عش من أجل الكوكبة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لست مستعدًا للعب هذه الألعاب، الألعاب التي يستطيع الناس فيها الضحك والحديث وكأن شيئًا لم يكن، فيما تُزهَق الأرواح في أي لحظة.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
كان هناك تجويفٌ آخر، لكنه خالٍ من الجرار الكبيرة. لم يكن فيه سوى جرتين صغيرتين.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وحينئذٍ، كأن صورة آسدا طافت أمام عينيه، بابتسامته الغامضة وهو يقول له:
Arisu-san
“عائلة جيدستار وُلدت لتحمل مصير الكوكبة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
[سيف الضوء المعكوس، الأمير الثاني، هوراس م. إ. جيدستار، 623-660]
الفصل 56: عش من أجل الكوكبة.
هيئةٌ ضخمةٌ تكسوها عباءةٌ زرقاءُ بلون السماء المرصعة بالنجوم وقفت أمام أحد الأعمدة، مُدبِرةً بظهرها إلى تاليس. كان في واجهة العمود تجويفٌ منحوتٌ كالمغارة، وفي داخله وُضِعت جرتان حجريتان كبيرتان جنبًا إلى جنب، وإلى جوارهما ستُّ جرارٍ صغيرة.
….
“هو الوحيد من عائلتنا الذي بلغ الفئة الفائقة، وكان يحمل لقبًا مهيبًا. كان أبي يتباهى قائلًا إن العائلة المالكة أخيرًا أنجبت ثالث فارسٍ من تلك الفئة بعد «حافظ القَسَم» ميدير الرابع، و«عدوّ الذئاب» الأمير كيرا.”
كانت الغرفة الحجريةُ هذه فسيحةً إلى حدٍّ يُثير الدهشة، حتى إنَّ أكثر من عشرين عمودًا ضخمًا لم تُزاحم سَعتها، بل ظلَّت تتنفَّس رهبةَ الصمت في فضائها العميق.
ثم انتقل نظره إلى الجرة التالية.
لكن لم يكن فيها نافذةٌ واحدة، بل بضعة ثقوبٍ سوداء كبيرة في السقف تؤدّي دور فتحاتِ تهويةٍ خافتةٍ تُصدر همسًا باردًا من الظلال.
“ظلّ ميدير مبتسمًا، وكنت الأقرب إليه، لكنني شعرت أنه بات أكثر تعاسة. وبعد عودة هوراس من برج الإبادة صار دموِيًّا، دائم السعي للتفاخر أمام أبي. لا زلت أذكر كيف وبّخني خمس دقائق كاملة في مؤتمرٍ إمبراطوريٍّ فقط لأنني ذهبتُ إلى سوق الشارع الأحمر. أما بانكروفت، فلم يُعر نزاعاتنا اهتمامًا، لكنه كان يغيّر طريقه كلّما رآنا الأربعة معًا. وهرمان… كان يتبع هوراس كظلٍّ تابعٍ له. تلك الابتسامة التي لا تفارقه كانت تثير اشمئزازي.”
كان الجوُّ قاتمًا إلى درجةٍ تُثير القشعريرة. حدّق تاليس مذهولًا في المشهد الماثل أمامه، وقد خيّم عليه شعورٌ غامض بين الرهبة والدهشة.
“لا.”
هيئةٌ ضخمةٌ تكسوها عباءةٌ زرقاءُ بلون السماء المرصعة بالنجوم وقفت أمام أحد الأعمدة، مُدبِرةً بظهرها إلى تاليس. كان في واجهة العمود تجويفٌ منحوتٌ كالمغارة، وفي داخله وُضِعت جرتان حجريتان كبيرتان جنبًا إلى جنب، وإلى جوارهما ستُّ جرارٍ صغيرة.
ضرب الملك صولجانه بالأرض بقوّةٍ مفاجئة، فارتجّ تاليس من الذهول.
انبعث صوتٌ عميقٌ مهيب من ذلك الرجل.
[الابن الأكبر للملك، لوثر ك. ك. جيدستار، 659-660]
“هنا يرقد جدُّك، آيدي جيدستار. صراحةً، لم أكن أحبُّ أن أكون في الغرفة ذاتها معه. كان نظرُه إليّ دومًا حافلًا بالخيبة والعتاب. بعد وفاة أمي، صرت أتجنَّب لقاءه أكثر فأكثر.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ذلك الصوت لم يكن غريبًا تمامًا على تاليس، وإن لم يكن بينهما ألفةٌ تُذكر.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“اقترب.”
“لكن علاقته بأخي الأكبر كانت سيئة. أثناء لعب الشطرنج، كان يستخدم قوّة الإبادة ليقذف أحجار ميدير خلسةً، ومع ذلك لم يتمكن يومًا من هزيمة ابتسامته الهادئة. لطالما قال لنا: لو لم أولد بعده بعامٍ فقط، لكنت أنا وليّ العهد!”
استنشق تاليس نفسًا عميقًا وضبط مشاعره، ثم خطا نحو الرجل الذي يُدعى أباه — ملك الكوكبة الأعلى، كيسل جيدستار.
رمقه كيسل بنظرةٍ عميقةٍ متقلّبة، وقد بدا في تلك اللحظة مختلفًا عن الملك المتجبّر المعتاد، وجهُه يحمل تعبيرًا معقّدًا غريبًا.
كان ملك اليد الحديدية، كيسل الخامس يرتدي تاج النجمة التساعية، وفي يده اليمنى مصباحٌ أبدي، أما اليسرى فقبضت على صولجانٍ مرصّعٍ بالكريستال يشعُّ طرفُه ببريقٍ حادٍّ كالنصل.
“أما لوثر، فكان هادئًا مطيعًا لا يبكي أبدًا. كان هذا أمرًا سيئًا، لأننا لم نكن نعرف متى يجوع.”
التفت الملك ونظر إلى تاليس، فكانت نظرةُ عينيه الحادّتين كأنّها تخترق صدر الفتى وتحبس أنفاسه.
دَمدمة!
“منذ عهد ملكنا الثاني، جون الأول، جميعُ الملوك والملكات الأعلون في الكوكبة دُفنوا بعد موتهم وحرقت أجسادهم في هذه الغرفة الحجرية.”
“هنا سيكون مدفني… رغم وجود هاتين الجرتين سلفًا.” قال كيسل بوضوح وهو ينحني ويداعب جرتين حجريتين دون أي تعبير على وجهه.
كان صوت كيسل خفيضًا عميقًا، كأنّه يخشى أن يُوقظ شيئًا ما من سباته.
[الابنة الكبرى للملك، كونستانس ن. إ. جيدستار، 642-660]
مدّ يده ووضعها على الجرة الحجرية الكبيرة الواقعة إلى اليسار، حيث نُقِش اسمٌ عليها.
“كان بانكروفت مولعًا بالرسم والنحت على وجه الخصوص. نصف تمويل قسم الفنون والثقافة في معهد البحوث الوطني كان من تبرعاته. لكنه كان أيضًا مغرورًا إلى حدٍّ فاضح، لا يضاهيه في الغرور سوى حبه للمال. كنّا نقول دائمًا إنه ينبغي أن يتزوج من عائلة سيوكادر، فحتى مهر الزواج وحده يكفيه لينفق به عمره كله. وفي النهاية، حين زار الجزر الجنوبية، فعلها فعلًا — تزوج فتاةً من آل سيوكادر بعد أن تقدّم إليها برسمٍ رسمه بيده.”
[ملك الحكم الأبدي، الملك آيدي ل. ك. جيدستار، 595-660]
“أما لوثر، فكان هادئًا مطيعًا لا يبكي أبدًا. كان هذا أمرًا سيئًا، لأننا لم نكن نعرف متى يجوع.”
ثم أدار بصره نحو الجرة الأخرى على اليمين، وقد كُتِب عليها اسمٌ آخر.
رمقه كيسل بنظرةٍ عميقةٍ متقلّبة، وقد بدا في تلك اللحظة مختلفًا عن الملك المتجبّر المعتاد، وجهُه يحمل تعبيرًا معقّدًا غريبًا.
“كانت هذه أمي. رحلت حين كنت في الخامسة عشرة.”
تملّكه خوفٌ خفيّ.
[الملكة ناتالي ج. ف. جيدستار، 604-642]
[الابن الأكبر للملك، لوثر ك. ك. جيدستار، 659-660]
مرّر الملك الأعلى اطراف اصابعه فوق الجرار الصغيرة، وبدت على وجهه تعابيرُ معقدة لا يُفكُّ مغزاها.
“هنا سيكون مدفني… رغم وجود هاتين الجرتين سلفًا.” قال كيسل بوضوح وهو ينحني ويداعب جرتين حجريتين دون أي تعبير على وجهه.
“أما أبناءُ الملك وبناته الذين لم يرثوا التاج ولم يُغيّروا لقبهم، فإنهم يرقدون في هذه الجرار الصغيرة.”
تنفّس تاليس بعمقٍ وأغمض عينيه، متخيّلًا عمّتَه الأميرة التي رحلت عن الحياة في الثامنة عشرة من عمرها.
اتّسعت عينا تاليس بدهشةٍ مكتومة، وأدار رأسه ببطء، فرأى على كلِّ جانبٍ من الأعمدة جرارًا ضخمةً اثنتين، وأحيانًا بجانبهما جرارٌ صغيرة.
تابع الملك بصوتٍ تلوّنه الذكرى،
(أهذا إذًا مَثوى العائلة الملكية؟)
[ملك الحكم الأبدي، الملك آيدي ل. ك. جيدستار، 595-660]
خفض كيسل رأسه وحدّق في إحدى الجرار الصغيرة، فتبعه تاليس بنظره.
حدّق تاليس في الجرتين الصغيرتين بأسنانه المشدودة ويديه المرتجفتين.
[ملك الحرب النجمية، محرّر زودرا، دوق بحيرة النجم، جون ل. ك. جيدستار، 613-660]
[الملكة ناتالي ج. ف. جيدستار، 604-642]
“هذا هو العم جون، الرجل الوحيد من عائلتنا الذي جاب العالم.”
رفع كيسل صولجانه وحدّق في اللهيب المتراقص داخل المصباح الأبدي.
تابع الملك بصوتٍ تلوّنه الذكرى،
(هذان… أختي الكبرى وأخي الأكبر؟)
“كان أصغر إخوة أبي، وربّته أمي تقريبًا بمفردها. لذلك أصررت على أن يُدفن إلى جانبها في مغارة أبي.”
ضرب الملك صولجانه بالأرض بقوّةٍ مفاجئة، فارتجّ تاليس من الذهول.
“كان واسع التجربة، بارعًا في القتال، ساخرًا محبوبًا. لم يكن أحدٌ يجاريه في الدعابة.”
استدار كيسل أخيرًا، وحدّق فيه بعينيه الزرقاوين الحادّتين اللتين تشبهان السماء في وهجها وجمودها.
“حين كنتُ صغيرًا، كنتُ وإخوتي التوأم نتبعه أينما ذهب، نستمع لقصصه عن غرامه بأميرة سلالة الفجر والظلام… حتى فضحته أمي ببرود. حينها، ظننتُ أنه أعظمُ رجلٍ في العالم.”
“لا بأس. في ذلك العام، لم أكن مستعدًا أنا أيضًا.”
ابتسم كيسل للحظةٍ خفيفةٍ وهو يُمرّر يده على الجرة، ففوجئ تاليس بذلك الوجه الجامد وهو يلين للحظةٍ نادرة.
“اقترب.”
“لقد أغضب زواجه أبي غضبًا شديدًا. يا إلهي، لقد تزوّج فارسةً من الفئة الفائقة! في يوم زفافه، حين عانقها وقبّلها أمام الحضور، أظنّه رفع قدميه عن الأرض من شدّة الفرح.
[الأمير الرابع، هرمان ن. إ. جيدستار، 624-660]
بعد أن مُنح لقب الدوق، كان كثيرَ الزيارة للعاصمة، يجلب من حينٍ لآخر هدايا صغيرة لكونستانس الصغيرة. لكن بعد وفاة زوجته، لم أرَ الابتسامةَ على وجهه قط.”
انبعث صوتٌ عميقٌ مهيب من ذلك الرجل.
تملّك الصمتُ تاليس حتى كاد يخشى أن يتنفس. أما كيسل، فقد غرق في بحرٍ من الذكريات قبل أن يلتفت بعد دقيقةٍ ثقيلة.
تابع الملك بصوتٍ تلوّنه الذكرى،
رمق جرةً أخرى بتعبيرٍ متجهّم.
خفض رأسه وبدا عليه هدوءٌ حزين.
“هذا أخي الأكبر، ميدير. كان من المفترض أن يرث التاج.”
وحينئذٍ، كأن صورة آسدا طافت أمام عينيه، بابتسامته الغامضة وهو يقول له:
[الابن الأكبر للملك، وليّ العهد، ميدير ت. إ. جيدستار، 622-660]
خفض كيسل رأسه وحدّق في إحدى الجرار الصغيرة، فتبعه تاليس بنظره.
“كانت علاقته بأبي الأقرب، وهو الوحيد القادر على مجاراته في الشطرنج. قليلُ الكلام، ودائمُ الابتسام وهو يراقب عبثنا نحن الإخوة. كان ذكيًّا محبوبًا، وقال الجميع إنه أفضل وليٍّ للعهد. كان أيضًا الأخ الأقرب إلى قلبي.”
استنشق تاليس نفسًا عميقًا وضبط مشاعره، ثم خطا نحو الرجل الذي يُدعى أباه — ملك الكوكبة الأعلى، كيسل جيدستار.
“ذات ليلة، وكنتُ في السادسة عشرة، رأيتُه صدفةً عائدًا من غرفة إحدى الخادمات، جالسًا في ساحة القصر يحتسي الخمر بوجهٍ كئيب. تعجّبت حينها… ألَهُ لحظاتُ ضعفٍ أيضًا؟ والآن، أدركتُ سببها.”
تحدث كيسل الخامس بتهكّمٍ ممزوجٍ بالكراهية، وهو يلفظ كل كلمةٍ بثقل.
حدّق تاليس في الجرة، فخطر له ما سمعه عن ميدير جيدستار.
رمق جرةً أخرى بتعبيرٍ متجهّم.
(إذًا هو من أنقذ جينيس… ذاك الذي يكنّ له غيلبرت الاحترام، والذي قال يودل إن عليّ أن أكون أفضل منه.)
[سيف الضوء المعكوس، الأمير الثاني، هوراس م. إ. جيدستار، 623-660]
ثم انتقل نظره إلى الجرة التالية.
ساد الصمت بينهما في الحجرة الفارغة لوقتٍ طويل.
[سيف الضوء المعكوس، الأمير الثاني، هوراس م. إ. جيدستار، 623-660]
مدّ يده ووضعها على الجرة الحجرية الكبيرة الواقعة إلى اليسار، حيث نُقِش اسمٌ عليها.
“هذا هوراس. لا يزال صاحب الرقم القياسي في سرعة السيف في برج الإبادة منذ أيام دراسته، ولم يُحطَّم رقمه بعد.”
ألقى الملك نظرةً إلى الجرار الستّ الصغيرة، وخفت بريق عينيه.
نقر بأصبعه على الجرة ببرودٍ وقال ساخرًا،
“حين كنّا صغارًا، كان الاثنان يتشاجران بلا انقطاع على مائدة الطعام، وكانا كابوسَ عائلتنا بأسرها. كان ميدير يمزح قائلًا إن هوراس ربما التحق ببرج الإبادة من شدّة رعبه منهما.”
“هو الوحيد من عائلتنا الذي بلغ الفئة الفائقة، وكان يحمل لقبًا مهيبًا. كان أبي يتباهى قائلًا إن العائلة المالكة أخيرًا أنجبت ثالث فارسٍ من تلك الفئة بعد «حافظ القَسَم» ميدير الرابع، و«عدوّ الذئاب» الأمير كيرا.”
“هو الوحيد من عائلتنا الذي بلغ الفئة الفائقة، وكان يحمل لقبًا مهيبًا. كان أبي يتباهى قائلًا إن العائلة المالكة أخيرًا أنجبت ثالث فارسٍ من تلك الفئة بعد «حافظ القَسَم» ميدير الرابع، و«عدوّ الذئاب» الأمير كيرا.”
“لكن علاقته بأخي الأكبر كانت سيئة. أثناء لعب الشطرنج، كان يستخدم قوّة الإبادة ليقذف أحجار ميدير خلسةً، ومع ذلك لم يتمكن يومًا من هزيمة ابتسامته الهادئة. لطالما قال لنا: لو لم أولد بعده بعامٍ فقط، لكنت أنا وليّ العهد!”
“هذا أخي الأكبر، ميدير. كان من المفترض أن يرث التاج.”
صمت لحظة، ثم أضاف:
ابتسم كيسل للحظةٍ خفيفةٍ وهو يُمرّر يده على الجرة، ففوجئ تاليس بذلك الوجه الجامد وهو يلين للحظةٍ نادرة.
“قبل وفاته بشهر، تلقّى دعوةً من برج الإبادة ليصبح وريثًا هناك. لو قُدّر له النجاح، لكان واحدًا من ثمانية ورثةٍ فائقين في البرج.”
نقر بأصبعه على الجرة ببرودٍ وقال ساخرًا،
ثم التفت نحو جرتين متجاورتين.
“ما زلت أذكر حين وُلدت ليديا، حملتها بين ذراعي، وكنت أكثر حيرةً منها. بعد أن كبرت قليلًا، صارت تركض في كل مكان، لا تهدأ لحظة.”
“هذان بانكروفت وهرمان، أخواي التوأم. يُقال إن خادمةً حمقاءَ خلطت بين ترتيبهما، فاحتدم الجدل بين الطبيبَين حول أيهما وُلد أولًا. لم يحتمل أبي المشهد، فقامت أمي بحلّ الخلاف بقطعة نقدٍ معدنية — إن ظهر وجه تورموند الأول، فسيكون بانكروفت الثالث وهرمان الرابع.”
نقر بأصبعه على الجرة ببرودٍ وقال ساخرًا،
“تلك القطعة الآن محفوظةٌ في جرة أمي، إلى جانب ورقة واجب السياسة التي نال فيها ميدير العلامة الكاملة، وكأس هوراس الأولى في المبارزة، وقطعة القماش التي لُففنا بها أنا وكونستانس ساعة الولادة.”
فتح تاليس عينيه، وأصغى لأنفاس الملك الثقيلة، متسائلًا عن دوافعه لهذا اللقاء اليوم.
اقترب تاليس بخطواتٍ وئيدة ونظر إلى الجرتين الصغيرتين.
تحدث الفتى بخيبةٍ صادقة.
[الأمير الثالث، بانكروفت ن. إ. جيدستار، 624-660]
“اقترب.”
[الأمير الرابع، هرمان ن. إ. جيدستار، 624-660]
“أن أصرخ عن الموت من أجل الوطن… هذا يبدو وكأنني على وشك خوض حرب.”
“حين كنّا صغارًا، كان الاثنان يتشاجران بلا انقطاع على مائدة الطعام، وكانا كابوسَ عائلتنا بأسرها. كان ميدير يمزح قائلًا إن هوراس ربما التحق ببرج الإبادة من شدّة رعبه منهما.”
خفض رأسه وبدا عليه هدوءٌ حزين.
“كان بانكروفت مولعًا بالرسم والنحت على وجه الخصوص. نصف تمويل قسم الفنون والثقافة في معهد البحوث الوطني كان من تبرعاته. لكنه كان أيضًا مغرورًا إلى حدٍّ فاضح، لا يضاهيه في الغرور سوى حبه للمال. كنّا نقول دائمًا إنه ينبغي أن يتزوج من عائلة سيوكادر، فحتى مهر الزواج وحده يكفيه لينفق به عمره كله. وفي النهاية، حين زار الجزر الجنوبية، فعلها فعلًا — تزوج فتاةً من آل سيوكادر بعد أن تقدّم إليها برسمٍ رسمه بيده.”
حدّق تاليس في الجرة، فخطر له ما سمعه عن ميدير جيدستار.
“أما هرمان، فكان الأوسم بيننا جميعًا، ماهرًا في الشعر والموسيقى. كانت الفتيات كلهن، من العامة والنبلاء، يُفضِّلنه على سائر إخوتي. كلما سار في الشوارع تبعته الصرخات والزهور. لذلك كان خيار أبي الأول لقيادة وفد الكوكبة إلى مملكة الشجرة المقدسة. لسوء الحظ، لم يفلح في الزواج من إلف، وإلا ربما كان أبي قد سلّمه التاج لتقوية دمنا الإلفي المتحدّر منذ عهد ميدير الرابع…”
رفع كيسل صولجانه وحدّق في اللهيب المتراقص داخل المصباح الأبدي.
رفع كيسل صولجانه وحدّق في اللهيب المتراقص داخل المصباح الأبدي.
“لقد أغضب زواجه أبي غضبًا شديدًا. يا إلهي، لقد تزوّج فارسةً من الفئة الفائقة! في يوم زفافه، حين عانقها وقبّلها أمام الحضور، أظنّه رفع قدميه عن الأرض من شدّة الفرح.
“كنّا نحن الخمسة مقرّبين للغاية. ما زلت أذكر كيف خضنا ونحن صغار قتالًا جماعيًا في القصر ضد ثلاثة أمراءٍ من سلالة الفجر والظلام. كان هوراس مسؤولًا عن الهجوم، وميدير عن الدفاع — وكان يدافع عني تحديدًا. أما التوأمان فهاجما من الجانبين. لكن حين كبرنا، تغيّر كل شيء.”
“لا أعلم كم تعرف عنّا، وما الصورة التي رسمتها في ذهنك عن اسم جيدستار.”
“ظلّ ميدير مبتسمًا، وكنت الأقرب إليه، لكنني شعرت أنه بات أكثر تعاسة. وبعد عودة هوراس من برج الإبادة صار دموِيًّا، دائم السعي للتفاخر أمام أبي. لا زلت أذكر كيف وبّخني خمس دقائق كاملة في مؤتمرٍ إمبراطوريٍّ فقط لأنني ذهبتُ إلى سوق الشارع الأحمر. أما بانكروفت، فلم يُعر نزاعاتنا اهتمامًا، لكنه كان يغيّر طريقه كلّما رآنا الأربعة معًا. وهرمان… كان يتبع هوراس كظلٍّ تابعٍ له. تلك الابتسامة التي لا تفارقه كانت تثير اشمئزازي.”
تملّكه خوفٌ خفيّ.
توقّف كيسل عن الكلام، وغابت الابتسامة عن وجهه.
(إذًا هو من أنقذ جينيس… ذاك الذي يكنّ له غيلبرت الاحترام، والذي قال يودل إن عليّ أن أكون أفضل منه.)
“لكن لم يَعُد أيٌّ من ذلك مهمًّا. فهم الآن مجتمعون هنا من جديد.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
تقدّم الملك بخطواتٍ ثقيلة نحو آخر جرةٍ صغيرة. خفض تاليس رأسه وأحكم قبضته ببطء.
ابتلع تاليس ريقه بصعوبة، محاولًا كسر وطأة الجوّ الخانق بابتسامةٍ مجهدة.
[الابنة الكبرى للملك، كونستانس ن. إ. جيدستار، 642-660]
“هذان الطفلان سبّبا لكيا وجينيس قلقًا كبيرًا. أما أنا، فكنت دائم السرور لأنني لم أكن مضطرًّا لفعل شيء.”
“هذه كونستانس، أختُنا الصغيرة.” ثم خفض رأسه، كأن الكلمات تُثقل صدره. “كانت الإجماعَ الوحيد بيننا نحن الخمسة. كنّا مستعدين للتضحية بكل شيءٍ في سبيل سعادتها وابتسامتها.”
تنفّس تاليس بعمقٍ وأغمض عينيه، متخيّلًا عمّتَه الأميرة التي رحلت عن الحياة في الثامنة عشرة من عمرها.
“لست مستعدًا للعب هذه الألعاب، الألعاب التي يستطيع الناس فيها الضحك والحديث وكأن شيئًا لم يكن، فيما تُزهَق الأرواح في أي لحظة.”
“عائلة جيدستار وُلدت لتحمل مصير الكوكبة.”
رمق جرةً أخرى بتعبيرٍ متجهّم.
فتح تاليس عينيه، وأصغى لأنفاس الملك الثقيلة، متسائلًا عن دوافعه لهذا اللقاء اليوم.
لكن الملك ظلّ يرمقه بنظرةٍ لاهبةٍ لا تتزحزح.
ساد الصمت بينهما في الحجرة الفارغة لوقتٍ طويل.
“أترى؟ هذا ما أعدّه القدر لي.”
دَمدمة!
(هذان… أختي الكبرى وأخي الأكبر؟)
ضرب الملك صولجانه بالأرض بقوّةٍ مفاجئة، فارتجّ تاليس من الذهول.
“ظلّ ميدير مبتسمًا، وكنت الأقرب إليه، لكنني شعرت أنه بات أكثر تعاسة. وبعد عودة هوراس من برج الإبادة صار دموِيًّا، دائم السعي للتفاخر أمام أبي. لا زلت أذكر كيف وبّخني خمس دقائق كاملة في مؤتمرٍ إمبراطوريٍّ فقط لأنني ذهبتُ إلى سوق الشارع الأحمر. أما بانكروفت، فلم يُعر نزاعاتنا اهتمامًا، لكنه كان يغيّر طريقه كلّما رآنا الأربعة معًا. وهرمان… كان يتبع هوراس كظلٍّ تابعٍ له. تلك الابتسامة التي لا تفارقه كانت تثير اشمئزازي.”
“لا أعلم كم تعرف عنّا، وما الصورة التي رسمتها في ذهنك عن اسم جيدستار.”
“تعيش من أجل الكوكبة.”
كان صوت كيسل الخامس منخفضًا صارمًا خاليًا من أي عاطفةٍ أبوية.
وضع كيسل المصباح الأبدي أرضًا، وأخفى وجهه في الظلال، ولم يَبقَ مرئيًّا سوى حركة شفتيه المائلة إلى الأعلى بابتسامةٍ واهنة.
“لكن هذا اللقب ليس امتيازًا مريحًا. إنّه يرمز إلى المجد، والتاريخ، والقوّة. والأهمّ… إلى التضحية.”
[الأمير الرابع، هرمان ن. إ. جيدستار، 624-660]
لم يجد تاليس ما يقوله، فكلّ ردٍّ بدا له خطأ.
تقدّم الملك بخطواتٍ ثقيلة نحو آخر جرةٍ صغيرة. خفض تاليس رأسه وأحكم قبضته ببطء.
استدار كيسل أخيرًا، وحدّق فيه بعينيه الزرقاوين الحادّتين اللتين تشبهان السماء في وهجها وجمودها.
لكن لم يكن فيها نافذةٌ واحدة، بل بضعة ثقوبٍ سوداء كبيرة في السقف تؤدّي دور فتحاتِ تهويةٍ خافتةٍ تُصدر همسًا باردًا من الظلال.
“هل أنت مستعد؟ بعد أن تُمنح لقب جيدستار… لتقاتل من أجل الكوكبة، تموت من أجل الكوكبة، و…”
[سيف الضوء المعكوس، الأمير الثاني، هوراس م. إ. جيدستار، 623-660]
ألقى الملك نظرةً إلى الجرار الستّ الصغيرة، وخفت بريق عينيه.
ابتلع تاليس ريقه بصعوبة، محاولًا كسر وطأة الجوّ الخانق بابتسامةٍ مجهدة.
“تعيش من أجل الكوكبة.”
“ظلّ ميدير مبتسمًا، وكنت الأقرب إليه، لكنني شعرت أنه بات أكثر تعاسة. وبعد عودة هوراس من برج الإبادة صار دموِيًّا، دائم السعي للتفاخر أمام أبي. لا زلت أذكر كيف وبّخني خمس دقائق كاملة في مؤتمرٍ إمبراطوريٍّ فقط لأنني ذهبتُ إلى سوق الشارع الأحمر. أما بانكروفت، فلم يُعر نزاعاتنا اهتمامًا، لكنه كان يغيّر طريقه كلّما رآنا الأربعة معًا. وهرمان… كان يتبع هوراس كظلٍّ تابعٍ له. تلك الابتسامة التي لا تفارقه كانت تثير اشمئزازي.”
توقّف تنفّس تاليس لحظة، ثم صار أثقل وأشدّ اضطرابًا.
“كان بانكروفت مولعًا بالرسم والنحت على وجه الخصوص. نصف تمويل قسم الفنون والثقافة في معهد البحوث الوطني كان من تبرعاته. لكنه كان أيضًا مغرورًا إلى حدٍّ فاضح، لا يضاهيه في الغرور سوى حبه للمال. كنّا نقول دائمًا إنه ينبغي أن يتزوج من عائلة سيوكادر، فحتى مهر الزواج وحده يكفيه لينفق به عمره كله. وفي النهاية، حين زار الجزر الجنوبية، فعلها فعلًا — تزوج فتاةً من آل سيوكادر بعد أن تقدّم إليها برسمٍ رسمه بيده.”
(أن أقاتل من أجل الكوكبة… أن أموت من أجلها… أن أعيش من أجلها؟ هذا الترتيب…)
تحدث الفتى بخيبةٍ صادقة.
تملّكه خوفٌ خفيّ.
خفض رأسه وبدا عليه هدوءٌ حزين.
(إذن، بالنسبة لعائلة جيدستار… العيش أصعب من القتال والموت.)
“لأنهما سيبقيان هنا دائمًا. لا بكاء، لا صراخ، لا جري… إلى الأبد.”
كان الملك ينظر إليه بنظرة ثابتة. “أنتظر ردك”، نطق الملك كل كلمة ببطء.
كان صوت كيسل خفيضًا عميقًا، كأنّه يخشى أن يُوقظ شيئًا ما من سباته.
(لا مجال للشكّ… ولا موضع للعصيان.)
“لأنهما سيبقيان هنا دائمًا. لا بكاء، لا صراخ، لا جري… إلى الأبد.”
ابتلع تاليس ريقه بصعوبة، محاولًا كسر وطأة الجوّ الخانق بابتسامةٍ مجهدة.
ألقى الملك نظرةً إلى الجرار الستّ الصغيرة، وخفت بريق عينيه.
“أن أصرخ عن الموت من أجل الوطن… هذا يبدو وكأنني على وشك خوض حرب.”
[الابن الأكبر للملك، وليّ العهد، ميدير ت. إ. جيدستار، 622-660]
لكن الملك ظلّ يرمقه بنظرةٍ لاهبةٍ لا تتزحزح.
استجمع تاليس أنفاسه ثلاث مرات، وفتح عينيه وتحدث بنبرةٍ واهنةٍ يائسة.
(حسنًا إذن…)
Arisu-san
استجمع تاليس أنفاسه ثلاث مرات، وفتح عينيه وتحدث بنبرةٍ واهنةٍ يائسة.
هيئةٌ ضخمةٌ تكسوها عباءةٌ زرقاءُ بلون السماء المرصعة بالنجوم وقفت أمام أحد الأعمدة، مُدبِرةً بظهرها إلى تاليس. كان في واجهة العمود تجويفٌ منحوتٌ كالمغارة، وفي داخله وُضِعت جرتان حجريتان كبيرتان جنبًا إلى جنب، وإلى جوارهما ستُّ جرارٍ صغيرة.
“لا.”
قبض فجأةً على كتف تاليس بقوّةٍ موجعة. تأوّه الفتى في صمتٍ، متذكّرًا جرحه القديم في كتفه اليسرى، لكنه كتم الألم.
انعقد حاجبا كيسل قليلًا.
انبعث صوتٌ عميقٌ مهيب من ذلك الرجل.
تحدث الفتى بخيبةٍ صادقة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“قبل مغادرتي سوق الشارع الأحمر، لم يكن ما فعلتُه سوى صراعٍ من أجل البقاء… البقاء في هذا العالم اللعين. لم أفكر يومًا بما يحدث الآن — بالعائلة المالكة، بالمؤامرات، بالميراث، بكل هذا.”
[الابنة الكبرى للملك، ليديا ج. ك. جيدستار، 656-660]
“لست مستعدًا للعب هذه الألعاب، الألعاب التي يستطيع الناس فيها الضحك والحديث وكأن شيئًا لم يكن، فيما تُزهَق الأرواح في أي لحظة.”
لم يجد تاليس ما يقوله، فكلّ ردٍّ بدا له خطأ.
“أنا أكثر ألفةً مع المنازل المتهالكة والأسِرّة القاسية، مع التلوي في الزوايا جائعًا ومرتجفًا. اعتدت الكفاح من أجل بقاء أصدقائي وبقائي. لست معتادًا على الجلوس في الغرف الفاخرة للأكل والشرب بينما تُنسَج المؤامرات وتُزهَق الأرواح وتُدار الحروب بوجوهٍ جامدة.”
لكن لم يكن فيها نافذةٌ واحدة، بل بضعة ثقوبٍ سوداء كبيرة في السقف تؤدّي دور فتحاتِ تهويةٍ خافتةٍ تُصدر همسًا باردًا من الظلال.
خفض رأسه وبدا عليه هدوءٌ حزين.
تحدث كيسل الخامس بتهكّمٍ ممزوجٍ بالكراهية، وهو يلفظ كل كلمةٍ بثقل.
“ولست مستعدًا بعد لأن أصبح تاليس جيدستار. كل ما حدث كان محض صدفة… لم أستعدّ له قط.”
اتّسعت عينا تاليس بدهشةٍ مكتومة، وأدار رأسه ببطء، فرأى على كلِّ جانبٍ من الأعمدة جرارًا ضخمةً اثنتين، وأحيانًا بجانبهما جرارٌ صغيرة.
وحينئذٍ، كأن صورة آسدا طافت أمام عينيه، بابتسامته الغامضة وهو يقول له:
تملّكه خوفٌ خفيّ.
“نعم، إنها حقًّا مجرّد صدفة.”
(لا مجال للشكّ… ولا موضع للعصيان.)
خيّم صمتٌ طويل.
[الابن الأكبر للملك، وليّ العهد، ميدير ت. إ. جيدستار، 622-660]
رمقه كيسل بنظرةٍ عميقةٍ متقلّبة، وقد بدا في تلك اللحظة مختلفًا عن الملك المتجبّر المعتاد، وجهُه يحمل تعبيرًا معقّدًا غريبًا.
حدّق تاليس في الجرة، فخطر له ما سمعه عن ميدير جيدستار.
“الكفاح من أجل البقاء… لك ولأصدقائك. هذا — على الأرجح — هو جوهر قدر عائلة جيدستار.”
وفي تلك اللحظة، دوّى جرسٌ طويلٌ ثقيلٌ من خارج الحجرة التي تضمّ ملوك الكوكبة جميعًا.
“لا بأس. في ذلك العام، لم أكن مستعدًا أنا أيضًا.”
(أن أقاتل من أجل الكوكبة… أن أموت من أجلها… أن أعيش من أجلها؟ هذا الترتيب…)
رفع تاليس رأسه مدهوشًا.
فتح تاليس عينيه، وأصغى لأنفاس الملك الثقيلة، متسائلًا عن دوافعه لهذا اللقاء اليوم.
تحدث كيسل الخامس بتهكّمٍ ممزوجٍ بالكراهية، وهو يلفظ كل كلمةٍ بثقل.
كان هناك تجويفٌ آخر، لكنه خالٍ من الجرار الكبيرة. لم يكن فيه سوى جرتين صغيرتين.
“والقدر… سيتولّى تجهيز كل شيءٍ من أجلك.”
كان هناك تجويفٌ آخر، لكنه خالٍ من الجرار الكبيرة. لم يكن فيه سوى جرتين صغيرتين.
دار بعباءته وانطلق بخطواتٍ واثقة، فتبع تاليس والده إلى جانب العمود الحجري.
“منذ عهد ملكنا الثاني، جون الأول، جميعُ الملوك والملكات الأعلون في الكوكبة دُفنوا بعد موتهم وحرقت أجسادهم في هذه الغرفة الحجرية.”
كان هناك تجويفٌ آخر، لكنه خالٍ من الجرار الكبيرة. لم يكن فيه سوى جرتين صغيرتين.
تملّك الصمتُ تاليس حتى كاد يخشى أن يتنفس. أما كيسل، فقد غرق في بحرٍ من الذكريات قبل أن يلتفت بعد دقيقةٍ ثقيلة.
“هنا سيكون مدفني… رغم وجود هاتين الجرتين سلفًا.” قال كيسل بوضوح وهو ينحني ويداعب جرتين حجريتين دون أي تعبير على وجهه.
ألقى الملك نظرةً إلى الجرار الستّ الصغيرة، وخفت بريق عينيه.
تجمّدت أفكار تاليس للحظةٍ خاطفة، وتذكّر حديث غيلبرت عن العام الدموي، ثم نظر إلى النقوش.
“كان أصغر إخوة أبي، وربّته أمي تقريبًا بمفردها. لذلك أصررت على أن يُدفن إلى جانبها في مغارة أبي.”
[الابنة الكبرى للملك، ليديا ج. ك. جيدستار، 656-660]
[ملك الحرب النجمية، محرّر زودرا، دوق بحيرة النجم، جون ل. ك. جيدستار، 613-660]
“ما زلت أذكر حين وُلدت ليديا، حملتها بين ذراعي، وكنت أكثر حيرةً منها. بعد أن كبرت قليلًا، صارت تركض في كل مكان، لا تهدأ لحظة.”
“لا.”
[الابن الأكبر للملك، لوثر ك. ك. جيدستار، 659-660]
“كنّا نحن الخمسة مقرّبين للغاية. ما زلت أذكر كيف خضنا ونحن صغار قتالًا جماعيًا في القصر ضد ثلاثة أمراءٍ من سلالة الفجر والظلام. كان هوراس مسؤولًا عن الهجوم، وميدير عن الدفاع — وكان يدافع عني تحديدًا. أما التوأمان فهاجما من الجانبين. لكن حين كبرنا، تغيّر كل شيء.”
وضع كيسل المصباح الأبدي أرضًا، وأخفى وجهه في الظلال، ولم يَبقَ مرئيًّا سوى حركة شفتيه المائلة إلى الأعلى بابتسامةٍ واهنة.
“أما أبناءُ الملك وبناته الذين لم يرثوا التاج ولم يُغيّروا لقبهم، فإنهم يرقدون في هذه الجرار الصغيرة.”
“أما لوثر، فكان هادئًا مطيعًا لا يبكي أبدًا. كان هذا أمرًا سيئًا، لأننا لم نكن نعرف متى يجوع.”
[الملكة ناتالي ج. ف. جيدستار، 604-642]
“هذان الطفلان سبّبا لكيا وجينيس قلقًا كبيرًا. أما أنا، فكنت دائم السرور لأنني لم أكن مضطرًّا لفعل شيء.”
حدّق تاليس في الجرة، فخطر له ما سمعه عن ميدير جيدستار.
وضع ملك الكوكبة الأعلى يديه على كتفي تاليس، فتجمّد الفتى في مكانه.
كان هناك تجويفٌ آخر، لكنه خالٍ من الجرار الكبيرة. لم يكن فيه سوى جرتين صغيرتين.
“لحسن الحظ، لم يعودا بحاجةٍ للقلق بشأن الأطفال بعد الآن.” كانت كلمات كيسل مرعبة للغاية.
“لأنهما سيبقيان هنا دائمًا. لا بكاء، لا صراخ، لا جري… إلى الأبد.”
تصلّب جسد تاليس، وشعر بقشعريرةٍ تزحف على جلده.
كان الملك ينظر إليه بنظرة ثابتة. “أنتظر ردك”، نطق الملك كل كلمة ببطء.
“لأنهما سيبقيان هنا دائمًا. لا بكاء، لا صراخ، لا جري… إلى الأبد.”
“أن أصرخ عن الموت من أجل الوطن… هذا يبدو وكأنني على وشك خوض حرب.”
قبض فجأةً على كتف تاليس بقوّةٍ موجعة. تأوّه الفتى في صمتٍ، متذكّرًا جرحه القديم في كتفه اليسرى، لكنه كتم الألم.
ثم التفت نحو جرتين متجاورتين.
“أترى؟ هذا ما أعدّه القدر لي.”
دار بعباءته وانطلق بخطواتٍ واثقة، فتبع تاليس والده إلى جانب العمود الحجري.
حدّق تاليس في الجرتين الصغيرتين بأسنانه المشدودة ويديه المرتجفتين.
“عائلة جيدستار وُلدت لتحمل مصير الكوكبة.”
(هذان… أختي الكبرى وأخي الأكبر؟)
تقدّم الملك بخطواتٍ ثقيلة نحو آخر جرةٍ صغيرة. خفض تاليس رأسه وأحكم قبضته ببطء.
وفي تلك اللحظة، دوّى جرسٌ طويلٌ ثقيلٌ من خارج الحجرة التي تضمّ ملوك الكوكبة جميعًا.
خيّم صمتٌ طويل.
“اذهب.” ترك كيسل جيدستار تاليس. “غيلبرت وجينيس ينتظرانك خلف الباب.”
[الابنة الكبرى للملك، كونستانس ن. إ. جيدستار، 642-660]
وقف شامخًا من جديد، مستعيدًا جلال الملك وهيبته الحديدية، وتحدث بوجهٍ بارد كالصقيع. “سيتولّيان تجهيز كل شيءٍ لك… كما جهز لك القدر كل شيء.”
لكن لم يكن فيها نافذةٌ واحدة، بل بضعة ثقوبٍ سوداء كبيرة في السقف تؤدّي دور فتحاتِ تهويةٍ خافتةٍ تُصدر همسًا باردًا من الظلال.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
[الأمير الرابع، هرمان ن. إ. جيدستار، 624-660]
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
