Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 27

"الصديق القديم"

"الصديق القديم"

 

 

 

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

…..

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

 

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

 

Arisu-san

تألّم وقطّب وجهه.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

الفصل 27: “الصديق القديم”

“واستنادًا إلى نظرة الحارسان الأخيران قبل موتهما، فبعد أن فرغ القاتل من الجميع، انتقل إلى هذا الموضع. أعتقد أنّه الموضع الذي كان يقف فيه الطفل أيضًا. ومن هذا الموضع الأخير… وبحسب تسلسل الهجوم، يمكننا تحديد خطّ سيره.”

….

 

“جثث الحراس الثمانية الذين كانوا يحمون السيّد تاليس ساعة وقوع الحادث، تُركت هنا. لم يكن ذلك بدافع الاحترام فحسب، بل لأن الموقف كان عاجلًا. لم نمسّهم البتّة، وهم ما يزالون في الهيئة التي وجدوا عليها عند وقوع الحادث.”

إنه على الأغلب روح مسكينة اختطفتها عشيرة الدماء وأصبحت مصدرًا لغذائهم.

كان غيلبرت يشرح للسيّدة جينيس، التي ارتسم على وجهها ملامح الجدية وهي تقف في ممر الطابق الثاني من قاعة مينديس أمام الجثث الثمانية، فيما وقف يودل صامتًا بجانبهم.

 

“ستةٌ منهم فرسان مهرة من فئة المقاتلين العاديين ذوي الخبرة الكبيرة، ولديهم جميعًا قابلية للترقي إلى الفئة العليا. أمّا الاثنان الآخران فكانا بالفعل من نخبة الفئة العليا. جميعهم قُطِعت شرايين أعناقهم بسلاحٍ حادٍّ غير منتظم.”

طراخ!

اقترب غيلبرت من إحدى الجثث، وجثا على ركبتيه وضغط على العنق المذبوح، فانكشف جرحٌ مروّع قد تغيّر لونه وتخثر الدم فيه.

عرف تاليس ما هو ذلك.

“استنادًا إلى تقديراتنا الأولية، فالفاعل ربّما كان من فئة النخبة الفائقة. أن يجهز على هؤلاء الثمانية في لحظة خاطفة لا يمكن إلا بمهارة فذّة وقوةٍ لا تُقدَّر. حتى يودل نفسه لم يستطع مجاراة سرعته.

اقترب غيلبرت من إحدى الجثث، وجثا على ركبتيه وضغط على العنق المذبوح، فانكشف جرحٌ مروّع قد تغيّر لونه وتخثر الدم فيه.

ثم إنّه يملك قدرةً مرعبة على التخفي. فقد كنّا قد أحكمنا الحراسة على جميع المداخل والمخارج ساعة الاقتحام، ومع ذلك تمكّن من التسلل، ولم يستشعر يودل بوجوده قط.”

 

قال غيلبرت بوجهٍ ملبّد بالكآبة، وأخرج من جيب صدره ساعةً ميكانيكية نظر فيها: كانت تشير إلى السادسة والنصف مساءً، والقمر بدأ يعلو.

 

انعقد حاجبا جينيس بشدة، وشفاهها الفاتنة انطبقت بصرامة زادت من بروز شامة جميلة قرب فمها. شبكت ذراعيها وهي تتعمق في التفكير لحظة، ثم رفعت يدها فجأة وأصدرت طقطقة بأصابعها.

تأمّلته جينيس وألقت نحوه بنظرة عابرة.

“انزعوا خوذاتهم.”

 

بإيماءة من غيلبرت، تقدّم الحرّاس المجاورون وأزالوا الخوذات عن الرؤوس. تقدّمت جينيس بخطوات أنيقة بكعبَي حذائها الرسمي ذي الكعب العالي، وجثت على ركبة واحدة، وأخذت تتفحّص وجوههم بعناية.

 

“لقد نزفَت شرايينهم بغزارة، ولم يكن أمامهم وقت طويل قبل أن تزهق أرواحهم، بالكاد ما يكفي للتلوي على الأرض… لحظة أن لمحوا القاتل.

 

انظروا إلى ملامحهم جميعًا.” قالت وهي تنحني أكثر. “هؤلاء الأربعة المستلقون على ظهورهم، وجوههم حملت الغضب والحقد والسخط والغيظ؛ ماتوا دون أن يدركوا ما الذي ضربهم لا يشعرون إلا بالضغينة.

 

أمّا هذان المستلقيان على جانبيهما، فقد جمدت على ملامحهما الدهشة والذهول والريبة؛ لقد لمحا الضربة المميتة مقبلةً وحاولا الردّ عبثًا، فلم يظفرا إلا بالصدمة والارتباك.

أمّا هذان المستلقيان على جانبيهما، فقد جمدت على ملامحهما الدهشة والذهول والريبة؛ لقد لمحا الضربة المميتة مقبلةً وحاولا الردّ عبثًا، فلم يظفرا إلا بالصدمة والارتباك.

وأمّا الاثنان الأخيران، الأقوى بينهم، فأحدهما مسند إلى الجدار، والآخر مطروح على ظهره. ملامحهما أكثر تعقيدًا: على وجه الأول ندم وألم، وعلى الآخر راحة واستسلام. لقد حاولا جاهدين صدّ الضربة، لكنّهما لم يفلحا. غير أنّهما كانا آخر من لفظ أنفاسه، ولذا أبصرا القاتل في لحظاتهما الأخيرة، فترك ذلك عليهما أثر الندم أو البصيرة المفاجئة. أي إنّهما لو كانا يعلمان هوية العدو مسبقًا لأكّداها بوضوح.”

أخذت تتقدّم بين الجثث حتى عادت إلى حيث الأقوى، وقالت، “نهاية الخط تصل بين دائرتيهما. وأقرب نقطة هي هذه بالذات!”

نهضت جينيس بوجهٍ بارد، وعقدت ذراعيها، ونظرت نحو غيلبرت المرتبك، وقالت بحسم: “القاتل ليس من الفئة الفائقة! لو كان كذلك، لا يُقهر، لرأيت في وجهيهما يأسًا ورعبًا، لا ندمًا ولا استسلامًا. بل استخدم مهارةً خاصة، أو قدرةً نفسية، أو أداة. بدأ بأقوى اثنين أوّلًا، ثم انتقل إلى الستة الأضعف. وحين سقط الأقوى، سنحت لهم فرصة رؤية القاتل وطريقته في القتل.

 

القاتل لم يبلغ بعد الفئة الفائقة، لكنه بالغ السرعة، ربما يقارب سرعة نصف نخب الفئة الفائقة أو يفوقهم. لكنه ما دام دونها، فحين يقّتُل، لا بدّ أن يفعلها بالتتابع.”

 

تقدّم يودل وجثا أمام الجثث، كما لو انه يتحقق من كلامها. بينما كان غيلبرت يتأمّل المرأة أمامه بشرود، وكأنّه يستعيد صورة الفتاة متقدة الحماس في المحكمة قبل عشرين عامًا… وإلى جوارها ذلك الفتى المتدرّب الضحوك.

 

تنهد من أعماقه، وتقدّم إليها.

 

“سيّدتي جينيس، أعلم أنّك كنتِ أرفع ضابطة شرطة في العاصمة، وشاركتِ في تحقيقات مجزرة العائلة الملكية إبّان العام الدموي، بل وتتبّعتِ صوفي الهواء. حتى دائرة الاستخبارات الملكية كانت تستعين بك مرارًا. استنتاجك حادّ وباهر كما كان. لكن أولويّتنا العاجلة الآن هي استعادة ذلك الطفل.” قال غيلبرت بثبات، ويداه خلف ظهره.

 

تأمّلته جينيس وألقت نحوه بنظرة عابرة.

 

(أرفع ضابطة شرطة؟) قبضت كفّيها بغير وعي. (ضابطة؟ هراء).

 

لكنّها لم تُبدِ شيئًا. بل رفعت يدها بحركة اعتيادية، تلمس الشامة على شفتيها وهي تبتسم ابتسامة ساخرة: “الرجال… خلاصة التهور والإهمال.”

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، مستقبِلًا الإحساس المحترق الذي اجتاح جسده.

ضيّق غيلبرت عينيه قليلًا وأمال قبعته بحيرة.

“صديق قديم” كان هو وجالا قد صادفاه البارحة في سوق الشارع الأحمر…

“ألستُ واضحة بما فيه الكفاية؟” خفضت يديها وتقدّمت بخطوات واثقة.

 

أشارت إلى جثة أمامها وقالت بيقين: “هذان الحارسان الأقوى كانا متجاورَين، وهما أوّل من هوجم، ثم تلاهما الاثنان، ثم الأربعة الآخرون. لكن ترتيب موتهم كان عكسيًا. الأقوى صمدوا حتى النهاية ورأوا القاتل. يكفيني أن أحدد موضعهما ساعة الضربة، لأستطيع رسم خطّ الهجوم وتحديد منفذ الاقتحام. الدماء المختلطة صعّبت تتبّع آثار حركتهم، لكن باحتساب زمن النزف وزمن سقوطهم وتلويهم، يمكن رسم دائرتين تتمحوران حول الأقوى. هاتان الدائرتان تحددان مجال حركتهم حتى موتهم.”

نهض تاليس، مثقلًا بالهموم، لكنه شعر بالارتياح أيضًا. كان إسترون قد اختفى.

“ولا تنسوا٫ أقوى اثنين تعرّضا لنفس السلاح وفي وقتٍ واحد، ما يعني أنهما كانا متجاورين. والنقطة المشتركة بين الدائرتين هي موضع الكمين. نقطتان محتملتان، لكن واحدة فقط هي الحقيقية، نقطة التسلل الأولى، حيث باغت القاتل وبدأ هجومه.”

…..

كانت ترسم بخطواتها أشكالًا بين الجثث، وغيلبرت ويودل يراقبانها بخضوع.

“ألستُ واضحة بما فيه الكفاية؟” خفضت يديها وتقدّمت بخطوات واثقة.

“واستنادًا إلى نظرة الحارسان الأخيران قبل موتهما، فبعد أن فرغ القاتل من الجميع، انتقل إلى هذا الموضع. أعتقد أنّه الموضع الذي كان يقف فيه الطفل أيضًا. ومن هذا الموضع الأخير… وبحسب تسلسل الهجوم، يمكننا تحديد خطّ سيره.”

ارتجف الصبي وهو يزحف نحو الجدار ويسند جسده إليه.

أخذت تتقدّم بين الجثث حتى عادت إلى حيث الأقوى، وقالت، “نهاية الخط تصل بين دائرتيهما. وأقرب نقطة هي هذه بالذات!”

 

تقدّمت بخطى حازمة حتى استقرّت على بقعة بعينها وسط مسرح الجريمة، وامتلأت عيناها بحدّة لا تخطئ. “هنا وُجِّهت الضربة الأولى. هنا تسلّل القاتل وبدأ هجومه!”

 

أسرع غيلبرت بضع خطوات إلى الأمام وراح يتلفّت حوله…

كانت مشابهة لما شمه في سوق الشارع الأحمر بالأمس، لكنها أقوى بكثير.

“أتقصدين أنّ القاتل ظهر هنا فجأة؟” قال ببطء، “المرتزقة بالفعل هاجموا حتى هذه النقطة، لكن ذلك مستحيل—هذا المكان ما يزال بعيدًا عن السلالم. لم يكن للقاتل أي مكان يختبئ فيه حين كنا ننظف الفوضى.”

 

أطلقت جينيس ضحكة خفيفة أخرى يملؤها الاستخفاف. وحده يودل تقدّم بهدوء وأشار إلى مزهرية صغيرة.

 

كان هذا النوع من المزهريات يُستعمل عادةً في الممرات، غير أنّ هذه المزهرية وحدها كانت الأقرب إلى جينيس.

ضغط تاليس على جرح معصم السجين. ولحسن الحظ، لم ينزف كثيرًا.

تحت نظرات غيلبرت المليئة بالحيرة، تقدّمت جينيس بسرعة وأمسكت بالمزهرية، ثم حطّمتها دون تردد!

 

طراخ!

 

انحنت بهدوء والتقطت قطعة محطّمة من المزهرية. وبعد أن فحصتها بدقة، مرّرت إصبعها بخفة على الجانب الداخلي للقطعة، ثم أظهرت ما التقطته لـ”الرجلين عديمي الفائدة”.

كان هذا النوع من المزهريات يُستعمل عادةً في الممرات، غير أنّ هذه المزهرية وحدها كانت الأقرب إلى جينيس.

لدهشته، اكتشف غيلبرت أن إصبع جينيس ملطّخ بالدم الأحمر! وانحنى يودل أيضًا والتقط بعض القطع الأخرى—وكانت عليها بدورها بقع دم صغيرة على الداخل.

 

“لم يكن لديه مكان يختبئ فيه؟” أطلقت جينيس ضحكة ساخرة، مما زاد من حرج غيلبرت.

فازداد رعبه وزحف بضع خطوات مبتعدًا.

“إذن…” تسلّم غيلبرت القطعة المحطّمة، وقد تغيّر تعبيره. “هذا هو…”

 

نهضت جينيس، وبصوتٍ خبير قالت، “عدد الضحايا: ثمانية. سبب الوفاة: نزف في الشريان السباتي. الجاني: أحد أفراد عشيرة الدم من الفئة العليا، ويُعرف أيضًا بمصاص دماء. سلاح الجريمة: مخالب أحد أفراد عشيرة الدم…”

 

لكن بينما كانت تتحدث بحماسة، توقفت فجأة وقد تذكّرت وضعها الحالي. فشدت على أسنانها وابتلعت بقية كلماتها.

’رائحة دماء؟’

“ففي النهاية، لم أعد ضابطة شرطة.”

 

هزّت جينيس رأسها وأزاحت من ذهنها كل المشاعر غير المرتبطة بالقضية. “لقد تسلّل إذن إلى القصر مختبئًا بقدرته الفطرية على التحوّل إلى دم، ثم استغل موهبته في بلوغ أقصى سرعة في لحظة ليذبح هؤلاء ويختطف—وطبعًا لم يفعل ذلك بقوته وحدها.” رفعت جينيس رأسها وحدّقت بازدراء في غيلبرت. “هذا هو النخبة من الفئة الفائقة الذي تحدثت عنه؟”

“هه! هه! آه!”

كان غيلبرت يشعر بقدر هائل من الإحراج، لكنه علم أنّ الوقت لم يكن مناسبًا ليبرّر نفسه، فقرّر أن يسأل بهدوء ومجاملة: “حقًا، أمر مثير للدهشة. إذن، أين الطفل؟”

كان غيلبرت يشعر بقدر هائل من الإحراج، لكنه علم أنّ الوقت لم يكن مناسبًا ليبرّر نفسه، فقرّر أن يسأل بهدوء ومجاملة: “حقًا، أمر مثير للدهشة. إذن، أين الطفل؟”

“أمر مثير للدهشة؟” سخرت جينيس في سرّها.

“آه!” صرخ تاليس لا إراديًا من الألم وترك المشبك.

“كنت أعلم، أنت من أولئك النبلاء رفيعي المنصب ضيّقي الأفق. لو أنّك رأيت ’إدارة الاستخبارات السرية’ في الكوكبة، أو ’الغرفة المظلمة’ في إكستيدت، أو حرّاس عباءة الغراب في سلالة الفجر والظلام، وكذلك ’كونتانا’ في هانبول، ولو شهدت الأساليب التي يستخدمونها، لأدركت كم من أناس مرعبين يختبئون في الزوايا المظلمة تحت المسرح الذي تقف عليه. بحركة طفيفة من أصابعهم يكشفون كل أسرارك.”

 

ثم قالت بنظرة حادّة وبنبرة يقين، “الجريمة—حين وقعت الحادثة، لم يكن غروب الشمس قد حلّ بعد! لم يكن أمامه سوى أن يستخدم ’تمويه الدم’ ليختبئ بين المرتزقة!

 

“إنه من عشيرة الدم لكنه لم يبلغ بعد الفئة الفائقة. لذلك لا يملك سوى التحوّل إلى سائل أثناء استخدام تمويه الدم، ولا يمكنه البقاء في هذه الحالة أكثر من نصف ساعة. هذا لا يعني سوى أن المرتزقة وصلوا إلى هنا في غضون نصف ساعة!

 

“إن جماعة من المرتزقة اندفعوا بأقصى سرعة. والمناطق الوحيدة التي تبعد نصف ساعة عن مقاطعة الشفق هي: منطقة المدينة الشرقية حيث تقع قصور النبلاء، قاعة المدينة، ملتقى التجّار، والمنطقة المركزية حيث يقبع قصر النهضة!”

 

أطلقت جينيس تنهيدة. ثم مدّت يدها نحو خصرها من باب العادة، تبحث عن شيء لم يكن هناك.

“جثث الحراس الثمانية الذين كانوا يحمون السيّد تاليس ساعة وقوع الحادث، تُركت هنا. لم يكن ذلك بدافع الاحترام فحسب، بل لأن الموقف كان عاجلًا. لم نمسّهم البتّة، وهم ما يزالون في الهيئة التي وجدوا عليها عند وقوع الحادث.”

فتجمّدت لحظة، ثم أطلقت ضحكة مريرة في قلبها. “صحيح، لم أعد ضابطة شرطة. بل حتى التدخين أقلعت عنه منذ زمن.”

 

وذلك المتدرّب الذي كان دائمًا يتبعها ليُشعل لها السيجارة، ألم يُستبدل منذ زمن؟

فازداد رعبه وزحف بضع خطوات مبتعدًا.

زفرت زفرة طويلة.

 

أوقفت السيدة الحكيمة شرودها ونظرت نحو غيلبرت.

….

“اتخذ قرارك، أيها الكونت.”

(ربما بدافع الشفقة.) فكّر بسخرية من نفسه.

استنشق غيلبرت بعمق وقال: “من سيرسل أحدًا للتحقيق هم بالتأكيد النبلاء. منطقة المدينة الشرقية ليست صغيرة، وقصورها هي الأنسب لإخفاء أفراد عشيرة الدم! ورغم كثرة القصور هناك…”

“هه! هه! آه!”

وفي لحظة، اختفى يودل.

 

كتم غيلبرت كلماته عند رؤيته تصرّف زميله الفظّ. لم يسعه سوى إطلاق تنهيدة. “حسنًا، على الأقل ضاق نطاق البحث.”

 

ألقى غيلبرت نظرة نحو جينيس وهزّ رأسه لها بهدوء. لكنها لم تجبه إلا بابتسامة ساخرة.

 

لم يُعرها غيلبرت اهتمامًا، بل بدأ يعطي أوامره من جديد: “افتحوا مستودع السلاح الاحتياطي وأعيدوا تنظيم القوات. جهّزوهم بالسيوف الفضية الخاصة بطرد الأرواح! اختاروا ثلاثين من أمهر المقاتلين ليلحقوا بي. وجهتنا: منطقة المدينة الشرقية!

كتم غيلبرت كلماته عند رؤيته تصرّف زميله الفظّ. لم يسعه سوى إطلاق تنهيدة. “حسنًا، على الأقل ضاق نطاق البحث.”

“خذوا المصباح معكم!”

وفي اللحظة التالية، بينما كان لا يزال يشعر بالدوار، ارتطم تاليس أرضًا برأسه على الحجر الرطب.

…..

 

بوم! بوم! بوم! بوم!

بوم! بوم! بوم! بوم!

الأصوات المكتومة على السقف استمرت، تزداد حدة وقوة.

 

أدار كريس رأسه، وظهر على وجهه لأول مرة شيء من القلق. نظر إلى تاليس بعين حاقدة وقال لإسترون: “خذه إلى الزنزانة وأحكم إغلاقها عليه!”

 

ثم، من غير أن ينتظر رد فعل إسترون أو تاليس، اختفى العجوز مع رولانا!

 

ارتسمت الدهشة على وجه إسترون أيضًا. رفع تاليس، متجاهلًا صراخه ومقاومته (مهلًا! ما الذي يحدث! ألم نكن على وشك تبادل المعلومات، أيها الفاضل إسترون؟”) ثم رماه نحو الدرج الحجري.

’تمهّل.’

وفي اللحظة التالية، بينما كان لا يزال يشعر بالدوار، ارتطم تاليس أرضًا برأسه على الحجر الرطب.

 

طاخ!

(تجربة اليوم لن تقلّ روعةً عن رحلة البارحة إلى سوق الشارع الأحمر!)

تألّم وقطّب وجهه.

ضغط تاليس على جرح معصم السجين. ولحسن الحظ، لم ينزف كثيرًا.

“أيها الصغير! ابق هنا وتصرف بأدب! سنعرف كل ما تفعله!” ومع صوت قفل المفتاح وكلمات إسترون القلقة، ساد الصمت من حوله.

 

نهض تاليس، مثقلًا بالهموم، لكنه شعر بالارتياح أيضًا. كان إسترون قد اختفى.

 

فمدّ يده بهدوء إلى فخذه، متظاهرًا بالحكة، ثم جرح يده بخنجر جي سي المربوط هناك.

تنهد بخفة وأرخى جسده كليًا، لكن فجأة داهمه إحساس بالوهن الشديد.

إنتابته آلام حادة، وبدأ دمه يقطر على الأرض.

 

“ها قد بدأ.”

 

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، مستقبِلًا الإحساس المحترق الذي اجتاح جسده.

 

“بهذه الطريقة، لعل غيلبرت ويودل سيتمكّنان من تحديد موقعي؟”

 

تنهد بخفة وأرخى جسده كليًا، لكن فجأة داهمه إحساس بالوهن الشديد.

أخذت تتقدّم بين الجثث حتى عادت إلى حيث الأقوى، وقالت، “نهاية الخط تصل بين دائرتيهما. وأقرب نقطة هي هذه بالذات!”

ارتجف الصبي وهو يزحف نحو الجدار ويسند جسده إليه.

أخذت تتقدّم بين الجثث حتى عادت إلى حيث الأقوى، وقالت، “نهاية الخط تصل بين دائرتيهما. وأقرب نقطة هي هذه بالذات!”

(تجربة اليوم لن تقلّ روعةً عن رحلة البارحة إلى سوق الشارع الأحمر!)

’رائحة دماء؟’

لم يكن لدى تاليس شيء يفعله الان سوى إستكشاف البيئة من حوله. كان الضوء خافتًا، صادرًا عن مشعلين صغيرين. الأرضية كانت حجرية، رطبة، باردة، وقاسية. الجدران الملطّخة مليئة بالخدوش والعلامات، وعندها حاجز معدني ضيّق بأقفال ضخمة سُمكها بقدر الذراع.

 

ركلت قدماه بعض الأغلال الصدئة القريبة فأصدرت رنينًا. زفر تاليس بعمق وتمدد على الأرضية الصاقعة.

 

(لا شكّ، هذه زنزانة سجن. رطبة، موحلة، ومفعمة برائحة دماءٍ نتنة.)

رجاءً… كفّوا عن إخافتي.

’رائحة دماء؟’

 

استطاع تاليس أن يشمّ نتانةً مالحةً فاسدة في الهواء.

فمدّ يده بهدوء إلى فخذه، متظاهرًا بالحكة، ثم جرح يده بخنجر جي سي المربوط هناك.

كانت مشابهة لما شمه في سوق الشارع الأحمر بالأمس، لكنها أقوى بكثير.

تنهد من أعماقه، وتقدّم إليها.

انقبض قلبه حين ترددت صرخات مخيفة وآهات من خارج زنزانته.

وذلك المتدرّب الذي كان دائمًا يتبعها ليُشعل لها السيجارة، ألم يُستبدل منذ زمن؟

“آه!”

 

ارتاع تاليس إلى حدّ أنه نهض واقفًا!

 

مما يذكره، أنه لم يكن يملك يومًا صبرًا على أفلام الرعب. كان دومًا شخصٌ ما (لم يعد يتذكر اسمه) مصابًا بمتلازمة أوهام المراهقة الميؤوس منها يجرّه عنوة لمشاهدتها سويًا.

 

وكان يسمي ذلك “تدريبًا على الشجاعة”.

 

من هول الإثارة، بدأ عقل تاليس يعمل بسرعة جنونية من جديد.

 

’زنزانة.’ رائحة دماء. عشيرة الدماء. صرخات وآهات.

شعر تاليس بموجة غثيان جديدة. وبسببها، قرر أنه عليه أن يفعل شيئًا.

فجأة أدرك تاليس ما هذا المكان: إنه “خزينة الطعام” لعشيرة الدماء.

(تجربة اليوم لن تقلّ روعةً عن رحلة البارحة إلى سوق الشارع الأحمر!)

اجتاحته موجة غثيان. فتنهد تاليس مجددًا. عدد التنهدات التي أطلقها في الأيام الماضية ربما فاق كمية ما شربه من ماء.

 

وبينما همّ بالجلوس، صدرت فجأة أنفاس متقطعة وواهِنة بجواره.

 

“هه! هه! آه!”

قطّب الصبي حاجبيه وحاول لمسه من جديد… ما إن يلمس القفل حتى يتوهج بحرارة عالية. بدا وكأنه لا يملك وسيلة لفكّ الأغلال. شيئًا فشيئًا خمد اضطراب السجين.

فازداد رعبه وزحف بضع خطوات مبتعدًا.

(لا شكّ، هذه زنزانة سجن. رطبة، موحلة، ومفعمة برائحة دماءٍ نتنة.)

رجاءً… كفّوا عن إخافتي.

نهضت جينيس بوجهٍ بارد، وعقدت ذراعيها، ونظرت نحو غيلبرت المرتبك، وقالت بحسم: “القاتل ليس من الفئة الفائقة! لو كان كذلك، لا يُقهر، لرأيت في وجهيهما يأسًا ورعبًا، لا ندمًا ولا استسلامًا. بل استخدم مهارةً خاصة، أو قدرةً نفسية، أو أداة. بدأ بأقوى اثنين أوّلًا، ثم انتقل إلى الستة الأضعف. وحين سقط الأقوى، سنحت لهم فرصة رؤية القاتل وطريقته في القتل.

مرعوبًا، ربت على صدره، ثم أدرك أن زنزانته لم تكن غرفة فاخرة منفردة.

“جثث الحراس الثمانية الذين كانوا يحمون السيّد تاليس ساعة وقوع الحادث، تُركت هنا. لم يكن ذلك بدافع الاحترام فحسب، بل لأن الموقف كان عاجلًا. لم نمسّهم البتّة، وهم ما يزالون في الهيئة التي وجدوا عليها عند وقوع الحادث.”

تقدّم تاليس ببطء نحو مصدر اللهاث. تحت الضوء الخافت، لمح هيئة بشرية ممددة على الأرض، مكبّلة بأغلال ثقيلة، تلهث بوجع.

ارتسمت الدهشة على وجه إسترون أيضًا. رفع تاليس، متجاهلًا صراخه ومقاومته (مهلًا! ما الذي يحدث! ألم نكن على وشك تبادل المعلومات، أيها الفاضل إسترون؟”) ثم رماه نحو الدرج الحجري.

“أغغ…”

“انزعوا خوذاتهم.”

في الظلام، بدا وكأن السجين عاجز عن الكلام. ظل يطلق أنفاس متواصلة، يملأها الألم والعذاب.

“اتخذ قرارك، أيها الكونت.”

كانت معاصمه موثوقة بقوة بالأغلال، ويبدو أن أنبوبًا يخرج من داخل المعصم إلى خارج الزنزانة.

وبينما همّ بالجلوس، صدرت فجأة أنفاس متقطعة وواهِنة بجواره.

عرف تاليس ما هو ذلك.

Arisu-san

إسترون قال ذات مرة: “برأيي، علينا فقط وصل جهاز سحب الدم وقناة التغذية حالًا، ثم وضعه في التابوت.”

 

برؤيته لذلك، لم يعد هناك شك: إنه جهاز سحب دم.

 

“ها…” خفض تاليس رأسه وتنهد بعجز مرة أخرى.

 

إنه على الأغلب روح مسكينة اختطفتها عشيرة الدماء وأصبحت مصدرًا لغذائهم.

 

“أغغ… أغغ…” وكأن السجين استشعر قدوم أحد، فبدأ يضطرب ويئن.

تقدّمت بخطى حازمة حتى استقرّت على بقعة بعينها وسط مسرح الجريمة، وامتلأت عيناها بحدّة لا تخطئ. “هنا وُجِّهت الضربة الأولى. هنا تسلّل القاتل وبدأ هجومه!”

شعر تاليس بموجة غثيان جديدة. وبسببها، قرر أنه عليه أن يفعل شيئًا.

 

“آسف، قد يؤلم قليلًا، تحمّل معي لبعض الوقت.” قالها هامسًا للسجين البائس.

استطاع تاليس أن يشمّ نتانةً مالحةً فاسدة في الهواء.

مدّ الصبي يده وأمسك بخصر السجين. وبقوة قبض على جهاز سحب الدم الغليظ، وسحب إبرة بكل ما أوتي من جهد، مجبرًا الإبرة التي انغرست عدة بوصات في وعاء دم السجين على الخروج.

وفي لحظة، اختفى يودل.

“آه! أغغ…” ازداد اضطراب السجين وأنينه. ولم يكف عن إصدار أصوات مبهمة، كالأبكم.

حين كان يواجه أفراد عشيرة الدماء الثلاثة آنفًا، شعر تاليس بالقلق والرعب، لكنه لم يُثقل بالحزن.

ضغط تاليس على جرح معصم السجين. ولحسن الحظ، لم ينزف كثيرًا.

 

(بالطبع، قد يكون السبب أنه لم يبق لديه دم كثير أصلًا.) فكّر تاليس بفتور.

رجاءً… كفّوا عن إخافتي.

حين كان يواجه أفراد عشيرة الدماء الثلاثة آنفًا، شعر تاليس بالقلق والرعب، لكنه لم يُثقل بالحزن.

لكنّها لم تُبدِ شيئًا. بل رفعت يدها بحركة اعتيادية، تلمس الشامة على شفتيها وهي تبتسم ابتسامة ساخرة: “الرجال… خلاصة التهور والإهمال.”

أما الآن، فرؤية “مصدر الدم” المكبّل جعلت قلبه يثقل لسبب ما.

أشارت إلى جثة أمامها وقالت بيقين: “هذان الحارسان الأقوى كانا متجاورَين، وهما أوّل من هوجم، ثم تلاهما الاثنان، ثم الأربعة الآخرون. لكن ترتيب موتهم كان عكسيًا. الأقوى صمدوا حتى النهاية ورأوا القاتل. يكفيني أن أحدد موضعهما ساعة الضربة، لأستطيع رسم خطّ الهجوم وتحديد منفذ الاقتحام. الدماء المختلطة صعّبت تتبّع آثار حركتهم، لكن باحتساب زمن النزف وزمن سقوطهم وتلويهم، يمكن رسم دائرتين تتمحوران حول الأقوى. هاتان الدائرتان تحددان مجال حركتهم حتى موتهم.”

(ربما بدافع الشفقة.) فكّر بسخرية من نفسه.

 

لمس تاليس الأغلال، ولم يلبث أن لاحظ أنها أغلال ميكانيكية مصنوعة من حجر أسود باهت، منقوشة برسوم معقدة وكلمات، ثقيلة لكنها دقيقة. كانت تقيد ذراعي السجين على صدره بحيث يضطر ليقاطع ذراعيه. وامتد قفلان صاعدان ليشبكا خديه بإحكام، مانعين رأسه من الحركة. وحين دفعها تاليس بكل قوته، اكتشف أن هذه الأغلال الثقيلة إما مثبتة بالأرض، أو أنها ثقيلة كأنه مثبّت بها.

 

بدت أغلالًا خاصة، أُعدّت للنخب.

 

جسّ تاليس المشبك فوجده مصنوعًا من معدن خاص.

 

وفي تلك اللحظة، ارتفعت حرارة المعدن فجأة. تدفقت حرارة لافحة عبر القفل.

 

“آه!” صرخ تاليس لا إراديًا من الألم وترك المشبك.

 

قطّب الصبي حاجبيه وحاول لمسه من جديد… ما إن يلمس القفل حتى يتوهج بحرارة عالية. بدا وكأنه لا يملك وسيلة لفكّ الأغلال. شيئًا فشيئًا خمد اضطراب السجين.

 

رؤية معاناته وآلامه جعلت تاليس في غاية الضيق. لكنه لم يستطع سوى الانسحاب بهدوء إلى جانب الجدار والجلوس مسندًا ظهره.

شعر تاليس بموجة غثيان جديدة. وبسببها، قرر أنه عليه أن يفعل شيئًا.

وبتحرك تاليس، لم يعد ضوء المشعل خارج الزنزانة محجوبًا، فسقط مباشرة على وجه السجين. ورآه تاليس بوضوح. كان جسده مثخنًا بالجراح. ملابسه الرمادية ممزقة وقذرة.

 

وكان مبتور الساقين من الركبتين. أما عنقه فكان أشد رعبًا؛ اللحم والدم فيه قد اندمجا ببشاعة ولون بنفسجيّ قاتم، كأن حنجرته أصيبت بجراح بليغة. وربما كان ذلك سبب عجزه عن الكلام.

 

مدّ تاليس يده إلى عنقه. واستذكر تجاربه مرتين في الاختناق والألم المصاحب لهما، فارتجف.

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

نظر إلى السجين وفكّر بصمت، (يا له من إنسان بائس. أن يتمكن من البقاء حيًّا حتى الآن بكل تلك الإصابات… إنه لَمُعجزة.)

عرف تاليس ما هو ذلك.

كان تعبير السجين متشنّجًا. ملامحه تلتوي وهو يلهث، كأنه يقاوم ألمًا شديدًا، لكنه لم يقدر إلا على إطلاق أنين خشن.

 

شعره الأخضر القصير غطّى نصف وجهه.

 

وشم غريب غطّى النصف الآخر.

(لا شكّ، هذه زنزانة سجن. رطبة، موحلة، ومفعمة برائحة دماءٍ نتنة.)

“أغغ…” استمر في الأنين بألم.

 

’تمهّل.’

 

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

 

أدرك تاليس بغتة أن هذا الذي يشاركه زنزانته، يلهث عاجزًا عن الكلام، ليس سوى “صديق قديم”.

كان هذا النوع من المزهريات يُستعمل عادةً في الممرات، غير أنّ هذه المزهرية وحدها كانت الأقرب إلى جينيس.

“صديق قديم” كان هو وجالا قد صادفاه البارحة في سوق الشارع الأحمر…

 

ميديرا رالف.

 

أحد أفضل الأفراد “الاثني عشر الأقوى” في عصابة قوارير الدم. ذو القدرة النفسية المتخصص في التحكم بالرياح.

نهض تاليس، مثقلًا بالهموم، لكنه شعر بالارتياح أيضًا. كان إسترون قد اختفى.

نخبة من الطبقة العليا…

 

“تابع الريح الشبحية”—رالف.

كانت مشابهة لما شمه في سوق الشارع الأحمر بالأمس، لكنها أقوى بكثير.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

 

ثم قالت بنظرة حادّة وبنبرة يقين، “الجريمة—حين وقعت الحادثة، لم يكن غروب الشمس قد حلّ بعد! لم يكن أمامه سوى أن يستخدم ’تمويه الدم’ ليختبئ بين المرتزقة!

 

(تجربة اليوم لن تقلّ روعةً عن رحلة البارحة إلى سوق الشارع الأحمر!)

 

ارتاع تاليس إلى حدّ أنه نهض واقفًا!

 

 

 

 

 

طراخ!

 

لم يكن لدى تاليس شيء يفعله الان سوى إستكشاف البيئة من حوله. كان الضوء خافتًا، صادرًا عن مشعلين صغيرين. الأرضية كانت حجرية، رطبة، باردة، وقاسية. الجدران الملطّخة مليئة بالخدوش والعلامات، وعندها حاجز معدني ضيّق بأقفال ضخمة سُمكها بقدر الذراع.

 

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

 

 

 

أشارت إلى جثة أمامها وقالت بيقين: “هذان الحارسان الأقوى كانا متجاورَين، وهما أوّل من هوجم، ثم تلاهما الاثنان، ثم الأربعة الآخرون. لكن ترتيب موتهم كان عكسيًا. الأقوى صمدوا حتى النهاية ورأوا القاتل. يكفيني أن أحدد موضعهما ساعة الضربة، لأستطيع رسم خطّ الهجوم وتحديد منفذ الاقتحام. الدماء المختلطة صعّبت تتبّع آثار حركتهم، لكن باحتساب زمن النزف وزمن سقوطهم وتلويهم، يمكن رسم دائرتين تتمحوران حول الأقوى. هاتان الدائرتان تحددان مجال حركتهم حتى موتهم.”

 

“ها…” خفض تاليس رأسه وتنهد بعجز مرة أخرى.

 

 

 

انحنت بهدوء والتقطت قطعة محطّمة من المزهرية. وبعد أن فحصتها بدقة، مرّرت إصبعها بخفة على الجانب الداخلي للقطعة، ثم أظهرت ما التقطته لـ”الرجلين عديمي الفائدة”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اجتاحته موجة غثيان. فتنهد تاليس مجددًا. عدد التنهدات التي أطلقها في الأيام الماضية ربما فاق كمية ما شربه من ماء.

 

كانت معاصمه موثوقة بقوة بالأغلال، ويبدو أن أنبوبًا يخرج من داخل المعصم إلى خارج الزنزانة.

 

اقترب غيلبرت من إحدى الجثث، وجثا على ركبتيه وضغط على العنق المذبوح، فانكشف جرحٌ مروّع قد تغيّر لونه وتخثر الدم فيه.

 

لم يكن لدى تاليس شيء يفعله الان سوى إستكشاف البيئة من حوله. كان الضوء خافتًا، صادرًا عن مشعلين صغيرين. الأرضية كانت حجرية، رطبة، باردة، وقاسية. الجدران الملطّخة مليئة بالخدوش والعلامات، وعندها حاجز معدني ضيّق بأقفال ضخمة سُمكها بقدر الذراع.

 

انظروا إلى ملامحهم جميعًا.” قالت وهي تنحني أكثر. “هؤلاء الأربعة المستلقون على ظهورهم، وجوههم حملت الغضب والحقد والسخط والغيظ؛ ماتوا دون أن يدركوا ما الذي ضربهم لا يشعرون إلا بالضغينة.

 

 

 

 

 

 

 

“ستةٌ منهم فرسان مهرة من فئة المقاتلين العاديين ذوي الخبرة الكبيرة، ولديهم جميعًا قابلية للترقي إلى الفئة العليا. أمّا الاثنان الآخران فكانا بالفعل من نخبة الفئة العليا. جميعهم قُطِعت شرايين أعناقهم بسلاحٍ حادٍّ غير منتظم.”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نظر إلى السجين وفكّر بصمت، (يا له من إنسان بائس. أن يتمكن من البقاء حيًّا حتى الآن بكل تلك الإصابات… إنه لَمُعجزة.)

 

 

 

 

 

(تجربة اليوم لن تقلّ روعةً عن رحلة البارحة إلى سوق الشارع الأحمر!)

 

 

 

 

 

برؤيته لذلك، لم يعد هناك شك: إنه جهاز سحب دم.

 

فجأة أدرك تاليس ما هذا المكان: إنه “خزينة الطعام” لعشيرة الدماء.

 

 

 

“ولا تنسوا٫ أقوى اثنين تعرّضا لنفس السلاح وفي وقتٍ واحد، ما يعني أنهما كانا متجاورين. والنقطة المشتركة بين الدائرتين هي موضع الكمين. نقطتان محتملتان، لكن واحدة فقط هي الحقيقية، نقطة التسلل الأولى، حيث باغت القاتل وبدأ هجومه.”

 

ارتسمت الدهشة على وجه إسترون أيضًا. رفع تاليس، متجاهلًا صراخه ومقاومته (مهلًا! ما الذي يحدث! ألم نكن على وشك تبادل المعلومات، أيها الفاضل إسترون؟”) ثم رماه نحو الدرج الحجري.

 

 

 

 

 

ثم قالت بنظرة حادّة وبنبرة يقين، “الجريمة—حين وقعت الحادثة، لم يكن غروب الشمس قد حلّ بعد! لم يكن أمامه سوى أن يستخدم ’تمويه الدم’ ليختبئ بين المرتزقة!

 

 

 

“أغغ… أغغ…” وكأن السجين استشعر قدوم أحد، فبدأ يضطرب ويئن.

 

 

 

ضيّق غيلبرت عينيه قليلًا وأمال قبعته بحيرة.

 

 

 

“هه! هه! آه!”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انحنت بهدوء والتقطت قطعة محطّمة من المزهرية. وبعد أن فحصتها بدقة، مرّرت إصبعها بخفة على الجانب الداخلي للقطعة، ثم أظهرت ما التقطته لـ”الرجلين عديمي الفائدة”.

 

قطّب الصبي حاجبيه وحاول لمسه من جديد… ما إن يلمس القفل حتى يتوهج بحرارة عالية. بدا وكأنه لا يملك وسيلة لفكّ الأغلال. شيئًا فشيئًا خمد اضطراب السجين.

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

 

 

 

 

 

 

“إنه من عشيرة الدم لكنه لم يبلغ بعد الفئة الفائقة. لذلك لا يملك سوى التحوّل إلى سائل أثناء استخدام تمويه الدم، ولا يمكنه البقاء في هذه الحالة أكثر من نصف ساعة. هذا لا يعني سوى أن المرتزقة وصلوا إلى هنا في غضون نصف ساعة!

 

تقدّمت بخطى حازمة حتى استقرّت على بقعة بعينها وسط مسرح الجريمة، وامتلأت عيناها بحدّة لا تخطئ. “هنا وُجِّهت الضربة الأولى. هنا تسلّل القاتل وبدأ هجومه!”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أشارت إلى جثة أمامها وقالت بيقين: “هذان الحارسان الأقوى كانا متجاورَين، وهما أوّل من هوجم، ثم تلاهما الاثنان، ثم الأربعة الآخرون. لكن ترتيب موتهم كان عكسيًا. الأقوى صمدوا حتى النهاية ورأوا القاتل. يكفيني أن أحدد موضعهما ساعة الضربة، لأستطيع رسم خطّ الهجوم وتحديد منفذ الاقتحام. الدماء المختلطة صعّبت تتبّع آثار حركتهم، لكن باحتساب زمن النزف وزمن سقوطهم وتلويهم، يمكن رسم دائرتين تتمحوران حول الأقوى. هاتان الدائرتان تحددان مجال حركتهم حتى موتهم.”

 

شعره الأخضر القصير غطّى نصف وجهه.

 

طراخ!

 

“أغغ…” استمر في الأنين بألم.

 

 

 

 

 

“إذن…” تسلّم غيلبرت القطعة المحطّمة، وقد تغيّر تعبيره. “هذا هو…”

 

هزّت جينيس رأسها وأزاحت من ذهنها كل المشاعر غير المرتبطة بالقضية. “لقد تسلّل إذن إلى القصر مختبئًا بقدرته الفطرية على التحوّل إلى دم، ثم استغل موهبته في بلوغ أقصى سرعة في لحظة ليذبح هؤلاء ويختطف—وطبعًا لم يفعل ذلك بقوته وحدها.” رفعت جينيس رأسها وحدّقت بازدراء في غيلبرت. “هذا هو النخبة من الفئة الفائقة الذي تحدثت عنه؟”

 

 

 

تنهد من أعماقه، وتقدّم إليها.

 

كان غيلبرت يشرح للسيّدة جينيس، التي ارتسم على وجهها ملامح الجدية وهي تقف في ممر الطابق الثاني من قاعة مينديس أمام الجثث الثمانية، فيما وقف يودل صامتًا بجانبهم.

 

 

 

 

 

إنه على الأغلب روح مسكينة اختطفتها عشيرة الدماء وأصبحت مصدرًا لغذائهم.

 

 

 

’زنزانة.’ رائحة دماء. عشيرة الدماء. صرخات وآهات.

 

 

 

 

 

 

 

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

 

مدّ تاليس يده إلى عنقه. واستذكر تجاربه مرتين في الاختناق والألم المصاحب لهما، فارتجف.

 

 

 

رجاءً… كفّوا عن إخافتي.

 

مرعوبًا، ربت على صدره، ثم أدرك أن زنزانته لم تكن غرفة فاخرة منفردة.

 

مرعوبًا، ربت على صدره، ثم أدرك أن زنزانته لم تكن غرفة فاخرة منفردة.

 

“أغغ…” استمر في الأنين بألم.

 

 

 

“خذوا المصباح معكم!”

 

لمس تاليس الأغلال، ولم يلبث أن لاحظ أنها أغلال ميكانيكية مصنوعة من حجر أسود باهت، منقوشة برسوم معقدة وكلمات، ثقيلة لكنها دقيقة. كانت تقيد ذراعي السجين على صدره بحيث يضطر ليقاطع ذراعيه. وامتد قفلان صاعدان ليشبكا خديه بإحكام، مانعين رأسه من الحركة. وحين دفعها تاليس بكل قوته، اكتشف أن هذه الأغلال الثقيلة إما مثبتة بالأرض، أو أنها ثقيلة كأنه مثبّت بها.

 

الأصوات المكتومة على السقف استمرت، تزداد حدة وقوة.

 

تنهد بخفة وأرخى جسده كليًا، لكن فجأة داهمه إحساس بالوهن الشديد.

 

انعقد حاجبا جينيس بشدة، وشفاهها الفاتنة انطبقت بصرامة زادت من بروز شامة جميلة قرب فمها. شبكت ذراعيها وهي تتعمق في التفكير لحظة، ثم رفعت يدها فجأة وأصدرت طقطقة بأصابعها.

 

 

 

 

 

 

 

ثم، من غير أن ينتظر رد فعل إسترون أو تاليس، اختفى العجوز مع رولانا!

 

 

 

 

 

مما يذكره، أنه لم يكن يملك يومًا صبرًا على أفلام الرعب. كان دومًا شخصٌ ما (لم يعد يتذكر اسمه) مصابًا بمتلازمة أوهام المراهقة الميؤوس منها يجرّه عنوة لمشاهدتها سويًا.

 

 

 

إسترون قال ذات مرة: “برأيي، علينا فقط وصل جهاز سحب الدم وقناة التغذية حالًا، ثم وضعه في التابوت.”

 

’رائحة دماء؟’

 

عرف تاليس ما هو ذلك.

 

استطاع تاليس أن يشمّ نتانةً مالحةً فاسدة في الهواء.

 

 

 

 

 

 

 

“ها قد بدأ.”

 

 

 

 

 

 

 

لكنّها لم تُبدِ شيئًا. بل رفعت يدها بحركة اعتيادية، تلمس الشامة على شفتيها وهي تبتسم ابتسامة ساخرة: “الرجال… خلاصة التهور والإهمال.”

 

“آه!”

 

تجمّد تاليس فجأة. لقد تعرّف على الوشم في وجه الرجل.

 

وذلك المتدرّب الذي كان دائمًا يتبعها ليُشعل لها السيجارة، ألم يُستبدل منذ زمن؟

 

وشم غريب غطّى النصف الآخر.

 

 

 

 

 

أشارت إلى جثة أمامها وقالت بيقين: “هذان الحارسان الأقوى كانا متجاورَين، وهما أوّل من هوجم، ثم تلاهما الاثنان، ثم الأربعة الآخرون. لكن ترتيب موتهم كان عكسيًا. الأقوى صمدوا حتى النهاية ورأوا القاتل. يكفيني أن أحدد موضعهما ساعة الضربة، لأستطيع رسم خطّ الهجوم وتحديد منفذ الاقتحام. الدماء المختلطة صعّبت تتبّع آثار حركتهم، لكن باحتساب زمن النزف وزمن سقوطهم وتلويهم، يمكن رسم دائرتين تتمحوران حول الأقوى. هاتان الدائرتان تحددان مجال حركتهم حتى موتهم.”

 

 

 

“هه! هه! آه!”

 

 

 

 

 

استطاع تاليس أن يشمّ نتانةً مالحةً فاسدة في الهواء.

 

ضيّق غيلبرت عينيه قليلًا وأمال قبعته بحيرة.

 

رؤية معاناته وآلامه جعلت تاليس في غاية الضيق. لكنه لم يستطع سوى الانسحاب بهدوء إلى جانب الجدار والجلوس مسندًا ظهره.

 

رؤية معاناته وآلامه جعلت تاليس في غاية الضيق. لكنه لم يستطع سوى الانسحاب بهدوء إلى جانب الجدار والجلوس مسندًا ظهره.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نظر إلى السجين وفكّر بصمت، (يا له من إنسان بائس. أن يتمكن من البقاء حيًّا حتى الآن بكل تلك الإصابات… إنه لَمُعجزة.)

 

“ألستُ واضحة بما فيه الكفاية؟” خفضت يديها وتقدّمت بخطوات واثقة.

 

 

 

“واستنادًا إلى نظرة الحارسان الأخيران قبل موتهما، فبعد أن فرغ القاتل من الجميع، انتقل إلى هذا الموضع. أعتقد أنّه الموضع الذي كان يقف فيه الطفل أيضًا. ومن هذا الموضع الأخير… وبحسب تسلسل الهجوم، يمكننا تحديد خطّ سيره.”

 

 

 

“إن جماعة من المرتزقة اندفعوا بأقصى سرعة. والمناطق الوحيدة التي تبعد نصف ساعة عن مقاطعة الشفق هي: منطقة المدينة الشرقية حيث تقع قصور النبلاء، قاعة المدينة، ملتقى التجّار، والمنطقة المركزية حيث يقبع قصر النهضة!”

 

 

 

وكان يسمي ذلك “تدريبًا على الشجاعة”.

(بالطبع، قد يكون السبب أنه لم يبق لديه دم كثير أصلًا.) فكّر تاليس بفتور.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط