صانع السوابق السيئة (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“الإكستيدتيان لا يعجبهم سوى أبطال الحرب، حتى وإن كانوا من أعدائنا.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
توعّدهم.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
أطلق فاكينهاز شهيقًا خفيفًا، وتمتم إلى الدوق كولين الواقف بجانبه: “يساعدونهم؟ يا إلهي، هذا يُشبه أكثر أوامر سيّدٍ إلى خادمه.”
Arisu-san
“حين تعجز العدالة عن الصمود، ويتحوّل الإنصاف إلى غبار…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
صرّ التنّين احادي العين كوشدر أسنانه، وإن كان بطريقة غير ملحوظة.
الفصل 69: صانع السوابق السيئة (1)
بدأت الضوضاء في القاعة تخبو تدريجيًا.
….
“أيستسلّم الملك الآن؟
في القاعة، بدأ الوزراء الكبار والسادة الإقطاعيون يتهامسون فيما بينهم، وارتسمت الابتسامات على بعض الوجوه.
تابع غيلبرت بصبرٍ وهدوء، “إنّ عودة لاسال المفاجئة إلى صلب الموضوع إشارةٌ واضحة. من الجليّ أنّه يعرف أنّ عليه ألّا ينزلق إلى الجدل حول مَن الأقوى: الملك نوڤين أم أرشيدوق الرمال السوداء.”
ضحك الدوق كالين بملء فيه وهمس إلى الدوق المكروه فاكينهاز، “إنّها فتاة جيّدة. أتعلمت الحديث اللاذع منك؟”
بدأت الضوضاء في القاعة تخبو تدريجيًا.
“الحديث اللاذع؟ أبدًا.” أجاب سيريل فاكينهاز بصوتٍ خافتٍ وشفاهٍ ملتوية، وضحك ابتسامةً شرّيرة. “في نظري، تلك قدرةٌ فطرية في النساء.”
“سقطت آخر قطرةٍ من دمه على أرض الكوكبة، وآخر أنفاسه استنشقها من هوائها، وآخر ما أبصره كان مشهدها. جاء إلى الكوكبة بحسن نيّة، ومع ذلك لم تستطيعوا — بل لم ترغبوا — في حمايته!
في القاعة، تجمّدت ملامح لاسال للحظة، ثم انفجر غضبًا. “إذن، أهذا هو أسلوب الكوكبة؟ أن تستخدموا هذه الطرق لزرع الشقاق بين ملك إكستيدت ورعاياه؟ تمامًا كما دبّرتم بخسةٍ ودناءةٍ لاغتيال أميرنا موريا!”
ومع ذلك، آثر دوق الإقليم الشمالي، الذي يملك أكبر سلطة في الحديث، الصمت. كان يُمعن النظر في الملك كيسل الخامس.
اضطرب قلب تاليس في صدره. (ها هو ’الطبق الرئيسي’.)
“وحينئذٍ، لن تُحلّ المسألة ببضع مقاطعاتٍ أو بعضٍ من الزيت الأبدي.”
تسبّبت كلماته في إثارة السخط والغضب في نفوس معظم نبلاء الكوكبة داخل القاعة.
(شيء ما ليس على ما يُرام… الملك كيسل… هو…)
لكن قلّةً منهم غرقوا في التفكير العميق.
“أفي نظرك ونظر الملك نوڤين لا وسيلة أخرى لتسوية النزاع بين الكوكبة والتنين العظيم؟”
قبل أن يتمكّن تاليس من الرد، قال غيلبرت بابتسامةٍ مُعجبة: “ردّ فعل الدوقة جدير بالثناء. لقد شننّا هجومًا مضادًا دون قصد. سموّك، ضربة الدوقة تابارك ينبغي أن تجلب لنا بعض النتائج الإيجابية.”
“نوڤين، آه يا نوڤين… إكستيدت طمّاعة إلى درجةٍ فاحشة، لتظنّ أنّ بإمكانها مقايضة موت أميرٍ واحد بسبعٍ من مقاطعاتنا.”
استدار تاليس نحو الدوقة الأنيقة.
لم تفشل هذه الكلمات في إذكاء الغضب والحقد في صدر لاسال. وتحت أنظار النبلاء، تقدّم بخطواتٍ حازمة، ورفع بيمينه الرقّ الأحمر المختوم بشعار التنين القرمزي عاليًا!
كما بدا أنّ ليانا قد شعرت بنظرة تاليس، فاستدارت وردّتها إليه بنظرةٍ حادّة كالشفرة.
“مهما كان الأمر، فإن الملك نوڤين وإكستيدت لا بدّ أن ينالا تبريرًا ما من الكوكبة!”
ابتسم تاليس على عجل، ثم ألقى نظرةً خاطفة على القاعة متظاهرًا وكأنّ شيئًا لم يحدث، كأنّ نظرته إليها كانت عرضية.
“رأيتُ بعينيّ. لم يوقّع، ولم يختم. فقط شقّ كفّه وضغطها ليترك هذه الطبعة!”
“الأمر ليس مجرّد زرعٍ للفتنة. بل وسيلة لاستكشاف ما إذا كان الملك نوڤين ودوق الرمال السوداء يتشاركان الإرادة نفسها والغاية نفسها. وهذا مهمّ للغاية!”
رفع لاسال رأسه مبتسمًا.
تجمّد تاليس في ذهول.
تسبّبت كلماته في إثارة السخط والغضب في نفوس معظم نبلاء الكوكبة داخل القاعة.
تابع غيلبرت بصبرٍ وهدوء، “إنّ عودة لاسال المفاجئة إلى صلب الموضوع إشارةٌ واضحة. من الجليّ أنّه يعرف أنّ عليه ألّا ينزلق إلى الجدل حول مَن الأقوى: الملك نوڤين أم أرشيدوق الرمال السوداء.”
وفجأةً، أدرك تاليس شيئًا.
“في الجولة الأولى، كان هو من اضطرّ لتسديد الضربة أولًا.”
“كلّ ما يخصّه بحقّ، سيأتي التنّين العظيم ليأخذه بيده.”
وبينما يستعيد تاليس استنتاج غيلبرت في العربة سابقًا، أدرك فجأة أنّ اغتيال البعثة الدبلوماسية لإكستيدت ربما كان فعلًا مقصودًا من قِبَل بعض الجهات في بلادهم أنفسهم.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“يبدو أنّه… رغم عدم وجود دليلٍ قاطع… لكن… على الأقل…”
حافظ كيسل على نبرته الهادئة، غير أنّ صوته حمل حدًا لا يُجادل.
على الأقل في أذهان معظم الناس، كانت الفجوة بين الملك نوڤين وأرشيدوق الرمال السوداء هائلةً حقًا.
“رابعًا، للتعويض عن الضرر والخسائر، سواء أكانت أراضي أو موارد، نتوقّع تعويضًا منصفًا وكافيًا. بالتحديد، تتوقّع إكستيدت التعويض بأحد الأشكال التالية:
أعاد تاليس نظره إلى القاعة.
“الضرر الذي لحق بإكستيدت لا يكمن في فقدان أميرٍ فحسب، بل في جرحٍ لكرامتنا وشرفنا!”
زمجر تنّين نانشيستر أحادي العين.
تابع لاسال بأنفاسٍ متسارعة وتعبيرٍ أكثر جليدية.
“نحن من قتل أميركم؟ حتى الأحمق يُدرك أنّ اغتيال بعثتكم الدبلوماسية كان مؤامرةً لإشعال الحرب بين بلدينا — أَتُرى إكستيدت ستسمح بأن تُستَغل بهذه السهولة والطواعية؟ حتى كلاب الصيد خاصتي ليست مطيعةً كما أنتم!”
“سواء اخترنا الحرب أو الهدنة، فلن يتمكّن جلالته من الإفلات من الانتقاد بوصفه ملكًا قاسي القلب لا يبالي بشعبه، يضطهد الضعفاء، ويجلب العار على الكوكبة. وهذا سيؤثّر بشدّة على سمعته وسمعة عائلة جيدستار ونفوذهما في المملكة.”
“أبناء الكوكبة، أتظنّون حقًا أنّنا نهتمّ أكنتم أبرياء أم محرّضين؟” نطق لاسال ببطء.
ومع ذلك، آثر دوق الإقليم الشمالي، الذي يملك أكبر سلطة في الحديث، الصمت. كان يُمعن النظر في الملك كيسل الخامس.
“ما دمتم غير مهتمّين بالبحث عن الحقيقة، فلِمَ أنتم هنا؟ لِمَ لا تقطعون رؤوس بعض المارة في الشوارع وتهدونها إلى ملككم نوڤين؟” قال دوق الساحل الجنوبي زايِن بسخرية.
“ثانيًا، لإحقاق العدالة، يجب على الكوكبة أن تُقدّم العون في تحقيقنا، وأن تُسلّم القاتل، بما في ذلك العقل المدبّر وراء الحادثة.”
لم تفشل هذه الكلمات في إذكاء الغضب والحقد في صدر لاسال. وتحت أنظار النبلاء، تقدّم بخطواتٍ حازمة، ورفع بيمينه الرقّ الأحمر المختوم بشعار التنين القرمزي عاليًا!
“الأمر ليس مجرّد زرعٍ للفتنة. بل وسيلة لاستكشاف ما إذا كان الملك نوڤين ودوق الرمال السوداء يتشاركان الإرادة نفسها والغاية نفسها. وهذا مهمّ للغاية!”
على العرش، قبض الملك كيسل قبضتيه وخفّض ذقنه. غامت نظرته واتّسعت أعماقها.
رفع لاسال رأسه مبتسمًا.
“مهما كان من اغتال الأمير بخسّةٍ ونذالة — نقسم أن نُبيدهم! إكستيدت ستقيم العدل بيدها، ولسنا بحاجةٍ إلى أحد!
“الحديث اللاذع؟ أبدًا.” أجاب سيريل فاكينهاز بصوتٍ خافتٍ وشفاهٍ ملتوية، وضحك ابتسامةً شرّيرة. “في نظري، تلك قدرةٌ فطرية في النساء.”
“لكن أميرنا، الابن الوحيد ووريث أرشيدوق مدينة سحابة التنين والملك المنتخب من شعب إكستيدت، قد مات على أرض الكوكبة!”
كانت كلّ كلمةٍ من كلمات الملك الأعلى أدهى من سابقتها.
مدّ لاسال ذراعيه، واستدار بعنفٍ ونظر إلى كلّ سيّدٍ ونبيلٍ ومسؤولٍ في القاعة بنظراتٍ قاسيةٍ لا ترحم.
“الشروط الثلاثة الأولى يمكن تلبيتها، أمّا الرابعة والخامسة…”
“سقطت آخر قطرةٍ من دمه على أرض الكوكبة، وآخر أنفاسه استنشقها من هوائها، وآخر ما أبصره كان مشهدها. جاء إلى الكوكبة بحسن نيّة، ومع ذلك لم تستطيعوا — بل لم ترغبوا — في حمايته!
تردّد في ذهنه كلام غيلبرت من جديد:
“سواءٌ كان مقتله عمدًا أم لا، فإهمالكم وتواطؤكم هما ما تسبّبا في موته.
الكلمات الأخيرة خرجت من بين أسنان لاسال كما لو كان يبصقها حقدًا.
“وذلك كافٍ!
ضحك الدوق كالين بملء فيه وهمس إلى الدوق المكروه فاكينهاز، “إنّها فتاة جيّدة. أتعلمت الحديث اللاذع منك؟”
“على الكوكبة أن تتحمّل المسؤولية — وأن تدفع الثمن!”
“رابعًا، للتعويض عن الضرر والخسائر، سواء أكانت أراضي أو موارد، نتوقّع تعويضًا منصفًا وكافيًا. بالتحديد، تتوقّع إكستيدت التعويض بأحد الأشكال التالية:
مزّق لاسال بخفّةٍ غاضبةٍ ختم الرقّ الأحمر، ثم فرده بقوّة!
في القاعة المفعمة بالذهول، رفع كيسل رأسه وحدّق في لاسال.
“مهما كان الأمر، فإن الملك نوڤين وإكستيدت لا بدّ أن ينالا تبريرًا ما من الكوكبة!”
رفع لاسال رأسه مبتسمًا.
تقطّبت حواجب الدوقات الستّة في آنٍ واحد.
Arisu-san
تقلّصت حدقتا تاليس، ورأى أن الرقّ المفروش لا يحمل توقيعًا ولا ختمًا.
أجاب كيسل بلهجةٍ غامرةٍ بالعمق.
بل طبعةُ كفٍّ واحدة.
كان تاليس من قبل لا يُلقي بالًا كثيرًا لاغتيال البعثة الدبلوماسية لإكستيدت. فموت أميرٍ غريبٍ لم يكن يعني له شيئًا. لكنّه الآن أدرك أخيرًا خطورة الأمر.
طبعةُ كفٍّ حمراء قانية.
ظهرت نظرات غريبة بين الحاضرين في القاعة.
أتكون كفّ الملك نوڤين الدامية؟
بل طبعةُ كفٍّ واحدة.
عادت الفوضى إلى القاعة!
وفي تلك اللحظة، كانت عينا الملك مثقلتين بالبؤس والعذاب.
“رأيتُ بعينيّ. لم يوقّع، ولم يختم. فقط شقّ كفّه وضغطها ليترك هذه الطبعة!”
تابع غيلبرت بصبرٍ وهدوء، “إنّ عودة لاسال المفاجئة إلى صلب الموضوع إشارةٌ واضحة. من الجليّ أنّه يعرف أنّ عليه ألّا ينزلق إلى الجدل حول مَن الأقوى: الملك نوڤين أم أرشيدوق الرمال السوداء.”
“ذلك هو ألم الملك نوڤين ويأسه! أَفهمتم الآن، يا أبناء الكوكبة؟!”
“أتطلب منّي اتخاذ قرارٍ في كهذه المعضلة؟” زفر كيسل باستهجانٍ بارد.
الكلمات الأخيرة خرجت من بين أسنان لاسال كما لو كان يبصقها حقدًا.
“إلى أن يعلن لي بنفسه إمكانية الحرب ويقترح إصدار المرسوم العام النهائي.”
بدأت الضوضاء في القاعة تخبو تدريجيًا.
“هل يُعقل؟ كيف سيرضى التنّين الشمالي المفترس ما لم نَدفع ثمنًا باهظًا، كأن نسمح له باقتطاع جزءٍ عظيم من أراضينا الشمالية؟
كان تاليس من قبل لا يُلقي بالًا كثيرًا لاغتيال البعثة الدبلوماسية لإكستيدت. فموت أميرٍ غريبٍ لم يكن يعني له شيئًا. لكنّه الآن أدرك أخيرًا خطورة الأمر.
“في الجولة الأولى، كان هو من اضطرّ لتسديد الضربة أولًا.”
ارتفع صوت الملك الأعلى مجددًا، عميقًا جهوريًّا.
“في العام الدموي، تلقّى الإقليم الشمالي ضربةً قاصمة من طلائع إكستيدت القويّة، لا يقلّ ضررها إلا عمّا عانته تلال حافة النصل في الجنوب الغربي. حينها، فاقت الأرامل عدد الأطفال في الشمال.”
“أستطيع أن أستوعب يأس الملك نوڤين وغضبه. صدّقوني، لقد اختبرتُ ذلك الشعور من قبل. والكوكبة لن تتنصّل أبدًا من مسؤوليتها.”
“الإكستيدتيان لا يعجبهم سوى أبطال الحرب، حتى وإن كانوا من أعدائنا.”
تحدّث كيسل ببرودٍ خالٍ من الانفعال.
طبعةُ كفٍّ حمراء قانية.
صرّ التنّين احادي العين كوشدر أسنانه، وإن كان بطريقة غير ملحوظة.
كان كيسل يحدّق في الدرج تحت قدميه، وكأنّ ما يحدث لا يعنيه، ومن ثم تحدث بهدوء.
“أيستسلّم الملك الآن؟
لم يحتمل لاسال الإهانة، فرفع رأسه وحدّق في كيسل.
“هل يُعقل؟ كيف سيرضى التنّين الشمالي المفترس ما لم نَدفع ثمنًا باهظًا، كأن نسمح له باقتطاع جزءٍ عظيم من أراضينا الشمالية؟
ساد الصمت القاعة إثر كلمات الملك الغريبة.
“إن خضعنا، سيُوصم الملك كيسل بالعجز والضعف. وستدهور حتمًا علاقتنا مع الشمال أكثر، وهي أصلًا ليست وديّة.”
“نحن من قتل أميركم؟ حتى الأحمق يُدرك أنّ اغتيال بعثتكم الدبلوماسية كان مؤامرةً لإشعال الحرب بين بلدينا — أَتُرى إكستيدت ستسمح بأن تُستَغل بهذه السهولة والطواعية؟ حتى كلاب الصيد خاصتي ليست مطيعةً كما أنتم!”
وبينما تدفقت تلك الأفكار في رأسه، رمق ڤال آروند بنظرةٍ طويلة، كان يرتدي بزّته العسكرية كاملةً، متجهّم الوجه، صامتًا تمامًا.
رفع لاسال رأسه مبتسمًا.
بدت الأجواء وكأنها السكون الذي يسبق العاصفة.
وفجأة، فتح ملك اليد الحديدية، كيسل الخامس، عينيه، وحدّق بنظرةٍ موحشةٍ في زاوية القاعة نحو شخصٍ ظلّ صامتًا طوال الوقت.
أنزل لاسال يده وتابع ببرودٍ ساخر، “أشكرك على تفهّمك، جلالتك. آه، والآن تذكّرت. هوهو، طالما أنّك أنت، فمهما قلتَ سنفهم.”
على العرش، قبض الملك كيسل قبضتيه وخفّض ذقنه. غامت نظرته واتّسعت أعماقها.
ظهرت نظرات غريبة بين الحاضرين في القاعة.
حافظ كيسل على نبرته الهادئة، غير أنّ صوته حمل حدًا لا يُجادل.
“كفّ عن الهراء. ما هي شروط الملك نوڤين؟” تجاهل كيسل كلماته المبطّنة بالتهكّم وسأله مباشرة.
Arisu-san
تحت أنظار الجميع، أطلق لاسال زفرةً فولاذيةً حادّة، وأخرج اللفافة مجددًا وبدأ بتلاوة محتواها.
في القاعة المفعمة بالذهول، رفع كيسل رأسه وحدّق في لاسال.
“جميع رعايا إكستيدت، من جلالة الملك نوڤين إلى الآرشيدوقات التسعة، عند سماعهم بالمأساة، وبينما يرزحون تحت وطأة الحزن واليأس المهول، استخدمنا كامل عقلانيتنا وذكائنا، وبإجماعٍ تامّ، نرى أنّ مملكة الكوكبة يجب أن تتحمّل المسؤولية عن المصير البائس الذي لحق بالأمير موريا شارلتون.”
“حين تعجز العدالة عن الصمود، ويتحوّل الإنصاف إلى غبار…”
عقب إنهاء هذا التصريح، رفع لاسال نظره ومسح القاعة بنظرةٍ شاملة.
وفي الختام، زمجر لاسال بأعلى صوته.
“إنّه عادل. إنّها وصمة عار على جبين الكوكبة أن يلقى الأمير موريا المهيب مثل هذا المصير في هذه البلاد.”
ومع ذلك، آثر دوق الإقليم الشمالي، الذي يملك أكبر سلطة في الحديث، الصمت. كان يُمعن النظر في الملك كيسل الخامس.
ضيّق لاسال عينيه الباردتين قليلًا، ثمّ خفّض رأسه ليواصل التلاوة من اللفافة.
“أفي نظرك ونظر الملك نوڤين لا وسيلة أخرى لتسوية النزاع بين الكوكبة والتنين العظيم؟”
“أولًا، لإراحة روح الراحل، يجب على الكوكبة أن تُعيد رفات بعثتنا الدبلوماسية، وبالأخصّ رفات الأمير موريا، في هيئةٍ مهيبةٍ ومحترمةٍ ومجيدة.”
أترى هذا المبعوث ما زال يجهل أمر المؤتمر الوطني؟
“ثانيًا، لإحقاق العدالة، يجب على الكوكبة أن تُقدّم العون في تحقيقنا، وأن تُسلّم القاتل، بما في ذلك العقل المدبّر وراء الحادثة.”
وفي الختام، زمجر لاسال بأعلى صوته.
أطلق فاكينهاز شهيقًا خفيفًا، وتمتم إلى الدوق كولين الواقف بجانبه: “يساعدونهم؟ يا إلهي، هذا يُشبه أكثر أوامر سيّدٍ إلى خادمه.”
“وأخيرًا إلى هذا المبعوث الإكستدالإكستيدتي، الذي وضعني في مأزقٍ قد يكلّفني غاليًا.”
غير أنّ الأخير، المثقل بالقلق، اكتفى بالتحديق في لاسال بنظرةٍ جليلةٍ متجهّمة.
تنفّس كيسل تنهيدةً لم يُدرِ أحد سببها.
واستمرّت تلاوة المبعوث الطارئ من إكستيدت.
ضحك الدوق كالين بملء فيه وهمس إلى الدوق المكروه فاكينهاز، “إنّها فتاة جيّدة. أتعلمت الحديث اللاذع منك؟”
“ثالثًا، لاستعادة الشرف، نودّ أن يُقدّم الملك كيسل اعتذارًا علنيًّا أمام مملكة إكستيدت بأسرها.”
على الأقل في أذهان معظم الناس، كانت الفجوة بين الملك نوڤين وأرشيدوق الرمال السوداء هائلةً حقًا.
ارتفع حاجبا تاليس.
أحسّ لاسال بأنّ ثمّة خللًا في الأمر. نظر إلى أحدهم وقد ارتسمت على وجهه علامات الشكّ المتزايد.
تردّد في ذهنه كلام غيلبرت من جديد:
تنفّس كيسل تنهيدةً لم يُدرِ أحد سببها.
“سواء اخترنا الحرب أو الهدنة، فلن يتمكّن جلالته من الإفلات من الانتقاد بوصفه ملكًا قاسي القلب لا يبالي بشعبه، يضطهد الضعفاء، ويجلب العار على الكوكبة. وهذا سيؤثّر بشدّة على سمعته وسمعة عائلة جيدستار ونفوذهما في المملكة.”
أعاد تاليس نظره إلى القاعة.
غير أنّ لاسال تابع خطابه الفظّ القاسي دون هوادة.
“يا جلالة الملك، الحرب أو السلام، كلاهما بيدك. أن تتحمّل الإذلال من أجل رعاياك، أو أن تذهب إلى الحرب بأي ثمن؟”
“رابعًا، للتعويض عن الضرر والخسائر، سواء أكانت أراضي أو موارد، نتوقّع تعويضًا منصفًا وكافيًا. بالتحديد، تتوقّع إكستيدت التعويض بأحد الأشكال التالية:
“حتى بعد تلك الضربة المدمّرة، لم يُرسل الملك نوڤين جيشًا، بل اكتفى بطرح بعض الشروط. أليس هذا أسمى درجات التعقّل وضبط النفس؟”
(1) المقاطعتان الشماليتان المتاخمتان لمملكتنا، على ألا تقلّ مساحتهما عن مقاطعة صنوبر الجوز.
كان كيسل يحدّق في الدرج تحت قدميه، وكأنّ ما يحدث لا يعنيه، ومن ثم تحدث بهدوء.
(2) ثلث الحصّة التفضيليّة من الويت الأبدي الفاخر المستخرج من ساحل البحر الشرقي لمهنة صيد الحيتان في الكوكبة.
“وفوق ذلك، يا الكوكبة، أنتم من سلبتم أبًا ابنه الوحيد!” تابع لاسال بغضبٍ جامح. “الوارث الشرعي الأوحد للعرش، الذي جاء يحمل رسالة صداقةٍ وسلام، فقضى نحبه بفعل اغتيالٍ دنيء!”
(3) خُمسَا الحصّة التفضيلية من منجم قطرة الكريستال في أراضي الساحل الجنوبي للكوكبة
“أتريدان حقًّا رؤية الدم يُراق بين رعايا بلدينا على الحدود؟”
“. أيٌّ من الثلاثة يكفي.”
في القاعة، بدأ الوزراء الكبار والسادة الإقطاعيون يتهامسون فيما بينهم، وارتسمت الابتسامات على بعض الوجوه.
“خامسًا، لترسيخ المساواة، يجب على الكوكبة وإكستيدت إعادة صياغة ’معاهدة الحصن‘، خصوصًا الحدود العبثية التي رُسِمَت قبل اثني عشر عامًا. يجب إعادة مقاطعات صنوبر الجوز، شارلادان، ليفور، الدب، وصيحة الأيل إلى حكم إكستيدت دون قيد أو شرط. سينسحب دوق مدينة المراقبة بفريق استصلاحه من غابة الصنوبر الشمالية، ولن يُسمح بتحديد عدد الصيّادين والرعاة الداخلين إليها سنويًّا إلا بعد التشاور مع آرشيدوق الرمال السوداء. كما على دوق البرج العتيق المنعزل سحب حُرّاسه ثلاثة كيلومترات إلى الوراء، وألا يمنع الإكستيدتيان من دخول منطقة الصيد العامة بغير وجه حق.”
أطلق فاكينهاز شهيقًا خفيفًا، وتمتم إلى الدوق كولين الواقف بجانبه: “يساعدونهم؟ يا إلهي، هذا يُشبه أكثر أوامر سيّدٍ إلى خادمه.”
ساد صمتٌ مطبق في القاعة حتى إنّ صوت سقوط إبرةٍ كان ليُسمع.
وفيما الجميع غارقون في الحيرة، بدا أنّ الدوق كولين البدين قد استوعب شيئًا آخر. زفر بعمقٍ، ووجّه نظره إلى الشخص ذاته، وقد ارتسمت على وجهه ملامح ألمٍ بالغ.
لكن تاليس علم أنّ ذلك لم يكن سوى هدوءٍ ظاهريّ.
“أستطيع أن أستوعب يأس الملك نوڤين وغضبه. صدّقوني، لقد اختبرتُ ذلك الشعور من قبل. والكوكبة لن تتنصّل أبدًا من مسؤوليتها.”
أنزل لاسال اللفافة ببطء.
صرّ التنّين احادي العين كوشدر أسنانه، وإن كان بطريقة غير ملحوظة.
“كما ذُكر آنفًا، هذه هي الشروط التي وضعها الملك نوڤين ومملكة إكستيدت.”
“وفوق ذلك، يا الكوكبة، أنتم من سلبتم أبًا ابنه الوحيد!” تابع لاسال بغضبٍ جامح. “الوارث الشرعي الأوحد للعرش، الذي جاء يحمل رسالة صداقةٍ وسلام، فقضى نحبه بفعل اغتيالٍ دنيء!”
وفجأة، انكسر الصمت المهيب في القاعة.
ومن تعبير الدهشة على وجه تاليس، أدرك غيلبرت فجأةً ما يجري. وبعد تنهيدةٍ قصيرة، عضّ على أسنانه وخفّض رأسه مطلقًا زفرةً مريرة.
“أيّ هراءٍ هذا؟”
“يا جلالة الملك، الحرب أو السلام، كلاهما بيدك. أن تتحمّل الإذلال من أجل رعاياك، أو أن تذهب إلى الحرب بأي ثمن؟”
لم يَعُد الكونت زيمونتو قادرًا على الاحتمال، فصاح: “مدينة المراقبة لن تتراجع ولو خطوة! ولن نسلّم مقاطعة صنوبر الجوز ولا مقاطعة الدب! أبلغوا ذلك الوغد في إقليم الرمال السوداء: إن أراد أرضنا فليأتِ ويأخذها بجنوده!”
“كلّ ما يخصّه بحقّ، سيأتي التنّين العظيم ليأخذه بيده.”
وتكلّم الكونت فريس ببرود: “مقاطعة صيحة الأيل ستظلّ على حالها! ثمّ إنّ البرج العتيق المنعزل سيُسيّر دورياته حيث يشاء!”
ارتفعت القاعة فجأة على وقع صخبٍ عارم.
ومع ذلك، آثر دوق الإقليم الشمالي، الذي يملك أكبر سلطة في الحديث، الصمت. كان يُمعن النظر في الملك كيسل الخامس.
تقلّصت حدقتا تاليس، ورأى أن الرقّ المفروش لا يحمل توقيعًا ولا ختمًا.
تحوّلت أبصار الحاضرين نحو الملك الأعلى بتعابير متباينة.
“لكن أميرنا، الابن الوحيد ووريث أرشيدوق مدينة سحابة التنين والملك المنتخب من شعب إكستيدت، قد مات على أرض الكوكبة!”
كان كيسل يحدّق في الدرج تحت قدميه، وكأنّ ما يحدث لا يعنيه، ومن ثم تحدث بهدوء.
“كلّ ما يخصّه بحقّ، سيأتي التنّين العظيم ليأخذه بيده.”
“نوڤين، آه يا نوڤين… إكستيدت طمّاعة إلى درجةٍ فاحشة، لتظنّ أنّ بإمكانها مقايضة موت أميرٍ واحد بسبعٍ من مقاطعاتنا.”
“فهل بينكم من يستوفي هذا الشرط؟”
لم يحتمل لاسال الإهانة، فرفع رأسه وحدّق في كيسل.
“الحديث اللاذع؟ أبدًا.” أجاب سيريل فاكينهاز بصوتٍ خافتٍ وشفاهٍ ملتوية، وضحك ابتسامةً شرّيرة. “في نظري، تلك قدرةٌ فطرية في النساء.”
“الضرر الذي لحق بإكستيدت لا يكمن في فقدان أميرٍ فحسب، بل في جرحٍ لكرامتنا وشرفنا!”
“الكوكبة لن تسمح لي مطلقًا ببتر أرضنا، أو بالتنازل عن حصّتنا من الموارد. وإن قلنا ذلك، فماذا أنتم فاعلون؟”
“بعثتنا جاءتكم بنيّةٍ حسنة، فقوبلت بالإهمال! فمن سيُنصف إكستيدت من هذا الإذلال؟ ومن سيُخمد نيران غضب التنّين العظيم؟
“رأيتُ بعينيّ. لم يوقّع، ولم يختم. فقط شقّ كفّه وضغطها ليترك هذه الطبعة!”
“وفوق ذلك، يا الكوكبة، أنتم من سلبتم أبًا ابنه الوحيد!” تابع لاسال بغضبٍ جامح. “الوارث الشرعي الأوحد للعرش، الذي جاء يحمل رسالة صداقةٍ وسلام، فقضى نحبه بفعل اغتيالٍ دنيء!”
وفي الختام، زمجر لاسال بأعلى صوته.
“الملك نوڤين فقد قرابته، ابنه الوحيد، وريثه الأوحد. وإكستيدت فقدت الآرشيدوق القادم لمدينة سحابة التنّين، مستقبل أسرة والتون!”
أطلق فاكينهاز شهيقًا خفيفًا، وتمتم إلى الدوق كولين الواقف بجانبه: “يساعدونهم؟ يا إلهي، هذا يُشبه أكثر أوامر سيّدٍ إلى خادمه.”
وفي الختام، زمجر لاسال بأعلى صوته.
تبادل كثيرٌ من النبلاء نظراتٍ غريبة مع كيسل، لكنّ أكثرهم حوّل أنظاره إلى تاليس.
“حتى بعد تلك الضربة المدمّرة، لم يُرسل الملك نوڤين جيشًا، بل اكتفى بطرح بعض الشروط. أليس هذا أسمى درجات التعقّل وضبط النفس؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
غصّت القاعة بأنفاس النبلاء المُثقلة.
لم تفشل هذه الكلمات في إذكاء الغضب والحقد في صدر لاسال. وتحت أنظار النبلاء، تقدّم بخطواتٍ حازمة، ورفع بيمينه الرقّ الأحمر المختوم بشعار التنين القرمزي عاليًا!
حافظ كيسل على نبرته الهادئة، غير أنّ صوته حمل حدًا لا يُجادل.
“إذن، إكستيدت، أو بالأحرى نبلاؤها، يفضّلون أن يكون الملك الأعلى للكوكبة من أحد نبلاء هذه البلاد؟”
“الشروط الثلاثة الأولى يمكن تلبيتها، أمّا الرابعة والخامسة…”
غير أنّ لاسال تابع خطابه الفظّ القاسي دون هوادة.
رنّ صوت الملك ببرودةٍ شديدة في أرجاء القاعة.
ومع ذلك، آثر دوق الإقليم الشمالي، الذي يملك أكبر سلطة في الحديث، الصمت. كان يُمعن النظر في الملك كيسل الخامس.
“الكوكبة لن تسمح لي مطلقًا ببتر أرضنا، أو بالتنازل عن حصّتنا من الموارد. وإن قلنا ذلك، فماذا أنتم فاعلون؟”
قبل أن يتمكّن تاليس من الرد، قال غيلبرت بابتسامةٍ مُعجبة: “ردّ فعل الدوقة جدير بالثناء. لقد شننّا هجومًا مضادًا دون قصد. سموّك، ضربة الدوقة تابارك ينبغي أن تجلب لنا بعض النتائج الإيجابية.”
بدأ ڤال يقطّب حاجبيه.
الكلمات التي تسلّلت إلى أذنه جعلت قلبه يخفق بعنف.
تنفّس الدوق كولين بعمقٍ ثقيل، فيما أطلق فاكينهاز ضحكةً خبيثةً منفّرة.
بدأ ڤال يقطّب حاجبيه.
شدّت ليانا وزاين شفتيهما بصمتٍ مطبق.
“يا جلالة الملك، الحرب أو السلام، كلاهما بيدك. أن تتحمّل الإذلال من أجل رعاياك، أو أن تذهب إلى الحرب بأي ثمن؟”
انكمش قلب تاليس في صدره بأسى. (ألا يمكن تفادي الحرب؟)
“وأخيرًا إلى هذا المبعوث الإكستدالإكستيدتي، الذي وضعني في مأزقٍ قد يكلّفني غاليًا.”
“هاهاهاها، الملك كيسل.” ضحك لاسال بغضب شديد.
اضطرب قلب تاليس في صدره. (ها هو ’الطبق الرئيسي’.)
“حين جئنا إلى النجم الأبدي في الماضي، رفض الملك آيدي الطلبات ذاتها التي حملناها باسم الملك نوڤين والآرشيدوقات التسعة.
“وأخيرًا إلى هذا المبعوث الإكستدالإكستيدتي، الذي وضعني في مأزقٍ قد يكلّفني غاليًا.”
“وماذا حدث بعد ذلك؟” بسط لاسال ذراعيه على وسعهما وجال بنظره في القاعة.
ومن تعبير الدهشة على وجه تاليس، أدرك غيلبرت فجأةً ما يجري. وبعد تنهيدةٍ قصيرة، عضّ على أسنانه وخفّض رأسه مطلقًا زفرةً مريرة.
توترت وجوه العديد من الأسياد والنبلاء والوزراء الأكبر سنًّا.
وفجأةً، أدرك تاليس شيئًا.
“نعم، لقد أرسلنا جيشنا ’بكرم‘.”
“وإن لم تستطيعوا، فكما قلتم، اختاروا من بين هؤلاء النبلاء من هو أكفأ لتولّي قيادة الكوكبة. وإكستيدت ستكون في غاية السرور إن حدث ذلك.”
تابع لاسال بأنفاسٍ متسارعة وتعبيرٍ أكثر جليدية.
رنّ صوت الملك ببرودةٍ شديدة في أرجاء القاعة.
“كلّ ما يخصّه بحقّ، سيأتي التنّين العظيم ليأخذه بيده.”
زمجر تنّين نانشيستر أحادي العين.
شرع الحاضرون في التفكير بعواقب كلماته.
“وفي النهاية، ستنجح في إشعال الحرب، وتنال بسهولة الاعتراف بك في ساحة المعركة بعد تآمرك مع إكستيدت، وتنتهي بتنحيتي.”
فما تزال فوضى الحرب وكوارثها التي عصفت بمعظم الكوكبة قبل اثني عشر عامًا حيّةً في ذاكرتهم.
“وأخيرًا إلى هذا المبعوث الإكستدالإكستيدتي، الذي وضعني في مأزقٍ قد يكلّفني غاليًا.”
“حين تعجز العدالة عن الصمود، ويتحوّل الإنصاف إلى غبار…”
“اسمح لي أن أقول الحقيقة.” ضحك لاسال باحتقار.
رفع لاسال يده اليمنى مهيمنًا على الأجواء، وقبضها ببطءٍ في الهواء.
وفجأة، فتح ملك اليد الحديدية، كيسل الخامس، عينيه، وحدّق بنظرةٍ موحشةٍ في زاوية القاعة نحو شخصٍ ظلّ صامتًا طوال الوقت.
“لن يكون أمام إكستيدت خيار سوى أن تستخدم الحرب لصون شرفها وكرامة جلالته.”
وتكلّم الكونت فريس ببرود: “مقاطعة صيحة الأيل ستظلّ على حالها! ثمّ إنّ البرج العتيق المنعزل سيُسيّر دورياته حيث يشاء!”
توعّدهم.
وفجأةً، أدرك تاليس شيئًا.
“وحينئذٍ، لن تُحلّ المسألة ببضع مقاطعاتٍ أو بعضٍ من الزيت الأبدي.”
بل طبعةُ كفٍّ واحدة.
“كفى!”
“وأخيرًا إلى هذا المبعوث الإكستدالإكستيدتي، الذي وضعني في مأزقٍ قد يكلّفني غاليًا.”
أجاب كيسل بلهجةٍ غامرةٍ بالعمق.
غير أنّ الأخير، المثقل بالقلق، اكتفى بالتحديق في لاسال بنظرةٍ جليلةٍ متجهّمة.
“أفي نظرك ونظر الملك نوڤين لا وسيلة أخرى لتسوية النزاع بين الكوكبة والتنين العظيم؟”
كانت كلّ كلمةٍ من كلمات الملك الأعلى أدهى من سابقتها.
“أتريدان حقًّا رؤية الدم يُراق بين رعايا بلدينا على الحدود؟”
“أولًا، لإراحة روح الراحل، يجب على الكوكبة أن تُعيد رفات بعثتنا الدبلوماسية، وبالأخصّ رفات الأمير موريا، في هيئةٍ مهيبةٍ ومحترمةٍ ومجيدة.”
أجاب لاسال على الفور:
زمجر تنّين نانشيستر أحادي العين.
“يا جلالة الملك، الحرب أو السلام، كلاهما بيدك. أن تتحمّل الإذلال من أجل رعاياك، أو أن تذهب إلى الحرب بأي ثمن؟”
شدّت ليانا وزاين شفتيهما بصمتٍ مطبق.
مسح بنظره الجليدي صفوف الوزراء، وتوقّف عند الكونت زيمونتو، ثم أطلق ضحكةً ساخرة.
“نوڤين، آه يا نوڤين… إكستيدت طمّاعة إلى درجةٍ فاحشة، لتظنّ أنّ بإمكانها مقايضة موت أميرٍ واحد بسبعٍ من مقاطعاتنا.”
“خصوصًا وأنّ إقليمكم الشمالي لا يملك حتى ما يكفي من القوّة العسكرية لحماية حصن التنّين المحطم من جيش آرشيدوق الرمال السوداء؟”
أنزل لاسال اللفافة ببطء.
قبض دوق الإقليم الشمالي قبضته بشدّة.
“مهما كان من اغتال الأمير بخسّةٍ ونذالة — نقسم أن نُبيدهم! إكستيدت ستقيم العدل بيدها، ولسنا بحاجةٍ إلى أحد!
همس غيلبرت في أذن تاليس وهو يتنهد بعمق٫
تقلّصت حدقتا تاليس، ورأى أن الرقّ المفروش لا يحمل توقيعًا ولا ختمًا.
“في العام الدموي، تلقّى الإقليم الشمالي ضربةً قاصمة من طلائع إكستيدت القويّة، لا يقلّ ضررها إلا عمّا عانته تلال حافة النصل في الجنوب الغربي. حينها، فاقت الأرامل عدد الأطفال في الشمال.”
تنفّس كيسل تنهيدةً لم يُدرِ أحد سببها.
“أتطلب منّي اتخاذ قرارٍ في كهذه المعضلة؟” زفر كيسل باستهجانٍ بارد.
ارتفع صوت الملك الأعلى مجددًا، عميقًا جهوريًّا.
“لِمَ لا تأتي للكوكبة بملكٍ جديد بدلًا من ذلك؟”
“أبناء الكوكبة، أتظنّون حقًا أنّنا نهتمّ أكنتم أبرياء أم محرّضين؟” نطق لاسال ببطء.
رفع لاسال رأسه مبتسمًا.
توترت وجوه العديد من الأسياد والنبلاء والوزراء الأكبر سنًّا.
“جلالتكم، أنتم الملك الأعلى للكوكبة. قدركم أن تتحمّلوا هذه المسؤولية.”
“الإكستيدتيان لا يعجبهم سوى أبطال الحرب، حتى وإن كانوا من أعدائنا.”
“وإن لم تستطيعوا، فكما قلتم، اختاروا من بين هؤلاء النبلاء من هو أكفأ لتولّي قيادة الكوكبة. وإكستيدت ستكون في غاية السرور إن حدث ذلك.”
“رابعًا، للتعويض عن الضرر والخسائر، سواء أكانت أراضي أو موارد، نتوقّع تعويضًا منصفًا وكافيًا. بالتحديد، تتوقّع إكستيدت التعويض بأحد الأشكال التالية:
ارتفعت القاعة فجأة على وقع صخبٍ عارم.
مدّ لاسال ذراعيه، واستدار بعنفٍ ونظر إلى كلّ سيّدٍ ونبيلٍ ومسؤولٍ في القاعة بنظراتٍ قاسيةٍ لا ترحم.
بل إنّ بعضهم تفوّه بالشتائم علنًا.
“يبدو أنّه… رغم عدم وجود دليلٍ قاطع… لكن… على الأقل…”
ومع ذلك، لم يكن مبعوث إكستيدت الطارئ قد فرغ من كلامه بعد.
وتكلّم الكونت فريس ببرود: “مقاطعة صيحة الأيل ستظلّ على حالها! ثمّ إنّ البرج العتيق المنعزل سيُسيّر دورياته حيث يشاء!”
تابع لاسال بنبرةٍ مظلمةٍ شريرة.
قبض دوق الإقليم الشمالي قبضته بشدّة.
“في جميع الأحوال، الملك القادم للكوكبة ليس من آل جيدستار، أليس كذلك؟”
“مهما كان الأمر، فإن الملك نوڤين وإكستيدت لا بدّ أن ينالا تبريرًا ما من الكوكبة!”
تبادل كثيرٌ من النبلاء نظراتٍ غريبة مع كيسل، لكنّ أكثرهم حوّل أنظاره إلى تاليس.
(كما توقّعت… اغتيال البعثة الدبلوماسية، وضغط الأسياد للتنازل عن العرش، ووصول مبعوث التنين العظيم—كلّها خيوط متشابكة في مؤامرة واحدة. كانت ستكون خطةً محكمة لولا ظهوري. كما خمّن غيلبرت، هناك من كلا الجانبين—الكوكبة وإكستيدت —يتآمرون معًا لانتزاع عرش الكوكبة من ملك اليد الحديدية.)
أترى هذا المبعوث ما زال يجهل أمر المؤتمر الوطني؟
زمجر تنّين نانشيستر أحادي العين.
وفجأةً، أدرك تاليس شيئًا.
غير أنّ الأخير، المثقل بالقلق، اكتفى بالتحديق في لاسال بنظرةٍ جليلةٍ متجهّمة.
(كما توقّعت… اغتيال البعثة الدبلوماسية، وضغط الأسياد للتنازل عن العرش، ووصول مبعوث التنين العظيم—كلّها خيوط متشابكة في مؤامرة واحدة. كانت ستكون خطةً محكمة لولا ظهوري. كما خمّن غيلبرت، هناك من كلا الجانبين—الكوكبة وإكستيدت —يتآمرون معًا لانتزاع عرش الكوكبة من ملك اليد الحديدية.)
“ڤال آروند.”
(لكن لِمَ ساق كيسل، والده، الحديث إلى هذه النقطة بالذات؟)
“إلى أن يعلن لي بنفسه إمكانية الحرب ويقترح إصدار المرسوم العام النهائي.”
الكلمات التي تسلّلت إلى أذنه جعلت قلبه يخفق بعنف.
وفجأة، فتح ملك اليد الحديدية، كيسل الخامس، عينيه، وحدّق بنظرةٍ موحشةٍ في زاوية القاعة نحو شخصٍ ظلّ صامتًا طوال الوقت.
في القاعة المفعمة بالذهول، رفع كيسل رأسه وحدّق في لاسال.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“إذن، إكستيدت، أو بالأحرى نبلاؤها، يفضّلون أن يكون الملك الأعلى للكوكبة من أحد نبلاء هذه البلاد؟”
كان تاليس من قبل لا يُلقي بالًا كثيرًا لاغتيال البعثة الدبلوماسية لإكستيدت. فموت أميرٍ غريبٍ لم يكن يعني له شيئًا. لكنّه الآن أدرك أخيرًا خطورة الأمر.
“اسمح لي أن أقول الحقيقة.” ضحك لاسال باحتقار.
“الأمر ليس مجرّد زرعٍ للفتنة. بل وسيلة لاستكشاف ما إذا كان الملك نوڤين ودوق الرمال السوداء يتشاركان الإرادة نفسها والغاية نفسها. وهذا مهمّ للغاية!”
“لا أحد من الحاضرين يلبّي تطلّعاتنا.
اضطرب قلب تاليس في صدره. (ها هو ’الطبق الرئيسي’.)
“الإكستيدتيان لا يعجبهم سوى أبطال الحرب، حتى وإن كانوا من أعدائنا.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“فهل بينكم من يستوفي هذا الشرط؟”
“لكن أميرنا، الابن الوحيد ووريث أرشيدوق مدينة سحابة التنين والملك المنتخب من شعب إكستيدت، قد مات على أرض الكوكبة!”
تنفّس كيسل تنهيدةً لم يُدرِ أحد سببها.
الكلمات الأخيرة خرجت من بين أسنان لاسال كما لو كان يبصقها حقدًا.
“بالطبع، أتباعي إمّا بعيدون أو غير راغبين في تحريك جيوشهم. إذًا، المؤهّلون الوحيدون هم من يُجبرون على القتال دفاعًا عن أراضيهم، أليس كذلك؟”
لكن قلّةً منهم غرقوا في التفكير العميق.
ساد الصمت القاعة إثر كلمات الملك الغريبة.
“اسمح لي أن أقول الحقيقة.” ضحك لاسال باحتقار.
أحسّ لاسال بأنّ ثمّة خللًا في الأمر. نظر إلى أحدهم وقد ارتسمت على وجهه علامات الشكّ المتزايد.
حافظ كيسل على نبرته الهادئة، غير أنّ صوته حمل حدًا لا يُجادل.
(شيء ما ليس على ما يُرام… الملك كيسل… هو…)
ساد الصمت القاعة إثر كلمات الملك الغريبة.
وفيما الجميع غارقون في الحيرة، بدا أنّ الدوق كولين البدين قد استوعب شيئًا آخر. زفر بعمقٍ، ووجّه نظره إلى الشخص ذاته، وقد ارتسمت على وجهه ملامح ألمٍ بالغ.
“هل يُعقل؟ كيف سيرضى التنّين الشمالي المفترس ما لم نَدفع ثمنًا باهظًا، كأن نسمح له باقتطاع جزءٍ عظيم من أراضينا الشمالية؟
ومن تعبير الدهشة على وجه تاليس، أدرك غيلبرت فجأةً ما يجري. وبعد تنهيدةٍ قصيرة، عضّ على أسنانه وخفّض رأسه مطلقًا زفرةً مريرة.
أترى هذا المبعوث ما زال يجهل أمر المؤتمر الوطني؟
تحت أنظار القاعة المذهولة، أخذ الملك كيسل نفسًا عميقًا، أغمض عينيه.
تابع لاسال بأنفاسٍ متسارعة وتعبيرٍ أكثر جليدية.
“إذن، هذا ما في الأمر.”
تجمّد تاليس في ذهول.
همس الملك بصوتٍ مبحوحٍ حزين.
ظهرت نظرات غريبة بين الحاضرين في القاعة.
“من التعاون مع الطامحين من إكستيدت، إلى إشعال النزاع عبر مؤامرة اغتيالٍ دبلوماسية.”
لم يحتمل لاسال الإهانة، فرفع رأسه وحدّق في كيسل.
“إلى أن يعلن لي بنفسه إمكانية الحرب ويقترح إصدار المرسوم العام النهائي.”
عادت الفوضى إلى القاعة!
“ثمّ إلى تحريض الأسياد الذين يتحيّنون الفرصة لإجباري على تعيين وريث، لندخل في صراعٍ داخلي وأنتم تراقبون من بعيد.”
لم تفشل هذه الكلمات في إذكاء الغضب والحقد في صدر لاسال. وتحت أنظار النبلاء، تقدّم بخطواتٍ حازمة، ورفع بيمينه الرقّ الأحمر المختوم بشعار التنين القرمزي عاليًا!
“وأخيرًا إلى هذا المبعوث الإكستدالإكستيدتي، الذي وضعني في مأزقٍ قد يكلّفني غاليًا.”
انكمش قلب تاليس في صدره بأسى. (ألا يمكن تفادي الحرب؟)
“وفي النهاية، ستنجح في إشعال الحرب، وتنال بسهولة الاعتراف بك في ساحة المعركة بعد تآمرك مع إكستيدت، وتنتهي بتنحيتي.”
زمجر تنّين نانشيستر أحادي العين.
“ومن أجل غايتك، لم تتردّد في التضحية بأرضك، وبشعبك، بل وبوطنك ذاته.”
“سواءٌ كان مقتله عمدًا أم لا، فإهمالكم وتواطؤكم هما ما تسبّبا في موته.
“أليس كذلك… أيها الخائن؟”
“يا جلالة الملك، الحرب أو السلام، كلاهما بيدك. أن تتحمّل الإذلال من أجل رعاياك، أو أن تذهب إلى الحرب بأي ثمن؟”
كانت كلّ كلمةٍ من كلمات الملك الأعلى أدهى من سابقتها.
“في العام الدموي، تلقّى الإقليم الشمالي ضربةً قاصمة من طلائع إكستيدت القويّة، لا يقلّ ضررها إلا عمّا عانته تلال حافة النصل في الجنوب الغربي. حينها، فاقت الأرامل عدد الأطفال في الشمال.”
وباتت أنفاس تاليس تتسارع مع كلّ جملةٍ يسمعها.
غير أنّ الأخير، المثقل بالقلق، اكتفى بالتحديق في لاسال بنظرةٍ جليلةٍ متجهّمة.
وفجأة، فتح ملك اليد الحديدية، كيسل الخامس، عينيه، وحدّق بنظرةٍ موحشةٍ في زاوية القاعة نحو شخصٍ ظلّ صامتًا طوال الوقت.
“ومن أجل غايتك، لم تتردّد في التضحية بأرضك، وبشعبك، بل وبوطنك ذاته.”
وفي تلك اللحظة، كانت عينا الملك مثقلتين بالبؤس والعذاب.
“أستطيع أن أستوعب يأس الملك نوڤين وغضبه. صدّقوني، لقد اختبرتُ ذلك الشعور من قبل. والكوكبة لن تتنصّل أبدًا من مسؤوليتها.”
“إذًا… أنت هو.”
زمجر تنّين نانشيستر أحادي العين.
نطق ببطء.
في القاعة، تجمّدت ملامح لاسال للحظة، ثم انفجر غضبًا. “إذن، أهذا هو أسلوب الكوكبة؟ أن تستخدموا هذه الطرق لزرع الشقاق بين ملك إكستيدت ورعاياه؟ تمامًا كما دبّرتم بخسةٍ ودناءةٍ لاغتيال أميرنا موريا!”
“العقل المدبّر وراء كلّ الدسائس والمؤامرات.”
بدأت الضوضاء في القاعة تخبو تدريجيًا.
خرج صوت الملك المبحوح الخافت ليُلقي اسمًا لم يكن ليخطر ببال أحدٍ قطّ.
صرّ التنّين احادي العين كوشدر أسنانه، وإن كان بطريقة غير ملحوظة.
“ڤال آروند.”
كما بدا أنّ ليانا قد شعرت بنظرة تاليس، فاستدارت وردّتها إليه بنظرةٍ حادّة كالشفرة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ارتفع صوت الملك الأعلى مجددًا، عميقًا جهوريًّا.
طاطاطاااا
عادت الفوضى إلى القاعة!
“نعم، لقد أرسلنا جيشنا ’بكرم‘.”
