الفصل 5
الفصل 5
“إذن هذا أنتَ.”
توالت سلسلة من الأحداث غير العادية منذ مطلع الصباح.
في النهاية، لم يكن الأمر مهمًا. مهما بدت الحالة، ربما لم يتبقَّ ما نكسبه من مواجهة بعضنا البعض أكثر من هذا، ولذا، أدرتُ ظهري له. فعلتُ ذلك ظنًا مني بأنه سيدعني أذهب. أو ربما، أردتُ فقط البقاء وحدي في أسرع وقت ممكن. لم يهم أيهما كذلك. لن يتغير مسار أفعالي.
أولًا، فقدتُ حذائي الداخلي كما ذكرتُ، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
وصلتُ إلى المدرسة كالمعتاد وفتحتُ خزائن الأحذية لأستخرج حذائي الداخلي – حدث ذلك في اللحظة نفسها التي همستُ فيها في قلبي: “هاه، أين ذهب؟”
بعد بضع ثوانٍ، تحول وجهه إلى الحالة الأخيرة.
“آه، مسألة الحبيبة؟ أنا فقط أتأكد. أنت لا تحبني أو أي شيء، أليس كذلك؟ مهما حدث، لن تشعر برغبة في جعلي حبيبتك، أليس كذلك؟”
“صباح الخير…”
“واو، تفاجأتُ للغاية. شعرتُ وكأن سنوات حياتي السبع عشرة مجرد كذبة. حسنًا، لا يهم، لقد اُعترف لي.”
وبينما تقول ذلك، أنزلَت نفسها بقوة على الكرسي الدوار خلف المنضدة. فترددَت صرخاته المليئة بالصرير في أرجاء المكتبة الهادئة.
نُوديتُ. وباستثناء تلك الفتاة، لم يتواجد أحد في صفي ليحييني، ولكن نظرًا لانخفاض نبرة صوتها جدًا، استدرتُ معتقدًا أن بنكرياسها ربما تعطل، فقابلتني مفاجأة.
إنها الصديقة المقربة للفتاة ترمقني بنظرة عدائية واضحة.
ردًا على ذلك الحدث غير المتوقع، تفاجأتُ بصراحة.
ارتجفتُ، لكن حتى أنا، غير البارع في التعامل الاجتماعي، علمتُ أن عدم الرد سيُعد وقاحة، لذا رددتُ بـ “صباح الخير” بتحفظ. حدقت في عينيّ، وأطلقَت همهمة ازدراء، وشرعَت في تغيير حذائها. ولكن نظرًا لفقدان حذائي، وقفتُ ساكنًا، لا أعرف ماذا أفعل.
ارتجفتُ، لكن حتى أنا، غير البارع في التعامل الاجتماعي، علمتُ أن عدم الرد سيُعد وقاحة، لذا رددتُ بـ “صباح الخير” بتحفظ. حدقت في عينيّ، وأطلقَت همهمة ازدراء، وشرعَت في تغيير حذائها. ولكن نظرًا لفقدان حذائي، وقفتُ ساكنًا، لا أعرف ماذا أفعل.
بينما تساءلتُ عمّا إذا ستغادر الصديقة المقربة، التي ارتدت حذاءها الداخلي، نظرَت في عينيّ مرة أخرى، وهمهمَت مجددًا. لم أغضب. ليس لأنني أمتلك ميولًا ماسوشية بالضرورة، بل لأنني رأيتُ التردد في عينيها. لابد أنها عجزَت عن تقرير كيفية التعامل معي.
وبما أنها متواجدة، دخلنا بطبيعة الحال من البوابة الأمامية بطريقة وقورة. ونظرًا لوجود بعض المسافة بين المدخل والباب، وُجِدَ أيضًا فارق زمني بسيط بين دخول المبنى وإغلاق مظلاتنا.
“يمكنك العودة إلى المنزل بمجرد أن يخف المطر قليلًا. لذا دعنا نستمر في اللعب حتى ذلك الحين.”
على أي حال، حتى لو حملَت أي عداء، أردتُ التعبير عن احترامي للفتاة التي رحبَت بي. لو كنتُ مكانها، لانتظرتُها حتمًا حتى تغادر خزائن الأحذية قبل تغيير حذائي.
في اليوم التالي عندما توجهتُ إلى المدرسة لحضور دروس إضافية، وجدتُ أن حذائي الداخلي لم يختفِ.
نهضتُ من مقعدي، وتوجهتُ إلى أقرب مرحاض من الفصل، وبالفعل، استقر حذائي الداخلي في سلة المهملات. ولحسن الحظ، خلَت السلة من أي قمامة تلوث الحذاء، لذا ارتديتُه وعدتُ بهدوء إلى الفصل. وعندما دخلتُ الغرفة، هدأَت الأجواء للحظة قبل عودتها إلى حالة القلق مجددًا.
حاولتُ البحث حول خزائن الأحذية لكنني لم أجد حذائي الداخلي. وتوقعًا لارتداء أحدهم إياه بالخطأ، وإعادته عاجلًا أم آجلًا، توجهتُ إلى فصلي، وأنا ما زلتُ أرتدي حذائي الخارجي.
بدت مضطربة، وأخرجَت منديلًا من جيبها ووضعَته على عيني اليسرى. لم أعلم أنني أنزف. لذا ربما لم ينتج عنفه عن يديه العاريتين. لكنني لم أرغب في معرفة هوية السلاح في هذا الوقت.
نُوديتُ. وباستثناء تلك الفتاة، لم يتواجد أحد في صفي ليحييني، ولكن نظرًا لانخفاض نبرة صوتها جدًا، استدرتُ معتقدًا أن بنكرياسها ربما تعطل، فقابلتني مفاجأة.
عندما دخلتُ الفصل، شعرتُ بنظرات فظة من اتجاهات متعددة، لكنني تجاهلتُها. ربما توقعوا دخولنا معًا، لكن منذ البداية، لم أهتم بالتحرك مع الفتاة. لم تصل هي بعد.
“كلا، الأمر محرج قليلًا، لكنني لم أقرأه.”
“فهمتُ، أظنني مهتمًا بذلك اهتمامًا استثنائيًا؛ لاعتقادي أن شخصية الإنسان تتجلى عبر الكتب التي يحبها. وأنا مهتم بنوع الكتاب الذي قد يحبه إنسان مثلكِ. إذن، ما هو هذا الكتاب؟”
جلستُ على مقعدي في آخر الصف، ووضعتُ الأشياء التي أحتاجُها من الحقيبة المخصصة للمدرسة على مكتبي. ستُعاد أوراق اختباراتنا اليوم، لذلك كل ما احتجتُه هو أوراق الأسئلة. بالإضافة إلى ذلك، وضعتُ مقلمتي وكتابي الورقي في المساحة أسفل المكتب.
بينما طالعتُ أسئلة اختبارات اليوم الآخر وفكرتُ في مكان حذائي الداخلي، حدثَت جلبة مفاجئة في الفصل. وتساءلتُ عما حدث، فرفعتُ رأسي ورأيتُ الفتاة تدخل الفصل من الباب الأمامي، لتبدو في مزاج جيد. أثار عدد من زملاء الدراسة ضجة وهم يرحبون بها، مطوقين إياها في دائرة. لم تدخل الصديقة المقربة الدائرة. وظهر على وجهها الاضطراب وهي تنظر إلى الفتاة العالقة داخل الدائرة. ثم، استرقَت نظرة في اتجاهي. وبما أنني نظرتُ إلى الصديقة المقربة، أبعدتُ عينيّ فورًا.
سرعان ما انجرف انتباهي عن همسات وغمغمة زملاء الدراسة الذين أحاطوا بها. وذلك لاعتقادي أن الأمر إن لم يشملني، فلن يهمني، وإن شملني، فلن يستحق العناء.
“لا تنظر إليّ بتلك العيون الناقدة. حسنًا إذن، سأعود للموضوع – لقد أخبرتكَ سابقًا بأنني لا أقرأ الكتب إطلاقًا.”
فتحتُ كتابي الورقي، وانطلقتُ إلى عالم الأدب. قوة التركيز المستمدة من حبي للكتب لن تُهزم أمام الضوضاء.
الترجمة: Nobody
“نُوديتُ بعد المدرسة أمس، واُعترف لي.”
أو هكذا ظننتُ، لكنني اكتشفتُ أنه مهما بلغ حبي للكتب، فإنني سأُسحب من عالم الكتب إذا تحدث إليّ أحدهم.
تسابقَت كلماتها بلا توقف داخل رأسي. شيء لا ينبغي فعله – ماذا يمكن أن يكون بالضبط؟ هل تحدثَت عن الوضع الحالي، أم شيء في المستقبل، أم ربما حتى أحد الأشياء التي فعلناها حتى الآن؟ اعتقدتُ بأن كل هذه تمثّل إجابات صحيحة. شكلَت جميعها أشياء لا ينبغي فعلها. اكتشافي لمرضها، وقضاؤها الوقت قبل وفاتها معي رغم عدم إعجابها بي حتى، وقضاؤنا الليلة معًا، ودخولي غرفتها – إذا تحدثتُ عن شيء لا ينبغي فعله، فقد بدا إمكانية كونه أيًا مما سبق.
“……أعتقد ذلك.”
لا نتحدث نحن الاثنان مع بعضنا البعض عادةً، لذا فوجئتُ. رفعتُ رأسي، ووقف أمامي فتى أظهر إمكانات في أنشطة التنظيف الجماعية. كالعادة، وبأسوأ تعبير، وقف يبتسم بلا تفكير.
“رغم أنكِ لا تبدين مدركة بأنكِ مجرد واحد من ثلاثة وجوه فقط استطعتُ تذكرها.”
أصبحَت مضطربة.
“يو، زميل الفصل المثير للاهتمام. إم. مهلًا، لماذا رميتَ حذاءكَ الداخلي؟”
بعد استعارة حقيبة لزيي المدرسي، بالإضافة إلى بعض الملابس، أُعرتُ الكتاب الذي وُعدتُ به. نظرًا لقراءتي الكتب بالترتيب الذي أحصل عليها به، سيستغرق الأمر بعض الوقت لإنهاء الكتب المكدسة بالفعل على رف كتبي. عندما أخبرتُها بذلك، قالت إنه لا بأس أن أعيده خلال عام. بمعنى آخر، تعهدتُ بالانسجام معها حتى تموت.
“… هاه؟”
ولأنني عادةً لا ألعب الألعاب تقريبًا على الإطلاق، مُنحت القليل من الوقت للتدرب. نظرتُ إلى الشاشة وأنا أتحكم في جهاز التحكم، بينما قدمَت هي لي نصائح مختلفة حول اللعبة. اعتقدتُ بأنها ربما ستتساهل معي، لكنني أخطأتُ تمامًا. في اللحظة التي بدأت فيها المباراة – متعطشة للانتقام من مباراة الشوغي السابقة – فعلَت تقنيةً ما غيرت لون الشاشة وأطلقت موجة غريبة من الطاقة من شخصيتها، جاعلةً من شخصيتي دمية قماشية.
“أعني ألم ترمِهما في سلة مهملات المرحاض؟ على الرغم من أنها لا تزال تبدو صالحة للارتداء، لماذا؟ هل دستَ على قاذورات كلب أو شيء من هذا القبيل؟”
“لقد عدتُ إلى المنزل!!”
“لو وُجدت قاذورات كلب داخل المدرسة، فستكون تلك هي المشكلة هنا. لكن، فهمتُ، شكرًا. لقد فقدته وكنتُ قلقًا بشأنه.”
“رغم أنكِ لا تبدين مدركة بأنكِ مجرد واحد من ثلاثة وجوه فقط استطعتُ تذكرها.”
“أوه؟ حسنًا إذن، كن أكثر حذرًا. هل تريد بعض العلكة؟”
“منزلكِ في الاتجاه المعاكس لمنزلي لذا لا أريد ذلك.”
“لا شكرًا. سأخرج قليلًا لإحضاره.”
“آه، شيء آخر، أين ذهبتَ مع ياماوتشي؟ لقد أصبح هذا موضوعًا ساخنًا آخر كما تعلم.”
غير مدرك لعدم اقتصار العمى على الحب فقط، وأن التفكير قادر على التسبب في العمى أيضًا، لم أدرك قدوم الصبي خلفي لمطاردتي حتى أمسك بكتفي.
بفضل الضجة في الفصل، أُخليت المقاعد من حولنا، ولذلك، لم يسمع سؤاله المباشر أحد سواي.
“آسف، سأذهب إلى المنزل الآن.”
“كما اعتقدتُ، هل تتواعدان؟”
في الخارج، غطَّت السحب الكثيفة السماء – بدا أن اليوم لن يكون مشمسًا جدًا. لم أكره الأيام الممطرة. وتناسب الشعور بإحاطة المطر بي جيدًا مع ما أشعر به في معظم الأيام، لذلك لم تتولد لدي أبدًا مشاعر سلبية تجاه المطر.
“كلا. التقينا صدفةً في المحطة. أتساءل عمن رآنا.”
بالتأكيد، إذا اختفيتُ فجأة، لن يلاحظ أحد.
“همم، فهمتُ. حسنًا، إذا حدث أي شيء مثير للاهتمام، فأخبرني!”
اعتذرتُ بصدق من أعماق قلبي.
وبينما يمضغ العلكة، عاد إلى مقعده. ورغم إمكانية القول بأنه شخص بسيط، اعتبرتُ طبيعته تلك لطيفة للغاية.
“بما أنك لم تقرأه، سأعيركَ نسختي من “الأمير الصغير”، فحاول قراءته! تعال إلى منزلي اليوم لتحصل عليه!”
نهضتُ من مقعدي، وتوجهتُ إلى أقرب مرحاض من الفصل، وبالفعل، استقر حذائي الداخلي في سلة المهملات. ولحسن الحظ، خلَت السلة من أي قمامة تلوث الحذاء، لذا ارتديتُه وعدتُ بهدوء إلى الفصل. وعندما دخلتُ الغرفة، هدأَت الأجواء للحظة قبل عودتها إلى حالة القلق مجددًا.
رأيتُ وجهها. رأيتُ الدموع. غمرتني العواطف. اجتاحتني أفكاري – ندمي – بشدة.
انتهَت الحصص دون أي حوادث. أدّيتُ أداءً جيدًا في الاختبارات التي استلمتها. في المقدمة، احتفلَت الفتاة بالنتائج مع الصديقة المقربة، وللحظة، التقَت عيوننا. ودون أي تحفظ، أرتني أوراق اختباراتها. لم أتمكن من رؤيتها بوضوح من بعيد، لكن بدت هناك العديد من علامات الصح. لاحظَت الصديقة المقربة تصرفات الفتاة ورسمت تعبيرًا مضطربًا، لذا أشحتُ بنظري عنها. أبعد من ذلك، لم أتلقَ أي تواصل منها في ذلك اليوم.
لم أجرِ أي محادثة معها في اليوم التالي أيضًا. وإن وجب القول عما حدث بيني وبين زملائي في الفصل، فقد رمقتني الصديقة المقربة بنظرة غاضبة مرة أخرى، وعرض عليّ الفتى المذكور أعلاه علكة. بخلاف ذلك، برزَت مشكلة شخصية – اختفت المقلمة التي اشتريتها من متجر المائة ين.
فكرتُ بقدر استطاعتي، لكنني لم أرَ سوى الندم داخل قلبي.
سنحَت فرصة التحدث معها لأول مرة منذ بضعة أيام في آخر يوم دراسي قبل العطلة الصيفية. ولكن حتى مع تسميتها عطلة صيفية، فبدءًا من اليوم التالي، سنأخذ أسبوعين من الدروس التكميلية، لذا افتقر اليوم لمعنى النهاية. في ذلك اليوم، توجّب علينا العودة إلى المنزل مباشرةً بعد الحفل الختامي وإيجاز إداري في الفصل، لكن المعلم المسؤول عن المكتبة طلب مساعدتي في بعض الأعمال بعد المدرسة. بالطبع، افترضَ أن أحضر الفتاة – عضو لجنة المكتبة أيضًا – معي.
بعد تغيير ملابسي، استُدعيتُ إلى غرفتها في الطابق الثاني. رأيتها هناك فوق سريرها، تجلس بوضعية سيزا*.
في هذا الأربعاء الممطر، ولأول مرة داخل الفصل، بادرتُ أنا بالمحادثة معها. وبينما تمسح السبورة كجزء من مهام التنظيف لليوم، أبلغتُها بما يتوجّب علينا القيام به. أمكنني ملاحظة عدد من النظرات الموجهة إلينا في مقدمة الفصل، ورغم ذلك، تجاهلتُها. أما هي، فبدت غير مهتمة من البداية.
بعد المدرسة، أخبرتني بأنها ستقفل الفصل، لذا تناولتُ الغداء في الكافتيريا بمفردي أولًا قبل التوجه إلى المكتبة. ونظرًا لكونه يوم الحفل الختامي، قل عدد الطلاب في المكتبة عن المعتاد.
قال ذلك لتبرير أفعاله. ربما اعتقد أن هذا سيجعلها تراه بصورة أفضل. ربما أراد منها النظر إليه مرة أخرى. لم يعد الفتى الأعمى قادرًا على رؤية قلبها.
تمثّلت مهمتنا في إدارة المنضدة أثناء حضور المعلم المسؤول عن المكتبة لاجتماعٍ ما. بعد مغادرة المعلم للمكتبة، جلستُ عند المنضدة أقرأ حينما جاء اثنان من زملاء الفصل لاستعارة بعض الكتب. وبدت الفتاة المطيعة غير مهتمة بي، وسألت: “أين ساكورا؟” وبنفس التعبير اللطيف والنبرة المعتادة في الفصل، سألني الفتى ممثل الفصل أيضًا: “أين ياماوتشي-سان؟” فأجبتُ كليهما بأنها في الفصل على الأرجح.
“كلا. التقينا صدفةً في المحطة. أتساءل عمن رآنا.”
وقفتُ ومشيتُ نحو رف الكتب. ولم يخف المطر على الإطلاق.
وصلَت تلك الفتاة بعد ذلك بوقت قصير. كالعادة، ارتدت ابتسامة لا تتناسب مع الطقس.
“قلتَ، إنها ساكورا، أليس كذلك؟”
“يو-هو، هل شعرتَ بالوحدة بدوني؟”
“إذن هذا أنتَ.”
“إذن هناك أشخاص يقولون يو-هو خارج الجبال، هاه. هل اعتقدتِ بوجود صدى أو شيء من هذا القبيل؟ بالمناسبة، بحث بعض زملاء الفصل عنكِ.”
“أوه صحيح، بما أننا لا نستطيع اللعب بالخارج في يوم ممطر كهذا، عليك المجيء إلى منزلي اليوم – لا بأس، أليس كذلك؟”
“ما أريد فعله، كما ترى-”
“من؟”
“حسنًا لستُ متأكدًا من أسمائهم حقًا. أحدهما فتاة مطيعة، والآخر فتى من لجنة الفصل.”
بفضل الضجة في الفصل، أُخليت المقاعد من حولنا، ولذلك، لم يسمع سؤاله المباشر أحد سواي.
“آه، فهمت، حسنًا حسنًا.”
في الخارج، غطَّت السحب الكثيفة السماء – بدا أن اليوم لن يكون مشمسًا جدًا. لم أكره الأيام الممطرة. وتناسب الشعور بإحاطة المطر بي جيدًا مع ما أشعر به في معظم الأيام، لذلك لم تتولد لدي أبدًا مشاعر سلبية تجاه المطر.
وبينما تقول ذلك، أنزلَت نفسها بقوة على الكرسي الدوار خلف المنضدة. فترددَت صرخاته المليئة بالصرير في أرجاء المكتبة الهادئة.
امتلكَت ألعابًا مختلفة، وتواجهنا وجهًا لوجه في العديد منها، لكن المواجهة التي أحببتُها أكثر تمثّلت في لعبة السباق. ورغم أنها مسابقة بين لاعبين، فقد مثّلت في النهاية معركة ضد الوقت، وبالتالي معركة ضد نفسي، مما جعلها ربما لعبة تتناسب مع شخصيتي.
“أتساءل عما إذا كنتِ ستتمكنين من اختراق إرادتي الأصلب من فرويتش.”
“الكرسي يبكي، كما تعلمين.”
“هل تعتقدين أنه من المناسب قول ذلك لآنسة؟”
“كنتُ أحيي منزلي. ففي النهاية، إنه المكان الثمين الذي نشأتُ فيه.”
“نُوديتُ بعد المدرسة أمس، واُعترف لي.”
“لا أعتقد أنكِ كذلك على أي حال.”
“إيهيهيهيهي، هل من المناسب حقًا قول ذلك؟ بالأمس، تلقيتُ اعترافًا بالحب من فتى.”
صدرَ الصوت الهادئ عن ذكر. استدرتُ على الفور، وهناك وقف زميل لي تحت مظلة. حتى مناداته لي، لم ألحظ وجوده على الإطلاق. وجدتُ الأمر غريبًا. أولًا حقيقة مناداته لي. ثانيًا كيفية تعبيره عن عاطفة تشبه الغضب، على الرغم من تركه دائمًا انطباعًا بامتلاك ابتسامة لطيفة.
“………… هاه؟ ما هذا؟”
“…………”
ردًا على ذلك الحدث غير المتوقع، تفاجأتُ بصراحة.
بالتفكير في الأمر، ربما انفعلتُ أنا أيضًا. مثَّلت هذه تقريبًا تجربتي الأولى في الدخول فيما يسمى بالشجار. أن تتصادم المشاعر، وأن أفقد الجزء القادر على التفكير بعقلانية مني.
وربما لرضاها عن رد فعلي، رفعَت زوايا شفتيها إلى أقصى حد، وجعدَت الفراغ بين حاجبيها. وهو تعبير أثار أعصابي.
“إذن، أخبرني ما طبيعة علاقتكما! تناول الطعام والذهاب في رحلة معها بمفردكما، ثم اليوم، ذهبت بمفردك إلى منزل تلك الفتاة للعب – أصبح هذا موضوعًا ساخنًا في الفصل! بأنكَ بدأت فجأة في ملاحقتها.”
“نُوديتُ بعد المدرسة أمس، واُعترف لي.”
“ألا تعلم بسقوطكِ في عقاب شديد إذا كذبتِ؟”
“آسف على التطفل.”
“إذا صح ذلك، فهل من المناسب حقًا إخباري؟”
“على أي حال، لا نمتلك نوع العلاقة الذي تعتقده أنت أو الفصل.”
“ولكي أتمكن من تنفيذه، تحققتُ مما إذا أردتَ جعلي حبيبتك.”
“أما عن هويته، فمن المؤسف كونه سرًا، لذا – ميفي-تشان.”
في هذا الأربعاء الممطر، ولأول مرة داخل الفصل، بادرتُ أنا بالمحادثة معها. وبينما تمسح السبورة كجزء من مهام التنظيف لليوم، أبلغتُها بما يتوجّب علينا القيام به. أمكنني ملاحظة عدد من النظرات الموجهة إلينا في مقدمة الفصل، ورغم ذلك، تجاهلتُها. أما هي، فبدت غير مهتمة من البداية.
رسمت علامة تقاطع على شفتيها بسبابتيها.
حلو جدًا.
“هل يعقل أنكِ من أولئك الذين يعتقدون أن التقاطع على ميفي-تشان يمثل فمًا؟ إنه في الواقع مقسوم من المنتصف – الجزء العلوي للأنف والسفلي للفم.”
“أنت تمزح!”
لم أتحدث مجددًا. لهذا السبب، بينما هدأتُ مشاعري الخاصة ونظرتُ بصمت إلى وجهه، نفد صبره أولًا. بوجه يبدو وكأنه ابتلع حشرة مريرة للتو، ناداني.
وبينما أشرح لها برسمة، صرخَت بصوت عالٍ مزعج بلا حدود داخل المكتبة. وبطالعة عينيها وفمها مفتوحين على مصراعيهما، شعرتُ بالرضا. انتهت معركة الانتقام من مسابقة اللهجات.
“آه، فهمت، حسنًا حسنًا.”
“واو، تفاجأتُ للغاية. شعرتُ وكأن سنوات حياتي السبع عشرة مجرد كذبة. حسنًا، لا يهم، لقد اُعترف لي.”
انتهَت الحصص دون أي حوادث. أدّيتُ أداءً جيدًا في الاختبارات التي استلمتها. في المقدمة، احتفلَت الفتاة بالنتائج مع الصديقة المقربة، وللحظة، التقَت عيوننا. ودون أي تحفظ، أرتني أوراق اختباراتها. لم أتمكن من رؤيتها بوضوح من بعيد، لكن بدت هناك العديد من علامات الصح. لاحظَت الصديقة المقربة تصرفات الفتاة ورسمت تعبيرًا مضطربًا، لذا أشحتُ بنظري عنها. أبعد من ذلك، لم أتلقَ أي تواصل منها في ذلك اليوم.
“من؟”
“آه، عدنا إلى ذلك الموضوع. ومِن ثَم؟”
“هل تعتقدين أنه من المناسب قول ذلك لآنسة؟”
“أجل، اعتذرتُ له. لماذا تظن ذلك؟”
“ماذا تعني بكوني عنيدًا! أنا، أنا فقط…”
“من يدري.”
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 7 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉ibrahim shazly💎 5004Hamood Mahemed💎 5005الخال!💎 100
“لن أخبر~ك.”
أذهلني تغيرها المفاجئ.
هكذا قال. واجهني، لكن من الواضح أن تلك الكلمات لم تُوجه إليّ. علمتُ أنني استثرتُ غضبه. فكرتُ في إيذائه، لذا استحققتُ الأذى. تفكرتُ في نفسي بعمق.
“إذن دعيني أخبركِ شيئًا – عندما يقول شخص ما (“من يدري”) و(“هممم”)، فهذا يعني عدم اهتمامه بسؤالكِ كثيرًا. والآن، ألم أقل (“من يدري”) أو شيئًا من هذا القبيل في مكانٍ ما؟”
بدا أن الدم لم يهدأ في رأسه بعد. من الجيد لو توفرت طريقة لتهدئته، لكن إن اخترتُ الكلمات الخاطئة – لا، حتى لو لم أختر كلمات خاطئة، فمن المحتمل إضافتي الزيت على النار. بلا شك، يعود ذلك إلى تجاوزي حدودًا عاطفيةً ما بالنسبة إليه.
“لماذا ساكورا-”
بدا أنها أرادَت الرد، لكن شخصًا ما جاء لاستعارة كتاب، لذا لم تُنطق تلك الكلمات أبدًا. وبعد تعاملها الجاد مع العمل عند المنضدة، غيرَت الموضوع.
لم أجب، فنقر لسانه.
أسمَت ذلك “التصالح.”
“أوه صحيح، بما أننا لا نستطيع اللعب بالخارج في يوم ممطر كهذا، عليك المجيء إلى منزلي اليوم – لا بأس، أليس كذلك؟”
امتلكتُ خبرة في لعب ألعاب التلفزيون، لكن مر بعض الوقت منذ أن لمستُ إحداها آخر مرة.
ماذا ينبغي أن أفعل؟
“منزلكِ في الاتجاه المعاكس لمنزلي لذا لا أريد ذلك.”
“آآآآه، كم هذا محرج. إنها مجرد مزحة، مجرد مزحة! العبث المعتاد نفسه. لا تخلق مثل هذا الجو المحرج، أوف.”
“ينطبق الأمر نفسه على زميل الدراسة العادي – لماذا أنت في هذا النوع من الأماكن؟”
“لا ترفضني هكذا ببساطة وبسبب عادي! سيبدو الأمر وكأنك لا تريد دعوتي حقًا!”
“يا له من أمر مزعج، وكأنكِ تعتقدين أنني لا أمانع إطلاقًا.”
جلستُ على مقعدي في آخر الصف، ووضعتُ الأشياء التي أحتاجُها من الحقيبة المخصصة للمدرسة على مكتبي. ستُعاد أوراق اختباراتنا اليوم، لذلك كل ما احتجتُه هو أوراق الأسئلة. بالإضافة إلى ذلك، وضعتُ مقلمتي وكتابي الورقي في المساحة أسفل المكتب.
“ماذا- حسنًا لا يهم، أنت تقول هذا النوع من الأشياء، ولكن في النهاية، ستخرج للعب معي.”
أنا، وعلى الأرجح بعينين ملأتهما اللامبالاة، واصلتُ النظر إليها مباشرة. لم تحاول هي أيضًا تجنب نظراتي. التحديق في بعضنا البعض فوق سرير – لا يمكن للأمور أن تصبح أكثر رومانسية من ذلك.
وقفتُ ومشيتُ نحو رف الكتب. ولم يخف المطر على الإطلاق.
حسنًا، ربما صح ذلك. فإذا أُعطيتُ سببًا مناسبًا، أو هُددتُ، أو قُدم لي مبرر عادل، سأنتهي بمجاراة دعوتها. أنا قارب من القصب، غير قادر على مقاومة التيار حتى لو مُنحتُ مخرجًا – لا يوجد سبب آخر سوى ذلك.
“فقط استمع لما سأقوله الآن. إذا استمعتَ، فربما تأتي إلى منزلي بطاعة.”
“أتساءل عما إذا كنتِ ستتمكنين من اختراق إرادتي الأصلب من فرويتش.”
“إنها ساكورا أليس كذلك؟”
“فقط استمع لما سأقوله الآن. إذا استمعتَ، فربما تأتي إلى منزلي بطاعة.”
“هذا يعني أنها مجرد شراب سكري رغم ذلك. لكن فرويتش يبعث على الحنين هاه، لم أتناوله منذ فترة – يجب أن أشتريه في المرة القادمة. في مدرستي الابتدائية، أعدته أمي لي طوال الوقت. أحب نكهة الفراولة.”
“همم، تدفق أفكاركِ يشبه الزبادي أيضًا، هاه. يبدو أنه سيمتزج جيدًا مع إرادتي.”
“لو وُجدت قاذورات كلب داخل المدرسة، فستكون تلك هي المشكلة هنا. لكن، فهمتُ، شكرًا. لقد فقدته وكنتُ قلقًا بشأنه.”
“أوهو، هل تريد تجربة مزجه؟”
شرعتُ في التفكير. أنا، من استعاد رباطة جأشه أخيرًا، غصتُ في أفكاري.
هكذا قال. واجهني، لكن من الواضح أن تلك الكلمات لم تُوجه إليّ. علمتُ أنني استثرتُ غضبه. فكرتُ في إيذائه، لذا استحققتُ الأذى. تفكرتُ في نفسي بعمق.
أرخَت شريط زيها الصيفي، وفكت زرًا – لابد أنها شعرت بالحر. أو ربما هي مجرد حمقاء. همم، ربما الاحتمال الأخير.
مم شعرت بالارتياح؟ اعتقدتُ بغرابة ذلك.
“لا تنظر إليّ بتلك العيون الناقدة. حسنًا إذن، سأعود للموضوع – لقد أخبرتكَ سابقًا بأنني لا أقرأ الكتب إطلاقًا.”
“…………أنتَ الأسوأ.”
“أجل، ورغم ذلك ما زلتِ تقرأين المانغا.”
الغضب الموجه نحو الفتاة – التي استمرَت في الكلام وكأنه سيبدد الإحراج الذي لحق بي – بدأ يتشكل ببطء داخل أحشائي، حتى لم يعد من الممكن احتماله.
“أجل، لكنني تذكرتُ شيئًا منذ ذلك الحين. أنا لا أقرأ الكتب أساسًا، ولكن يوجد كتاب واحد أحببتُه منذ صغري. حصلتُ عليه من والدي رغم ذلك. ألستَ مهتمًا؟”
لم أسمع أي رد. ظلَّت فوق السرير، مستلقية في وضعيتها نفسها عندما دفعتُها أرضًا.
تحدثتُ عمّا أثار اهتمامي في الفتى المتروك في المطر. ممثّل فصلنا، كما ظننت، حبيبها السابق. قلتُ بصدق ما خطر ببالي وسط المطر. من الأفضل لها التواجد مع شخص يفكر فيها بجدية، بدلًا من التواجد معي. لأن لقاءنا في المستشفى ذلك اليوم ليس سوى مجرد مصادفة.
“فهمتُ، أظنني مهتمًا بذلك اهتمامًا استثنائيًا؛ لاعتقادي أن شخصية الإنسان تتجلى عبر الكتب التي يحبها. وأنا مهتم بنوع الكتاب الذي قد يحبه إنسان مثلكِ. إذن، ما هو هذا الكتاب؟”
وبعد توقف متكلّف لإحداث تأثير، أجابَت.
نظرنا في عيون بعضنا البعض. وتشبث الصمت بنا.
“إنه “الأمير الصغير”، هل سمعتَ عنه؟”
“إذا شعرتَ برغبة في ذلك، هاه. همم، أتعلم.”
“كتاب سانت إكزوبيري؟”
سحبَت ذراعي بقوة، وسارَت في اتجاهه. نظرتُ إلى وجهه. رأيتُ الدمار، واقتنعتُ باحتمالية ألا يسرق أشيائي بعد الآن.
خلف الصبي الذي يعلو صدره ويهبط مع كل نفس، لمحتُ طيف شخص واقف.
“ماذا! لقد سمعتَ عنه؟ مستحيل، نظرًا لكونه كتابًا أجنبيًا، اعتقدتُ أن الزميل المتوافق كن لن يعرفه وسيندهش، لكنني خسرتُ.”
“كما اعتقدتُ، هل تتواعدان؟”
عبسَت ودفعَت بوزنها على مسند الظهر، لتبدو مستنزفة الطاقة. ومرة أخرى، تردد صوت صرير.
“… فقط الأشخاص غريبو الأطوار في رؤوسهم من يحيون بحماس مساحة خالية كما تعلمين.”
“من طريقة افتراضكِ عدم شهرة “الأمير الصغير”، يمكنني الشعور حقًا بمدى عدم اهتمامكِ بالكتب.”
“فهمتُ، فمن نظرة وجهك، يعني ذلك أنك قرأتَه أيضًا؟ غاه!”
“إنه “الأمير الصغير”، هل سمعتَ عنه؟”
“ربما إذا شعرتُ برغبة في ذلك.”
“كلا، الأمر محرج قليلًا، لكنني لم أقرأه.”
ربما وقع في الحب. وبالتالي، يواجهني بغيرة مضللة. لقد أُعمي، وبذلك فقد قدرته على الملاحظة، وكذلك على النظر إلى نفسه بموضوعية. من المحتمل فقدانه لأشياء أخرى أيضًا.
“فهمتُ!”
“إذن دعيني أخبركِ شيئًا – عندما يقول شخص ما (“من يدري”) و(“هممم”)، فهذا يعني عدم اهتمامه بسؤالكِ كثيرًا. والآن، ألم أقل (“من يدري”) أو شيئًا من هذا القبيل في مكانٍ ما؟”
وبعد استعادتها لطاقتها فجأة، نهضَت ورفعَت ارتفاع كرسيها. فرفعتُ ارتفاع كرسيي بعدها. وبطبيعة الحال، ارتسمَت ابتسامة مشرقة على وجهها. وبطريقةٍ ما، انتهى بي الأمر بإسعادها.
“حسنًا، اعتقدتُ أن هذا هو الحال على الأرجح.”
“لماذا تتواجد ساكورا مع شخص مثلك؟”
“ألا تعلم بسقوطكِ في عقاب شديد إذا كذبتِ؟”
ما الذي ظنتني إياه بحق؟ شعرتُ بأنني أُهنت، وربما مثَّل ذلك حقيقة الأمر أيضًا.
بالتأكيد، إذا اختفيتُ فجأة، لن يلاحظ أحد.
“بما أنك لم تقرأه، سأعيركَ نسختي من “الأمير الصغير”، فحاول قراءته! تعال إلى منزلي اليوم لتحصل عليه!”
أسمَت ذلك “التصالح.”
“ألا يمكنكِ إحضاره معكِ ببساطة؟”
“أتعني أنك تريد من فتاة حمل شيء ثقيل؟”
“لم أقرأه قط، لكنني متأكد تمامًا بأنه مجرد كتاب ورقي.”
بهذه الكلمات فقط، فتحتُ باب الغرفة التي ربما لن أعود إليها أبدًا، وبخطوات سريعة، تسللتُ هاربًا. لم يأتِ أحد لمطاردتي.
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان، واحفظ المسلمين في جميع البلدان التي تعاني من الفتن والحروب، إنك على كل شيء قدير.
“إحضاره إلى منزلك سيفي بالغرض أيضًا.”
اللهم احفظ أهلنا في غزّة، وارفع عنهم الظلم والبلاء، وانصرهم نصرًا عزيزًا.
“أتساءل عمّا حدث لكونه ثقيلًا. حسنًا لا يهم، لقد سئمتُ من الجدالات العقيمة معكِ، وإذا كنتِ مستعدة للذهاب بعيدًا حتى المجيء لمنزلي، فسأكون أنا من سيذهب.”
وتوافقًا مع تحية عودتها الحيوية إلى المنزل، قدمَت بتحفظ بضع كلمات. تعود آخر ذكرى لي بلقاء والدي زميل في الفصل إلى مشاركتي في زيارة صفية في المدرسة الابتدائية، لذا غني عن القول إنني توترت.
“لم أقرأه قط، لكنني متأكد تمامًا بأنه مجرد كتاب ورقي.”
هذه المرة، شكل ذلك مبرري العادل.
“زميل الدراسة العادي كن.”
ماذا ينبغي لي أن أفعل؟
بصدق، ربما امتلكت حتى هذه المكتبة نسخة من كتاب مشهور كـ “الأمير الصغير”، لكنني لم أرغب في إفساد مزاج الفتاة عضو لجنة المكتبة بغرابة رغم جهلها بالكتب، لذا التزمتُ الصمت. أما عن سبب عدم قراءتي لكتاب بتلك الشهرة حتى الآن، فحتى أنا لا أعرف. لقد شكل الأمر مسألة توقيت بالتأكيد.
“أوه، هذا إدراك جيد للموقف. هل حدث شيءٌ ما؟”
“لقد أصبحتُ أكره تاكاهيرو الآن. لذا لا تفعل أي شيء لي أو لمن حولي أبدًا مرة أخرى.”
“لقد تعلمت ذلك منكِ للتو. أنه لا معنى لوقوف قارب من القصب في طريق سفينة كبيرة.”
“منزلكِ في الاتجاه المعاكس لمنزلي لذا لا أريد ذلك.”
“هذا عناق. ولذا، وبدءًا من الآن، يمثل هذا شيئًا لا ينبغي فعله.”
“هذا من طباعك، أحيانًا تقول أشياء لا أفهمها.”
انهار الجزء العلوي من جسدها فوق السرير. أفلتُّ كتفيها، وأمسكتُ بكلتا ذراعيها حتى لا تتمكن من الحركة. فرغ ذهني تمامًا.
بينما شرحت لها التعبير المجازي بجدية، عادَت المعلمة المسؤولة عن المكتبة. وكالعادة، تجاذبنا أطراف الحديث مع المعلمة أثناء تناول الشاي والوجبات الخفيفة، نادبين سوء حظنا في اضطرارنا للعودة إلى المدرسة لمدة أسبوعين اعتبارًا من اليوم التالي، ثم غادرنا المدرسة في ذلك اليوم.
“عائلتي ليست موجودة رغم ذلك.”
في الخارج، غطَّت السحب الكثيفة السماء – بدا أن اليوم لن يكون مشمسًا جدًا. لم أكره الأيام الممطرة. وتناسب الشعور بإحاطة المطر بي جيدًا مع ما أشعر به في معظم الأيام، لذلك لم تتولد لدي أبدًا مشاعر سلبية تجاه المطر.
“ستُصاب بالبرد، أيها الزميل البغيض…”
أجبتُها أثناء تفادي موزة على الشاشة.
“ألا تكررره المطر؟”
“حسنًا لستُ متأكدًا من أسمائهم حقًا. أحدهما فتاة مطيعة، والآخر فتى من لجنة الفصل.”
“… مشاعرنا تسير حقًا في اتجاهات مختلفة، أليس كذلك؟”
لزمتُ الصمت، مكتفيًا بالنظر في عينيها.
“هل يوجد أشخاص يحبون المطر أصلًا؟”
“أيها الزميل البغيض! دم، يخرج منك دم!”
أيقنتُ تمامًا بوجودهم. ودون إجابة، مشيتُ أمامها. لم أعرف الموقع الدقيق لمنزلها، لكنني علمتُ بوقوعه في الاتجاه المعاكس لمنزلي، لذا مشيتُ ببساطة في الاتجاه المعاكس الذي أسلكه عادةً من بوابة المدرسة.
“هل دخلت غرفة فتاة من قبل؟”
هكذا سألتني الفتاة بجانبي.
“لم أفعل، لكن بما أنها ستكون مجرد غرفة لطالبة ثانوية أخرى، أفترض عدم وجود أي شيء مثير للاهتمام حولها.”
“مهلًا، مهلًا، ما الخطب؟ هذا ليس من شيمك، أيها الزميل المتوافق كن. لستَ الشخص الذي يقوم بمثل هذا المقلب، أليس كذلك؟ مهلًا، أفلتني.”
اللهم احفظ أهلنا في غزّة، وارفع عنهم الظلم والبلاء، وانصرهم نصرًا عزيزًا.
“حسنًا، أعتقد أنك أصبتَ في ذلك. غرفتي بسيطة جدًا. غرفة كيوكو بها مجموعة من ملصقات الفرق الموسيقية وأشياء أخرى، لذا تبدو صبيانية أكثر من غرفة الصبيان. أما بالنسبة لهينا التي تهتم بها كثيرًا، فغرفتها مليئة بالحيوانات المحشوة والأشياء اللطيفة. هذا صحيح، ربما في المرة القادمة يجب أن نذهب إلى مكانٍ ما مع هينا؟”
“أجل، ورغم ذلك ما زلتِ تقرأين المانغا.”
“سأضطر إلى الرفض. لأنني أشعر بالتوتر حول الفتيات الجميلات، ولن أتمكن من التحدث بشكل لائق.”
“اجلس في أي مكان تريده، يمكنك الدخول إلى السرير إذا كنت تشعر بالنعاس أيضًا. سأخبر كيوكو رغم ذلك.”
“قول ذلك بهذه الطريقة يجعله يبدو وكأنك تقول إنني لستُ لطيفة، لكن لا فائدة من ذلك، لأنني لم أنسَ تلك الليلة التي قلتَ فيها إنني ثالث ألطف فتاة.”
لم يقل ذلك بشكل قاطع، لذا لم أستطع التوصل إلى أي استنتاجات في هذه اللحظة، لكنه على الأرجح حبيبها السابق. نظر إليّ من أعلى وهو يتنفس بصعوبة.
“رغم أنكِ لا تبدين مدركة بأنكِ مجرد واحد من ثلاثة وجوه فقط استطعتُ تذكرها.”
حسنًا، شكّل ذلك مبالغة بعض الشيء، لكنني حقًا لم أتذكر وجوه جميع زملائي في الفصل. لم أتفاعل كثيرًا مع الناس، لذا أعتقد أن قدرتي على تذكر الوجوه تراجعَت لأنني لم أحتج أبدًا إلى استخدامها فعليًا. والسباقات التي لا يملك المرء خيارًا سوى المشاركة فيها لا يجب أن تُحسب.
يبعد منزلها نفس المسافة تقريبًا التي يبعدها منزلي عن المدرسة. ومختلطًا في الحي حيث تصطف المنازل الكبيرة في صفوف، وُجِدَ منزل بجدران كريمية اللون وسقف أحمر – ذلك هو المنزل الذي تعيش فيه.
حلو جدًا.
“آه، شيء آخر، أين ذهبتَ مع ياماوتشي؟ لقد أصبح هذا موضوعًا ساخنًا آخر كما تعلم.”
وبما أنها متواجدة، دخلنا بطبيعة الحال من البوابة الأمامية بطريقة وقورة. ونظرًا لوجود بعض المسافة بين المدخل والباب، وُجِدَ أيضًا فارق زمني بسيط بين دخول المبنى وإغلاق مظلاتنا.
ربما، بشكل غير متوقع، شكَّت في رغبتي سرًا في تحول العلاقة بيننا إلى علاقة عشاق.
وبدعوة من الفتاة للدخول، هربتُ من المطر كقط كاره للماء.
تبددت آمالي الضئيلة في كون الأمر مجرد سوء فهم من جانبه بسبب التعبير الذي ارتسم عليه أثناء طحن أسنانه. وبذلك، يمكنني التصريح بشكل قاطع بمواجهته لي بمشاعر غير ودية إلى حد ما. كل ما في الأمر أنني لم أفهم سبب مشاعره بعد.
“لقد عدتُ إلى المنزل!!”
“كنتُ أحيي منزلي. ففي النهاية، إنه المكان الثمين الذي نشأتُ فيه.”
“آسف على التطفل.”
لا نتحدث نحن الاثنان مع بعضنا البعض عادةً، لذا فوجئتُ. رفعتُ رأسي، ووقف أمامي فتى أظهر إمكانات في أنشطة التنظيف الجماعية. كالعادة، وبأسوأ تعبير، وقف يبتسم بلا تفكير.
وتوافقًا مع تحية عودتها الحيوية إلى المنزل، قدمَت بتحفظ بضع كلمات. تعود آخر ذكرى لي بلقاء والدي زميل في الفصل إلى مشاركتي في زيارة صفية في المدرسة الابتدائية، لذا غني عن القول إنني توترت.
“… مشاعرنا تسير حقًا في اتجاهات مختلفة، أليس كذلك؟”
لم يقل الفتى المدعو تاكاهيرو أي شيء. عندما نظرتُ أخيرًا إلى ظهره، بدا وكأنه يبكي.
“عائلتي ليست موجودة رغم ذلك.”
لم أمتلك أي اعتراضات خاصة على ما قاله بكراهية حول طبيعتي كإنسان. ربما بدا الأمر كذلك، وربما مثَّل الحقيقة.
مع بدء تبدد غضبي، ومن أعماق أحشائي، شعرتُ بندمي يبدأ في الغليان.
“… فقط الأشخاص غريبو الأطوار في رؤوسهم من يحيون بحماس مساحة خالية كما تعلمين.”
“كنتُ أحيي منزلي. ففي النهاية، إنه المكان الثمين الذي نشأتُ فيه.”
احترتُ في الرد على الفتاة التي تقول أشياء لائقة من حين لآخر. ومرة أخرى، قلتُ: “آسف على التطفل” – هذه المرة للمنزل، وخلعتُ حذائي بعدها.
“فهمتُ، أظنني مهتمًا بذلك اهتمامًا استثنائيًا؛ لاعتقادي أن شخصية الإنسان تتجلى عبر الكتب التي يحبها. وأنا مهتم بنوع الكتاب الذي قد يحبه إنسان مثلكِ. إذن، ما هو هذا الكتاب؟”
“يا له من أمر مزعج، وكأنكِ تعتقدين أنني لا أمانع إطلاقًا.”
ذهبَت لتشغيل الكهرباء، وبدا وكأن منزلها عاد إلى الحياة. ورافقتُها إلى الحمام لتنظيف أيدينا وشطف أفواهنا، ثم توجهنا إلى غرفتها في الطابق الثاني.
في النهاية، لم يكن الأمر مهمًا. مهما بدت الحالة، ربما لم يتبقَّ ما نكسبه من مواجهة بعضنا البعض أكثر من هذا، ولذا، أدرتُ ظهري له. فعلتُ ذلك ظنًا مني بأنه سيدعني أذهب. أو ربما، أردتُ فقط البقاء وحدي في أسرع وقت ممكن. لم يهم أيهما كذلك. لن يتغير مسار أفعالي.
آخر ما رأيتُه من وجهه المجاور لوجهي تمامًا، التواؤه إلى مستوى لم أره بعد في الدقائق القليلة الماضية. لم أعرف معنى ذلك التعبير، لكن الأمر لم يهم. حتى لو فهمت، لما تغيرت النتيجة.
اتسمت غرفة الفتاة الأولى التي رُحِّبَ بي فيها – بكلمة واحدة – بالكبر. ماذا كبر تحديدًا؟ كل شيء. الغرفة نفسها، والتلفزيون، والسرير، ورف الكتب، والكمبيوتر. شعرتُ بالحسد، أو هكذا شعرتُ لثانية؛ ولكن عندما فكرتُ بأن كل ذلك يتناسب طرديًا مع حزن والديها، تلاشى شوقي على الفور. وإن وُجِدَ شيء، فقد بدت الغرفة وكأنها مليئة بالفراغ.
أرخَت شريط زيها الصيفي، وفكت زرًا – لابد أنها شعرت بالحر. أو ربما هي مجرد حمقاء. همم، ربما الاحتمال الأخير.
“اجلس في أي مكان تريده، يمكنك الدخول إلى السرير إذا كنت تشعر بالنعاس أيضًا. سأخبر كيوكو رغم ذلك.”
ارتبطَت العواطف والأفعال ببعضها بعمق يثير الدهشة.
وبعد قول ذلك، جلست على الكرسي الدوار الأحمر أمام المكتب وبدأت تدور. وبقليل من الحيرة، جلست على السرير. فارتد جسدي إلى الأعلى بسبب مرونة السرير.
“ربما إذا شعرتُ برغبة في ذلك.”
ألقيت نظرة أخرى حول داخل الغرفة. ومثلما قالت، بدت بسيطة، لكنها اختلفَت عن غرفتي بحجمها الكبير، ولطافة الزخارف، ومحتويات رف الكتب خاصتها. امتلأ رف كتبها بالمانغا حصريًا. وتواجدت مانغا شونين شهيرة بالإضافة إلى الكثير من المانجا التي لم أعرفها مصطفة على رف الكتب.
توقفَت أخيرًا عن كل دورانها، وبدت غير قادرة على الاحتمال، فسعلَت بشدة ورأسها منخفض. راقبتُها بعيون متجمدة عندما رفعَت رأسها فجأة.
تحدثَت بنية أخرى غير تشتيت انتباهي فقط عندما دخلنا اللفة الأخيرة.
“آها-”
“ماذا يجب أن نلعب؟ الحقيقة أم التحدي؟”
“ألن تقرضيني الكتاب؟ هذا ما جئتُ إلى هنا من أجله.”
“يجب أن تسترخي، وإلا ستموت قبلي، أنا التي قُصِّرَ متوسط العمر المتوقع لها بالفعل.”
“سأضطر إلى الرفض. لأنني أشعر بالتوتر حول الفتيات الجميلات، ولن أتمكن من التحدث بشكل لائق.”
في هذا الأربعاء الممطر، ولأول مرة داخل الفصل، بادرتُ أنا بالمحادثة معها. وبينما تمسح السبورة كجزء من مهام التنظيف لليوم، أبلغتُها بما يتوجّب علينا القيام به. أمكنني ملاحظة عدد من النظرات الموجهة إلينا في مقدمة الفصل، ورغم ذلك، تجاهلتُها. أما هي، فبدت غير مهتمة من البداية.
عبستُ في وجه الفتاة التي ألقَت عليّ لعنة، بينما قامَت هي بلوي شفتيها وصنع وجه غريب. بدا الأمر كأنه لعبة يخسر فيها من ينزعج. رغم أنه بدا وكأنني خسرت على الفور.
“مع رفيق ليس سوى شخص انطوائي وكئيب مثلك!”
وصلتُ إلى المدرسة كالمعتاد وفتحتُ خزائن الأحذية لأستخرج حذائي الداخلي – حدث ذلك في اللحظة نفسها التي همستُ فيها في قلبي: “هاه، أين ذهب؟”
وقفَت بعفوية واقتربَت من رف الكتب، مما جعلني أتساءل عما إذا دخلَت أخيرًا في مزاج لاسترجاع “الأمير الصغير”، ولكن بدلًا من ذلك، أخرجَت لوحة شوغي قابلة للطي من درج في الرف السفلي.
من هناك، جربتُ ذلك للمرة الأولى في حياتي معها. أنا، من نادرًا ما يتدخل مع الناس، لم أعرف ماهية ذلك الشيء. ولهذا السبب أستعيرُ كلماتها.
هكذا سألتني الفتاة بجانبي.
“لنجربها – نسيها أحد الأصدقاء، لكنه لم يعد أبدًا لاستلامها.”
ربما، لم يمثل لقاؤنا اليوم في هذا المكان مصادفة؛ يمكنني تخيل مواقف لا حصر لها، مثل تتبعه لكلينا.
ونظرًا لعدم امتلاكي حقًا لسبب لرفض طلبها، قبلتُ دعوتها.
حسنًا، ربما صح ذلك. فإذا أُعطيتُ سببًا مناسبًا، أو هُددتُ، أو قُدم لي مبرر عادل، سأنتهي بمجاراة دعوتها. أنا قارب من القصب، غير قادر على مقاومة التيار حتى لو مُنحتُ مخرجًا – لا يوجد سبب آخر سوى ذلك.
في النهاية، خرجتُ منتصرًا من لعبة شوغي مملة، ومربكة، وطويلة الأمد. بصراحة، اعتقدتُ بإمكانيتي تحقيق نصر ساحق. ومع ذلك، امتلكت شوغي التسومي والمباريات مع خصم حقيقي شروطًا مختلفة، لذا لم أستطع حقًا الدخول في إيقاع جيد. وبمجرد أن أوشكتُ على وضعها في موقف كش ملك، قلبت لوحة الشوغي بإحباط. مهلًا.
وأثناء التقاط قطع الشوغي المتناثرة في جميع أنحاء السرير، نظرتُ إلى الخارج، ورأيتُ استمرار هطول المطر بغزارة.
“يمكنك العودة إلى المنزل بمجرد أن يخف المطر قليلًا. لذا دعنا نستمر في اللعب حتى ذلك الحين.”
بينما واصلتُ عدم نطق كلمة واحدة، بدأ وجهها الغني بالتعبيرات، وجهها الذي ارتدَته على جسدها طوال حياة من التواصل الاجتماعي مع الآخرين، يتغير، يدور ويتقلَّب مرارًا كتلك المرة السابقة.
وأثناء تحدثها وكأنها رأت ما في قلبي، احتفظَت بلوحة الشوغي، وهذه المرة، أخرجَت لعبة تلفزيونية.
“أنتَ لا تشعر برغبة في جعلي حبيبتك، صحيح؟”
امتلكتُ خبرة في لعب ألعاب التلفزيون، لكن مر بعض الوقت منذ أن لمستُ إحداها آخر مرة.
في البداية، لعبنا لعبة قتال. ومجرد الضغط العشوائي على أزرار جهاز التحكم، يجرح الإنسان داخل الشاشة خصمه بسهولة – بدا الأمر شنيعًا حقًا، كأنه استمداد للمتعة من إيذاء الآخرين.
“لماذا ساكورا-”
“إيهيهيهيهي، هل من المناسب حقًا قول ذلك؟ بالأمس، تلقيتُ اعترافًا بالحب من فتى.”
ولأنني عادةً لا ألعب الألعاب تقريبًا على الإطلاق، مُنحت القليل من الوقت للتدرب. نظرتُ إلى الشاشة وأنا أتحكم في جهاز التحكم، بينما قدمَت هي لي نصائح مختلفة حول اللعبة. اعتقدتُ بأنها ربما ستتساهل معي، لكنني أخطأتُ تمامًا. في اللحظة التي بدأت فيها المباراة – متعطشة للانتقام من مباراة الشوغي السابقة – فعلَت تقنيةً ما غيرت لون الشاشة وأطلقت موجة غريبة من الطاقة من شخصيتها، جاعلةً من شخصيتي دمية قماشية.
نظرنا في عيون بعضنا البعض. وتشبث الصمت بنا.
لكن، لم أكن شخصًا يجلس مكتوف الأيدي ببساطة. وبدأتُ هجومي المضاد، وتذكرتُ حيلة، وتفاديتُ هجوم خصمي، وحتى أتمكن من رمي خصمي الصاد، تظاهرتُ بارتكاب خطأ لجذبها من الدفاع إلى هجوم شامل. تمامًا حينما أخذَت النجوم التي اصطفّت في صفي تُضاهي نجومها عددًا، وبدا وكأنني على وشك الفوز، قطعت التيار. هيا، مهلًا.
بينما واصلتُ عدم نطق كلمة واحدة، بدأ وجهها الغني بالتعبيرات، وجهها الذي ارتدَته على جسدها طوال حياة من التواصل الاجتماعي مع الآخرين، يتغير، يدور ويتقلَّب مرارًا كتلك المرة السابقة.
نظرَت إليّ بنظرة اتهام – والتي لم تزعجني حقًا – وغيرَت الألعاب بسرعة قبل إعادة تشغيل جهاز التحكم.
غضبَت.
امتلكَت ألعابًا مختلفة، وتواجهنا وجهًا لوجه في العديد منها، لكن المواجهة التي أحببتُها أكثر تمثّلت في لعبة السباق. ورغم أنها مسابقة بين لاعبين، فقد مثّلت في النهاية معركة ضد الوقت، وبالتالي معركة ضد نفسي، مما جعلها ربما لعبة تتناسب مع شخصيتي.
“فقط استمع لما سأقوله الآن. إذا استمعتَ، فربما تأتي إلى منزلي بطاعة.”
لعبنا لعبة السباق على التلفزيون الكبير، وتقدم كل منا على الآخر مرارًا وتكرارًا. ونظرًا لعدم كوني شخصًا يتحدث كثيرًا أبدًا، ركزتُ بصمت على اللعبة. ومن ناحية أخرى، لم تتوقف هي عن إصدار أصوات مثل “آه!” و”آغ!” – ولو طرحتُ ذلك من مجموع الضجيج في العالم، لأيقنتُ أن النتيجة ستصبح صفرًا.
ومن ثم، وبشكل مفاجئ، أخرجت ما في قلبها.
تحدثَت بنية أخرى غير تشتيت انتباهي فقط عندما دخلنا اللفة الأخيرة.
“ما الخطب؟ أفلتني، هذا مؤلم.”
سألتني سؤالًا. وهو سؤال أصبحتُ بالفعل غير حساس تجاهه.
“الزميل المتوافق كن، ألا تشعر برغبة في الحصول على حبيبة؟”
“أوهو، هل تريد تجربة مزجه؟”
أجبتُها أثناء تفادي موزة على الشاشة.
انهار الجزء العلوي من جسدها فوق السرير. أفلتُّ كتفيها، وأمسكتُ بكلتا ذراعيها حتى لا تتمكن من الحركة. فرغ ذهني تمامًا.
“لا يتعلق الأمر بما إذا أردت الحصول على واحدة أم لا. لأنني لا أمتلك أصدقاء حتى.”
“هذا من طباعك، أحيانًا تقول أشياء لا أفهمها.”
“إذًا بصرف النظر عن الحبيبة، يجب أن تكوّن بعض الأصدقاء.”
“ربما إذا شعرتُ برغبة في ذلك.”
“إذا شعرتَ برغبة في ذلك، هاه. همم، أتعلم.”
أفلتُّ ذراعيها برفق، ووقفتُ. نظرَت إليَّ بتعبير مرتبك. بعد إدراكي لذلك، توقفتُ عن النظر إلى وجهها.
“هذا صحيح، ذلك الشخص يطارد ساكورا، لذا لضمان عدم تدخله مرة أخرى، ضربته.”
“نعم؟”
“أنتَ لا تشعر برغبة في جعلي حبيبتك، صحيح؟”
بدت مضطربة، وأخرجَت منديلًا من جيبها ووضعَته على عيني اليسرى. لم أعلم أنني أنزف. لذا ربما لم ينتج عنفه عن يديه العاريتين. لكنني لم أرغب في معرفة هوية السلاح في هذا الوقت.
وردًا على هجومها الأمامي الخاص السخيف – والذي ربما شكّل جزءًا من استراتيجيتها – التفتُ نحوها دون تفكير، وانتهى بي الأمر بالتحطم بشكل مذهل على الشاشة.
التحدث إليه الآن جعل هذه المرة الثانية اليوم. كم هو نادر بالنسبة لي تبادل الكلمات مع نفس الإنسان مرتين في يوم واحد.
“أجل، اعتذرتُ له. لماذا تظن ذلك؟”
“واهاها، لقد تحطمتُ!”
وبينما يمضغ العلكة، عاد إلى مقعده. ورغم إمكانية القول بأنه شخص بسيط، اعتبرتُ طبيعته تلك لطيفة للغاية.
“ينطبق الأمر نفسه على زميل الدراسة العادي – لماذا أنت في هذا النوع من الأماكن؟”
“… ماذا تقولين بالضبط.”
تسابقَت كلماتها بلا توقف داخل رأسي. شيء لا ينبغي فعله – ماذا يمكن أن يكون بالضبط؟ هل تحدثَت عن الوضع الحالي، أم شيء في المستقبل، أم ربما حتى أحد الأشياء التي فعلناها حتى الآن؟ اعتقدتُ بأن كل هذه تمثّل إجابات صحيحة. شكلَت جميعها أشياء لا ينبغي فعلها. اكتشافي لمرضها، وقضاؤها الوقت قبل وفاتها معي رغم عدم إعجابها بي حتى، وقضاؤنا الليلة معًا، ودخولي غرفتها – إذا تحدثتُ عن شيء لا ينبغي فعله، فقد بدا إمكانية كونه أيًا مما سبق.
“آه، مسألة الحبيبة؟ أنا فقط أتأكد. أنت لا تحبني أو أي شيء، أليس كذلك؟ مهما حدث، لن تشعر برغبة في جعلي حبيبتك، أليس كذلك؟”
“………… لن أفعل.”
تساءلتُ عما يجب عليّ فعله. أنا من آذاه أولًا، لذا لم أستطع القول إن هجومه خلا من الدفاع عن النفس. شعرتُ أنه مفرط إلى حدٍ ما، لكنني لم أستطع فهم مدى الأذى الذي تعرض له. لهذا السبب شعرتُ بغرابة الوقوف والرد عليه بضربة.
“هذا رائع، أشعر بالارتياح.”
وهكذا، حدقتُ فيه بصمت. وقف هو أيضًا تحت المطر بنظرة حادة وتعبير صارم.
“لماذا ساكورا-”
“…………”
ولأنني عادةً لا ألعب الألعاب تقريبًا على الإطلاق، مُنحت القليل من الوقت للتدرب. نظرتُ إلى الشاشة وأنا أتحكم في جهاز التحكم، بينما قدمَت هي لي نصائح مختلفة حول اللعبة. اعتقدتُ بأنها ربما ستتساهل معي، لكنني أخطأتُ تمامًا. في اللحظة التي بدأت فيها المباراة – متعطشة للانتقام من مباراة الشوغي السابقة – فعلَت تقنيةً ما غيرت لون الشاشة وأطلقت موجة غريبة من الطاقة من شخصيتها، جاعلةً من شخصيتي دمية قماشية.
مم شعرت بالارتياح؟ اعتقدتُ بغرابة ذلك.
“…………”
حاولت اكتشاف ذلك من السياق.
وعندما أدركتُ ذلك، دُفِع ظهري ضد الحائط بجانب رف الكتب. وبقيت يدي اليسرى حرة، لكن يدي اليمنى قُيدت على الحائط عند مستوى الكتف. واقتربَت أكثر من ذي قبل أنفاس ونبضات قلب ليست لي. وحرارة أيضًا، ورائحة حلوة بشكل مفرط. لفَّت ذراعها اليمنى حول رقبتي. ولم أستطع رؤية وجهها؛ إذ التصق فمها بأذني مباشرة. وبدت كمسافة يُمكن فيها لخدودنا أن تتلامس. ومن وقت لآخر، تلامسَت بالفعل.
ومن ثم، وبشكل مفاجئ، أخرجت ما في قلبها.
ربما، بشكل غير متوقع، شكَّت في رغبتي سرًا في تحول العلاقة بيننا إلى علاقة عشاق.
“آسف، سأذهب إلى المنزل الآن.”
توقفَت أخيرًا عن كل دورانها، وبدت غير قادرة على الاحتمال، فسعلَت بشدة ورأسها منخفض. راقبتُها بعيون متجمدة عندما رفعَت رأسها فجأة.
ففي النهاية، شاركتُها السكن، ودُعيت الآن إلى غرفتها – ربما خافَت من إساءتي للفهم ووقوعي في حبها.
مثّل ذلك اتهامًا غير مبرر ولا أساس له من الصحة.
بالتفكير في الأمر بعناية، لم أعرف سوى عن عمى البشر الواقعين في الحب داخل القصص، ولم ألمس قلب إنسان حقيقي قط، لذا بدا من الغطرسة محاولتي قراءة تصرفات إنسان حي. تختلف الشخصيات في القصص عن البشر الحقيقيين. القصص والواقع مختلفان. لا يعتبر الواقع جميلًا أو رشيقًا كالقصص.
وبينما تقول ذلك، أنزلَت نفسها بقوة على الكرسي الدوار خلف المنضدة. فترددَت صرخاته المليئة بالصرير في أرجاء المكتبة الهادئة.
وبشكل غير معهود مني، بدأتُ أشعر بالانزعاج حقًا. وعلى وجه التحديد، شعرتُ وكأن شيئًا فظيعًا تراكم في قاع معدتي.
وبمجرد انتهاء السباق، وضعنا أجهزة التحكم جانبًا.
ما الذي سيرضيني بحق؟ لم أعرف حتى نفسي. أو ربما، قد نلتُ كفايتي.
“حسنًا، ناوليني الكتاب. حان وقت رحيلي تقريبًا.”
“أوه، هذا إدراك جيد للموقف. هل حدث شيءٌ ما؟”
وبينما يمضغ العلكة، عاد إلى مقعده. ورغم إمكانية القول بأنه شخص بسيط، اعتبرتُ طبيعته تلك لطيفة للغاية.
رفضَت المشاعر المتجذرة في أعماق أمعائي التلاشي. وحتى لا تكتشف الأمر، قررتُ الهروب في أسرع وقت ممكن.
فهمتُ الأمر. في هذه الحالة، سأدعه يفعل ما يشاء حتى يرضى. أنا، من حاول إقامة علاقة مع شخص دون معرفة مشاعر الناس، أنا المخطئ.
وقفتُ ومشيتُ نحو رف الكتب. ولم يخف المطر على الإطلاق.
“رغم إمكانيتك أخذ وقتك ببساطة. امنحني لحظة إذًا.”
أرخَت شريط زيها الصيفي، وفكت زرًا – لابد أنها شعرت بالحر. أو ربما هي مجرد حمقاء. همم، ربما الاحتمال الأخير.
“لماذا ساكورا-”
نهضَت من كرسيها أيضًا، وجاءَت إلى رف الكتب. ووقفَت خلفي، قريبة بما يكفي لأسمع كل نفس تأخذه. وبطريقةٍ ما، بدا تنفسها أكثر خشونة من المعتاد.
ودون الاهتمام بها، بدأتُ في البحث في رف كتبها من الأعلى. ربما بحثَت عن الكتاب بطريقة مماثلة. شعرتُ بقليل من الانزعاج؛ توجّب عليها تركه في بقعة مخصصة من البداية ببساطة.
شكرًا لقراءتكم هذا الفصل.
وبعد فترة قصيرة، سمعت أنفاسها تصبح ثقيلة. وامتدت ذراعها إلى مجال رؤيتي المحيطية. ظننتُ بعثورها عليه أولًا بطريقة ما. لم يقتصر الأمر على ذلك – توجّب عليّ الفهم في هذه المرحلة. لأنني استطعتُ رؤية كلتا ذراعيها على حواف مجال رؤيتي.
“ما الخطب؟” “لماذا يوجد دم-” واصلت الفتاة. أصبحَت عيناي رهينةً لعواطفه، لذا وقع قلقها على آذان صماء، لكن ذلك لم يشكل مشكلة. فقد قدم هو التفسير.
ومباشرةً بعد ذلك، فقدت الإحساس بمكاني حتى.
بلا كلمات، انهمرَت الدموع داخل عيني الفتاة التي توقفَت تعابيرها عن التغير.
وربما بسبب حقيقة عدم تلقيي تقريبًا لأي اتصال جسدي عدواني من أي شخص أبدًا، لم أستطع استيعاب ما حدث لنفسي على الفور.
وعندما أدركتُ ذلك، دُفِع ظهري ضد الحائط بجانب رف الكتب. وبقيت يدي اليسرى حرة، لكن يدي اليمنى قُيدت على الحائط عند مستوى الكتف. واقتربَت أكثر من ذي قبل أنفاس ونبضات قلب ليست لي. وحرارة أيضًا، ورائحة حلوة بشكل مفرط. لفَّت ذراعها اليمنى حول رقبتي. ولم أستطع رؤية وجهها؛ إذ التصق فمها بأذني مباشرة. وبدت كمسافة يُمكن فيها لخدودنا أن تتلامس. ومن وقت لآخر، تلامسَت بالفعل.
ما الذي ظنتني إياه بحق؟ شعرتُ بأنني أُهنت، وربما مثَّل ذلك حقيقة الأمر أيضًا.
ماذا فعلَت بالضبط؟ فتحتُ فمي، لكن لم تخرج أي كلمات.
“… لقد كتبتُ مذكرة بشيء أردتُ فعله قبل موتي، أتذكر؟”
“أيها الزميل البغيض! دم، يخرج منك دم!”
همسَت في أذني. وبقي صوتها وأنفاسها عالقين في شحمة أذني. لم تتوقع ردًا.
بدت في حيرة من أمرها.
“لقد عدتُ إلى المنزل!!”
“ولكي أتمكن من تنفيذه، تحققتُ مما إذا أردتَ جعلي حبيبتك.”
بفضل الضجة في الفصل، أُخليت المقاعد من حولنا، ولذلك، لم يسمع سؤاله المباشر أحد سواي.
تمايل شعرها الأسود أمام أنفي مباشرة.
لم يقل الفتى المدعو تاكاهيرو أي شيء. عندما نظرتُ أخيرًا إلى ظهره، بدا وكأنه يبكي.
“شكّل ذلك السبب في دعوتي لك إلى منزلي أيضًا.”
“ربما إذا شعرتُ برغبة في ذلك.”
انتابني شعور بقهقهتها.
اللهم احفظ أهلنا في السودان، وارحم ضعفهم، واكشف كربهم، واجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا.
“شكرًا لقولكَ إنك لا تريد ذلك. لقد مثّل ذلك ارتياحًا. لو قلتَ إنك تريد ذلك، لما تمكنت من تحقيق هدفي.”
تسابقَت كلماتها بلا توقف داخل رأسي. شيء لا ينبغي فعله – ماذا يمكن أن يكون بالضبط؟ هل تحدثَت عن الوضع الحالي، أم شيء في المستقبل، أم ربما حتى أحد الأشياء التي فعلناها حتى الآن؟ اعتقدتُ بأن كل هذه تمثّل إجابات صحيحة. شكلَت جميعها أشياء لا ينبغي فعلها. اكتشافي لمرضها، وقضاؤها الوقت قبل وفاتها معي رغم عدم إعجابها بي حتى، وقضاؤنا الليلة معًا، ودخولي غرفتها – إذا تحدثتُ عن شيء لا ينبغي فعله، فقد بدا إمكانية كونه أيًا مما سبق.
هذه المرة، شكل ذلك مبرري العادل.
لم أستطع فهم كلماتها ولا الموقف.
تأكدتُ من تحرك وجهه عند سماع كلمتَي “خروجنا معًا”، لذا أوضحتُ أمري أكثر.
وبينما يقول ذلك، أخرج شيئًا من جيبه ورماه عليّ. بدا مجعدًا، لكن ببسطه، ميزته كعلامة الكتاب التي فقدتُها منذ مدة. فهمتُ الأمر – استطعتُ تخيل تسلسل الأحداث.
“ما أريد فعله، كما ترى-”
نظرتُ إلى وجهه. مؤخرًا، تعلمتُ أخيرًا كيفية قراءة مشاعر الشخص من عينيه. من أجل البحث عن سبب انزعاجه الشديد لدرجة قدومه للتحدث معي، التقيتُ بنظرته بطريقة أو بأخرى.
“أوه؟ حسنًا إذن، كن أكثر حذرًا. هل تريد بعض العلكة؟”
حلو جدًا.
وأثناء تحدثها وكأنها رأت ما في قلبي، احتفظَت بلوحة الشوغي، وهذه المرة، أخرجَت لعبة تلفزيونية.
“أن أفعل شيئًا لا ينبغي فعله مع فتى ليس حبيبي، ولا حتى الشخص الذي يعجبني.”
“………… لن أفعل.”
شيء لا ينبغي فعله، شيء لا ينبغي فعله؟
انتهَت الحصص دون أي حوادث. أدّيتُ أداءً جيدًا في الاختبارات التي استلمتها. في المقدمة، احتفلَت الفتاة بالنتائج مع الصديقة المقربة، وللحظة، التقَت عيوننا. ودون أي تحفظ، أرتني أوراق اختباراتها. لم أتمكن من رؤيتها بوضوح من بعيد، لكن بدت هناك العديد من علامات الصح. لاحظَت الصديقة المقربة تصرفات الفتاة ورسمت تعبيرًا مضطربًا، لذا أشحتُ بنظري عنها. أبعد من ذلك، لم أتلقَ أي تواصل منها في ذلك اليوم.
تسابقَت كلماتها بلا توقف داخل رأسي. شيء لا ينبغي فعله – ماذا يمكن أن يكون بالضبط؟ هل تحدثَت عن الوضع الحالي، أم شيء في المستقبل، أم ربما حتى أحد الأشياء التي فعلناها حتى الآن؟ اعتقدتُ بأن كل هذه تمثّل إجابات صحيحة. شكلَت جميعها أشياء لا ينبغي فعلها. اكتشافي لمرضها، وقضاؤها الوقت قبل وفاتها معي رغم عدم إعجابها بي حتى، وقضاؤنا الليلة معًا، ودخولي غرفتها – إذا تحدثتُ عن شيء لا ينبغي فعله، فقد بدا إمكانية كونه أيًا مما سبق.
وصلتُ إلى المدرسة كالمعتاد وفتحتُ خزائن الأحذية لأستخرج حذائي الداخلي – حدث ذلك في اللحظة نفسها التي همستُ فيها في قلبي: “هاه، أين ذهب؟”
“هذا عناق. ولذا، وبدءًا من الآن، يمثل هذا شيئًا لا ينبغي فعله.”
لهذا السبب استاء مني، أنا مَن سلب وقتها. أما بالنسبة لي، لو لم أكتشف أنها ستموت خلال عام – تناول الطعام معها، والذهاب في رحلة معها، والذهاب إلى منزلها وجعل الأمور تصبح محرجة – لما فعلتُ أيًا من ذلك. موتُها ما ربطنا ببعضنا. لكن، الموت مصير سيحل بالجميع. لذلك، مثَّل لقائي بها مصادفة. وقضاؤنا الوقت معًا مصادفة. لم توجد أي إرادة، أو إلحاح عاطفي من جانبي على الإطلاق.
وكما في السابق، قالت ذلك وكأنها رأت ما في قلبي. وربما سهّل التشارك في نفس نبضات القلب قراءة قلبي. لكنني لم أستطع قراءة قلبها على الإطلاق.
“مع رفيق ليس سوى شخص انطوائي وكئيب مثلك!”
ماذا ينبغي أن أفعل؟
ارتجفتُ، لكن حتى أنا، غير البارع في التعامل الاجتماعي، علمتُ أن عدم الرد سيُعد وقاحة، لذا رددتُ بـ “صباح الخير” بتحفظ. حدقت في عينيّ، وأطلقَت همهمة ازدراء، وشرعَت في تغيير حذائها. ولكن نظرًا لفقدان حذائي، وقفتُ ساكنًا، لا أعرف ماذا أفعل.
تأرجحت مظلته، وبدأت قطرات المطر المتساقطة تنقر كتفيه. دون معرفة ما إذا يُعد التوقيت جيدًا أم سيئًا، راقبتهما وكأن الأمر شأن يخص شخصًا آخر.
“لا بأس إذا كان ذلك مع ؟؟؟؟؟-كن.”
“…………”
“يو، زميل الفصل المثير للاهتمام. إم. مهلًا، لماذا رميتَ حذاءكَ الداخلي؟”
“شيء لا ينبغي فعله.”
لم يقل ذلك بشكل قاطع، لذا لم أستطع التوصل إلى أي استنتاجات في هذه اللحظة، لكنه على الأرجح حبيبها السابق. نظر إليّ من أعلى وهو يتنفس بصعوبة.
لم أعرف الطريقة الصحيحة للرد، ولم أستطع الفهم على الإطلاق، لكنني استخدمت يدي اليسرى الحرة لإزالة الذراع المتدلية حول رقبتي. دفعتُ جسدها بعيدًا عني، واختفَت كل من الأنفاس ونبضات القلب. وبدلًا منهما، ظهر أمامي وجهها – محمرًا باللون الأحمر رغم عدم شربها لأي مشروب كحولي.
تُمثِّل هذه المرة الأولى حقًا التي أتعرضُ فيها للضرب من قِبل شخصٍ ما. آلمني الأم كثيرًا. فهمتُ أن موضع الضربة يؤلمني، لكن لسببٍ ما، تألم صميمُ قلبي أيضًا. إن استمر هذا، فقد ينفطر قلبي كإنسان.
وبعد رؤية وجهي، رسمَت تعبيرًا مندهشًا. وعلى عكسها، عجزتُ عن صنع وجوه ليراها الآخرون، لذلك لم أعرف بنفسي أي نوع من الوجوه صنعتُه. هززتُ رأسي بضعف من جانب إلى آخر فقط. لم أعرف حتى ما رفضتُه.
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، “الوحدة القتالية”، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
“كما اعتقدتُ، هل تتواعدان؟”
نظرنا في عيون بعضنا البعض. وتشبث الصمت بنا.
سألتني سؤالًا. وهو سؤال أصبحتُ بالفعل غير حساس تجاهه.
جعلني ذلك، أكثر من أي تفاعلات خضتُها مع البشر حتى الآن، أشعر بالحرج الشديد.
فحصتُ تعبيرها. وتحركَت عيناها بقلق، لتستقر ناظرةً إلى مكان بعيد عني. ثم رفعَت ببطء وتحفظ زوايا شفتيها، ونظرت إليّ.
“…………لا.”
بفضل الضجة في الفصل، أُخليت المقاعد من حولنا، ولذلك، لم يسمع سؤاله المباشر أحد سواي.
ومن ثم، وبشكل مفاجئ، أخرجت ما في قلبها.
تأرجحت مظلته، وبدأت قطرات المطر المتساقطة تنقر كتفيه. دون معرفة ما إذا يُعد التوقيت جيدًا أم سيئًا، راقبتهما وكأن الأمر شأن يخص شخصًا آخر.
“آها-”
“آه، مسألة الحبيبة؟ أنا فقط أتأكد. أنت لا تحبني أو أي شيء، أليس كذلك؟ مهما حدث، لن تشعر برغبة في جعلي حبيبتك، أليس كذلك؟”
“…………”
“أهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها، مجر~د مزحة.”
لم أفهم السبب. أتساءل لماذا؟
تسابقَت كلماتها بلا توقف داخل رأسي. شيء لا ينبغي فعله – ماذا يمكن أن يكون بالضبط؟ هل تحدثَت عن الوضع الحالي، أم شيء في المستقبل، أم ربما حتى أحد الأشياء التي فعلناها حتى الآن؟ اعتقدتُ بأن كل هذه تمثّل إجابات صحيحة. شكلَت جميعها أشياء لا ينبغي فعلها. اكتشافي لمرضها، وقضاؤها الوقت قبل وفاتها معي رغم عدم إعجابها بي حتى، وقضاؤنا الليلة معًا، ودخولي غرفتها – إذا تحدثتُ عن شيء لا ينبغي فعله، فقد بدا إمكانية كونه أيًا مما سبق.
هكذا قالت الفتاة، بابتسامة تملأ وجهها الآن. وأفلتَت قبضتها عن ذراعي اليمنى، ونفضَت يدي، وظلَّت تضحك بصوت عالٍ هكذا.
“آآآآه، كم هذا محرج. إنها مجرد مزحة، مجرد مزحة! العبث المعتاد نفسه. لا تخلق مثل هذا الجو المحرج، أوف.”
شققتُ طريقي بين بعض المنازل الكبيرة. حدث ذلك في فترة ما بعد ظهر أحد أيام الأسبوع، ولم يظهر أي شخص في الأفق.
حتى أنا، من لم يتدخل مع الناس، أدركتُ وجوب خضوع المخطئين للمحقين.
أذهلني تغيرها المفاجئ.
لكن فكرتي تلك أصبحت بلا معنى على الفور. سرعان ما عرفت السبب من خلال كلماته هو نفسه.
“واااه، تطلب هذا شجاعة كما تعلم. حتى أنني انتهى بي الأمر بمعانقتك. لكن، في النهاية، يبدو الأمر حقيقيًا حتى لو يُعد مجرد عبث، هاه. لقد بذلتُ قصارى جهدي، نعم. ناهيكَ عن صمتكَ التام، لذا بدا الجو وكأنه حقيقي بالفعل. هل جعلتُ قلبكَ يخفق بشدة؟ أنا سعيدة لأنكَ أخبرتني أنكَ لا تحبني، وإلا لبدأ الأمر يبدو جادًا! لكن عبثي حقق نجاحًا باهرًا، أليس كذلك! لأنكَ أنت من مكنني من فعل ذلك – لقد بدا ذلك مثيرًا للغاية.”
لم أفهم السبب. أتساءل لماذا؟
آخر ما رأيتُه من وجهه المجاور لوجهي تمامًا، التواؤه إلى مستوى لم أره بعد في الدقائق القليلة الماضية. لم أعرف معنى ذلك التعبير، لكن الأمر لم يهم. حتى لو فهمت، لما تغيرت النتيجة.
لكن، آه، منذ أن قابلتها، مثَّل هذا المرة الأولى.
وبعد رؤية وجهي، رسمَت تعبيرًا مندهشًا. وعلى عكسها، عجزتُ عن صنع وجوه ليراها الآخرون، لذلك لم أعرف بنفسي أي نوع من الوجوه صنعتُه. هززتُ رأسي بضعف من جانب إلى آخر فقط. لم أعرف حتى ما رفضتُه.
سألتني سؤالًا. وهو سؤال أصبحتُ بالفعل غير حساس تجاهه.
المرة الأولى التي تغضبني فيها إحدى مقالبها بشكل جدي.
الغضب الموجه نحو الفتاة – التي استمرَت في الكلام وكأنه سيبدد الإحراج الذي لحق بي – بدأ يتشكل ببطء داخل أحشائي، حتى لم يعد من الممكن احتماله.
“………… لن أفعل.”
ما الذي ظنتني إياه بحق؟ شعرتُ بأنني أُهنت، وربما مثَّل ذلك حقيقة الأمر أيضًا.
إذا قالت إن هذا هو التواصل الاجتماعي، فكما اعتقدتُ تمامًا، أريد العيش دون التورط مع الآخرين. ليمت الجميع بمرضٍ ما في البنكرياس ويختفوا. لا، سآكلهم. أنا، الصالح الوحيد، سآكل بنكرياس الجميع.
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، “الوحدة القتالية”، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
ارتبطَت العواطف والأفعال ببعضها بعمق يثير الدهشة.
انسدَت أذناي بغضب متصاعد. لم أستوعب صرختها.
ارتجفتُ، لكن حتى أنا، غير البارع في التعامل الاجتماعي، علمتُ أن عدم الرد سيُعد وقاحة، لذا رددتُ بـ “صباح الخير” بتحفظ. حدقت في عينيّ، وأطلقَت همهمة ازدراء، وشرعَت في تغيير حذائها. ولكن نظرًا لفقدان حذائي، وقفتُ ساكنًا، لا أعرف ماذا أفعل.
أمسكتُ بكتفي الفتاة الماثلة أمام عيني، ودفعتها فوق السرير.
“أنت تمزح!”
انهار الجزء العلوي من جسدها فوق السرير. أفلتُّ كتفيها، وأمسكتُ بكلتا ذراعيها حتى لا تتمكن من الحركة. فرغ ذهني تمامًا.
بعد إدراكها للموقف أخيرًا، كافحَت قليلًا للتحرك، لكنها سرعان ما استسلمَت؛ نظرَت إلى وجهي، ملقية بظلالها على وجهها. كالعادة، لم أعرف طبيعة التعبير الذي يعتلي وجهي.
بعد إدراكها للموقف أخيرًا، كافحَت قليلًا للتحرك، لكنها سرعان ما استسلمَت؛ نظرَت إلى وجهي، ملقية بظلالها على وجهها. كالعادة، لم أعرف طبيعة التعبير الذي يعتلي وجهي.
“إذن أنت تعيش في هذه الأنحاء، هاه.”
“الزميل المتوافق كن؟”
أخذتُ أغراضي التي تركتُها فوق السرير. ثم، من أجل الهروب، أمسكتُ بمقبض الباب.
بدت في حيرة من أمرها.
“سألتُ عن سبب وجود العدو الذي لا يُغتفر في هذا النوع من الأماكن.”
“ما الخطب؟ أفلتني، هذا مؤلم.”
تُمثِّل هذه المرة الأولى حقًا التي أتعرضُ فيها للضرب من قِبل شخصٍ ما. آلمني الأم كثيرًا. فهمتُ أن موضع الضربة يؤلمني، لكن لسببٍ ما، تألم صميمُ قلبي أيضًا. إن استمر هذا، فقد ينفطر قلبي كإنسان.
لزمتُ الصمت، مكتفيًا بالنظر في عينيها.
ففي النهاية، شاركتُها السكن، ودُعيت الآن إلى غرفتها – ربما خافَت من إساءتي للفهم ووقوعي في حبها.
فحصتُ تعبيرها. وتحركَت عيناها بقلق، لتستقر ناظرةً إلى مكان بعيد عني. ثم رفعَت ببطء وتحفظ زوايا شفتيها، ونظرت إليّ.
“ما حدث للتو يعد مزحة كما تعلم؟ مهلًا، كنتُ ألهو فقط كالمعتاد.”
ما الذي سيرضيني بحق؟ لم أعرف حتى نفسي. أو ربما، قد نلتُ كفايتي.
بينما واصلتُ عدم نطق كلمة واحدة، بدأ وجهها الغني بالتعبيرات، وجهها الذي ارتدَته على جسدها طوال حياة من التواصل الاجتماعي مع الآخرين، يتغير، يدور ويتقلَّب مرارًا كتلك المرة السابقة.
بعد فترة وجيزة، توقفَت هي الأخرى عن قول أي شيء. بدا الصوت العنيف للمطر المنهمر وحده وكأنه يدينني عبر النافذة. لم أعرف سبب تمكني من سماع أصوات تنفسها ورمشها.
ضحكَت.
“حسنًا، ناوليني الكتاب. حان وقت رحيلي تقريبًا.”
لم يرد.
“إيهيهي، هل اندمجتَ مع مزحتي؟ هذه خدمة جيدة جدًا منك! الآن، حان وقت إفلاتي.”
“يو-هو، هل شعرتَ بالوحدة بدوني؟”
أصبحَت مضطربة.
“مهلًا، مهلًا، ما الخطب؟ هذا ليس من شيمك، أيها الزميل المتوافق كن. لستَ الشخص الذي يقوم بمثل هذا المقلب، أليس كذلك؟ مهلًا، أفلتني.”
“قد يبدو أنني ألاحقها، لكنني لا أعتقد بدقة ذلك. مع ذلك، القول بأنني أسمح لها بالخروج معي يُعد غطرسة، والقول بأنها تسمح لي بالخروج معها يُعد تواضعًا مبالغًا فيه. مجرد خروجنا معًا، لا يعني بالضرورة كوننا عشاقًا.”
غضبَت.
بينما تساءلتُ عمّا إذا ستغادر الصديقة المقربة، التي ارتدت حذاءها الداخلي، نظرَت في عينيّ مرة أخرى، وهمهمَت مجددًا. لم أغضب. ليس لأنني أمتلك ميولًا ماسوشية بالضرورة، بل لأنني رأيتُ التردد في عينيها. لابد أنها عجزَت عن تقرير كيفية التعامل معي.
“كفى بالفعل! أتظن أن من المقبول فعل هذا النوع من الأشياء لفتاة؟ أسرع وأفلتني!”
وكما في السابق، قالت ذلك وكأنها رأت ما في قلبي. وربما سهّل التشارك في نفس نبضات القلب قراءة قلبي. لكنني لم أستطع قراءة قلبها على الإطلاق.
أنا، وعلى الأرجح بعينين ملأتهما اللامبالاة، واصلتُ النظر إليها مباشرة. لم تحاول هي أيضًا تجنب نظراتي. التحديق في بعضنا البعض فوق سرير – لا يمكن للأمور أن تصبح أكثر رومانسية من ذلك.
“على أي حال، لا نمتلك نوع العلاقة الذي تعتقده أنت أو الفصل.”
بعد فترة وجيزة، توقفَت هي الأخرى عن قول أي شيء. بدا الصوت العنيف للمطر المنهمر وحده وكأنه يدينني عبر النافذة. لم أعرف سبب تمكني من سماع أصوات تنفسها ورمشها.
واصلتُ التحديق فيها. وحدقَت هي بي بدورها أيضًا.
“ساكورا… لماذا تساعدين هذا الصنف من الأشخاص…”
“إنها ساكورا أليس كذلك؟”
لهذا السبب – فهمتُ.
نظرتُ إلى وجهه. مؤخرًا، تعلمتُ أخيرًا كيفية قراءة مشاعر الشخص من عينيه. من أجل البحث عن سبب انزعاجه الشديد لدرجة قدومه للتحدث معي، التقيتُ بنظرته بطريقة أو بأخرى.
غضبَت.
بلا كلمات، انهمرَت الدموع داخل عيني الفتاة التي توقفَت تعابيرها عن التغير.
وبمجرد رؤيتي لذلك، ذاب غضبي – الذي لم أعرف حتى مصدره – وكأنني لم أغضب قط.
وبعد استعادتها لطاقتها فجأة، نهضَت ورفعَت ارتفاع كرسيها. فرفعتُ ارتفاع كرسيي بعدها. وبطبيعة الحال، ارتسمَت ابتسامة مشرقة على وجهها. وبطريقةٍ ما، انتهى بي الأمر بإسعادها.
مع بدء تبدد غضبي، ومن أعماق أحشائي، شعرتُ بندمي يبدأ في الغليان.
بدا أن الدم لم يهدأ في رأسه بعد. من الجيد لو توفرت طريقة لتهدئته، لكن إن اخترتُ الكلمات الخاطئة – لا، حتى لو لم أختر كلمات خاطئة، فمن المحتمل إضافتي الزيت على النار. بلا شك، يعود ذلك إلى تجاوزي حدودًا عاطفيةً ما بالنسبة إليه.
تمثّلت مهمتنا في إدارة المنضدة أثناء حضور المعلم المسؤول عن المكتبة لاجتماعٍ ما. بعد مغادرة المعلم للمكتبة، جلستُ عند المنضدة أقرأ حينما جاء اثنان من زملاء الفصل لاستعارة بعض الكتب. وبدت الفتاة المطيعة غير مهتمة بي، وسألت: “أين ساكورا؟” وبنفس التعبير اللطيف والنبرة المعتادة في الفصل، سألني الفتى ممثل الفصل أيضًا: “أين ياماوتشي-سان؟” فأجبتُ كليهما بأنها في الفصل على الأرجح.
أفلتُّ ذراعيها برفق، ووقفتُ. نظرَت إليَّ بتعبير مرتبك. بعد إدراكي لذلك، توقفتُ عن النظر إلى وجهها.
“فهمتُ، أظنني مهتمًا بذلك اهتمامًا استثنائيًا؛ لاعتقادي أن شخصية الإنسان تتجلى عبر الكتب التي يحبها. وأنا مهتم بنوع الكتاب الذي قد يحبه إنسان مثلكِ. إذن، ما هو هذا الكتاب؟”
“أهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها، مجر~د مزحة.”
“آسف…………”
ألقيت نظرة أخرى حول داخل الغرفة. ومثلما قالت، بدت بسيطة، لكنها اختلفَت عن غرفتي بحجمها الكبير، ولطافة الزخارف، ومحتويات رف الكتب خاصتها. امتلأ رف كتبها بالمانغا حصريًا. وتواجدت مانغا شونين شهيرة بالإضافة إلى الكثير من المانجا التي لم أعرفها مصطفة على رف الكتب.
لم أسمع أي رد. ظلَّت فوق السرير، مستلقية في وضعيتها نفسها عندما دفعتُها أرضًا.
“يبدو أن تلك الفتاة تكره البشر العنيدين. يبدو أن حبيبها السابق كان أحدهم.”
أولًا، فقدتُ حذائي الداخلي كما ذكرتُ، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
أخذتُ أغراضي التي تركتُها فوق السرير. ثم، من أجل الهروب، أمسكتُ بمقبض الباب.
“……زميل الدراسة الفظيع كن.”
سرعان ما انجرف انتباهي عن همسات وغمغمة زملاء الدراسة الذين أحاطوا بها. وذلك لاعتقادي أن الأمر إن لم يشملني، فلن يهمني، وإن شملني، فلن يستحق العناء.
مترددًا للحظة واحدة بسبب الصوت الآتي من الخلف، رددتُ دون الالتفات.
لم أتحدث مجددًا. لهذا السبب، بينما هدأتُ مشاعري الخاصة ونظرتُ بصمت إلى وجهه، نفد صبره أولًا. بوجه يبدو وكأنه ابتلع حشرة مريرة للتو، ناداني.
“آسف، سأذهب إلى المنزل الآن.”
“منزلكِ في الاتجاه المعاكس لمنزلي لذا لا أريد ذلك.”
عندما قلتُ ذلك، احتقنت عيناه بالدم. بحلول الوقت الذي تساءلتُ فيه عمّا إذا بدا هذا سيئًا، فات الأوان – أدانني بصوت ونبرة أكثر عدوانية. تمكن من إغراق صوت المطر.
بهذه الكلمات فقط، فتحتُ باب الغرفة التي ربما لن أعود إليها أبدًا، وبخطوات سريعة، تسللتُ هاربًا. لم يأتِ أحد لمطاردتي.
خطوتُ تحت المطر، تاركًا الباب غير مقفل، وبعد مشي بضع خطوات، أدركتُ أن شعري قد تبلل بسببه. رفعتُ مظلتي بتمهل، وخرجتُ إلى الطريق. ارتفعَت رائحة المطر الصيفي من الأسفلت.
“…………”
وبختُ نفسي على رغبتي في الاستدارة، وواصلتُ السير متذكرًا الطريق إلى المدرسة. اشتدَ المطر.
في هذا الأربعاء الممطر، ولأول مرة داخل الفصل، بادرتُ أنا بالمحادثة معها. وبينما تمسح السبورة كجزء من مهام التنظيف لليوم، أبلغتُها بما يتوجّب علينا القيام به. أمكنني ملاحظة عدد من النظرات الموجهة إلينا في مقدمة الفصل، ورغم ذلك، تجاهلتُها. أما هي، فبدت غير مهتمة من البداية.
شرعتُ في التفكير. أنا، من استعاد رباطة جأشه أخيرًا، غصتُ في أفكاري.
فكرتُ بقدر استطاعتي، لكنني لم أرَ سوى الندم داخل قلبي.
“هي وأنا لا نرتبط بنوع العلاقة التي تتخيلها.”
بدا أن الدم لم يهدأ في رأسه بعد. من الجيد لو توفرت طريقة لتهدئته، لكن إن اخترتُ الكلمات الخاطئة – لا، حتى لو لم أختر كلمات خاطئة، فمن المحتمل إضافتي الزيت على النار. بلا شك، يعود ذلك إلى تجاوزي حدودًا عاطفيةً ما بالنسبة إليه.
حائرًا لسبب قيامي بشيء كهذا، شعرتُ بخيبة أمل شديدة في نفسي.
“من يدري.”
لم أعرف هدف غضبي. لم أعرف قدرتي على إيذاء شخصٍ ما بتلك الطريقة. ولم أعرف إمكانية تألمي بهذا الشكل.
أفلتُّ ذراعيها برفق، ووقفتُ. نظرَت إليَّ بتعبير مرتبك. بعد إدراكي لذلك، توقفتُ عن النظر إلى وجهها.
وبعد استعادتها لطاقتها فجأة، نهضَت ورفعَت ارتفاع كرسيها. فرفعتُ ارتفاع كرسيي بعدها. وبطبيعة الحال، ارتسمَت ابتسامة مشرقة على وجهها. وبطريقةٍ ما، انتهى بي الأمر بإسعادها.
رأيتُ وجهها. رأيتُ الدموع. غمرتني العواطف. اجتاحتني أفكاري – ندمي – بشدة.
دعمكم محل تقدير ويحفّزني على تقديم الأفضل دائمًا.
لاحظتُ ضغطي على أسناني. بدأت لثتي تؤلمني عند إدراكي لذلك. التفكير في مجيء اليوم الذي ألحق فيه الألم بجسدي بسبب العلاقات الإنسانية – أصبحتُ غريبًا. لكن إذا اعتبرتُ هذا الألم عقابًا لنفسي، فإنني لم أفقد عقلي. رغم ذلك، لن تُمحى ذنوبي.
حدث كل ذلك بسبب ما أسمته بالعبث. لقد أزعجني الأمر بحق. تلك هي الحقيقة، لكن حتى لو مثَّلت الحقيقة، فلا يعد ذلك عذرًا للجوء إلى العنف الجسدي معها. لا يهم حتى لو تأذيتُ أنا، بغض النظر عن نواياها. تأذيت، أنا تأذيت؟ مما تأذيتُ بالضبط؟ على الرغم من تذكري لرائحتها ونبضات قلبها، لم أستطع فهم معناهما. بطريقةٍ ما، لم أستطع مسامحة نفسي وحسب. بعاطفة خالية من المعنى، آذيتُها.
شققتُ طريقي بين بعض المنازل الكبيرة. حدث ذلك في فترة ما بعد ظهر أحد أيام الأسبوع، ولم يظهر أي شخص في الأفق.
بالتأكيد، إذا اختفيتُ فجأة، لن يلاحظ أحد.
“أوه صحيح، بما أننا لا نستطيع اللعب بالخارج في يوم ممطر كهذا، عليك المجيء إلى منزلي اليوم – لا بأس، أليس كذلك؟”
“رغم إمكانيتك أخذ وقتك ببساطة. امنحني لحظة إذًا.”
بعد صمتي عند هذه الفكرة، صدمني صوت من الخلف معيدًا إياي إلى رشدي.
“لقد عدتُ إلى المنزل!!”
“زميل الدراسة العادي كن.”
في النهاية، خرجتُ منتصرًا من لعبة شوغي مملة، ومربكة، وطويلة الأمد. بصراحة، اعتقدتُ بإمكانيتي تحقيق نصر ساحق. ومع ذلك، امتلكت شوغي التسومي والمباريات مع خصم حقيقي شروطًا مختلفة، لذا لم أستطع حقًا الدخول في إيقاع جيد. وبمجرد أن أوشكتُ على وضعها في موقف كش ملك، قلبت لوحة الشوغي بإحباط. مهلًا.
صدرَ الصوت الهادئ عن ذكر. استدرتُ على الفور، وهناك وقف زميل لي تحت مظلة. حتى مناداته لي، لم ألحظ وجوده على الإطلاق. وجدتُ الأمر غريبًا. أولًا حقيقة مناداته لي. ثانيًا كيفية تعبيره عن عاطفة تشبه الغضب، على الرغم من تركه دائمًا انطباعًا بامتلاك ابتسامة لطيفة.
“سأضطر إلى الرفض. لأنني أشعر بالتوتر حول الفتيات الجميلات، ولن أتمكن من التحدث بشكل لائق.”
التحدث إليه الآن جعل هذه المرة الثانية اليوم. كم هو نادر بالنسبة لي تبادل الكلمات مع نفس الإنسان مرتين في يوم واحد.
بهذه الكلمات فقط، فتحتُ باب الغرفة التي ربما لن أعود إليها أبدًا، وبخطوات سريعة، تسللتُ هاربًا. لم يأتِ أحد لمطاردتي.
بدا كفتى ينبعث منه إحساس بالدفء والأناقة – رئيس فصلنا. مفكرًا في اكتشاف طبيعة القلب الذي دفع هذا النوع من الفتيان لإقحام نفسه معي، تخلصتُ من تحفظاتي حول عدم وجود علاقة تربطني به، وناديتُه بدوري، “أهلًا.”
“إذن دعيني أخبركِ شيئًا – عندما يقول شخص ما (“من يدري”) و(“هممم”)، فهذا يعني عدم اهتمامه بسؤالكِ كثيرًا. والآن، ألم أقل (“من يدري”) أو شيئًا من هذا القبيل في مكانٍ ما؟”
رغم توقعي لرد، اكتفى بالتحديق فيَّ بصمت. لم يوجد خيار آخر، لذا فتحتُ فمي مجددًا.
“إذن أنت تعيش في هذه الأنحاء، هاه.”
بلا كلمات، انهمرَت الدموع داخل عيني الفتاة التي توقفَت تعابيرها عن التغير.
“…………لا.”
كما اعتقدتُ، بدا حقًا في مزاج سيئ. ربما يكره المطر هو الآخر. في النهاية، عند هطول المطر، تزداد كمية الأمتعة وتصبح عائقًا. من ناحية أخرى، ارتدى ملابس عادية فقط في هذه اللحظة، ولم يحمل أي شيء سوى مظلته.
“…………أنتَ الأسوأ.”
نظرتُ إلى وجهه. مؤخرًا، تعلمتُ أخيرًا كيفية قراءة مشاعر الشخص من عينيه. من أجل البحث عن سبب انزعاجه الشديد لدرجة قدومه للتحدث معي، التقيتُ بنظرته بطريقة أو بأخرى.
لم أتحدث مجددًا. لهذا السبب، بينما هدأتُ مشاعري الخاصة ونظرتُ بصمت إلى وجهه، نفد صبره أولًا. بوجه يبدو وكأنه ابتلع حشرة مريرة للتو، ناداني.
“لقد أصبحتُ أكره تاكاهيرو الآن. لذا لا تفعل أي شيء لي أو لمن حولي أبدًا مرة أخرى.”
“ينطبق الأمر نفسه على زميل الدراسة العادي – لماذا أنت في هذا النوع من الأماكن؟”
لم أقلق بشكل خاص بشأن كيفية مخاطبته لي دون أي ألقاب شرفية، على عكس المعتاد. أكثر من ذلك، كيفية مناداته لي بزميل الدراسة العادي وكأنني شيء آخر أثقلتُ تفكيري. مثل العدو الذي لا يُغتفر على سبيل المثال. على أي حال، لم أعرف السبب، لذا تركتُ الأمر كما هو.
تمايل شعرها الأسود أمام أنفي مباشرة.
لم أجب، فنقر لسانه.
بينما واصلتُ عدم نطق كلمة واحدة، بدأ وجهها الغني بالتعبيرات، وجهها الذي ارتدَته على جسدها طوال حياة من التواصل الاجتماعي مع الآخرين، يتغير، يدور ويتقلَّب مرارًا كتلك المرة السابقة.
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان، واحفظ المسلمين في جميع البلدان التي تعاني من الفتن والحروب، إنك على كل شيء قدير.
“سألتُ عن سبب وجود العدو الذي لا يُغتفر في هذا النوع من الأماكن.”
“لا تنظر إليّ بتلك العيون الناقدة. حسنًا إذن، سأعود للموضوع – لقد أخبرتكَ سابقًا بأنني لا أقرأ الكتب إطلاقًا.”
“ماذا تعني بكوني عنيدًا! أنا، أنا فقط…”
“……لدي بعض الأعمال لإنجازها.”
حاولتُ البحث حول خزائن الأحذية لكنني لم أجد حذائي الداخلي. وتوقعًا لارتداء أحدهم إياه بالخطأ، وإعادته عاجلًا أم آجلًا، توجهتُ إلى فصلي، وأنا ما زلتُ أرتدي حذائي الخارجي.
“إنها ساكورا أليس كذلك؟”
آه، فهمتُ.
شعرتُ بانقباض قلبي عند سماع ذلك الاسم المألوف. أصبح التنفس مؤلمًا ولم أستطع الرد على الفور. لم يترك هو الأمر يمر أيضًا.
“قول ذلك بهذه الطريقة يجعله يبدو وكأنك تقول إنني لستُ لطيفة، لكن لا فائدة من ذلك، لأنني لم أنسَ تلك الليلة التي قلتَ فيها إنني ثالث ألطف فتاة.”
سائرًا في اتجاه يخلو من أي بشر حوله، استطعتُ الشعور بثقل نظرته الثاقبة على ظهري. رفضتُ الاستدارة. لأنه حتى لو فعلت ذلك، فلن يفيد ذلك أحدًا. أردتُ من الصبي خلفي فهم استحالة إعجابها بي، أنا الشخص الذي يفكر في العلاقات الإنسانية بنفس طريقة تفكيره في الرياضيات، لكن ذلك بدا بلا فائدة.
“قلتَ، إنها ساكورا، أليس كذلك؟”
“أجل، ورغم ذلك ما زلتِ تقرأين المانغا.”
“…………”
حتى هي يمكنها صنع هذا النوع من الوجوه.
“الزميل المتوافق كن؟”
“أجبني!”
“…………إذا ساكورا هي التي تتحدث عنها تمثّل نفس الفتاة في فصلنا، فأنت محق.”
لم أعرف هدف غضبي. لم أعرف قدرتي على إيذاء شخصٍ ما بتلك الطريقة. ولم أعرف إمكانية تألمي بهذا الشكل.
تبددت آمالي الضئيلة في كون الأمر مجرد سوء فهم من جانبه بسبب التعبير الذي ارتسم عليه أثناء طحن أسنانه. وبذلك، يمكنني التصريح بشكل قاطع بمواجهته لي بمشاعر غير ودية إلى حد ما. كل ما في الأمر أنني لم أفهم سبب مشاعره بعد.
ماذا ينبغي لي أن أفعل؟
لكن فكرتي تلك أصبحت بلا معنى على الفور. سرعان ما عرفت السبب من خلال كلماته هو نفسه.
“لا شكرًا. سأخرج قليلًا لإحضاره.”
“لماذا ساكورا-”
“…………”
“لماذا تتواجد ساكورا مع شخص مثلك؟”
تحدثتُ عمّا أثار اهتمامي في الفتى المتروك في المطر. ممثّل فصلنا، كما ظننت، حبيبها السابق. قلتُ بصدق ما خطر ببالي وسط المطر. من الأفضل لها التواجد مع شخص يفكر فيها بجدية، بدلًا من التواجد معي. لأن لقاءنا في المستشفى ذلك اليوم ليس سوى مجرد مصادفة.
آه، فهمتُ.
“أهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها، مجر~د مزحة.”
الفهم الذي يمكن تقريبًا التعبير عنه بالكلمات – تمسكتُ به بوعي. فهمتُ. الشكل الحقيقي للمشاعر التي يواجهني بها. دون تفكير، حككتُ رأسي. فكرتُ في شيء يندرج تحت تصنيف أن هذا يبدو مزعجًا.
“همم، فهمتُ. حسنًا، إذا حدث أي شيء مثير للاهتمام، فأخبرني!”
لو نظر بعينيه بشكل صحيح، لأثبت أي عدد من الأعذار أو التفسيرات فعاليته على الأرجح، لكنه أصيب بالعمى بسبب غضبه الموجه بشكل خاطئ.
“ماذا! لقد سمعتَ عنه؟ مستحيل، نظرًا لكونه كتابًا أجنبيًا، اعتقدتُ أن الزميل المتوافق كن لن يعرفه وسيندهش، لكنني خسرتُ.”
ربما، لم يمثل لقاؤنا اليوم في هذا المكان مصادفة؛ يمكنني تخيل مواقف لا حصر لها، مثل تتبعه لكلينا.
“قلتَ، إنها ساكورا، أليس كذلك؟”
تغير تعبير وجهها على الفور عندما واجهتني؛ امتزجت الحيرة بابتسامة. وقفتُ بناءً على إشارتها. تبلل كلٌ من سروالي وقميصي الرياضي بالكامل، لذا سررتُ بحلول فصل الصيف. لم أشعر بالبرد، بفضل هواء الصيف، وإمساكها بذراعي.
ربما وقع في الحب. وبالتالي، يواجهني بغيرة مضللة. لقد أُعمي، وبذلك فقد قدرته على الملاحظة، وكذلك على النظر إلى نفسه بموضوعية. من المحتمل فقدانه لأشياء أخرى أيضًا.
آه، فهمتُ.
“على شخص مثلك الابتعاد عن ساكورا!”
في الوقت الحالي، حاولتُ شرح الحقيقة – ما اعتقدتُ أنه أفضل مسار للعمل.
بالتفكير في الأمر، ربما انفعلتُ أنا أيضًا. مثَّلت هذه تقريبًا تجربتي الأولى في الدخول فيما يسمى بالشجار. أن تتصادم المشاعر، وأن أفقد الجزء القادر على التفكير بعقلانية مني.
واصلتُ التحديق فيها. وحدقَت هي بي بدورها أيضًا.
“هي وأنا لا نرتبط بنوع العلاقة التي تتخيلها.”
لم أعرف الطريقة الصحيحة للرد، ولم أستطع الفهم على الإطلاق، لكنني استخدمت يدي اليسرى الحرة لإزالة الذراع المتدلية حول رقبتي. دفعتُ جسدها بعيدًا عني، واختفَت كل من الأنفاس ونبضات القلب. وبدلًا منهما، ظهر أمامي وجهها – محمرًا باللون الأحمر رغم عدم شربها لأي مشروب كحولي.
عندما قلتُ ذلك، احتقنت عيناه بالدم. بحلول الوقت الذي تساءلتُ فيه عمّا إذا بدا هذا سيئًا، فات الأوان – أدانني بصوت ونبرة أكثر عدوانية. تمكن من إغراق صوت المطر.
لكن، آه، منذ أن قابلتها، مثَّل هذا المرة الأولى.
“إذن، أخبرني ما طبيعة علاقتكما! تناول الطعام والذهاب في رحلة معها بمفردكما، ثم اليوم، ذهبت بمفردك إلى منزل تلك الفتاة للعب – أصبح هذا موضوعًا ساخنًا في الفصل! بأنكَ بدأت فجأة في ملاحقتها.”
وقفَت بعفوية واقتربَت من رف الكتب، مما جعلني أتساءل عما إذا دخلَت أخيرًا في مزاج لاسترجاع “الأمير الصغير”، ولكن بدلًا من ذلك، أخرجَت لوحة شوغي قابلة للطي من درج في الرف السفلي.
أثار اهتمامي قليلًا كيفية تسرب الأخبار حول رحلتنا.
“قد يبدو أنني ألاحقها، لكنني لا أعتقد بدقة ذلك. مع ذلك، القول بأنني أسمح لها بالخروج معي يُعد غطرسة، والقول بأنها تسمح لي بالخروج معها يُعد تواضعًا مبالغًا فيه. مجرد خروجنا معًا، لا يعني بالضرورة كوننا عشاقًا.”
شققتُ طريقي بين بعض المنازل الكبيرة. حدث ذلك في فترة ما بعد ظهر أحد أيام الأسبوع، ولم يظهر أي شخص في الأفق.
“إنه “الأمير الصغير”، هل سمعتَ عنه؟”
تأكدتُ من تحرك وجهه عند سماع كلمتَي “خروجنا معًا”، لذا أوضحتُ أمري أكثر.
عندما دخلتُ الفصل، شعرتُ بنظرات فظة من اتجاهات متعددة، لكنني تجاهلتُها. ربما توقعوا دخولنا معًا، لكن منذ البداية، لم أهتم بالتحرك مع الفتاة. لم تصل هي بعد.
“على أي حال، لا نمتلك نوع العلاقة الذي تعتقده أنت أو الفصل.”
“رغم ذلك، تقضي ساكورا وقتها معك.”
وصلَت تلك الفتاة بعد ذلك بوقت قصير. كالعادة، ارتدت ابتسامة لا تتناسب مع الطقس.
“……أعتقد ذلك.”
“مع رفيق ليس سوى شخص انطوائي وكئيب مثلك!”
“ماذا يجب أن نلعب؟ الحقيقة أم التحدي؟”
لم أمتلك أي اعتراضات خاصة على ما قاله بكراهية حول طبيعتي كإنسان. ربما بدا الأمر كذلك، وربما مثَّل الحقيقة.
غضبَت.
أما عن سبب قضائها الوقت معي، فهذا ما أردتُ معرفته. لقد قالت إنني الوجود الوحيد القادر على منحها الحياة اليومية والواقع معًا، لكن على الرغم من قابلية ذلك للتصديق، انتابني شعور بانهيار شيءٍ ما إذا استخدمتُ ذلك كإجابة.
بعد تغيير ملابسي، استُدعيتُ إلى غرفتها في الطابق الثاني. رأيتها هناك فوق سريرها، تجلس بوضعية سيزا*.
وهكذا، حدقتُ فيه بصمت. وقف هو أيضًا تحت المطر بنظرة حادة وتعبير صارم.
بصدق، ربما امتلكت حتى هذه المكتبة نسخة من كتاب مشهور كـ “الأمير الصغير”، لكنني لم أرغب في إفساد مزاج الفتاة عضو لجنة المكتبة بغرابة رغم جهلها بالكتب، لذا التزمتُ الصمت. أما عن سبب عدم قراءتي لكتاب بتلك الشهرة حتى الآن، فحتى أنا لا أعرف. لقد شكل الأمر مسألة توقيت بالتأكيد.
استمر الصمت طويلًا. ونظرًا لأنه طال إلى هذا الحد، اعتقدتُ بوصول محادثتنا إلى نهايتها. بدا هو الآخر منتبهًا لغضبه غير المبرر تجاهي، وربما أصابه الندم كما أصابني في وقت سابق. أو ربما لم يسر الأمر على هذا النحو. نظرًا لإصابته بالعمى، ربما لم يتمكن من رؤية مشاعره الخاصة.
في النهاية، لم يكن الأمر مهمًا. مهما بدت الحالة، ربما لم يتبقَّ ما نكسبه من مواجهة بعضنا البعض أكثر من هذا، ولذا، أدرتُ ظهري له. فعلتُ ذلك ظنًا مني بأنه سيدعني أذهب. أو ربما، أردتُ فقط البقاء وحدي في أسرع وقت ممكن. لم يهم أيهما كذلك. لن يتغير مسار أفعالي.
أرخَت شريط زيها الصيفي، وفكت زرًا – لابد أنها شعرت بالحر. أو ربما هي مجرد حمقاء. همم، ربما الاحتمال الأخير.
بالتفكير في الأمر بعناية، لم أعرف سوى عن عمى البشر الواقعين في الحب داخل القصص، ولم ألمس قلب إنسان حقيقي قط، لذا بدا من الغطرسة محاولتي قراءة تصرفات إنسان حي. تختلف الشخصيات في القصص عن البشر الحقيقيين. القصص والواقع مختلفان. لا يعتبر الواقع جميلًا أو رشيقًا كالقصص.
جعلني ذلك، أكثر من أي تفاعلات خضتُها مع البشر حتى الآن، أشعر بالحرج الشديد.
سائرًا في اتجاه يخلو من أي بشر حوله، استطعتُ الشعور بثقل نظرته الثاقبة على ظهري. رفضتُ الاستدارة. لأنه حتى لو فعلت ذلك، فلن يفيد ذلك أحدًا. أردتُ من الصبي خلفي فهم استحالة إعجابها بي، أنا الشخص الذي يفكر في العلاقات الإنسانية بنفس طريقة تفكيره في الرياضيات، لكن ذلك بدا بلا فائدة.
“لا ترفضني هكذا ببساطة وبسبب عادي! سيبدو الأمر وكأنك لا تريد دعوتي حقًا!”
غير مدرك لعدم اقتصار العمى على الحب فقط، وأن التفكير قادر على التسبب في العمى أيضًا، لم أدرك قدوم الصبي خلفي لمطاردتي حتى أمسك بكتفي.
“… مشاعرنا تسير حقًا في اتجاهات مختلفة، أليس كذلك؟”
“انتظر!”
بما أنه لم يوجد خيار آخر، أدرتُ رأسي فقط. بغض النظر عن سوء الفهم، سئمتُ قليلًا من موقفه. لكنني لم أظهر ذلك في تعابير وجهي.
“آه، عدنا إلى ذلك الموضوع. ومِن ثَم؟”
وكما في السابق، قالت ذلك وكأنها رأت ما في قلبي. وربما سهّل التشارك في نفس نبضات القلب قراءة قلبي. لكنني لم أستطع قراءة قلبها على الإطلاق.
“لم ننتهِ من الحديث!”
في اليوم التالي عندما توجهتُ إلى المدرسة لحضور دروس إضافية، وجدتُ أن حذائي الداخلي لم يختفِ.
“شكرًا لقولكَ إنك لا تريد ذلك. لقد مثّل ذلك ارتياحًا. لو قلتَ إنك تريد ذلك، لما تمكنت من تحقيق هدفي.”
بالتفكير في الأمر، ربما انفعلتُ أنا أيضًا. مثَّلت هذه تقريبًا تجربتي الأولى في الدخول فيما يسمى بالشجار. أن تتصادم المشاعر، وأن أفقد الجزء القادر على التفكير بعقلانية مني.
حطمت الصدمة الناجمة عن كلماتها وجهه.
“ماذا تعني بكوني عنيدًا! أنا، أنا فقط…”
خرجَت من فمي كلمات ستؤذيه بوضوح.
سألتني سؤالًا. وهو سؤال أصبحتُ بالفعل غير حساس تجاهه.
“مهلًا، دعني أخبرك بشيء واحد. من المحتمل أن يكون مفيدًا.”
نظرتُ بحزم في عينيه، بنية إفراغ ما في أحشائي.
“مهلًا، مهلًا، ما الخطب؟ هذا ليس من شيمك، أيها الزميل المتوافق كن. لستَ الشخص الذي يقوم بمثل هذا المقلب، أليس كذلك؟ مهلًا، أفلتني.”
نظرتُ بحزم في عينيه، بنية إفراغ ما في أحشائي.
“يبدو أن تلك الفتاة تكره البشر العنيدين. يبدو أن حبيبها السابق كان أحدهم.”
وبشكل غير معهود مني، بدأتُ أشعر بالانزعاج حقًا. وعلى وجه التحديد، شعرتُ وكأن شيئًا فظيعًا تراكم في قاع معدتي.
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان، واحفظ المسلمين في جميع البلدان التي تعاني من الفتن والحروب، إنك على كل شيء قدير.
آخر ما رأيتُه من وجهه المجاور لوجهي تمامًا، التواؤه إلى مستوى لم أره بعد في الدقائق القليلة الماضية. لم أعرف معنى ذلك التعبير، لكن الأمر لم يهم. حتى لو فهمت، لما تغيرت النتيجة.
انهار الجزء العلوي من جسدها فوق السرير. أفلتُّ كتفيها، وأمسكتُ بكلتا ذراعيها حتى لا تتمكن من الحركة. فرغ ذهني تمامًا.
تلقيتُ ضربةً قوية على عيني اليسرى، وفقدتُ توازني إثر زخمها، فسقطتُ على مؤخرتي فوق الأسفلت المبلل بالمطر. سرعان ما تغلغل المطر في زيي المدرسي. أصدرَت المظلة، التي سقطَت من يدي وهي لا تزال مفتوحة، صوتًا خافتًا وتدحرجَت. استقرَّت الحقيبة التي أفلتُّها في الوقت ذاته على الأرض. تفاجأتُ بالوضع الذي وُضعتُ فيه، فالتفتُّ فورًا باتجاهه. غدت الرؤية في عيني اليسرى ضبابية ولم أُبصر جيدًا.
لم أعرف التفاصيل، لكنني أدركتُ تعرضي للعنف. فالناسُ لا يسقطون أرضًا بمحض إرادتهم وحسب.
“ماذا تعني بكوني عنيدًا! أنا، أنا فقط…”
لم يقل ذلك بشكل قاطع، لذا لم أستطع التوصل إلى أي استنتاجات في هذه اللحظة، لكنه على الأرجح حبيبها السابق. نظر إليّ من أعلى وهو يتنفس بصعوبة.
هكذا قال. واجهني، لكن من الواضح أن تلك الكلمات لم تُوجه إليّ. علمتُ أنني استثرتُ غضبه. فكرتُ في إيذائه، لذا استحققتُ الأذى. تفكرتُ في نفسي بعمق.
التفتَ مذهولًا لمواجهة الصوت.
ومباشرةً بعد ذلك، فقدت الإحساس بمكاني حتى.
تُمثِّل هذه المرة الأولى حقًا التي أتعرضُ فيها للضرب من قِبل شخصٍ ما. آلمني الأم كثيرًا. فهمتُ أن موضع الضربة يؤلمني، لكن لسببٍ ما، تألم صميمُ قلبي أيضًا. إن استمر هذا، فقد ينفطر قلبي كإنسان.
“سألتُ عن سبب وجود العدو الذي لا يُغتفر في هذا النوع من الأماكن.”
نظرت الفتاة التي تحمل مظلة، وربما تحاول استيعاب الموقف، ذهابًا وإيابًا بين وجهه ووجهي مرات لا تُحصى.
بينما لا أزال جالسًا على الأرض، نظرتُ إليه من أسفل. لم تَعُد الرؤيةُ لعيني اليسرى بعد.
التفتَ مذهولًا لمواجهة الصوت.
لم يقل ذلك بشكل قاطع، لذا لم أستطع التوصل إلى أي استنتاجات في هذه اللحظة، لكنه على الأرجح حبيبها السابق. نظر إليّ من أعلى وهو يتنفس بصعوبة.
أمسكتُ بكتفي الفتاة الماثلة أمام عيني، ودفعتها فوق السرير.
“على شخص مثلك الابتعاد عن ساكورا!”
“من؟”
“بما أنك لم تقرأه، سأعيركَ نسختي من “الأمير الصغير”، فحاول قراءته! تعال إلى منزلي اليوم لتحصل عليه!”
وبينما يقول ذلك، أخرج شيئًا من جيبه ورماه عليّ. بدا مجعدًا، لكن ببسطه، ميزته كعلامة الكتاب التي فقدتُها منذ مدة. فهمتُ الأمر – استطعتُ تخيل تسلسل الأحداث.
شيء لا ينبغي فعله، شيء لا ينبغي فعله؟
“إذن هذا أنتَ.”
“لا يتعلق الأمر بما إذا أردت الحصول على واحدة أم لا. لأنني لا أمتلك أصدقاء حتى.”
رفضَت المشاعر المتجذرة في أعماق أمعائي التلاشي. وحتى لا تكتشف الأمر، قررتُ الهروب في أسرع وقت ممكن.
لم يرد.
نهضَت من كرسيها أيضًا، وجاءَت إلى رف الكتب. ووقفَت خلفي، قريبة بما يكفي لأسمع كل نفس تأخذه. وبطريقةٍ ما، بدا تنفسها أكثر خشونة من المعتاد.
“آآآآه، كم هذا محرج. إنها مجرد مزحة، مجرد مزحة! العبث المعتاد نفسه. لا تخلق مثل هذا الجو المحرج، أوف.”
ظننتُ أن وراء تلك الملامح المتناسقة طبيعةً لطيفة. عندما يقف أمام الفصل لقيادة مناقشة، وعندما يأتي أحيانًا إلى المكتبة لاستعارة الكتب، يوزع ابتسامةً متكاملة. لكن كل ما رأيته أنا، من لم يعرف وجهه الداخلي، مجرد شيء أعده بعناية ليظهره للعالم الخارجي. كما هو متوقع، ليس المظهر ما يهم، بل الجوهر.
تساءلتُ عما يجب عليّ فعله. أنا من آذاه أولًا، لذا لم أستطع القول إن هجومه خلا من الدفاع عن النفس. شعرتُ أنه مفرط إلى حدٍ ما، لكنني لم أستطع فهم مدى الأذى الذي تعرض له. لهذا السبب شعرتُ بغرابة الوقوف والرد عليه بضربة.
تُمثِّل هذه المرة الأولى حقًا التي أتعرضُ فيها للضرب من قِبل شخصٍ ما. آلمني الأم كثيرًا. فهمتُ أن موضع الضربة يؤلمني، لكن لسببٍ ما، تألم صميمُ قلبي أيضًا. إن استمر هذا، فقد ينفطر قلبي كإنسان.
بدا أن الدم لم يهدأ في رأسه بعد. من الجيد لو توفرت طريقة لتهدئته، لكن إن اخترتُ الكلمات الخاطئة – لا، حتى لو لم أختر كلمات خاطئة، فمن المحتمل إضافتي الزيت على النار. بلا شك، يعود ذلك إلى تجاوزي حدودًا عاطفيةً ما بالنسبة إليه.
في الخارج، غطَّت السحب الكثيفة السماء – بدا أن اليوم لن يكون مشمسًا جدًا. لم أكره الأيام الممطرة. وتناسب الشعور بإحاطة المطر بي جيدًا مع ما أشعر به في معظم الأيام، لذلك لم تتولد لدي أبدًا مشاعر سلبية تجاه المطر.
نظرتُ إليه. بدأتُ أعتقدُ أنه محق أكثر مني بكثير. لا بد أنه أحبها كثيرًا حقًا. ربما أساليبه خاطئة قليلًا، أو بالأحرى، تلك الأساليب هي المشكلة، لكنه واجهها بمشاعر صادقة، وتمنى قضاء الوقت معها.
“كلا، الأمر محرج قليلًا، لكنني لم أقرأه.”
غير مدرك لعدم اقتصار العمى على الحب فقط، وأن التفكير قادر على التسبب في العمى أيضًا، لم أدرك قدوم الصبي خلفي لمطاردتي حتى أمسك بكتفي.
لهذا السبب استاء مني، أنا مَن سلب وقتها. أما بالنسبة لي، لو لم أكتشف أنها ستموت خلال عام – تناول الطعام معها، والذهاب في رحلة معها، والذهاب إلى منزلها وجعل الأمور تصبح محرجة – لما فعلتُ أيًا من ذلك. موتُها ما ربطنا ببعضنا. لكن، الموت مصير سيحل بالجميع. لذلك، مثَّل لقائي بها مصادفة. وقضاؤنا الوقت معًا مصادفة. لم توجد أي إرادة، أو إلحاح عاطفي من جانبي على الإطلاق.
“إيهيهي، هل اندمجتَ مع مزحتي؟ هذه خدمة جيدة جدًا منك! الآن، حان وقت إفلاتي.”
“ماذا تفعل…؟”
حتى أنا، من لم يتدخل مع الناس، أدركتُ وجوب خضوع المخطئين للمحقين.
“لماذا ساكورا-”
واصلتُ التحديق فيها. وحدقَت هي بي بدورها أيضًا.
فهمتُ الأمر. في هذه الحالة، سأدعه يفعل ما يشاء حتى يرضى. أنا، من حاول إقامة علاقة مع شخص دون معرفة مشاعر الناس، أنا المخطئ.
ونظرًا لعدم امتلاكي حقًا لسبب لرفض طلبها، قبلتُ دعوتها.
واجهتُ نظرته الحادة بثبات، متأهبًا لإبلاغه بنيتي. هممتُ بإبلاغه بنيتي في الخضوع له. لكنني لم أكن ندًا لها.
خلف الصبي الذي يعلو صدره ويهبط مع كل نفس، لمحتُ طيف شخص واقف.
ارتبطَت العواطف والأفعال ببعضها بعمق يثير الدهشة.
من هناك، جربتُ ذلك للمرة الأولى في حياتي معها. أنا، من نادرًا ما يتدخل مع الناس، لم أعرف ماهية ذلك الشيء. ولهذا السبب أستعيرُ كلماتها.
“ماذا تفعل…؟”
“إذا شعرتَ برغبة في ذلك، هاه. همم، أتعلم.”
التفتَ مذهولًا لمواجهة الصوت.
“فهمتُ!”
تأرجحت مظلته، وبدأت قطرات المطر المتساقطة تنقر كتفيه. دون معرفة ما إذا يُعد التوقيت جيدًا أم سيئًا، راقبتهما وكأن الأمر شأن يخص شخصًا آخر.
حاول قول شيءٍ ما. لكن قبل أن ينطق بكلمة واحدة، هرعَت الفتاة إلى جانبي، والتقطَت المظلة الساقطة، وقدمتها لي.
ففي النهاية، شاركتُها السكن، ودُعيت الآن إلى غرفتها – ربما خافَت من إساءتي للفهم ووقوعي في حبها.
نظرت الفتاة التي تحمل مظلة، وربما تحاول استيعاب الموقف، ذهابًا وإيابًا بين وجهه ووجهي مرات لا تُحصى.
حاول قول شيءٍ ما. لكن قبل أن ينطق بكلمة واحدة، هرعَت الفتاة إلى جانبي، والتقطَت المظلة الساقطة، وقدمتها لي.
“………… هاه؟ ما هذا؟”
بعد فترة وجيزة، توقفَت هي الأخرى عن قول أي شيء. بدا الصوت العنيف للمطر المنهمر وحده وكأنه يدينني عبر النافذة. لم أعرف سبب تمكني من سماع أصوات تنفسها ورمشها.
“ستُصاب بالبرد، أيها الزميل البغيض…”
عندما قبلتُ لطفها الذي بدا في غير محله إلى حدٍ ما، سمعتُ أنفاسها المتسارعة.
“أيها الزميل البغيض! دم، يخرج منك دم!”
واصلتُ التحديق فيها. وحدقَت هي بي بدورها أيضًا.
بدت مضطربة، وأخرجَت منديلًا من جيبها ووضعَته على عيني اليسرى. لم أعلم أنني أنزف. لذا ربما لم ينتج عنفه عن يديه العاريتين. لكنني لم أرغب في معرفة هوية السلاح في هذا الوقت.
“قول ذلك بهذه الطريقة يجعله يبدو وكأنك تقول إنني لستُ لطيفة، لكن لا فائدة من ذلك، لأنني لم أنسَ تلك الليلة التي قلتَ فيها إنني ثالث ألطف فتاة.”
آخر ما رأيتُه من وجهه المجاور لوجهي تمامًا، التواؤه إلى مستوى لم أره بعد في الدقائق القليلة الماضية. لم أعرف معنى ذلك التعبير، لكن الأمر لم يهم. حتى لو فهمت، لما تغيرت النتيجة.
والأهم من ذلك، رأيتُ تعبير الصبي المذهول بعد أن هرعَت إلى جانبي. فاق مقدار ذلك التغيير الوصف. جعلني ذلك أعتقد أن هذا يمثّل معنى فيضان المشاعر وانسكابها.
هذه المرة، شكل ذلك مبرري العادل.
“ما الخطب؟” “لماذا يوجد دم-” واصلت الفتاة. أصبحَت عيناي رهينةً لعواطفه، لذا وقع قلقها على آذان صماء، لكن ذلك لم يشكل مشكلة. فقد قدم هو التفسير.
“ساكورا… لماذا تساعدين هذا الصنف من الأشخاص…”
للقرّاء مستخدمي أجهزة الأندرويد، يُفضّل متابعة القراءة عبر التطبيق لضمان أفضل تجربة.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ووفّقنا لما تحب وترضى، وثبّت أقدامنا على صراطك المستقيم.
ومنديلها لا يزال مضغوطًا برفق على عيني اليسرى، استدارَت لمواجهته. أصبح تعبير وجهه أكثر تشوهًا، وربما يعود ذلك إلى رؤيته لوجهها.
“هذا الصنف من الأشخاص… ماذا… أتقصد الزميل البغيض؟”
“هذا صحيح، ذلك الشخص يطارد ساكورا، لذا لضمان عدم تدخله مرة أخرى، ضربته.”
انهار الجزء العلوي من جسدها فوق السرير. أفلتُّ كتفيها، وأمسكتُ بكلتا ذراعيها حتى لا تتمكن من الحركة. فرغ ذهني تمامًا.
قال ذلك لتبرير أفعاله. ربما اعتقد أن هذا سيجعلها تراه بصورة أفضل. ربما أراد منها النظر إليه مرة أخرى. لم يعد الفتى الأعمى قادرًا على رؤية قلبها.
“لو وُجدت قاذورات كلب داخل المدرسة، فستكون تلك هي المشكلة هنا. لكن، فهمتُ، شكرًا. لقد فقدته وكنتُ قلقًا بشأنه.”
“هذا عناق. ولذا، وبدءًا من الآن، يمثل هذا شيئًا لا ينبغي فعله.”
راقبتُ أنا، من أصبح متفرجًا بالكامل، التطورات بصمت. تجمدَت في مكانها، وظلَّت تحدق في وجهه. امتدَت ذراعاها فقط لتثبيت منديلها على وجهي. ابتسم نصفه مثل طفل يرغب في المديح. وابتلع الخوف نصفه الآخر.
“سألتُ عن سبب وجود العدو الذي لا يُغتفر في هذا النوع من الأماكن.”
بعد بضع ثوانٍ، تحول وجهه إلى الحالة الأخيرة.
سائرًا في اتجاه يخلو من أي بشر حوله، استطعتُ الشعور بثقل نظرته الثاقبة على ظهري. رفضتُ الاستدارة. لأنه حتى لو فعلت ذلك، فلن يفيد ذلك أحدًا. أردتُ من الصبي خلفي فهم استحالة إعجابها بي، أنا الشخص الذي يفكر في العلاقات الإنسانية بنفس طريقة تفكيره في الرياضيات، لكن ذلك بدا بلا فائدة.
حاول قول شيءٍ ما. لكن قبل أن ينطق بكلمة واحدة، هرعَت الفتاة إلى جانبي، والتقطَت المظلة الساقطة، وقدمتها لي.
وكأنها تتقيأ المشاعر المتراكمة داخل معدتها طوال فترة توقفها عن الحركة، وجهَّت له جملةً واحدةً فقط.
“آه، شيء آخر، أين ذهبتَ مع ياماوتشي؟ لقد أصبح هذا موضوعًا ساخنًا آخر كما تعلم.”
“ألا تعلم بسقوطكِ في عقاب شديد إذا كذبتِ؟”
“…………أنتَ الأسوأ.”
حطمت الصدمة الناجمة عن كلماتها وجهه.
هكذا قال. واجهني، لكن من الواضح أن تلك الكلمات لم تُوجه إليّ. علمتُ أنني استثرتُ غضبه. فكرتُ في إيذائه، لذا استحققتُ الأذى. تفكرتُ في نفسي بعمق.
“لا تنظر إليّ بتلك العيون الناقدة. حسنًا إذن، سأعود للموضوع – لقد أخبرتكَ سابقًا بأنني لا أقرأ الكتب إطلاقًا.”
سرعان ما التفتت إليّ. فاجأني وجهُها. أسأتُ الفهم بأن مجموعتها الغنية من التعابير مشرقة بطبيعتها. ظننتُ أنها تظل مشرقةً حتى عندما تغضب، وحتى عندما تبكي. لقد أسأتُ الفهم.
حتى هي يمكنها صنع هذا النوع من الوجوه.
“انتظر!”
“من؟”
ذاك النوع الذي يبدو وكأنه يهدف إلى إيذاء شخصٍ ما.
بالتأكيد، إذا اختفيتُ فجأة، لن يلاحظ أحد.
تغير تعبير وجهها على الفور عندما واجهتني؛ امتزجت الحيرة بابتسامة. وقفتُ بناءً على إشارتها. تبلل كلٌ من سروالي وقميصي الرياضي بالكامل، لذا سررتُ بحلول فصل الصيف. لم أشعر بالبرد، بفضل هواء الصيف، وإمساكها بذراعي.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ووفّقنا لما تحب وترضى، وثبّت أقدامنا على صراطك المستقيم.
رسمت علامة تقاطع على شفتيها بسبابتيها.
سحبَت ذراعي بقوة، وسارَت في اتجاهه. نظرتُ إلى وجهه. رأيتُ الدمار، واقتنعتُ باحتمالية ألا يسرق أشيائي بعد الآن.
مررنا بجانبه، ورغم توقعي باستمرارها في سحبنا، اصطدمتُ بها فجأة عندما توقفَت. ارتدَّت مظلتينا عن بعضهما البعض، مما أدَّى إلى تطاير رذاذ الماء.
الغضب الموجه نحو الفتاة – التي استمرَت في الكلام وكأنه سيبدد الإحراج الذي لحق بي – بدأ يتشكل ببطء داخل أحشائي، حتى لم يعد من الممكن احتماله.
وعندما أدركتُ ذلك، دُفِع ظهري ضد الحائط بجانب رف الكتب. وبقيت يدي اليسرى حرة، لكن يدي اليمنى قُيدت على الحائط عند مستوى الكتف. واقتربَت أكثر من ذي قبل أنفاس ونبضات قلب ليست لي. وحرارة أيضًا، ورائحة حلوة بشكل مفرط. لفَّت ذراعها اليمنى حول رقبتي. ولم أستطع رؤية وجهها؛ إذ التصق فمها بأذني مباشرة. وبدت كمسافة يُمكن فيها لخدودنا أن تتلامس. ومن وقت لآخر، تلامسَت بالفعل.
دون أن تلتفت، تحدثت بهدوء وبصوت عالٍ.
وصلَت تلك الفتاة بعد ذلك بوقت قصير. كالعادة، ارتدت ابتسامة لا تتناسب مع الطقس.
“لقد أصبحتُ أكره تاكاهيرو الآن. لذا لا تفعل أي شيء لي أو لمن حولي أبدًا مرة أخرى.”
في البداية، لعبنا لعبة قتال. ومجرد الضغط العشوائي على أزرار جهاز التحكم، يجرح الإنسان داخل الشاشة خصمه بسهولة – بدا الأمر شنيعًا حقًا، كأنه استمداد للمتعة من إيذاء الآخرين.
وبعد توقف متكلّف لإحداث تأثير، أجابَت.
لم يقل الفتى المدعو تاكاهيرو أي شيء. عندما نظرتُ أخيرًا إلى ظهره، بدا وكأنه يبكي.
“عائلتي ليست موجودة رغم ذلك.”
بعد ذلك، سُحبتُ إلى منزلها. هناك، سُلمتُ بصمت منشفة وملابس بديلة، وطُلب مني الاستحمام. دون تردد، فعلتُ ما قالته. استعرتُ قميصًا رجاليًا، وسروالًا داخليًا، وقميصًا رياضيًا، وعرفتُ للمرة الأولى امتلاكها أخًا أكبر منها بكثير. لم أعرف حتى هيكل عائلتها.
ردًا على ذلك الحدث غير المتوقع، تفاجأتُ بصراحة.
بعد بضع ثوانٍ، تحول وجهه إلى الحالة الأخيرة.
بعد تغيير ملابسي، استُدعيتُ إلى غرفتها في الطابق الثاني. رأيتها هناك فوق سريرها، تجلس بوضعية سيزا*.
“شيء لا ينبغي فعله.”
من هناك، جربتُ ذلك للمرة الأولى في حياتي معها. أنا، من نادرًا ما يتدخل مع الناس، لم أعرف ماهية ذلك الشيء. ولهذا السبب أستعيرُ كلماتها.
سائرًا في اتجاه يخلو من أي بشر حوله، استطعتُ الشعور بثقل نظرته الثاقبة على ظهري. رفضتُ الاستدارة. لأنه حتى لو فعلت ذلك، فلن يفيد ذلك أحدًا. أردتُ من الصبي خلفي فهم استحالة إعجابها بي، أنا الشخص الذي يفكر في العلاقات الإنسانية بنفس طريقة تفكيره في الرياضيات، لكن ذلك بدا بلا فائدة.
جعلني ذلك، أكثر من أي تفاعلات خضتُها مع البشر حتى الآن، أشعر بالحرج الشديد.
أسمَت ذلك “التصالح.”
جعلني ذلك، أكثر من أي تفاعلات خضتُها مع البشر حتى الآن، أشعر بالحرج الشديد.
“يبدو أن تلك الفتاة تكره البشر العنيدين. يبدو أن حبيبها السابق كان أحدهم.”
اعتذرَت لي. واعتذرتُ لها أنا أيضًا. وشرحَت موقفها لي. ظنَّت أنني سأرسم وجهًا مضطربًا وأضحك. لهذا السبب شرحتُ موقفي أيضًا. لسبب لم أفهمه، راودني شعور بتعرضي للاستغفال، فشعرتُ بالإهانة. لقد جاءَت تطاردني في المطر لعدم رغبتها مطلقًا في توتر الأمور بيننا، والسبب وراء بكائها بعد أن دفعتُها يعودُ ببساطة إلى خوفها من قوة صبي – هذا ما سمعته.
بعد المدرسة، أخبرتني بأنها ستقفل الفصل، لذا تناولتُ الغداء في الكافتيريا بمفردي أولًا قبل التوجه إلى المكتبة. ونظرًا لكونه يوم الحفل الختامي، قل عدد الطلاب في المكتبة عن المعتاد.
اعتذرتُ بصدق من أعماق قلبي.
ماذا ينبغي لي أن أفعل؟
تحدثتُ عمّا أثار اهتمامي في الفتى المتروك في المطر. ممثّل فصلنا، كما ظننت، حبيبها السابق. قلتُ بصدق ما خطر ببالي وسط المطر. من الأفضل لها التواجد مع شخص يفكر فيها بجدية، بدلًا من التواجد معي. لأن لقاءنا في المستشفى ذلك اليوم ليس سوى مجرد مصادفة.
“واهاها، لقد تحطمتُ!”
فوبختني في المقابل.
“نعم؟”
“ليس الأمر كذلك. إنها ليست مصادفة. نحن الاثنان، والجميع، وصلنا إلى هذا الحد من خلال الخيارات التي اتخذناها بأنفسنا. كوننا في نفس الفصل، ولقاؤنا في المستشفى ذلك اليوم أيضًا – لم يكونا مصادفات. ولم يشبه الأمر الحظ أيضًا. الخيارات التي اتخذتَها حتى الآن، والخيارات التي اتخذتُها أنا حتى الآن، هي ما سمح لنا باللقاء. التقينا ببعضنا البعض بمحض إرادتنا.”
شققتُ طريقي بين بعض المنازل الكبيرة. حدث ذلك في فترة ما بعد ظهر أحد أيام الأسبوع، ولم يظهر أي شخص في الأفق.
التزمتُ الصمت. لم أقل شيئًا. لدي الكثيرُ لأتعلمه منها حقًا. إن لم يتبقَّ لها عام واحد فقط، وإن امتلكتُ وقتًا أطول، فهل يمكنني تعليمها أي شيء يتجاوز ما علمته لي؟ لا، بغض النظر عن مقدار الوقت المتبقي، فبالتأكيد لن يكون كافيًا.
فوبختني في المقابل.
بعد استعارة حقيبة لزيي المدرسي، بالإضافة إلى بعض الملابس، أُعرتُ الكتاب الذي وُعدتُ به. نظرًا لقراءتي الكتب بالترتيب الذي أحصل عليها به، سيستغرق الأمر بعض الوقت لإنهاء الكتب المكدسة بالفعل على رف كتبي. عندما أخبرتُها بذلك، قالت إنه لا بأس أن أعيده خلال عام. بمعنى آخر، تعهدتُ بالانسجام معها حتى تموت.
أولًا، فقدتُ حذائي الداخلي كما ذكرتُ، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
في اليوم التالي عندما توجهتُ إلى المدرسة لحضور دروس إضافية، وجدتُ أن حذائي الداخلي لم يختفِ.
فكرتُ بقدر استطاعتي، لكنني لم أرَ سوى الندم داخل قلبي.
ذهبتُ إلى الفصل مرتديًا حذائي الداخلي للمرة الأولى منذ فترة، ووجدتُ أنها غير موجودة. حتى عندما حان وقت الحصة الأولى، لم تحضر إلى المدرسة. وكذلك الحصة التالية، والحصة التي تليها. حتى عندما انتهت الحصص، لم يظهر لها أي أثر.
“أوه صحيح، بما أننا لا نستطيع اللعب بالخارج في يوم ممطر كهذا، عليك المجيء إلى منزلي اليوم – لا بأس، أليس كذلك؟”
شرعتُ في التفكير. أنا، من استعاد رباطة جأشه أخيرًا، غصتُ في أفكاري.
أما عن سبب عدم حضورها، فلم أعرف عنه إلا في تلك الليلة.
اللهم احفظ أهلنا في السودان، وارحم ضعفهم، واكشف كربهم، واجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا.
لقد أُدخلت إلى المستشفى.
شققتُ طريقي بين بعض المنازل الكبيرة. حدث ذلك في فترة ما بعد ظهر أحد أيام الأسبوع، ولم يظهر أي شخص في الأفق.
أخذتُ أغراضي التي تركتُها فوق السرير. ثم، من أجل الهروب، أمسكتُ بمقبض الباب.
**********************************************************************
نظرت الفتاة التي تحمل مظلة، وربما تحاول استيعاب الموقف، ذهابًا وإيابًا بين وجهه ووجهي مرات لا تُحصى.
وضعية سيزا: وضعية سيزا هي طريقة جلوس يابانية تقليدية تُستعمل في المواقف الرسمية أو داخل المنازل ذات الأرضيات المفروشة بحصير التاتامي. فالمقصود في السياق أنها جالسة على ركبتيها وساقاها مطويتان تحتها بطريقة مهذبة أو رسمية، كما يجلس اليابانيون تقليديًا على الأرض.
الترجمة: Nobody
الترجمة: Nobody
“آآآآه، كم هذا محرج. إنها مجرد مزحة، مجرد مزحة! العبث المعتاد نفسه. لا تخلق مثل هذا الجو المحرج، أوف.”
تاريخ الترجمة: 12 / 3 / 2026
نظرت الفتاة التي تحمل مظلة، وربما تحاول استيعاب الموقف، ذهابًا وإيابًا بين وجهه ووجهي مرات لا تُحصى.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
“سألتُ عن سبب وجود العدو الذي لا يُغتفر في هذا النوع من الأماكن.”
“……أعتقد ذلك.”
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ووفّقنا لما تحب وترضى، وثبّت أقدامنا على صراطك المستقيم.
“آه، مسألة الحبيبة؟ أنا فقط أتأكد. أنت لا تحبني أو أي شيء، أليس كذلك؟ مهما حدث، لن تشعر برغبة في جعلي حبيبتك، أليس كذلك؟”
اللهم احفظ أهلنا في غزّة، وارفع عنهم الظلم والبلاء، وانصرهم نصرًا عزيزًا.
اللهم احفظ أهلنا في السودان، وارحم ضعفهم، واكشف كربهم، واجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا.
“…………إذا ساكورا هي التي تتحدث عنها تمثّل نفس الفتاة في فصلنا، فأنت محق.”
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان، واحفظ المسلمين في جميع البلدان التي تعاني من الفتن والحروب، إنك على كل شيء قدير.
“أجبني!”
تسابقَت كلماتها بلا توقف داخل رأسي. شيء لا ينبغي فعله – ماذا يمكن أن يكون بالضبط؟ هل تحدثَت عن الوضع الحالي، أم شيء في المستقبل، أم ربما حتى أحد الأشياء التي فعلناها حتى الآن؟ اعتقدتُ بأن كل هذه تمثّل إجابات صحيحة. شكلَت جميعها أشياء لا ينبغي فعلها. اكتشافي لمرضها، وقضاؤها الوقت قبل وفاتها معي رغم عدم إعجابها بي حتى، وقضاؤنا الليلة معًا، ودخولي غرفتها – إذا تحدثتُ عن شيء لا ينبغي فعله، فقد بدا إمكانية كونه أيًا مما سبق.
__________________________________________
رأيتُ وجهها. رأيتُ الدموع. غمرتني العواطف. اجتاحتني أفكاري – ندمي – بشدة.
شكرًا لقراءتكم هذا الفصل.
وربما لرضاها عن رد فعلي، رفعَت زوايا شفتيها إلى أقصى حد، وجعدَت الفراغ بين حاجبيها. وهو تعبير أثار أعصابي.
دعمكم محل تقدير ويحفّزني على تقديم الأفضل دائمًا.
هكذا قالت الفتاة، بابتسامة تملأ وجهها الآن. وأفلتَت قبضتها عن ذراعي اليمنى، ونفضَت يدي، وظلَّت تضحك بصوت عالٍ هكذا.
للقرّاء مستخدمي أجهزة الأندرويد، يُفضّل متابعة القراءة عبر التطبيق لضمان أفضل تجربة.
على أي حال، حتى لو حملَت أي عداء، أردتُ التعبير عن احترامي للفتاة التي رحبَت بي. لو كنتُ مكانها، لانتظرتُها حتمًا حتى تغادر خزائن الأحذية قبل تغيير حذائي.
“إنه “الأمير الصغير”، هل سمعتَ عنه؟”
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، “الوحدة القتالية”، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
إذا لاحظتم أي خطأ أو لديكم ملاحظة حول الترجمة، يُرجى مشاركتها عبر التعليقات أو روم الرواية في سيرفر ملوك الروايات على الديسكورد، يوزري على الديسكورد: readandrise
“ألن تقرضيني الكتاب؟ هذا ما جئتُ إلى هنا من أجله.”
امتلكتُ خبرة في لعب ألعاب التلفزيون، لكن مر بعض الوقت منذ أن لمستُ إحداها آخر مرة.
لا تنسوا ترك تعليق واحد على الأقل للتعبير عن تقديركم ودعمكم لجهودي في تدقيق هذا الفصل، ولا تنسوني من دعائكم بالتوفيق ~
“… هاه؟”
“لا ترفضني هكذا ببساطة وبسبب عادي! سيبدو الأمر وكأنك لا تريد دعوتي حقًا!”
