكر التحكم بنفسك حسنًا.”
بدا أن نبرة صوتها اكتسَت بالجدية، وقبل أن أدرك ذلك، تركَت الصديقة المقربة في حيرة من أمرها. اعتقدتُ أن ذلك طبيعي فحسب. ففي النهاية، تركَت الفتاة صديقتها المقربة خلفها لتذهب في رحلة مع زميل دراسة غير مألوف.
“اصمتي أيتها الغبية.”
بينما تساءلتُ عما إذا حان الوقت للحصول على وظيفة بدوام جزئي، دُفعت برتقالة أمام عيني مباشرة.
لا، الاستسلام مبكر جدًا. لا بد من وجود مخرج في مكانٍ ما.
“يا للقسوة!.”
استقلينا مصعدًا آخر للوصول إلى الطابق الأرضي، وبلغنا أخيرًا بوابات التذاكر. غمرني إحساس غير متوقع لحظة خروجي، لدرجة أنني شككتُ في حواسي. كما قالت سابقًا، تمكنتُ من شم رائحة الرامن. مذهل؛ ربما صحَّ القول إذن، بأن مَن يعيشون في المحافظات الحضرية يمكنهم شم رائحة الصلصة، بينما مَن يعيشون في المحافظات الريفية يمكنهم شم رائحة الأودون. لم أذهب إلى أي منهما من قبل، لذا لم أستطع إنكار هذه الاحتمالية، ولكن مَن كان يظن أن طبقًا واحدًا يمكن أن يتغلغل في حياة البشر اليومية إلى هذا الحد؟
بغض النظر عن مدى أملي وتمنياتي، لم يوجد ما يغير حقيقة أنني في ذلك الوقت لم ألاحظ بوادر الشذوذ التي بدأت – ربما لأنني شخصية [في رواية]. حتى في الروايات، الوحيدون الذين يعرفون إعداد الفصل الأول هم القراء. الشخصيات نفسها لا تعرف شيئًا واحدًا.
أفرغَت المشروب في كوبها، وسكبَت لنفسها كأسًا ثالثًا. أشارَت نصف ابتسامتها الدائمة إلى أن بعض الكحول قد بدأ بالفعل يسري في جسدها. بالمناسبة، احتقن وجهي بالحرارة منذ فترة.
“إذن، أولًا، سؤالي هو: من تظن أنها الألطف في فصلنا؟.”
“ألا يفترض بك السعادة للنوم مع فتاة؟.”
“في هذه الحالة، سأستلقي على السرير لفترة قصيرة لاحقًا.”
“أنا لا أحكم على الناس بمظهرهم كما تعلمين.”
“الشخصية لا تهم حقًا، الأمر يتعلق بمن تعتقد أن لديها أجمل وجه.”
وبعد إيمائها لنفسها بالموافقة مرات لا تحصى على ما يبدو لتوصلها إلى فكرةٍ ما، التفتت عيناها المتلألئة إليّ.
“………….”
ومع ذلك، ربما كُتب اسمي بالفعل مع الحلقات المتعلقة بالياكينيكو والحلوى، ولكن خلال اليومين اللذين أعقبا ذهابنا إلى “جنة الحلويات”، لم يكن من المفترض أن يظهر اسمي في “مذكرات التعايش مع المرض.”
“بالمناسبة، لن أظهر أي رحمة إذا اخترت القيام بتحدٍ بدلًا من ذلك.”
لكن رغم ذلك، لا زلتُ أشيح بنظري.
بعد أن استعدنا نشاطنا بفضل الوجبة الدسمة، ركبنا قطارنا التالي بسرعة. لم يكن ثمة داعٍ للاستعجال، لأن ضريح معبود الدراسة الذي أرادت زيارته يقع على بعد حوالي ثلاثين دقيقة بالقطار، ولكن بما أن قائدة رحلتنا طلبَت منا الإسراع، فقد اتبعتُ خطاها ببساطة.
لم أستشعر سوى نذر الشؤم من ذلك.
اقتربتُ من السرير الذي شغلته وألقيتُ بجسدي عليه.
فكرت في الطريقة المثلى لتجنب الضرر في هذا الموقف. لم يكن ثمة مفر – فاخترت الحقيقة.
تلك النصيحة الحمقاء التي تلقيتُها، لكنني لم أنظر إليها حتى وهي تدخل الحمام.
“أظن أن تلك الفتاة جميلة. تلك الفتاة البارعة في الرياضيات.”
بمجرد أن انتهينا من وجبتنا، فتحَت مجلتها على الطاولة.
“آه!! تعني هينا! إن لديها أصل ألماني كما تعلم. همم، إذن أنت تحب هذا النوع من الفتيات. رغم أن هينا جميلة، لا أظن أن لديها حبيبًا أو أي شيء، ولو كنتُ فتًى لاخترتُ هينا أيضًا على الأرجح. لديكَ ذوق جيد هاه!.”
“كم هذا جميل، كنتُ أرغب في الذهاب إلى الجامعة أيضًا.”
“قولكِ إن لدي ذوقًا جيدًا فقط إذا وافق رأيكِ، يعني أن لديكِ غرورًا هائلًا حقًا.”
“أوه، يا لصدقك الشديد. إذن، هل استمتعت؟”
شربتُ المزيد من الخمر. وصرتُ أكثر تبلدًا تجاه الطعم مما كنتُ عليه سابقًا.
بعينين محمرتين جراء كحول الليلة الماضية، وبمظهر يوحي باستمتاعها بوقتها، وجهَت خط بصرها إلي. أردت دفن وجهي بين يدي، لكن لسوء الحظ، انشغلت كلتاهما بحمل فرشاة الأسنان والكوب.
“هيا، أيها الزميل المتوافق كن، قلها.”
بناءً على أمرها، اخترتُ مرةً أخرى بطاقة ثانية. بقيت تسع جولات. بدا من المستبعد تمكني من الهرب في منتصف الطريق، لذا أملتُ أن تكون جميع الأسئلة المتبقية لي. يا للأسف، يبدو أنني لم أكن محظوظًا في مثل هذه الأوقات.
حصلتُ على ورقة الاثنين من القلوب، وحصلت هي على الستة من الماس.
وبينما قضمتُ رقائق بطاطس الكونسوميه الغادرة، ارتشفتُ الخمر.
“ووهو، أظن أن السماء تحابي الأطفال ذوي القلوب الطيبة.”
لأول مرة منذ فترة، خيم الصمت على المكان المظلم. ربما كجزء من تكلفة الفندق، كادَت الأصوات القادمة من الخارج تنعدم —حتى ضجيج الغرف المجاورة لم يتسرب إلينا. بشكل مزعج، ونظرًا لكوني ثملًا، سمعتُ أصوات تنفسي ونبضات قلبي بوضوح. كما تناهَت إلى مسامعي أنفاسها المنتظمة والعميقة. ظننتُ أنها قد غفت، لكن عندما نظرتُ إليها، بدت عيناها مفتوحتين على مصراعيهما، ومحدقتين بثبات في السقف المظلم.
“فجأةً غدوتُ عاجزًا عن الإيمان بأي معبود.”
سئمتُ من شرح أمور كهذه، وأظن أنه لو استطاع أي شخص قراءة ما في قلبي، لكان تطور هذه الحالة واضحًا تمامًا، لكنها تغلبَت عليّ، وانتهى بي الأمر بالمبيت في الغرفة ذاتها.
تميّزَت أول رشفة كحول شربتها منذ فترة برائحة منعشة، وبحلاوةٍ غير متوقعة.
“حقيقة أم تحدي؟.”
“لقد ملأوا جميع الغرف من النوع الذي حجزناه في الأصل.”
“……حقيقة.”
سادنا الطهر والبراءة.
“إذا عُدّت هينا الأولى في الفصل، من حيث المظهر فحسب، فأين أقع أنا؟.”
“…………من بين وجوه البشر الذين أستطيع إجبار نفسي على تذكرهم – الرقم ثلاثة.”
فكرتُ في تزويد نفسي بقوة الكحول، فشربتُ المزيد من مشروبي. وفي الوقت ذاته، رفعَت هي أيضًا كوبها إلى فمها، وشربت بنهامة أكبر مني.
“واو، أنا من طرح السؤال بنفسي، لكنني محرجة للغاية! أعني من كان يتوقع أن يجيب الزميل المتوافق كن بصراحة تامة هكذا – هذا كثير جدًا.”
مستخدمًا اسمي الأول واسم عائلتي كأساس، حضر في ذهني كاتبان.
“لكنني أحظى بالكثير من المرح.”
“أريد فقط أن ينتهي هذا بسرعة. لذا فقد استسلمتُ للأمر.”
عقدتُ حاجبيّ، لسماعي اسم لعبةٍ لم أعتد سماعها.
ربما بسبب المشروب، تورد وجهها حمرةً.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ووفّقنا لما تحب وترضى، وثبّت أقدامنا على صراطك المستقيم.
“يو، زميلي العادي، هل تواعد ياماوتشي؟”
“أيها الزميل المتوافق كن، تمهل فحسب، فالليل طويل.”
“آه، إلى أين نحن ذاهبون؟ نحن ذاهبون لمقابلة معبود الدراسة. لكن قبل ذلك، سنتناول الغداء.”
“هذا صحيح. يقولون إن الوقت يبدو أطول إن لم تكن مستمتعًا.”
“يبدو أنكِ لستِ مهتمة بالأدب حقًا، هاه.”
“لكنني أحظى بالكثير من المرح.”
بدا لضحكتها الشقية نبرة بغيضة.
قالت ذلك وهي تصب كأسين آخرين من مشروب البرقوق. ونظرًا لنفاد الصودا، ملأت الكأسين حتى الحافة بمشروب البرقوق القوي. وحتى دون تذوقه، أمكنني إدراك مدى حلاوته من الرائحة المنبعثة منه.
“إذا عُدّت هينا الأولى في الفصل، من حيث المظهر فحسب، فأين أقع أنا؟.”
“فهمت، إذن أنا ثالث ألطف فتاة هاه. إيهيهيهيهي.”
“لا تكترثي بذلك، سأسحب بطاقتي. حسنًا، الرقم 12 من الماس.”
“أي شيء تتمنينه.”
“ألا تنوي حقًا التحمس لهذه اللعبة؟ ها أنا قادمة – واااه، الرقم 2 من القلوب.”
“الزميل المتوافق كن.”
ألقيت نظرة على وجهها الذي بدا محبطًا، وشعرتُ بالراحة من صميم قلبي. أكبر مقاومة استطعتُ حشدها خلال الجولات العشر لهذه اللعبة هي التفوق على يدها، ولو لمرة واحدة أخرى. أقسمتُ أنه حالما تنتهي هذه الجولات العشر، لن أشاركها أبدًا في هذه الأنشطة غير المفهومة التي تسميها ألعابًا.
“ألم تكن قيمة يوم واحد في حياة الإنسان ثابتة؟”
“هيا، أيها الزميل المتوافق كن، قلها.”
“آآآه، حقيقة أم تحدي؟.”
وبينما ما زلتُ أنظر إلى الفتاة التي نفخَت خديها في انزعاج مصطنع، فضضتُ غلاف الهدية التذكارية التي اشتريتُها لنفسي. وبعد إعطائها حصة من الوجبات الخفيفة، قضمتُ بنفسي وجبة خفيفة من نوع الخبز المطهو بالبخار. بدا طعم الزبدة حلوًا للغاية.
تصنعتُ وجهًا رائعًا ينم عن الجهل، إن جاز لي القول، وأجبت: “كلا، إنها لعبة.” وبعيون دامعة، صرخَت: “إذن اطرح أسئلة أكثر متعة!.” وبعد ذلك، شرعَت في شرب كوب آخر من المشروب.
“حقيقة!.”
“مواهاها، إنها لعبة كاملة ظهرت حتى في العديد من الأفلام. أؤكد لك أنها حقيقية لبحثي عنها جيدًا بعد رؤيتها في فيلم ذات مرة. لذا شكرًا لك على تكبد العناء لإعادة التأكيد على عدم انسحابك من اللعبة.”
“إممم، هذا صحيح، همم.”
“كلا، لن أقف. لأنني لا أستطيع وضع أي قوة في ساقي.”
تساءلت عما أريد معرفته عنها، وفكرتُ في الأمر فورًا.
“أجل، إنه للأكل في الشينكانسن. هل ستحصل على واحد أيضًا؟”
شيء وددتُ معرفته عنها – لم يوجد سوى هذا.
“حسنًا، لقد قررت.”
“كم هذا جميل، كنتُ أرغب في الذهاب إلى الجامعة أيضًا.”
“يا لك من ناضج، هل تريد بعض العلكة؟”
“بدأ هذا يجعل قلبي يخفق بشدة!.”
“أي نوع من الأطفال كنتِ؟.”
“………….”
“………… إمم، هل هذا لا بأس به حقًا؟ كنت مستعدة حتى للكشف عن قياساتي الثلاثة* على الأقل.”
“.…لا مفر، سأشارككِ.”
“اصمتي أيتها الغبية.”
سمعتُ عن مكان إقامتنا منها في وقت سابق من بعد الظهر. وهو فندق راقٍ إلى حد ما متصل بمحطة الشينكانسن التي وصلنا إليها، ويبدو مشهورًا حتى داخل المحافظة. نوَت في الواقع الإقامة في فندق أعمال بسيط، ولكن عند إبلاغ والديها بخططها، اقترحا عليها الإقامة في مكانٍ أفضل، وقدموا لها دعمًا ماليًا. وبما أنها قطعت كل هذه المسافة، فلا سبب يمنع الاستفادة من لطفهم – بدا الأمر من هذا القبيل. بالطبع، خُصص نصف المال الذي دفعه والداها للصديقة المقربة، لكن المسؤولية عن ذلك تقع عليها، لذا ليس الأمر من شأني.
“يا للفظاعة!.”
“مهلًا….”
“لقد أكلتُه بالفعل. حسنًا، من يقلب الورقة الأكبر من داخل هذه الدائرة سيكون الفائز. وسيحصل الفائز على الحق.”
مالت إلى الخلف ونظرَت نحو الأعلى، وبدَت مستمتعة. بالطبع، لم تكن النية وراء سؤالي هي السماع عن ذكرياتها العزيزة. ما أردتُ معرفَته هو كيف تكوّن إنسان مثلها. أردت أن أعرف كيف نشأت هي – نقيضتي – وكيف أثّر البشر المحيطون بها عليها، وكيف أثّرت هي عليهم.
يكمن السبب ببساطة في أنني وجدت الأمر غامضًا. تساءلتُ عن مدى اتساع الفجوة بين حياتينا التي أدّت لترسيخ طبائعنا المختلفة. كنت مهتمًا بمعرفة ما إذا كان ممكنًا أن أصبح مثلها بخطوة خاطئة واحدة.
“لعبة؟ هل سنلعب الشوغي حتى؟”
“كيف كنتُ وأنا طفلة هاه – على أية حال، قيل لي إنني كنتُ كثيرة الحركة.”
بينما نظرتُ إلى الفتاة التي غضبت من أجل العدالة، والتي باتت أيامها معدودة، فكرت أن أبناء الشياطين يملكون حقًا حظ الشياطين.
“هذا منطقي، يمكنني تخيل ذلك بسهولة.”
أفسدتْ تخميناتها حول ظروف الناس مزاجي نوعًا ما، لكنها أصابت كبد الحقيقة عندما قالت إنني متفرغ، ولم أمتلك أي سبب لرفضها، لذا أجبت: “لا مانع لدي من الذهاب إلى أي مكان تريدين الذهاب إليه قبل أن تموتي.”
“صحيح؟ بما أن الفتيات كن أطول قامة في المدرسة الابتدائية، دخلتُ في شجارات حتى مع أضخم فتى في الفصل. حتى أنني حطمتُ بعض الأشياء، لذا تم اعتباري كطفلة مثيرة للمشاكل.”
والواقع أن ثمة رابطاً قد يكون بين حجم جسد المرء وشخصيته. ولطالما امتلكتُ جسدًا صغيرًا وضعيفًا. لعل هذا هو السبب في أنني أصبحت إنسانًا انطوائيًا.
بغض النظر عن مدى تعارضنا مع بعضنا البعض، لم أعتد أبدًا إخلاف الوعود، لذا رددت بـ “حسنًا” أخيرة وتركتُ هاتفي المحمول على مكتبي.
“7.”
“هل هذا القدر كافٍ؟.”
في هذا العالم، توجد فكرة مفادها أن ذنوب الجناة والمتفرجين تحمل نفس الوزن. في هذه الحالة، لم أختلف عن تلك السيدات، ولذا امتنعتُ عن إدانتهن بشدة.
“إذن من هو؟”
“أظن ذلك، فلننتقل إلى التالي.”
أصرّت على رأيها، وبينما حاولتُ إقناعها بخلاف ذلك، لعبَت ورقتها الرابحة – رسائل الأمس. وهكذا تم استغلال نيتي في عدم نكث الوعد أبدًا.
“لنلعب لعبة.”
بعد ذلك، بدا أن الأقدار تحابي حقًا الأطفال الطيبين، وبطريقة أو بأخرى أحرزتُ خمسة انتصارات متتالية. اختفت الفتاة الفخورة التي حضرَت عند بداية اللعبة، تاركة الفتاة التي تخلت عنها الأقدار هي وبنكرياسها، والتي شربَت المزيد من المشروب مع كل خسارة ودخلت في مزاج سيء. لا، توخيًا للدقة، استاءَت كلما سمعت أسئلتي. ومع تبقي جولتين فقط، احمرّ وجهها حمرةً قانية وأطبقَت شفتيها، وبدت على وشك الانزلاق عن الأريكة. بدت كطفلة عابسة.
“مستحيل، سأردُ لك كل ما دفعتِه حتى الآن أيضًا.”
بالمناسبة، فيما يلي الجولات الخمس من الأسئلة والأجوبة التي جعلَتها تقول: “هل هذه مقابلة؟.”
“أي شيء تتمنينه.”
“ما هو الاهتمام الذي لازمكِ لأطول فترة؟.”
ولابتهاجها بآفاق مستقبلها، اشترَت بعض الأدوات للتدرّب بها من متجر متخصص في بيع أدوات السحر داخل المرفق. وطوال عملية شرائها، لم أدخل المتجر. فبما أنها ستؤدي العروض أمامي أيضًا يومًا ما، فلا طائل من مساعدتي لها في الاختيار – ذاك هو السبب. ولما لم يكن باليد حيلة، شاهدتُ الإعلان التجاري لأدوات السحر المعروض في واجهة المتجر رفقة بعض طلاب المدارس الابتدائية.
“إذا توجّب عليّ اختيار شيء ما، أظن أنني أحببت الأفلام دائمًا.”
علَت وجهها تعابير الدهشة، وهزّت رأسها. فتصلّب وجه موظف الاستقبال ردًا على ذلك، وعاد لتشغيل الحاسوب، بينما لا يزال يحدثها. هزّت رأسها مرة أخرى، وأنزلت حقيبة ظهرها عن كتفيها، وسلمته ورقة أخرجتها من داخلها.
“الزميل المتوافق كن.”
“من الشخصية المشهورة التي تحترمينها أكثر من غيرها ولماذا؟.”
“لستُ متألمًا. أنا أيضًا أتجنبها، لذا نحن متعادلان.”
سرعان ما وصلت جدة لطيفة المظهر حاملة كوبين من الماء، وأخذت طلباتنا.
“تشيوني سوغيهارا! الشخص الذي منح التأشيرات للـ****. أعتقد أنه رائع للغاية لأنه مضى قدمًا فيما اعتقد هو نفسه أنه صواب.”
“راودتني الفكرة منذ حساء الأحشاء، لكنكِ مجرّد طالبة في المدرسة الثانوية.”
“ما هي نقاط قوتكِ وضعفكِ في رأيكِ؟.”
تلك النصيحة الحمقاء التي تلقيتُها، لكنني لم أنظر إليها حتى وهي تدخل الحمام.
مستخدمًا اسمي الأول واسم عائلتي كأساس، حضر في ذهني كاتبان.
“نقطة قوتي هي أنني أستطيع التوافق مع الجميع، ولستُ واثقة تمامًا بشأن نقطة ضعفي، لكن أظن أنها سهولة تشتت انتباهي.”
اللهم احفظ أهلنا في غزّة، وارفع عنهم الظلم والبلاء، وانصرهم نصرًا عزيزًا.
“ماذا لو اخترنا كلينا بطاقتين تحملان الرقم نفسه؟”
“ما هي أسعد لحظة في حياتكِ؟.”
نظرتُ في الاتجاه الآخر، وسمعتُها تقهقه. لم تنبس ببنت شفة بعد أن توقفت عن الضحك.
“إذن من هو؟”
“هيهي، أظن أنها لقاؤك. تيهي.”
“نقطة قوتي هي أنني أستطيع التوافق مع الجميع، ولستُ واثقة تمامًا بشأن نقطة ضعفي، لكن أظن أنها سهولة تشتت انتباهي.”
“دون احتساب الأمور المتعلقة ببنكرياسك، ما هي أكثر اللحظات إيلامًا في حياتكِ؟.”
“لا تسأليني ما الخطب! أنا أسألكِ أين أنتِ!”
“أظن أنها حين مات الكلب الذي رافقني دائمًا عندما كنتُ في المدرسة الإعدادية………… مهلًا، هل هذه مقابلة؟.”
“ووهو، أظن أن السماء تحابي الأطفال ذوي القلوب الطيبة.”
تصنعتُ وجهًا رائعًا ينم عن الجهل، إن جاز لي القول، وأجبت: “كلا، إنها لعبة.” وبعيون دامعة، صرخَت: “إذن اطرح أسئلة أكثر متعة!.” وبعد ذلك، شرعَت في شرب كوب آخر من المشروب.
“الزميل المتوافق كن، هل يمكنك إحضار كريم تنظيف الوجه من حقيبتي؟”
دارَت أفكاري المضطربة مرارًا وتكرارًا، وغفوتُ على السرير، وربما وصل الدوار إلى عيني.
“اشربي.”
جاء محتوى الرسالة كما يلي:
بعد أن استعدنا نشاطنا بفضل الوجبة الدسمة، ركبنا قطارنا التالي بسرعة. لم يكن ثمة داعٍ للاستعجال، لأن ضريح معبود الدراسة الذي أرادت زيارته يقع على بعد حوالي ثلاثين دقيقة بالقطار، ولكن بما أن قائدة رحلتنا طلبَت منا الإسراع، فقد اتبعتُ خطاها ببساطة.
وحتى لا أسيء إلى السكيرة التي واجهتني بنظرة فظة، شربتُ بعض المشروب أيضًا. وبذلك، صرتُ أنا أيضًا ثملًا إلى حدٍ ما، لكنني ظللتُ أفضل منها في الحفاظ على وجه خالٍ من التعبير.
“اصمتي أيتها الغبية.”
“بقيت جولتان؛ سأسحب الآن – الرقم 11 من البستوني.”
بالطبع، عاد هذا ليلاحقني لاحقًا. توجّب علي ببساطة أن أعرف أنه لا يجب ترك اتخاذ القرار لها.
“ماذا! لم هي قوية جدًا، غااه!.”
“اشربي.”
بينما أنَت بصدق من الحزن والإحباط والغيظ، قلبَت هي أيضًا بطاقة. نظرتُ إلى الرقم الذي سحبَته، وأنا – الذي اقتنعتُ بأنني فزت – سال العرق على ظهري.
الرقم 13 من البستوني – وإذا بها ورقة الملك.
“هذا ليس بعيدًا عن الحقيقة. لقد بدأتُ القراءة بسبب ذلك فعلًا، لكنني أحب الكتب لأنني أجدها مثيرة للاهتمام.”
“أنا، أنا، أنا، أنا فعلتُها! …… همم؟.”
ربما بسبب المشروب، تورد وجهها حمرةً.
يبدو أن الكحول قد وصل إلى ساقي الفتاة التي هتفَت ووقفَت في آن واحد، لذا ترنحَت وسقطَت عائدة على الأريكة. وبمظهر مختلف تمامًا عن ذي قبل، قهقهَت على الحالة غير الطبيعية لجسدها.
“مهلًا، أيها الزميل المتوافق كن، أعتذر، لكن هذه المرة، هل يمكنك الاختيار بعد أن أكشف عن كل من السؤال والترتيب؟.”
“هذا رائع جدًا، هاه.”
“مذكرات التعايش مع المرض” هي، في جوهرها، وصيتها – هذا ما أعتقده. في ذلك الكتاب الورقي غير المستخدم، تدون الأشياء اليومية التي تراها وتشعر بها، تاركة إياها وراءها. من الواضح أن طريقة التسجيل هذه امتلكت قواعد خاصة بها.
“إذن كشفتِ أخيرًا عن معدنكِ الحقيقي هاه، ناهيك عن الأسئلة، أنتِ تريدين فقط إلقاء الأوامر.”
تخلَّت عن الشرفة، وأغلقَت الباب الزجاجي، وتخطتني لتجلس على السرير. وتخيلتُ من تعبير وجهها حين صرخت “واه” مدى مرونة السرير. حسنًا، لا ضير من تجربة نوابضه قليلًا.
“سأتحقق من التقويم وأتصل بك لاحقًا، حسنًا —وكأن ذلك سيحدث!”
“آآآه، أجل، أجل، إنها لعبة حقيقة أم تحدٍ في نهاية المطاف.”
“حسناً، أظن أن هذا لا يخرق القواعد.”
لم أحتج لطلب المغفرة من أي شخص.
“كيف عرفتِ؟”
“حسناً، حقيقة أم تحدٍ؟ للحقيقة، أخبرني بثلاثة أشياء تظن أنها لطيفة فيّ. للتحدي، احملني إلى السرير.”
إذا لاحظتم أي خطأ أو لديكم ملاحظة حول الترجمة، يُرجى مشاركتها عبر التعليقات أو روم الرواية في سيرفر ملوك الروايات على الديسكورد، يوزري على الديسكورد: readandrise
بدأ جسدي يتحرك من تلقاء نفسه، ربما حتى قبل أن تتوقف عن الكلام. في هذه الحالة، إن اخترتُ الحقيقة، سأضطرُ في النهاية إلى تحريكها على أية حال، لذا انتفى مجال التردد في اختيار الخيار الذي يتيح لي ضرب عصفورين بحجر واحد. ناهيك عن أن السؤال الذي طرحَته للحقيقة يُعد بغيضًا للغاية.
“سأتحقق من التقويم وأتصل بك لاحقًا، حسنًا —وكأن ذلك سيحدث!”
عند وقوفي، انتابني انطباع خاطئ بأن جسدي أخف من المعتاد. توجهتُ نحو الأريكة التي جلسَت عليها. قهقهَت، وبدت مستمتعة. ظهر أن الكحول قد صعد إلى رأسها. وتفكيرًا مني في مد يد العون لها، بسطتُ كفي أمام عينيها مباشرة. وحين فعلتُ ذلك، توقفَت ضحكتها العالية.
“ما شأن هذه اليد؟.”
“نعم، لذا، وبما أن تلك مسؤوليتهم، يبدو أنهم سيجهزون لنا غرفة أفضل بكثير من تلك التي حجزناها.”
“أنا أمد لك يد العون، فهيا، قفي.”
“أنت لست صادقًا، هاه. بهذه الطريقة، ألن تعود إلى الوحدة بمجرد رحيلي؟”
“كلا، لن أقف. لأنني لا أستطيع وضع أي قوة في ساقي.”
نظرًا لتوفر الكثير من الوقت بين يدي، نظرتُ إلى الخارج عبر الفتحة بين الستائر. لا تزال الشوارع المزدحمة تتلألأ بأضواء صناعية، ولا تبدي أي رغبة في النوم.
“لستُ متألمًا. أنا أيضًا أتجنبها، لذا نحن متعادلان.”
رفعَت زاويتي شفتيها ببطء.
“ألم أقلها؟ أن تحـ~ـملـ~ـنـي.”
“………….”
“هل هذا القدر كافٍ؟.”
“يبدو أن دراسة اللهجات كعمل سيكون أمرًا ممتعًا.”
“هيا، هيا، قد يكون الحمل على الظهر جيدًا، أو ربما حتى حمل الأميـ- واااه!.”
“بما أنني لم أرغب في إقلاق والديّ، فقد كذبتُ عليهما بشأن وجود أصدقاء لي. لذا أخبرتهما أنني سأقيم في منزل صديق.”
مزحة استحال الضحك عليها —فكرتُ وأنا أستمع، وأعطَت هي ردًا صعب الضحك عليه أكثر، لكنه مثّل الحقيقة في الواقع.
قبل أن تتمكن من إنهاء قول ذلك الاسم المحرج، أدخلتُ ذراعيّ تحت ظهرها وركبتيها، ورفعتها. حتى أنا الهزيل امتلكتُ قوة كافية لحملها لبضعة أمتار. أصبح التردد غير وارد – هذا ما ظننتُه. لم توجد مشكلة – نحن ثملان الآن، لذا يمكن لبعض الخجل أن ينام.
قبل أن يتسنى لها إبداء أي رد فعل، ألقيتُ بالفتاة التي بين ذراعيّ على السرير. تلاشَت الحرارة من ذراعيّ. بقيَت متجمدة، والصدمة لا تزال بادية على وجهها. وبينما كنتُ لاهثًا، ولا فضل للكحول والجهد البدني في ذلك، حدقتُ بها بينما انفرجَت شفتاها ببطء وهدوء عن ابتسامة قبل أن تبدأ بالضحك بطريقة تذكرنا بأصوات النقر التي تصدرها الخفافيش.
“لقد فوجئت! شكـ~ـرًا!.”
عندما غادرنا المتجر، تلقَّت ستة أقراص أوميغاي-موتشي من الجدة كهدية شكر وتذكار. رفضَتها في البداية، لكن أمام إصرار الجدة، قبلَتها بامتنان. أنا أيضًا حصلتُ على بعض من أوميغاي-موتشي التي خُبزت كجزء من دفعة سابقة، واستمتعتُ بقوامها الرطب والمختلف – حتى هذا أيضًا بدا لذيذًا.
وبينما قالت ذلك، وبحركات بطيئة وخاملة، انتقلَت إلى الجانب الأيسر من السرير الكبير، واستلقَت على ظهرها، وأغلقَت عينيها. فكرتُ أنه سيكون من الجيد لو نامَت هكذا فحسب، لكنها قهقهَت وهي تضرب سطح السرير بكلتا ذراعيها. لسوء الحظ، لم يبدُ أنها ستتنازل عن المباراة الأخيرة.
“……ماذا تريدين مني أن أقول حيال ذلك؟.”
جاء طعم الرامن لذيذًا. وصل الطعام بسرعة عقب طلبنا، وسرعان ما بدأنا في حشو أنفسنا. اختار كلانا الحصول على حصة إضافية من المعكرونة، وعندما سُئلنا عن درجة صلابة المعكرونة التي نريدها، سمعتها تقول “عارضة فولاذية”؛ فتبعتها بأدب. لم أكن أعلم بوجود مثل هذا التصنيف لمستوى الصلابة؛ من الأفضل ألا يعرف أحد عن هذا الأمر، لأنه جعلني أحمر خجلًا. بالمناسبة، ربما تم ابتكار “هاريغاني” عن طريق غلي المعكرونة لفترة زمنية أقصر.
شحذتُ عزيمتي.
“حسنًا، إنها الجولة الأخيرة هاه. سأكشف بطاقتكِ خصيصًا لكِ. قولي فقط أي واحدة تريدين.”
“إذن أردتَ النوم على السرير.”
“حسنًا، أظن أنني سأختار تلك التي بجوار كوبي مباشرة.”
دون النطق بكلمة واحدة، استدرت.
صمتَت، وألقت ذراعيها المضطربتين على السرير بلا مبالاة.
كنتُ قد تعلمتُ من مكان ما أن زيارة الأضرحة ليست في الواقع وقتًا لتقديم الأمنيات للمعبودات. فهي في الأصل تعني تعبيرًا عن عزم المرء أمام القوى الغيبية. لكن في تلك اللحظة، لم أستطع حشد أي نوع من العزم. وبما أنه لا سبيل لفعل شيء حيال ذلك، فكرتُ في تقديم بعض المساعدة للفتاة التي بجانبي. متظاهرًا بالجهل، تمنيتُ أمنية للمعبود.
وأنا ما زلتُ واقفًا، قلبتُ البطاقة التي علقَت زاويتها تحت الكوب الحاوي للقليل من مشروب البرقوق.
السبعة من السباتي.
استمتعَت هي بارتشاف حصتها من خمر البرقوق – تمامًا كما أعلنَت – بينما وزّعَت وجباتها الخفيفة على الطاولة واحدةً تلو الأخرى.
“7.”
“واااه، أمبي.”
“هل لي أن أعتبر أن هذا يعني أنكِ مترددة (أمبي)؟.”
“أنتِ فظيعة حقًّا؛ تدوسين على مشاعر والديكِ.”
فكرت في الطريقة المثلى لتجنب الضرر في هذا الموقف. لم يكن ثمة مفر – فاخترت الحقيقة.
“أجل، أمبي.”
أفسدتْ تخميناتها حول ظروف الناس مزاجي نوعًا ما، لكنها أصابت كبد الحقيقة عندما قالت إنني متفرغ، ولم أمتلك أي سبب لرفضها، لذا أجبت: “لا مانع لدي من الذهاب إلى أي مكان تريدين الذهاب إليه قبل أن تموتي.”
تجاهلتُ الفتاة التي استمرت على قول “أمبي~” بعد أن راقَت لها الكلمة على الأرجح، وركزتُ نظري على دائرة البطاقات لاختيار آخر بطاقة لي. في أوقات كهذه، قد يوجد أشخاص يترددون ويحرصون بشدة على اختيارهم، لكنهم مخطئون. نظرًا لاختيارنا في ظل الظروف نفسها تقريبًا، لم يكن هنالك أي عوامل أخرى باستثناء الحظ. في مثل هذه الحالات، يجدر بالمرء اتخاذ قراره بسرعة دون الالتفات إلى الوراء.
بكل بساطة، التقطتُ بطاقة من داخل الدائرة، وسعيتُ قدر الإمكان لتفريغ ذهني من الأفكار غير الضرورية قبل أن أقلبها.
وأيضًا ظهر لي تنبيه أنني نسيت علامة التنصيص في نهاية جملة معينة، فإذا صادفها أحد منكم أثناء القراءة سأكون شاكرًا له لو نبهني لأتمكن من تعديلها.
ما احتجتُه هو الحظ.
“ألم أقلها؟ أن تحـ~ـملـ~ـنـي.”
“يمكنك الاسترخاء كما تعلم، فقد أعددتُ مجلات سفر بشكل مناسب لليوم.”
سواءً عددتُ ذلك تصرفًا رجوليًا أم لا، فإن الرقم لن يتغير.
“لا يبدو أن لهذا علاقة بي.”
البطاقة التي سحبتُها هي—
“ما الرقم؟”
غمرتني مرونة توقعتُها.
“…………6.”
“لم يكن مشبعًا جدًا، لكنني تناولتُ الخبز.”
“فهمت، إذًا لدينا فكرة خاطئة، لكن الجميع في الفصل يتحدثون عن ذلك، كما تعلم.”
في أوقات كهذه، أنا —الذي يتسم بصدق يمنعه من الكذب— وُضعت في موقف غير مواتٍ. ربما غدا الأمر أسهل لي لو امتلكت القدرة لأصبح إنسانًا يقوى على قلب رقعة الشوغي، لكنني لم أرغب في التحول لذلك، ولم أستطع.
ومثل الأريكة، امتلك هذا الكرسي أيضًا مرونة كفيلة بتهدئة قلب أي شخص.
بعد أن استعدنا نشاطنا بفضل الوجبة الدسمة، ركبنا قطارنا التالي بسرعة. لم يكن ثمة داعٍ للاستعجال، لأن ضريح معبود الدراسة الذي أرادت زيارته يقع على بعد حوالي ثلاثين دقيقة بالقطار، ولكن بما أن قائدة رحلتنا طلبَت منا الإسراع، فقد اتبعتُ خطاها ببساطة.
“ووهو، أتساءل ما الذي يجدر بي جعلك تفعله~.”
بعد قولها ذلك، صمتَت. وقفتُ ساكنًا في انتظار سؤالها، شاعرًا كأنني سجين محكوم عليه بالإعدام.
رفعَت صوتها.
لأول مرة منذ فترة، خيم الصمت على المكان المظلم. ربما كجزء من تكلفة الفندق، كادَت الأصوات القادمة من الخارج تنعدم —حتى ضجيج الغرف المجاورة لم يتسرب إلينا. بشكل مزعج، ونظرًا لكوني ثملًا، سمعتُ أصوات تنفسي ونبضات قلبي بوضوح. كما تناهَت إلى مسامعي أنفاسها المنتظمة والعميقة. ظننتُ أنها قد غفت، لكن عندما نظرتُ إليها، بدت عيناها مفتوحتين على مصراعيهما، ومحدقتين بثبات في السقف المظلم.
علَت وجهها تعابير الدهشة، وهزّت رأسها. فتصلّب وجه موظف الاستقبال ردًا على ذلك، وعاد لتشغيل الحاسوب، بينما لا يزال يحدثها. هزّت رأسها مرة أخرى، وأنزلت حقيبة ظهرها عن كتفيها، وسلمته ورقة أخرجتها من داخلها.
نظرًا لتوفر الكثير من الوقت بين يدي، نظرتُ إلى الخارج عبر الفتحة بين الستائر. لا تزال الشوارع المزدحمة تتلألأ بأضواء صناعية، ولا تبدي أي رغبة في النوم.
“حقيقة أم تحدي؟”
بينما استمعتُ إليها تمرح في الحمام، فتحتُ الباب الزجاجي وخرجتُ إلى الشرفة. وقعت الغرفة التي أرشدونا إليها في الطابق الخامس عشر من المبنى الشاهق، ورغم أنها لم تكن جناحًا، فقد بدت فخمة للغاية بالنسبة لطلاب الثانوية. المرحاض والحمام منفصلان، والمنظر الليلي مذهل.
جاءت الكلمات المفاجئة من خلفي —يبدو أنها توصّلَت أخيرًا إلى قرار، وبينما رجوتُ بكل جوارحي ألّا يكون شيئًا يهدد قلبي، أجبتُ وظهري لا يزال مواجهًا لها.
“خمر البرقوق الممزوج بالصودا – أتساءل عمّا إذا بدَت هذه النسبة مناسبة.”
“حقيقة.”
نفس واحد —سمعتُ تدفق الهواء الكبير، ونطقَت هي بآخر سؤال في تلك الليلة.
دون النطق بكلمة واحدة، استدرت.
“لو كنتُ—”
“واو، ورقتكَ تقول إنك ستلتقي بشريك جيد في الحب، كم هذا لطيف.”
“……”
“سأتحقق من التقويم وأتصل بك لاحقًا، حسنًا —وكأن ذلك سيحدث!”
“لو قلت إنني خائفة جدًا جدًا من الموت، ماذا ستفعل؟”
دون النطق بكلمة واحدة، استدرت.
دون النطق بكلمة واحدة، استدرت.
على الفور، سمعتُ أنا، الذي لم أجلس بجوارها تمامًا، صوت هدير من مكبر صوت الهاتف.
وأنا ما زلتُ واقفًا، قلبتُ البطاقة التي علقَت زاويتها تحت الكوب الحاوي للقليل من مشروب البرقوق.
بدا صوتها ناعمًا للغاية، مما جعلني أظن أن قلبي أوشك على التوقف متجمدًا. سعيًا للهروب من القشعريرة، توجّب عليّ التأكد من بقائها على قيد الحياة، ولذا استدرت.
“لو أنني طلبتُ ذلك من الخالق بدلًا من ذلك”، همستُ لنفسي، بينما طوَت مجلتها وأغلقت عينيها. بقيَت على تلك الحال، غارقة في نوم عميق حتى وصلنا إلى محطتنا.
ربما شعرَت بنظراتي عليها، لكن رغم ذلك، واصلَت الفتاة التحديق بلا حراك في السقف وشفتاها مغلقتان، غير مهتمة بقول المزيد.
ربما شعرَت بنظراتي عليها، لكن رغم ذلك، واصلَت الفتاة التحديق بلا حراك في السقف وشفتاها مغلقتان، غير مهتمة بقول المزيد.
“آه، حسنًا، لا أفهم ما قلته للتو. لكنني أعددتُ قائمة بالأشياء التي أريد القيام بها قبل أن أموت.”
ربما، هي جادة. لم أستطع فهم نواياها الحقيقية. لن يغدو الأمر غريبًا حتى لو أظهرت جديتها. ولن يكون غريبًا حتى لو بدأت تمزح. إن أخذتُ الأمر على محمل الجد، فلن أعرف كيف أرد. وإن أخذتُ الأمر على محمل المزاح، فلن أعرف كيف أرد.
“هذا صحيح، لقد تعرقتُ أكثر مما توقعتُ. أنا آسف حقًا، لكنني سأردُ لكِ الدين بالتأكيد قبل أن تموتين، فهل يمكنكِ إقراضي بعض المال؟”
لستُ أعرف.
وكأنه يضحك على مدى ضعف خيالي، مرة أخرى، بدأ الوحش القابع في أعماق قلبي يتنفس.
“أنا جبان، لذا دعنا نحظر تلك الضربة المميتة من الآن فصاعدًا. هذا ليس عدلًا.”
لم يُعد التحدث مع زميل في الفصل أمرًا مزعجًا، لكن بينما بدت الحالة غير العادية التالية تافهة، إلا أنها وضعتني في مزاج كئيب نوعًا ما. اختفت العلامة التي كان من المفترض أن تكون محصورة داخل كتابي الورقي. على الرغم من أنني تذكرت لحسن الحظ المشهد الذي توقفت عنده، إلا أن هذا المرجع لم يكن من النوع الذي يوزع مجانًا في المكتبات وما شابه؛ بل قطعة مصنوعة من البلاستيك الرقيق اشتريتها عندما ذهبت إلى المتحف سابقًا. لم أعرف متى فُقدت، ولكن على أي حال، ورغم أنني لم أشعر بأي مرارة لأن إهمالي بدا السبب الأساسي، إلا أنني شعرت بالإحباط لأول مرة منذ فترة.
أنا المذعور تجاهلتُ نواياي الخاصة، وفتح هو فمه.
“يا لها من لعبة شيطانية.”
“تحدي……”
لم تقل ما إذا جاء خياري جيدًا أم سيئًا. بقيَت ببساطة تحدق في السقف، وأصدرَت الأمر التالي:
“نم على السرير أيضًا، لا يُسمح بالاعتراض أو المعارضة.”
نفس واحد —سمعتُ تدفق الهواء الكبير، ونطقَت هي بآخر سؤال في تلك الليلة.
نقلَت جميع الوجبات الخفيفة الموجودة على الطاولة إلى الأرض، ووزعَت ببراعة أوراق البوكر المقلوبة على سطح الطاولة لتشكل دائرة.
“أمبي~”، قالت مرة أخرى، وهذه المرة غنتها بنغم.
“ألم تظني أنك ستؤذينني بقولكِ شيئًا كهذا؟.”
شعرتُ بالإحباط بشأن مسار العمل الذي توجّب عليّ اتخاذه، ولكن كما هو متوقع، عجزتُ عن قلب رقعة الشوغي.
أطفأتُ الكهرباء، واستلقيتُ وظهري إليها، منتظرًا ببساطة أن ينتزعني ملاك النوم ويأخذني بعيدًا. من وقت لآخر، اهتز السرير الذي لم يخصني وحدي بينما تتقلب هي وتتحرك في نومها. يبدو أنها افتقرَت للقلب الذي يسمح لها بالمشاركة.
امتلك السرير كبير الحجم مساحة كافية حتى لو نام كلانا وظهورنا مسطحة.
سادنا الطهر والبراءة.
“لا كذب في هذا القول، هاه.”
بريئان، ونقيان.
“وا~و! يوجد جاكوزي!.”
لم أحتج لطلب المغفرة من أي شخص.
استيقظنا أنا وهي في الوقت نفسه للسبب عينه. أصدر هاتف خلوي رنينًا صاخبًا. أخرجتُ هاتفي من حقيبتي، لكن لم يظهر أي إشعار —وبما أن ذلك يعني حتمية كونه هاتفها، فقد استعدتُ الهاتف المتروك على الأريكة وسلمتُه للفتاة الجالسة على السرير. فتحَت الفتاة ذات العينين الناعستين الهاتف القابل للطي، ووضعته بجوار أذنها.
حين وصلتُ إلى جزء ذاكرتي حيث تعرضتُ للاعتداء من قِبَلها في قطار الشينكانسن، نادتني.
على الفور، سمعتُ أنا، الذي لم أجلس بجوارها تمامًا، صوت هدير من مكبر صوت الهاتف.
“لقد تعلمتُ هذا للتو، لكن الأمثال لا يمكن الوثوق بها. سأتذكر ذلك.”
“ساكوراااا! أخبريني أين أنتِ الآن!” بعبوس، أبعدَت الهاتف عن أذنها. بمجرد أن هدأ المتصل، وضعَت هاتفها مقابل أذنها مرة أخرى.
“أنا جبان، لذا دعنا نحظر تلك الضربة المميتة من الآن فصاعدًا. هذا ليس عدلًا.”
“صباح الخيـر~، ما الخطب؟”
“لا تسأليني ما الخطب! أنا أسألكِ أين أنتِ!”
“من الجيد امتلاك صديقة مقربة تفكر في أصدقائها، هاه.”
“هذا رائع جدًا، هاه.”
بينما بدت مترددة قليلًا، أبلغَت المتصل باسم المحافظة التي وطأتها أقدامنا. استطعتُ القول إن المتصل صُدم.
“ماذ— لماذا ذهبتِ كل هذه المسافة إلى هناك، بل وكذبتِ على والديكِ بأنكِ تسافرين معي!”
“واهاها، فهمت.”
عندها، عرفتُ أن الشخص الآخر على الخط هو الصديقة المقربة. ردًا على صديقتها التي أثارَت ضجة، أطلقَت تثاؤبًا خاليًا من الهموم.
يكمن السبب ببساطة في أنني وجدت الأمر غامضًا. تساءلتُ عن مدى اتساع الفجوة بين حياتينا التي أدّت لترسيخ طبائعنا المختلفة. كنت مهتمًا بمعرفة ما إذا كان ممكنًا أن أصبح مثلها بخطوة خاطئة واحدة.
“كيف عرفتِ؟”
“انتشرَت أخبار عن جمعية الآباء والأمهات عبر سلسلة الاتصال الهاتفي هذا الصباح! بعد دوركِ، يأتي دوري كما تعلمين! تلقيت مكالمة من والدتك، وأنا من رد عليها —واجهتُ صعوبة كبيرة في خداعها.”
“إذن لقد خدعتِها من أجلي، كما هو متوقع من كيوكو. شكرًا جزيلًا. كيف فعلتِ ذلك؟”
“تظاهرتُ بأنني أختي، لكن لا شيء من هذا يهم! لماذا تماديتِ لدرجة خداع والديكِ للذهاب إلى هذا النوع من الأماكن؟”
“……ممم.”
حصلتُ على ورقة الاثنين من القلوب، وحصلت هي على الستة من الماس.
“فضلًا عن ذلك، إن رغبتِ في الذهاب حقًا، لم يتوجّب عليكِ الكذب أو أي شيء، فقط اذهبي في الرحلة بشكل صحيح. حتى أنني كنت سأرافقكِ.”
لسببٍ ما، يبدو أنني وقعت في الفخ مجددًا. كم مرة تكرر هذا الأمر؟
“آه، يبدو هذا جيدًا، لنذهب إلى مكانٍ ما خلال العطلة الصيفية. متى تحصل كيوكو على استراحة من أنشطة النادي؟”
شعرتُ بالإحباط بشأن مسار العمل الذي توجّب عليّ اتخاذه، ولكن كما هو متوقع، عجزتُ عن قلب رقعة الشوغي.
“ما هو الاهتمام الذي لازمكِ لأطول فترة؟.”
“سأتحقق من التقويم وأتصل بك لاحقًا، حسنًا —وكأن ذلك سيحدث!”
وصلَت إلى أذنيّ تلك المجاملة والرد البارعان بفائض من الصوت. حتى لو تحدث شخص بصوت عادي عبر الهاتف، فمن الممكن داخل غرفة هادئة سماع قدر معين من المحتوى. غسلتُ وجهي، وفرشتُ أسناني بينما شاهدتُها تتحدث عبر الهاتف. بدا معجون الأسنان بنكهة نعناع أقوى حتى من الذي أستخدمه عادةً.
سرعان ما وصلت جدة لطيفة المظهر حاملة كوبين من الماء، وأخذت طلباتنا.
“ببساطة الذهاب بهدوء إلى مكان بعيد بمفردك —أنت لست قطة توشك على الموت كما تعلمين.”
أنا المذعور تجاهلتُ نواياي الخاصة، وفتح هو فمه.
افتقر للموثوقية واعتاد التغيب عن واجب التنظيف، لذا ظننت أنه سيرفضني. لكن على عكس التوقعات، أمسك بالمجرفة من أجلي بشكل مفيد. ربما لم يفهم مفهوم وقت التنظيف، ولو علمه أحدهم، لأبدى استعداده للقيام به بشكل صحيح.
مزحة استحال الضحك عليها —فكرتُ وأنا أستمع، وأعطَت هي ردًا صعب الضحك عليه أكثر، لكنه مثّل الحقيقة في الواقع.
“لكنني لست وحدي.”
بعينين محمرتين جراء كحول الليلة الماضية، وبمظهر يوحي باستمتاعها بوقتها، وجهَت خط بصرها إلي. أردت دفن وجهي بين يدي، لكن لسوء الحظ، انشغلت كلتاهما بحمل فرشاة الأسنان والكوب.
“لستِ، وحدك؟ هاه، مع من… حبيبك؟”
“مستحيل، أنت تعرفين بالفعل أنني انفصلتُ عنه!”
كنتُ قد تعلمتُ من مكان ما أن زيارة الأضرحة ليست في الواقع وقتًا لتقديم الأمنيات للمعبودات. فهي في الأصل تعني تعبيرًا عن عزم المرء أمام القوى الغيبية. لكن في تلك اللحظة، لم أستطع حشد أي نوع من العزم. وبما أنه لا سبيل لفعل شيء حيال ذلك، فكرتُ في تقديم بعض المساعدة للفتاة التي بجانبي. متظاهرًا بالجهل، تمنيتُ أمنية للمعبود.
“إذن من هو؟”
“هل أصبتَ بحروق الشمس؟”
“الزميل المتوافق كن.”
“هل توجد مثل هذه اللعبة حقًا؟ هل أنتِ متأكدة من عدم اختراعك لها في التو واللحظة؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا أصر على إبطال ذلك لموافقتي على عدم الانسحاب من اللعبة.”
بالمناسبة، فيما يلي الجولات الخمس من الأسئلة والأجوبة التي جعلَتها تقول: “هل هذه مقابلة؟.”
تمكنتُ من سماع العجز عن الكلام من الجانب الآخر لمكبر صوت الهاتف. دون مزيد من الاهتمام بكيفية تحول هذا الأمر، واصلتُ تنظيف أسناني.
هذه المرة شربَت خمر البرقوق خاصتها بينما تقلب بطاقة. إنها 11 قلوب.
“كما تعلمين، أنتِ—”
“يا له من طقس رائع!”
“فقط استمعي إلى ما سأقوله، كيوكو.”
“…………”
“الحق في سؤاله: “الحقيقة أم التحدي؟” بالحديث عن ذلك، أظنُ أن عشر جولات ستفي بالغرض. حاليًا، اختر ورقة وحسب.”
“قد تظنين أن الأمر غريب، وقد لا تفهمين السبب، لكنني سأشرح لكِ كل شيء بالتأكيد يومًا ما. لهذا السبب حتى لو لم تكوني مقتنعة تمامًا، أرجوكِ دعي هذا الأمر يمر فحسب. وبالتالي، آمل أن تحتفظي بهذا الأمر لنفسكِ في الوقت الحالي.”
عندما غادرنا المتجر، تلقَّت ستة أقراص أوميغاي-موتشي من الجدة كهدية شكر وتذكار. رفضَتها في البداية، لكن أمام إصرار الجدة، قبلَتها بامتنان. أنا أيضًا حصلتُ على بعض من أوميغاي-موتشي التي خُبزت كجزء من دفعة سابقة، واستمتعتُ بقوامها الرطب والمختلف – حتى هذا أيضًا بدا لذيذًا.
“بما أنني لم أرغب في إقلاق والديّ، فقد كذبتُ عليهما بشأن وجود أصدقاء لي. لذا أخبرتهما أنني سأقيم في منزل صديق.”
“…………”
بعد أن تغلّبنا على الجفاف بطريقةٍ ما، انسللنا بعيدًا عن الشباب الآخرين، واستأنفنا رحلتنا. غسلنا أيدينا، ووضعناها على تمثال بقرة لاهب الحرارة، وعبرنا جسرًا بينما كنا نشاهد السلاحف تطفو على الماء، وأخيرًا وصلنا أمام المعبود. أما عن سبب مصادفتنا لبقرة في الطريق، فقد تذكرتُ قراءة تفسير لذلك، لكن الحرارة الفاترة أنستني إياه. هي، من ناحية أخرى، لم تبدُ عازمة أبدًا على قراءته.
وأكثر مني في الماضي حين اصطحبَتني معها، صرتُ متطلعًا للمستقبل نوعًا ما.
بدا أن نبرة صوتها اكتسَت بالجدية، وقبل أن أدرك ذلك، تركَت الصديقة المقربة في حيرة من أمرها. اعتقدتُ أن ذلك طبيعي فحسب. ففي النهاية، تركَت الفتاة صديقتها المقربة خلفها لتذهب في رحلة مع زميل دراسة غير مألوف.
“كل هذا سوء فهم، لذا لا أمانع.”
لزمت الصديقة المقربة الصمت لفترة من الوقت على الجانب الآخر من الهاتف. وضعَت الفتاة الهاتف بصبر مقابل أذنها. أخيرًا، أمكن سماع صوت من الجهاز الإلكتروني.
“…………فهمت.”
وبينما ما زلتُ أنظر إلى الفتاة التي نفخَت خديها في انزعاج مصطنع، فضضتُ غلاف الهدية التذكارية التي اشتريتُها لنفسي. وبعد إعطائها حصة من الوجبات الخفيفة، قضمتُ بنفسي وجبة خفيفة من نوع الخبز المطهو بالبخار. بدا طعم الزبدة حلوًا للغاية.
“أول هبوط لنا! واااه! أستطيع شم رائحة الرامن!”
“شكرًا، كيوكو.”
“لدي بضعة شروط.”
بغض النظر عن مدى أملي وتمنياتي، لم يوجد ما يغير حقيقة أنني في ذلك الوقت لم ألاحظ بوادر الشذوذ التي بدأت – ربما لأنني شخصية [في رواية]. حتى في الروايات، الوحيدون الذين يعرفون إعداد الفصل الأول هم القراء. الشخصيات نفسها لا تعرف شيئًا واحدًا.
“ما هي نقاط قوتكِ وضعفكِ في رأيكِ؟.”
“أي شيء تتمنينه.”
ولضمان عدم ملاحظتها الجروح التي خلّفها الوحش، حدقتُ في التلفاز بأكبر قدرٍ ممكن من الخلو من التعبير.
“عودي بسلام، واشتري لي هدية تذكارية. أيضًا، اذهبي في رحلة معي خلال العطلة الصيفية. أخيرًا، أخبري هذا لـ ”زميل الفصل الذي تربطه علاقة غير مفهومة بصديقتي المقربة“ —إذا فعل أي شيء لساكورا، سأقتله.”
عبستُ في وجه الفتاة التي قالت شيئًا غريبًا بعد دورانها حول نفسها كأنها ترقص تحت الثريا التي بعثت ضوءًا خافتًا من وسط الغرفة الفسيحة. جلسَت على أريكة جيدة في الغرفة ذات الطراز الغربي، وأخبرتُها بأمر من أبسط مبادئ المنطق.
“واهاها، فهمت.”
“تلك الحلوى – سمّيتِها أوميغاي-موتشي، أليس كذلك؟”
بعد تبادل بعض المجاملات، أغلقَت الفتاة الهاتف. شطفتُ فمي وجلستُ على الأريكة التي سُرقت بواسطتها بالأمس. بينما رتبتُ أوراق اللعب المبعثرة في كل مكان على الطاولة، ألقيتُ نظرة عليها ورأيتُ أنها تمسد شعرها الطويل الذي لا يزال فوضويًا من الاستيقاظ.
شحذتُ عزيمتي.
“من الجيد امتلاك صديقة مقربة تفكر في أصدقائها، هاه.”
احتوَت حقيبتها عدة محاقن، وكمية غير مسبوقة من الحبوب، وما بدا أنه جهاز قياس جهلتُ كيفية تشغيله.
“أعلم ذلك صحيح~، آه، ربما سمعتَ بالفعل، ولكن يبدو أن كيوكو ستقتلكَ.”
“فقط إذا فعلتُ شيئًا غريبًا، أليس كذلك؟ لذا بالإضافة إلى القول إنني كنت بريئًا، أرجوكِ اشرحي الأمور بشكل صحيح.”
الحقيقة المتمثّلة في حفاظها على وجودها بقوة العلوم الطبية.
“صحيح؟ حسنًا إذًا، أظن أن الوقت قد حان للتوجه إلى الفندق.”
“ماذا عن حملة الأميرة؟”
“فجأةً غدوتُ عاجزًا عن الإيمان بأي معبود.”
“فهمت.”
“أوه، إذن امتلك ذلك الأمر هذا النوع من الأسماء —مع انتهاء كل شيء، شعرتُ كأنني جزء من شركة نقلٍ ما.”
“أظن أنك ستُقتل على يد كيوكو بغض النظر عمّا تسمعه.”
لأول مرة منذ فترة، خيم الصمت على المكان المظلم. ربما كجزء من تكلفة الفندق، كادَت الأصوات القادمة من الخارج تنعدم —حتى ضجيج الغرف المجاورة لم يتسرب إلينا. بشكل مزعج، ونظرًا لكوني ثملًا، سمعتُ أصوات تنفسي ونبضات قلبي بوضوح. كما تناهَت إلى مسامعي أنفاسها المنتظمة والعميقة. ظننتُ أنها قد غفت، لكن عندما نظرتُ إليها، بدت عيناها مفتوحتين على مصراعيهما، ومحدقتين بثبات في السقف المظلم.
“أتريد البعض؟”
بمجرد انتهائها من الاستحمام لتسوية شعرها، توجهنا للأسفل إلى الطابق الأول من الفندق لتناول الإفطار.
تمامًا كما قالت، بمجرد تفعيل وظيفة الجاكوزي، غلفني شعور بالنعيم تعجز الكلمات عن وصفه.
جاء محتوى الرسالة كما يلي:
توفر الإفطار على شكل بوفيه كبير، وكما هو متوقع، ذكّرنا حقًا بمستوى الفندق. اخترتُ بشكل أساسي وضع أطعمة مثل السمك والتوفو في طبقي، وأعددتُ وجبة إفطار بنمط ياباني. بعد اتخاذي مقعدًا بجوار النافذة، بقيتُ أنتظرها حين وصلَت بكمية سخيفة من الطعام على صينيتها. “أحتاج تناول الكثير في الصباح”، هكذا قالت، ولكن في النهاية، تركَت ثلث الطعام دون أن تلمسه، واضطررتُ أنا لأكل ذلك. بينما أكلنا، وعظتُها بجدية حول بهجة التخطيط.
“نقطة قوتي هي أنني أستطيع التوافق مع الجميع، ولستُ واثقة تمامًا بشأن نقطة ضعفي، لكن أظن أنها سهولة تشتت انتباهي.”
بعد العودة إلى غرفتنا، غليتُ بعض الماء وحضّرتُ القهوة؛ وأعدَّت هي لنفسها بعض الشاي الأسود. أخذنا استراحة وشاهدنا البرامج الصباحية، متخذين المواقع نفسها التي شغلناها الليلة الماضية. داخل المساحة الهادئة التي تدفقت إليها أشعة الشمس المبهرة، بدا الأمر كما لو أن كلينا نسي السؤال الأخير من الأمس.
عندما استعدتُ وعيي، هزَّت الفتاة التي غسلت شعرها كتفي.
احتوَت حقيبتها عدة محاقن، وكمية غير مسبوقة من الحبوب، وما بدا أنه جهاز قياس جهلتُ كيفية تشغيله.
“ما هي خطة اليوم؟”
“مواهاها، إنها لعبة كاملة ظهرت حتى في العديد من الأفلام. أؤكد لك أنها حقيقية لبحثي عنها جيدًا بعد رؤيتها في فيلم ذات مرة. لذا شكرًا لك على تكبد العناء لإعادة التأكيد على عدم انسحابك من اللعبة.”
بالمناسبة، تمامًا مثل الياكينيكو، جاءت أموال تذاكر الشينكانسن من محفظتها. أخبرتني ألا أهتم، لكن لا يصح ألا أسدد لها، حتى لو كان ذلك على حساب كرامة إنسان مثلي.
عندما سألتُ، نهضَت هي بحيوية، ومشَت إلى حقيبتها الزرقاء السماوية، وأخرجَت دفتر ملاحظات. يبدو أنها حشرَت تذاكر الشينكانسن بداخله.
“سنستقل الشينكانسن في الساعة الثانية والنصف، لذا سنمتلك وقتًا لتناول الغداء وشراء الهدايا التذكارية. هل نذهب إلى مكانٍ ما قبل ذلك؟”
“لقد فوجئت! شكـ~ـرًا!.”
“لا أعرف هذه المنطقة لذا سأترك الأمر لكِ فحسب.”
بعد تسجيل خروجنا بتمهل وحني رؤوسنا للموظفين، وامتثالًا لقرارها، استقلينا حافلة وتوجهنا إلى مركز تسوق مشهور على ما يبدو. مجمع تجاري بُني ليجري نهر خلاله، واحتوى على كل شيء من المتاجر التي تبيع الضروريات اليومية وصولًا إلى مرافق كبيرة مثل مسرح، وبدا أن العديد من السياح الأجانب يزورونه كمعلم سياحي. ملقيًا نظرة بنفسي عندما وصلنا، امتلكَت المنشأة الحمراء العملاقة تأثيرًا لا يُضاهى، وتضخ أجواء معلم حقيقي.
“لا كذب في هذا القول، هاه.”
صمتَت، وألقت ذراعيها المضطربتين على السرير بلا مبالاة.
تهنا بشأن المكان الذي نقصده في المبنى الذي صُنع ليبدو رائعًا بشكل معقد، ولكن عندما تجولنا في الأنحاء، تصادف وجود مهرج يؤدي عرض شوارع في المساحة الواسعة بجوار حافة المياه، واختلطنا مع المشاهدين الآخرين.
جاء العرض الذي استمر حوالي عشرين دقيقة مسليًا، وعند الإيماءة الفكاهية للمهرج بعد العرض، وضعتُ مائة ين في قبعته، كعادة طالب مدرسة ثانوية نموذجي. وبما أنها بدت مستمتعة، وضعت هي خمسمائة ين.
“ألم يكن ذلك ممتعًا؟ يجدر بالزميل المتوافق كن أن يذهب ويصبح فنان شوارع أيضًا.”
“هيه، يبدو أنهم ارتكبوا خطأً صغيرًا.”
“يرجى التحقق ممن تتحدثين إليه. القيام بعمل يتطلب مني التفاعل مع الآخرين يعد أمرًا مستحيلًا بالنسبة لي. لهذا السبب أعتقد أن ذلك الشخص مذهل.”
دعمكم محل تقدير ويحفّزني على تقديم الأفضل دائمًا.
دعمكم محل تقدير ويحفّزني على تقديم الأفضل دائمًا.
“فهمت، هذا مؤسف جدًا. ربما يتوجّب علي تجربة ذلك. آه، نسيت، سأموت قريبًا.”
“يبدو أن دراسة اللهجات كعمل سيكون أمرًا ممتعًا.”
“هل طرحتِ هذا الموضوع فقط لكي تتمكني من قول ذلك؟ تملكين عامًا كاملًا بعد كل شيء، حتى لو استحال الوصول إلى مستواهم، فستصبحين جيدة جدًا إذا تدربتِ.”
“الحق في سؤاله: “الحقيقة أم التحدي؟” بالحديث عن ذلك، أظنُ أن عشر جولات ستفي بالغرض. حاليًا، اختر ورقة وحسب.”
بناءً على اقتراحي، ابتسمَت ابتسامة مُشرقة. وهي ابتسامة بدت مُعدية.
ربما بسبب المشروب، تورد وجهها حمرةً.
“مثل الذهاب في رحلة مع صبي، وتناول رامين تونكوتسو في مكان ابتكاره، وعلى الرغم من أننا انطلقنا في هذه الرحلة للتو، فإن الهدف الأخير لي اليوم يكمن في تناول حساء الأحشاء في العشاء. إذا تمكنتُ من تحقيق ذلك اليوم، سأغدو سعيدة للغاية. الزميل المتوافق كن، هل هناك أي مكان آخر تريد الذهاب إليه؟”
“نعم! هذا صحيح! ربما ينبغي لي تجربة ذلك!”
“المليونير الكبير؟”
ولابتهاجها بآفاق مستقبلها، اشترَت بعض الأدوات للتدرّب بها من متجر متخصص في بيع أدوات السحر داخل المرفق. وطوال عملية شرائها، لم أدخل المتجر. فبما أنها ستؤدي العروض أمامي أيضًا يومًا ما، فلا طائل من مساعدتي لها في الاختيار – ذاك هو السبب. ولما لم يكن باليد حيلة، شاهدتُ الإعلان التجاري لأدوات السحر المعروض في واجهة المتجر رفقة بعض طلاب المدارس الابتدائية.
راقبتُ الموقف من الجانب، متسائلاً إن حدث شيء ما. وبالتفكير المنطقي، جاز الاعتقاد بوجود خطأ من جانب الفندق، وأن الحجز سُجل بشكل خاطئ، لكنني شعرت أن ذلك وحده لا يفسر ابتسامتها المضطربة. وأيًا كانت الحالة، توقعتُ تعامل الفندق مع الموقف بشكل صحيح، لذا لم أفكر كثيرًا في الأمر. وفي أسوأ الأحوال، يمكننا ببساطة قضاء الليل في أحد مقاهي الإنترنت.
وبعد إيمائها لنفسها بالموافقة مرات لا تحصى على ما يبدو لتوصلها إلى فكرةٍ ما، التفتت عيناها المتلألئة إليّ.
“آه، ربما بهذا، سأبزغ مثل مذنّب، وتتناقل الأجيال القادمة اسمي بصفتي الساحرة الأسطورية التي اختفَت فجأة.”
بالمناسبة، تمامًا مثل الياكينيكو، جاءت أموال تذاكر الشينكانسن من محفظتها. أخبرتني ألا أهتم، لكن لا يصح ألا أسدد لها، حتى لو كان ذلك على حساب كرامة إنسان مثلي.
رغم افتراضي المعرفة، ورغم افتراضي الفهم.
“لو كنتِ موهوبة بشكل لا يُصدّق، فربما.”
“سنة واحدة من حياتي تعادل خمس سنوات من حياة الآخرين، لذا سينجح الأمر حتمًا. ترقّب ذلك.”
تمكنتُ من سماع العجز عن الكلام من الجانب الآخر لمكبر صوت الهاتف. دون مزيد من الاهتمام بكيفية تحول هذا الأمر، واصلتُ تنظيف أسناني.
“أظن أن عليّ ذلك. لا تتلصصي، لأنني سأخلع جلدي البشري عند دخولي الحمام.”
“ألم تكن قيمة يوم واحد في حياة الإنسان ثابتة؟”
قبل حتى أن نتبادل التحيات، أعربَت عن صدمتها من مظهري.
بدت جادة للغاية في هذا الأمر، وأصبح تعبيرها يفيض بحيوية تفوق المعتاد. إن ما جعل البشر يتألقون هو قدرتهم على تحقيق أهدافهم رغم ضيق وقتهم. ولوقوفها بجانبي، لعلّها تألقت ببروز أكبر.
أشيحُ بنظري عن واقعها.
وبينما كنتُ أجوب المرفق مع الفتاة المتألقة، انقضى الوقت سريعًا. ابتاعَت بعض قطع الملابس. وتوالَت جيئتها إليّ وهي تحمل قمصانًا وتنانيرَ لطيفة، طالبةً مني تقييم كلّ واحدةٍ منها، ولكن لعدم فهمي حقيقة الجيد أو السيئ في أزياء الفتيات، آثرتُ القول إنها تناسبها – وهي كلمات خلت من المديح والنقد. وبشكل غير متوقع، حسّنت تلك الكلمات مزاجها، لذا سررتُ لذلك. وبما أنني لم أكذب بشأن ملاءمة الملابس لها، لم يخالج قلبي أيّ وخز للضمير.
“الزميل المتوافق كن.”
عرّجنا على متجر يبيع منتجات “أولترامان” في الطريق، واشترَت لي هدية تمثّلَت في دمية من الفينيل الناعم لوحش يشبه هيكلاً عظميًا لديناصور، على الرغم من أنني جهلتُ المغزى من اختيارها. وحين سألتُها، قالت إنه يناسبني. لم يُحسّن ذلك مزاجي. وفي المقابل، اشتريتُ لها دمية من الفينيل الناعم لـ “أولترامان.” وعندما قلتُ لها إنه يناسبها، راق لها الأمر واعتدل مزاجها كالعادة.
نادرًا ما أتحدث بحماس شديد، لكنها ردّت بعبوس، وكأنها غير مهتمة.
وضعنا دُمى الفينيل الناعم التي تبلغ قيمتها مائة ين في أصابعنا، وبعد تناولنا بعض الآيس كريم، بدأنا في العودة إلى المحطة. حانَت الظهيرة تقريبًا حين وصلنا المحطة، ونحن – من اقتصرنا على تناول الآيس كريم – ذهبنا لتفقد الهدايا التذكارية قبل تناول الغداء. وداخل مُجمّع المحطة، برزت مساحة كبيرة تبيع الهدايا التذكارية حصرًا، ممّا لفت انتباهها.
وأثناء تذوقها لمختلف أصناف الطعام، اشترَت وجبات خفيفة وبيض سمك خاص لعائلتها، بالإضافة إلى بعض الوجبات الخفيفة لصديقتها المقرّبة. واشتريتُ أيضًا بعض الوجبات الخفيفة لنفسي، تلك التي حازت الجائزة الذهبية من “موند سيليكشن” لسنوات متتالية. ونظرًا لإخباري عائلتي فقط أنني سأقضي الليلة في منزل صديق، استحال عليّ جلب أيّ هدايا تذكارية إلى المنزل. وهو أمر مؤسف حقًا، بالرغم من أنه لا حيلة في الأمر هذه المرة.
“هاااه.”
تناولنا الرامن في مطعم رامن مغاير لمطعم الأمس، ولوجود وقت فائض لدينا، شربنا الشاي في مقهىً قبل استقلال قطار الشينكانسن. وبدأ الحنين يساورني في نهاية الرحلة.
وأكثر مني في الماضي حين اصطحبَتني معها، صرتُ متطلعًا للمستقبل نوعًا ما.
راقبتُ الفتاة التي بدت مستمتعةً للغاية، وبالتأكيد، أصبح الخمر حلوًا جدًا.
“لنذهب في رحلة أخرى – أظن أن المرة القادمة ستكون في الشتاء.”
قالت ذلك الفتاة التي راحت تحدق في المناظر من مقعدها بجانب النافذة. تلمّسني شيء من الحيرة في كيفية الرد، لكن في النهاية، أجبتُ بصدق.
حصلتُ على ورقة الاثنين من القلوب، وحصلت هي على الستة من الماس.
“نعم، قد يكون ذلك لطيفًا أيضًا.”
“سنة واحدة من حياتي تعادل خمس سنوات من حياة الآخرين، لذا سينجح الأمر حتمًا. ترقّب ذلك.”
أنا المذعور تجاهلتُ نواياي الخاصة، وفتح هو فمه.
“أوه، يا لصدقك الشديد. إذن، هل استمتعت؟”
“ألم يكن هناك روائي يحمل اسمًا مشابهًا لاسمك؟”
“نعم، استمتعت.”
لقد استمتعت. هذا ما شعرتُ به حقًا. نشأتُ في أسرة متساهلة حيث انشغل والداي، وبالطبع لافتقاري أيّ أصدقاء لأذهب معهم في رحلات، فقد استمتعتُ أكثر مما توقعت.
بدا الشاب المسؤول عن تسجيل دخولها نحيفًا، وقد مشط شعره للخلف – شاب يحيط به تمامًا جو موظف استقبال الفندق.
“سنستقل الشينكانسن في الساعة الثانية والنصف، لذا سنمتلك وقتًا لتناول الغداء وشراء الهدايا التذكارية. هل نذهب إلى مكانٍ ما قبل ذلك؟”
ارتسمَت على وجهها علامات الدهشة لسببٍ ما، وبعد نظرها إليّ، سرعان ما عادت لابتسامتها المعتادة وأمسكَت ذراعي بقوة. ولجهلي بما يتوجّب عليّ فعله، داهمني الخوف. ولعلّها أدركَت ما شعرتُ به، فبدت عليها علامات الحرج، ثم سحبَت يدها وهمسَت: “آسفة.”
“هذا فظيع، لكن يا للوحدة.”
“ماذا، هل حاولتِ انتزاع بنكرياسي بالقوة؟”
على الرغم من أنني لم أسأله، استمر في الثرثرة بلا مبالاة. يبدو أن الشيء الوحيد الذي اتفقنا عليه هو أنها ليست راقية.
“لا، الأمر فقط أنه من النادر صدقكَ هكذا، لذا انجرفتُ في مشاعري. نعم، أنا أيضًا استمتعتُ كثيرًا. شكرًا جزيلًا لمرافقتي. أتساءل إلى أين ينبغي لنا الذهاب تاليًا. أظن أن التوجه شمالًا سيكون لطيفًا. أريد الاستمتاع بالبرد تمامًا.”
بناءً على أمرها، اخترتُ مرةً أخرى بطاقة ثانية. بقيت تسع جولات. بدا من المستبعد تمكني من الهرب في منتصف الطريق، لذا أملتُ أن تكون جميع الأسئلة المتبقية لي. يا للأسف، يبدو أنني لم أكن محظوظًا في مثل هذه الأوقات.
“لم تعاملين جسدك بهذه القسوة؟ أنا أكره البرد، لذا أرغب في الفرار إلى جنوبٍ أبعد من هذا.”
باغتني سؤال الفتاة التي ظلّت تقارن بين الأصناف المحلية في مجلة السفر بجانبي. نظرًا لأن مشهد خضرة الجبال قد هدّأ من روعي، فقد أجبتُ عن سؤالها بصراحة. ورغم أن اسمي ليس غريبًا لتلك الدرجة، إلا أنها راحَت تومئ برأسها باهتمام كبير. وعقب ذلك، همسَت باسمي الكامل لنفسها.
“واااه، نحن حقًا نسير في اتجاهات مختلفة!”
“أنا أشمها بالتأكيد! أليس أنفك هو الذي تعفن؟”
“… كما قلت، أردتُ فقط التجربة مرة واحدة. هذا يكفي.”
وبينما ما زلتُ أنظر إلى الفتاة التي نفخَت خديها في انزعاج مصطنع، فضضتُ غلاف الهدية التذكارية التي اشتريتُها لنفسي. وبعد إعطائها حصة من الوجبات الخفيفة، قضمتُ بنفسي وجبة خفيفة من نوع الخبز المطهو بالبخار. بدا طعم الزبدة حلوًا للغاية.
“أي شيء تتمنينه.”
وبحلول وقت وصولنا المدينة التي نقطنها، شرعَت سماء الصيف تكتسي ببطء لونًا أزرق غامقًا. استقللنا القطار إلى محطتنا المعتادة، وامتطينا دراجتينا إلى مكانٍ قريبٍ من مدرستنا قبل افتراقنا في المكان المعتاد. ونظرًا لأننا سنلتقي الاثنين على أيّ حال، سرعان ما ودّعنا – الفتاة وأنا – بعضنا البعض وتوجه كلٌ في طريقه إلى منزله.
أيقظتني أمي حين حان وقت العشاء، وتناولتُ المعكرونة المقلية أثناء مشاهدة التلفزيون. وفي حين قد يقول معظم الناس إن كلّ ما حدث حتى وصولي المنزل يمكن تسميته رحلة، فقد تعلمتُ أن الرحلة، بمعنىً ما، لا تنتهي حقًا إلا حين أتناول طعامي المعتاد المطهو في المنزل. لقد عدتُ إلى حياتي اليومية.
بعد أن انتهينا من إطعام السلاحف، مشينا على طول الممر بجانب المسبح ومررنا بمطعم. بناءً على اقتراحها، دخلنا إليه. جُهّز المتجر بمكيف هواء، فتنهدنا بشكل لا إرادي بسبب الراحة التي وفرها لنا. بدا المطعم واسعًا، وتواجدَت فيه ثلاث مجموعات أخرى من الزبائن غيرنا. جلست هناك عائلة، وزوجان مسنان أنيقان، ومجموعة من أربع سيدات كبيرات في السن انشغلن بحديث صاخب. جلسنا على الطاولة بجوار النافذة.
عند وصولي المنزل، لم يعد والداي بعد. وبعد غسل يديّ جيدًا وشطف فمي، لزمتُ غرفتي. وحين استلقيتُ على سريري، غشيتني موجة مفاجئة من النعاس. وبينما تساءلتُ عمّا إذا كنتُ متعبًا جسديًا، أو محرومًا من النوم، أو ربما كليهما، غلبني النوم.
“خمر البرقوق الممزوج بالصودا – أتساءل عمّا إذا بدَت هذه النسبة مناسبة.”
أيقظتني أمي حين حان وقت العشاء، وتناولتُ المعكرونة المقلية أثناء مشاهدة التلفزيون. وفي حين قد يقول معظم الناس إن كلّ ما حدث حتى وصولي المنزل يمكن تسميته رحلة، فقد تعلمتُ أن الرحلة، بمعنىً ما، لا تنتهي حقًا إلا حين أتناول طعامي المعتاد المطهو في المنزل. لقد عدتُ إلى حياتي اليومية.
“فقط إذا فعلتُ شيئًا غريبًا، أليس كذلك؟ لذا بالإضافة إلى القول إنني كنت بريئًا، أرجوكِ اشرحي الأمور بشكل صحيح.”
وطوال بقية عطلة نهاية الأسبوع، انعدم أيّ اتصالٍ منها على الإطلاق. وكالعادة، لزمتُ غرفتي أقرأ الكتب، ولم أغادرها إلا بمفردي وقت الظهيرة قاصدًا المتجر لشراء بعض الآيس كريم. وبعد إمضائي ما تبقى من اليومين دون أيّ أحداثٍ تُذكر، أدركتُ في ليلة الأحد حقيقةً ما.
لقد كنتُ أنتظر اتصالها بي.
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، “الوحدة القتالية”، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
عند ذهابي إلى المدرسة يوم الاثنين، شاع نبأ سفري معها في أرجاء الفصل كافة.
اهدأ…
شكرًا لقراءتكم هذا الفصل.
لستُ متأكدًا ممّا إذا كان الأمر مرتبطًا بذلك، لكنني وجدتُ حذائي الداخلي في سلة المهملات.
“……”
وأيًا يكن الأمر، لم يبدُ أنني ارتكبتُ خطأً عن غير قصد.
“أنا لا أتصرف ببرود أو أي شيء، أنا فقط أحب المشروبات الكحولية. ألن تشرب؟”
**********************************************************************
قبل أن يتسنى لها إبداء أي رد فعل، ألقيتُ بالفتاة التي بين ذراعيّ على السرير. تلاشَت الحرارة من ذراعيّ. بقيَت متجمدة، والصدمة لا تزال بادية على وجهها. وبينما كنتُ لاهثًا، ولا فضل للكحول والجهد البدني في ذلك، حدقتُ بها بينما انفرجَت شفتاها ببطء وهدوء عن ابتسامة قبل أن تبدأ بالضحك بطريقة تذكرنا بأصوات النقر التي تصدرها الخفافيش.
القياسات الثلاثة: على الأرجح تشير إلى الأبعاد الثلاثة للجسم وهي الصدر، الخصر، والورك.
يونيكلو: متجر مشهور للملابس منخفضة التكلفة.
“هيهي، أظن أنها لقاؤك. تيهي.”
الترجمة: Nobody
تاريخ الترجمة: 11 / 3 / 2026
“إذن بكلمة ’قطار‘، قصدتِ الشينكانسن؟ وعندما تقولين ’رحلة‘، إلى أي مدى تقصدين أن نذهب؟”
“لا، الأمر فقط أنه من النادر صدقكَ هكذا، لذا انجرفتُ في مشاعري. نعم، أنا أيضًا استمتعتُ كثيرًا. شكرًا جزيلًا لمرافقتي. أتساءل إلى أين ينبغي لنا الذهاب تاليًا. أظن أن التوجه شمالًا سيكون لطيفًا. أريد الاستمتاع بالبرد تمامًا.”
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
لم يُعد التحدث مع زميل في الفصل أمرًا مزعجًا، لكن بينما بدت الحالة غير العادية التالية تافهة، إلا أنها وضعتني في مزاج كئيب نوعًا ما. اختفت العلامة التي كان من المفترض أن تكون محصورة داخل كتابي الورقي. على الرغم من أنني تذكرت لحسن الحظ المشهد الذي توقفت عنده، إلا أن هذا المرجع لم يكن من النوع الذي يوزع مجانًا في المكتبات وما شابه؛ بل قطعة مصنوعة من البلاستيك الرقيق اشتريتها عندما ذهبت إلى المتحف سابقًا. لم أعرف متى فُقدت، ولكن على أي حال، ورغم أنني لم أشعر بأي مرارة لأن إهمالي بدا السبب الأساسي، إلا أنني شعرت بالإحباط لأول مرة منذ فترة.
__________________________________________
“هاه، هل ستحصلين على بينتو السكك الحديدية؟”
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ووفّقنا لما تحب وترضى، وثبّت أقدامنا على صراطك المستقيم.
عند وصولي المنزل، لم يعد والداي بعد. وبعد غسل يديّ جيدًا وشطف فمي، لزمتُ غرفتي. وحين استلقيتُ على سريري، غشيتني موجة مفاجئة من النعاس. وبينما تساءلتُ عمّا إذا كنتُ متعبًا جسديًا، أو محرومًا من النوم، أو ربما كليهما، غلبني النوم.
اللهم احفظ أهلنا في غزّة، وارفع عنهم الظلم والبلاء، وانصرهم نصرًا عزيزًا.
اللهم احفظ أهلنا في السودان، وارحم ضعفهم، واكشف كربهم، واجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا.
“ألم يكن هناك روائي يحمل اسمًا مشابهًا لاسمك؟”
استنتجتُ من تعبيرها نيتها استغلال فجوة الخبرة بيننا لتتغلب عليّ، وهذا بدوره أشعل حماسي – صممتُ على تلقينها درسًا أو اثنين.
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان، واحفظ المسلمين في جميع البلدان التي تعاني من الفتن والحروب، إنك على كل شيء قدير.
قارن موظف الاستقبال الورقة بشاشة الحاسوب، وعبس قبل تراجعه مؤقتًا إلى خلف المنضدة. انتظرتُ مثلها دون فعل شيء محدد، حتى عاد برفقة رجل أكبر سنًا؛ وانحنى الاثنان لها مرارًا وتكرارًا.
أشيحُ بنظري عن واقعها.
__________________________________________
شكرًا لقراءتكم هذا الفصل.
دعمكم محل تقدير ويحفّزني على تقديم الأفضل دائمًا.
للقرّاء مستخدمي أجهزة الأندرويد، يُفضّل متابعة القراءة عبر التطبيق لضمان أفضل تجربة.
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، “الوحدة القتالية”، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
إذا لاحظتم أي خطأ أو لديكم ملاحظة حول الترجمة، يُرجى مشاركتها عبر التعليقات أو روم الرواية في سيرفر ملوك الروايات على الديسكورد، يوزري على الديسكورد: readandrise
“قليلًا فقط.”
“لا تكترثي بذلك، سأسحب بطاقتي. حسنًا، الرقم 12 من الماس.”
لا تنسوا ترك تعليق واحد على الأقل للتعبير عن تقديركم ودعمكم لجهودي في تدقيق هذا الفصل، ولا تنسوني من دعائكم بالتوفيق ~
بعد تسجيل خروجنا بتمهل وحني رؤوسنا للموظفين، وامتثالًا لقرارها، استقلينا حافلة وتوجهنا إلى مركز تسوق مشهور على ما يبدو. مجمع تجاري بُني ليجري نهر خلاله، واحتوى على كل شيء من المتاجر التي تبيع الضروريات اليومية وصولًا إلى مرافق كبيرة مثل مسرح، وبدا أن العديد من السياح الأجانب يزورونه كمعلم سياحي. ملقيًا نظرة بنفسي عندما وصلنا، امتلكَت المنشأة الحمراء العملاقة تأثيرًا لا يُضاهى، وتضخ أجواء معلم حقيقي.
الفصل أخذ مني أربع ساعات 🙁
“ما الخطب؟”
وبالمناسبة، يمكنكم القول إنه يعادل نحو 6 فصول — بل أكثر قليلًا — من معظم الروايات العادية التي يبلغ متوسط الفصل فيها حوالي 2000 كلمة….
راقبتُ الفتاة التي بدت مستمتعةً للغاية، وبالتأكيد، أصبح الخمر حلوًا جدًا.
“ألا تنوي حقًا التحمس لهذه اللعبة؟ ها أنا قادمة – واااه، الرقم 2 من القلوب.”
وأيضًا ظهر لي تنبيه أنني نسيت علامة التنصيص في نهاية جملة معينة، فإذا صادفها أحد منكم أثناء القراءة سأكون شاكرًا له لو نبهني لأتمكن من تعديلها.
الحقيقة أنني تمنيتُ عكس ما تكهنَت به تمامًا، لكنني لم أخبرها بذلك. بالمناسبة، ألم يكن هذا معبود الدراسة؟ حسنًا، إنه معبود، لذا ربما لم تهم التفاصيل.
