Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 29

اليد التي امتدّت من التابوت
PDF

اليد التي امتدّت من التابوت

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“على أي حال، أرسلَت ’الغرفة السرّية‘ أحدهم ليُسلمنا رسالةً مجهولة الهوية. قالت الرسالة إن أحد أفراد العصابة شوهد بالأمس يغادر إكستيدت متجهًا نحو الكوكبة، إلى مدينة النجم الأبدي. المرأة العجوز التي أوصلت الرسالة قالت أيضًا إن الرسالة سدادٌ لدَين امتنانٍ تجاهك.” بدا أن الصوت الخافت أدرك أخيرًا الجوّ الغريب، فبدّل الموضوع بتكلّف.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

 

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

 

Arisu-san

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

الفصل 29: اليد التي امتدّت من التابوت

صدر أول صوت مكتوم من اشتباكٍ عنيف بين عبد دمٍ وحارس.

….

ــ “من وُلد بلا أجنحة، لا يحق له أن يحلم بالطيران.”

منذ اختفاء آسدا، لم يجرؤ تاليس حقًا على اختبار تلك القوّة التي “فقد السيطرة” عليها.

 

لم يكن يعرف كيف يتحكّم الصوفيون بقدراتهم، ولا حتى ماهيّة الطاقة الصوفية. كل ما فعله هو محاكاة ما جرى له في لحظات فقدان السيطرة السابقة، مستندًا إلى استنتاجاته وتجاربه الماضية، محاولًا إعادة تفعيل تلك القوّة.

 

في خططه الأولى، كان عليه أن يختبر هذه القدرة بحذر، خطوة بعد خطوة، وفي سرّية تامّة، في بيئة آمنة وهادئة، بعد أن يتعرّف على أصل “القدرات الصوفية” و”الصوفيين” من خلال دروس غيلبرت؛ ثم بعد أن يفكّر مليًّا في ردّة فعل من حوله على فقدانه السيطرة.

 

لكن، بسبب الخطر المحدق وحالة رالف المزرية، اضطر تاليس إلى تسريع “اختبار القدرة الصوفية” هذا، رغم ما قد يجرّه من مخاطر.

 

في المرتين السابقتين اللتين فقد فيهما السيطرة، كان الدم وسيطًا لظهور الخنجر ذلك الكيان المادي—ثم الكُرة الغامضة وهي طاقة، أمامه بشكل مبهم. ومن هنا خمّن أن هذه القوّة قد تكون مرتبطة بالانتقال البُعدي.

 

(ما دمتُ قادرًا على إزاحة قفل الأصفاد الحجرية إلى جانب يدي…) تمتم تاليس في قلبه.

 

جاءت التجربة أيسر مما توقّع.

دوى صوت الصدام في آذان الجميع، لكن الغريب أنه لم يُحدث أي اضطراب في الهواء رغم شدّته.

اشتدّ اللهيب في أعماقه، وتضخّمت الأصفاد الحجرية أمام ناظريه، وتوالت المشاهد في ذهنه… ثم غاب عن الوعي.

دويّ، دويّ!

وحين فتح عينيه، استشعر ضوء القمر، وسمع صفير الريح، وشعر بالبرد يلسع جسده، ورأى دهشة مصاصي الدماء الذين ارتموا أرضًا.

“من الواضح أن القوة ليست المفتاح — بل هو الحظّ.” بدا أن الصوت الخافت يتحدث عن مأساة اثنتي عشرة سنة مضت بلا أدنى تردّد.

لقد كان بين ذراعي رالف، والهواء يبتعد بهما أكثر فأكثر عن الأرض.

 

(رغم غرابة ما حدث، يبدو أن التجربة نجحت…) فكّر تاليس بإنهاك.

كان أمامه عدستان داكنتان على قناع بنفسجي داكن، تحدّقان فيه تحت ضوء القمر.

ورغم أن رالف بدا بائسًا ومتألّمًا، فقد تخلّص أخيرًا من عبء الأصفاد الثقيلة. أجبر الريح على حمله وصعد بها إلى الأعلى.

 

لكن لم يكن أحد أشدّ صدمة من كريس في تلك اللحظة.

“سيف السلسلة هذا مصنوع من الفِضّة، أيتها الملعونة!” صاحت المسؤولة، جينيس، بتعبيراتٍ مشمئزة. “لقد أنفقت مدّخراتي لأُحضّر لكم مفاجأةً تليق بكم!”

“كيف يُعقَل هذا؟” تمتم العجوز من عشيرة الدم بذهول.

 

كان إسترون ورولانا لا يزالان صغيرين، وهو وحده من يعرف أن “أصفاد جناح الليل الحجري” التي استُخدمت لتقييد نخبة الفئة العليا في السجون، هي إرث عريق من عائلة كورليوني، حُفظت لألف عام. أداة تعذيب تخص دوقات الدم وحدهم، ولا تُفتح إلا بدم الذي اقفلها.

لكن صوتًا خافتًا وغريبًا لفت انتباهه.

تلك الأصفاد صُمِّمت لتقييد نخب الفئة الفائقة! استُخدمت بدايةً لكبح الأميرة المخبولة حين ثارت، ثم بعد استقرار حالتها استُعملت على طعام الدم من الفئة العليا. حتى اسلحة الصوفيين الأكثر تقدّمًا لم تستطع تحطيم تلك الأصفاد! فكيف انفتحت الآن؟

قبل أن يُصاب بتلك الجراح الفادحة، كان رالف ابن الريح، قادرًا على الاستلقاء مقلوبًا في الهواء لعِدة دقائق على ارتفاع عشرة أمتار.

 

أما الآن، بعد أن نُزف دمه، وصار ضعيفًا عطِشًا، وقد فقد ساقيه فجأة، اختلّ توازنه. الألم الذي يعصف بحلقه شتّت تركيزه، وغالبية قدرته النفسية صارت مكرّسة للحفاظ على “تنفّسه” بنقل الهواء من حلقه إلى رئتيه.

 

لقد أدرك أنه لا أمل له بمواجهة الثلاثة. ما فعله تاليس لم يكن سوى حلّ مؤقّت، خطّة بديلة. ولذا، بعد أن تحرّر من الأغلال، لم يفكّر رالف سوى بالارتفاع إلى علوّ يستحيل على عشيرة الدم بلوغه. وإن لحقوا به، فسيستنفد ما تبقى له ليدفعهم بعيدًا بعواصفه.

وبينما كانت رولانا على الأرض تستعد لالتقاط تاليس، رأت بذهول أن رالف نصف المعاق قد أخذ يزمجر ويعوي بقوة لحظة ارتطامه بالأرض.

لكنّه استهان بكريس، الذي كان من نخب الفئة الفائقة منذ مئات السنين.

ــ “أغـه—!”

لم يدع كريس ذهوله يبطئه. ألف عام من العمر صقلته أكثر، وفي لحظة اسودّت ملامحه اليابسة، وانقضّ قافزًا لارتفاع يزيد عن عشرة أمتار، ثم اندفع نحو الاثنين في الهواء!

دوى صوت الصدام في آذان الجميع، لكن الغريب أنه لم يُحدث أي اضطراب في الهواء رغم شدّته.

(من أجل سموّها… عليّ أن أستعيد ذلك الصبي!)

وعندها، كان إسترون على الأرض، ورولانا التي هرعت من السجن بذراعها نصف المتجددة ووجهها الملطّخ بالتراب، يشهدان كريس وهو يمسك برالف ــ الذي يحتضن تاليس ــ من يده اليسرى، ثم يجرّه مع الطفل نحو الأرض بقوة رهيبة.

اقترب من رالف في لمح البصر، وأبصر عاصفة عاتية تتدافع نحوه.

 

تجمّد تاليس مصعوقًا، إذ رأى كريس، ثيابه وشَعره تعصف بهما الرياح، ووجهه جامد، يتحوّل فجأة إلى ضباب قرمزي من الدماء.

 

لم يكن دمًا مائِعًا كالذي تحوّل إليه إسترون، بل كان ضبابًا دمويًّا!

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

رأى تاليس الضباب الدموي يتبعثر حين نفخ رالف عليه، لكنه واصل تصاعده مخترقًا حاجز الرياح الواقي الذي بناه رالف دون أي عائق.

ارتفع صوت تحطّم عظم رالف مع عويله المؤلم عاليًا في السماء على ارتفاع عشرين مترًا عن الأرض.

تسرّب الضباب الدموي عبر الريح، ووقف أمام رالف. وتحت أنظار رالف وتاليس الجادّة، أخذ يتحوّل ببطء إلى هيئة العجوز شاحب الوجه، بملامح عصيّة على الفهم، قبل أن يبدأ في السقوط مجددًا.

 

“آه—” لم يستطع رالف النطق، واكتفى بالزئير الغاضب، رافعًا يده اليسرى ليُعزز قدرته النفسية، محاولًا أن يقذف العجوز من السماء.

 

لكن قبل أن يُكمل زئيره، كانت يد كريس كورليوني قد أمسكت بالفعل بمعصمه الأيسر.

صرخ الثلاثون من فرسان الإبادة بغضب. ترجّلوا بسرعةٍ من خيولهم وشكّلوا دائرةً دفاعية. تقدّم كلّ حارسٍ بخطوةٍ بقدمه اليسرى، ومَيَّل سيفه بيمينه ليحمي رفيقه الذي بجانبه.

ــ “من وُلد بلا أجنحة، لا يحق له أن يحلم بالطيران.”

 

كان صوت كريس أبرد من برد المرتفعات، وهو ينطق بكلماته المريبة.

 

طَق!

واندفعت حوافر الخيل كالسيل الجارف.

ــ “أغـه—!”

“لا تُبدِ ذلك الوجه، يا معلّمي. إن فكّرنا بالأمر بإيجابية، فقد فقدنا أحد ألدّ أعدائنا. وإن فكّرنا بإيجابيةٍ أكبر، فقد نتمكّن من استدراج صوفي الدم.” قال الصوت الرجولي الخافت بفتور.

ارتفع صوت تحطّم عظم رالف مع عويله المؤلم عاليًا في السماء على ارتفاع عشرين مترًا عن الأرض.

 

وعندها، كان إسترون على الأرض، ورولانا التي هرعت من السجن بذراعها نصف المتجددة ووجهها الملطّخ بالتراب، يشهدان كريس وهو يمسك برالف ــ الذي يحتضن تاليس ــ من يده اليسرى، ثم يجرّه مع الطفل نحو الأرض بقوة رهيبة.

الفصل 29: اليد التي امتدّت من التابوت

ــ “آه—!”

 

بدا رالف وقد أصابه الجنون، فاندفع بكل ما تبقى في جسده دافعًا الريح للأعلى، حتى كاد ينسى أن يتنفس، لكنه لم يستطع أن يتخلص من مخالب كريس الحادة التي اخترقت عظام معصمه وأحكمت وثاقه.

في تلك اللحظة، نهضت هيئة ببطء من الحفرة التي أحدثها رالف وكريس.

تلاطم تاليس وسط الرياح العاصفة حتى عجز عن فتح عينيه، وقد فرغ جسده كله من الطاقة بعدما استنفد كل أوراقه.

 

لقد أصبح عاجزًا تمامًا.

لقد أصبح عاجزًا تمامًا.

وأخيرًا، سُحِب رالف الذي قاوم بعناد من السماء على يد كريس.

ــ “صحيح. ها…” بدا في نبرة العجوز خيبة أمل عندما تردد صداه في أرجاء الظلام: “إنه هم لا غير… أولئك القلائل وحدهم.”

فقد رالف توازنه، وبعد أن أنهك قواه بالكامل تقريبًا، حاول يائسًا التحكم بالريح، لكن قوة كريس الهائلة جعلت من المستحيل عليه أن ينهض في الهواء مرة أخرى.

 

ــ “من أجل سموّها، يجب أن يبقى الطفل على قيد الحياة!” قال كريس ببرودٍ قاتل وهو يهبط من السماء ممسكًا برالف.

أكثر من عشرة من عبيد الدم اندفعوا نحو تشكيل الفرسان كالسيل الجارف.

وبوجهٍ مليء بالكراهية، عضّت رولانا على أسنانها، ثم مدّت ذراعها المتجددة مبتسمة استعدادًا للإمساك بالطفل.

 

لكن إسترون كان أعمق إدراكًا منها. وبينما يقف بجانبها، تغيّرت ملامحه فجأة، وحدّق نحو بوابة القصر الرئيسية.

دوى صوت الصدام في آذان الجميع، لكن الغريب أنه لم يُحدث أي اضطراب في الهواء رغم شدّته.

هناك، كان اهتزاز عنيف يقترب.

وبمجرد أن فتح الباب، انهار جسده الواهن داخل الغرفة.

ــ “رولانا—” نطق إسترون بقلقٍ، لكن رولانا أبقت كامل تركيزها على من في الهواء.

 

لم يجرؤ تاليس على فتح عينيه، لكن صفير الرياح المتسارع والشعور الطاغي بالانعدام في الوزن دلّ على أن الأمور تسير إلى الأسوأ.

 

هل تراه أقدم على هذه الخطوة مبكرًا جدًا بسبب ظرفٍ مفاجئ؟

 

لقد كفّ رالف عن محاولة الإفلات من قبضة كريس.

 

وبينما يحدّق بالقمر الذي يبتعد، وبالأرض التي تقترب سريعًا، غمرت عيناه سكينةٌ وضياءٌ وارتياح.

 

في تلك اللحظة، أدرك فجأة أن بعد كل ما عاناه، لم يعد كسر معصمه مؤلمًا حقًا. فارتسمت على شفتي تابع الرياح الشبحية ابتسامة طال غيابها.

 

(ياللأسف يا صغيري. شكرًا على الفرصة التي منحتني إياها. على الأقل، لقد ناضلت. أما مصاصي الدماء هؤلاء، فلن ينالوا منك.)

 

وكأن الزمن تباطأ.

….

وبينما كانت رولانا على الأرض تستعد لالتقاط تاليس، رأت بذهول أن رالف نصف المعاق قد أخذ يزمجر ويعوي بقوة لحظة ارتطامه بالأرض.

 

بيدٍ واحدة، قذف تاليس بكل قوته نحو اتجاه القصر.

ــ “باسم الملك الأعلى لمملكة الكوكبة، كيسل جيدستار!” دوّى صوت الكونت غيلبرت كاسو راسخًا ومزلزلًا وسط الغبار وضجيج الحوافر: “كل من في قصر الكرمة مشتبه بتورطه في سرقة وإخفاء كنز ملكي!

ــ “لا!” زمجر كريس غاضبًا، فيما استغل رالف يده الحرة ليمسك خصر كريس ويلقيه بقوة معه نحو الأرض.

 

لم يشعر تاليس إلا بجسده يغيّر مساره فجأة، مندفعًا إلى اتجاه آخر.

 

وفي لحظة، ظهر الجدار الحجري للقصر أمامه، يقترب بسرعة، ورأسه على وشك أن يرتطم به.

 

أطبق تاليس عينيه بقوة.

 

(هل سينتهي الأمر هكذا؟)

 

لكن، لدهشته، لم يحدث المشهد البائس الذي كان سيفجّر جمجمته.

 

فقد توقفت حركته فجأة، ودوّخ رأسه، ثم سقط في حضنٍ ثابتٍ وآمن.

 

بووم!

في المرتين السابقتين اللتين فقد فيهما السيطرة، كان الدم وسيطًا لظهور الخنجر ذلك الكيان المادي—ثم الكُرة الغامضة وهي طاقة، أمامه بشكل مبهم. ومن هنا خمّن أن هذه القوّة قد تكون مرتبطة بالانتقال البُعدي.

ارتطم رالف وكريس بالأرض ارتطامًا عنيفًا، حتى تحطّم سطحها وتناثر الغبار في الساحة أمام القصر.

 

تغيرت ملامح رولانا بشدة، فانطلقت نحو تاليس المقذوف باتجاه القصر، بينما اختفى جسدها لوهلة وظهر بجواره. أما إسترون فكان يحدّق بصرامة نحو البوابة الرئيسية للقصر، وعيناه تلمعان وصوته يدوي في أرجاء المكان:

 

ــ “هجومٌ معادٍ!”

 

فتح تاليس عينيه المثقلتين ببطء، ليجد نفسه في أحضان شخص مألوف وغريب في الوقت ذاته.

وبينما كانت رولانا على الأرض تستعد لالتقاط تاليس، رأت بذهول أن رالف نصف المعاق قد أخذ يزمجر ويعوي بقوة لحظة ارتطامه بالأرض.

كان أمامه عدستان داكنتان على قناع بنفسجي داكن، تحدّقان فيه تحت ضوء القمر.

“نعم، ’خدعة صغيرة‘.” أجاب الصوت الخافت بنبرةٍ ساخرة.

ــ “لا تقلق، يا تاليس.” جاء الصوت الأجش المرتجف قليلًا من أمين السر الملكي يودل كاتو، الواقف على شرفة الطابق الثاني من القصر: “أنت آمن الآن.”

 

ابتسم تاليس بارتياحٍ مرهق، وأغمض عينيه مستسلمًا للطمأنينة.

 

ترددت ذبذبات متلاحقة من الخارج بوضوح.

هل تراه أقدم على هذه الخطوة مبكرًا جدًا بسبب ظرفٍ مفاجئ؟

بووم!

ــ “صحيح. ها…” بدا في نبرة العجوز خيبة أمل عندما تردد صداه في أرجاء الظلام: “إنه هم لا غير… أولئك القلائل وحدهم.”

تحطمت بوابة قصر الكرمة.

 

واندفعت حوافر الخيل كالسيل الجارف.

منذ اختفاء آسدا، لم يجرؤ تاليس حقًا على اختبار تلك القوّة التي “فقد السيطرة” عليها.

ــ “باسم الملك الأعلى لمملكة الكوكبة، كيسل جيدستار!” دوّى صوت الكونت غيلبرت كاسو راسخًا ومزلزلًا وسط الغبار وضجيج الحوافر: “كل من في قصر الكرمة مشتبه بتورطه في سرقة وإخفاء كنز ملكي!

“من الواضح أن القوة ليست المفتاح — بل هو الحظّ.” بدا أن الصوت الخافت يتحدث عن مأساة اثنتي عشرة سنة مضت بلا أدنى تردّد.

“استسلموا حالًا ولا تقاوموا! ومن يعصي، يُقتل اينما كان!”

دوى صوت الصدام في آذان الجميع، لكن الغريب أنه لم يُحدث أي اضطراب في الهواء رغم شدّته.

 

في غرفة غارقة بالظلام الدامس لا تضيئها شعلة، لم يُسمع سوى أنفاسٍ واهنة متقطعة.

بدا رالف وقد أصابه الجنون، فاندفع بكل ما تبقى في جسده دافعًا الريح للأعلى، حتى كاد ينسى أن يتنفس، لكنه لم يستطع أن يتخلص من مخالب كريس الحادة التي اخترقت عظام معصمه وأحكمت وثاقه.

ــ “ياللأسف، هذه أكثر مرة اقتربنا فيها من صوفي الهواء منذ اثني عشر عامًا.” ارتفع صوتٌ عجوز حادّ.

 

ــ “لكن جميع المعلومات تؤكد أن أحدهم قد تخلّص من آسدا.” جاء صوت رجل صافٍ خفيف يتردد في المكان.

استمرّت أصوات القتال بين عبيد الدم والسيافين، بينما احتدمت المعارك بين الثلاثة من كلا الجانبين.

ــ “دعني أخمّن إذن. أنت، الذي تظن أن أحدًا قد ’تخلّص منه’، لا بد أنك قرأت أيضًا أن الصوفيين خالدون، أليس كذلك؟” سخر الصوت العجوز الحاد.

 

ــ “لا تكن صارمًا، يا معلمي.” واصل الصوت الخافت: “على الأقل، لقد تم ختمه.”

 

ــ “لكن المشكلة من في مدينة النجم الأبدي الآن يملك القدرة أو السلاح لختم آسدا؟” تابع الصوت الأجش الممتد.

 

ــ “لا بد أنه أحد أولئك القلائل.” أجاب الصوت الخافت بلهجة تسلية.

صدر أول صوت مكتوم من اشتباكٍ عنيف بين عبد دمٍ وحارس.

ــ “صحيح. ها…” بدا في نبرة العجوز خيبة أمل عندما تردد صداه في أرجاء الظلام: “إنه هم لا غير… أولئك القلائل وحدهم.”

 

“لم تعُد مضطرًّا لمتابعة التحقيق في حقيقة حادث سوق الشارع الأحمر. جميع السجلات — بما في ذلك تلك المتعلقة بالانفجار الهائل في المنطقة المركزية، وتقرير الشاهدة عن تلك المرأة التي كانت تحمل طفلًا على ظهرها — ستُغلَق وتُختم نهائيًا إلى الأبد.

(ياللأسف يا صغيري. شكرًا على الفرصة التي منحتني إياها. على الأقل، لقد ناضلت. أما مصاصي الدماء هؤلاء، فلن ينالوا منك.)

“أمّا بشأن آسدا ساكيرن… فاستعدّوا على أكمل وجه. السيف الأسمى لم يكتمل بعد. سواء استغرق الأمر عشر سنوات أو عشرين، فإن صوفي الهواء سيعود في النهاية.” أُصدر الأمر بصوتٍ أجشّ حادٍّ مفعمٍ بالكآبة.

 

ساد صمت طويل.

 

“لا تُبدِ ذلك الوجه، يا معلّمي. إن فكّرنا بالأمر بإيجابية، فقد فقدنا أحد ألدّ أعدائنا. وإن فكّرنا بإيجابيةٍ أكبر، فقد نتمكّن من استدراج صوفي الدم.” قال الصوت الرجولي الخافت بفتور.

 

“لا تتظاهر بأنك ترى ملامح وجهي.” قال الصوت الأجشّ الحادّ بعدم رضا، ثم أطلق تنهيدةً عميقة. “صوفي الدم. ها… هذا القدر الملعون. العاصمة ستغرق في الفوضى مجددًا على الأرجح قريبًا. قبل اثنتي عشرة سنة، كان لديّ على الأقل لانس، وجينيس، وثايسن، ولانزار نوف إلى جانبي. أمّا الآن، فالقوة البشرية الوحيدة التي أملكها هي أنت.” كانت تنهيدته مشبعة بالعزلة والوحدة.

 

“لكن، قبل اثنتي عشرة سنة، رغم أنكم كنتم جميعًا هناك، الملك الراحل مات، أليس كذلك؟”

ــ “هجومٌ معادٍ!”

“من الواضح أن القوة ليست المفتاح — بل هو الحظّ.” بدا أن الصوت الخافت يتحدث عن مأساة اثنتي عشرة سنة مضت بلا أدنى تردّد.

 

في الظلام، ظلّ الصوتان صامتين طويلًا.

 

“نعم، حتى بما كان لدينا قبل اثنتي عشرة سنة، مات الملك الراحل.” أجاب الصوت الأجشّ أخيرًا. وهذه المرّة كان صوته مليئًا بالحزن والسخط.

 

“على أي حال، أرسلَت ’الغرفة السرّية‘ أحدهم ليُسلمنا رسالةً مجهولة الهوية. قالت الرسالة إن أحد أفراد العصابة شوهد بالأمس يغادر إكستيدت متجهًا نحو الكوكبة، إلى مدينة النجم الأبدي. المرأة العجوز التي أوصلت الرسالة قالت أيضًا إن الرسالة سدادٌ لدَين امتنانٍ تجاهك.” بدا أن الصوت الخافت أدرك أخيرًا الجوّ الغريب، فبدّل الموضوع بتكلّف.

فقد رالف توازنه، وبعد أن أنهك قواه بالكامل تقريبًا، حاول يائسًا التحكم بالريح، لكن قوة كريس الهائلة جعلت من المستحيل عليه أن ينهض في الهواء مرة أخرى.

“آه، التعاون المنتظر منذ زمنٍ طويل بين إدارة الاستخبارات السرّية والغرفة السرّية.” بدا أن اهتمام الصوت الأجشّ الحادّ قد اشتعل. “القدوم إلى العاصمة في هذا التوقيت؟ صوفي الدم؟”

 

“لا. لقد أرسلت بعض الناس للتحقيق في الأمر. يبدو أنه طبيب من أخوية الشارع الأسود، يُدعى رامون.”

وحين فتح عينيه، استشعر ضوء القمر، وسمع صفير الريح، وشعر بالبرد يلسع جسده، ورأى دهشة مصاصي الدماء الذين ارتموا أرضًا.

“هل يُثير المشاكل؟”

 

“شخصٌ ما رآه يُؤدّي ’خدعة صغيرة‘ على طريق إحدى القرى.”

أدرك تاليس فجأة أنّ دخوله الغرفة بتلك الطريقة كان متهوّرًا إلى حدٍّ ما. حتى—

“خدعة صغيرة؟” أصبح الصوت الأجشّ جادًّا أخيرًا.

 

“نعم، ’خدعة صغيرة‘.” أجاب الصوت الخافت بنبرةٍ ساخرة.

جاءت التجربة أيسر مما توقّع.

“بعد أن قرأت كلّ ما تحتويه مخازن المعرفة العميقة في الطوابق العشرين من مكتبة جيدستار، خلصت إلى أنّ هذه ’الخدعة الصغيرة‘ التي تشفي الجروح في لحظة، قبل ألف عام، كانت تُعرف باسم—”

تحوّل صوته الخافت فجأة إلى عمقٍ مهيب. “السحر.”

ــ “أغـه—!”

تلاشى صوته تدريجيًا. وعندها فقط غاص الظلام في الحجرة إلى سكونٍ ميتٍ حقيقي، أشبه بمقبرةٍ في منتصف الليل.

جاءت التجربة أيسر مما توقّع.

بعد وقتٍ طويل، قال الصوت العجوز: “تلك العجوز.” ضحك الصوت الأجشّ بخفّة. “لا أصدّق أنها قدّمت لي هذه المعلومة كدين امتنان. إنها ما زالت ماكرة كما كانت دائمًا.”

 

….

 

قاد غيلبرت الحراس — المؤلَّفين من فرسان الإبادة — وامتطوا خيولهم وهم يقتحمون القصر.

 

أحاطوا بالأعضاء الثلاثة لعشيرة الدم!

وبعد أن توصّل إلى ذلك الاستنتاج، وبنظرةٍ قلقة مليئة بالخوف لكنها لا تخلو من العزم، دفع تاليس باب الشرفة بقوة.

“اشهروا السيوف الفضية، واستعدّوا لمقاتلة العدو!” لم يقل غيلبرت أكثر من ذلك. كان يعلم أن إعلانه السابق عن “العفو عمّن يستسلم” لم يكن سوى إجراءٍ شكلي.

كان جافًّا، متفحّمًا، قاتمًا…

غالبًا، الوسائل الفعالة الوحيدة هي القوة والسلاح. تمامًا كالدبلوماسية.

كان إسترون ورولانا لا يزالان صغيرين، وهو وحده من يعرف أن “أصفاد جناح الليل الحجري” التي استُخدمت لتقييد نخبة الفئة العليا في السجون، هي إرث عريق من عائلة كورليوني، حُفظت لألف عام. أداة تعذيب تخص دوقات الدم وحدهم، ولا تُفتح إلا بدم الذي اقفلها.

“رولانا!” تفادى إسترون شفرتي سيفين حاولا قطع رأسه في لحظة، وهتف بقلقٍ وغضب، “استدعِي حراس الظلّ!”

 

هبطت رولانا على نافذة في الطابق الثاني. كانت غاضبةً بشدّة؛ فجسدها الفريد ومخالبها القاتلة لم تكن تجدي نفعًا أمام يودل، الذي استمرّ في الظهور والاختفاء وهو يحمل تاليس بين ذراعيه. وكانت مدركةً للوضع الراهن، ولهذا قررت أن تفتح ذراعيها على وسعهما وتُطلق عويلاً صامتًا بإيقاعٍ غريب نحو جهة الزنزانات.

 

دويّ، دويّ!

“ساحة معركتك هنا، أيا مصاصة الدماء!”

فجأة، دوّت من الزنزانة أصوات اهتزازٍ متتابعة ومتقاربة لدرجةٍ بدت كأنها رعودٌ متلاحقة.

بدا رالف وقد أصابه الجنون، فاندفع بكل ما تبقى في جسده دافعًا الريح للأعلى، حتى كاد ينسى أن يتنفس، لكنه لم يستطع أن يتخلص من مخالب كريس الحادة التي اخترقت عظام معصمه وأحكمت وثاقه.

تغيّر وجه غيلبرت على الفور، ولوّح بسيفه الطويل بحزم. وصاح الفرسان بجانبه بصوتٍ واحدٍ عالٍ.

ــ “من وُلد بلا أجنحة، لا يحق له أن يحلم بالطيران.”

لكن الأوان كان قد فات. فقد اندفع مستنقعٌ أسود فجأة من مدخل الزنزانة، مندفعًا نحو تشكيل الفرسان الثلاثين من فرسان الإبادة.

 

“شكّلوا حلقة!” رأى غيلبرت بوضوح الشيء المنقضّ عليهم، فصرخ بصوتٍ مرعب: “إنهم عبيد الدم!”

“خدعة صغيرة؟” أصبح الصوت الأجشّ جادًّا أخيرًا.

كان الثلاثون من فرسان الإبادة، وكلّهم على الأقل من فئةٍ تفوق العاديين، قد رأوا الكائنات المندفعة نحوهم. كان المستنقع الأسود يتكوّن من مخلوقاتٍ ذات وجوهٍ مسعورة وعيونٍ حمراء كالدم.

 

كان معظم السيافين الحاضرين حراسًا ذوي خبرةٍ واسعة في ساحة المعركة. كانوا يعرفون تمامًا ما هي تلك الكائنات أمامهم.

فقد توقفت حركته فجأة، ودوّخ رأسه، ثم سقط في حضنٍ ثابتٍ وآمن.

إنهم أبناء عشيرة الدم من الطبقة الدنيا والأحقر في السلالة. كانوا في الأصل بشرًا أو من أعراقٍ أخرى، ثم تلقّوا جوهر دماء أبناء العشيرة وتحولوا إلى عبيد دمٍ جائعين، مسعورين، مخلصين، لا يخشون الموت.

 

أكثر من عشرة من عبيد الدم اندفعوا نحو تشكيل الفرسان كالسيل الجارف.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

أدرك غيلبرت الموقف بوضوح. كان يعلم أن تاليس أصبح آمنًا بالفعل، لكن الاعتماد الأعمى على الخيول والاندفاع نحو هذه المخلوقات التي لا تعرف الخوف لن يجلب سوى مزيدٍ من الخسائر.

 

“اثبتوا!” أمر بصوتٍ مرتفع.

 

“هووه!”

 

صرخ الثلاثون من فرسان الإبادة بغضب. ترجّلوا بسرعةٍ من خيولهم وشكّلوا دائرةً دفاعية. تقدّم كلّ حارسٍ بخطوةٍ بقدمه اليسرى، ومَيَّل سيفه بيمينه ليحمي رفيقه الذي بجانبه.

في اللحظة التالية، ظهر سيف يودل القصير الداكن ذو المقبض المتقاطع في الهواء، واصطدم للحظة بمخالب كريس الحادة بينما كان الأخير يندفع نحو الطابق الثاني، فتطاير شرر لامع.

هذا كان تشكيل الدفاع الذي اشتهرت به الكوكبة— تشكيل النور المرتدّ!

كان إسترون ورولانا لا يزالان صغيرين، وهو وحده من يعرف أن “أصفاد جناح الليل الحجري” التي استُخدمت لتقييد نخبة الفئة العليا في السجون، هي إرث عريق من عائلة كورليوني، حُفظت لألف عام. أداة تعذيب تخص دوقات الدم وحدهم، ولا تُفتح إلا بدم الذي اقفلها.

في تلك اللحظة، نهضت هيئة ببطء من الحفرة التي أحدثها رالف وكريس.

 

وفي غمضة عين، اختفت تلك الهيئة كلمح البرق.

 

“انتظر هنا قليلًا وخذ قسطًا من الراحة.” وضع يودل تاليس بلطف على شرفة الطابق الثاني. رأى كريس وقد ظهر جسده وسط الغبار، ثم اختفى بعد لحظة. “سنتولى الباقي.” ثم اختفى يودل أمام تاليس هو الآخر.

 

في اللحظة التالية، ظهر سيف يودل القصير الداكن ذو المقبض المتقاطع في الهواء، واصطدم للحظة بمخالب كريس الحادة بينما كان الأخير يندفع نحو الطابق الثاني، فتطاير شرر لامع.

لم يكن دمًا مائِعًا كالذي تحوّل إليه إسترون، بل كان ضبابًا دمويًّا!

طنين!

 

دوى صوت الصدام في آذان الجميع، لكن الغريب أنه لم يُحدث أي اضطراب في الهواء رغم شدّته.

قاد غيلبرت الحراس — المؤلَّفين من فرسان الإبادة — وامتطوا خيولهم وهم يقتحمون القصر.

يُعدّ يودل وكريس من أفضل النخبة من الفئة الفائقة في شبه الجزيرة الغربية. وبما أنهما تواجها سابقًا، فقد أدرك كلٌّ منهما حدود قدرات الآخر. ابتعد الاثنان عن بعضهما.

لكن قبل أن يُكمل زئيره، كانت يد كريس كورليوني قد أمسكت بالفعل بمعصمه الأيسر.

“هذه هي القدرة على التنقّل عبر الظلال!” قال كريس بوجه بارد، وغرس مخالبه اليمنى في جدار الطابق الأول ليثبّت نفسه عليه.

ــ “لا تكن صارمًا، يا معلمي.” واصل الصوت الخافت: “على الأقل، لقد تم ختمه.”

“كشخص بلغ ذروة الفئة الفائقة، حتى في الكوكبة، لا ينبغي أن تكون مجهولًا. أهو لأنك محميّ بأشعة «سخط المملكة» الساطعة أكثر من اللازم؟” قال العجوز بصوت بارد، دون أن يبدي أي اهتمام بالمعركة الدائرة بين عبيد الدم والحراس، فقد بدا أن كل تركيزه موجّه نحو تاليس الواقف في الطابق الثاني.

“استسلموا حالًا ولا تقاوموا! ومن يعصي، يُقتل اينما كان!”

لم يتفوّه يودل بشيء، ولم يُظهر أي انفعال كعادته. كانت هيئته الغامضة ترتكز بخفّة على إطار نافذة في الطابق الأول، عاكسة طيفًا ضبابيًا بدا وكأنه سيسقط، لكنه لم يفعل قط.

“كيف يُعقَل هذا؟” تمتم العجوز من عشيرة الدم بذهول.

في الساحة، انخرط عبيد الدم وتشكيلة الحراس الدائرية أخيرًا في قتالٍ متلاحم.

 

بام!

“هل يُثير المشاكل؟”

صدر أول صوت مكتوم من اشتباكٍ عنيف بين عبد دمٍ وحارس.

(إنهم لا يريدونني… بل شيئًا في الطابق الثاني.) فكّر في صمت. (يبدو أن لديهم نقطة ضعف هناك).

استخدم الحارس سيفه القصير ذا الحدّين وقطع جسد العبد بغضب، لكن العبد بدوره شقّ درع الحارس، غير آبه بما سيصيب مخالبه وأظفاره.

….

تكرّر المشهد نفسه سريعًا في كل موضع من التشكيلة الدائرية، وسرعان ما غرق الميدان في فوضى عارمة.

وكأنّ انفجارًا رهيبًا وقع داخل التابوت الأسود، فاندفع غطاؤه للأعلى وسقط على الأرض.

وسط الفوضى، لاحظ تاليس رولانا كورليوني وهي تقفز نحوه صارخة بغضب، لكنّ سلسلة معدنية طويلة بلون فضي اخترقت الهواء في مسارٍ متعرّج وأجبرتها على التراجع خطوتين إلى الوراء.

“ساحة معركتك هنا، أيا مصاصة الدماء!”

“ساحة معركتك هنا، أيا مصاصة الدماء!”

 

وبعد تلك الكلمات الغاضبة، رأى تاليس امرأة ذات شعرٍ أسود في الأربعين من عمرها تقريبًا، ترتدي زيًّا رسميًّا أزرق فاتحًا مشبوهًا (ولم يكن يعرفها حينها). كانت تلوّح بالسلسلة أمام رولانا بغضبٍ واضح.

 

ضحكت رولانا بسخرية، ثم انطلقت بسرعةٍ خارقة محاولةً الابتعاد عن مدى سيف السلسلة، غير أن السلسلة انقضّت عليها والتفّت بإحكام حول عنقها، وانبعث من موضع التلامس دخانٌ أخضر متصاعد وهمهمة حارقة.

لم يتفوّه يودل بشيء، ولم يُظهر أي انفعال كعادته. كانت هيئته الغامضة ترتكز بخفّة على إطار نافذة في الطابق الأول، عاكسة طيفًا ضبابيًا بدا وكأنه سيسقط، لكنه لم يفعل قط.

“سيف السلسلة هذا مصنوع من الفِضّة، أيتها الملعونة!” صاحت المسؤولة، جينيس، بتعبيراتٍ مشمئزة. “لقد أنفقت مدّخراتي لأُحضّر لكم مفاجأةً تليق بكم!”

 

في تلك اللحظة، كانت عينا إسترون مشتعلةً بالحمرة، فتحوّل جسده إلى دمٍ سائلٍ ارتفع في الهواء مندفعًا نحو تاليس.

وبعد أن توصّل إلى ذلك الاستنتاج، وبنظرةٍ قلقة مليئة بالخوف لكنها لا تخلو من العزم، دفع تاليس باب الشرفة بقوة.

كلانغ!

 

زأر إسترون بغضب، وعبر تقاطع يديه اللتين اتخذتا شكل المخالب، صدّ السيف الفضي الذي اندفع مباشرة نحو صدره.

دويّ، دويّ!

“سيدي!” كان غيلبرت قد ترجّل عن جواده وتقدّم عبر صفوف عبيد الدم متعاونًا مع ثلاثةٍ من فرسان الإبادة حتى وصل إلى باب الطابق الأرضي ووقف بثبات هناك. نظر إلى إسترون بنظرةٍ صارمة، ورفع سيفه الفضي في وضعية المبارزة. “ابتعد عن ذلك الفتى!”

من حافة التابوت الذي فقد غطاؤه امتدّ شيء ما…

كانت المناوشة بين عبيد الدم والسيافين لا تزال مستمرة.

 

لكن وسط إرهاقه، وبينما كان تاليس يراقب أعضاء عشيرة الدماء الثلاثة وهم يندفعون نحوه مرارًا ليُصدّوا في كل مرة من قبل خصومٍ عنيدين، أدرك الفتى فجأة شيئًا.

تلاشى صوته تدريجيًا. وعندها فقط غاص الظلام في الحجرة إلى سكونٍ ميتٍ حقيقي، أشبه بمقبرةٍ في منتصف الليل.

(إنهم لا يريدونني… بل شيئًا في الطابق الثاني.) فكّر في صمت. (يبدو أن لديهم نقطة ضعف هناك).

هناك، كان اهتزاز عنيف يقترب.

استمرّت أصوات القتال بين عبيد الدم والسيافين، بينما احتدمت المعارك بين الثلاثة من كلا الجانبين.

 

وبعد أن توصّل إلى ذلك الاستنتاج، وبنظرةٍ قلقة مليئة بالخوف لكنها لا تخلو من العزم، دفع تاليس باب الشرفة بقوة.

كان تابوتًا أسودَ ضخمًا.

وبمجرد أن فتح الباب، انهار جسده الواهن داخل الغرفة.

بووم!

طح!

ــ “أغـه—!”

لكن صوتًا خافتًا وغريبًا لفت انتباهه.

“لا تُبدِ ذلك الوجه، يا معلّمي. إن فكّرنا بالأمر بإيجابية، فقد فقدنا أحد ألدّ أعدائنا. وإن فكّرنا بإيجابيةٍ أكبر، فقد نتمكّن من استدراج صوفي الدم.” قال الصوت الرجولي الخافت بفتور.

لهاثًا، رفع تاليس رأسه، وبمساعدة ضوء القمر المتسلّل من الشرفة، بدأ يرى تفاصيل الغرفة شيئًا فشيئًا.

 

وخاصة ذلك الشيء في منتصفها، المتصل بعدد لا يُحصى من الأنابيب الدموية، والمغطّى بنقوشٍ معقّدة وكلماتٍ غامضة.

غالبًا، الوسائل الفعالة الوحيدة هي القوة والسلاح. تمامًا كالدبلوماسية.

كان تابوتًا أسودَ ضخمًا.

ــ “لا تكن صارمًا، يا معلمي.” واصل الصوت الخافت: “على الأقل، لقد تم ختمه.”

طَبطَب! طَبطَب!

لكن لم يكن أحد أشدّ صدمة من كريس في تلك اللحظة.

كما لو أنّ شيئًا قد استُيقظ داخله، بدأت الطرقات المكتومة تزداد عنفًا وشدّة.

 

طَبطَب! طَبطَب! بام! بام!

 

أدرك تاليس فجأة أنّ دخوله الغرفة بتلك الطريقة كان متهوّرًا إلى حدٍّ ما. حتى—

 

بوووم!

هبطت رولانا على نافذة في الطابق الثاني. كانت غاضبةً بشدّة؛ فجسدها الفريد ومخالبها القاتلة لم تكن تجدي نفعًا أمام يودل، الذي استمرّ في الظهور والاختفاء وهو يحمل تاليس بين ذراعيه. وكانت مدركةً للوضع الراهن، ولهذا قررت أن تفتح ذراعيها على وسعهما وتُطلق عويلاً صامتًا بإيقاعٍ غريب نحو جهة الزنزانات.

دوى صوتٌ هائل اخترق الهواء.

 

تراجع تاليس إلى الخلف من شدّة الاهتزاز، واهتزّت طبلة أذنه.

 

وكأنّ انفجارًا رهيبًا وقع داخل التابوت الأسود، فاندفع غطاؤه للأعلى وسقط على الأرض.

هذا كان تشكيل الدفاع الذي اشتهرت به الكوكبة— تشكيل النور المرتدّ!

وبينما كان تاليس يقبض على أذنيه المتألّمتين ويكتم أنينه، نظر بعينين متّسعتين.

وبينما كان تاليس يقبض على أذنيه المتألّمتين ويكتم أنينه، نظر بعينين متّسعتين.

من حافة التابوت الذي فقد غطاؤه امتدّ شيء ما…

 

كان جافًّا، متفحّمًا، قاتمًا…

 

…يد.

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

هذا كان تشكيل الدفاع الذي اشتهرت به الكوكبة— تشكيل النور المرتدّ!

 

اقترب من رالف في لمح البصر، وأبصر عاصفة عاتية تتدافع نحوه.

 

وبعد أن توصّل إلى ذلك الاستنتاج، وبنظرةٍ قلقة مليئة بالخوف لكنها لا تخلو من العزم، دفع تاليس باب الشرفة بقوة.

 

بيدٍ واحدة، قذف تاليس بكل قوته نحو اتجاه القصر.

 

لم يتفوّه يودل بشيء، ولم يُظهر أي انفعال كعادته. كانت هيئته الغامضة ترتكز بخفّة على إطار نافذة في الطابق الأول، عاكسة طيفًا ضبابيًا بدا وكأنه سيسقط، لكنه لم يفعل قط.

 

 

 

 

 

وفي لحظة، ظهر الجدار الحجري للقصر أمامه، يقترب بسرعة، ورأسه على وشك أن يرتطم به.

 

ــ “رولانا—” نطق إسترون بقلقٍ، لكن رولانا أبقت كامل تركيزها على من في الهواء.

 

لقد كفّ رالف عن محاولة الإفلات من قبضة كريس.

 

تغيرت ملامح رولانا بشدة، فانطلقت نحو تاليس المقذوف باتجاه القصر، بينما اختفى جسدها لوهلة وظهر بجواره. أما إسترون فكان يحدّق بصرامة نحو البوابة الرئيسية للقصر، وعيناه تلمعان وصوته يدوي في أرجاء المكان:

 

وكأن الزمن تباطأ.

 

وبعد تلك الكلمات الغاضبة، رأى تاليس امرأة ذات شعرٍ أسود في الأربعين من عمرها تقريبًا، ترتدي زيًّا رسميًّا أزرق فاتحًا مشبوهًا (ولم يكن يعرفها حينها). كانت تلوّح بالسلسلة أمام رولانا بغضبٍ واضح.

 

 

 

 

 

ارتطم رالف وكريس بالأرض ارتطامًا عنيفًا، حتى تحطّم سطحها وتناثر الغبار في الساحة أمام القصر.

 

 

 

 

 

 

 

لقد كفّ رالف عن محاولة الإفلات من قبضة كريس.

 

“رولانا!” تفادى إسترون شفرتي سيفين حاولا قطع رأسه في لحظة، وهتف بقلقٍ وغضب، “استدعِي حراس الظلّ!”

 

كان جافًّا، متفحّمًا، قاتمًا…

 

 

 

 

 

لكن، بسبب الخطر المحدق وحالة رالف المزرية، اضطر تاليس إلى تسريع “اختبار القدرة الصوفية” هذا، رغم ما قد يجرّه من مخاطر.

 

 

 

 

 

 

 

“لا. لقد أرسلت بعض الناس للتحقيق في الأمر. يبدو أنه طبيب من أخوية الشارع الأسود، يُدعى رامون.”

 

 

 

واندفعت حوافر الخيل كالسيل الجارف.

 

 

 

ــ “هجومٌ معادٍ!”

 

 

 

“كشخص بلغ ذروة الفئة الفائقة، حتى في الكوكبة، لا ينبغي أن تكون مجهولًا. أهو لأنك محميّ بأشعة «سخط المملكة» الساطعة أكثر من اللازم؟” قال العجوز بصوت بارد، دون أن يبدي أي اهتمام بالمعركة الدائرة بين عبيد الدم والحراس، فقد بدا أن كل تركيزه موجّه نحو تاليس الواقف في الطابق الثاني.

 

وبعد أن توصّل إلى ذلك الاستنتاج، وبنظرةٍ قلقة مليئة بالخوف لكنها لا تخلو من العزم، دفع تاليس باب الشرفة بقوة.

 

 

 

…يد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

استمرّت أصوات القتال بين عبيد الدم والسيافين، بينما احتدمت المعارك بين الثلاثة من كلا الجانبين.

 

“لم تعُد مضطرًّا لمتابعة التحقيق في حقيقة حادث سوق الشارع الأحمر. جميع السجلات — بما في ذلك تلك المتعلقة بالانفجار الهائل في المنطقة المركزية، وتقرير الشاهدة عن تلك المرأة التي كانت تحمل طفلًا على ظهرها — ستُغلَق وتُختم نهائيًا إلى الأبد.

 

(من أجل سموّها… عليّ أن أستعيد ذلك الصبي!)

 

كان تابوتًا أسودَ ضخمًا.

 

في الساحة، انخرط عبيد الدم وتشكيلة الحراس الدائرية أخيرًا في قتالٍ متلاحم.

 

لم يجرؤ تاليس على فتح عينيه، لكن صفير الرياح المتسارع والشعور الطاغي بالانعدام في الوزن دلّ على أن الأمور تسير إلى الأسوأ.

 

 

 

(هل سينتهي الأمر هكذا؟)

 

أما الآن، بعد أن نُزف دمه، وصار ضعيفًا عطِشًا، وقد فقد ساقيه فجأة، اختلّ توازنه. الألم الذي يعصف بحلقه شتّت تركيزه، وغالبية قدرته النفسية صارت مكرّسة للحفاظ على “تنفّسه” بنقل الهواء من حلقه إلى رئتيه.

 

 

 

 

 

 

 

وكأن الزمن تباطأ.

 

 

 

في تلك اللحظة، نهضت هيئة ببطء من الحفرة التي أحدثها رالف وكريس.

 

كان أمامه عدستان داكنتان على قناع بنفسجي داكن، تحدّقان فيه تحت ضوء القمر.

 

 

 

“انتظر هنا قليلًا وخذ قسطًا من الراحة.” وضع يودل تاليس بلطف على شرفة الطابق الثاني. رأى كريس وقد ظهر جسده وسط الغبار، ثم اختفى بعد لحظة. “سنتولى الباقي.” ثم اختفى يودل أمام تاليس هو الآخر.

 

 

 

 

 

وبينما كان تاليس يقبض على أذنيه المتألّمتين ويكتم أنينه، نظر بعينين متّسعتين.

 

تحوّل صوته الخافت فجأة إلى عمقٍ مهيب. “السحر.”

 

أطبق تاليس عينيه بقوة.

 

ــ “من وُلد بلا أجنحة، لا يحق له أن يحلم بالطيران.”

 

لكن قبل أن يُكمل زئيره، كانت يد كريس كورليوني قد أمسكت بالفعل بمعصمه الأيسر.

 

 

 

وحين فتح عينيه، استشعر ضوء القمر، وسمع صفير الريح، وشعر بالبرد يلسع جسده، ورأى دهشة مصاصي الدماء الذين ارتموا أرضًا.

 

 

 

وفي لحظة، ظهر الجدار الحجري للقصر أمامه، يقترب بسرعة، ورأسه على وشك أن يرتطم به.

 

 

 

ساد صمت طويل.

 

وخاصة ذلك الشيء في منتصفها، المتصل بعدد لا يُحصى من الأنابيب الدموية، والمغطّى بنقوشٍ معقّدة وكلماتٍ غامضة.

 

 

 

 

 

صرخ الثلاثون من فرسان الإبادة بغضب. ترجّلوا بسرعةٍ من خيولهم وشكّلوا دائرةً دفاعية. تقدّم كلّ حارسٍ بخطوةٍ بقدمه اليسرى، ومَيَّل سيفه بيمينه ليحمي رفيقه الذي بجانبه.

 

(ما دمتُ قادرًا على إزاحة قفل الأصفاد الحجرية إلى جانب يدي…) تمتم تاليس في قلبه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ “لا!” زمجر كريس غاضبًا، فيما استغل رالف يده الحرة ليمسك خصر كريس ويلقيه بقوة معه نحو الأرض.

 

“لا تتظاهر بأنك ترى ملامح وجهي.” قال الصوت الأجشّ الحادّ بعدم رضا، ثم أطلق تنهيدةً عميقة. “صوفي الدم. ها… هذا القدر الملعون. العاصمة ستغرق في الفوضى مجددًا على الأرجح قريبًا. قبل اثنتي عشرة سنة، كان لديّ على الأقل لانس، وجينيس، وثايسن، ولانزار نوف إلى جانبي. أمّا الآن، فالقوة البشرية الوحيدة التي أملكها هي أنت.” كانت تنهيدته مشبعة بالعزلة والوحدة.

 

 

 

 

 

 

 

فقد رالف توازنه، وبعد أن أنهك قواه بالكامل تقريبًا، حاول يائسًا التحكم بالريح، لكن قوة كريس الهائلة جعلت من المستحيل عليه أن ينهض في الهواء مرة أخرى.

 

 

 

 

 

تجمّد تاليس مصعوقًا، إذ رأى كريس، ثيابه وشَعره تعصف بهما الرياح، ووجهه جامد، يتحوّل فجأة إلى ضباب قرمزي من الدماء.

 

غالبًا، الوسائل الفعالة الوحيدة هي القوة والسلاح. تمامًا كالدبلوماسية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

“آه—” لم يستطع رالف النطق، واكتفى بالزئير الغاضب، رافعًا يده اليسرى ليُعزز قدرته النفسية، محاولًا أن يقذف العجوز من السماء.

 

 

 

غالبًا، الوسائل الفعالة الوحيدة هي القوة والسلاح. تمامًا كالدبلوماسية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

….

 

 

 

كان جافًّا، متفحّمًا، قاتمًا…

 

 

 

 

 

 

 

“كشخص بلغ ذروة الفئة الفائقة، حتى في الكوكبة، لا ينبغي أن تكون مجهولًا. أهو لأنك محميّ بأشعة «سخط المملكة» الساطعة أكثر من اللازم؟” قال العجوز بصوت بارد، دون أن يبدي أي اهتمام بالمعركة الدائرة بين عبيد الدم والحراس، فقد بدا أن كل تركيزه موجّه نحو تاليس الواقف في الطابق الثاني.

 

 

 

 

 

أحاطوا بالأعضاء الثلاثة لعشيرة الدم!

 

 

 

كما لو أنّ شيئًا قد استُيقظ داخله، بدأت الطرقات المكتومة تزداد عنفًا وشدّة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كانت المناوشة بين عبيد الدم والسيافين لا تزال مستمرة.

 

“بعد أن قرأت كلّ ما تحتويه مخازن المعرفة العميقة في الطوابق العشرين من مكتبة جيدستار، خلصت إلى أنّ هذه ’الخدعة الصغيرة‘ التي تشفي الجروح في لحظة، قبل ألف عام، كانت تُعرف باسم—”

 

هل تراه أقدم على هذه الخطوة مبكرًا جدًا بسبب ظرفٍ مفاجئ؟

 

 

 

وخاصة ذلك الشيء في منتصفها، المتصل بعدد لا يُحصى من الأنابيب الدموية، والمغطّى بنقوشٍ معقّدة وكلماتٍ غامضة.

 

ــ “باسم الملك الأعلى لمملكة الكوكبة، كيسل جيدستار!” دوّى صوت الكونت غيلبرت كاسو راسخًا ومزلزلًا وسط الغبار وضجيج الحوافر: “كل من في قصر الكرمة مشتبه بتورطه في سرقة وإخفاء كنز ملكي!

 

 

 

ضحكت رولانا بسخرية، ثم انطلقت بسرعةٍ خارقة محاولةً الابتعاد عن مدى سيف السلسلة، غير أن السلسلة انقضّت عليها والتفّت بإحكام حول عنقها، وانبعث من موضع التلامس دخانٌ أخضر متصاعد وهمهمة حارقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لقد أدرك أنه لا أمل له بمواجهة الثلاثة. ما فعله تاليس لم يكن سوى حلّ مؤقّت، خطّة بديلة. ولذا، بعد أن تحرّر من الأغلال، لم يفكّر رالف سوى بالارتفاع إلى علوّ يستحيل على عشيرة الدم بلوغه. وإن لحقوا به، فسيستنفد ما تبقى له ليدفعهم بعيدًا بعواصفه.

 

 

 

طنين!

 

لم يجرؤ تاليس على فتح عينيه، لكن صفير الرياح المتسارع والشعور الطاغي بالانعدام في الوزن دلّ على أن الأمور تسير إلى الأسوأ.

 

ضحكت رولانا بسخرية، ثم انطلقت بسرعةٍ خارقة محاولةً الابتعاد عن مدى سيف السلسلة، غير أن السلسلة انقضّت عليها والتفّت بإحكام حول عنقها، وانبعث من موضع التلامس دخانٌ أخضر متصاعد وهمهمة حارقة.

 

 

 

دويّ، دويّ!

 

لهاثًا، رفع تاليس رأسه، وبمساعدة ضوء القمر المتسلّل من الشرفة، بدأ يرى تفاصيل الغرفة شيئًا فشيئًا.

 

 

 

 

 

“نعم، حتى بما كان لدينا قبل اثنتي عشرة سنة، مات الملك الراحل.” أجاب الصوت الأجشّ أخيرًا. وهذه المرّة كان صوته مليئًا بالحزن والسخط.

 

وفي لحظة، ظهر الجدار الحجري للقصر أمامه، يقترب بسرعة، ورأسه على وشك أن يرتطم به.

 

 

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لقد أدرك أنه لا أمل له بمواجهة الثلاثة. ما فعله تاليس لم يكن سوى حلّ مؤقّت، خطّة بديلة. ولذا، بعد أن تحرّر من الأغلال، لم يفكّر رالف سوى بالارتفاع إلى علوّ يستحيل على عشيرة الدم بلوغه. وإن لحقوا به، فسيستنفد ما تبقى له ليدفعهم بعيدًا بعواصفه.

 

 

 

كان صوت كريس أبرد من برد المرتفعات، وهو ينطق بكلماته المريبة.

 

ــ “من أجل سموّها، يجب أن يبقى الطفل على قيد الحياة!” قال كريس ببرودٍ قاتل وهو يهبط من السماء ممسكًا برالف.

 

 

 

ــ “ياللأسف، هذه أكثر مرة اقتربنا فيها من صوفي الهواء منذ اثني عشر عامًا.” ارتفع صوتٌ عجوز حادّ.

 

“كيف يُعقَل هذا؟” تمتم العجوز من عشيرة الدم بذهول.

 

تلك الأصفاد صُمِّمت لتقييد نخب الفئة الفائقة! استُخدمت بدايةً لكبح الأميرة المخبولة حين ثارت، ثم بعد استقرار حالتها استُعملت على طعام الدم من الفئة العليا. حتى اسلحة الصوفيين الأكثر تقدّمًا لم تستطع تحطيم تلك الأصفاد! فكيف انفتحت الآن؟

 

 

 

صدر أول صوت مكتوم من اشتباكٍ عنيف بين عبد دمٍ وحارس.

 

 

 

أما الآن، بعد أن نُزف دمه، وصار ضعيفًا عطِشًا، وقد فقد ساقيه فجأة، اختلّ توازنه. الألم الذي يعصف بحلقه شتّت تركيزه، وغالبية قدرته النفسية صارت مكرّسة للحفاظ على “تنفّسه” بنقل الهواء من حلقه إلى رئتيه.

 

“رولانا!” تفادى إسترون شفرتي سيفين حاولا قطع رأسه في لحظة، وهتف بقلقٍ وغضب، “استدعِي حراس الظلّ!”

 

تغيرت ملامح رولانا بشدة، فانطلقت نحو تاليس المقذوف باتجاه القصر، بينما اختفى جسدها لوهلة وظهر بجواره. أما إسترون فكان يحدّق بصرامة نحو البوابة الرئيسية للقصر، وعيناه تلمعان وصوته يدوي في أرجاء المكان:

 

 

 

….

 

أدرك تاليس فجأة أنّ دخوله الغرفة بتلك الطريقة كان متهوّرًا إلى حدٍّ ما. حتى—

 

فجأة، دوّت من الزنزانة أصوات اهتزازٍ متتابعة ومتقاربة لدرجةٍ بدت كأنها رعودٌ متلاحقة.

 

“كيف يُعقَل هذا؟” تمتم العجوز من عشيرة الدم بذهول.

 

 

 

….

 

 

 

 

 

 

 

 

منذ اختفاء آسدا، لم يجرؤ تاليس حقًا على اختبار تلك القوّة التي “فقد السيطرة” عليها.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط