المُنتَحبة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
رمق وايا رالف من بعيد بنظرةٍ غاضبة، إذ كان هذا الأخير يتخذ مظهرًا متفلسفًا متفكرًا. ثم أسرع ليلحق بالأمير مع تشورا، وهو يغمغم في نفسه بأنه هو من كان ينبغي أن يكون مرافق الأمير الثاني لا ذاك الغريب.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وشيخٌ يقارب الستين، يلبس عباءةً مضحكة المنظر تشبه ما يستعمله النبلاء للاحتماء من المطر، لكن النصف السفلي من جسده كان مغطّى بسروالٍ رقيقٍ بلا بطانة، وكان في ركنٍ بعيدٍ يرتجف من شدّة البرد.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
خفت بريق عيني جينارد. “نعم.”
Arisu-san
خفت بريق عيني جينارد. “نعم.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لا تُضخّم من شأن نفسك، أيها الملك القادم. في نظر كثيرين، لا تزن النجمة التساعية عندهم أكثر من سنبلة قمح. القمح يُشبع بطونهم، فما الذي تُقدّمه لهم النجمة؟ آه، ربما منافع صغيرة. مثلًا، أن يطعمهم سيّدهم وجبةً دسمةً ويوزّع عليهم بعض الثياب القديمة ليستقبلوا بوريث للنجمة التساعية مرَّ صدفةً من هنا بمظهرٍ يليق بالمقام.”
الفصل 82: المنتحبة
إذًا، يبدو أنّ لهذا العالم أيضًا قُرىً زائفة مثل “قرية بوتيمكين”.
…
تحدث بيوتراي، نائب رئيس الوفد الدبلوماسي، وهو يُخرج غليونه ويُشعل تبغًا أثار سحبًا كثيفة من الدخان الخانق.
“يا صاحب السمو! إنك محبوب حقًّا بينهم! الشعب لم ينسَ أن الكوكبة وعائلة جيدستار الملكيّة هما من ضمِنا لهم حياةً عامرةً كهذه!”
…
كان المتحدث هو البارون ليمور. وبصفته سيّدًا على أربع قرى محلية، كان قصره قائمًا عند نقطة التقاء تلك القرى الأربع. إلى الجنوب، امتدّ شارع النهضة في الإقليم الأوسط، وقد غطّته أوراقٌ صفراء ذابلة. أمّا إلى الشمال، فامتدّ مشهدٌ بانوراميٌّ لغابة أشجار البتولا، المميّزة للإقليم الشمالي.
حين حُلّت كتيبة ضوء النجم، تبِع معظم الرجال قائدهم إلى حصن التنين المحطّم وخاضوا ثلاث معارك دموية ضد الإكستيدتيان. وبعد توقيع “عقد الحامية”، واصلوا حراسة حدود المملكة وسط البرد القارس ما.
كان هذا هو صباح اليوم الرابع من رحلتهم شمالًا إلى إكستيدت. توقّفوا عدّة مراتٍ في الطريق لإعادة التزوّد بالمؤن. وإن سارت الأمور على ما يرام، فسيعبرون حدود الإقليم الشمالي عند المساء، ويبلغون حصن التنّين المحطم في الليلة التالية.
تجمّد تاليس بدهشة. كانت هذه المواقف أكثر ما لا يعرف كيف يتعامل معه. فاستدار بسرعة وغادر.
وعلى الرغم من أنّ البارون ليمور لم يتجاوز الثلاثين بقليل، إلّا أنّه كان بدينًا يكاد يضاهي الدوق كولين العجوز حجمًا. كان يضحك حتى كادت عيناه تختفيان في طيّات وجهه.
كأنّهم إطاراتٌ مشوّشة في فيلمٍ متحرّك.
تحدّث بحماسٍ إلى الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار، الذي كان محاطًا بأفراد الشعب المبتسمين.
كانت ترتدي فستانًا أسود ضيّقًا مفصّلًا بعناية، يبرز انحناءات جسدها بلياقةٍ متناهية.
“لقد كانوا يتطلّعون إلى قدومك بشوقٍ عظيم، ويشعرون بفخرٍ بالغ. إن استمرار سلالة عائلة جيدستار الملكية حقًّا تجلٍّ لعناية تجسيد الغروب.”
قال تاليس ببرود، “إن كان ولاؤك من أجل رفاقك في كتيبة النجم، يمكنك العودة إلى العاصمة ومواصلة خدمة والدي، الملك كيسل.”
ربّت البارون على بطنه وضحك.
“اذهب وابحث عن تشورا، صاحب الشعر الأحمر.” قال وهو يومئ برأسه نحو الخلف تحت نظرات الدهشة في عيني جينارد. “بما أنك جندي مخضرم، اطلب منه أن يعيّنك في موقع. فالوفد الدبلوماسي لا يحتمل العاجزين.”
“أؤمن بأنّه في عهدك القادم، ستغدو الكوكبة أكثر ازدهارًا وسعادة، وستتفوق على ماضيها ازدهارًا ونماءً!
تبعه وايا عن قرب، ولم ينسَ أن يلقي نظرة على رالف، الذي كان يحدّق في الجندي العجوز المليء بالدموع.
فنحن، في النهاية، أحفاد الإمبراطورية!”
تلألأت نظرة تاليس. وتذكّر شقيق الملك الراحل في غرفة الدفن.
سار تاليس في القرية النظيفة اللامعة، حتى أكوام الثلج فيها كأنها كُنسَت بعناية. حافظ على ابتسامةٍ مثاليّة، ولوّح بيده للناس الذين ارتدَوا ثيابًا زاهيةً مبهرة.
تبعه وايا عن قرب، ولم ينسَ أن يلقي نظرة على رالف، الذي كان يحدّق في الجندي العجوز المليء بالدموع.
بجواره، كان وايا وتشورا وخمسة من جنود الجيش الخاص لعائلة جيدستار يحيطون به بقلقٍ ويُبعدونه عن الجموع. تبعتهم آيدا من الخلف، وبخطواتها المتثاقلة بدا جليًّا أنّ معنواياتها منخفضة.
تابع بوتراي بنبرةٍ متفكّرة،
تحدث تشورا، قائد الجيش الخاص بتعبيرٍ جاد، “من الأفضل أن نغادر في الحال يا صاحب السمو. البقاء هنا ليس بالفكرة الجيدة.”
تحدث بيوتراي، نائب رئيس الوفد الدبلوماسي، وهو يُخرج غليونه ويُشعل تبغًا أثار سحبًا كثيفة من الدخان الخانق.
أومأ وايا موافقًا وهو يوقف أحد المرافقين.
((كيف الوضع؟))
“إنه محقّ. واجبك أن تكون مبعوثًا، لا مفتشًا. نحن نمرّ بهذا المكان مرورًا عابرًا فحسب.”
قبض الجندي المخضرم، ذو الثلاثين عامًا، على أسنانه ورفع رأسه. “حين أُحضرت إلى هنا، سمعت أولئك الذين جلبوني يقولون إنك ذاهب إلى إكستيدت لتهدئة غضب الشماليين وحقدهم… بحياتك أنت؟”
أومأ تاليس برأسه، ولوّح بيده بحركاتٍ لا يفهم معناها إلا شخصٌ واحد.
أحقًا ظنّوا أنه أحمق؟
((كيف الوضع؟))
((في الخلف. مزيّفون. جميعهم.))
قطّب وايا حاجبيه وهو يفسّر إشارات الأمير. ثم التفت نحو الطرف الآخر من القرية بانزعاجٍ واضح، وكما توقّع، ظهر رالف في مكانٍ معزولٍ غير بعيد، وفي اللحظة المناسبة تمامًا. أجهد فكره قليلًا ثم أشار بدوره بإشارتين في الرد.
على غير المتوقع، نفى بيوتراي كلامه. “إذا أصررتَ على العثور على أحدهم، فمن المرجح أن يكون ذلك البارون السمين فقط.”
((في الخلف. مزيّفون. جميعهم.))
“انتبه للحرارة، يا صاحب السمو. من الآن فصاعدًا، وعلى خلاف العاصمة، لن يكون ذوبان الثلج أمرًا مألوفًا بعد الآن.”
مزيّفون… هااه…
أشعل بيوتراي غليونه، وحدّق نحو نهاية أسطول العربات، حيث كانت العربة التي تضم التابوت. قال بسخرية: “مهما يكن، لديك سبب لتأخذه معك وتضعه تحت مراقبتك وسيطرتك. على أي حال، في أسطول عرباتك المبعثر ذاك، يوجد كل صنفٍ من المخلوقات.”
هبط قلب تاليس. نظر إلى الطفل الأقرب إليه، وكان في السابعة أو الثامنة، في مثل عمره تقريبًا.
“كيف ذلك؟” سأل تاليس بتواضع، إذ لم يكن يفقه الكثير عن إقليم الشمال ولا عن إكستيدت، موجّهًا سؤاله إلى الدبلوماسي المتمرّس واسع المعرفة، رغم فظاظته معه.
كان الطفل أسمر البشرة، نحيلًا كالعظم، بثيابٍ لا تناسبه إطلاقًا. كانت يداه الصغيرتان لا تبلغان أطراف أكمامه، وعيناه تفيضان خوفًا، ويرتعش جسده الصغير، ومع ذلك أرغم نفسه على رسم ابتسامةٍ زائفة.
وامرأةٌ خجولة تلفّ رأسها بوشاحٍ، ترتدي قميصًا وتنّورة لا ينسجمان في الشكل ولا اللون؛ قميصها كان واضحًا أنه من طرازٍ دارجٍ في العاصمة.
ورجلٌ في ريعان شبابه، بعينين خاليتين من الحياة، كان يلوّح بيده الخشنة المشوّهة بصعوبة.
“في رأيي، نسلمه للبارون ليمور. بذلك لن نقلق عليه إن مات جوعًا أو بردًا في الطريق.”
وامرأةٌ خجولة تلفّ رأسها بوشاحٍ، ترتدي قميصًا وتنّورة لا ينسجمان في الشكل ولا اللون؛ قميصها كان واضحًا أنه من طرازٍ دارجٍ في العاصمة.
…
وشيخٌ يقارب الستين، يلبس عباءةً مضحكة المنظر تشبه ما يستعمله النبلاء للاحتماء من المطر، لكن النصف السفلي من جسده كان مغطّى بسروالٍ رقيقٍ بلا بطانة، وكان في ركنٍ بعيدٍ يرتجف من شدّة البرد.
الفصل 82: المنتحبة
وهذه القرية النظيفة المصفوفة فيها الجموع على جانبي الطريق لاستقبالي…
ارتجف جينارد وهو يحدّق في تاليس. ثم اضطرب جسده بشدّة، وانهمرت من عينيه دمعتان لا إراديّتان.
تنفّس تاليس ببطء ونظر نحو البارون ليمور بابتسامةٍ خفيفة.
“سيدي الأمير، ماذا عن ذلك الجندي المخضرم؟” سأل وايا بحذر.
أحقًا ظنّوا أنه أحمق؟
وامرأةٌ خجولة تلفّ رأسها بوشاحٍ، ترتدي قميصًا وتنّورة لا ينسجمان في الشكل ولا اللون؛ قميصها كان واضحًا أنه من طرازٍ دارجٍ في العاصمة.
إذًا، يبدو أنّ لهذا العالم أيضًا قُرىً زائفة مثل “قرية بوتيمكين”.
ظهرت خلف الأشجار شخصيّات غامضة، أشبه بأطيافٍ تتجسّد من العدم.
“لا بد أنّنا أنهينا التزوّد بالمؤن الآن.” أشار تاليس مجددًا برموزٍ لا يفهمها إلا رالف، ثم قال بصوت منخفض لوايا وتشورا،
سار تاليس في القرية النظيفة اللامعة، حتى أكوام الثلج فيها كأنها كُنسَت بعناية. حافظ على ابتسامةٍ مثاليّة، ولوّح بيده للناس الذين ارتدَوا ثيابًا زاهيةً مبهرة.
“فلنرحل.”
ابتسم وايا ابتسامةً خافتة.
رمق وايا رالف من بعيد بنظرةٍ غاضبة، إذ كان هذا الأخير يتخذ مظهرًا متفلسفًا متفكرًا. ثم أسرع ليلحق بالأمير مع تشورا، وهو يغمغم في نفسه بأنه هو من كان ينبغي أن يكون مرافق الأمير الثاني لا ذاك الغريب.
رمقه تاليس ولم ينطق.
رغم محاولات البارون ليمور المستميتة لإقناعهم بالبقاء، ووداعه المتكلّف المملوء بالمديح، استعدّ موكب العربات الدبلوماسي للكوكبة المتجه شمالًا نحو إكستيدت للانطلاق.
تحدث تشورا، قائد الجيش الخاص بتعبيرٍ جاد، “من الأفضل أن نغادر في الحال يا صاحب السمو. البقاء هنا ليس بالفكرة الجيدة.”
تحدث بيوتراي، نائب رئيس الوفد الدبلوماسي، وهو يُخرج غليونه ويُشعل تبغًا أثار سحبًا كثيفة من الدخان الخانق.
وشيخٌ يقارب الستين، يلبس عباءةً مضحكة المنظر تشبه ما يستعمله النبلاء للاحتماء من المطر، لكن النصف السفلي من جسده كان مغطّى بسروالٍ رقيقٍ بلا بطانة، وكان في ركنٍ بعيدٍ يرتجف من شدّة البرد.
“كنتُ أظنّ أنك تستمتع بإحساس أن تكون محاطًا بحشود المؤيدين.”
(صحيح.)
ابتسم تاليس وهو يأخذ كوب ماءٍ من أحد الحرس.
تجمّدت الأنفاس في المكان.
“لا، بل أفضل أن أتذوّق دعمًا صادقًا بسيطًا لا زيف فيه. لا أودّ أن أرى الناس يُجبرون بأوامر سيّدهم على ارتداء ثيابٍ معدّة سلفًا، ويصطنعون الابتسامات أمامي، ويروون لي أكاذيب عن سعادتهم الزائفة في قريةٍ كُنسَت شوارعها على عجل، لاستقبال أميرٍ لا يكنّون له في قلوبهم أي مودة.”
قال تاليس ببرود، “إن كان ولاؤك من أجل رفاقك في كتيبة النجم، يمكنك العودة إلى العاصمة ومواصلة خدمة والدي، الملك كيسل.”
تنهد تاليس بهدوء.
“هُناك… شخصٌ ما…” تمتمت وهي تنفض الثلج عن جسدها.
“كم تظنّ من بينهم يبتسم لي وهو يضمر الكراهية لأميرٍ هبط عليهم فجأة؟”
تراقص اللهبُ على وجوههم، فبدت الظلال حولهم نابضة بالحياة.
فاجأه بيوتراي بجوابٍ حازم.
((في الخلف. مزيّفون. جميعهم.))
“ولا واحد.”
تذكّر المشهد قبل أعوام، حين خرج ذلك الدوق الكسول في منتصف العمر من الثكنات لأول مرة وسار نحوه مباشرة.
على غير المتوقع، نفى بيوتراي كلامه. “إذا أصررتَ على العثور على أحدهم، فمن المرجح أن يكون ذلك البارون السمين فقط.”
“وهو، بعد كل شيء… كان الحارس الشخصي للدوق الراحل جون. يمكنك القول إنه مرتبط بعائلة جيدستار.”
رفع تاليس حاجبَيه.
كأنّهم إطاراتٌ مشوّشة في فيلمٍ متحرّك.
نفث بيوتراي سحابة دخانٍ بازدراء.
“أيها السادة والسيدات، يومكم سعيد. أنا… كاترينا ڤان كورليوني. أعدائي يحبّون أن ينادوني بـ المُنتَحِبة.”
“لا تُضخّم من شأن نفسك، أيها الملك القادم. في نظر كثيرين، لا تزن النجمة التساعية عندهم أكثر من سنبلة قمح. القمح يُشبع بطونهم، فما الذي تُقدّمه لهم النجمة؟ آه، ربما منافع صغيرة. مثلًا، أن يطعمهم سيّدهم وجبةً دسمةً ويوزّع عليهم بعض الثياب القديمة ليستقبلوا بوريث للنجمة التساعية مرَّ صدفةً من هنا بمظهرٍ يليق بالمقام.”
ورجلٌ في ريعان شبابه، بعينين خاليتين من الحياة، كان يلوّح بيده الخشنة المشوّهة بصعوبة.
ظلّ وجه تاليس جادًّا. وقبل أن يصعد إلى العربة، ألقى نظرةً أخيرة على القرية الواقعة بين الإقليم الأوسط والشمالي.
“كيف ذلك؟” سأل تاليس بتواضع، إذ لم يكن يفقه الكثير عن إقليم الشمال ولا عن إكستيدت، موجّهًا سؤاله إلى الدبلوماسي المتمرّس واسع المعرفة، رغم فظاظته معه.
“هذه نقطة التقاء شارع النهضة بغابة البتولا، تمرّ منها بضائع الشمال والوسط، والأرض وفيرةٌ هنا، والصيد متاح، ومع ذلك فالشعب يعيش في فقرٍ مدقع. أهو بسبب اختلاس الأجور؟ أم مشكلة في الأرض؟ أم الضرائب الباهظة؟”
قفز تاليس واقفًا، وكان وايا ورالف أسرع منه؛ أحدهما استلّ سيفه اللامع من غمده، والآخر وضع نفسه حاجزًا أمام تاليس.
نفث بيوتراي حلقتين من الدخان من أنفه بسخرية.
تأجج الفضول في صدر تاليس، وهمّ بالسؤال، لكن بيوتراي تقدّم نحوهما.
“لنقلها بصراحة. البارون ليمور تابعٌ للكونت تالون، يجبي الضرائب ويُلبي نداءات التجنيد بالنيابة عنه. وعائلة تالون بدورها من أقارب الداعمين لعائلة جيدستار الملكية. أما السبب الحقيقي لفقر الناس هنا، فهو أن حكّام الإقليم… وطنيّون أكثر مما ينبغي، ومخلصون للمملكة إلى حدّ الإفراط.”
أحقًا ظنّوا أنه أحمق؟
صمت تاليس برهةً حتى قاطعه وايا.
“ما زلت غير راغبٍ في الاستسلام، أليس كذلك؟” ضيّق تاليس عينيه. “لكن، كما تعلم، من المستحيل أن أسمح لك بمرافقتنا. لقد أُرسلت إلى هنا من قِبل زايِن كوڤندير، وأنا لا أثق به.”
“يا صاحب السمو، ذلك المحارب العجوز ما زال يرفض المغادرة. إنه يتبعنا حتى الآن.” وأشار نحو ظلٍّ أعرج خلفهم متنهّدًا. “لقد تجاوزنا مدينة نهر الجليد التابعة لعائلة تالون، وأظنّ أنّ الطعام والمؤن التي لديه لا تكفيه ليعود إلى مدينة النجم الأبدي. وفوق ذلك، لا يملك ما يقيه البرد، وكلّما مضينا شمالًا…”
كيف يُقال؟ كانت… فاتنة حدّ الاختناق.
تحدث تشورا وهو يمرّر أصابعه في شعره الأحمر.
تكوّنت تشكيلة ضوء النجم الشهيرة في مملكة الكوكبة.
“في رأيي، نسلمه للبارون ليمور. بذلك لن نقلق عليه إن مات جوعًا أو بردًا في الطريق.”
لكن صوتها قُطع فجأة.
هزّ تاليس رأسه وهو يحدّق في هيئة جينارد البعيدة، المصرّة على اتباعهم.
“تشورا!” نادى بيوتراي بهدوءٍ صارم.
“لقد رأيتَ حاله. لا يُحسن التعامل مع النبلاء، والبارون على الأرجح سيرسله مباشرةً إلى زنزانة السجن.”
لقد رأى من قبل بشرًا يظهرون بتلك الطريقة…
“وهو، بعد كل شيء… كان الحارس الشخصي للدوق الراحل جون. يمكنك القول إنه مرتبط بعائلة جيدستار.”
…
تلألأت نظرة تاليس. وتذكّر شقيق الملك الراحل في غرفة الدفن.
كانت ترتدي فستانًا أسود ضيّقًا مفصّلًا بعناية، يبرز انحناءات جسدها بلياقةٍ متناهية.
[ملك حرب النجوم، محرّر زودرا، دوق بحيرة النجم، جون ل. ك. جيدستار، 613-660]
وشيخٌ يقارب الستين، يلبس عباءةً مضحكة المنظر تشبه ما يستعمله النبلاء للاحتماء من المطر، لكن النصف السفلي من جسده كان مغطّى بسروالٍ رقيقٍ بلا بطانة، وكان في ركنٍ بعيدٍ يرتجف من شدّة البرد.
“إذن، لنجلبه معنا.”
شعر وايا أن مكانته كخادمٍ للأمير باتت مهدّدة حقًّا بهذا الرجل ذي القناع الفضي، الذي لا يستطيع المشي إلا بأطرافٍ صناعية.
نظر تاليس إلى نائبه الدبلوماسي بدهشة. كان اللورد بيوتراي محبطًا حين أدرك أن النار في غليونه قد انطفأت مجددًا بفعل البرد، فراح يبحث في جيبه في ارتباك. تنفّس وايا الصعداء، وأخرج قطعة صوّان وتقدّم نحوه.
“فلنرحل.”
“في رأيي، من يمتلك العزم ليتبعنا ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ سيرًا على الأقدام—شكرًا لك، لقد أنقذتني—إن لم يكن أكثر الأتباع ولاءً، فهو أعتى الأعداء خطرًا.”
سُحبت السيوف من أغمادها، وتراصّت التروس لتشكّل جدارًا يحيط بـ تاليس.
أشعل بيوتراي غليونه، وحدّق نحو نهاية أسطول العربات، حيث كانت العربة التي تضم التابوت. قال بسخرية: “مهما يكن، لديك سبب لتأخذه معك وتضعه تحت مراقبتك وسيطرتك. على أي حال، في أسطول عرباتك المبعثر ذاك، يوجد كل صنفٍ من المخلوقات.”
نفث بيوتراي سحابة دخانٍ بازدراء.
قطّب تاليس حاجبيه متجاهلًا تذمّر بوتاري من مرافقة عشيرة الدم. “تابعٌ مخلص وعدوّ خطر. لا أرغب في المقامرة على أيٍّ من الاحتمالين.”
وجهها رقيقٌ وناعم، شعرها فضّيٌّ لامع، وعيناها بنفسجيّتان تلمعان كأنهما تدمعان بنورٍ غامض.
استنشق بيوتراي نَفَسًا عميقًا من دخانه، وأغمض عينيه في رضًى. “يصعب الجزم. أحيانًا، كلا الاحتمالين يكونان صحيحين في آنٍ واحد.”
“لم آتِ فحسب، بل خدمت هنا أيضًا. برج الإبادة يقع في الجنوب الغربي من نقطة التقاء إكستيدت واتحاد كاموس، داخل سلسلة الجبال الواقعة شمال الصحراء الكبرى. حينها كانت حرب الصحراء مشتعلة بشراسة. كانت الطرق في الصحراء الغربية مقطوعة، ولم أجد سبيلًا إلا الالتفاف عبر أراضي الشمال لأقدّم تقريري العسكري.”
رفع تاليس عينيه بضيق.
ارتجف عمودُ فقرته من البرد والخوف.
“سيدي الأمير، ماذا عن ذلك الجندي المخضرم؟” سأل وايا بحذر.
“أيها السادة والسيدات، يومكم سعيد. أنا… كاترينا ڤان كورليوني. أعدائي يحبّون أن ينادوني بـ المُنتَحِبة.”
تأمّل تاليس للحظة، ثم بدأ يمشي باتجاه الجندي القديم من كتيبة ضوء النجم. تبعه رالف بهدوء من الخلف.
كانت امرأة.
تجمّد وايا لحظة، ثم أسرع للحاق بالأمير الثاني. وفي الوقت نفسه، نظر إلى تابع الرياح الشبحية بنفورٍ واضح. وحين تجاوز رالف، خطا خطوة إلى الأمام تلقائيًّا ليصبح الأقرب إلى الأمير.
حين حُلّت كتيبة ضوء النجم، تبِع معظم الرجال قائدهم إلى حصن التنين المحطّم وخاضوا ثلاث معارك دموية ضد الإكستيدتيان. وبعد توقيع “عقد الحامية”، واصلوا حراسة حدود المملكة وسط البرد القارس ما.
شعر وايا أن مكانته كخادمٍ للأمير باتت مهدّدة حقًّا بهذا الرجل ذي القناع الفضي، الذي لا يستطيع المشي إلا بأطرافٍ صناعية.
حين حُلّت كتيبة ضوء النجم، تبِع معظم الرجال قائدهم إلى حصن التنين المحطّم وخاضوا ثلاث معارك دموية ضد الإكستيدتيان. وبعد توقيع “عقد الحامية”، واصلوا حراسة حدود المملكة وسط البرد القارس ما.
فعلى سبيل المثال، تلك الإشارات اليدوية التي لا يفهمها إلا رالف والأمير، مع أنه هو التابع.
ارتجف جينارد وهو يحدّق في تاليس. ثم اضطرب جسده بشدّة، وانهمرت من عينيه دمعتان لا إراديّتان.
صاح تاليس من بعيد: “أيها الجندي المخضرم! ما اسمك؟”
وحين رأى تاليس ملامحه تلك، زفر بعمق.
رفع جينارد رأسه وهو يحتضن نفسه مرتجفًا من البرد. وحين رأى النجمة التساعية المطرّزة على ثياب تاليس، أضاءت عيناه.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
تذكّر المشهد قبل أعوام، حين خرج ذلك الدوق الكسول في منتصف العمر من الثكنات لأول مرة وسار نحوه مباشرة.
ابتسم تاليس وهو يأخذ كوب ماءٍ من أحد الحرس.
“يا دوق.”
اشتدّ بريق نظرتها، وضعت كفّيها على بطنها، وتكلّمت ببطءٍ شديدٍ وصوتٍ كالزمهرير.
قال متلعثمًا بين ارتجافاته: “جـ… جينارد.”
“الخبر الجيّد هو أنّ اليوم السابق للشتاء القارس—وهو طقس لا يوجد إلا في الشمال—سيأتي هذا العام أبكر من المعتاد. ومهما بلغت براعة أهل إكستيدت في القتال شتاءً، فلن يكون بمقدورهم حشد جيوشٍ كبرى أو تشكيل صفوفٍ قتالية، ولا حتى حصار الحصون في طقسٍ تتجمّد فيه المياه ما إن تُسكب. خطوط إمدادهم ستنهار من شدّة البرد.”
“ما زلت غير راغبٍ في الاستسلام، أليس كذلك؟” ضيّق تاليس عينيه. “لكن، كما تعلم، من المستحيل أن أسمح لك بمرافقتنا. لقد أُرسلت إلى هنا من قِبل زايِن كوڤندير، وأنا لا أثق به.”
التفت تاليس على الفور نحو العربة التي تحمل التابوت الأسود، وقد أصابه الذهول والارتباك.
تجمّد جينارد، ثم سارع بالتوضيح، “أنا لست من مجموعتهم. لقد أُسرتُ على أيديهم… لا أعلم حتى لماذا أرادوا إرسالي إلى هنا—”
“اذهب وابحث عن تشورا، صاحب الشعر الأحمر.” قال وهو يومئ برأسه نحو الخلف تحت نظرات الدهشة في عيني جينارد. “بما أنك جندي مخضرم، اطلب منه أن يعيّنك في موقع. فالوفد الدبلوماسي لا يحتمل العاجزين.”
“لكن مرت ثلاثة أيام. لماذا تتبعني؟” قاطعه تاليس وهو يحدّق مباشرة في وجهه. “أعطني سببًا يجعلني أصدقك.”
“أؤمن بأنّه في عهدك القادم، ستغدو الكوكبة أكثر ازدهارًا وسعادة، وستتفوق على ماضيها ازدهارًا ونماءً!
حدّق جينارد بتوهان في وجه تاليس. ((صحيح. فهو، في النهاية، ليس الدوق. لن يثق بي.))
فعلى سبيل المثال، تلك الإشارات اليدوية التي لا يفهمها إلا رالف والأمير، مع أنه هو التابع.
لو كان الدوق، لابتسم ابتسامة غامضة، وربّت على كتفه، وقال بأسلوبه المتبذّل أن يأخذ وجبته ويغادر بعد أن يهمس، “سأراقبك.” ثم يمضي مطمئنًّا.
رفع تاليس حاجبَيه.
لكن، بسبب هذه الشخصية بالذات… الدوق…
نفث بيوتراي حلقتين من الدخان من أنفه بسخرية.
قبض الجندي المخضرم، ذو الثلاثين عامًا، على أسنانه ورفع رأسه. “حين أُحضرت إلى هنا، سمعت أولئك الذين جلبوني يقولون إنك ذاهب إلى إكستيدت لتهدئة غضب الشماليين وحقدهم… بحياتك أنت؟”
[ملك حرب النجوم، محرّر زودرا، دوق بحيرة النجم، جون ل. ك. جيدستار، 613-660]
رمقه تاليس ولم ينطق.
“لنقلها بصراحة. البارون ليمور تابعٌ للكونت تالون، يجبي الضرائب ويُلبي نداءات التجنيد بالنيابة عنه. وعائلة تالون بدورها من أقارب الداعمين لعائلة جيدستار الملكية. أما السبب الحقيقي لفقر الناس هنا، فهو أن حكّام الإقليم… وطنيّون أكثر مما ينبغي، ومخلصون للمملكة إلى حدّ الإفراط.”
ضمّ جينارد ذراعيه حول جسده المرتجف وقال متوسّلًا، “دعني أرافقك. دعني أتبع النجمة التساعية.”
…
ظل تاليس صامتًا.
وما إن صدح أمر تشورا الغاضب حتى دوّى صياح الثلاثين من جنود عائلة جيدستار.
وحين أوشك جينارد على الانهيار من القلق، تكلّم الأمير الثاني أخيرًا ببطء، “سمعتُ أنك”—تنفّس تاليس—”كنت من كتيبة ضوء النجم، وكنت الحارس الشخصي للدوق جون، عمّي الأكبر؟”
نظر تاليس إلى نائبه الدبلوماسي بدهشة. كان اللورد بيوتراي محبطًا حين أدرك أن النار في غليونه قد انطفأت مجددًا بفعل البرد، فراح يبحث في جيبه في ارتباك. تنفّس وايا الصعداء، وأخرج قطعة صوّان وتقدّم نحوه.
خفت بريق عيني جينارد. “نعم.”
شعر وايا أن مكانته كخادمٍ للأمير باتت مهدّدة حقًّا بهذا الرجل ذي القناع الفضي، الذي لا يستطيع المشي إلا بأطرافٍ صناعية.
وقد خذلته.
التفت تاليس على الفور نحو العربة التي تحمل التابوت الأسود، وقد أصابه الذهول والارتباك.
قال تاليس ببرود، “إن كان ولاؤك من أجل رفاقك في كتيبة النجم، يمكنك العودة إلى العاصمة ومواصلة خدمة والدي، الملك كيسل.”
ربّت البارون على بطنه وضحك.
كان وجه جينارد مغطّى بالغبار، وأنفاسه متقطّعة وهو ينظر إلى تاليس. “لقد خدمته اثنتي عشرة سنة في العاصمة، لكن الآن… لا مكان لي أذهب إليه.”
كأنّهم إطاراتٌ مشوّشة في فيلمٍ متحرّك.
(صحيح.)
وشيخٌ يقارب الستين، يلبس عباءةً مضحكة المنظر تشبه ما يستعمله النبلاء للاحتماء من المطر، لكن النصف السفلي من جسده كان مغطّى بسروالٍ رقيقٍ بلا بطانة، وكان في ركنٍ بعيدٍ يرتجف من شدّة البرد.
حين حُلّت كتيبة ضوء النجم، تبِع معظم الرجال قائدهم إلى حصن التنين المحطّم وخاضوا ثلاث معارك دموية ضد الإكستيدتيان. وبعد توقيع “عقد الحامية”، واصلوا حراسة حدود المملكة وسط البرد القارس ما.
رمقه تاليس ولم ينطق.
لكنه لم يذهب. أراد أن يبقى في العاصمة، ليواصل خدمة النجمة التساعية وعائلة جيدستار. ليُكفّر عن ذنوبه.
وحين رأى تاليس ملامحه تلك، زفر بعمق.
لكن… كيسل…
رغم محاولات البارون ليمور المستميتة لإقناعهم بالبقاء، ووداعه المتكلّف المملوء بالمديح، استعدّ موكب العربات الدبلوماسي للكوكبة المتجه شمالًا نحو إكستيدت للانطلاق.
تذكّر جينارد حياته المملة في فرقة حرس المدينة، التي استمرت اثنتي عشرة سنة، فضحك بمرارة.
تذكّر المشهد قبل أعوام، حين خرج ذلك الدوق الكسول في منتصف العمر من الثكنات لأول مرة وسار نحوه مباشرة.
وحين رأى تاليس ملامحه تلك، زفر بعمق.
“الآن، آمركم… أن تسلّموني أختي. ثم تنامون هنا… إلى الأبد.”
“اذهب وابحث عن تشورا، صاحب الشعر الأحمر.” قال وهو يومئ برأسه نحو الخلف تحت نظرات الدهشة في عيني جينارد. “بما أنك جندي مخضرم، اطلب منه أن يعيّنك في موقع. فالوفد الدبلوماسي لا يحتمل العاجزين.”
قطّب تاليس حاجبيه متجاهلًا تذمّر بوتاري من مرافقة عشيرة الدم. “تابعٌ مخلص وعدوّ خطر. لا أرغب في المقامرة على أيٍّ من الاحتمالين.”
ارتجف جينارد وهو يحدّق في تاليس. ثم اضطرب جسده بشدّة، وانهمرت من عينيه دمعتان لا إراديّتان.
الجميلة ذات الرداء الأسود، بعينيها البريئتين اللامعتين، نظرت ببرودٍ قاتل.
تجمّد تاليس بدهشة. كانت هذه المواقف أكثر ما لا يعرف كيف يتعامل معه. فاستدار بسرعة وغادر.
تبعه وايا عن قرب، ولم ينسَ أن يلقي نظرة على رالف، الذي كان يحدّق في الجندي العجوز المليء بالدموع.
تبعه وايا عن قرب، ولم ينسَ أن يلقي نظرة على رالف، الذي كان يحدّق في الجندي العجوز المليء بالدموع.
ربّت البارون على بطنه وضحك.
(شخص تائه آخر… تمامًا مثلي.)
على غير المتوقع، نفى بيوتراي كلامه. “إذا أصررتَ على العثور على أحدهم، فمن المرجح أن يكون ذلك البارون السمين فقط.”
ابتعد تاليس أكثر فأكثر.
حين حُلّت كتيبة ضوء النجم، تبِع معظم الرجال قائدهم إلى حصن التنين المحطّم وخاضوا ثلاث معارك دموية ضد الإكستيدتيان. وبعد توقيع “عقد الحامية”، واصلوا حراسة حدود المملكة وسط البرد القارس ما.
إن كان حارس جون الشخصي، وشارك في تلك المعارك، فلا شك أنه عاش حقيقة الأحداث التي جرت خلف “العام الدموي”. تلك الحقائق التي أبحث عنها.
ضمّ جينارد ذراعيه حول جسده المرتجف وقال متوسّلًا، “دعني أرافقك. دعني أتبع النجمة التساعية.”
دخل الأمير الثاني العربة دون أن ينطق بكلمة.
“من أنتم؟” صرخ بيوتراي ببرودٍ، وهو يستلّ سيفه ويقبض في اليد الأخرى على مشعلٍ.
تابع موكب العربات مسيره، مغادرًا ارع النهضة ودخل غابة أشجار البتولا المميزة لإقليم الشمال.
كانت امرأة.
في مساء اليوم التالي، حين وصل الموكب الذي كان يحمل راية النجمتين المتصالبتين أخيرًا إلى حدود غابة البتولا، بدأ الثلج يتساقط بلا انقطاع، حتى غدا كل ما حولهم مكسوًّا ببياضٍ فضيٍّ ناصع.
تلك الحسناء الغامضة، التي لا يمكن تحديد عمرها، حرّكت شفتيها الكرزيتين ببطءٍ وهي تنطق بصوتٍ باردٍ ميكانيكيٍّ خالٍ من الحياة.
حين توقفوا للاستراحة، أشعل وايا مشعلًا من نار المعسكر التي أضرمها الحرس، ورفعه نحو تاليس الذي كان يحتكّ بيديه من شدّة البرد.
(أين الأعداء؟)
“انتبه للحرارة، يا صاحب السمو. من الآن فصاعدًا، وعلى خلاف العاصمة، لن يكون ذوبان الثلج أمرًا مألوفًا بعد الآن.”
“تشورا!” نادى بيوتراي بهدوءٍ صارم.
أخذ تاليس المشعل الدافئ بامتنان، وزفر نفَسًا حارًّا.
“كنتُ أظنّ أنك تستمتع بإحساس أن تكون محاطًا بحشود المؤيدين.”
“هل جئت إلى هنا من قبل؟”
قفز تاليس واقفًا، وكان وايا ورالف أسرع منه؛ أحدهما استلّ سيفه اللامع من غمده، والآخر وضع نفسه حاجزًا أمام تاليس.
ابتسم وايا ابتسامةً خافتة.
“لكن مرت ثلاثة أيام. لماذا تتبعني؟” قاطعه تاليس وهو يحدّق مباشرة في وجهه. “أعطني سببًا يجعلني أصدقك.”
“لم آتِ فحسب، بل خدمت هنا أيضًا. برج الإبادة يقع في الجنوب الغربي من نقطة التقاء إكستيدت واتحاد كاموس، داخل سلسلة الجبال الواقعة شمال الصحراء الكبرى. حينها كانت حرب الصحراء مشتعلة بشراسة. كانت الطرق في الصحراء الغربية مقطوعة، ولم أجد سبيلًا إلا الالتفاف عبر أراضي الشمال لأقدّم تقريري العسكري.”
رفع تاليس حاجبَيه.
تأجج الفضول في صدر تاليس، وهمّ بالسؤال، لكن بيوتراي تقدّم نحوهما.
صمت تاليس برهةً حتى قاطعه وايا.
“هذا العام أبرد من المعتاد. حصن التنين المحطم سيكون أشدّ بردًا من هذا.”
مزيّفون… هااه…
انحنى اللورد بيوتراي، وأخذ قبضة من طبقة الثلج الرقيقة على الأرض، ثم ازدادت ملامحه جديّة.
“كنتُ أظنّ أنك تستمتع بإحساس أن تكون محاطًا بحشود المؤيدين.”
“إنه خبرٌ جيّد وسيّئ في آنٍ واحد.”
أومأ تاليس برأسه، ولوّح بيده بحركاتٍ لا يفهم معناها إلا شخصٌ واحد.
“كيف ذلك؟” سأل تاليس بتواضع، إذ لم يكن يفقه الكثير عن إقليم الشمال ولا عن إكستيدت، موجّهًا سؤاله إلى الدبلوماسي المتمرّس واسع المعرفة، رغم فظاظته معه.
“انتبه للحرارة، يا صاحب السمو. من الآن فصاعدًا، وعلى خلاف العاصمة، لن يكون ذوبان الثلج أمرًا مألوفًا بعد الآن.”
“الخبر الجيّد هو أنّ اليوم السابق للشتاء القارس—وهو طقس لا يوجد إلا في الشمال—سيأتي هذا العام أبكر من المعتاد. ومهما بلغت براعة أهل إكستيدت في القتال شتاءً، فلن يكون بمقدورهم حشد جيوشٍ كبرى أو تشكيل صفوفٍ قتالية، ولا حتى حصار الحصون في طقسٍ تتجمّد فيه المياه ما إن تُسكب. خطوط إمدادهم ستنهار من شدّة البرد.”
“اذهب وابحث عن تشورا، صاحب الشعر الأحمر.” قال وهو يومئ برأسه نحو الخلف تحت نظرات الدهشة في عيني جينارد. “بما أنك جندي مخضرم، اطلب منه أن يعيّنك في موقع. فالوفد الدبلوماسي لا يحتمل العاجزين.”
تابع بوتراي بنبرةٍ متفكّرة،
كان المتحدث هو البارون ليمور. وبصفته سيّدًا على أربع قرى محلية، كان قصره قائمًا عند نقطة التقاء تلك القرى الأربع. إلى الجنوب، امتدّ شارع النهضة في الإقليم الأوسط، وقد غطّته أوراقٌ صفراء ذابلة. أمّا إلى الشمال، فامتدّ مشهدٌ بانوراميٌّ لغابة أشجار البتولا، المميّزة للإقليم الشمالي.
“أما الخبر السيّئ، فهو أنه إن أراد لامبارد إسقاط حصن التنين المحطم، فهذان اليومان هما فرصته الأخيرة.”
بدأت الأشكال تتضح في ضوء النار — رجالٌ ونساء، يرتدون ملابس فاخرة ودروعًا أنيقة، وكأنهم استعاروا مجدًا من عصورٍ مضت.
سرت قشعريرة في جسد تاليس.
الجميلة ذات الرداء الأسود، بعينيها البريئتين اللامعتين، نظرت ببرودٍ قاتل.
وبينما كانت ملامح وايا ورالف تتجهّم، انتزع بيوتراي المشعل من يد تاليس بخشونة وأطفأه في الثلج.
تلك الحسناء الغامضة، التي لا يمكن تحديد عمرها، حرّكت شفتيها الكرزيتين ببطءٍ وهي تنطق بصوتٍ باردٍ ميكانيكيٍّ خالٍ من الحياة.
“نعم، يا صاحب السمو، حصن التنين المحطم ليس بعيدًا. وإن كنت ما زلت تنوي إخماد نيران الحرب، لا أن تتجوّل في الطبيعة متأملًا جمالها، فالأجدر بك أن تُسرع وتمضي قدمًا!”
أخذ تاليس المشعل الدافئ بامتنان، وزفر نفَسًا حارًّا.
في تلك اللحظة، ارتجفت المرأة ذات الرداء الأسود، آيدا، الحارسة السرية، وقد كانت شاحبة المزاج طيلة الرحلة، فاعتدلت جالسة فجأة.
كورليوني؟ كاترينا؟ المُنتَحِبة؟ أليس هذا…
“هُناك… شخصٌ ما…” تمتمت وهي تنفض الثلج عن جسدها.
ارتجف عمودُ فقرته من البرد والخوف.
لكن صوتها قُطع فجأة.
تذكّر المشهد قبل أعوام، حين خرج ذلك الدوق الكسول في منتصف العمر من الثكنات لأول مرة وسار نحوه مباشرة.
“هجوم!” دوّى نداءٌ غاضبٌ من بعيد، كان صوت جينارد المخضرم.
وشيخٌ يقارب الستين، يلبس عباءةً مضحكة المنظر تشبه ما يستعمله النبلاء للاحتماء من المطر، لكن النصف السفلي من جسده كان مغطّى بسروالٍ رقيقٍ بلا بطانة، وكان في ركنٍ بعيدٍ يرتجف من شدّة البرد.
قفز تاليس واقفًا، وكان وايا ورالف أسرع منه؛ أحدهما استلّ سيفه اللامع من غمده، والآخر وضع نفسه حاجزًا أمام تاليس.
اشتدّ بريق نظرتها، وضعت كفّيها على بطنها، وتكلّمت ببطءٍ شديدٍ وصوتٍ كالزمهرير.
“تشورا!” نادى بيوتراي بهدوءٍ صارم.
“يا صاحب السمو، ذلك المحارب العجوز ما زال يرفض المغادرة. إنه يتبعنا حتى الآن.” وأشار نحو ظلٍّ أعرج خلفهم متنهّدًا. “لقد تجاوزنا مدينة نهر الجليد التابعة لعائلة تالون، وأظنّ أنّ الطعام والمؤن التي لديه لا تكفيه ليعود إلى مدينة النجم الأبدي. وفوق ذلك، لا يملك ما يقيه البرد، وكلّما مضينا شمالًا…”
“تشكّلوا!”
“كنتُ أظنّ أنك تستمتع بإحساس أن تكون محاطًا بحشود المؤيدين.”
وما إن صدح أمر تشورا الغاضب حتى دوّى صياح الثلاثين من جنود عائلة جيدستار.
في اللحظة التالية، لم يحتج للتساؤل بعد الآن.
سُحبت السيوف من أغمادها، وتراصّت التروس لتشكّل جدارًا يحيط بـ تاليس.
“الخبر الجيّد هو أنّ اليوم السابق للشتاء القارس—وهو طقس لا يوجد إلا في الشمال—سيأتي هذا العام أبكر من المعتاد. ومهما بلغت براعة أهل إكستيدت في القتال شتاءً، فلن يكون بمقدورهم حشد جيوشٍ كبرى أو تشكيل صفوفٍ قتالية، ولا حتى حصار الحصون في طقسٍ تتجمّد فيه المياه ما إن تُسكب. خطوط إمدادهم ستنهار من شدّة البرد.”
تكوّنت تشكيلة ضوء النجم الشهيرة في مملكة الكوكبة.
“اذهب وابحث عن تشورا، صاحب الشعر الأحمر.” قال وهو يومئ برأسه نحو الخلف تحت نظرات الدهشة في عيني جينارد. “بما أنك جندي مخضرم، اطلب منه أن يعيّنك في موقع. فالوفد الدبلوماسي لا يحتمل العاجزين.”
لكن تاليس، المحشور بين تابعه تابع الرياح الشبحية، أدار نظره في حيرةٍ بين ظلال المساء في غابة البتولا.
سُحبت السيوف من أغمادها، وتراصّت التروس لتشكّل جدارًا يحيط بـ تاليس.
(أين الأعداء؟)
وعلى الرغم من أنّ البارون ليمور لم يتجاوز الثلاثين بقليل، إلّا أنّه كان بدينًا يكاد يضاهي الدوق كولين العجوز حجمًا. كان يضحك حتى كادت عيناه تختفيان في طيّات وجهه.
في اللحظة التالية، لم يحتج للتساؤل بعد الآن.
قطّب تاليس حاجبيه متجاهلًا تذمّر بوتاري من مرافقة عشيرة الدم. “تابعٌ مخلص وعدوّ خطر. لا أرغب في المقامرة على أيٍّ من الاحتمالين.”
ظهرت خلف الأشجار شخصيّات غامضة، أشبه بأطيافٍ تتجسّد من العدم.
كانت ترتدي فستانًا أسود ضيّقًا مفصّلًا بعناية، يبرز انحناءات جسدها بلياقةٍ متناهية.
كان عددهم لا يقلّ عن عشرين.
(أين الأعداء؟)
ارتجف عمودُ فقرته من البرد والخوف.
“أؤمن بأنّه في عهدك القادم، ستغدو الكوكبة أكثر ازدهارًا وسعادة، وستتفوق على ماضيها ازدهارًا ونماءً!
لقد رأى من قبل بشرًا يظهرون بتلك الطريقة…
اشتدّ بريق نظرتها، وضعت كفّيها على بطنها، وتكلّمت ببطءٍ شديدٍ وصوتٍ كالزمهرير.
كأنّهم إطاراتٌ مشوّشة في فيلمٍ متحرّك.
“إنه محقّ. واجبك أن تكون مبعوثًا، لا مفتشًا. نحن نمرّ بهذا المكان مرورًا عابرًا فحسب.”
رفع جنود عائلة جيدستار مشاعلهم في أماكن محدّدة داخل الدائرة الدفاعية، لتضيء المشهد.
أخذ تاليس المشعل الدافئ بامتنان، وزفر نفَسًا حارًّا.
تراقص اللهبُ على وجوههم، فبدت الظلال حولهم نابضة بالحياة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بدأت الأشكال تتضح في ضوء النار — رجالٌ ونساء، يرتدون ملابس فاخرة ودروعًا أنيقة، وكأنهم استعاروا مجدًا من عصورٍ مضت.
التفت تاليس على الفور نحو العربة التي تحمل التابوت الأسود، وقد أصابه الذهول والارتباك.
كلّهم كانوا ذوي قامةٍ شامخة ووسامةٍ نادرة، لكنّ أعينهم كانت باردةً كحدّ النصل، مركّزة على تاليس ورفاقه كما لو أنّهم طرائدٌ محكومٌ عليها بالفناء.
على غير المتوقع، نفى بيوتراي كلامه. “إذا أصررتَ على العثور على أحدهم، فمن المرجح أن يكون ذلك البارون السمين فقط.”
“من أنتم؟” صرخ بيوتراي ببرودٍ، وهو يستلّ سيفه ويقبض في اليد الأخرى على مشعلٍ.
“هُناك… شخصٌ ما…” تمتمت وهي تنفض الثلج عن جسدها.
تحت أنظار جنود الكوكبة المندهشة، تقدّمت هيئةٌ أنثوية بخطواتٍ هادئةٍ رشيقة.
وعلى الرغم من أنّ البارون ليمور لم يتجاوز الثلاثين بقليل، إلّا أنّه كان بدينًا يكاد يضاهي الدوق كولين العجوز حجمًا. كان يضحك حتى كادت عيناه تختفيان في طيّات وجهه.
كانت امرأة.
“اذهب وابحث عن تشورا، صاحب الشعر الأحمر.” قال وهو يومئ برأسه نحو الخلف تحت نظرات الدهشة في عيني جينارد. “بما أنك جندي مخضرم، اطلب منه أن يعيّنك في موقع. فالوفد الدبلوماسي لا يحتمل العاجزين.”
أول امرأةٍ فاتنةٍ تقع عينا تاليس عليها منذ أن عبر العوالم.
“لقد رأيتَ حاله. لا يُحسن التعامل مع النبلاء، والبارون على الأرجح سيرسله مباشرةً إلى زنزانة السجن.”
جمالها سلب الأنفاس.
قبض الجندي المخضرم، ذو الثلاثين عامًا، على أسنانه ورفع رأسه. “حين أُحضرت إلى هنا، سمعت أولئك الذين جلبوني يقولون إنك ذاهب إلى إكستيدت لتهدئة غضب الشماليين وحقدهم… بحياتك أنت؟”
كيف يُقال؟ كانت… فاتنة حدّ الاختناق.
تذكّر جينارد حياته المملة في فرقة حرس المدينة، التي استمرت اثنتي عشرة سنة، فضحك بمرارة.
كانت ترتدي فستانًا أسود ضيّقًا مفصّلًا بعناية، يبرز انحناءات جسدها بلياقةٍ متناهية.
وحين رأى تاليس ملامحه تلك، زفر بعمق.
وجهها رقيقٌ وناعم، شعرها فضّيٌّ لامع، وعيناها بنفسجيّتان تلمعان كأنهما تدمعان بنورٍ غامض.
“لم آتِ فحسب، بل خدمت هنا أيضًا. برج الإبادة يقع في الجنوب الغربي من نقطة التقاء إكستيدت واتحاد كاموس، داخل سلسلة الجبال الواقعة شمال الصحراء الكبرى. حينها كانت حرب الصحراء مشتعلة بشراسة. كانت الطرق في الصحراء الغربية مقطوعة، ولم أجد سبيلًا إلا الالتفاف عبر أراضي الشمال لأقدّم تقريري العسكري.”
لو وُضعت في سوق الشارع الأحمر، لكانت حتمًا من النساء اللواتي لا يُؤذن بلقائهنّ إلا للنبلاء من رتبة الدوق فما فوق.
نفث بيوتراي سحابة دخانٍ بازدراء.
تلك الحسناء الغامضة، التي لا يمكن تحديد عمرها، حرّكت شفتيها الكرزيتين ببطءٍ وهي تنطق بصوتٍ باردٍ ميكانيكيٍّ خالٍ من الحياة.
ابتسم وايا ابتسامةً خافتة.
“أيها السادة والسيدات، يومكم سعيد. أنا… كاترينا ڤان كورليوني. أعدائي يحبّون أن ينادوني بـ المُنتَحِبة.”
“انتبه للحرارة، يا صاحب السمو. من الآن فصاعدًا، وعلى خلاف العاصمة، لن يكون ذوبان الثلج أمرًا مألوفًا بعد الآن.”
تجمّدت الأنفاس في المكان.
في مساء اليوم التالي، حين وصل الموكب الذي كان يحمل راية النجمتين المتصالبتين أخيرًا إلى حدود غابة البتولا، بدأ الثلج يتساقط بلا انقطاع، حتى غدا كل ما حولهم مكسوًّا ببياضٍ فضيٍّ ناصع.
التفت تاليس على الفور نحو العربة التي تحمل التابوت الأسود، وقد أصابه الذهول والارتباك.
لو كان الدوق، لابتسم ابتسامة غامضة، وربّت على كتفه، وقال بأسلوبه المتبذّل أن يأخذ وجبته ويغادر بعد أن يهمس، “سأراقبك.” ثم يمضي مطمئنًّا.
كورليوني؟ كاترينا؟ المُنتَحِبة؟ أليس هذا…
في اللحظة التالية، لم يحتج للتساؤل بعد الآن.
لكن الأحداث تتابعت دون توقّف.
أحقًا ظنّوا أنه أحمق؟
الجميلة ذات الرداء الأسود، بعينيها البريئتين اللامعتين، نظرت ببرودٍ قاتل.
((كيف الوضع؟))
اشتدّ بريق نظرتها، وضعت كفّيها على بطنها، وتكلّمت ببطءٍ شديدٍ وصوتٍ كالزمهرير.
كانت ترتدي فستانًا أسود ضيّقًا مفصّلًا بعناية، يبرز انحناءات جسدها بلياقةٍ متناهية.
“الآن، آمركم… أن تسلّموني أختي. ثم تنامون هنا… إلى الأبد.”
(صحيح.)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تذكّر جينارد حياته المملة في فرقة حرس المدينة، التي استمرت اثنتي عشرة سنة، فضحك بمرارة.
“في رأيي، نسلمه للبارون ليمور. بذلك لن نقلق عليه إن مات جوعًا أو بردًا في الطريق.”
