أهل الجحيم (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
إبقاؤه محبوسًا بإحكام داخله.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
اهتزّت أعصابه كلها من جديد لذلك الاسم المألوف.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
(ثم سأخفي نفسي بعناية، وأزداد قوّة. لكن الأهمّ من ذلك… عليّ أن أجد طريقةً لأخمد أولئك الصوفيين.)
Arisu-san
تساءل إن كانت تلك الأختام صُنعت في “مركز أبحاث الحبس” أم في “مركز تجارب الأختام”.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
عدوّته، الصوفية.
الفصل 114: أهل الجحيم (الجزء الأول)
مُثقلًا بالمهانة والألم، تسلّق القفص من جديد.
…
اجتاح الألم الحادّ جسده من جديد كإبرٍ تخترقه.
في مكانٍ ما في مدينة النجم الأبدي.
واختفى الألم.
كان يتألّم بشدّة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان الهواء بارداً ورطباً، وقد تجعّد جلده بسبب ذلك. أطرافه الستّ فقدت قوتها، وبطنه قد انكمش، وشفاهه ترتجف، وأسنانه لم تعد حادّة كما كانت.
الضوء.
لم يكن يمنحه السكينة سوى الظلام الذي يحيط به.
لم يرغب أبدًا في اختبار مهانة الأسر والعبوديّة مرّة أخرى.
رفع يده اليمنى محاولاً تغيير وضعيّته ليستلقي، لكنّه اصطدم بالخطأ بالقفص المعدني.
“أوه؟” دوّى صوتٌ عجوز أجشّ في الهواء.
اندفع الألم الحادّ في جسده بأكمله من الموضع الذي لامس فيه جلده المعدن.
الشيء الذي يكرهه أكثر من أيّ شيء آخر.
فتح فمه وأطلق صرخاتٍ بلا معنى من شدّة الألم.
واستمرّ حتى بدأ مورات يضحك ببطء بصوتٍ مظلمٍ حادّ.
(ذلك القفص الملعون.)
ارتفع في الظلام صوت عصًا تُضرب على الأرض.
كانت الأختام السحرية عليه دقيقة، متقنة، شاملة، كاملة، بلا أيّ خلل. منتجات قياسيّة لبرج الخيمياء.
مستحيل. لم يكن يصدّق أن أولئك البشر الملعونين قد يمنحونه أو يمنحوا جسده الأصلي عطلة. فهم لا يفعلون سوى استغلاله حتى آخر قطرة، لأنّهم لا يعرفون حدودهم.
تساءل إن كانت تلك الأختام صُنعت في “مركز أبحاث الحبس” أم في “مركز تجارب الأختام”.
دقّ الجرس المثبّت في أعلى القفص المعدني أجراسَه الغاضبة في الموعد المحدّد.
ورجّح أنّها من الأول.
“هل ننتقل إلى المرحلة التالية من الخطّة؟” سأل الشابّ بصوتٍ خافت.
في برج الخيمياء الذي دُمّر منذ زمن، لم يتبقّ سوى تلك المجموعة البحثية التي كانت تتدهور منذ زمنٍ طويل، القادرة على صناعة مثل هذا القفص السحري، الذي لم يكن له سوى وظيفةٍ واحدة.
إبقاؤه محبوسًا بإحكام داخله.
كان يتألّم بشدّة.
لقد عاش أيّامًا كهذه لسنواتٍ لا يعرف عددها. فقدَ إحساسه بالزمن، ويظنّ أنّه سيأتي يومٌ ينسى فيه حتى اسمه.
خصوصًا على يد نلك الصوفية العاهرة.
في كل شهر، يُطعَم مرّة، وفي كل شهر، يُعرَّض لصدماتٍ كهربائية محدّدة، وكان عليه أداء مهمةٍ دائمة لا تنتهي.
“وأنا حقًا أرغب برؤية كيف ستتصرّف تلك العجوز في مدينة سُحب التنين حيال هذا الموقف.”
وفي مثل هذه الحال، بدأ يشتاق إلى جسده الأصلي. حتى هذه اللحظة، ما زال يتذكّر ألم انفصاله عنه. صيحات الألم ونواح العذاب التي أطلقها الجسد الأصلي ما تزال حيّة في ذاكرته.
اهتزّت أعصابه كلها من جديد لذلك الاسم المألوف.
حتى أيّام العذاب التي قاساها، وساعات التقطيع التي تعرّض لها، لم تكن شيئًا أمام الألم المبرّح الذي تملّكه لحظة فصله عن جسده الأصلي.
وفي مثل هذه الحال، بدأ يشتاق إلى جسده الأصلي. حتى هذه اللحظة، ما زال يتذكّر ألم انفصاله عنه. صيحات الألم ونواح العذاب التي أطلقها الجسد الأصلي ما تزال حيّة في ذاكرته.
لقد كان حقًّا… يرغب في العودة إلى جسده الأصلي.
وكما في كلّ مرّةٍ سابقة، زحف خارج القفص بصعوبةٍ وبُطءٍ وكراهية.
(إن لم تخنّي ذاكرتي، فجسدي الأصلي يجب أن يكون محبوسًا في عاصمة النصر… تلك العاصمة اللعينة التابعة للبشر. تلك الأرض التي قُسّمت منذ زمنٍ طويل ولم يتبقَّ منها سوى جزءٍ صغير من أراضيها. ضعيفةٌ على نحوٍ سخيف، ومع ذلك ما زال أولئك البشر يجرؤون على تسميتها إمبراطورية.)
واستمرّ حتى بدأ مورات يضحك ببطء بصوتٍ مظلمٍ حادّ.
(الضعفاء يجب أن يموتوا، أليس هذا قانون الطبيعة؟)
(ثم سأخفي نفسي بعناية، وأزداد قوّة. لكن الأهمّ من ذلك… عليّ أن أجد طريقةً لأخمد أولئك الصوفيين.)
حين كان يتأمّل في ذلك، خطرت له فجأة فكرة في ذهنه المشوّش قليلًا بفعل العزلة الطويلة.
“همم؟” تساءل العجوز في حيرة. “وفقًا للمعلومات السابقة، ألم تكن ملكة الليل هي من اعترضت طريق الأمير؟ ولهذا ذهب إلى حصن التنين المحطَّم طلبًا للمساعدة، أليس كذلك؟”
(صحيح… لقد مضى وقتٌ طويل منذ أن أرسل جسدي الأصلي أي شيء من عاصمة النصر. لا رسائل، ولا أغراض. لقد مرّ زمنٌ منذ أن انقطعت الصلة التي تربطني بعقل جسدي الأصلي، أليس كذلك؟ هل يمكن أنّ البشر لم يعودوا بحاجةٍ إليّ؟)
(خصوصًا… وأنها المجنونة القاتلة التي ترصدها جميع وكالات الاستخبارات.)
مستحيل. لم يكن يصدّق أن أولئك البشر الملعونين قد يمنحونه أو يمنحوا جسده الأصلي عطلة. فهم لا يفعلون سوى استغلاله حتى آخر قطرة، لأنّهم لا يعرفون حدودهم.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
(هل يمكن أنّ شيئًا حدث لجسدي الأصلي؟) تردّد هذا الخاطر في قلبه.
انفتح باب القفص المعدني.
(لا… قد يكون الجسد الأصلي أيضًا مسجونًا، لكنّه على الأقل محفوظٌ بأكمله في عاصمة النصر. الإمبراطورية تعرف تمامًا قيمتنا. ذلك الأمير من الإمبراطورية حاول حتى التواصل مع جسدي الأصلي من قبل… لكن، كيف يمكن لجسدي المتكبّر أن يجيب على طلبات هؤلاء البشر الدونيين بعقد صفقة؟ لهذا السبب ما زالوا بحاجةٍ إليّ لإيصال الرسائل.)
(خصوصًا… وأنها المجنونة القاتلة التي ترصدها جميع وكالات الاستخبارات.)
(الإمبراطورية لم تعد قوية كما كانت، لكنّ أولئك البشر سيحمون جسدي الأصلي بكلّ تأكيد. ما دامت عاصمة النصر لم تُدمَّر، فسيبقى جسدي الأصلي آمنًا وسليمًا.)
(هل يمكن أنّ شيئًا حدث لجسدي الأصلي؟) تردّد هذا الخاطر في قلبه.
(يومًا ما… سأعود إلى جسدي الأصلي… وحينها، سأصبح قويًّا مجددًا، كما كنت من قبل.)
نهضت الهيئة العجوز ببطء.
(ثم سأخفي نفسي بعناية، وأزداد قوّة. لكن الأهمّ من ذلك… عليّ أن أجد طريقةً لأخمد أولئك الصوفيين.)
تذكّر ذلك الصوت. فمنذ أن أُخرِج من عاصمة النصر، تولّى الكثير من البشر مسؤولية إدارة قفصه، لكنّ صاحب ذلك الصوت العجوز بدا كأنه اعتنى بالقفص لفترةٍ أطول من سواه.
لم يرغب أبدًا في اختبار مهانة الأسر والعبوديّة مرّة أخرى.
واستمرّ حتى بدأ مورات يضحك ببطء بصوتٍ مظلمٍ حادّ.
خصوصًا على يد نلك الصوفية العاهرة.
وبعد صمتٍ طويل، ارتفع الصوت الأجشّ ببطء: “لا تسأل. ذلك التابوت شيء لا يمكننا لمسه، لا التابوت نفسه، ولا ما بداخله.”
غيـزا ستريلمان… لو لم يذكر الإنسان الأقرب إلى القفص ذلك الاسم، لكاد أن ينساه.
“معركة بين السيف الأسود والصوفية الدموية؛ ستكون مشهدًا مذهلًا حقًّا.” أخذ مورات نفسًا عميقًا وجلس مجددًا. “إنه مشهد يثير حماسي بحق.”
عضّ على أسنانه كارهًا. أمام تلك الصوفية، شعر وكأنّ جسده ولحمه يغليان، وكأنّه على وشك الانفجار. ذلك الإحساس بالانبطاح أرضًا والصراخ من الألم، لن يُمحى من ذاكرته ما عاش.
انفتح باب القفص المعدني.
في تلك اللحظة، عاد إليه الإحساس المألوف بالانتفاخ في بطنه.
فكّر رافاييل مبتسمًا في سرّه.
(إنه هنا…) فكّر.
(فقد حان الوقت لتدفع الأخوية ومؤيّدوها من خلف الكواليس ثمنًا بسيطًا.)
الإحساس المهين بأن يُجبَر على العمل كعبدٍ وتنفيذ أوامر الآخرين عاد ليتصاعد في قلبه من جديد.
صمتٌ تام.
لم يكن يعرف أيّ فرعٍ هذه المرّة يُرسل الأخبار.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
دقّ الجرس المثبّت في أعلى القفص المعدني أجراسَه الغاضبة في الموعد المحدّد.
لقد كان حقًّا… يرغب في العودة إلى جسده الأصلي.
صرير.
(صحيح… لقد مضى وقتٌ طويل منذ أن أرسل جسدي الأصلي أي شيء من عاصمة النصر. لا رسائل، ولا أغراض. لقد مرّ زمنٌ منذ أن انقطعت الصلة التي تربطني بعقل جسدي الأصلي، أليس كذلك؟ هل يمكن أنّ البشر لم يعودوا بحاجةٍ إليّ؟)
انفتح باب القفص المعدني.
جمع ما تبقّى له من قوّة وزأر في وجه القفص، محاولًا إظهار كراهيته وحنقه.
في تلك اللحظة، عاد إليه الإحساس المألوف بالانتفاخ في بطنه.
اجتاح الألم الحادّ جسده من جديد كإبرٍ تخترقه.
“غيزا ستريلمان لم تتّبع خطّتنا. ذهبت لتطويق رامون مع عصابة قوارير الدم رغم أنّنا ألمحنا لهم مرارًا عبر قنواتٍ عدّة إلى أهميّة رامون بالنسبة للأخوية.” قال الشابّ بصوتٍ خافت.
كان يعلم أنّ عليه إتمام مهمّته والخروج من القفص، وإلّا سيزداد الألم سوءًا.
مستحيل. لم يكن يصدّق أن أولئك البشر الملعونين قد يمنحونه أو يمنحوا جسده الأصلي عطلة. فهم لا يفعلون سوى استغلاله حتى آخر قطرة، لأنّهم لا يعرفون حدودهم.
وكما في كلّ مرّةٍ سابقة، زحف خارج القفص بصعوبةٍ وبُطءٍ وكراهية.
واستمرّ حتى بدأ مورات يضحك ببطء بصوتٍ مظلمٍ حادّ.
ثم بدأ الألم يخفت تدريجيًّا.
(بشرٌ وقح.)
تحرّك بطنه، وصعد شيءٌ من داخله عبر حلقه حتى بلغ فمه.
غيـزا ستريلمان… لو لم يذكر الإنسان الأقرب إلى القفص ذلك الاسم، لكاد أن ينساه.
واختفى الإحساس بالانتفاخ شيئًا فشيئًا.
“غيزا ستريلمان لم تتّبع خطّتنا. ذهبت لتطويق رامون مع عصابة قوارير الدم رغم أنّنا ألمحنا لهم مرارًا عبر قنواتٍ عدّة إلى أهميّة رامون بالنسبة للأخوية.” قال الشابّ بصوتٍ خافت.
فتح فمه المليء بالأنياب الحادّة، وتقيّأ في الظلام قطعة ورق.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(ورقة مجدّدًا…) تمتم في ضجر. (أولئك البشر الأغبياء، ألا يمكنهم إرسال شيءٍ أكثر إثارة هذه المرّة؟)
(كلّ هذا من أجل أمان الكوكبة، أليس كذلك؟)
شابٌّ بثيابٍ بيضاء انتزع الورقة بعنفٍ من فمه.
(لا… قد يكون الجسد الأصلي أيضًا مسجونًا، لكنّه على الأقل محفوظٌ بأكمله في عاصمة النصر. الإمبراطورية تعرف تمامًا قيمتنا. ذلك الأمير من الإمبراطورية حاول حتى التواصل مع جسدي الأصلي من قبل… لكن، كيف يمكن لجسدي المتكبّر أن يجيب على طلبات هؤلاء البشر الدونيين بعقد صفقة؟ لهذا السبب ما زالوا بحاجةٍ إليّ لإيصال الرسائل.)
(بشرٌ وقح.)
الضوء.
عاد الألم الحادّ يتملّكه، فعوى من العذاب، وعرف أنّ الوقت قد حان ليعود إلى القفص.
وكما في كلّ مرّةٍ سابقة، زحف خارج القفص بصعوبةٍ وبُطءٍ وكراهية.
مُثقلًا بالمهانة والألم، تسلّق القفص من جديد.
واختفى الألم.
واختفى الألم.
تساءل إن كانت تلك الأختام صُنعت في “مركز أبحاث الحبس” أم في “مركز تجارب الأختام”.
أشعل الشابّ مصباحه، فأشعّ الضوء القاسي منه بشدّةٍ جعلته يُظهر أنيابه ويزمجر. رفع مخالبه ليحجب الضوء عن أزواج العيون الثمانية المتشابكة على جسده.
كان يعلم أنّ عليه إتمام مهمّته والخروج من القفص، وإلّا سيزداد الألم سوءًا.
الضوء.
(الإمبراطورية لم تعد قوية كما كانت، لكنّ أولئك البشر سيحمون جسدي الأصلي بكلّ تأكيد. ما دامت عاصمة النصر لم تُدمَّر، فسيبقى جسدي الأصلي آمنًا وسليمًا.)
الشيء الذي يكرهه أكثر من أيّ شيء آخر.
“انشر الخبر.” لم يُعر مورات سخرية رافاييل اهتمامًا. اختفت الابتسامة من وجهه وقال بنبرةٍ منخفضة: “الأمير يجب أن يكون في إكستيدت الآن، صحيح؟”
ولحسن الحظ، حين أنهى الشابّ قراءة الورقة، كان أوّل ما فعله هو إطفاء الضوء.
…
“آخر الأخبار من الحصن.” في الظلام، وضع الشابّ ذو الرداء الأبيض الورقة أمام ناظريه وتكلّم بصوتٍ أكثر وقارًا من ذي قبل: “الأمور تجاوزت توقّعاتنا قليلًا.”
غيـزا ستريلمان… لو لم يذكر الإنسان الأقرب إلى القفص ذلك الاسم، لكاد أن ينساه.
“أوه؟” دوّى صوتٌ عجوز أجشّ في الهواء.
“لقد ظهرت علنًا… ووفقًا لمخبرينا في حصن التنين المحطَّم، يبدو أنّ غيزا هدّدت سلامة الأمير تاليس أثناء طريقه إلى الحصن.” قال الشابّ.
تذكّر ذلك الصوت. فمنذ أن أُخرِج من عاصمة النصر، تولّى الكثير من البشر مسؤولية إدارة قفصه، لكنّ صاحب ذلك الصوت العجوز بدا كأنه اعتنى بالقفص لفترةٍ أطول من سواه.
“هل ننتقل إلى المرحلة التالية من الخطّة؟” سأل الشابّ بصوتٍ خافت.
“أولًا، أُعيق طريق الأمير، ثمّ تعرّض لهجومٍ من لامبارد عند الحدود… لكن يبدو أنّه لم يتأذَّ رغم خطورة الموقف. والآن، تتّجه البعثة الدبلوماسية إلى مدينة سُحب التنين تحت حماية لامبارد.”
“لكن، لا يهمّ مدى إحكام التنكّر، فلن يتجاوز شكّك أبدًا. شكّك أقوى حتى من حصن التنين المحطَّم، يا معلّمي.” رفع رافاييل ليندبيرغ رأسه في الظلام وقال بابتسامةٍ خفيفة، وكأنه يسخر من مورات.
“أنت تعلم أنّ هذا ليس ما يقلقني.” قال الصوت العجوز الأجشّ بنبرةٍ هادئة، “وماذا عن تلك المجنونة القاتلة؟”
…
“غيزا ستريلمان لم تتّبع خطّتنا. ذهبت لتطويق رامون مع عصابة قوارير الدم رغم أنّنا ألمحنا لهم مرارًا عبر قنواتٍ عدّة إلى أهميّة رامون بالنسبة للأخوية.” قال الشابّ بصوتٍ خافت.
ولحسن الحظ، حين أنهى الشابّ قراءة الورقة، كان أوّل ما فعله هو إطفاء الضوء.
غيزا ستريلمان.
(ذلك القفص الملعون.)
اهتزّت أعصابه كلها من جديد لذلك الاسم المألوف.
كان يعلم أنّ عليه إتمام مهمّته والخروج من القفص، وإلّا سيزداد الألم سوءًا.
عدوّته، الصوفية.
“أنت تعلم أنّ هذا ليس ما يقلقني.” قال الصوت العجوز الأجشّ بنبرةٍ هادئة، “وماذا عن تلك المجنونة القاتلة؟”
كانت عدوّة حياته؛ العدوّة التي تتحرّك بحرّية بين اللحم والدم.
جمع ما تبقّى له من قوّة وزأر في وجه القفص، محاولًا إظهار كراهيته وحنقه.
“ماذا حدث؟” عاد الصوت العجوز الأجشّ يُسمع ثانيةً.
“أوه؟” دوّى صوتٌ عجوز أجشّ في الهواء.
“لقد ظهرت علنًا… ووفقًا لمخبرينا في حصن التنين المحطَّم، يبدو أنّ غيزا هدّدت سلامة الأمير تاليس أثناء طريقه إلى الحصن.” قال الشابّ.
“رغم أننا نراقب مقرّ الأخوية مراقبةً مستمرة، إلّا أنّهم لم يتحرّكوا بعد… لكن السيف الأسود ظهر على حدود البلدين.” ارتسمت ابتسامة على شفتي الشابّ. “أظنّه هناك لإنقاذ رامون… يبدو أنّ ثمّة خطبًا ما في رامون فعلًا، وأنّ قيمته في الأخوية قد تفوق كلّ تصوّراتنا.”
ارتفع في الظلام صوت عصًا تُضرب على الأرض.
ارتفع في الظلام صوت عصًا تُضرب على الأرض.
“همم؟” تساءل العجوز في حيرة. “وفقًا للمعلومات السابقة، ألم تكن ملكة الليل هي من اعترضت طريق الأمير؟ ولهذا ذهب إلى حصن التنين المحطَّم طلبًا للمساعدة، أليس كذلك؟”
فكّر رافاييل مبتسمًا في سرّه.
“بلى، لكنّ هناك مستجدّات. يبدو أنّ الأمور أصبحت أعقد قليلًا.” رفع الشابّ رأسه مبتسمًا، لكن لم يستطع أحد رؤية ملامحه بوضوح في الظلام. “الصوفية الدموية ظهرت من أجل شيءٍ في حوزة عشيرة الدم. ماذا يسمّونه… التابوت الأسود لليل المظلم؟”
(كلّ هذا من أجل أمان الكوكبة، أليس كذلك؟)
فتح عينيه على الفور.
في مكانٍ ما في مدينة النجم الأبدي.
رغم أنّه عاش سنواتٍ طويلة مقطوعًا عن جسده الأصلي، في حالةٍ من الخمول والتبلّد، إلّا أنّ ذكريات أيامه مع الجسد الأصلي ما زالت راسخة في ذهنه.
“انشر الخبر.” لم يُعر مورات سخرية رافاييل اهتمامًا. اختفت الابتسامة من وجهه وقال بنبرةٍ منخفضة: “الأمير يجب أن يكون في إكستيدت الآن، صحيح؟”
(الليل المظلم… يا له من مصطلح مألوف. أين سمعت به من قبل؟)
“أولًا، أُعيق طريق الأمير، ثمّ تعرّض لهجومٍ من لامبارد عند الحدود… لكن يبدو أنّه لم يتأذَّ رغم خطورة الموقف. والآن، تتّجه البعثة الدبلوماسية إلى مدينة سُحب التنين تحت حماية لامبارد.”
صمتٌ تام.
تحرّك بطنه، وصعد شيءٌ من داخله عبر حلقه حتى بلغ فمه.
لم يتكلّم الصوت الأجشّ.
كانت عدوّة حياته؛ العدوّة التي تتحرّك بحرّية بين اللحم والدم.
رفع الشابّ ذو الرداء الأبيض حاجبيه. “أتذكّر أنّ هذا الشيء كان مدرجًا ضمن قائمة المعدات الأسطورية المضادّة للصوفيين… لكن بناءً على ردّ فعلك، يبدو أنّه أمر استثنائي للغاية، أليس كذلك؟ كما تعلم، إن أرسلنا الخبر الآن وجمّعنا قواتنا، قد نتمكّن من اعتراض ملكة الليل…”
إبقاؤه محبوسًا بإحكام داخله.
تجمّد الهواء في ذلك الظلام فجأة.
“معركة بين السيف الأسود والصوفية الدموية؛ ستكون مشهدًا مذهلًا حقًّا.” أخذ مورات نفسًا عميقًا وجلس مجددًا. “إنه مشهد يثير حماسي بحق.”
وبعد صمتٍ طويل، ارتفع الصوت الأجشّ ببطء: “لا تسأل. ذلك التابوت شيء لا يمكننا لمسه، لا التابوت نفسه، ولا ما بداخله.”
(بشرٌ وقح.)
قطّب الشابّ حاجبيه في ارتباك، لكنه في النهاية أومأ برأسه. “غيزا أُجبرت على التراجع بيد زهرة الحصن باستخدام الدرع الفائق. ولم تظهر بعد ذلك… لكنّ رامون ما زال قد أُرسل إلى إكستيدت وفق خطّتنا الأصلية.”
غيزا ستريلمان.
نهضت الهيئة العجوز ببطء.
(صحيح… لقد مضى وقتٌ طويل منذ أن أرسل جسدي الأصلي أي شيء من عاصمة النصر. لا رسائل، ولا أغراض. لقد مرّ زمنٌ منذ أن انقطعت الصلة التي تربطني بعقل جسدي الأصلي، أليس كذلك؟ هل يمكن أنّ البشر لم يعودوا بحاجةٍ إليّ؟)
“حسنًا. إن عجزت عصابة قوارير الدم عن العثور على رامون، سنمنحهم تلميحًا آخر… علينا أن نغوي الصوفية الدموية لتتوجّه إليه، مهما كان الثمن—”
“رغم أننا نراقب مقرّ الأخوية مراقبةً مستمرة، إلّا أنّهم لم يتحرّكوا بعد… لكن السيف الأسود ظهر على حدود البلدين.” ارتسمت ابتسامة على شفتي الشابّ. “أظنّه هناك لإنقاذ رامون… يبدو أنّ ثمّة خطبًا ما في رامون فعلًا، وأنّ قيمته في الأخوية قد تفوق كلّ تصوّراتنا.”
“بصراحة، هذا بالضبط ما كنتُ سأقوله.” قاطع الشابّ صوته. “اختبارك الأخير يبدو أنه أثمر.”
(هل يمكن أنّ شيئًا حدث لجسدي الأصلي؟) تردّد هذا الخاطر في قلبه.
رفع مورات هانسن، صاحب الصوت العجوز، والنبيّ الأسود، رأسه ببطء في الظلام.
شابٌّ بثيابٍ بيضاء انتزع الورقة بعنفٍ من فمه.
“رغم أننا نراقب مقرّ الأخوية مراقبةً مستمرة، إلّا أنّهم لم يتحرّكوا بعد… لكن السيف الأسود ظهر على حدود البلدين.” ارتسمت ابتسامة على شفتي الشابّ. “أظنّه هناك لإنقاذ رامون… يبدو أنّ ثمّة خطبًا ما في رامون فعلًا، وأنّ قيمته في الأخوية قد تفوق كلّ تصوّراتنا.”
“أنت تعلم أنّ هذا ليس ما يقلقني.” قال الصوت العجوز الأجشّ بنبرةٍ هادئة، “وماذا عن تلك المجنونة القاتلة؟”
ساد صمتٌ غريب آخر.
(كلّ هذا من أجل أمان الكوكبة، أليس كذلك؟)
واستمرّ حتى بدأ مورات يضحك ببطء بصوتٍ مظلمٍ حادّ.
لم يتكلّم الصوت الأجشّ.
“ههه…” ضحك النبيّ الأسود، “لقد ظننتُ للحظةٍ أنّ تلميذي وتلك العجوز يتواطآن لخداعي… للحظةٍ فكّرتُ في التخلّي عن شكوكي بشأن هوية رامون وشطبه من القائمة السوداء.”
“ماذا حدث؟” عاد الصوت العجوز الأجشّ يُسمع ثانيةً.
“لكن، لا يهمّ مدى إحكام التنكّر، فلن يتجاوز شكّك أبدًا. شكّك أقوى حتى من حصن التنين المحطَّم، يا معلّمي.” رفع رافاييل ليندبيرغ رأسه في الظلام وقال بابتسامةٍ خفيفة، وكأنه يسخر من مورات.
رفع مورات هانسن، صاحب الصوت العجوز، والنبيّ الأسود، رأسه ببطء في الظلام.
“انشر الخبر.” لم يُعر مورات سخرية رافاييل اهتمامًا. اختفت الابتسامة من وجهه وقال بنبرةٍ منخفضة: “الأمير يجب أن يكون في إكستيدت الآن، صحيح؟”
“أنت تعلم أنّ هذا ليس ما يقلقني.” قال الصوت العجوز الأجشّ بنبرةٍ هادئة، “وماذا عن تلك المجنونة القاتلة؟”
أومأ رافاييل. “إنهم في آخر امتدادٍ من أرض منطقة الرمال السوداء.”
الضوء.
“أعد تشورا.” أومأ النبيّ الأسود وتنفس بعمق. “بما أنّه أكمل مهمته ونجح في استدراج رامون إلى بعثة الأمير الدبلوماسية…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أدار رافاييل الورقة بيديه ومزّقها إلى شظايا صغيرة، ثم نثرها بلطف فوق رسمٍ غريب على الأرض. بدأت الأوراق الممزّقة تشتعل بنارٍ غريبة ما إن لامست الرسم، ثم اختفت تمامًا.
الضوء.
“هل ننتقل إلى المرحلة التالية من الخطّة؟” سأل الشابّ بصوتٍ خافت.
“وأنا حقًا أرغب برؤية كيف ستتصرّف تلك العجوز في مدينة سُحب التنين حيال هذا الموقف.”
“نعم. حان الوقت لنقدّم للغرفة السرية وللأخوية هديةً كبيرة.” توقّف النبيّ الأسود عن تحريك عصاه. “استعدّ للانطلاق. هذه أوّل تجربةٍ كبرى لك قبل أن تتسلّم منصب رئيس قسم الاستخبارات السرّية. تأكّد من أن يدخل السيف الأسود وغيزا مدينة سُحب التنين في الوقت نفسه ويجدا رامون.”
فتح فمه المليء بالأنياب الحادّة، وتقيّأ في الظلام قطعة ورق.
ابتسم رافائيل ابتسامةً مشرقة.
(بشرٌ وقح.)
“معركة بين السيف الأسود والصوفية الدموية؛ ستكون مشهدًا مذهلًا حقًّا.” أخذ مورات نفسًا عميقًا وجلس مجددًا. “إنه مشهد يثير حماسي بحق.”
كانت الأختام السحرية عليه دقيقة، متقنة، شاملة، كاملة، بلا أيّ خلل. منتجات قياسيّة لبرج الخيمياء.
“لهذا السبب أنت المسؤول عن سحب اثنين من المعدات الأسطورية المضادّة للصوفيين من مدينة سُحب التنين؟” ابتسم رافائيل بسخرية. “صوفيّة لا تخشى شيئًا في عاصمة دولةٍ أخرى… سواء انتهى الأمر بمشهدٍ باهر أو لا، فسيظلّ منظرًا كريهًا على أيّ حال. هل أنت متأكد أنك تريد فعل هذا؟”
لم يكن يعرف أيّ فرعٍ هذه المرّة يُرسل الأخبار.
(خصوصًا… وأنها المجنونة القاتلة التي ترصدها جميع وكالات الاستخبارات.)
ثم بدأ الألم يخفت تدريجيًّا.
فكّر رافاييل مبتسمًا في سرّه.
(الضعفاء يجب أن يموتوا، أليس هذا قانون الطبيعة؟)
“اعتبرها هدية ردّ من الكوكبة إلى إكستيدت. نحن ننتقم لكلّ الخسائر التي تكبّدها جلالته وأنا في الأشهر الماضية.” قال النبيّ الأسود بتنهدٍ مشوبٍ بالعاطفة. “فكلّ هذا لأجل التعامل بفعاليةٍ أكبر مع الخطر الذي تمثّله الصوفية الدموية…”
(بشرٌ وقح.)
“وأنا حقًا أرغب برؤية كيف ستتصرّف تلك العجوز في مدينة سُحب التنين حيال هذا الموقف.”
غيـزا ستريلمان… لو لم يذكر الإنسان الأقرب إلى القفص ذلك الاسم، لكاد أن ينساه.
(وأيضًا،) فكّر مورات بهدوءٍ في قلبه، (تحت التواطؤ الصامت لقسم الاستخبارات السرّية في المملكة، تمتّعت أخوية الشارع الأسود بعصرٍ من المجد لسنواتٍ طويلة جدًّا.)
نهضت الهيئة العجوز ببطء.
(وبما أنّ عصابة قوارير الدم تلقّت ضربةً ساحقة أجبرت آسدا وغيزا على الظهور…)
صرير.
(فقد حان الوقت لتدفع الأخوية ومؤيّدوها من خلف الكواليس ثمنًا بسيطًا.)
وفي مثل هذه الحال، بدأ يشتاق إلى جسده الأصلي. حتى هذه اللحظة، ما زال يتذكّر ألم انفصاله عنه. صيحات الألم ونواح العذاب التي أطلقها الجسد الأصلي ما تزال حيّة في ذاكرته.
(كلّ هذا من أجل أمان الكوكبة، أليس كذلك؟)
(الإمبراطورية لم تعد قوية كما كانت، لكنّ أولئك البشر سيحمون جسدي الأصلي بكلّ تأكيد. ما دامت عاصمة النصر لم تُدمَّر، فسيبقى جسدي الأصلي آمنًا وسليمًا.)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هل ننتقل إلى المرحلة التالية من الخطّة؟” سأل الشابّ بصوتٍ خافت.
(الليل المظلم… يا له من مصطلح مألوف. أين سمعت به من قبل؟)
