تقاطع المصير
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“الطاولة في الصالة ليست للرقص.” رمق شاو زيدي بنظرةٍ حادّةٍ صارمة. ازداد اتساع ابتسامة زيدي بتوتّر تحت نبرته الباردة الصارمة. “على الوريث أن يكون قدوة حسنة!”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
أصدر كاسلان شخيرًا ساخرًا. “كل ما تهتمّ به دائمًا هو المصلحة، أليس كذلك؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“أتدري بماذا يُذكرني هذا؟” قاطعه كاسلان في تفكيره.
Arisu-san
“عُد فقط وبلّغ ابنَ أختي”، قال كاسلان ببطءٍ وحزم، “تبًّا للامبارد.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اشتعل الشكّ في قلب تاليس. (ما الذي يقصده؟)
الفصل 113: تقاطع المصير
Arisu-san
…
واندفع كوهين من على الأرض بفزعٍ فاصطدم رأسه بالطاولة.
تحت نظرات كاسلان العجوز المفعمة بالشفقة، تنفّس تاليس الصعداء بعدما نجح بكل حيَلِه في الإفلات من شرب كأس نبيذ الجاودار.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
استراحوا خمس عشرة دقيقة قبل أن يلتفت الفيكونت كينتفيدا ويومئ بفعلٍ مقصود نحو فارس النار تولجا.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“استعدّوا!” أمر تولجا جنوده. “سنغادر الآن! يجب أن نصل إلى إقليم أوركيد المرموقة قبل ليل الغد!”
“أتدري بماذا يُذكرني هذا؟” قاطعه كاسلان في تفكيره.
وقف الضباط والجنود الإكستيدتيون فور سماعهم أوامر قائدهم، تركوا بعض النقود ثمنًا للنبيذ، وغادروا الحانة.
كان كوهين كارابيان متعبًا، اتكأ على الطاولة يربّت على رجلها ويفرك عينيه الحمراوين. “لا أستطيع تحمّل هذا على أي حال… لكنني سأذكر هذا الوقت الرائع ـ تلك الأيام التي كنت أتسلّل فيها إلى مكتبة الحقيقة مع أستاذي كل ليلة…”
أما رجال الكوكبة فالتفتوا نحو تاليس. ألقى الصبي نظرة على بيوتراي ورفع كتفيه قبل أن يقفز من فوق منضدة البار.
“هذه المرة”، ضيّق كينتفيدا عينيه، “الأمر يتعلّق بذلك الأمير.”
لكن ما إن لوّح مودّعًا العجوز كاسلان وهمَّ بالمغادرة—
طَقطَقة!
“انتظر، أيها الصغير!” ترك كاسلان منضدة البار وتقدّم نحو تاليس.
“لقد رأيت بنفسك، ملك الكوكبة القادم.” تلألأت عينا كينتفيدا ببرودة. “أنظر كم هو مختلفٌ عن سائر الأطفال، كم هو ناضج وماكر… ماذا كنا نفعل حين كنا في السابعة؟ وماذا كان يفعل الملك نوڤين حين كان في السابعة؟”
لم يدرك تاليس إلا عندها أن هذا العجوز كاسلان ذو قامة شاهقة، تكاد تبلغ السبع أقدام، فاضطر أن يرفع عنقه إلى أقصى حدّ لينظر إليه.
رفع كاسلان رأسه وقال بجفاء: “أنت تعلم أنني أكره السياسة القذرة أكثر من أي شيء. لا أريد أن أعرف أيـ—”
لحسن الحظ، انحنى كاسلان قليلًا أمامه.
“آه، صحيح.” تردّد كاسلان لحظة ثم زفر ضاحكًا. “إن واجهتَ في إكستيدت خطرًا لا يمكنك تجاوزه بأيّ حالٍ من الأحوال، خطرًا لا يقدر حتى الملك نوڤين على إنقاذك منه…”
“أأنت ذاهب لتعتذر أمام الملك نوڤين؟” قال كاسلان ببطء. “وقد سمعتُ أيضًا أنّك جئت لتُكفّر عن المصيبة التي لحقت بالأمير موريا في الكوكبة.”
“أؤمن بأنك ستتخذ القرار الذي يخدم مصلحة إكستيدت أكثر.” قال كينتفيدا بهدوءٍ ولكن بعينين حادتين تخترقان العجوز. “كاسلان لامبارد… أنت، في النهاية، خالُ الآرشيدوق.”
“نعم.” تنفّس تاليس بعمق. “لأرى إن كان الملك نوڤين سيجد فيّا ما يثير اهتمامه من ذكاءٍ أو فطنة.”
“المعلّم العظيم شاو! المعلّم شاو! آه، لقد كنت أنوي زيارتك أولًا في هذه الرحلة. حتى إنني جلبت معي بعض التذكارات المحلية من الكوكبة خصيصًا لأجلك…”
تبدّلت ملامح كاسلان قليلًا وهو ينظر إلى تاليس.
رفع كاسلان رأسه وقال بجفاء: “أنت تعلم أنني أكره السياسة القذرة أكثر من أي شيء. لا أريد أن أعرف أيـ—”
“حين كنتُ في عمرك،” تنهد العجوز، “لم أكن أفعل سوى مطاردة العصافير خلف أخي الأكبر.”
استدار شاو نحوه، ونظرته الجليدية أجبرته على التزام الصمت.
ابتسم تاليس بخفة.
لحسن الحظ، انحنى كاسلان قليلًا أمامه.
لكن قبل أن ينطق بشيء، تابع كاسلان كلامه كمن يُحدّث نفسه: “النبالة اللعينة وما تحمل من مؤامراتٍ قذرة. لن يعرفوا يومًا معنى الرحمة أو التسامح، أليس كذلك؟ سواء كنت في السابعة أو السابعة عشرة… الإله وحده يعلم كيف مات الأمير موريا… يا للأسف. لقد كان فتىً طيبًا بحق.”
تذكّرت ميرندا في ذهنها ذلك الشبحَ الخفيف المرح، ذاك الذي يرتدي الأبيض، بصوته المتفائل الذي لا يخبو.
(هذا…) ارتسمت الدهشة على وجه تاليس. “أشكرك على تفهّمك… يا سيدي كاسلان…”
كانت الوحيدة التي نجت وعادت.”
ثبت العجوز نظره عليه حتى اضطر تاليس إلى الابتسام بتوتر وأشار نحو الباب.
“ماذا تعني؟” اتّسعت عينا تاليس. “أتقصد أن الوضع الداخلي في إكستيدت أسوأ مما نتخيل؟”
“اسمع،” قال كاسلان بصوتٍ خافت، “لقد خدمتُ في الجيش تحت راية نوڤين. إلى حدٍّ ما، يمكنني القول إنني أعرفه جيّدًا.”
تبدّلت ملامح كاسلان قليلًا وهو ينظر إلى تاليس.
(صاحب الحانة هذا يعرف الملك نوڤين؟!) أُصيب تاليس بالذهول قليلًا. التفت نحو كينتفيدا غير البعيد عنه. (لماذا أحضروني إلى هنا إذن؟ أهو حقًا للراحة في منتصف الطريق؟)
وقف الضباط والجنود الإكستيدتيون فور سماعهم أوامر قائدهم، تركوا بعض النقود ثمنًا للنبيذ، وغادروا الحانة.
تنهد كاسلان قائلًا: “كان ملكًا صالحًا في شبابه، مثالًا للرجل الوالتوني الصلب. ما زلتُ أذكر المشهد حين وقف نوڤين والتون على موقع الحراسة الثامن والثلاثين، ولوّح بسلسلة مطرقته في وجه الأورك المهاجمين. كان صريحًا، كريمًا، متسامحًا، وعادلًا. كان يتخذ جسده درعًا ليحمي جنديًا مجهول الاسم من فأس أورك. كان كلّ محاربٍ يفخر بأن يموت في سبيله.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“أوه؟” أشرق وجه تاليس. “هذا حسن، على الأقل يبدو أنه ليس ملكًا سيأمر بقطع رأسي فورًا.”
“أتدري بماذا يُذكرني هذا؟” قاطعه كاسلان في تفكيره.
“لكن الناس يتغيّرون.” أخرج كاسلان زفرة طويلة وبدأ نظره يتيه في البعيد. “ونوڤين بشرٌ أيضًا، يشيخ ويضعف، وقد تضلّله الألسن الكاذبة أو تُغويه الشهوات. سيأتي يومٌ ينقاد فيه وراء الرغبة والاندفاع.
“بالطبع، بالطبع.” أومأ زيدي تافنر بتواضعٍ وإخلاص.
مع أن دم رايكارو إكستيدت يجري في عروقه، إلا أنه ليس تنينًا كاملًا ولا بطلًا كاملًا. وخصوصًا… أنه أبٌ فقد ابنه.”
كان الشرطي الكوكبة وقائد فرقة الدفاع في المدينة، كوهين كارابيان، يفرك كفّيه بنظرةٍ تملّقٍ واضحة على وجهه. غير أن العجوز الأشيب، شاو، تجاهل ابتسامتَيهما.
تجمّد تاليس لحظة وهو يحدّق فيه. خفَض كاسلان رأسه ونظر إليه مباشرة. “احذر، أيها الأمير الثاني للكوكبة.
(حقًا؟)
إكستيدت ترفع التنين العظيم رايةً لها، لكن في ستمئة عامٍ مضت، لم نُبجل سوى عظمة التنين. تعلمنا كبرياءه، ونسينا حكمته وبصيرته. نحن ندعو أنفسنا أبناء الريح الشمالية والتنين، لكن قيود الإمبراطورية التي تُكبّلنا لا تقلّ عن تلك التي تُكبّلكم أنتم أهل الكوكبة.”
“أتدري بماذا يُذكرني هذا؟” قاطعه كاسلان في تفكيره.
“ماذا تعني؟” اتّسعت عينا تاليس. “أتقصد أن الوضع الداخلي في إكستيدت أسوأ مما نتخيل؟”
تجمّد زيدي وكوهين في مكانيهما في اللحظة نفسها.
“احرص على نفسك، يا فتى.” اكتفى كاسلان بهزّ رأسه ووضع يده بلُطف على كتف تاليس. “بما أنك دفعت ثمن النبيذ ولم تشربه، فاعتبر هذه النصيحة هديةً مني لك.”
“هذا هو الحدّ الفاصل بين المملكتين،” قالت ميرندا بهدوء، “ومن المستحيل عبور القوات من خلاله.”
رفع تاليس يديه مستسلمًا. “أشكرك على نصيحتك…”
وبينما كان يتألم، رأى الرجل العجوز ينهض ضاحكًا بمرحٍ صاخب: “عد في المرة القادمة! ولا تنسَ أن تشرب نبيذي! هذا هو العلامة الحقيقية للرجل!”
(على أي حال، ما زال عليّ مواجهة نوڤين السابع. يا للأسف، لا فائدة تُرجى من ذلك. ما سيأتي، سيأتي.)
أظلم وجه زيدي فجأة.
“آه، صحيح.” تردّد كاسلان لحظة ثم زفر ضاحكًا. “إن واجهتَ في إكستيدت خطرًا لا يمكنك تجاوزه بأيّ حالٍ من الأحوال، خطرًا لا يقدر حتى الملك نوڤين على إنقاذك منه…”
“يمكننا أن نؤكّد أن سيوف الكارثة لم يرثوا أسلوب السيف العسكري الشمالي بالكامل.” جلس أحد الورثة من الفئة العليا، زيدي تافنر، على الطاولة وقال لتلميذه: “حتى وإن بدا قديم الطراز، فإنه لا يزال أسلوبًا درسَه عددٌ لا يُحصى من السيّافين والسحرة بعناية… ومنزل السلالة يمتلك نظام الأرشفة الأكثر اكتمالًا.”
(حتى الملك نوڤين لن يستطيع إنقاذي؟)
(حتى الملك نوڤين لن يستطيع إنقاذي؟)
اشتعل الشكّ في قلب تاليس. (ما الذي يقصده؟)
“المعلّم العظيم شاو! المعلّم شاو! آه، لقد كنت أنوي زيارتك أولًا في هذه الرحلة. حتى إنني جلبت معي بعض التذكارات المحلية من الكوكبة خصيصًا لأجلك…”
“في مدينة سُحُب التنانين، هناك محل جزّار يحمل خنجرًا على لافتته، في شارع ويست إكسبريس.” ضحك كاسلان بخفة، ثم خفَض صوته حين رأى عبوس تاليس. “صاحبه رجل من الشرق الأقصى، لقبه «غو». يدين لي بدَين قديم. إنه رجل جريء إلى حدّ التهوّر، لا يتردّد في ارتكاب ما يخالف القانون. إن أردتَ مساعدته، فما عليك سوى أن تقول: «ستة وخمسون».”
…..
تحت نظرة تاليس المندهشة، صفعه العجوز كاسلان على كتفه بقوةٍ مرّةً أخرى، فترنّح الأمير الثاني من الألم.
“كنت أعلم أنك ستُبدي اهتمامك بهذا،” قال كينتفيدا بحدّة، “إنها ما تحدّثت عنه منذ زمنٍ بعيد ـ تلك القوّة الهستيرية الخارجة عن السيطرة. أذكر أنك لا تزال تعمل لصالح برج الإبادة…”
وبينما كان يتألم، رأى الرجل العجوز ينهض ضاحكًا بمرحٍ صاخب: “عد في المرة القادمة! ولا تنسَ أن تشرب نبيذي! هذا هو العلامة الحقيقية للرجل!”
ابتسم تاليس بخفة.
قبل أن يُظهر بيوتراي نظرته القاتلة، كان تاليس قد غادر بابتسامةٍ محرجة. أما كينتفيدا فقد قطّب حاجبيه وهو يتابع تاليس ورجال إكستيدت حتى غابوا عن الأنظار.
“لا تقلقي، أيّتها القائدة، لستُ هرّةً ضعيفة عاجزة. ثم إنني لستُ أقاتل وحدي. هناك صديقٌ قديم سيرافقني. سأعود حالما تُحَلّ المسألة.” جلست ميرندا آروند على صهوة جوادها وأومأت إلى سونيا.
ثم عاد ببطء إلى منضدة البار واستدار نحو كاسلان العجوز.
“اتّجه فورًا إلى إكستيدت،” قال شاو ببطءٍ هادئ، “هناك صديقٌ قديم يُدعى كاسلان يحتاج إلى بعض المساعدة.”
“لقد رأيت بنفسك، ملك الكوكبة القادم.” تلألأت عينا كينتفيدا ببرودة. “أنظر كم هو مختلفٌ عن سائر الأطفال، كم هو ناضج وماكر… ماذا كنا نفعل حين كنا في السابعة؟ وماذا كان يفعل الملك نوڤين حين كان في السابعة؟”
طَقطَقة!
“هممم.” حدّق كاسلان بباب الحانة وقال ببطء: “نظرة هذا الطفل حقًا مختلفة عن الآخرين.” لم يرَ في عينيه أي أثرٍ للرهبة أو الاضطراب، بل فضولًا واهتمامًا حقيقيين.
قفز زيدي عن الطاولة بعجلةٍ ووقع أرضًا سقوطًا أخرق.
وفي أعماق تلك العينين، كانت هناك ثقةٌ غامضة وصلابةٌ لا تتزعزع، نظرةٌ لا تليق بطفلٍ مذعورٍ بعيدٍ عن وطنه بآلاف الأميال.
تذكّرت ميرندا في ذهنها ذلك الشبحَ الخفيف المرح، ذاك الذي يرتدي الأبيض، بصوته المتفائل الذي لا يخبو.
“هذا هو الخصم الذي ستواجهه إكستيدت في المستقبل… أنا واثقٌ تقريبًا أنه حين يكبر، سيُصبح عدوًّا قويًّا لإكستيدت.” رسم كينتفيدا ابتسامة خفيفة وطرق على المنضدة. “لكن للأسف، لا يستطيع الآرشيدوق أن يهاجمه مباشرة.”
تنهد كاسلان قائلًا: “كان ملكًا صالحًا في شبابه، مثالًا للرجل الوالتوني الصلب. ما زلتُ أذكر المشهد حين وقف نوڤين والتون على موقع الحراسة الثامن والثلاثين، ولوّح بسلسلة مطرقته في وجه الأورك المهاجمين. كان صريحًا، كريمًا، متسامحًا، وعادلًا. كان يتخذ جسده درعًا ليحمي جنديًا مجهول الاسم من فأس أورك. كان كلّ محاربٍ يفخر بأن يموت في سبيله.”
“منذ متى أصبحنا نحن أبناء الشمال جبناء نخشى طفلًا في السابعة ونتآمر عليه؟” قال كاسلان بازدراء بصوتٍ عميق. “أن تُحافظ على بلدك بالخداع والخوف… هذا ما تفعله الإمبراطورية حين تدخل في فوضى.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“بالطبع.” قال مستشار الآرشيدوق لامبارد بهدوء، “ولهذا نحن بحاجةٍ إلى ملكٍ أفضل، لا إلى شيخٍ عاجزٍ يقتات على أمجادٍ قديمة، ولا إلى فتىٍ متهوّرٍ لم يجفّ حليب صباه بعد.”
(هذا…) ارتسمت الدهشة على وجه تاليس. “أشكرك على تفهّمك… يا سيدي كاسلان…”
“همف.” التقط كاسلان كأسين ووضعهما في نافذة المطبخ الخلفي. “إذن تشابمان لامبارد هو المرشّح الأفضل برأيك؟”
“أولئك الذين قطعوا أثرنا كانوا يستخدمون أسلوب السيف الخاصّ ببرج الإبادة، ونوعًا مختلفًا تمامًا من قوّة الإبادة!” قال كينتفيدا بصوتٍ خافتٍ كمن يُفشي سرًّا. “لكنهم بالتأكيد لم يكونوا من رجال برج الإبادة.”
“أعتقد أنك تُحب إكستيدت، أمةَ التنين، حبًّا جمًّا.” نظر إليه كينتفيدا بثبات. “حتى بعد أن جرّدك الملك نوڤين من حرس النصل الأبيض.”
تذكّرت ميرندا في ذهنها ذلك الشبحَ الخفيف المرح، ذاك الذي يرتدي الأبيض، بصوته المتفائل الذي لا يخبو.
“هيه!” بدا الاستياء واضحًا على وجه كاسلان. “نوڤين لم يجرّدني من شيء! أنا من اخترتُ الرحيل!”
“حين كنتُ في عمرك،” تنهد العجوز، “لم أكن أفعل سوى مطاردة العصافير خلف أخي الأكبر.”
صمت كينتفيدا واكتفى بالتحديق فيه.
“في العاصفة القادمة، من الحتمي أن تعجز عن التمسّك بقِيَمك واستقامتك.”
(حقًا؟)
ثم حرّكت لجام حصانها، فانطلق يعدو خارج بوّابة الحصن.
وبعد بضع ثوانٍ قال ببطء: “إذن، ما زلتَ ترفض؟”
كان الشرطي الكوكبة وقائد فرقة الدفاع في المدينة، كوهين كارابيان، يفرك كفّيه بنظرةٍ تملّقٍ واضحة على وجهه. غير أن العجوز الأشيب، شاو، تجاهل ابتسامتَيهما.
“هاه!” هزّ كاسلان رأسه باستهزاء. “أنا مجرد صاحب حانة، فبأي شأنٍ أوافق أو أرفض؟”
ربّتت ميرندا بخفّة على مقبض سيفها الأبيض عند خصرها وأومأت.
“كاسلان «مُزلزل الأرض»، قائدُ حرس النصل الأبيض السابق، لا يزال اسمك يتردّد بينهم، وقصتك تُروى في موقع الحراسة الثامن والثلاثين حتى اليوم.” قال كينتفيدا بفتور. “كل ما نحتاجه منك… كلمةٌ واحدة.”
تابعت سونيا بعينيها ظلّ ميرندا المتلاشي، وشعار النسر الأبيض الذي كان يلوح على ظهرها، قبل أن تتنهّد قائلةً في سرّها: (أحقًا لا تفعلين هذا لتختبئي؟)
“ولماذا؟ أتريدني أن أستعمل نفوذي وصلاتي لأقنع رجالي السابقين بأن يقفوا إلى جانب تشابمان؟” أطلق كاسلان ضحكةً ساخرة.
“لستُ أستسلم.” أجاب الشرطي الأشقر كوهين بامتعاض، “لكن هل تعلم كم عدد الكتب في مكتبة الحقيقة؟ ثم تلقيتُ رسالة من سيّدة جميلة البارحة…” تجاهل كوهين ملامح الغيظ على وجه زيدي وتثاءب، “عليّ أن أردّ جميلها.”
“أؤمن بأنك ستتخذ القرار الذي يخدم مصلحة إكستيدت أكثر.” قال كينتفيدا بهدوءٍ ولكن بعينين حادتين تخترقان العجوز. “كاسلان لامبارد… أنت، في النهاية، خالُ الآرشيدوق.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
رفع كاسلان رأسه فجأة.
(جالا. هذا اسمها…) لمس كوهين الرسالة على صدره وارتسمت على شفتيه ابتسامة. (تلك الفتاة الرائعة التي تحمل سيفين.)
“وأنت أيضًا، القائدُ الأشهر لحرس النصل الأبيض منذ تأسيس إكستيدت.” قال كينتفيدا بصوتٍ منخفض.
أصدر كاسلان شخيرًا ساخرًا. “كل ما تهتمّ به دائمًا هو المصلحة، أليس كذلك؟”
“في العاصفة القادمة، من الحتمي أن تعجز عن التمسّك بقِيَمك واستقامتك.”
“بالطبع، بالطبع.” أومأ زيدي تافنر بتواضعٍ وإخلاص.
(بالطبع، ربما لن يقتصر الأمر على “إقناع مرؤوسيك السابقين) فكّر كينتفيدا في نفسه، (بل قد تضطر إلى المضيّ أبعد من ذلك، فحرس النصل الأبيض هم الحرس الشخصي للملك، وقد أُوكلت إليهم مهمّة حماية الملك المنتخب شعبيًا لإكستيدت)
عضّت ميرندا شفتها ولم تُجب.
“أتدري بماذا يُذكرني هذا؟” قاطعه كاسلان في تفكيره.
“عُد فقط وبلّغ ابنَ أختي”، قال كاسلان ببطءٍ وحزم، “تبًّا للامبارد.”
ابتسم كينتفيدا بأدبٍ ورفع زاوية شفتيه قليلًا، بينما كان العجوز يحدّق به بنظرةٍ باردة.
“أعتقد أنك تُحب إكستيدت، أمةَ التنين، حبًّا جمًّا.” نظر إليه كينتفيدا بثبات. “حتى بعد أن جرّدك الملك نوڤين من حرس النصل الأبيض.”
“كيسو لامبارد طُلِبَ منه من قِبل الإمبراطورية أن يُقنع أهل بلدته بالتعاون مع الإمبراطورية، وأن يدفعوا ضرائبهم طوعًا، وألا يُبدوا مقاومة بعد الآن. فهل إن رفضتُ، سيقوم ذلك الصعلوك تشابمان بنفيي إلى برج الإصلاح أيضًا؟”
لكن ما إن لوّح مودّعًا العجوز كاسلان وهمَّ بالمغادرة—
قطّب كينتفيدا حاجبيه.
نهضا بصعوبةٍ وحاولا الوقوف باستقامة، وارتسم على وجهيهما أطيب ابتسامةٍ ممكنة وهما ينظران إلى العجوز الأشيب القادم من الشرق الأقصى، يعلّق سيفًا على خصره وتغشى ملامحه برودة الجليد.
“عُد فقط وبلّغ ابنَ أختي”، قال كاسلان ببطءٍ وحزم، “تبًّا للامبارد.”
جمع كاسلان عددًا آخر من الكؤوس دون أن يُلقي بالًا إلى الفيكونت.
“حسنًا.” تنفّس كينتفيدا تنهيدة خفيفة وهزّ رأسه دون أن يبدو عليه التعجّب. “إذًا، لعلّك على الأقل قادرٌ على المساعدة في الأمر الثاني.”
(فضلًا عن… آروند…)
أصدر كاسلان شخيرًا ساخرًا. “كل ما تهتمّ به دائمًا هو المصلحة، أليس كذلك؟”
كانت الوحيدة التي نجت وعادت.”
“هذه المرة”، ضيّق كينتفيدا عينيه، “الأمر يتعلّق بذلك الأمير.”
“أتذكر كروش؟ كانت في دفعتك نفسها.” قال شاو بصوتٍ عميق. “لقد أُصيبت بسيف الكارثة… وهناك احتمالٌ كبير ألا تتمكّن من استخدام السيف مجددًا طَوال حياتها.”
جمع كاسلان عددًا آخر من الكؤوس دون أن يُلقي بالًا إلى الفيكونت.
“وهل لهذا علاقة بي؟” قال كاسلان بخشونة.
“هنالك من يسعى لاغتيال ذلك الأمير في إكستيدت. سواء كان الهدف إلصاق التهمة بالآرشيدوق، أو إثارة الفوضى،” قال كينتفيدا بوجهٍ قاتم، “فقد بدأوا باستخدام جاسوسٍ عسكريٍّ متخفٍّ ضمن وحدة البنادق الصوفية خاصّتنا.”
تذكّرت ميرندا في ذهنها ذلك الشبحَ الخفيف المرح، ذاك الذي يرتدي الأبيض، بصوته المتفائل الذي لا يخبو.
رفع كاسلان رأسه وقال بجفاء: “أنت تعلم أنني أكره السياسة القذرة أكثر من أي شيء. لا أريد أن أعرف أيـ—”
رفع تاليس يديه مستسلمًا. “أشكرك على نصيحتك…”
“ما سيأتي يخصّك أنت،” قاطعه كينتفيدا بنبرةٍ حازمة. “الآرشيدوق أرسل رسالة البارحة. تمكّنا من العثور على بعض الخيوط المتعلقة بالجاسوس العسكري في السوق السوداء، لكننا قُطعنا عن المسار في منتصف الطريق على يد أحدهم.”
ثم عاد ببطء إلى منضدة البار واستدار نحو كاسلان العجوز.
“وهل لهذا علاقة بي؟” قال كاسلان بخشونة.
قبض كاسلان يديه بإحكام.
“أولئك الذين قطعوا أثرنا كانوا يستخدمون أسلوب السيف الخاصّ ببرج الإبادة، ونوعًا مختلفًا تمامًا من قوّة الإبادة!” قال كينتفيدا بصوتٍ خافتٍ كمن يُفشي سرًّا. “لكنهم بالتأكيد لم يكونوا من رجال برج الإبادة.”
“عُد فقط وبلّغ ابنَ أختي”، قال كاسلان ببطءٍ وحزم، “تبًّا للامبارد.”
تجمّد كاسلان في مكانه.
“يمكننا أن نبدأ من هنا…”
“تابع.” بدا أن العجوز بدأ يأخذ الأمر بجدّية. “أي قوّة إبادةٍ تلك؟”
استدار شاو نحوه، ونظرته الجليدية أجبرته على التزام الصمت.
“كنت أعلم أنك ستُبدي اهتمامك بهذا،” قال كينتفيدا بحدّة، “إنها ما تحدّثت عنه منذ زمنٍ بعيد ـ تلك القوّة الهستيرية الخارجة عن السيطرة. أذكر أنك لا تزال تعمل لصالح برج الإبادة…”
تحت نظرة تاليس المندهشة، صفعه العجوز كاسلان على كتفه بقوةٍ مرّةً أخرى، فترنّح الأمير الثاني من الألم.
“فقط لردّ الجميل لِشاو،” ظهرت في نظرات كاسلان لمحة حنينٍ قديم، “فقد تخرّجت منذ سنوات طويلة…”
حدّق حارس السيف الرمادي فيهما ببرود، فوقف زيدي وكوهين بانتصابٍ كعمودين.
لكنّه حدّق بجدّيةٍ في كينتفيدا على الفور. “ما الذي بعد ذلك؟”
(حقًا؟)
“السيّافة من الفئة العليا التابعة لبرج الإبادة والتي تعمل معنا، كروش… أما زلت تذكرها؟ هي ابنة رفيقك، تلك الفتاة الشابة القوية… لقد أُصيبت بجروحٍ خطيرةٍ على أيديهم وكادت تفقد حياتها.
استدار شاو نحوه، ونظرته الجليدية أجبرته على التزام الصمت.
كانت الوحيدة التي نجت وعادت.”
وضعت سونيا يديها على كتفي تابعتها بيأس. “حسنًا، تفعلين هذا لمساعدة صديقة، أليس كذلك؟”
قبض كاسلان يديه بإحكام.
قفز زيدي عن الطاولة بعجلةٍ ووقع أرضًا سقوطًا أخرق.
“الأثر الذي تتبّعناه انقطع، ولم يتبقَّ لدينا سوى دليلٍ واحدٍ عن قوى الإبادة الغريبة تلك…” قال كينتفيدا بإخلاص، “نحتاج مساعدتك… حتى وإن كان ذلك لأجل برج الإبادة وليس من أجل لامبارد.
وضعت سونيا يديها على كتفي تابعتها بيأس. “حسنًا، تفعلين هذا لمساعدة صديقة، أليس كذلك؟”
الرجل الذي يُضاهي ’حارس السيف الرمادي‘ شهرةً، فخر حرس النصل الأبيض وبرج الإبادة ـ ’كاسلان لامبارد مزلزل الأرض‘.”
“أأنت ذاهب لتعتذر أمام الملك نوڤين؟” قال كاسلان ببطء. “وقد سمعتُ أيضًا أنّك جئت لتُكفّر عن المصيبة التي لحقت بالأمير موريا في الكوكبة.”
…..
وفي أعماق تلك العينين، كانت هناك ثقةٌ غامضة وصلابةٌ لا تتزعزع، نظرةٌ لا تليق بطفلٍ مذعورٍ بعيدٍ عن وطنه بآلاف الأميال.
بعد بضعة أيام في برج الإبادة. قاعة صالة منزل السلالة.
كان كوهين كارابيان متعبًا، اتكأ على الطاولة يربّت على رجلها ويفرك عينيه الحمراوين. “لا أستطيع تحمّل هذا على أي حال… لكنني سأذكر هذا الوقت الرائع ـ تلك الأيام التي كنت أتسلّل فيها إلى مكتبة الحقيقة مع أستاذي كل ليلة…”
“يمكننا أن نؤكّد أن سيوف الكارثة لم يرثوا أسلوب السيف العسكري الشمالي بالكامل.” جلس أحد الورثة من الفئة العليا، زيدي تافنر، على الطاولة وقال لتلميذه: “حتى وإن بدا قديم الطراز، فإنه لا يزال أسلوبًا درسَه عددٌ لا يُحصى من السيّافين والسحرة بعناية… ومنزل السلالة يمتلك نظام الأرشفة الأكثر اكتمالًا.”
“اـ… استمع إليّ،” ضحك زيدي بتوتّر، “أنت لم تكن هنا، كما تعلم، وكوهين عثر على بعض الآثار حول سيوف الكارثة، فـ…”
“يمكننا أن نبدأ من هنا…”
“بالطبع.” قال مستشار الآرشيدوق لامبارد بهدوء، “ولهذا نحن بحاجةٍ إلى ملكٍ أفضل، لا إلى شيخٍ عاجزٍ يقتات على أمجادٍ قديمة، ولا إلى فتىٍ متهوّرٍ لم يجفّ حليب صباه بعد.”
“حسنًا… يمكنك متابعة البحث عن الكتاب هنا، زيدي.”
(بالطبع، ربما لن يقتصر الأمر على “إقناع مرؤوسيك السابقين) فكّر كينتفيدا في نفسه، (بل قد تضطر إلى المضيّ أبعد من ذلك، فحرس النصل الأبيض هم الحرس الشخصي للملك، وقد أُوكلت إليهم مهمّة حماية الملك المنتخب شعبيًا لإكستيدت)
كان كوهين كارابيان متعبًا، اتكأ على الطاولة يربّت على رجلها ويفرك عينيه الحمراوين. “لا أستطيع تحمّل هذا على أي حال… لكنني سأذكر هذا الوقت الرائع ـ تلك الأيام التي كنت أتسلّل فيها إلى مكتبة الحقيقة مع أستاذي كل ليلة…”
(بالطبع، ربما لن يقتصر الأمر على “إقناع مرؤوسيك السابقين) فكّر كينتفيدا في نفسه، (بل قد تضطر إلى المضيّ أبعد من ذلك، فحرس النصل الأبيض هم الحرس الشخصي للملك، وقد أُوكلت إليهم مهمّة حماية الملك المنتخب شعبيًا لإكستيدت)
أظلم وجه زيدي فجأة.
حدّق حارس السيف الرمادي فيهما ببرود، فوقف زيدي وكوهين بانتصابٍ كعمودين.
“أتستسلم؟” قال المعلم ببرودٍ عصبي، “تتخلى عن التحقيق في سيف الكارثة؟”
“أؤمن بأنك ستتخذ القرار الذي يخدم مصلحة إكستيدت أكثر.” قال كينتفيدا بهدوءٍ ولكن بعينين حادتين تخترقان العجوز. “كاسلان لامبارد… أنت، في النهاية، خالُ الآرشيدوق.”
“لستُ أستسلم.” أجاب الشرطي الأشقر كوهين بامتعاض، “لكن هل تعلم كم عدد الكتب في مكتبة الحقيقة؟ ثم تلقيتُ رسالة من سيّدة جميلة البارحة…” تجاهل كوهين ملامح الغيظ على وجه زيدي وتثاءب، “عليّ أن أردّ جميلها.”
“كيسو لامبارد طُلِبَ منه من قِبل الإمبراطورية أن يُقنع أهل بلدته بالتعاون مع الإمبراطورية، وأن يدفعوا ضرائبهم طوعًا، وألا يُبدوا مقاومة بعد الآن. فهل إن رفضتُ، سيقوم ذلك الصعلوك تشابمان بنفيي إلى برج الإصلاح أيضًا؟”
(جالا. هذا اسمها…) لمس كوهين الرسالة على صدره وارتسمت على شفتيه ابتسامة. (تلك الفتاة الرائعة التي تحمل سيفين.)
“احرص على نفسك، يا فتى.” اكتفى كاسلان بهزّ رأسه ووضع يده بلُطف على كتف تاليس. “بما أنك دفعت ثمن النبيذ ولم تشربه، فاعتبر هذه النصيحة هديةً مني لك.”
لكن في تلك اللحظة بالذات، جاء صوتٌ عجوزٌ صارمٌ باردٌ من خلف الثنائي المعلم والتلميذ: “زيدي تافنر. كوهين كارابيان.”
تنهد كاسلان قائلًا: “كان ملكًا صالحًا في شبابه، مثالًا للرجل الوالتوني الصلب. ما زلتُ أذكر المشهد حين وقف نوڤين والتون على موقع الحراسة الثامن والثلاثين، ولوّح بسلسلة مطرقته في وجه الأورك المهاجمين. كان صريحًا، كريمًا، متسامحًا، وعادلًا. كان يتخذ جسده درعًا ليحمي جنديًا مجهول الاسم من فأس أورك. كان كلّ محاربٍ يفخر بأن يموت في سبيله.”
اهتزّ الاثنان في اللحظة نفسها!
تابعت سونيا بعينيها ظلّ ميرندا المتلاشي، وشعار النسر الأبيض الذي كان يلوح على ظهرها، قبل أن تتنهّد قائلةً في سرّها: (أحقًا لا تفعلين هذا لتختبئي؟)
طَقطَقة!
أومأ كوهين بشرودٍ دون تفكير.
قفز زيدي عن الطاولة بعجلةٍ ووقع أرضًا سقوطًا أخرق.
“بالطبع، بالطبع.” أومأ زيدي تافنر بتواضعٍ وإخلاص.
واندفع كوهين من على الأرض بفزعٍ فاصطدم رأسه بالطاولة.
“لستُ أستسلم.” أجاب الشرطي الأشقر كوهين بامتعاض، “لكن هل تعلم كم عدد الكتب في مكتبة الحقيقة؟ ثم تلقيتُ رسالة من سيّدة جميلة البارحة…” تجاهل كوهين ملامح الغيظ على وجه زيدي وتثاءب، “عليّ أن أردّ جميلها.”
ارتبكا كلاهما، أحدهما يفرك ركبته ووجهه متلوٍ من الألم، والآخر يلمس فروة رأسه متألمًا.
“يمكننا أن نبدأ من هنا…”
نهضا بصعوبةٍ وحاولا الوقوف باستقامة، وارتسم على وجهيهما أطيب ابتسامةٍ ممكنة وهما ينظران إلى العجوز الأشيب القادم من الشرق الأقصى، يعلّق سيفًا على خصره وتغشى ملامحه برودة الجليد.
حتى نطق شاو بجملته التالية ببطء: “سمعت أنّكما في الأيام الماضية تسلّلتما إلى مكتبة الحقيقة… مرّاتٍ عديدة؟”
“آه! شاو! متى عدت؟ لقد قالوا إنك ذهبت إلى وادي النصل الحاد للتفتيش…” قال زيدي تافنر بابتسامةٍ عريضة وهو ينحني احترامًا ويشبك كفّيه.
الرجل الذي يُضاهي ’حارس السيف الرمادي‘ شهرةً، فخر حرس النصل الأبيض وبرج الإبادة ـ ’كاسلان لامبارد مزلزل الأرض‘.”
“المعلّم العظيم شاو! المعلّم شاو! آه، لقد كنت أنوي زيارتك أولًا في هذه الرحلة. حتى إنني جلبت معي بعض التذكارات المحلية من الكوكبة خصيصًا لأجلك…”
…..
كان الشرطي الكوكبة وقائد فرقة الدفاع في المدينة، كوهين كارابيان، يفرك كفّيه بنظرةٍ تملّقٍ واضحة على وجهه. غير أن العجوز الأشيب، شاو، تجاهل ابتسامتَيهما.
رفع كاسلان رأسه فجأة.
“الطاولة في الصالة ليست للرقص.” رمق شاو زيدي بنظرةٍ حادّةٍ صارمة. ازداد اتساع ابتسامة زيدي بتوتّر تحت نبرته الباردة الصارمة. “على الوريث أن يكون قدوة حسنة!”
ارتسمت ابتسامةٌ على شفتيها دون وعي، ثم استدارت لتضع قدمها في الركاب.
“بالطبع، بالطبع.” أومأ زيدي تافنر بتواضعٍ وإخلاص.
اشتعل الشكّ في قلب تاليس. (ما الذي يقصده؟)
ثم التفت نحو كوهين، الذي كان يرتجف من شدّة خوفه من وجه شاو الصارم. “ما دام هناك كرسي، فلا حاجة لك بالجلوس على الأرض.”
نهضا بصعوبةٍ وحاولا الوقوف باستقامة، وارتسم على وجهيهما أطيب ابتسامةٍ ممكنة وهما ينظران إلى العجوز الأشيب القادم من الشرق الأقصى، يعلّق سيفًا على خصره وتغشى ملامحه برودة الجليد.
“نعم، نعم، نعم.” أصغى كوهين بانضباطٍ وجديّةٍ شديدة.
عضّت ميرندا شفتها ولم تُجب.
ظلّ الاثنان، زيدي وكوهين، يهزّان رأسيهما ويبتسمان بتملّقٍ واحترامٍ ظاهر.
“إدخال جيشٍ خاصٍّ بنبيلٍ من الكوكبة إلى إكستيدت؟” قال زيدي بصرامة، “هل فقدتَ صوابك؟”
يا للسخرية، فذاك هو سيّد برج الإبادة نفسه، حارس السيف الرمادي!
“اتّجه فورًا إلى إكستيدت،” قال شاو ببطءٍ هادئ، “هناك صديقٌ قديم يُدعى كاسلان يحتاج إلى بعض المساعدة.”
وكان أخفّ عقوباته لطلّابه هي الوقوف على يدٍ واحدةٍ لعشر ساعات!
“اسمع،” قال كاسلان بصوتٍ خافت، “لقد خدمتُ في الجيش تحت راية نوڤين. إلى حدٍّ ما، يمكنني القول إنني أعرفه جيّدًا.”
أما المخالفة التي تستحقّ تلك العقوبة الخفيفة، فهي أمورٌ تافهة مثل: المشي بخطواتٍ طويلةٍ تُظهر سوء السلوك!
وقف الضباط والجنود الإكستيدتيون فور سماعهم أوامر قائدهم، تركوا بعض النقود ثمنًا للنبيذ، وغادروا الحانة.
حدّق حارس السيف الرمادي فيهما ببرود، فوقف زيدي وكوهين بانتصابٍ كعمودين.
“عُد فقط وبلّغ ابنَ أختي”، قال كاسلان ببطءٍ وحزم، “تبًّا للامبارد.”
ولحسن حظهما، في النهاية، لم يتفوّه شاو سوى بشخيرٍ خافت دون أن يقول شيئًا آخر.
اهتزّ الاثنان في اللحظة نفسها!
أطلق الاثنان زفرةَ ارتياحٍ سرّية.
بعد بضعة أيام في برج الإبادة. قاعة صالة منزل السلالة.
حتى نطق شاو بجملته التالية ببطء: “سمعت أنّكما في الأيام الماضية تسلّلتما إلى مكتبة الحقيقة… مرّاتٍ عديدة؟”
أصدر كاسلان شخيرًا ساخرًا. “كل ما تهتمّ به دائمًا هو المصلحة، أليس كذلك؟”
تجمّد زيدي وكوهين في مكانيهما في اللحظة نفسها.
“وهل لهذا علاقة بي؟” قال كاسلان بخشونة.
“اـ… استمع إليّ،” ضحك زيدي بتوتّر، “أنت لم تكن هنا، كما تعلم، وكوهين عثر على بعض الآثار حول سيوف الكارثة، فـ…”
“هاه!” هزّ كاسلان رأسه باستهزاء. “أنا مجرد صاحب حانة، فبأي شأنٍ أوافق أو أرفض؟”
“لقد فعلنا هذا لأجل برج الإبادة ولأجل ’المطهّرين‘.” استخدم كوهين أسلوب الخطاب الذي تعلّمه في مركز الشرطة، وربّت على صدره بأسلوبٍ رسميٍّ صارم. “لقد فعلنا هذا من أجل ’سيف الكارثة‘—”
“احذري في رحلتك. فبرغم أن لامبارد سحب جيشه، ولم تندلع الحرب بعد… إلا أنها تبقى إكستيدت في النهاية.”
لكن صوت شاو العميق الجادّ ارتفع تدريجيًا ليقاطعهم. “جيد جدًا.” بدا حارس السيف الرمادي متجهّمًا. “كوهين كارابيان.”
ثم عاد ببطء إلى منضدة البار واستدار نحو كاسلان العجوز.
وقف كوهين فورًا في وضعيةٍ رسمية، نافخًا صدره رافعًا رأسه.
(بالطبع، ربما لن يقتصر الأمر على “إقناع مرؤوسيك السابقين) فكّر كينتفيدا في نفسه، (بل قد تضطر إلى المضيّ أبعد من ذلك، فحرس النصل الأبيض هم الحرس الشخصي للملك، وقد أُوكلت إليهم مهمّة حماية الملك المنتخب شعبيًا لإكستيدت)
“اتّجه فورًا إلى إكستيدت،” قال شاو ببطءٍ هادئ، “هناك صديقٌ قديم يُدعى كاسلان يحتاج إلى بعض المساعدة.”
“نعم، نعم، نعم.” أصغى كوهين بانضباطٍ وجديّةٍ شديدة.
“هاه؟ كاسلان؟” كان زيدي من تكلّم بدهشة وهو يحدّق في شاو. “أتقصد ذلك السكير الشمالي الذي يستخدم سيفه كما لو كان فأسًا؟”
كانت الوحيدة التي نجت وعادت.”
استدار شاو نحوه، ونظرته الجليدية أجبرته على التزام الصمت.
زهرة الحصن، سونيا ساسيري، كانت تُخاطب ميرندا آروند المجهّزة بكامل عدّتها بابتسامةٍ خفيفة. “مع أنني كنت أودّ حقًا أن أوصيكِ باصطحاب الجيش الخاص بعائلة آروند…”
“لكن…” حكّ كوهين رأسه بإحراج. “عليّ أن أعود إلى الكوكبة أولًا لأساعد صديقي…”
ثم التفت نحو كوهين، الذي كان يرتجف من شدّة خوفه من وجه شاو الصارم. “ما دام هناك كرسي، فلا حاجة لك بالجلوس على الأرض.”
“أتذكر كروش؟ كانت في دفعتك نفسها.” قال شاو بصوتٍ عميق. “لقد أُصيبت بسيف الكارثة… وهناك احتمالٌ كبير ألا تتمكّن من استخدام السيف مجددًا طَوال حياتها.”
تحت نظرة تاليس المندهشة، صفعه العجوز كاسلان على كتفه بقوةٍ مرّةً أخرى، فترنّح الأمير الثاني من الألم.
رفع كوهين رأسه بدهشةٍ شاحبة. (كروش…)
…..
ظهر في ذهنه طيفُ فتاةٍ من الشمال، برأسٍ حليقٍ قصير الشعر، تشدّ على سيفها بأسنانٍ متماسكة تحت شمسٍ لافحة.
“المعلّم العظيم شاو! المعلّم شاو! آه، لقد كنت أنوي زيارتك أولًا في هذه الرحلة. حتى إنني جلبت معي بعض التذكارات المحلية من الكوكبة خصيصًا لأجلك…”
وفمها الممتلئ بأسنانٍ بيضاء ناصعة.
وقف الضباط والجنود الإكستيدتيون فور سماعهم أوامر قائدهم، تركوا بعض النقود ثمنًا للنبيذ، وغادروا الحانة.
“حسنًا.” استدار الشرطي دون تردّد وقال بحزمٍ للوريثين: “سأستعدّ فورًا. ما مدى خطورة الوضع؟ هل أحتاج إلى اصطحاب الجيش الخاص بعائلتي؟”
قفز زيدي عن الطاولة بعجلةٍ ووقع أرضًا سقوطًا أخرق.
“إدخال جيشٍ خاصٍّ بنبيلٍ من الكوكبة إلى إكستيدت؟” قال زيدي بصرامة، “هل فقدتَ صوابك؟”
(هذا…) ارتسمت الدهشة على وجه تاليس. “أشكرك على تفهّمك… يا سيدي كاسلان…”
أومأ كوهين بشرودٍ دون تفكير.
الرجل الذي يُضاهي ’حارس السيف الرمادي‘ شهرةً، فخر حرس النصل الأبيض وبرج الإبادة ـ ’كاسلان لامبارد مزلزل الأرض‘.”
قال شاو بصوتٍ عميق: “لن تكون وحدك، سيكون هناك شخصٌ آخر يلتقي بك في الطريق… لقد انضمّت حديثًا إلى ’المطهّرين‘.”
(فضلًا عن… آروند…)
ارتسمت على وجه كوهين ملامح حيرةٍ شديدة.
(فضلًا عن… آروند…)
…..
(صاحب الحانة هذا يعرف الملك نوڤين؟!) أُصيب تاليس بالذهول قليلًا. التفت نحو كينتفيدا غير البعيد عنه. (لماذا أحضروني إلى هنا إذن؟ أهو حقًا للراحة في منتصف الطريق؟)
حصن التنّين المحطم. البوّابة الشمالية.
“ما سيأتي يخصّك أنت،” قاطعه كينتفيدا بنبرةٍ حازمة. “الآرشيدوق أرسل رسالة البارحة. تمكّنا من العثور على بعض الخيوط المتعلقة بالجاسوس العسكري في السوق السوداء، لكننا قُطعنا عن المسار في منتصف الطريق على يد أحدهم.”
“احذري في رحلتك. فبرغم أن لامبارد سحب جيشه، ولم تندلع الحرب بعد… إلا أنها تبقى إكستيدت في النهاية.”
وضعت سونيا يديها على كتفي تابعتها بيأس. “حسنًا، تفعلين هذا لمساعدة صديقة، أليس كذلك؟”
زهرة الحصن، سونيا ساسيري، كانت تُخاطب ميرندا آروند المجهّزة بكامل عدّتها بابتسامةٍ خفيفة. “مع أنني كنت أودّ حقًا أن أوصيكِ باصطحاب الجيش الخاص بعائلة آروند…”
ثبت العجوز نظره عليه حتى اضطر تاليس إلى الابتسام بتوتر وأشار نحو الباب.
“هذا هو الحدّ الفاصل بين المملكتين،” قالت ميرندا بهدوء، “ومن المستحيل عبور القوات من خلاله.”
(حتى الملك نوڤين لن يستطيع إنقاذي؟)
(فضلًا عن… آروند…)
ارتسمت على وجه كوهين ملامح حيرةٍ شديدة.
شدّت ميرندا قفازيها الأسودين، وفي الوقت نفسه قبضت بإحكامٍ على شعار النسر الأبيض المرسوم على كمّها.
نهضا بصعوبةٍ وحاولا الوقوف باستقامة، وارتسم على وجهيهما أطيب ابتسامةٍ ممكنة وهما ينظران إلى العجوز الأشيب القادم من الشرق الأقصى، يعلّق سيفًا على خصره وتغشى ملامحه برودة الجليد.
رأت زهرة الحصن نظرة تابعتها وتنهدت. “الاختفاء لبعض الوقت ليس بالأمر السيئ أيضًا. فعمّاتكِ وإخوتكِ من آل آروند مزعجون إلى حدٍّ لا يُطاق…”
“احذري في رحلتك. فبرغم أن لامبارد سحب جيشه، ولم تندلع الحرب بعد… إلا أنها تبقى إكستيدت في النهاية.”
عضّت ميرندا شفتها ولم تُجب.
“أتدري بماذا يُذكرني هذا؟” قاطعه كاسلان في تفكيره.
“أنا لا أفعل هذا لأختبئ.” قالت بهدوءٍ خافت.
قفز زيدي عن الطاولة بعجلةٍ ووقع أرضًا سقوطًا أخرق.
وضعت سونيا يديها على كتفي تابعتها بيأس. “حسنًا، تفعلين هذا لمساعدة صديقة، أليس كذلك؟”
شدّت ميرندا قفازيها الأسودين، وفي الوقت نفسه قبضت بإحكامٍ على شعار النسر الأبيض المرسوم على كمّها.
ربّتت ميرندا بخفّة على مقبض سيفها الأبيض عند خصرها وأومأت.
“انتظر، أيها الصغير!” ترك كاسلان منضدة البار وتقدّم نحو تاليس.
كروش. تلك الفتاة التي لم تعرف يومًا معنى الاستسلام.
“أؤمن بأنك ستتخذ القرار الذي يخدم مصلحة إكستيدت أكثر.” قال كينتفيدا بهدوءٍ ولكن بعينين حادتين تخترقان العجوز. “كاسلان لامبارد… أنت، في النهاية، خالُ الآرشيدوق.”
“لقد تتلمذنا على يد المعلّم نفسه.” قالت ابنة الدوق آروند بصوتٍ هادئ، “وحين تمرّ بأوقاتٍ عصيبة، ينبغي أن أكون إلى جانبها.”
ارتسمت ابتسامةٌ على شفتيها دون وعي، ثم استدارت لتضع قدمها في الركاب.
(لم يبقَ لي في هذا العالم الكثير… وعليّ أن أعتزّ بما تبقّى.)
ارتسمت ابتسامةٌ على شفتيها دون وعي، ثم استدارت لتضع قدمها في الركاب.
تذكّرت ميرندا في ذهنها ذلك الشبحَ الخفيف المرح، ذاك الذي يرتدي الأبيض، بصوته المتفائل الذي لا يخبو.
“هذا هو الحدّ الفاصل بين المملكتين،” قالت ميرندا بهدوء، “ومن المستحيل عبور القوات من خلاله.”
ارتسمت ابتسامةٌ على شفتيها دون وعي، ثم استدارت لتضع قدمها في الركاب.
“المعلّم العظيم شاو! المعلّم شاو! آه، لقد كنت أنوي زيارتك أولًا في هذه الرحلة. حتى إنني جلبت معي بعض التذكارات المحلية من الكوكبة خصيصًا لأجلك…”
“لا تقلقي، أيّتها القائدة، لستُ هرّةً ضعيفة عاجزة. ثم إنني لستُ أقاتل وحدي. هناك صديقٌ قديم سيرافقني. سأعود حالما تُحَلّ المسألة.” جلست ميرندا آروند على صهوة جوادها وأومأت إلى سونيا.
قال شاو بصوتٍ عميق: “لن تكون وحدك، سيكون هناك شخصٌ آخر يلتقي بك في الطريق… لقد انضمّت حديثًا إلى ’المطهّرين‘.”
ثم حرّكت لجام حصانها، فانطلق يعدو خارج بوّابة الحصن.
“آه! شاو! متى عدت؟ لقد قالوا إنك ذهبت إلى وادي النصل الحاد للتفتيش…” قال زيدي تافنر بابتسامةٍ عريضة وهو ينحني احترامًا ويشبك كفّيه.
تابعت سونيا بعينيها ظلّ ميرندا المتلاشي، وشعار النسر الأبيض الذي كان يلوح على ظهرها، قبل أن تتنهّد قائلةً في سرّها: (أحقًا لا تفعلين هذا لتختبئي؟)
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أطلق الاثنان زفرةَ ارتياحٍ سرّية.
(جالا. هذا اسمها…) لمس كوهين الرسالة على صدره وارتسمت على شفتيه ابتسامة. (تلك الفتاة الرائعة التي تحمل سيفين.)
