المُنتَحِبة والقبيحة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لا. اتّسعت عينا تاليس رعبًا. لم يكن غريبًا عن مشهد الحرب، لكنّه لم يرَ قط معركةً تميل كفّتها بهذه السرعة الساحقة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“سريعون جدًا! احذروا، اثبتوا!”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“آه… يدي!”
Arisu-san
لكن لماذا تُهين ملكة أقوى ممالك شبه الجزيرة الشرقية مكانتها السامية وتعبر البحر بنفسها لتلاحق أربعة لاجئين سياسيين لا حول لهم ولا قوة؟ حتى وإن كانت أختها، التي تطمع في عرش محيط الدماء، فالأمر غير منطقي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
صرخ بأعلى صوته:
الفصل 83: المُنتَحِبة والقبيحة
“اللعنة! اسحبوه للخلف بسرعة!”
….
“حتى لو كان عدوّك هو الملك الأعلى للكوكبة، فبوجود جيش الدم المقدّس يحميك، فلن يجرؤ على الوقوف ضدّك.”
حدق بيوتراي في الأفق نحو الغروب الذي كانت الأشجار تكاد تحجبه.
انفرجت شفتاها الكرزيتان قليلًا.
“أظنّ أن للأمر علاقةً بضيوفك الذين يتمتّعون بأنظمة غذائيةٍ فريدة؟”
إن أُصيب أحدهم، يتبدّل مكانه فورًا، ويتناوب الثلاثة دون انقطاع، كآلةٍ داميةٍ متقنةٍ لا تعرف الرحمة، تضغط بثقلٍ لا يُحتمل على صفوف المدافعين.
ثم تنهد ساخرًا وهو يرنو نحو تاليس بنظرةٍ متهكّمة.
تحدث بصوتٍ جافٍّ كالصقيع، “أيها الفانون القادمون من شبه الجزيرة الغربية، جلالتها الملكة تنتظر خضوعكم. سلّموا خونة مملكة الليل، وسنكون أقلّ قسوةً في هجومنا.”
لكن تاليس لم يُجبه.
كان ثلاثون من سَيّافي الإبادة جميعهم من المقاتلين النخبة، ومع ذلك لم يتمالك كثيرٌ منهم أنفسهم عن النظر نحو قائدهم تشورا.
أجبر الأمير نفسه على الهدوء وسط الاضطراب والفوضى التي خلّفها كمينٌ مباغت.
رنّ صوتٌ طفوليٌّ مألوف في الهواء.
أدار بصره نحو الجميلة ذات الشعر الفضيّ والعينين البنفسجيتين من عشيرة الدماء، الواقفة قبالته في ثوبٍ أسود أنيق.
تسارعت أنفاس تاليس، واشتعلت العاصفة في ذهنه.
كاترينا ل. آ. ڤان كورليوني.
تجمّد التعبير على وجه كاترينا الجميل فجأة، وبرُد بريق عينيها البنفسجيتين.
إن لم تخنّي ذاكرتي… شد تاليس على أسنانه.
“اقطعوا رؤوسهم، أو اثقبوا قلوبهم. تلك من بين الوسائل القليلة المجدية، وإن كان بعض الأقوياء منهم قادرين على التعافي حتى من طعنة في القلب. الفضة وضوء الشمس يضعفانهم أو يؤذيانهم كذلك.”
إنها الزعيمة الحالية لعائلة كورليوني وملكة مملكة الليل.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ملكة الليل… شقيقة سيرينا كورليوني الصغرى.
ضحك سايمون ضحكةً قصيرة.
استوعب تاليس على الفور.
“اهدأوا!” أمرهم تشورا بصرامة، لكن العرق كان يتصبّب من جبينه.
لكن لماذا تُهين ملكة أقوى ممالك شبه الجزيرة الشرقية مكانتها السامية وتعبر البحر بنفسها لتلاحق أربعة لاجئين سياسيين لا حول لهم ولا قوة؟ حتى وإن كانت أختها، التي تطمع في عرش محيط الدماء، فالأمر غير منطقي.
“كيف نقاتل عشيرة الدماء؟ لقد سمعت عنهم من معلمي، ولم أختبر ذلك قطّ.”
قال وايا، التابع، وهو يمسك نصلًا مستقيمًا حادًّا من جانبٍ واحد، وعيناه تتفحّصان المكان بجدٍّ قاتم،
وتحت أنظار الجميع، خرجت سيرينا كورليوني، التي لم يتجاوز مظهرها السادسة أو السابعة من عمرها، من العربة، بوجهٍ متجمّد الملامح، ترافقها كريس وإسترون.
“كيف نقاتل عشيرة الدماء؟ لقد سمعت عنهم من معلمي، ولم أختبر ذلك قطّ.”
لكن كعادته، بدأ الحظ السيئ الذي لحق بتاليس يؤثر عليه قبل أن يتمكن من الرد.
حاول التابع الشاب أن يُبقي صوته ثابتًا، لكن من تسارع كلماته بدا أنه لم يتخيّل قط أنه سيواجه مثل هذا الموقف بعد أيامٍ قليلةٍ فقط من مرافقته للأمير.
لكنها رمقته بنظرةٍ باردة.
“تهانينا إذًا. ليس كلّ أحدٍ يحظى بفرصةٍ تدريبيةٍ كهذه!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان بيوتراي على النقيض منه هادئًا، يراقب بعناية رجال عشيرة الدماء الذين كانت نظراتهم تلمع ببريقٍ خافت.
كان يرتدي ثيابًا قرمزية فاخرة ودروعًا فضية، وله شعرٌ بنّيّ اللون.
“اقطعوا رؤوسهم، أو اثقبوا قلوبهم. تلك من بين الوسائل القليلة المجدية، وإن كان بعض الأقوياء منهم قادرين على التعافي حتى من طعنة في القلب. الفضة وضوء الشمس يضعفانهم أو يؤذيانهم كذلك.”
لكن كعادته، بدأ الحظ السيئ الذي لحق بتاليس يؤثر عليه قبل أن يتمكن من الرد.
“أثناء القتال، عليكم الاعتماد على أمرين: أولًا، ثبات الخطى، وثانيًا، توقّع مواضع أجسادهم، إذ لا يمكنكم أبدًا أن تكونوا أسرع منهم.”
رنّة! صليل!
“وفي الوقت نفسه، احذروا. فكما هو الحال مع قوى الإبادة، كلّ أفراد عشيرة الدماء من الفئة العليا وما فوق يمتلكون قدرةً خاصة تختلف من فردٍ لآخر، وحين يستخدمونها في القتال، تكون نتائجها خارجةً تمامًا عن نطاق التوقّع.”
قال وايا، التابع، وهو يمسك نصلًا مستقيمًا حادًّا من جانبٍ واحد، وعيناه تتفحّصان المكان بجدٍّ قاتم،
أومأ وايا وقد شحب وجهه.
“وهل ثمّة فرق؟”
تقدّم رجلٌ من عشيرة الدماء يقف إلى جوار كاترينا، بدا في منتصف العمر وله ملامح صارمة وهيئةٌ قيادية، ونظرةٌ باردة كالثلج.
“هيستاد، سايمون، لوك، ديني، بروتون، إشعياء، وسارزو…” حدّقت سيرينا حولها، شفَتاها الطفوليّتان متجهّمتان.
تحدث بصوتٍ جافٍّ كالصقيع، “أيها الفانون القادمون من شبه الجزيرة الغربية، جلالتها الملكة تنتظر خضوعكم. سلّموا خونة مملكة الليل، وسنكون أقلّ قسوةً في هجومنا.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
تقدّمت آيدا من خلف تاليس، وقالت بنبرةٍ مختلفةٍ عن كسلها المعتاد، وبصوتٍ ثقيلٍ جادّ، “عددهم واحدٌ وعشرون. جميعهم من النخبة، فوق الفئة العليا، وثلاثةٌ منهم على الأقل من الفئة الفائقة. ذلك العجوز المتحدث، والشاب عن يساره، وتلك الملكة التي تتأنّق كنجمةٍ في حفل.”
إن لم تخنّي ذاكرتي… شد تاليس على أسنانه.
وضعت الحارسة السرية يديها على خصرها وتكلّمت بصرامةٍ قاتمة، “إن خضنا قتالًا، فاستعدّوا لخسائر فادحة. وإن ساءت الأمور إلى أقصى حد، فسأضطرّ إلى إعطائك الأولوية في الحماية والهروب أولًا، أيها الغِرّ.”
“مصّاصو الدماء لا يتحرّكون إلا ليلًا، فكيف لحقوا بنا؟”
ما إن أنهت كلامها حتى ابتسم ذلك “الشاب عن اليسار” ابتسامةً غامضة والتفت نحوها.
دويّ أسلحةٍ تصطدم، دروعٍ تتكسر، مخالبٍ تمزّق اللحم، ودمٍ يتفجّر من شرايينٍ ممزقة. أجسادٌ تهوي، وأخرى تُجرّ فوق الثلوج. صرخاتٌ مذعورة، أوامرُ متوترة، عويلٌ غاضب، وأنينٌ موجع، كلها تعالت في آنٍ واحد. أصواتُ مصّاصي الدماء تخترق الهواء وهم يتنقّلون بسرعةٍ خاطفة…
كان يرتدي ثيابًا قرمزية فاخرة ودروعًا فضية، وله شعرٌ بنّيّ اللون.
“سريعون جدًا! احذروا، اثبتوا!”
ملامحه حادّة لولا شحوب بشرته الذي أفسد صلابتها. ابتسم وتحدث “الذي يرتدي المعطف هو من الفئة الفائقة، أما البقية فلا يُذكرون، يا جلالتك.”
تمزّق!
ثم انحنى احترامًا نحو الملكة بجانبه.
“وهل ثمّة فرق؟”
“أرجوكِ، دَعيني أتولى أمرها.”
أجبر الأمير نفسه على الهدوء وسط الاضطراب والفوضى التي خلّفها كمينٌ مباغت.
لم تُبدِ كاترينا أيّ ردّ فعل. كانت تحدّق بـ تاليس بنظرةٍ عميقةٍ جعلت كفّيه تتعرّقان رغم البرد القارس.
استوعب تاليس على الفور.
تحدث قائد عشيرة الدماء ذو الملامح المتجهّمة ببطء.
مقارنةً بعبيد الدم الذين واجهناهم سابقًا، هؤلاء هم الصفوة الحقيقية لعِرق الدم… جيش الدم المقدّس.
“لا تستخفّ بهم، يا سايمون. هؤلاء جنودٌ نظاميون. قوّة تشكيلهم القتالي لا يمكن مقارنتها بالمغامرين المعتادين.”
“أظنّ أن للأمر علاقةً بضيوفك الذين يتمتّعون بأنظمة غذائيةٍ فريدة؟”
ضحك سايمون ضحكةً قصيرة.
تحدث هيستاد ببرودٍ جليديّ، “صاحبة السمو، أطلب منكِ، وقد اقترفتِ أبشع الجرائم، أن تعودي إلى سجن حرم الدم وتُكملي ما تبقّى من حكمك.”
“طريفةٌ يا هيستاد. جنود؟ وهل في هذا العالم جنودٌ يمكن أن يُقارَنوا بجيش الدم المقدّس؟”
تمزّق!
جيش الدم المقدّس؟ قبض تاليس على قبضتيه بخفاء.
رنّة! صليل!
ترددت في ذهنه كلمات إسترون ذي الشعر الأشقر.
سشّ!
“حتى لو كان عدوّك هو الملك الأعلى للكوكبة، فبوجود جيش الدم المقدّس يحميك، فلن يجرؤ على الوقوف ضدّك.”
كلّ تلك الأصوات ارتدّت أصداؤها عبر الغابة المتناثرة في فوضى مرعبة.
لم تتحرّك كاترينا قيد أنملة، تاركةً قائديها يفاوضان، بينما كانت نظرتها تمسح الجمع ببرودٍ قاتل.
قال وايا، التابع، وهو يمسك نصلًا مستقيمًا حادًّا من جانبٍ واحد، وعيناه تتفحّصان المكان بجدٍّ قاتم،
كان ثلاثون من سَيّافي الإبادة جميعهم من المقاتلين النخبة، ومع ذلك لم يتمالك كثيرٌ منهم أنفسهم عن النظر نحو قائدهم تشورا.
(هل هذه الساحرة الشمطاء… تستفزّ خصمها بتهوّرٍ أعمى؟ في وضعٍ كهذا… أجنّت؟)
“اهدأوا!” أمرهم تشورا بصرامة، لكن العرق كان يتصبّب من جبينه.
كان ثلاثة من صفوة عشيرة الدم ما يزالون في أماكنهم، لكن الثمانية عشر الآخرون اختفوا في لحظةٍ خلف الأشجار.
“لم نتهاون طوال الأيام الأربعة الماضية في الدوريات والاستكشاف، وتأكدنا من خلوّ المنطقة أمامنا وخلفنا لعدة كيلومترات.”
تسارعت أنفاس تاليس، واشتعلت العاصفة في ذهنه.
قالها بنبرةٍ مبهوتة وهو يحدّق في الأشكال التي تُحيط بهم بين الأشجار.
“أثناء القتال، عليكم الاعتماد على أمرين: أولًا، ثبات الخطى، وثانيًا، توقّع مواضع أجسادهم، إذ لا يمكنكم أبدًا أن تكونوا أسرع منهم.”
“مصّاصو الدماء لا يتحرّكون إلا ليلًا، فكيف لحقوا بنا؟”
لم يتردّد أحدٌ منهم، لم ينطق أحدٌ بكلمةٍ زائدة، لم يتراجع أحدٌ خطوة.
قال قائد عشيرة الدماء ببرودٍ قاطع،
الفصل 83: المُنتَحِبة والقبيحة
“احذر لسانك أيها الفاني. لا أريد سماع ذلك اللقب مجددًا.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
قطّب تاليس حاجبيه. لقد جاءوا من أجل سيرينا كورليوني التي كانت في العربة.
“وهل ثمّة فرق؟”
حقًا. في هذه المرحلة، لا مملكة الكوكبة ولا إكستيدت تملك سببًا لاغتيالي. حتى أولئك الطامحين المهووسين بالحرب سيؤجلون قتلي إلى أن أغادر حدود المملكة وأدخل أراضي إكستيدت، فحينها فقط يمكن لموتي أن يشعل الفتنة بين المملكتين ويدفعهما إلى حربٍ لا مفرّ منها.
ارتجف قلب تاليس.
ألقى تاليس نظرةً جانبية نحو العربة التي تحمل التابوت الأسود.
تحدث قائد عشيرة الدماء ذو الملامح المتجهّمة ببطء.
وسيرينا ما تزال صامتة حتى الآن.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
قال تاليس وهو يتنهّد طويلًا،
ارتعد جسد تاليس بقوّة. رفع يده سريعًا وصاح.
“تشورا، لست بحاجةٍ لخفض صوتك بعد الآن. أؤكد لك أنّ كلّ واحدٍ منهم يسمع ما نقول.”
وفي اللحظة التالية، أحسّ تاليس، ووجهه مغروس في الثلج، بأنّ الغابة الصامتة انفجرت فجأةٍ بصوتٍ هائلٍ متفجّرٍ كزيتٍ يُسكب على نار!
وما إن أنهى عبارته حتى انصبّت نظرات كاترينا عليه فجأة، فجمّدته رعبًا، وكأن الدم قد توقّف في عروقه.
ارتفعت صرخة جنديٍّ أخرى في الهواء.
قال هيستاد وهو يمدّ ظهره ويتمطّى ببرودٍ قاتل، “لقد انتظرنا بما فيه الكفاية. أين خونة مملكة الليل؟”
كان ثلاثة من صفوة عشيرة الدم ما يزالون في أماكنهم، لكن الثمانية عشر الآخرون اختفوا في لحظةٍ خلف الأشجار.
تسارعت أنفاس تاليس، واشتعلت العاصفة في ذهنه.
….
رنّ صوتٌ طفوليٌّ مألوف في الهواء.
بصق تاليس حفنةَ ثلجٍ من فمه، ثم رفع رأسه بصعوبة وسط الهلع.
“أختي القاسية… عديمة الرحمة، لقد جئتِ حقًّا.”
“أظنّ أن للأمر علاقةً بضيوفك الذين يتمتّعون بأنظمة غذائيةٍ فريدة؟”
وتحت أنظار الجميع، خرجت سيرينا كورليوني، التي لم يتجاوز مظهرها السادسة أو السابعة من عمرها، من العربة، بوجهٍ متجمّد الملامح، ترافقها كريس وإسترون.
“اقطعوا رؤوسهم، أو اثقبوا قلوبهم. تلك من بين الوسائل القليلة المجدية، وإن كان بعض الأقوياء منهم قادرين على التعافي حتى من طعنة في القلب. الفضة وضوء الشمس يضعفانهم أو يؤذيانهم كذلك.”
تجمّدت عيون كاترينا البنفسجية على أختها.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ومع ظهور الثلاثة من عشيرة الدماء، بدأ محاربوهم، الذين وقفوا كتماثيل، يتحركون فجأة وكأن الحياة دُبّت فيهم. بدا أن كثيرًا منهم قد فوجئوا بهيئة سيرينا الطفولية.
كان بيوتراي على النقيض منه هادئًا، يراقب بعناية رجال عشيرة الدماء الذين كانت نظراتهم تلمع ببريقٍ خافت.
قطّب كلٌّ من هيستاد وسايمون حاجبيهما، ورمق الأول كريس بنظرةٍ غاضبةٍ حادّة.
“كما تشائين، أيتها القبيحة.”
أما إلى جانب تاليس، فقد كان رالف يحدّق في كريس وإسترون بنظرةٍ متحفّزةٍ حذرة، إذ لم ينسَ بعد الضغائن القديمة بينهما.
لكن ذلك لم يكن سوى ما جرى قرب تاليس.
الشابّ سايمون، الذي بدا فتيًّا على نحوٍ غريب، ابتسم.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“يبدو أنّ إصابتك خطيرةٌ للغاية، صاحبة السمو. لم تعودي قادرة حتى على الحفاظ على هيئتك البالغة الأساسيّة.”
“على اليسار!”
تجاهلته سيرينا تمامًا. خطت إلى الأمام، تخترق الحشد بخطواتٍ ثابتةٍ بطيئة، حتى بلغت جوار تاليس.
ضحك سايمون ضحكةً قصيرة.
تحدث هيستاد ببرودٍ جليديّ، “صاحبة السمو، أطلب منكِ، وقد اقترفتِ أبشع الجرائم، أن تعودي إلى سجن حرم الدم وتُكملي ما تبقّى من حكمك.”
في اللحظة التالية، رفعت الملكة كاترينا كورليوني ذقنها الرقيق، وأضاءت عيناها البنفسجيتان بألوانٍ آسرةٍ مميتة وهي تمسح بنظرها أعضاء الوفد.
ارتجف قلب تاليس.
“اهدأوا!” أمرهم تشورا بصرامة، لكن العرق كان يتصبّب من جبينه.
(أبشع الجرائم؟ حكم؟ أيّ حكم؟ أليست سيرينا الخاسرة في صراع العرش؟)
إن لم تخنّي ذاكرتي… شد تاليس على أسنانه.
رفع نظره إلى الصغيرة ذات الشعر الفضيّ.
قالها بنبرةٍ مبهوتة وهو يحدّق في الأشكال التي تُحيط بهم بين الأشجار.
رفعت سيرينا عينيها وحدّقت نظرةً عميقة نحو هيستاد.
(في هذه اللحظة، لا مجال سوى للمفاوضة. ما يريدونه هو سيرينا، وموطن ضعفهم أنّهم في أرضٍ غريبة. لذا…)
“أوه، يا عزيزي الكونت هيستاد كورليوني، أيمكنني أن أعلم إن كان قد طرأ أيّ تعديل على حكمي؟”
في اللحظة التالية، رفعت الملكة كاترينا كورليوني ذقنها الرقيق، وأضاءت عيناها البنفسجيتان بألوانٍ آسرةٍ مميتة وهي تمسح بنظرها أعضاء الوفد.
“كان الحكم الأصليّ مؤبّدًا.” بقي هيستاد متصلّب الملامح، كأنّه يكنّ كراهيةً غائرةً للطفلة أمامه. “لكن بسبب فراركِ المشين من السجن وفعلكِ فعلَ السرقة، زِيد على الحكم عشرة أعوامٍ أخرى… فصار الحكم الآن… مؤبّدًا وعشرة أعوام.”
انفرجت شفتاها الكرزيتان قليلًا.
فرار من السجن… وسرقة؟ ازدادت الحيرةُ اضطرامًا في صدر تاليس.
في اللحظة التالية، رفعت الملكة كاترينا كورليوني ذقنها الرقيق، وأضاءت عيناها البنفسجيتان بألوانٍ آسرةٍ مميتة وهي تمسح بنظرها أعضاء الوفد.
وبجوار سيرينا، التهبت نظرات إسترون، ولم يملك نفسه.
ارتفعت صرخة جنديٍّ أخرى في الهواء.
“وهل ثمّة فرق؟”
“وفي الوقت نفسه، احذروا. فكما هو الحال مع قوى الإبادة، كلّ أفراد عشيرة الدماء من الفئة العليا وما فوق يمتلكون قدرةً خاصة تختلف من فردٍ لآخر، وحين يستخدمونها في القتال، تكون نتائجها خارجةً تمامًا عن نطاق التوقّع.”
كانت كاترينا لا تزال تُحدّق في سيرينا بنظراتٍ مفترسة.
ومض سيفُ وايا الأحاديّ الحدّ كالبرق، يخترق الهواء أمام وجه تاليس، دافعًا مصّاص دماءٍ اندفع عبر الثغرة.
“هيستاد، سايمون، لوك، ديني، بروتون، إشعياء، وسارزو…” حدّقت سيرينا حولها، شفَتاها الطفوليّتان متجهّمتان.
في اللحظة التالية، رفعت الملكة كاترينا كورليوني ذقنها الرقيق، وأضاءت عيناها البنفسجيتان بألوانٍ آسرةٍ مميتة وهي تمسح بنظرها أعضاء الوفد.
“لقد جلبتم معكم ما يقارب نصف قوّة عائلة كورليوني داخل الجيش الدم المقدس. ألا تخشَون أن يختلّ توازن المملكة؟ الآرشيدوقات الستّ الباقون يترقّبون فرصةً ليُثيروا القلاقل.”
حقًا. في هذه المرحلة، لا مملكة الكوكبة ولا إكستيدت تملك سببًا لاغتيالي. حتى أولئك الطامحين المهووسين بالحرب سيؤجلون قتلي إلى أن أغادر حدود المملكة وأدخل أراضي إكستيدت، فحينها فقط يمكن لموتي أن يشعل الفتنة بين المملكتين ويدفعهما إلى حربٍ لا مفرّ منها.
تبدّل وجه كاترينا الحسناء باشمئزازٍ صريح، وقالت ببطءٍ.
(لماذا حظّي دومًا بهذا السوء؟)
“إن تمكّنت من أسركِ وإعادتكِ، فلن أخاف.”
“هيستاد، سايمون، لوك، ديني، بروتون، إشعياء، وسارزو…” حدّقت سيرينا حولها، شفَتاها الطفوليّتان متجهّمتان.
اطلق تاليس تنهيدةً طويلةً حزينة.
(لماذا حظّي دومًا بهذا السوء؟)
ومع ظهور الثلاثة من عشيرة الدماء، بدأ محاربوهم، الذين وقفوا كتماثيل، يتحركون فجأة وكأن الحياة دُبّت فيهم. بدا أن كثيرًا منهم قد فوجئوا بهيئة سيرينا الطفولية.
(في هذه اللحظة، لا مجال سوى للمفاوضة. ما يريدونه هو سيرينا، وموطن ضعفهم أنّهم في أرضٍ غريبة. لذا…)
“لا! لا تجرؤ!”
لكن كعادته، بدأ الحظ السيئ الذي لحق بتاليس يؤثر عليه قبل أن يتمكن من الرد.
ما إن أنهت كلامها حتى ابتسم ذلك “الشاب عن اليسار” ابتسامةً غامضة والتفت نحوها.
قالت سيرينا بازدراءٍ، “همف، يا منتحبة، لمَ لا تجرّبي حظّكِ بنفسك؟”
“تشورا، لست بحاجةٍ لخفض صوتك بعد الآن. أؤكد لك أنّ كلّ واحدٍ منهم يسمع ما نقول.”
تجمّد التعبير على وجه كاترينا الجميل فجأة، وبرُد بريق عينيها البنفسجيتين.
(هل هذه الساحرة الشمطاء… تستفزّ خصمها بتهوّرٍ أعمى؟ في وضعٍ كهذا… أجنّت؟)
(هذا غير صائب!) عبس تاليس بشدّة، والتفت نحو سيرينا.
تجمّد تاليس، فغر فاهه.
(هل هذه الساحرة الشمطاء… تستفزّ خصمها بتهوّرٍ أعمى؟ في وضعٍ كهذا… أجنّت؟)
لم تتحرّك كاترينا قيد أنملة، تاركةً قائديها يفاوضان، بينما كانت نظرتها تمسح الجمع ببرودٍ قاتل.
تلظّت عينا كاترينا بنارٍ قاتلة، وانخفض صوتها نغمةً أعمق.
وسيرينا ما تزال صامتة حتى الآن.
“كما تشائين، أيتها القبيحة.”
قالت سيرينا بازدراءٍ، “همف، يا منتحبة، لمَ لا تجرّبي حظّكِ بنفسك؟”
هذه المرّة، كان دور سيرينا لتتبدّل ملامحها.
“وهل ثمّة فرق؟”
في اللحظة التالية، رفعت الملكة كاترينا كورليوني ذقنها الرقيق، وأضاءت عيناها البنفسجيتان بألوانٍ آسرةٍ مميتة وهي تمسح بنظرها أعضاء الوفد.
“اهدأوا!” أمرهم تشورا بصرامة، لكن العرق كان يتصبّب من جبينه.
انفرجت شفتاها الكرزيتان قليلًا.
قال هيستاد وهو يمدّ ظهره ويتمطّى ببرودٍ قاتل، “لقد انتظرنا بما فيه الكفاية. أين خونة مملكة الليل؟”
“فرساني…”
تحدث بصوتٍ جافٍّ كالصقيع، “أيها الفانون القادمون من شبه الجزيرة الغربية، جلالتها الملكة تنتظر خضوعكم. سلّموا خونة مملكة الليل، وسنكون أقلّ قسوةً في هجومنا.”
ارتعد جسد تاليس بقوّة. رفع يده سريعًا وصاح.
“سريعون جدًا! احذروا، اثبتوا!”
“انتظري لحظة!”
دوّي!
لكن بريقًا وحشيًّا اشتعل في عيني كاترينا، ودوّى صوتها الساحر كحدّ السيف، يحمل نية القتل.
“مصّاصو الدماء لا يتحرّكون إلا ليلًا، فكيف لحقوا بنا؟”
“اقتلوهم جميعًا!”
ألقى تاليس نظرةً جانبية نحو العربة التي تحمل التابوت الأسود.
تجمّد تاليس، فغر فاهه.
رفع نظره إلى الصغيرة ذات الشعر الفضيّ.
لا، انتظري—
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان ثلاثة من صفوة عشيرة الدم ما يزالون في أماكنهم، لكن الثمانية عشر الآخرون اختفوا في لحظةٍ خلف الأشجار.
لكن تاليس لم يُجبه.
“تشكيلة النجم الساطع، استعدّوا للاشتباك!” صرخة تشورا المدوية اخترقت السماء!
لم يتردّد أحدٌ منهم، لم ينطق أحدٌ بكلمةٍ زائدة، لم يتراجع أحدٌ خطوة.
قبل أن يتمكّن تاليس من النطق ببقيّة كلماته، دفعه رالف ووايا أرضًا، جاثيين به على الثلج، وجهيهما مشدودان بتوتّرٍ قاتم.
استوعب تاليس على الفور.
وفي اللحظة التالية، أحسّ تاليس، ووجهه مغروس في الثلج، بأنّ الغابة الصامتة انفجرت فجأةٍ بصوتٍ هائلٍ متفجّرٍ كزيتٍ يُسكب على نار!
(هذا غير صائب!) عبس تاليس بشدّة، والتفت نحو سيرينا.
دويّ أسلحةٍ تصطدم، دروعٍ تتكسر، مخالبٍ تمزّق اللحم، ودمٍ يتفجّر من شرايينٍ ممزقة. أجسادٌ تهوي، وأخرى تُجرّ فوق الثلوج. صرخاتٌ مذعورة، أوامرُ متوترة، عويلٌ غاضب، وأنينٌ موجع، كلها تعالت في آنٍ واحد. أصواتُ مصّاصي الدماء تخترق الهواء وهم يتنقّلون بسرعةٍ خاطفة…
ومع ظهور الثلاثة من عشيرة الدماء، بدأ محاربوهم، الذين وقفوا كتماثيل، يتحركون فجأة وكأن الحياة دُبّت فيهم. بدا أن كثيرًا منهم قد فوجئوا بهيئة سيرينا الطفولية.
كلّ تلك الأصوات ارتدّت أصداؤها عبر الغابة المتناثرة في فوضى مرعبة.
طَنين!
بصق تاليس حفنةَ ثلجٍ من فمه، ثم رفع رأسه بصعوبة وسط الهلع.
لا. اتّسعت عينا تاليس رعبًا. لم يكن غريبًا عن مشهد الحرب، لكنّه لم يرَ قط معركةً تميل كفّتها بهذه السرعة الساحقة.
سشّ!
دويّ أسلحةٍ تصطدم، دروعٍ تتكسر، مخالبٍ تمزّق اللحم، ودمٍ يتفجّر من شرايينٍ ممزقة. أجسادٌ تهوي، وأخرى تُجرّ فوق الثلوج. صرخاتٌ مذعورة، أوامرُ متوترة، عويلٌ غاضب، وأنينٌ موجع، كلها تعالت في آنٍ واحد. أصواتُ مصّاصي الدماء تخترق الهواء وهم يتنقّلون بسرعةٍ خاطفة…
ومض سيفُ وايا الأحاديّ الحدّ كالبرق، يخترق الهواء أمام وجه تاليس، دافعًا مصّاص دماءٍ اندفع عبر الثغرة.
هيئات عشيرة الدم تتجلّى وتختفي في الهواء. وكلّ حركةٍ منهم كانت تعني هجومًا قاتلًا.
فعّل رالف قدرته النفسية، فانفجرت ريحٌ عاتيةٌ دفعت العدوّ بعيدًا.
انقضّت آيدا من فوق، فتطاير رأسُ مصّاص الدماء في الهواء.
أجبر الأمير نفسه على الهدوء وسط الاضطراب والفوضى التي خلّفها كمينٌ مباغت.
لكن ذلك لم يكن سوى ما جرى قرب تاليس.
سشش!
بينما يحيط به رفاقه لحمايته، التفت بعينيه المذعورتين ليتفقّد الميدان، فاتسعت حدقتاه.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
في مواقع أخرى، كان جنود عائلة جيدستار يواجهون الموت. دماءٌ تتطاير، أطرافٌ تُبتر، رؤوسٌ تتدحرج. سيوفهم احمرّت بدمائهم، وأجسادهم تتساقط فوق الثلج البارد، يُسحبون من مواقعهم كدمىً بأيدي عشيرة الدم.
هيئات عشيرة الدم تتجلّى وتختفي في الهواء. وكلّ حركةٍ منهم كانت تعني هجومًا قاتلًا.
لا. اتّسعت عينا تاليس رعبًا. لم يكن غريبًا عن مشهد الحرب، لكنّه لم يرَ قط معركةً تميل كفّتها بهذه السرعة الساحقة.
ثم انحنى احترامًا نحو الملكة بجانبه.
بعد عشر ثوانٍ فقط من بدء القتال، كان ثمانية أو تسعة من أصل ثلاثين جنديًّا من حرس جيدستار قد سقطوا!
“مصّاصو الدماء لا يتحرّكون إلا ليلًا، فكيف لحقوا بنا؟”
هيئات عشيرة الدم تتجلّى وتختفي في الهواء. وكلّ حركةٍ منهم كانت تعني هجومًا قاتلًا.
تجاهلته سيرينا تمامًا. خطت إلى الأمام، تخترق الحشد بخطواتٍ ثابتةٍ بطيئة، حتى بلغت جوار تاليس.
“سريعون جدًا! احذروا، اثبتوا!”
تسارعت أنفاس تاليس، واشتعلت العاصفة في ذهنه.
تمزّق!
كان بيوتراي على النقيض منه هادئًا، يراقب بعناية رجال عشيرة الدماء الذين كانت نظراتهم تلمع ببريقٍ خافت.
“آه… يدي!”
لكن بريقًا وحشيًّا اشتعل في عيني كاترينا، ودوّى صوتها الساحر كحدّ السيف، يحمل نية القتل.
طنين!
تقدّمت آيدا من خلف تاليس، وقالت بنبرةٍ مختلفةٍ عن كسلها المعتاد، وبصوتٍ ثقيلٍ جادّ، “عددهم واحدٌ وعشرون. جميعهم من النخبة، فوق الفئة العليا، وثلاثةٌ منهم على الأقل من الفئة الفائقة. ذلك العجوز المتحدث، والشاب عن يساره، وتلك الملكة التي تتأنّق كنجمةٍ في حفل.”
“فوق رؤوسكم! احذروا من الأعلى!”
دمدمة!
دمدمة!
“حتى لو كان عدوّك هو الملك الأعلى للكوكبة، فبوجود جيش الدم المقدّس يحميك، فلن يجرؤ على الوقوف ضدّك.”
“أمامك مباشرةً—!”
ومع ظهور الثلاثة من عشيرة الدماء، بدأ محاربوهم، الذين وقفوا كتماثيل، يتحركون فجأة وكأن الحياة دُبّت فيهم. بدا أن كثيرًا منهم قد فوجئوا بهيئة سيرينا الطفولية.
رنّة! صليل!
(أبشع الجرائم؟ حكم؟ أيّ حكم؟ أليست سيرينا الخاسرة في صراع العرش؟)
“على اليسار!”
(هل هذه الساحرة الشمطاء… تستفزّ خصمها بتهوّرٍ أعمى؟ في وضعٍ كهذا… أجنّت؟)
خبط، اصطكاك!
“لم نتهاون طوال الأيام الأربعة الماضية في الدوريات والاستكشاف، وتأكدنا من خلوّ المنطقة أمامنا وخلفنا لعدة كيلومترات.”
سشش!
بصق تاليس حفنةَ ثلجٍ من فمه، ثم رفع رأسه بصعوبة وسط الهلع.
“اللعنة! اسحبوه للخلف بسرعة!”
ضحك سايمون ضحكةً قصيرة.
دوّي!
رنّ صوتٌ طفوليٌّ مألوف في الهواء.
“فات الأوان… انتبه لظهرك!”
إن لم تخنّي ذاكرتي… شد تاليس على أسنانه.
طَنين!
“تشورا، لست بحاجةٍ لخفض صوتك بعد الآن. أؤكد لك أنّ كلّ واحدٍ منهم يسمع ما نقول.”
“لا! لا تجرؤ!”
“تشورا، لست بحاجةٍ لخفض صوتك بعد الآن. أؤكد لك أنّ كلّ واحدٍ منهم يسمع ما نقول.”
كان تشورا في المقدّمة، يقود الدفاع. شكّل هو ورجاله دائرةً دفاعيّة، يلوّح بسيفه بضراوة على مصّاص دماءٍ انقضّ فجأة، لكن نصله لم يقطع سوى الهواء.
“تشورا، لست بحاجةٍ لخفض صوتك بعد الآن. أؤكد لك أنّ كلّ واحدٍ منهم يسمع ما نقول.”
صرخ بأعلى صوته:
إنها الزعيمة الحالية لعائلة كورليوني وملكة مملكة الليل.
“ثبّتوا الدروع وأمسكوا الخطّ! احذروا الهجمات من الأعلى!”
فعّل رالف قدرته النفسية، فانفجرت ريحٌ عاتيةٌ دفعت العدوّ بعيدًا.
لكن صراخه ضاع هباءً. جنديٌّ بجواره صدّ ضربةً موجّهةً نحوه بدرعه، وفي اللحظة نفسها خرجت مخالب من الجانب الآخر، مزّقت حلقه بلمح البصر.
“ما قالته كان ’اقتلوهم جميعًا‘.”
تفجّر الدم في الهواء، وزأر تشورا غيظًا وقهرًا.
“تهانينا إذًا. ليس كلّ أحدٍ يحظى بفرصةٍ تدريبيةٍ كهذه!”
قاتل جنود جيدستار ببسالةٍ لإبقاء تشكيل النجم الساطع متماسكًا، إذ كانوا يأملون احتواء سرعة عشيرة الدم عبر التنسيق المحكم، لكن المفارقة أنّ من أتقن التعاون الحقيقيّ في تلك الليلة كانوا هم مصّاصو الدماء أنفسهم.
سشش!
ثمانية عشر مقاتلًا من عشيرة الدم، رجالًا ونساءً، قُسّموا إلى ستّ مجموعاتٍ منسّقةٍ تهاجم من ستّ جهاتٍ في آنٍ واحد. أحدهم يُهاجم، وآخر يُشاغل، وثالثٌ يترصّد اللحظة الفاصلة لينحر الحلق أو يبتر الرأس.
لكن ذلك لم يكن سوى ما جرى قرب تاليس.
إن أُصيب أحدهم، يتبدّل مكانه فورًا، ويتناوب الثلاثة دون انقطاع، كآلةٍ داميةٍ متقنةٍ لا تعرف الرحمة، تضغط بثقلٍ لا يُحتمل على صفوف المدافعين.
أومأ وايا وقد شحب وجهه.
لم يتردّد أحدٌ منهم، لم ينطق أحدٌ بكلمةٍ زائدة، لم يتراجع أحدٌ خطوة.
لكن بريقًا وحشيًّا اشتعل في عيني كاترينا، ودوّى صوتها الساحر كحدّ السيف، يحمل نية القتل.
مقارنةً بعبيد الدم الذين واجهناهم سابقًا، هؤلاء هم الصفوة الحقيقية لعِرق الدم… جيش الدم المقدّس.
قال قائد عشيرة الدماء ببرودٍ قاطع،
اهتزّ فكر تاليس خوفًا. فقط نُخبة الفئة الفائقة مثل كريس وآيدا قادرة على الثبات في وجههم وقتل بعضهم.
(في هذه اللحظة، لا مجال سوى للمفاوضة. ما يريدونه هو سيرينا، وموطن ضعفهم أنّهم في أرضٍ غريبة. لذا…)
ارتفعت صرخة جنديٍّ أخرى في الهواء.
ألقى تاليس نظرةً جانبية نحو العربة التي تحمل التابوت الأسود.
لا. لا يمكن أن يستمرّ هذا. لماذا؟ لماذا كان أمرها “اقتلوهم جميعًا” بدلًا من “سلّموا سيرينا”؟
“كان بإمكاننا حلّ هذا بالتفاوض!”
استدار تاليس نحو سيرينا بغضبٍ محتقن.
ملامحه حادّة لولا شحوب بشرته الذي أفسد صلابتها. ابتسم وتحدث “الذي يرتدي المعطف هو من الفئة الفائقة، أما البقية فلا يُذكرون، يا جلالتك.”
“كان بإمكاننا حلّ هذا بالتفاوض!”
ثم انحنى احترامًا نحو الملكة بجانبه.
لكنها رمقته بنظرةٍ باردة.
هذه المرّة، كان دور سيرينا لتتبدّل ملامحها.
“ما قالته كان ’اقتلوهم جميعًا‘.”
دمدمة!
ارتفعت حصيلة القتلى بسرعةٍ مروّعة. ومع سقوط رجال جيدستار واحدًا تلو الآخر، تجمّد الدم في عروق تاليس.
ثم تنهد ساخرًا وهو يرنو نحو تاليس بنظرةٍ متهكّمة.
وفي اللحظة التي تزايدت فيها الجثث والأنين، دوّى هديرٌ غاضبٌ من العدم—
تبدّل وجه كاترينا الحسناء باشمئزازٍ صريح، وقالت ببطءٍ.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(هذا غير صائب!) عبس تاليس بشدّة، والتفت نحو سيرينا.
كانت كاترينا لا تزال تُحدّق في سيرينا بنظراتٍ مفترسة.
