معركة الإبادة (2)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“تلك شبه الجزيرة الغارقة كانت تضمّ أراضي الإمبراطورية الأخيرة بأسرها. والإمبراطورية الأخيرة…”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
في ذاكرة تاليس الضبابية، كان في تلك المسرحية المجنونة ذاك الرجل الذي يحمل المنجل والسلاسل — الملقّب بـ “الـكارثة” — يذبح الكثير من الكائنات الحيّة حتى هُزم أخيرًا باتحاد العالم بأسره ضده.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“غيلبرت، أمم، هل ستخبرني أن كيانًا سماويًا قويًا قاد جيشًا وغزا عالمنا؟ ثم، بعد معركةٍ طاحنة، نجحنا في إحباط محاولتهم؟ ولكننا عن طريق الخطأ حطمنا بئرًا سحرية انفجرت وفصلت العالم إلى شبهَي جزيرة؟”
Arisu-san
“…زالت من الوجود.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وعندما كان الأطفال في الشوارع يسألونهم، كانوا يجعلونهم يرددون: “الليل المُظلم سيعود، وأنا على استعدادٍ للخدمة”، ثم يمنحونهم قطعة حلوى من الشعير ويبتسمون قائلين إن “الـكارثة هي عدوّ هذا العالم”.
الفصل 39: معركة الإبادة (2)
“الملوك الثلاثة للكوكبة”، واصل غيلبرت بصوتٍ مهيب، “كما شرح لك جلالته سابقًا، هؤلاء من القلائل من الملوك والسيّاد الذين خلدهم كولفين في روائعه.”
….
تنفس غيلبرت بعمق وارتسمت على وجهه ابتسامة حنين.
“معركة الإبادة. كلمات مألوفة للغاية.”
كان تاليس قد شاهد عددًا من المسرحيات في قاعة الليل المُظلم بجانب السوق الكبير، رغم أن تركيزه في الغالب كان منصبًا على كيفية سرقة النقود من جيوب الجمهور المذهول بالمشهد.
تنحنح غيلبرت، ونطق الكلمة بوضوحٍ وجديةٍ: “الصوفيّون.”
لا يمكن إنكار أن جميع الكهنة في قاعة الليل المُظلم بدوا مصابين بالهوس — إذ يلفّون أجسادهم إلى حدٍّ لا يسمح لنسمة هواءٍ واحدة أن تنفذ من خلال ثيابهم لتلامس بشرتهم، ويرددون كلماتٍ مجنونة مثل: “السيد سيعود”، “العالم حتمًا سينهار للمرة الثانية”، و”التاريخ كلّه أكاذيب، الوحيد الذي أنقذ العالم هو التجسيد الحق للَّيل المُظلم” كل يوم.
(“لحسن الحظ، أنهم لم يرددوا شيئًا مثل ’الليل الطويل يقترب، والشر في كل مكان‘… هيه، ريان، انتبه قليلًا. ذلك الرجل الثريّ على وشك أن يستدير!” – قالها الطفل المتسوّل، تاليس، وهو يشاهد المسرحية).
إلا أن تاليس — الذي كان أميًّا بعد انتقاله إلى هذا العالم — وجد أن المسرحيات التي يقدمونها كانت طريقة مجانية وجيدة نسبيًا لفهم العالم.
(“لحسن الحظ، أنهم لم يرددوا شيئًا مثل ’الليل الطويل يقترب، والشر في كل مكان‘… هيه، ريان، انتبه قليلًا. ذلك الرجل الثريّ على وشك أن يستدير!” – قالها الطفل المتسوّل، تاليس، وهو يشاهد المسرحية).
“أم… ربما ليست طريقة جيدة جدًا.”
فكّر تاليس، الذي كان يسير خلف غيلبرت، في مسرحية تُدعى “التجسيد الحق للَّيل المُظلم نزل إلى العالم وأنقذ بنفسه ثلاثًا وثلاثين أميرة”، ولم يستطع إلا أن يعبس.
من بين المسرحيات المتنوعة التي تراوحت بين السخيفة للغاية وتلك التي كانت تحذيرية للبشر، تذكّر تاليس واحدةً بوضوح، كانت تُدعى “اليوم الذي سقطت فيه الكارثة، والساعة التي أُبيد فيها العالم”.
تلك كانت تدور حول معركة الإبادة.
حتى الآن، ما زال تاليس يتذكّر أن خلفية المسرح، ذات الألوان السوداء والحمراء، ظهر فيها رجلٌ مقنّع يرتدي الأسود يحمل سلاسل مربوطة بمنجل، ويدور حول المسرح بخطواتٍ ثقيلة.
“تمامًا حين بلغت الإمبراطورية قرابة الألف عام من الحكم، ظهر بين البشر جنسٌ جديد، قويّ إلى حدٍّ مرعب، نشأ بصمتٍ من بين صفوفهم.
كانت الموسيقى الخلفية تصبح قاتمة ومخيفة في تلك اللحظة، مما جعل الأطفال المتفرجين أسفل المسرح، المفعمين بالفضول، يجهشون بالبكاء كثيرًا.
“أكمِل الاستماع إليّ حتى أنتهي من الحديث. الجواب يكمن في معركة الإبادة.”
وفي المواقع التي مرّ بها ذلك الرجل ذو الملابس السوداء، كان الممثلون الذين يرتدون خوذًا ملوّنة ترمز لمناطق مختلفة من العالم يصرخون وينوحون ويسقطون واحدًا تلو الآخر على المسرح.
كان غيلبرت قد اعتاد أسلوب تعلم تاليس (مقاطعته في أي لحظة لطرح الأسئلة، أو حتى الاعتراضات). فابتسم دون أن ينزعج وقال:
وما زال يتذكّر الكلمات المرعبة التي نطق بها الراوي بصوتٍ يشبه نعيق الغراب:
“الــكارثة قادمة! الكارثة قادمة! لن تترك أحدًا، لن تترك هذا العالم حتى يُبتلع كلّ إنسانٍ في قبضتها!
استيقظوا، يا أصدقائي، استيقظوا، استيقظوا! الكارثة ستبتلع كلّ شيء، ونهر الجحيم سيفيض على العالم، والسماء ستنهار على الأرض! العالم على شفا الإبادة!
ولهذا، درج المؤرخون على تسمية الإمبراطورية العظيمة السابقة بـ الإمبراطورية القديمة، وتلك الضعيفة المتأخرة بـ الإمبراطورية الأخيرة.
التجسيدات معنا دومًا، والشياطين أيضًا إلى جانبنا. الإمبراطور خلفنا، والمحاربون أمامنا! لا نجاة إلا بالشجاعة في القتال، ولا أبدية إلا لليل المُظلم!
يا أصدقائي، الكارثة قادمة! الليل المُظلم قال إن الملاح في نهر الجحيم لا يملك وجهًا بغيضًا، ولا هو ثمرة شريرة غير بشرية، ولا زهرة شيطانية، لكنه قادر على جعل قلب الإنسان يتآكل! علينا أن نكون مستعدين لنشهر سيوفنا، ونعود إلى الديار مكلّلين بالمجد مع أبطالنا، كي لا نصبح عبيدًا وأتباعًا لتلك الكارثة!
هذه هي المعركة الأخيرة. لا تفرّقوا بين أنفسكم، لا تفرّقوا بين المقدّس والبشر! إنها معركة الإبادة! ومع حلول الليل المُظلم الذي يغمر العالم، ستختفي الكارثة حتمًا!”
في ذاكرة تاليس الضبابية، كان في تلك المسرحية المجنونة ذاك الرجل الذي يحمل المنجل والسلاسل — الملقّب بـ “الـكارثة” — يذبح الكثير من الكائنات الحيّة حتى هُزم أخيرًا باتحاد العالم بأسره ضده.
وإن كانوا عصيّيَ المنطق، فلماذا احتاجوا إلى أتباع ومؤمنين كالتجسيد الحقيقي؟
ومع ذلك، حتى النهاية، لم يشرح أيٌّ من كهنة وممثلي قاعة الليل المُظلم ماهية “الكارثة” حقًا.
عند سماع ذلك، رفع تاليس رأسه ونظر بعناية إلى اللوحة التي تتوسط الجدار — فارسٌ شاب يحمل رمحًا وهو ممتطٍ حصانه، تتدلّى من تاجه نجمة سباعية الرؤوس.
وعندما كان الأطفال في الشوارع يسألونهم، كانوا يجعلونهم يرددون: “الليل المُظلم سيعود، وأنا على استعدادٍ للخدمة”، ثم يمنحونهم قطعة حلوى من الشعير ويبتسمون قائلين إن “الـكارثة هي عدوّ هذا العالم”.
ابتلع تاليس ريقه وقال بقلقٍ خافت: “تلك الكوارث… ما هي؟”
كان تاليس غارقّا في التفكير فلم يلاحظ أن غيلبرت قد قاده إلى أسفل درج الطابق الثاني.
هناك، على الجدار، كانت تتدلّى ثلاث لوحات ضخمة لملوك مملكة الكوكبة التي رآها تاليس عندما وصل أول مرة.
“غير أنّ قوّة تلك الكوارث الملعونة كانت مرعبةً إلى حدٍّ لا يُصدّق. ففي المطاردة الأخيرة، التي تجاوزت قدرات الفئة الفائقة نفسها، قامت تلك الكائنات الدنيئة، التي كادت تفني العالم…”
“لوسارك كولفين هو رسّام لوحات شهير في عهد مينديس الثالث. تسعى لوحاته إلى تصوير روح كل شخصية وحيويتها بأفضل شكل، من خلال الدمج بين التاريخ والبيئة والحركة.”
“الملوك الثلاثة للكوكبة”، واصل غيلبرت بصوتٍ مهيب، “كما شرح لك جلالته سابقًا، هؤلاء من القلائل من الملوك والسيّاد الذين خلدهم كولفين في روائعه.”
الفرسان خلفه كلهم جرحى — بعضهم يرفع درعه ويتقدم، وبعضهم يغرق في الدماء، وبعض دروعهم ممزقة، وبعضهم يتوازنون فوق خيولهم، وبعضهم فقد ذراعه تمامًا.
عند سماع ذلك، رفع تاليس رأسه ونظر بعناية إلى اللوحة التي تتوسط الجدار — فارسٌ شاب يحمل رمحًا وهو ممتطٍ حصانه، تتدلّى من تاجه نجمة سباعية الرؤوس.
من هيئته، بدا وكأنه يندفع إلى الأمام في هجومٍ عنيف.
“معركة الإبادة. كلمات مألوفة للغاية.”
في المرة السابقة، لم يُتح له سوى لمحةٍ عابرة. أمّا الآن، فحين أتيح له الوقت ليتفحصها، لاحظ أن نصل الرمح الذي يمسكه الفارس الشاب كان مكسور الحافة، وتاجه الملكي متصدّع ومبقّع، ودرعه مرقّط ببقع الدم، وحصانه بدا مرهقًا.
“الــكارثة قادمة! الكارثة قادمة! لن تترك أحدًا، لن تترك هذا العالم حتى يُبتلع كلّ إنسانٍ في قبضتها!
الفرسان خلفه كلهم جرحى — بعضهم يرفع درعه ويتقدم، وبعضهم يغرق في الدماء، وبعض دروعهم ممزقة، وبعضهم يتوازنون فوق خيولهم، وبعضهم فقد ذراعه تمامًا.
وما زال يتذكّر الكلمات المرعبة التي نطق بها الراوي بصوتٍ يشبه نعيق الغراب:
وفي الأفق البعيد تحت ضوء الغروب، كانت الأرض تغصّ بالجثث والأسلحة المتناثرة.
القلة الباقية واقفة، أشبه بزينة حزينة فوق ساحة معركة مدمّرة.
الدماء والظلام هما اللونان الطاغيان.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
عدا الفارس الشاب ذي التاج السباعي، الذي بدا كأنه يزأر بجنون، أظهرت وجوه الستة خلفه حزنًا ويأسًا، لكن دون أي ترددٍ في الاندفاع للأمام.
كانوا يتقدمون وراء تورموند الأول، الذي يرفع رمحه ويصرخ بشراسة.
أضاف تلك الجملة بصمت في قلبه — كان قد تعلّمها من كتابٍ لكاتبٍ عظيم في حياته السابقة.
ارتجف قلب تاليس عند رؤيته ذلك. وتذكّر فجأة ما قاله كيسل الخامس:
ابتلع تاليس ريقه وقال بقلقٍ خافت: “تلك الكوارث… ما هي؟”
“ذلك هو تورموند الأول، آخر أمراء الإمبراطورية النهائية، ومؤسس مملكة الكوكبة. الملقب بـ ’ملك النهضة‘، وما زالت شجاعته في معركة الإبادة تُخلَّد حتى اليوم.”
تبدّل تعبير تاليس قليلًا وهو ينظر إلى غيلبرت بجواره.
“كانت، بطبيعة الحال، الإمبراطورية الوحيدة، ’الإمبراطورية‘.”
“نعم، إنه ’ملك النهضة‘، تورموند جيدستار.” أجاب غيلبرت بتعبير عميق. “بعد معركة الإبادة قبل أكثر من ستمائة عام، كان من بين قادة الإمبراطورية الناجين في ساحة المعركة الغربية، هو الأعلى مكانةً ومنزلة. وهو أيضًا سلفك، الرجل الذي أسّس مملكة الكوكبة بعد تلك الحرب.”
(ساحة المعركة الغربية، قادة الإمبراطورية الناجون، الأعلى مكانةً…)
(معركة الإبادة… انتظر، البحر الفاصل بين شبهَي الجزيرة يُدعى بحر الإبادة؟)
التقط تاليس الكلمات الرئيسة على الفور.
“قادة الإمبراطورية؟ أيّ إمبراطورية؟ ما كانت رتبته؟ وهل كانت هناك ساحات معارك أخرى؟ من كان أعداء تورموند؟”
كان غيلبرت قد اعتاد أسلوب تعلم تاليس (مقاطعته في أي لحظة لطرح الأسئلة، أو حتى الاعتراضات). فابتسم دون أن ينزعج وقال:
“منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وبعد أن أدرك البشر قواهم الخارقة، ظهر عدد كبير من النخب من الفئة العليا والفئة الفائقة. وقد ازدادت قوة جيوشهم وتجهيزاتهم باستمرار. وبعد سنواتٍ طويلة من الاحتكاك والحروب والتحالفات، أي قبل حوالي ألفين ومئتي عام، اتحد البشر أخيرًا في كيانٍ واحد. وعلى مدى أعوامٍ متتالية، حققوا انتصاراتٍ متواصلة في حروبهم ضد الأجناس الأخرى، وأصبحوا حكّام العالم المعروف في القارة.”
“كانت، بطبيعة الحال، الإمبراطورية الوحيدة، ’الإمبراطورية‘.”
في ذاكرة تاليس الضبابية، كان في تلك المسرحية المجنونة ذاك الرجل الذي يحمل المنجل والسلاسل — الملقّب بـ “الـكارثة” — يذبح الكثير من الكائنات الحيّة حتى هُزم أخيرًا باتحاد العالم بأسره ضده.
“الإمبراطورية الوحيدة؟”
“نعم.”
تنفس غيلبرت بعمق وارتسمت على وجهه ابتسامة حنين.
الدماء والظلام هما اللونان الطاغيان.
“هل تعلم، أيها السيد الشاب تاليس، أن العالم المعروف كان فيما مضى قطعة أرضٍ واسعة على شكل ذراع؟ وكانت مملكتنا، الكوكبة، تقع عند موضع المعصم.”
“ثمّ سُمِّي الجزء الغربي كاليمدور—”
“قطعة… قطعة أرضٍ واحدة بأكملها؟ رفع تاليس رأسه فجأة، مقاطعًا بدهشة. ماذا عن شبهي الحزيرة الشرقي والغربي اللذين يفصل بينهما بحر الإبادة—”
لكن غيلبرت اكتفى بالابتسام ورفع يده مشيرًا له بالصمت أمام لوحة الملك الراحل.
“أكمِل الاستماع إليّ حتى أنتهي من الحديث. الجواب يكمن في معركة الإبادة.”
توقف غيلبرت للحظة، وكأنه يتساءل لماذا لم يقاطعه تاليس ولم يطرح أي أسئلة. مع ذلك، لم يشك كثيرًا. بدلًا من ذلك، أغمض عينيه وتأمل في أمر ما، ولم يتكلم إلا بهدوء بعد بضع دقائق.
غير أن تاليس كان قد كوَّن في ذهنه إجابةً قريبة من الحقيقة.
(معركة الإبادة… انتظر، البحر الفاصل بين شبهَي الجزيرة يُدعى بحر الإبادة؟)
ارتجف تاليس، وقد أدرك ما سيأتي.
(شبه جزر؟)
حين خطرت له تلك الفكرة، لم يستطع تاليس إلا أن يسخر من الموقف.
“في عصر تورموند الأول — وهو القرن الذي استُبدل فيه تقويم الإمبراطورية بـ تقويم الإبادة — كانت الإمبراطورية قد اندثرت منذ أكثر من ثلاثمائة عام.
“غيلبرت، أمم، هل ستخبرني أن كيانًا سماويًا قويًا قاد جيشًا وغزا عالمنا؟ ثم، بعد معركةٍ طاحنة، نجحنا في إحباط محاولتهم؟ ولكننا عن طريق الخطأ حطمنا بئرًا سحرية انفجرت وفصلت العالم إلى شبهَي جزيرة؟”
تجمّدت ابتسامة غيلبرت. “ماذا؟”
لم يُطلقوا على دولتهم أو على سلالتهم أي اسم. وكان الحاكم الأعلى يُلقّب نفسه بـ ’الإمبراطور‘. أما تلك الدولة الفريدة، التي لم يكن لها اسم ولا تحتاج إليه، فكانت تُعرف بـ الإمبراطورية.”
“ثمّ سُمِّي الجزء الغربي كاليمدور—”
وما زال يتذكّر الكلمات المرعبة التي نطق بها الراوي بصوتٍ يشبه نعيق الغراب:
“شـش…” لم يستطع غيلبرت كتم ابتسامته وهو يقاطعه.
“سيدي الشاب، إنك تملك حقًا موهبة في تأليف الروايات وابتكار القصص. لولا هويتك، لربما أصبحت شاعرًا أو منشدًا بارعًا. لكننا الآن في درسٍ عن التاريخ.”
اكتفى تاليس بهز كتفيه وتوقف عن الكلام، محتفظًا بذكرى جديدة في أعماق ذاكرته — ذكرى ما تزال مرتبطة بتلك الفتاة صاحبة الأوهام المراهقة.
من هيئته، بدا وكأنه يندفع إلى الأمام في هجومٍ عنيف.
انتظر غيلبرت بصبر حتى سكت تاليس تمامًا، ثم ألقى عليه نظرة جادة أمام لوحة سلفه، وواصل شرحه.
“منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وبعد أن أدرك البشر قواهم الخارقة، ظهر عدد كبير من النخب من الفئة العليا والفئة الفائقة. وقد ازدادت قوة جيوشهم وتجهيزاتهم باستمرار. وبعد سنواتٍ طويلة من الاحتكاك والحروب والتحالفات، أي قبل حوالي ألفين ومئتي عام، اتحد البشر أخيرًا في كيانٍ واحد. وعلى مدى أعوامٍ متتالية، حققوا انتصاراتٍ متواصلة في حروبهم ضد الأجناس الأخرى، وأصبحوا حكّام العالم المعروف في القارة.”
“قطعة… قطعة أرضٍ واحدة بأكملها؟ رفع تاليس رأسه فجأة، مقاطعًا بدهشة. ماذا عن شبهي الحزيرة الشرقي والغربي اللذين يفصل بينهما بحر الإبادة—”
ارتسم على وجه غيلبرت تعبيرُ تبجيلٍ وحنين، وتاه بصره قليلًا وهو يتحدث بنبرة حالمة.
“لقد أسسوا دولةً عملاقةً امتدت على كامل المحيط والقارة، تكاد تخترق كل زاويةٍ من الأرض المعروفة. باستثناء قلةٍ من سكان الشرق الأقصى، كان تقريبًا جميع البشر — من الرودوليين، وأبناء الشمال، والنيدانيين، والكالونسيين، وأبناء الأرض القرمزية — تحت حماية تلك الدولة وسلطتها.
من هيئته، بدا وكأنه يندفع إلى الأمام في هجومٍ عنيف.
لم يُطلقوا على دولتهم أو على سلالتهم أي اسم. وكان الحاكم الأعلى يُلقّب نفسه بـ ’الإمبراطور‘. أما تلك الدولة الفريدة، التي لم يكن لها اسم ولا تحتاج إليه، فكانت تُعرف بـ الإمبراطورية.”
شهق تاليس بخفة. لم يشعر بالفخر ولا بالعظمة، بل بالحزن والرغبة بالتنهد.
“غيلبرت، أمم، هل ستخبرني أن كيانًا سماويًا قويًا قاد جيشًا وغزا عالمنا؟ ثم، بعد معركةٍ طاحنة، نجحنا في إحباط محاولتهم؟ ولكننا عن طريق الخطأ حطمنا بئرًا سحرية انفجرت وفصلت العالم إلى شبهَي جزيرة؟”
الحرب أنشأت الدولة، والدولة أنشأت الحرب.
ومع مرور السنين، تلاشت فظائع الكوارث من ذاكرة الناس شيئًا فشيئًا. بل إنّ أسماء من وُصِفوا بالكوارث طُمِست من التاريخ.”
أضاف تلك الجملة بصمت في قلبه — كان قد تعلّمها من كتابٍ لكاتبٍ عظيم في حياته السابقة.
وإن كانت طرائق تفكيرهم مختلفةً تمامًا عن البشر، فلماذا أرادوا شنّ حربٍ؟ أليغزُو العالم؟ أيّ مزحةٍ هذه؟
اتحادٌ وحرب… كلمتان يسهل نطقهما، لكن لتأسيس دولةٍ ضخمةٍ لم يسبق لها مثيل، كم عدد الحروب التي خيضت؟ وكم من الدماء أُريق، وكم من المذابح ارتُكبت؟
عدا الفارس الشاب ذي التاج السباعي، الذي بدا كأنه يزأر بجنون، أظهرت وجوه الستة خلفه حزنًا ويأسًا، لكن دون أي ترددٍ في الاندفاع للأمام.
غير أن ملامح غيلبرت سرعان ما غشاها الكدر.
اتحادٌ وحرب… كلمتان يسهل نطقهما، لكن لتأسيس دولةٍ ضخمةٍ لم يسبق لها مثيل، كم عدد الحروب التي خيضت؟ وكم من الدماء أُريق، وكم من المذابح ارتُكبت؟
“تمامًا حين بلغت الإمبراطورية قرابة الألف عام من الحكم، ظهر بين البشر جنسٌ جديد، قويّ إلى حدٍّ مرعب، نشأ بصمتٍ من بين صفوفهم.
“هل تعلم، أيها السيد الشاب تاليس، أن العالم المعروف كان فيما مضى قطعة أرضٍ واسعة على شكل ذراع؟ وكانت مملكتنا، الكوكبة، تقع عند موضع المعصم.”
إنهم خالدون لا يمكن تدميرهم، يملكون قوة لا مثيل لها، وسلطة لا تضاهى. حتى أقوى أفراد الفئة الفائقة لم يتمكنوا من الصمود أمامهم، بل إن التجسدات والشياطين أنفسهم لم يكونوا نِدًّا لهم. وما هو أشدّ رعبًا، أن لهم طرائق تفكيرٍ وقوانين تصرّفٍ مختلفة تمامًا عن سائر البشر أو الأجناس الأخرى. فهم لا يخضعون للعقل، متعنتون، مجانين، ويصعب التواصل معهم.”
تجمّد تاليس قليلًا.
وكأن ذلك الرجل المجنون ذو العباءة الزرقاء والشعر البني ظهر أمامه مجددًا، يفتح فمه ويغلقه قائلًا:
“الصوفيّ المولود حديثًا قد اتخذ له موطئًا فوق التجسدات، يطلّ على الكائنات الأخرى…”
وإن كانوا عصيّيَ المنطق، فلماذا احتاجوا إلى أتباع ومؤمنين كالتجسيد الحقيقي؟
استعاد تاليس تركيزه، ورأى غيلبرت يطلق تنهيدةً عميقة.
“إنهم كالـكارثة. منذ أن حلّوا في هذا العالم، ما انفكّوا يجلبون الفوضى والكوارث، الدماء والمجازر. وبعد هذه الضربات الهائلة، بدأ ذلك الكيان الإمبراطوري العظيم ينهار ببطء، وفي النهاية فَنِي.”
من حيث النظام، والأراضي، والشعب، كانت دولةً مختلفة كليًا.
جنسٌ جديد؟ نشأ بين البشر؟ لا يخضع للعقل؟ كارثة؟
وإن كانت طرائق تفكيرهم مختلفةً تمامًا عن البشر، فلماذا أرادوا شنّ حربٍ؟ أليغزُو العالم؟ أيّ مزحةٍ هذه؟
استعاد تاليس شيئًا في ذهنه، وبدأ قلبه يخفق بعنف.
في ذاكرة تاليس الضبابية، كان في تلك المسرحية المجنونة ذاك الرجل الذي يحمل المنجل والسلاسل — الملقّب بـ “الـكارثة” — يذبح الكثير من الكائنات الحيّة حتى هُزم أخيرًا باتحاد العالم بأسره ضده.
“في عصر تورموند الأول — وهو القرن الذي استُبدل فيه تقويم الإمبراطورية بـ تقويم الإبادة — كانت الإمبراطورية قد اندثرت منذ أكثر من ثلاثمائة عام.
العالم الذي كان يعيش فيه البشر والأجناس الأخرى عاد إلى حالةٍ من الفوضى والانقسام.
أما ’الإمبراطورية الأخيرة‘ التي عاش فيها تورموند، فلم تكن سوى دولةٍ أسسها لاجئو الإمبراطورية السابقة، واتخذت اسم الإمبراطورية فقط.
“ثمّ سُمِّي الجزء الغربي كاليمدور—”
من حيث النظام، والأراضي، والشعب، كانت دولةً مختلفة كليًا.
حين خطرت له تلك الفكرة، لم يستطع تاليس إلا أن يسخر من الموقف.
ولهذا، درج المؤرخون على تسمية الإمبراطورية العظيمة السابقة بـ الإمبراطورية القديمة، وتلك الضعيفة المتأخرة بـ الإمبراطورية الأخيرة.
ومع مرور السنين، تلاشت فظائع الكوارث من ذاكرة الناس شيئًا فشيئًا. بل إنّ أسماء من وُصِفوا بالكوارث طُمِست من التاريخ.”
في العام 1509 من تقويم الإمبراطورية — وهو العام الذي وقعت فيه معركة الإبادة — لم تكن الإمبراطورية الأخيرة سوى دولةٍ ذات قوةٍ متوسطةٍ في العالم.
“معركة الإبادة. كلمات مألوفة للغاية.”
وبدلًا من أن تجلب لهم المجد والإرث، أصبحت التركة الروحية واسم الإمبراطورية القديمة عبئًا ومصدرَ كراهيةٍ للآخرين. فصاروا هدفًا للطامحين من الأراضي السابقة، وللكائنات الجشعة من الأجناس الأخرى، ولعددٍ لا يُحصى من الأمم الطامعة.”
“على الرغم من أنّ الإمبراطورية الأخيرة ورثت مجد الإمبراطورية القديمة، إلّا أنّها خلّفت أعداء في كل مكان، وكانت في حربٍ دائمة لا تهدأ. وفوق ذلك، كانت الضرائب باهظة، والاضطرابات الداخلية تعصف بها عامًا بعد عام. الأسرة الإمبراطورية كانت عاجزة، وحُكم البلاد واهن، حتى بدا أنّ مجد الإمبراطورية سيؤول إلى زوالٍ في العام 1509 من التقويم الإمبراطوري.
غير أنّه في ذلك العام بالذات، سحرت تلك السلالة، ومعها تلك الكوارث، عددًا لا يُستهان به من الناس في أرجاء العالم، وجعلت منهم أتباعًا ومؤمنين. وبقوّةٍ غير مسبوقة، أعلنوا رسميًّا الحرب على جميع الحضارات في العالم.”
“الملوك الثلاثة للكوكبة”، واصل غيلبرت بصوتٍ مهيب، “كما شرح لك جلالته سابقًا، هؤلاء من القلائل من الملوك والسيّاد الذين خلدهم كولفين في روائعه.”
تجمّد تاليس قليلاً. وبما أنّه كان ذا ذهنٍ منطقيٍّ متقد، فقد التقط بالفعل عدّة نقاطٍ غير منطقيةٍ في السرد. غير أنّه لم يُبدِ اعتراضه، بل كتم ملاحظاته.
(ما هي هذه الكوارث بالضبط؟ ماذا يعني ‘نشأت بين البشر’؟ وإن كانت بهذه القوّة الهائلة، فلماذا لم يُكملوا السيطرة على القارة بعد تدميرهم للإمبراطورية القديمة؟ لماذا انتظروا حتى ظهرت الإمبراطورية الأخيرة ليعلنوا الحرب؟.
“نعم، إنه ’ملك النهضة‘، تورموند جيدستار.” أجاب غيلبرت بتعبير عميق. “بعد معركة الإبادة قبل أكثر من ستمائة عام، كان من بين قادة الإمبراطورية الناجين في ساحة المعركة الغربية، هو الأعلى مكانةً ومنزلة. وهو أيضًا سلفك، الرجل الذي أسّس مملكة الكوكبة بعد تلك الحرب.”
وإن كانوا عصيّيَ المنطق، فلماذا احتاجوا إلى أتباع ومؤمنين كالتجسيد الحقيقي؟
وإن كانت طرائق تفكيرهم مختلفةً تمامًا عن البشر، فلماذا أرادوا شنّ حربٍ؟ أليغزُو العالم؟ أيّ مزحةٍ هذه؟
إنهم خالدون لا يمكن تدميرهم، يملكون قوة لا مثيل لها، وسلطة لا تضاهى. حتى أقوى أفراد الفئة الفائقة لم يتمكنوا من الصمود أمامهم، بل إن التجسدات والشياطين أنفسهم لم يكونوا نِدًّا لهم. وما هو أشدّ رعبًا، أن لهم طرائق تفكيرٍ وقوانين تصرّفٍ مختلفة تمامًا عن سائر البشر أو الأجناس الأخرى. فهم لا يخضعون للعقل، متعنتون، مجانين، ويصعب التواصل معهم.”
إنّها حكايةٌ مثقوبةٌ من كل جانب!)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لكن تاليس كان يدرك أنّ السبب لم يكن أنّ غيلبرت يحاول تضليله، بل أنّ ثمة الكثير من الحقائق التي تعجز مداركه حاليًا عن استيعابها.
تمامًا كما حدث مع أسرار ‘السنة الدموية’ من قبل.
ابتلع تاليس ريقه وقال بقلقٍ خافت: “تلك الكوارث… ما هي؟”
غيلبرت لم يستغرب سؤاله، لكنه لم يلحظ أنّ نبرة تاليس كانت أقل ثباتًا من المعتاد.
استعاد تاليس تركيزه، ورأى غيلبرت يطلق تنهيدةً عميقة.
زفر بعمق. “بعد معركة الإبادة، تم حجب كلّ ما يتعلّق بالكوارث من معلوماتٍ ومصادر، وحُظِر تداولها. كان ذلك اتفاقًا غير معلنٍ بين التجسدات والشياطين والبشر، كما كان وسيلةً لئلّا يتزايد عددهم.
كان غيلبرت قد اعتاد أسلوب تعلم تاليس (مقاطعته في أي لحظة لطرح الأسئلة، أو حتى الاعتراضات). فابتسم دون أن ينزعج وقال:
ومع مرور السنين، تلاشت فظائع الكوارث من ذاكرة الناس شيئًا فشيئًا. بل إنّ أسماء من وُصِفوا بالكوارث طُمِست من التاريخ.”
ثم تابع بصوتٍ منخفضٍ: “لكن بما أنّك الوريث الوحيد للملك، فسيكون عليك أن تعرف كلّ هذا عاجلًا أم آجلًا.”
تنفّس غيلبرت بعمق وبدت ملامحه صارمة. “كلّ أولئك الذين سُمّوا بالكوارث، كانوا يومًا ما بشريين أو من أعراقٍ ذكيّةٍ أخرى. لكن الطمع، والجشع، والطموح، دفعهم ليغدوا كائناتٍ دخيلةً فقدت فطرتها الأصلية. ومع أنّهم لا يختلفون عنّا ظاهرًا، وربما يعيشون بيننا متخفّين، إلّا أنّهم في الحقيقة نوعٌ غريبٌ تمامًا. ووفقًا للأساطير، فإنّ للبشر اسمًا مشتركًا يطلقونه عليهم.”
تنحنح غيلبرت، ونطق الكلمة بوضوحٍ وجديةٍ: “الصوفيّون.”
غيلبرت لم يستغرب سؤاله، لكنه لم يلحظ أنّ نبرة تاليس كانت أقل ثباتًا من المعتاد.
في تلك اللحظة، استجمع تاليس كلّ إرادته ليمنع جسده من الارتجاف.
“في عصر تورموند الأول — وهو القرن الذي استُبدل فيه تقويم الإمبراطورية بـ تقويم الإبادة — كانت الإمبراطورية قد اندثرت منذ أكثر من ثلاثمائة عام.
“في نظر الناس، الصوفيّون مجرد صنفٍ آخر من النفسيين، لا يختلفون كثيرًا عن الفرسان النفسيين أو فرسان الإبادة.”
أضاف تلك الجملة بصمت في قلبه — كان قد تعلّمها من كتابٍ لكاتبٍ عظيم في حياته السابقة.
لكن غيلبرت تابع بنظرةٍ باردةٍ: “غير أنّ الدول والقاعات التي خاضت معركة الإبادة وحدها تعلم أنّ هؤلاء الصوفيّين ما هم إلّا تلك الكوارث الرهيبة نفسها، لعنة التاريخ منذ آلاف السنين، أيديهم ملطخةٌ بالدماء، دمّروا سلالتين من الإمبراطورية، وكادوا يُفنون العالم بأسره.
العالم الذي كان يعيش فيه البشر والأجناس الأخرى عاد إلى حالةٍ من الفوضى والانقسام.
ولا يُدرك المرء حقيقتهم إلّا حين يحاول قتل أحدهم… وعندها يكون الأوان قد فات، لأنّ هذه الكوارث التي تُعرف باسم الصوفيّين خالدون لا يُفنَون.”
“سيدي الشاب”، قال غيلبرت بصرامة، “إن تعثّر حظّك وواجهت يومًا صوفيًّا، فاحفظ نفسك أولًا، ثم التمس العون… لدينا وسيلةٌ صُمّمت بناءً على نقاط ضعفهم لمواجهتهم بها.”
تصلّب وجه تاليس وهو يلمس جرح يده اليسرى، لكن أسنانه اصطكّت قليلًا. لسوء الحظ، كان قد واجه تلك الكوارث بالفعل.
التجسيدات معنا دومًا، والشياطين أيضًا إلى جانبنا. الإمبراطور خلفنا، والمحاربون أمامنا! لا نجاة إلا بالشجاعة في القتال، ولا أبدية إلا لليل المُظلم!
امتلأ قلبه بالأسئلة، لكنه كتمها حرصًا على سلامته. من يدري ماذا قد يفلت من لسانه إن بالغ في القلق؟
(لكنّ هذا أيضًا لا يبدو صائبًا… إن كان الصوفيّون بتلك الرهبة، فلمَ يتنازعون على عصاباتٍ تافهة؟ ولماذا تسمح الكوكبة لعصابة قوارير الدم أن تزدهر في المملكة؟ ثمّة تناقضات كثيرة… كثيرة جدًا.)
توقف غيلبرت للحظة، وكأنه يتساءل لماذا لم يقاطعه تاليس ولم يطرح أي أسئلة. مع ذلك، لم يشك كثيرًا. بدلًا من ذلك، أغمض عينيه وتأمل في أمر ما، ولم يتكلم إلا بهدوء بعد بضع دقائق.
“لا مجال للشك في مدى رعبهم. فقبل أكثر من ستمئة عام، وتحت راية أقوى المحاربين، خاض جيشنا الأشدّ شجاعةً معركةً دمويةً ضد أتباعهم. وبعد أن اخترقنا خطوط دفاعهم، طوّق أمهر الفرسان والمحاربين تلك الكوارث، لكنهم أُبيدوا عن بكرة أبيهم.”
تذكّر تاليس المشهد المسرحي في قاعة الليل المُظلم، حين سقط الممثلون واحدًا تلو الآخر على طول الطريق الذي سلكته ‘الكارثة’.
“نزلت التجسُدات إلى الأرض وماتت. نهضت الشياطين من باطنها وفُنيت. هرع محاربو الأعراق كافة إلى ساحات القتال وضُحّي بهم.
دامت الحرب سنين طويلة. وبعد أن دفعنا ثمنًا مروّعًا، اكتشفنا أخيرًا مواطن ضعفهم، وهزمنا تلك الكوارث.”
أما ’الإمبراطورية الأخيرة‘ التي عاش فيها تورموند، فلم تكن سوى دولةٍ أسسها لاجئو الإمبراطورية السابقة، واتخذت اسم الإمبراطورية فقط.
قبض تاليس كفّه بإحكام، كأن كلمات آسدا الموحشة تصدو في أذنه: (لقد خسرنا).
لكن صوت غيلبرت قطع استغراقه في الذكرى.
في تلك اللحظة، استجمع تاليس كلّ إرادته ليمنع جسده من الارتجاف.
“غير أنّ قوّة تلك الكوارث الملعونة كانت مرعبةً إلى حدٍّ لا يُصدّق. ففي المطاردة الأخيرة، التي تجاوزت قدرات الفئة الفائقة نفسها، قامت تلك الكائنات الدنيئة، التي كادت تفني العالم…”
“سيدي الشاب، إنك تملك حقًا موهبة في تأليف الروايات وابتكار القصص. لولا هويتك، لربما أصبحت شاعرًا أو منشدًا بارعًا. لكننا الآن في درسٍ عن التاريخ.”
ارتجف تاليس، وقد أدرك ما سيأتي.
قال غيلبرت بهدوءٍ قاتم: “أغرقوا أضعف شبه جزيرةٍ في قلب القارة العظمى، والتي كانت تربط سائر شبه الجزر ببعضها. وأُبيد كلّ ما كان عليها من أحياءٍ ومادّة.
تجمّد تاليس قليلًا.
وحين غرقت، تفشّت بقايا تلك القوّة في الأرجاء، فدفعت القارة كلها لتنفصل إلى جهتين متقابلتين. وخلال خمس سنواتٍ فقط، صار عمق البحر الجديد بلا قرار، وشطر الأرض المعروفة إلى شبه الجزيرتين الشرقية والغربية وعددٍ لا يُحصى من الجزر.
تُعرف تلك الحادثة باسم الشقّ العظيم والغرق، التي وقعت قبل نحو ستمئة عام.
“نعم، إنه ’ملك النهضة‘، تورموند جيدستار.” أجاب غيلبرت بتعبير عميق. “بعد معركة الإبادة قبل أكثر من ستمائة عام، كان من بين قادة الإمبراطورية الناجين في ساحة المعركة الغربية، هو الأعلى مكانةً ومنزلة. وهو أيضًا سلفك، الرجل الذي أسّس مملكة الكوكبة بعد تلك الحرب.”
وهكذا انتهت معركة الإبادة.”
أطلق غيلبرت تنهيدة طويلة، وما قاله بعد ذلك جعل تاليس في حالة ذهول مؤقتًا.
“تلك شبه الجزيرة الغارقة كانت تضمّ أراضي الإمبراطورية الأخيرة بأسرها. والإمبراطورية الأخيرة…”
“…زالت من الوجود.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(ما هي هذه الكوارث بالضبط؟ ماذا يعني ‘نشأت بين البشر’؟ وإن كانت بهذه القوّة الهائلة، فلماذا لم يُكملوا السيطرة على القارة بعد تدميرهم للإمبراطورية القديمة؟ لماذا انتظروا حتى ظهرت الإمبراطورية الأخيرة ليعلنوا الحرب؟.
في ذاكرة تاليس الضبابية، كان في تلك المسرحية المجنونة ذاك الرجل الذي يحمل المنجل والسلاسل — الملقّب بـ “الـكارثة” — يذبح الكثير من الكائنات الحيّة حتى هُزم أخيرًا باتحاد العالم بأسره ضده.
“تلك شبه الجزيرة الغارقة كانت تضمّ أراضي الإمبراطورية الأخيرة بأسرها. والإمبراطورية الأخيرة…”
لكن صوت غيلبرت قطع استغراقه في الذكرى.
لكن غيلبرت تابع بنظرةٍ باردةٍ: “غير أنّ الدول والقاعات التي خاضت معركة الإبادة وحدها تعلم أنّ هؤلاء الصوفيّين ما هم إلّا تلك الكوارث الرهيبة نفسها، لعنة التاريخ منذ آلاف السنين، أيديهم ملطخةٌ بالدماء، دمّروا سلالتين من الإمبراطورية، وكادوا يُفنون العالم بأسره.
“قادة الإمبراطورية؟ أيّ إمبراطورية؟ ما كانت رتبته؟ وهل كانت هناك ساحات معارك أخرى؟ من كان أعداء تورموند؟”
“شـش…” لم يستطع غيلبرت كتم ابتسامته وهو يقاطعه.
“…زالت من الوجود.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
القلة الباقية واقفة، أشبه بزينة حزينة فوق ساحة معركة مدمّرة.
انتظر غيلبرت بصبر حتى سكت تاليس تمامًا، ثم ألقى عليه نظرة جادة أمام لوحة سلفه، وواصل شرحه.
غيلبرت لم يستغرب سؤاله، لكنه لم يلحظ أنّ نبرة تاليس كانت أقل ثباتًا من المعتاد.
جنسٌ جديد؟ نشأ بين البشر؟ لا يخضع للعقل؟ كارثة؟
(لكنّ هذا أيضًا لا يبدو صائبًا… إن كان الصوفيّون بتلك الرهبة، فلمَ يتنازعون على عصاباتٍ تافهة؟ ولماذا تسمح الكوكبة لعصابة قوارير الدم أن تزدهر في المملكة؟ ثمّة تناقضات كثيرة… كثيرة جدًا.)
استعاد تاليس تركيزه، ورأى غيلبرت يطلق تنهيدةً عميقة.
هذه هي المعركة الأخيرة. لا تفرّقوا بين أنفسكم، لا تفرّقوا بين المقدّس والبشر! إنها معركة الإبادة! ومع حلول الليل المُظلم الذي يغمر العالم، ستختفي الكارثة حتمًا!”
قبض تاليس كفّه بإحكام، كأن كلمات آسدا الموحشة تصدو في أذنه: (لقد خسرنا).
من هيئته، بدا وكأنه يندفع إلى الأمام في هجومٍ عنيف.
تصلّب وجه تاليس وهو يلمس جرح يده اليسرى، لكن أسنانه اصطكّت قليلًا. لسوء الحظ، كان قد واجه تلك الكوارث بالفعل.
“في نظر الناس، الصوفيّون مجرد صنفٍ آخر من النفسيين، لا يختلفون كثيرًا عن الفرسان النفسيين أو فرسان الإبادة.”
تجمّدت ابتسامة غيلبرت. “ماذا؟”
عدا الفارس الشاب ذي التاج السباعي، الذي بدا كأنه يزأر بجنون، أظهرت وجوه الستة خلفه حزنًا ويأسًا، لكن دون أي ترددٍ في الاندفاع للأمام.
إلا أن تاليس — الذي كان أميًّا بعد انتقاله إلى هذا العالم — وجد أن المسرحيات التي يقدمونها كانت طريقة مجانية وجيدة نسبيًا لفهم العالم.
“كانت، بطبيعة الحال، الإمبراطورية الوحيدة، ’الإمبراطورية‘.”
“لوسارك كولفين هو رسّام لوحات شهير في عهد مينديس الثالث. تسعى لوحاته إلى تصوير روح كل شخصية وحيويتها بأفضل شكل، من خلال الدمج بين التاريخ والبيئة والحركة.”
تبدّل تعبير تاليس قليلًا وهو ينظر إلى غيلبرت بجواره.
وإن كانت طرائق تفكيرهم مختلفةً تمامًا عن البشر، فلماذا أرادوا شنّ حربٍ؟ أليغزُو العالم؟ أيّ مزحةٍ هذه؟
“غير أنّ قوّة تلك الكوارث الملعونة كانت مرعبةً إلى حدٍّ لا يُصدّق. ففي المطاردة الأخيرة، التي تجاوزت قدرات الفئة الفائقة نفسها، قامت تلك الكائنات الدنيئة، التي كادت تفني العالم…”
“لا مجال للشك في مدى رعبهم. فقبل أكثر من ستمئة عام، وتحت راية أقوى المحاربين، خاض جيشنا الأشدّ شجاعةً معركةً دمويةً ضد أتباعهم. وبعد أن اخترقنا خطوط دفاعهم، طوّق أمهر الفرسان والمحاربين تلك الكوارث، لكنهم أُبيدوا عن بكرة أبيهم.”
لم يُطلقوا على دولتهم أو على سلالتهم أي اسم. وكان الحاكم الأعلى يُلقّب نفسه بـ ’الإمبراطور‘. أما تلك الدولة الفريدة، التي لم يكن لها اسم ولا تحتاج إليه، فكانت تُعرف بـ الإمبراطورية.”
القلة الباقية واقفة، أشبه بزينة حزينة فوق ساحة معركة مدمّرة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 39: معركة الإبادة (2)
“قادة الإمبراطورية؟ أيّ إمبراطورية؟ ما كانت رتبته؟ وهل كانت هناك ساحات معارك أخرى؟ من كان أعداء تورموند؟”
لكن غيلبرت اكتفى بالابتسام ورفع يده مشيرًا له بالصمت أمام لوحة الملك الراحل.
“شـش…” لم يستطع غيلبرت كتم ابتسامته وهو يقاطعه.
تنحنح غيلبرت، ونطق الكلمة بوضوحٍ وجديةٍ: “الصوفيّون.”
كانوا يتقدمون وراء تورموند الأول، الذي يرفع رمحه ويصرخ بشراسة.
من هيئته، بدا وكأنه يندفع إلى الأمام في هجومٍ عنيف.
“نعم.”
“لوسارك كولفين هو رسّام لوحات شهير في عهد مينديس الثالث. تسعى لوحاته إلى تصوير روح كل شخصية وحيويتها بأفضل شكل، من خلال الدمج بين التاريخ والبيئة والحركة.”
الفرسان خلفه كلهم جرحى — بعضهم يرفع درعه ويتقدم، وبعضهم يغرق في الدماء، وبعض دروعهم ممزقة، وبعضهم يتوازنون فوق خيولهم، وبعضهم فقد ذراعه تمامًا.
أما ’الإمبراطورية الأخيرة‘ التي عاش فيها تورموند، فلم تكن سوى دولةٍ أسسها لاجئو الإمبراطورية السابقة، واتخذت اسم الإمبراطورية فقط.
كان تاليس قد شاهد عددًا من المسرحيات في قاعة الليل المُظلم بجانب السوق الكبير، رغم أن تركيزه في الغالب كان منصبًا على كيفية سرقة النقود من جيوب الجمهور المذهول بالمشهد.
“منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وبعد أن أدرك البشر قواهم الخارقة، ظهر عدد كبير من النخب من الفئة العليا والفئة الفائقة. وقد ازدادت قوة جيوشهم وتجهيزاتهم باستمرار. وبعد سنواتٍ طويلة من الاحتكاك والحروب والتحالفات، أي قبل حوالي ألفين ومئتي عام، اتحد البشر أخيرًا في كيانٍ واحد. وعلى مدى أعوامٍ متتالية، حققوا انتصاراتٍ متواصلة في حروبهم ضد الأجناس الأخرى، وأصبحوا حكّام العالم المعروف في القارة.”
“نعم.”
عند سماع ذلك، رفع تاليس رأسه ونظر بعناية إلى اللوحة التي تتوسط الجدار — فارسٌ شاب يحمل رمحًا وهو ممتطٍ حصانه، تتدلّى من تاجه نجمة سباعية الرؤوس.
في ذاكرة تاليس الضبابية، كان في تلك المسرحية المجنونة ذاك الرجل الذي يحمل المنجل والسلاسل — الملقّب بـ “الـكارثة” — يذبح الكثير من الكائنات الحيّة حتى هُزم أخيرًا باتحاد العالم بأسره ضده.
“سيدي الشاب”، قال غيلبرت بصرامة، “إن تعثّر حظّك وواجهت يومًا صوفيًّا، فاحفظ نفسك أولًا، ثم التمس العون… لدينا وسيلةٌ صُمّمت بناءً على نقاط ضعفهم لمواجهتهم بها.”
كان تاليس قد شاهد عددًا من المسرحيات في قاعة الليل المُظلم بجانب السوق الكبير، رغم أن تركيزه في الغالب كان منصبًا على كيفية سرقة النقود من جيوب الجمهور المذهول بالمشهد.
وإن كانوا عصيّيَ المنطق، فلماذا احتاجوا إلى أتباع ومؤمنين كالتجسيد الحقيقي؟
أما ’الإمبراطورية الأخيرة‘ التي عاش فيها تورموند، فلم تكن سوى دولةٍ أسسها لاجئو الإمبراطورية السابقة، واتخذت اسم الإمبراطورية فقط.
(“لحسن الحظ، أنهم لم يرددوا شيئًا مثل ’الليل الطويل يقترب، والشر في كل مكان‘… هيه، ريان، انتبه قليلًا. ذلك الرجل الثريّ على وشك أن يستدير!” – قالها الطفل المتسوّل، تاليس، وهو يشاهد المسرحية).
الدماء والظلام هما اللونان الطاغيان.
من هيئته، بدا وكأنه يندفع إلى الأمام في هجومٍ عنيف.
(معركة الإبادة… انتظر، البحر الفاصل بين شبهَي الجزيرة يُدعى بحر الإبادة؟)
وما زال يتذكّر الكلمات المرعبة التي نطق بها الراوي بصوتٍ يشبه نعيق الغراب:
“ثمّ سُمِّي الجزء الغربي كاليمدور—”
زفر بعمق. “بعد معركة الإبادة، تم حجب كلّ ما يتعلّق بالكوارث من معلوماتٍ ومصادر، وحُظِر تداولها. كان ذلك اتفاقًا غير معلنٍ بين التجسدات والشياطين والبشر، كما كان وسيلةً لئلّا يتزايد عددهم.
وإن كانت طرائق تفكيرهم مختلفةً تمامًا عن البشر، فلماذا أرادوا شنّ حربٍ؟ أليغزُو العالم؟ أيّ مزحةٍ هذه؟
تنفس غيلبرت بعمق وارتسمت على وجهه ابتسامة حنين.
