ملكة السماء
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(هيبة عظيمة… اسمٌ شرعي… ولاء الناس…
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“… فلن يكون لدى جلالته أيّ مزاجٍ لاستقبالكم.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
Arisu-san
(صحيح.) هزّ تاليس رأسه في داخله.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في النهاية… إنهم أهل الشمال.
الفصل 124: ملكة السماء
“ثم إنّ إكستيدت تُدار بنظام انتخاب الملك.” عادت تلك الابتسامة الغريبة إلى وجه كينتفيدا. “الآرشيدوق ما يزال شابًا، أمّا الملك نوڤين فـ…”
….
تابع قائد حرّاس النصل الأبيض بصوتٍ خافت: “لعلّها غادرت بصمتٍ بعد رحيل الملك رايكارو واختفت آثارها، لكن الأساطير والقصص التي نُسجت حولها ظلّت حيّة في قلب كلّ فردٍ من أهل إكستيدت.”
“أيها الصبي، أعلم ما يدور في رأسك، لكن إن واصلتَ التحديق بي بتلك النظرة الغريبة…”
“أيها الصبي، أعلم ما يدور في رأسك، لكن إن واصلتَ التحديق بي بتلك النظرة الغريبة…”
كانت آيدا تسير بجانب جواد تاليس، وقد قبضت قبضتيها حتى برز مفصل سبابتها. كانت نبرتها تنضح ضيقًا لا يُخفى.
كانت جدرانها الرمادية الداكنة تتزيّن بالثلج الأبيض اللامع، وكان أعلى موضعٍ فيها يقع عند قمة الجبل الأسمى بين كل القمم. ومن بعيد، بدت المدينة كعملاقٍ يتكئ على جبلٍ من الثلج. أحاطت بها قرى وبلدات صغيرة تحرسها من كل صوب، فكانت قائمة شامخة في أرض الشمال.
“فأنت تعرف ما الذي سيحدث لك.”
لم يجد تاليس سوى أن يُخرج لسانه ويهز رأسه باستسلام.
“حسنًا.” أخرج تاليس لسانه وقد بلغ فضوله ذروته، ثم أدار رأسه بعيدًا.
“«مدينة سحب التنين».”
“إن لم تريدي الإجابة، فلا بأس.”
“نعم.” أومأ بيوتراي، وبنظرة معقّدة نطق كلمتين بثقل:
تنهد الأمير من أعماق قلبه.
“وفي الأعوام اللاحقة، عاد الفرسان التسعة إلى أراضيهم بعد أن وسّعوا حدود المملكة، التي كانت تتفتح أمامهم كما تُقطع الزبدة بسكينٍ حار، فاختاروا رايكارو إكستيدت ملكًا يقبله الشماليون بإجماع قلوبهم ويتبعونه حتى الموت.”
تنهدت آيدا بخفة، ودفنت ذكريات ماضيها من جديد في أعماق قلبها.
“أمرٌ مُفرِط في التبسيط.” قال تاليس بعد ثوانٍ بصوت خافت.
(جيدستار… أولئك الجيدستار الملعونون.)
“أوه؟” ضحك تاليس بخفة. “ما دام صديقنا الشمالي المتحمّس قد غادر، فهل تمانع بأن تُفضي لي بالمزيد، يا نائب دبلوماسيّنا العارف المُلمّ ذو المواهب الكثيرة العارف بالشمال؟”
“بالمناسبة يا آيدا، كيف أصبحتِ الحارسة السرية للعائلة الملكية جيدستار؟” كان تاليس يحدق في سلسلة الجبال الغائمة التي بدأت تتضح أمام عينيه وسأل بنبرة عابرة: “كيف انتهى الأمر بجنيّة لتعمل في الكوكبة، مملكة البشر؟ سمعت أن الجان متغطرسون جدًا، وأن أولئك الذين يخدمون البشر نادرون للغاية.”
“في معركة الإبادة، كان البطل العظيم، الملك رايكارو إكستيدت…”
خفضت آيدا رأسها.
أشار تاليس إلى وايا لِيوقف جواده القَلِق.
“أيها الصبي.” بدا في صوت الجنية شيء من الحرج. “لقد قلتُ لك من قبل إنني لستُ حارسة عائلتك. ثم…”
قال نيكولاس برفق: “في معركة الإبادة، كانت هي ’الأجنحة القرمزية في اللهيب الأزرق’ على ساحة القتال.
عقدت آيدا ذراعيها على صدرها، وارتسم في صوتها احتقارٌ جليّ. “أنت مجرد صبيّ، كم تظن أنك تعرف عن الجان؟”
“إذًا، كيف أصبحت هذه المدينة عاصمة إكستيدت؟” سأل تاليس في اللحظة المناسبة، قاطعًا النقاش الحامي الذي كان على وشك البدء من جديد.
لم يجد تاليس سوى أن يُخرج لسانه ويهز رأسه باستسلام.
“هذه أول مرة ترى فيها منظرًا بهذا البهاء، أليس كذلك؟” اقترب نيكولاس ممتطيًا جواده بجانبهم. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكان وجهه مفعمًا بحنينٍ لوطنه وإجلالٍ له. “تلك المدينة العملاقة التي تحملها الجبال على ظهرها… أعظم، وأبهى، وأفخم مدينة في أراضي الشمال، ذات التاريخ الأطول، والأرض المقدسة في قلوب أهل الشمال.
(هذه الجنية المريبة إلى أقصى حد… لقد عاشت قرونًا، والتقت الملك الفاضل مينديس، وكذلك الأمير كيرا… فلا بد أن لديها من القصص المثيرة الكثير.)
“وتحت هذا النظام الغريب الممزّق الذي تحكم به إكستيدت، يصعب على أهل الشمال ألا يعامل بعضهم بعضًا كأعداء، وألا يسفكوا دماء بعضهم.”
(أما عن طبعها…)
توقّف بيوتراي لحظة ثم واصل: “يتمتّع آرشيدوقات إكستيدت بسلطةٍ مطلقة في أراضيهم. لا يُظهرون الطاعة إلا للملك المُنتخب، ويلتزمون بإرسال جنودهم إلى الحرب عند الحاجة. كما عليهم تحديد حصص الضرائب، رغم أنّ كثيرًا منهم لا يقدر حتى على هذا. وهم يتولّون شؤون أراضيهم كما يشاؤون، وقبولهم تنفيذ مراسيم الملك التي يُفترض أن تسري على المملكة بأسرها يعتمد كليًا على رغبتهم.”
بعد أن تجاوزت القافلة تلًّا مكسوًّا بالثلج، قاد بيوتراي جواده ليقترب من تاليس. كان وجه نائب الدبلوماسي النحيل جادًّا وهو يرفع إصبعه مشيرًا نحو الجهة التي يقصدونها. “لقد وصلنا.”
“ملكة السماء… الملكة كلوريسيس.”
استوعب تاليس الموقف سريعًا، ورفع رأسه لينظر إلى الأسفل من فوق المنحدر.
(هيبة عظيمة… اسمٌ شرعي… ولاء الناس…
وبينما كانت رؤيته مشوشة بسبب الثلج الذي غطّى العالم، رأى شيئًا ضخماً تتقاطع فيه الألوان الفضية والسوداء يظهر بين الجبال.
“مَن الملكة؟” سأل تاليس بنفاد صبر.
لكن ذلك لم يكن عملاقًا.
“أيها الصبي.” بدا في صوت الجنية شيء من الحرج. “لقد قلتُ لك من قبل إنني لستُ حارسة عائلتك. ثم…”
بل كانت معالمه الغائمة في الثلج ترسم ملامح مدينة مهيبة شيّدَت عند سفح الجبال. كان يستطيع أن يرى بخفوت علم ترفرف عليه خطوط حمراء وسوداء في الريح فوق المدينة.
أدرك تاليس فجأة أنه رغم دخوله حدود إكستيدت، فإن فهمه لهم ما يزال بدائيًا.
كانت جدرانها الرمادية الداكنة تتزيّن بالثلج الأبيض اللامع، وكان أعلى موضعٍ فيها يقع عند قمة الجبل الأسمى بين كل القمم. ومن بعيد، بدت المدينة كعملاقٍ يتكئ على جبلٍ من الثلج. أحاطت بها قرى وبلدات صغيرة تحرسها من كل صوب، فكانت قائمة شامخة في أرض الشمال.
وما إن غادر نيكولاس، حتى أدار تاليس رأسه ونظر إلى بيوتراي.
أشار تاليس إلى وايا لِيوقف جواده القَلِق.
“مَن الملكة؟” سأل تاليس بنفاد صبر.
استنشق نَفَسًا عميقًا من هواء الشمال الجليدي، وحدّق بصمتٍ في المدينة الشامخة القوية في البعيد. وارتجف قلبه بخفقةٍ خفيفة من الانفعال.
“إقليم الرمال السوداء يقف على الحدود بين إكستيدت والكوكبة. وقد بقي في نزاعٍ مع الإقليم الشمالي لمئات السنين. ليس ضعيفًا كما تتصوّر. والملك نوڤين، وكذلك نفوذ عائلة والتون، لا يصلان إلى إقليم الرمال السوداء.” حملت كلمات نائب الكونت معنًى عميقًا.
(هذه إذن… تنين الشمال العظيم، عاصمة إكستيدت؟)
قطّب تاليس جبينه.
دون أن يشعر، كانوا قد تجاوزوا سهل أوركيد المرموقة الثلجي، ودخلوا أرضًا جديدة.
“أظنّ أن شؤون قصر الكوكبة قد بلغت مدينة سحب التنين منذ زمن. قد لا توجد أدلّة، لكنّ آرشيدوق الرمال السوداء لا يمكنه الإفلات من الارتباط بمقتل الأمير موريا، وكما قال ذلك ’قاتل النجوم’ البارد…” نطق تاليس كلماته بوضوحٍ ثقيل.
“هذه أول مرة ترى فيها منظرًا بهذا البهاء، أليس كذلك؟” اقترب نيكولاس ممتطيًا جواده بجانبهم. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكان وجهه مفعمًا بحنينٍ لوطنه وإجلالٍ له. “تلك المدينة العملاقة التي تحملها الجبال على ظهرها… أعظم، وأبهى، وأفخم مدينة في أراضي الشمال، ذات التاريخ الأطول، والأرض المقدسة في قلوب أهل الشمال.
“تمهّل.” ذُهل تاليس من كلمات بيوتراي. “نظام اختيار الملك… لم أقرأ منه سوى فكرته العامة حين كنت في قاعة مينديس… يقوم الآرشيدوقات العشرة بالتصويت في الوقت ذاته ويختارون أحدهم؟”
“«مدينة سحب التنين».”
الفصل 124: ملكة السماء
وفي تلك اللحظة، دوّى شخير خافت في الجو من أحد الجانبين في توقيتٍ غير ملائم.
“ألم يوجّه الملك نوڤين دعوةً إلى كلّ الآرشيدوقات التسعة الآخرين في إكستيدت؟ لكن لامبارد ليس هنا.” استعاد تاليس حديثه مع بيوتراي منذ قليل وقال بهدوء: “تعلم… لعلّ الملك نوڤين يريد أن يرى كلّ أهل إكستيدت كيف سيتعامل الملك المُنتخب مع أمير الكوكبة، بدءًا من استقبالٍ ’ودي’ من حرّاس النصل الأبيض.”
“لم يكن اسمها مدينة سحب التنين في البداية.”
تنفّس تاليس بعمق.
وجّه نيكولاس نظره نحو الرجل من الكوكبة الذي قاطعه.
انشغل وايا بتهدئة حصان تاليس، فاكتفى تاليس بابتسامة اعتذار له.
“لقد شُيّدت في عصر الملوك الإقطاعيين، وكانت من أوائل أماكن تجمّع البشر في الشمال. وخلال عهد الإمبراطورية القديمة، كانت العاصمة الإقليمية لمقاطعة الشمال التابعة للإمبراطورية الأصلية.” تابع بيوتراي كلام نيكولاس دون أن يغيّر ملامحه.
ولم يعد يستخدم تلك النبرة المهذّبة البعيدة التي خاطب بها تاليس من قبل، بل أجابه بصوتٍ جادٍّ حازم:
“القلعة القائمة عند سفح الجبل كانت تُعرف أصلاً بقلعة آروند، وكانت مقرّ إقامة عائلة آروند على مدى أجيال، أولئك الذين أمرهم الإمبراطور بحكم الشمال. وحين سقطت الإمبراطورية، غرق هذا المكان في فوضى وتقلبات سلطة استمرت ثلاثمئة عام، حتى جاء اليوم الذي اتّحدت فيه جيوش رايكارو وتورموند في هذه الأنحاء، ونلنا أول نصرٍ لنا في معركة الإبادة.”
توقّف بيوتراي لحظة ثم واصل: “يتمتّع آرشيدوقات إكستيدت بسلطةٍ مطلقة في أراضيهم. لا يُظهرون الطاعة إلا للملك المُنتخب، ويلتزمون بإرسال جنودهم إلى الحرب عند الحاجة. كما عليهم تحديد حصص الضرائب، رغم أنّ كثيرًا منهم لا يقدر حتى على هذا. وهم يتولّون شؤون أراضيهم كما يشاؤون، وقبولهم تنفيذ مراسيم الملك التي يُفترض أن تسري على المملكة بأسرها يعتمد كليًا على رغبتهم.”
“بل كان رايكارو هو من قاد الجيش وأنقذ تورموند الذي كان في وضعٍ حرج.” هز نيكولاس رأسه دون اكتراث، مصحّحًا كلام ابن الكوكبة وفق فهمه الخاص. “لهذا عُرفت تلك الحرب باسم «العصف الانقلابي». ويُقال إن جيش رايكارو تحرك كالبرق عبر السهل الخالي القريب، وكأنهم هبطوا من السماء ليُبيدوا العدو من الخلف.”
“وفي الأعوام اللاحقة، عاد الفرسان التسعة إلى أراضيهم بعد أن وسّعوا حدود المملكة، التي كانت تتفتح أمامهم كما تُقطع الزبدة بسكينٍ حار، فاختاروا رايكارو إكستيدت ملكًا يقبله الشماليون بإجماع قلوبهم ويتبعونه حتى الموت.”
ضمّ تاليس شفتيه بيأسٍ واضح.
انشغل وايا بتهدئة حصان تاليس، فاكتفى تاليس بابتسامة اعتذار له.
(ها هو ذا الخلاف الصغير ذاته مجددًا بين أهل إكستيدت وأبناء الكوكبة، بين أهل الشمال ومواطني الإمبراطورية…)
“هناك نظام، وهو بسيط، مباشر، فعّال، ومفعَم برومانسية أهل الشمال.” قال بيوتراي بصوت منخفض. “ذلك الأسلوب ورث عادات الإمبراطورية وعصر المجد لدى الفرسان. لا تزال إكستيدت تعمل به، وحين يقع الآرشيدوقات في مأزق، يلجؤون إليه لتحديد مَن يؤول إليه العرش.”
(بل إن نيكولاس يبدو أكثر عنادًا حتى من كينتفيدا. كما توقعتُ تمامًا.)
عند سماعه ذلك، ارتسم في ذهن تاليس وجه آرشيدوق الرمال السوداء، تشابمان لامبارد، تارةً يشرق بضوء النار وتارةً يبهت، ثم تذكّر السيف القديم المهترئ على طاولته.
تنهد تاليس، وعلى وجهه ملامح استنكار خفيفة.
وبينما كانت رؤيته مشوشة بسبب الثلج الذي غطّى العالم، رأى شيئًا ضخماً تتقاطع فيه الألوان الفضية والسوداء يظهر بين الجبال.
“إذًا، كيف أصبحت هذه المدينة عاصمة إكستيدت؟” سأل تاليس في اللحظة المناسبة، قاطعًا النقاش الحامي الذي كان على وشك البدء من جديد.
وها هو على وشك أن يواجههم.
أشار نيكولاس لهم بأن يتابعوا السير، وبدأ يتحدث كقائد حقيقي لحرس النصل الأبيض.
منذ تلك اللحظة، لم يعد نوڤين ولامبارد شخصين في ذهن تاليس، بل صار كلٌ منهما تجسيدًا لفكرة: ’الملك المُنتخب’ و’الآرشيدوقات’ المتصارعين بسلطاتٍ متباينة ضمن البنية الواحدة.
“هذه الأرض بُنيت حول مدينة سحب التنين، وهي تابعة لعائلة والتون، العائلة التي وُلد فيها نوڤين السابع. وهي أيضًا العائلة الحاكمة ذات السمعة الأسمى في إكستيدت، وقد حملت لقب آرشيدوق مدينة سحب التنين عبر الأجيال.”
(أما عن طبعها…)
“البطل البشري رايكارو إكستيدت صار السيّد الأعلى لهذه الأرض قبل أكثر من ستمئة عام، وقد عقد تحالفًا مع تسعة فرسان هنا، وأقسموا على حماية الشمال وأوطانهم في خضم الفوضى التي خلّفتها معركة الإبادة، ليستعيدوا فخر الشماليين.”
“أوه؟” ضحك تاليس بخفة. “ما دام صديقنا الشمالي المتحمّس قد غادر، فهل تمانع بأن تُفضي لي بالمزيد، يا نائب دبلوماسيّنا العارف المُلمّ ذو المواهب الكثيرة العارف بالشمال؟”
“ومنذ ذلك الحين، أطلق الشماليون المتغطرسون على مملكتهم الجديدة اسم «إكستيدت»، وتشكّل اتحاد إكستيدت.”
“ومنذ ذلك الحين، أطلق الشماليون المتغطرسون على مملكتهم الجديدة اسم «إكستيدت»، وتشكّل اتحاد إكستيدت.”
“وفي الأعوام اللاحقة، عاد الفرسان التسعة إلى أراضيهم بعد أن وسّعوا حدود المملكة، التي كانت تتفتح أمامهم كما تُقطع الزبدة بسكينٍ حار، فاختاروا رايكارو إكستيدت ملكًا يقبله الشماليون بإجماع قلوبهم ويتبعونه حتى الموت.”
ومع أسلاف الأسر الثلاث عشرة المرموقة، كانوا هم الذين قاتلوا مع تورموند في الماضي.
“نال الفرسان التسعة إقطاعياتهم الخاصة لحماية مدينة سحب التنين.”
تابع قائد حرّاس النصل الأبيض بصوتٍ خافت: “لعلّها غادرت بصمتٍ بعد رحيل الملك رايكارو واختفت آثارها، لكن الأساطير والقصص التي نُسجت حولها ظلّت حيّة في قلب كلّ فردٍ من أهل إكستيدت.”
“انتهى تاريخ الاتحاد هنا، وابتدأ تاريخ إكستيدت.”
“ثم إنّ إكستيدت تُدار بنظام انتخاب الملك.” عادت تلك الابتسامة الغريبة إلى وجه كينتفيدا. “الآرشيدوق ما يزال شابًا، أمّا الملك نوڤين فـ…”
“بروح الحكم العادل، وبأن يتناوب منصب الحاكم بين السادة الإقطاعيين الآخرين، فإن أعلى حاكم لإكستيدت، وهو الملك المُنتخَب المشترك، سيُختار من بين الآرشيدوقات العشرة. وأما الآخرون فسيخضعون لسلطته وأوامره. هذا هو القَسَم الذي أقسمه رايكارو لكي يحكم الفرسان الآخرون معه، ويمكنك أن ترى أن مكانته ونفوذه يمتدان حتى يومنا هذا.”
… الثقافة التقليدية لأهل الشمال؟)
“وبما أنّ الملك نوڤين يحمل أيضًا لقب آرشيدوق مدينة سحب التنين، فقد غدت مدينة سحب التنين عاصمةَ إكستيدت.”
قال للأمير الثاني: “لا أدري إن كنت قد لاحظت ذلك، لكن أول حاكم لمدينة سحب التنين وأول ملك مُنتخَب مشترك لإكستيدت هو رايكارو إكستيدت، غير أنّ مدينة سحب التنين التي نراها الآن تقع تحت حكم نوڤين والتون السابع.”
في تلك اللحظة، اندفع رسولٌ عسكري من إقليم الرمال السوداء عبر طبقات الحواجز التي شكّلها حرّاس النصل الأبيض بمشقّة كبيرة، حتى بلغ جانب نيكولاس، طالبًا إليه أن يلتقي بالفيكونت كينتفيدا.
وبعد ثوانٍ، سأل الأمير الثاني فجأة: “لماذا لم يحضر سموّه؟”
وما إن غادر نيكولاس، حتى أدار تاليس رأسه ونظر إلى بيوتراي.
“وهي كذلك أسمى رمزٍ وأكمله في قلوب أهل الشمال طيلة ستة قرون.”
“لديك ما تقوله.” نطق الأمير بنبرة جازمة.
“وتحت هذا النظام الغريب الممزّق الذي تحكم به إكستيدت، يصعب على أهل الشمال ألا يعامل بعضهم بعضًا كأعداء، وألا يسفكوا دماء بعضهم.”
“بالطبع.” هزّ نائب الدبلوماسي رأسه باحتقار. “لا تصدّق أصدقاءنا الشماليين المتحمسين، ولا سيما ذلك الهراء الذي يتفوّه به عن ’الحكم العادل وتناوب منصب الحاكم بين السادة الإقطاعيين’. إنه محضُ خداع للشماليين. ففي الحقيقة، في الشمال، ولعل في كل مكان في هذا العالم، كانت القوة دائمًا هي التي تفصل في الأمور. من يملك القوة يصبح ملكًا.”
“فبنية السلطة، ما دام مصيرها الانقسام والانهيار، فلن تُنتج إلا الأثر ذاته على أهل الشمال. إنهم محكومون بأن يعيشوا تحت سلطان سادةٍ مختلفين، بمصالح متعارضة، وأنظمة متباينة. ومع تعاقب الأجيال وتغيّر المجتمع، سيُنشئون سلوكًا ودوافع تتوافق مع بنية عصرهم.”
“أوه؟” ضحك تاليس بخفة. “ما دام صديقنا الشمالي المتحمّس قد غادر، فهل تمانع بأن تُفضي لي بالمزيد، يا نائب دبلوماسيّنا العارف المُلمّ ذو المواهب الكثيرة العارف بالشمال؟”
الفصل 124: ملكة السماء
مدّ بيوتراي يده إلى صدره، ينوي إخراج غليونه، غير أن الشاعر السابق تردّد لثوانٍ قليلة. ثم، سواء كان يتحسّر لقلّة ما تبقّى لديه من تبغ، أو قد نبّهته بقايا ضمير، سحب يده متألّمًا.
تجمّد تاليس وهو يحدّق في الراية السوداء، والتنين القرمزي عليها يكشر عن أنيابه ويضرب مخالبه في وجه الريح.
قال للأمير الثاني: “لا أدري إن كنت قد لاحظت ذلك، لكن أول حاكم لمدينة سحب التنين وأول ملك مُنتخَب مشترك لإكستيدت هو رايكارو إكستيدت، غير أنّ مدينة سحب التنين التي نراها الآن تقع تحت حكم نوڤين والتون السابع.”
Arisu-san
استوعب تاليس ما يجري سريعًا. “إكستيدت ووالتون اسمان لعائلتين مختلفتين، مما يعني أن من ورث منصبه ولقبه ليس من نسله المباشر؟”
قطّب تاليس حاجبيه وزفر بسخرية باردة. وهزّ الأمير الثاني رأسه. “فليعلّمني سموّه هذه الأمور بعد أن يصبح ملكًا.”
رفع بيوتراي حاجبيه وأومأ. “التاريخ الحقيقي، أو التاريخ الذي تجده في سجلات الكوكبة، على النحو الآتي: ’مات رايكارو شابًا ولم يُخلّف ولدًا. وبعد وفاته، ورث ابنُ أخته، نوڤين والتون، لقب سيّد مدينة سحب التنين.”
“بالمناسبة يا آيدا، كيف أصبحتِ الحارسة السرية للعائلة الملكية جيدستار؟” كان تاليس يحدق في سلسلة الجبال الغائمة التي بدأت تتضح أمام عينيه وسأل بنبرة عابرة: “كيف انتهى الأمر بجنيّة لتعمل في الكوكبة، مملكة البشر؟ سمعت أن الجان متغطرسون جدًا، وأن أولئك الذين يخدمون البشر نادرون للغاية.”
“كان أول نوڤين من آل والتون يصبح سيّد مدينة سحب التنين، نوڤين الأوّل.”
“قبل مغادرتنا، طلب منّي الآرشيدوق أن أنقل إليك بضع كلمات.”
“ومنذ ذلك الحين، اتخذت عائلة والتون من رمح تنين السحاب شعارًا لها، وحكمت هذه الأرض وهذه المدينة إلى يومنا هذا.”
“ملكتهم؟” وبينما كان يتأمل الجرف، تجمّد تاليس لحظة وسأل تلقائيًا: “أيّ ملكة؟”
“غير أنّ دم نوڤين الأوّل جعل السادة الإقطاعيين يشكّكون في شرعيته، كما جعل الآخرين منهم يرمون بأعين الطمع إلى عرش الملك المُنتخَب المشترك. ومهما كرّر القول بأن والدته كانت أخت رايكارو الكبرى، وأنه هو نفسه الوريث الشرعي الأقرب إلى الملك رايكارو الراحل، لم يكن ذلك ليُخفّف من الأطماع التي يكنّها السادة الإقطاعيون التسعة في قلوبهم. حتى وإن كانوا الفرسان النموذجيين الذين تبعوا رايكارو بإخلاص.”
ورغم أن حرّاس النصل الأبيض كانوا ملثّمين، إلا أن تاليس أدرك أنّ مشاعرهم تشبه مشاعره.
ارتسمت تجعيدة خفيفة بين حاجبي تاليس.
وفي تلك اللحظة، دوّى شخير خافت في الجو من أحد الجانبين في توقيتٍ غير ملائم.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يشغل ذهنه رايكارو ولا فرسانه التسعة، بل كان يفكر في اللوحة العملاقة في وسط قاعة مينديس. على ساحة القتال تحت شمس الغروب، فارس شاب غطت الجراح جسده، يرافقه به ستة اشخاص يندفعون بلا خوف.
ملك النهضة لمملكة الكوكبة، تورموند جيدستار الأوّل، ومعه فرسانه الستة الذين اشتهرت أسرهم فيما بعد بكونها دوقات أراضيهم، العشائر الستة العظيمة.
ملك النهضة لمملكة الكوكبة، تورموند جيدستار الأوّل، ومعه فرسانه الستة الذين اشتهرت أسرهم فيما بعد بكونها دوقات أراضيهم، العشائر الستة العظيمة.
ارتسمت تجعيدة خفيفة بين حاجبي تاليس.
آروند، وشعارها الصقر ذو الظهر الأبيض؛ كولين، بشمس سيفها وترسها؛ كوڤندير، بزهرة السوسن ثلاثية الألوان؛ فاكينهاز، بجمجمتها ذات العيون الأربع؛ نانشيستر، بقرون الإيل العظيمة؛ وتابارك، بالقمر الدموي.
“هذا أكثر فاعلية لأهل الشمال من أهل الكوكبة. فمهما بلغ جهل أهل الشمال، يعلمون أنّ سلطة الملك المُنتخب لا تُمسّ، ولا يجوز نقض قسم رايكارو.” استعاد بيوتراي معارفه وأضاف:
ومع أسلاف الأسر الثلاث عشرة المرموقة، كانوا هم الذين قاتلوا مع تورموند في الماضي.
“بدعم السادة التسعة، احتفظ نوڤين والتون بمقعد الملك المُنتخَب المشترك، واستعمل نوڤين الأوّل اسمَ الملك العظيم رايكارو، وأعاد تقسيم أراضي إكستيدت، ومنح السادة العشرة ــ ومن ضمنهم نفسه ــ ألقاب الآرشيدوقات الشرعيين العشرة لإكستيدت. لكن ما إن يموت نوڤين الأوّل، حتى يجب اختيار الملك من جديد من بين الآرشيدوقات العشرة، فيصوّتون بأنفسهم لاختيار ملك مُنتخَب جديد، ويظل الملك الجديد حاكمًا حتى موته. وتكرر هذا كل مرة، وبُني نظام انتخاب ملوك إكستيدت وجرى العمل به لستّمئة عام.”
أتراهم كانوا “مخلصين” لملك النهضة آنذاك؟ كما كان الفرسان التسعة خلف رايكارو؟
رفع نيكولاس يده بفخر مشيرًا إلى راية إكستيدت الخفّاقة في السماء:
تابع بيوتراي. “انفجر صراع شديد بين نوڤين الأوّل في مدينة سحب التنين وبين الفرسان التسعة وذريّاتهم، بشأن عرش إكستيدت ومسألة الحق الشرعي في الخلافة. وبعد الحرب، دام جمود السادة الإقطاعيين وصراعهم لعقود. كانت إكستيدت حينها أشبه بعشرة شظايا متناثرة. يُقال إنها بلد واحد، لكنها في الحقيقة أعداء لا يختلطون، كالماء والزيت.
كان تاليس يحدّق في جسر حجري يمتدّ عبر القسم العلويّ بأسره من مدينة سحب التنين.
“وفي تلك الحقبة، كان الناجون من الإمبراطورية الأخيرة على ضفّة نهر شيبردز جنوبًا. والبلد الجديد الذي كان في بدايته هزيلًا، بُنِيَ على أرض المقاطعة الشوفينية القديمة… أخذ ينهض ببطء، ويوسّع حدوده تمهيدًا لتمدّده.”
كان تاليس يحدّق في جسر حجري يمتدّ عبر القسم العلويّ بأسره من مدينة سحب التنين.
فهم تاليس مقصده وأجاب: “تورموند الأوّل، ملك النهضة؟”
“… فارس التنين.”
“صحيح.” أومأ بيوتراي. وانعكس في عينيه ضوء غريب. “الكوكبة.”
حدّق تاليس مطولًا في مُستشار لامبارد.
“وفي النهاية، وتحت ضغط الكوكبة الصاعدة، توصّل نوڤين الأوّل والسادة الإقطاعيون التسعة إلى تسوية، وإن كانت على النحو الأشد حرجًا.”
ثم أدار رأسه وتابع كلامه: “فمع ذلك الكيان الجبّار في الجنوب، لن يجرؤ أيٌّ من الآرشيدوقات أو السادة في إكستيدت على مواجهته منفردًا. عليهم الجلوس معًا، ومواءمة نزاعاتهم، ومواجهة العدو بصفٍّ واحد.”
“بدعم السادة التسعة، احتفظ نوڤين والتون بمقعد الملك المُنتخَب المشترك، واستعمل نوڤين الأوّل اسمَ الملك العظيم رايكارو، وأعاد تقسيم أراضي إكستيدت، ومنح السادة العشرة ــ ومن ضمنهم نفسه ــ ألقاب الآرشيدوقات الشرعيين العشرة لإكستيدت. لكن ما إن يموت نوڤين الأوّل، حتى يجب اختيار الملك من جديد من بين الآرشيدوقات العشرة، فيصوّتون بأنفسهم لاختيار ملك مُنتخَب جديد، ويظل الملك الجديد حاكمًا حتى موته. وتكرر هذا كل مرة، وبُني نظام انتخاب ملوك إكستيدت وجرى العمل به لستّمئة عام.”
“ماذا لو تساوت الأصوات؟ هل هناك نظام ناضج ذو قواعد يُضمن به اختيار الملك المُنتخَب بسلاسة أثناء مؤتمر اختيار الملك؟”
“هذا هو ’القَسَم’ الذي يُقال إن رايكارو أقسمه ليحكم الفرسان معه، لأنه في الحقيقة قسمٌ أقسمه عشرة رجال باسم رايكارو، ووُقِّعَ تحت توقيعه. والمفارقة أنه لا علاقة له برايكارو أصلًا.”
(أتتأثّر الكوكبة وإكستيدت كلتاهما ببعضهما؟
“تمهّل.” ذُهل تاليس من كلمات بيوتراي. “نظام اختيار الملك… لم أقرأ منه سوى فكرته العامة حين كنت في قاعة مينديس… يقوم الآرشيدوقات العشرة بالتصويت في الوقت ذاته ويختارون أحدهم؟”
“غير أنّ دم نوڤين الأوّل جعل السادة الإقطاعيين يشكّكون في شرعيته، كما جعل الآخرين منهم يرمون بأعين الطمع إلى عرش الملك المُنتخَب المشترك. ومهما كرّر القول بأن والدته كانت أخت رايكارو الكبرى، وأنه هو نفسه الوريث الشرعي الأقرب إلى الملك رايكارو الراحل، لم يكن ذلك ليُخفّف من الأطماع التي يكنّها السادة الإقطاعيون التسعة في قلوبهم. حتى وإن كانوا الفرسان النموذجيين الذين تبعوا رايكارو بإخلاص.”
“ماذا لو تساوت الأصوات؟ هل هناك نظام ناضج ذو قواعد يُضمن به اختيار الملك المُنتخَب بسلاسة أثناء مؤتمر اختيار الملك؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
استعاد تاليس ذكرى فيلم غريب شاهده في حياته السابقة؛ فيه كان على القراصنة أن يختاروا ملكًا لهم، لكن في النهاية اختار كلّ مرشّحٍ نفسه.
حدّق تاليس نحو مدينة سحب التنين في البعيد، نفخ هواءً دافئًا على يديه الباردتين، وغاص في التفكير.
“هناك نظام، وهو بسيط، مباشر، فعّال، ومفعَم برومانسية أهل الشمال.” قال بيوتراي بصوت منخفض. “ذلك الأسلوب ورث عادات الإمبراطورية وعصر المجد لدى الفرسان. لا تزال إكستيدت تعمل به، وحين يقع الآرشيدوقات في مأزق، يلجؤون إليه لتحديد مَن يؤول إليه العرش.”
“… فارس التنين.”
“يرث عادات الإمبراطورية… ويُستخدم لتحديد مَن يؤول إليه العرش؟” شدّ تاليس قبضته على اللجام واستحضر ما سمعه من كاسلان في حانة البطل، فلم يملك إلا أن يُصدم. “أتقصد…؟”
الفصل 124: ملكة السماء
“نعم.” أومأ بيوتراي، وبنظرة معقّدة نطق كلمتين بثقل:
ضيّق تاليس عينيه قليلًا.
“عبر القتال.”
“هذه أول مرة ترى فيها منظرًا بهذا البهاء، أليس كذلك؟” اقترب نيكولاس ممتطيًا جواده بجانبهم. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكان وجهه مفعمًا بحنينٍ لوطنه وإجلالٍ له. “تلك المدينة العملاقة التي تحملها الجبال على ظهرها… أعظم، وأبهى، وأفخم مدينة في أراضي الشمال، ذات التاريخ الأطول، والأرض المقدسة في قلوب أهل الشمال.
تجمّد تاليس لحظة.
لمع بريق في عيني بيوتراي، وانتظر شرح الأمير.
“حين يعجز مؤتمر اختيار الملك المقدّس عن اتخاذ القرار النهائي، يدخل المرشحون المتساوون في الأصوات، مهما اختلفت أعمارهم أو منازلهم، إلى الساحة ليُثبت كلٌّ منهم بيديه جدارة نفسه.”
انطفأت كلمات كينتفيدا في حلقه، وفي النهاية لم يُكمل. انحنى انحناءة خفيفة وغادر بملامح ثابتة.
“عليهم أن يبرهنوا في الساحة شجاعةً تليق بملك مُنتخب من الجميع، وخصال القيادة القادرة على جمع أهل الشمال، والجرأة التي تولد من التبلّد أمام الموت، والقدرة على الوقوف منتصرين في النهاية.”
قال نيكولاس برفق: “في معركة الإبادة، كانت هي ’الأجنحة القرمزية في اللهيب الأزرق’ على ساحة القتال.
عند سماعه ذلك، ارتسم في ذهن تاليس وجه آرشيدوق الرمال السوداء، تشابمان لامبارد، تارةً يشرق بضوء النار وتارةً يبهت، ثم تذكّر السيف القديم المهترئ على طاولته.
“في معركة الإبادة، كانت العون الأوثق إلى جانب الملك رايكارو. رفيقته، وحبيبته الوحيدة. وحين تُوّج ملكًا، أصبحت ملكته الأبدية.”
في النهاية… إنهم أهل الشمال.
“ومنذ ذلك الحين، اتخذت عائلة والتون من رمح تنين السحاب شعارًا لها، وحكمت هذه الأرض وهذه المدينة إلى يومنا هذا.”
أدرك تاليس فجأة أنه رغم دخوله حدود إكستيدت، فإن فهمه لهم ما يزال بدائيًا.
وتحرّك الجيش الممتدّ مئات الأمتار خلفه. ولم يبقَ حول تاليس سوى بعثة الدبلوماسيين وحرّاس النصل الأبيض.
هذه البلاد الشمالية، المشهورة بالقوة والعزم، أعقد وأغرب مما ظنّه يومًا.
كانت جدرانها الرمادية الداكنة تتزيّن بالثلج الأبيض اللامع، وكان أعلى موضعٍ فيها يقع عند قمة الجبل الأسمى بين كل القمم. ومن بعيد، بدت المدينة كعملاقٍ يتكئ على جبلٍ من الثلج. أحاطت بها قرى وبلدات صغيرة تحرسها من كل صوب، فكانت قائمة شامخة في أرض الشمال.
وها هو على وشك أن يواجههم.
“هذه الأرض بُنيت حول مدينة سحب التنين، وهي تابعة لعائلة والتون، العائلة التي وُلد فيها نوڤين السابع. وهي أيضًا العائلة الحاكمة ذات السمعة الأسمى في إكستيدت، وقد حملت لقب آرشيدوق مدينة سحب التنين عبر الأجيال.”
“أكمِل.” قال تاليس بعبوس جاد. “قبل أن أواجههم، أريد أن أفهم آرشيدوقات إكستيدت…”
أشار تاليس إلى وايا لِيوقف جواده القَلِق.
“… وعلاقتهم بالملك المُنتخب.”
“هذا أكثر فاعلية لأهل الشمال من أهل الكوكبة. فمهما بلغ جهل أهل الشمال، يعلمون أنّ سلطة الملك المُنتخب لا تُمسّ، ولا يجوز نقض قسم رايكارو.” استعاد بيوتراي معارفه وأضاف:
توقّف بيوتراي لحظة ثم واصل: “يتمتّع آرشيدوقات إكستيدت بسلطةٍ مطلقة في أراضيهم. لا يُظهرون الطاعة إلا للملك المُنتخب، ويلتزمون بإرسال جنودهم إلى الحرب عند الحاجة. كما عليهم تحديد حصص الضرائب، رغم أنّ كثيرًا منهم لا يقدر حتى على هذا. وهم يتولّون شؤون أراضيهم كما يشاؤون، وقبولهم تنفيذ مراسيم الملك التي يُفترض أن تسري على المملكة بأسرها يعتمد كليًا على رغبتهم.”
دون أن يشعر، كانوا قد تجاوزوا سهل أوركيد المرموقة الثلجي، ودخلوا أرضًا جديدة.
“أفلا يملك آرشيدوقات إكستيدت سلطةً زائدة؟” بدا الاستغراب على وجه تاليس. وبينما يمضي قُدمًا، زفر زفرة خافتة. “أليس بقاء إكستيدت غير ممزّقة حتى الآن معجزة؟”
خفضت آيدا رأسها.
“بلى، ولهذا يُدعون آرشيدوقات، لا دوقات كما في عصر الإمبراطورية.” تنهد بيوتراي. “إلى حدٍّ ما، إكستيدت—المولودة من التسوية—أكثر انقسامًا حتى من الكوكبة.”
“أكمِل.” قال تاليس بعبوس جاد. “قبل أن أواجههم، أريد أن أفهم آرشيدوقات إكستيدت…”
“سلطتهم في إدارة أراضيهم أعظم بكثير مما لدى دوقات الكوكبة. فمهما كان دوق كولين شحيحًا أو متمنّعًا، لا بدّ له من إرسال قدر من المال من تل البحر الشرقي لسداد ما عليه من ضرائب لمدينة النجم الأبدي وجلالته. كما أنّ تعيين أو عزل كبار المسؤولين في الكوكبة، ورفعة النبلاء أو خفض منزلتهم، كلها تخضع لـ(الدستور المقدّس للكوكبة)، ويجب توثيقها بختم الملك الأعلى. ولهذا، إذا أراد الدوقات التأثير في سياسة المملكة، فالطريق الأسرع هو التدخل في إدارات مدينة النجم الأبدي، أو استمالة نبلاء المملكة بنفوذ مناطقهم.”
“الملكة الأولى؟” ازداد ذهول تاليس. زفر ونظر إلى نيكولاس.
هزّ تاليس رأسه. “فما جدوى وجود ملك مُنتخب إذًا؟ إن لم يستطع حتى السيطرة على آرشيدوقاته، فلماذا يسعى إلى أن يكون الملك المُنتخب؟”
(بل إن نيكولاس يبدو أكثر عنادًا حتى من كينتفيدا. كما توقعتُ تمامًا.)
فكّر بيوتراي لحظة ثم أجاب بجدية: “من أجل الهيبة العظمى، وطاعة سائر السادة، والاسم الشرعي لحكم إكستيدت.”
“لقد شُيّدت في عصر الملوك الإقطاعيين، وكانت من أوائل أماكن تجمّع البشر في الشمال. وخلال عهد الإمبراطورية القديمة، كانت العاصمة الإقليمية لمقاطعة الشمال التابعة للإمبراطورية الأصلية.” تابع بيوتراي كلام نيكولاس دون أن يغيّر ملامحه.
قطّب تاليس جبينه.
“كما قلتَ، كان ينبغي لتوسّع الكوكبة ونموّ قوّتها أن يُسهما في ترسيخ قدر من استقرار إكستيدت ووحدتها.” ربّت تاليس على جواده، فاضطرب الحصان النافر منه.
“هذا أكثر فاعلية لأهل الشمال من أهل الكوكبة. فمهما بلغ جهل أهل الشمال، يعلمون أنّ سلطة الملك المُنتخب لا تُمسّ، ولا يجوز نقض قسم رايكارو.” استعاد بيوتراي معارفه وأضاف:
“نال الفرسان التسعة إقطاعياتهم الخاصة لحماية مدينة سحب التنين.”
“في التاريخ، ثار آرشيدوقات إكستيدت على الملك المُنتخب ثلاث مرات فقط لسخطهم عليه، وفي كل مرة فشلوا. إذ مهما كانت حججهم، فمتى تجاهلوا قسم رايكارو علنًا، فقدوا دعم تابعيهم ورعاياهم. حتى أشرس أهل الشمال لا يقاتل من أجلهم عندها. وبعض تلك الأسر سُحب منها حقّ حكم إكستيدت إلى الأبد.”
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉Hamood Mahemed💎 5004ibrahim shazly💎 5005الخال!💎 100
حدّق تاليس نحو مدينة سحب التنين في البعيد، نفخ هواءً دافئًا على يديه الباردتين، وغاص في التفكير.
وتحرّك الجيش الممتدّ مئات الأمتار خلفه. ولم يبقَ حول تاليس سوى بعثة الدبلوماسيين وحرّاس النصل الأبيض.
(هيبة عظيمة… اسمٌ شرعي… ولاء الناس…
“أيها الصبي، أعلم ما يدور في رأسك، لكن إن واصلتَ التحديق بي بتلك النظرة الغريبة…”
… الثقافة التقليدية لأهل الشمال؟)
استنشق نَفَسًا عميقًا من هواء الشمال الجليدي، وحدّق بصمتٍ في المدينة الشامخة القوية في البعيد. وارتجف قلبه بخفقةٍ خفيفة من الانفعال.
“أمرٌ مُفرِط في التبسيط.” قال تاليس بعد ثوانٍ بصوت خافت.
رفع تاليس رأسه.
“هم؟” بدا الاستفهام على وجه بيوتراي.
مدّ بيوتراي يده إلى صدره، ينوي إخراج غليونه، غير أن الشاعر السابق تردّد لثوانٍ قليلة. ثم، سواء كان يتحسّر لقلّة ما تبقّى لديه من تبغ، أو قد نبّهته بقايا ضمير، سحب يده متألّمًا.
“أقول إن اختزال الأمر في سمعة رايكارو وطبائع أهل الشمال وتقاليدهم بوصفها أسباب استقرار إكستيدت ووحدة سلطانها… تبسيط شديد.” خفض تاليس رأسه وراح يُمعن النظر في الأمر.
آروند، وشعارها الصقر ذو الظهر الأبيض؛ كولين، بشمس سيفها وترسها؛ كوڤندير، بزهرة السوسن ثلاثية الألوان؛ فاكينهاز، بجمجمتها ذات العيون الأربع؛ نانشيستر، بقرون الإيل العظيمة؛ وتابارك، بالقمر الدموي.
“إنّ أفعال البشر وبنية السلطة في المجتمع تؤثّر كلٌّ منهما في الأخرى على الدوام. لا يمكن أن تقوم حالة يكون فيها الفعل وحده كفيلًا بتثبيت البنية، بينما بنية المجتمع لا تأثير لها في سلوك البشر. لا يهمّ مدى عظمة سلوك أهل الشمال، ولا مقدار تبجيلهم لأسلافهم، ولا عمق احترامهم لتقاليدهم—فلن يقدروا على الحفاظ على نظامٍ كهذا.”
وجّه نيكولاس نظره نحو الرجل من الكوكبة الذي قاطعه.
“فبنية السلطة، ما دام مصيرها الانقسام والانهيار، فلن تُنتج إلا الأثر ذاته على أهل الشمال. إنهم محكومون بأن يعيشوا تحت سلطان سادةٍ مختلفين، بمصالح متعارضة، وأنظمة متباينة. ومع تعاقب الأجيال وتغيّر المجتمع، سيُنشئون سلوكًا ودوافع تتوافق مع بنية عصرهم.”
“هذه الأرض بُنيت حول مدينة سحب التنين، وهي تابعة لعائلة والتون، العائلة التي وُلد فيها نوڤين السابع. وهي أيضًا العائلة الحاكمة ذات السمعة الأسمى في إكستيدت، وقد حملت لقب آرشيدوق مدينة سحب التنين عبر الأجيال.”
“وتحت هذا النظام الغريب الممزّق الذي تحكم به إكستيدت، يصعب على أهل الشمال ألا يعامل بعضهم بعضًا كأعداء، وألا يسفكوا دماء بعضهم.”
لزم الأمير الثاني الصمت لحظة، ثم قال كلمةً واحدة: “الكوكبة.”
(صحيح.) هزّ تاليس رأسه في داخله.
(أما عن طبعها…)
هذا هو المجتمع الذي يعرفه.
“ومنذ ذلك الحين، أطلق الشماليون المتغطرسون على مملكتهم الجديدة اسم «إكستيدت»، وتشكّل اتحاد إكستيدت.”
(لكن إكستيدت كانت…)
(أما عن طبعها…)
“ألديك أفكار أخرى؟” ضيّق بيوتراي عينيه وهو يتأمّل كلمات تاليس. “لِم لا تُفصح عنها لأسمعها؟”
“نعم، هذا صحيح.”
لزم الأمير الثاني الصمت لحظة، ثم قال كلمةً واحدة: “الكوكبة.”
“ملكة السماء… الملكة كلوريسيس.”
رفع تاليس رأسه وأضاف بنبرة حاسمة: “الكوكبة.”
أتراهم كانوا “مخلصين” لملك النهضة آنذاك؟ كما كان الفرسان التسعة خلف رايكارو؟
لمع بريق في عيني بيوتراي، وانتظر شرح الأمير.
“مَن الملكة؟” سأل تاليس بنفاد صبر.
“كما قلتَ، كان ينبغي لتوسّع الكوكبة ونموّ قوّتها أن يُسهما في ترسيخ قدر من استقرار إكستيدت ووحدتها.” ربّت تاليس على جواده، فاضطرب الحصان النافر منه.
ترددت كلمات نيكولاس في أذنيه:
انشغل وايا بتهدئة حصان تاليس، فاكتفى تاليس بابتسامة اعتذار له.
“تمهّل.” ذُهل تاليس من كلمات بيوتراي. “نظام اختيار الملك… لم أقرأ منه سوى فكرته العامة حين كنت في قاعة مينديس… يقوم الآرشيدوقات العشرة بالتصويت في الوقت ذاته ويختارون أحدهم؟”
ثم أدار رأسه وتابع كلامه: “فمع ذلك الكيان الجبّار في الجنوب، لن يجرؤ أيٌّ من الآرشيدوقات أو السادة في إكستيدت على مواجهته منفردًا. عليهم الجلوس معًا، ومواءمة نزاعاتهم، ومواجهة العدو بصفٍّ واحد.”
تجمّد تاليس لحظة.
أومأ بيوتراي بإعجاب. “زاوية ممتازة. بالفعل، وجود الكوكبة كبح كثيرًا من صراع الملك المُنتخب مع الآرشيدوقات، وحوّل أنظارهم عن ذلك.”
“هذه أبعد نقطة نستطيع مرافقتك إليها، الأمير تاليس.” كان الفيكونت كينتفيدا من إقليم الرمال السوداء يجمع جنوده. حدّق في مدينة سحب التنين الماثلة أمامه، وتنهد: “لحسن الحظ، لم يقع شيء في الطريق.”
تنفّس تاليس بعمق.
“ظننتُ أن أمير الكوكبة يحمل في رأسه قدرًا يسيرًا من المعرفة.” سخر نيكولاس. “إنها الملكة… زوجة الملك رايكارو إكستيدت، منقذ معركة الإبادة، أعظم بطلٍ في تاريخ البشر، أول ملوك إكستيدت!”
(لكن لو قلبتُ الصورة… أليس وجود إكستيدت وتهديدها بدورها سببًا في اجتماع قوى الداخل في الكوكبة؟…لا.)
“التنزّه قليلًا؟”
نظر تاليس إلى المدينة التي اقتربت ملامحها وازداد وضوحها، ثم خفض رأسه قليلًا.
(أن… تطير…؟)
(أتتأثّر الكوكبة وإكستيدت كلتاهما ببعضهما؟
“لدى الآرشيدوق أسبابه الخاصة.” تدارك كينتفيدا الموقف بسرعة وردّ بنبرة محايدة. “أظن أنّ الآرشيدوق قد قال لك من قبل: سواء أكنتَ أنت أم الآرشيدوق، فكلاكما في وضعٍ حرج، وأنّ التعاون الصادق معه—”
حتى بهذا المنطق… ما زال غير كافٍ مطلقًا.
“بروح الحكم العادل، وبأن يتناوب منصب الحاكم بين السادة الإقطاعيين الآخرين، فإن أعلى حاكم لإكستيدت، وهو الملك المُنتخَب المشترك، سيُختار من بين الآرشيدوقات العشرة. وأما الآخرون فسيخضعون لسلطته وأوامره. هذا هو القَسَم الذي أقسمه رايكارو لكي يحكم الفرسان الآخرون معه، ويمكنك أن ترى أن مكانته ونفوذه يمتدان حتى يومنا هذا.”
ليس هذا هو السبب الجوهري لبقاء إكستيدت إلى اليوم، ولا سبب ثبات سلطة الملك المُنتخب.
“هم؟” بدا الاستفهام على وجه بيوتراي.
أيُّ قوةٍ تلك التي تمسك بأطراف إكستيدت—التي كان ينبغي أن تتفتّت—وتحفظها إلى اليوم متماسكة قوية؟)
في تلك اللحظة.
ثبت تاليس بصره على الراية الحمراء والسوداء في البعيد، وضاقَت عيناه.
لزم الأمير الثاني الصمت لحظة، ثم قال كلمةً واحدة: “الكوكبة.”
…
“حسنًا.” أخرج تاليس لسانه وقد بلغ فضوله ذروته، ثم أدار رأسه بعيدًا.
بلغوا أول نقطة حراسة في مدينة سحب التنين، وكان حرّاس النصل الأبيض يتحدّثون إليهم. ثم تقدّم المرافقون الذين حموه طوال الأيام الماضية نحوه.
“حين يعجز مؤتمر اختيار الملك المقدّس عن اتخاذ القرار النهائي، يدخل المرشحون المتساوون في الأصوات، مهما اختلفت أعمارهم أو منازلهم، إلى الساحة ليُثبت كلٌّ منهم بيديه جدارة نفسه.”
“هذه أبعد نقطة نستطيع مرافقتك إليها، الأمير تاليس.” كان الفيكونت كينتفيدا من إقليم الرمال السوداء يجمع جنوده. حدّق في مدينة سحب التنين الماثلة أمامه، وتنهد: “لحسن الحظ، لم يقع شيء في الطريق.”
(هذه الجنية المريبة إلى أقصى حد… لقد عاشت قرونًا، والتقت الملك الفاضل مينديس، وكذلك الأمير كيرا… فلا بد أن لديها من القصص المثيرة الكثير.)
“نشكر لكم مرافقتكم لنا، وإن لم نطلبها.” قال بيوتراي ببرود. “ونشكر أيضًا ’حفل الاستقبال’ الذي قدّمتموه.”
“لديك ما تقوله.” نطق الأمير بنبرة جازمة.
لم يأبه كينتفيدا لنبرة بيوتراي، ولم يلتفت لنظرات العداء من حرّاس النصل الأبيض من حوله. أومأ لتوليا خلفه إشارةً بالاستعداد للمغادرة، ثم عاد بنظره إلى تاليس:
“ظننتُ أن أمير الكوكبة يحمل في رأسه قدرًا يسيرًا من المعرفة.” سخر نيكولاس. “إنها الملكة… زوجة الملك رايكارو إكستيدت، منقذ معركة الإبادة، أعظم بطلٍ في تاريخ البشر، أول ملوك إكستيدت!”
“إذن نفترق هنا. آمل أن تسير أمورك بسلاسة في مدينة سحب التنين.”
“أوه؟” ضحك تاليس بخفة. “ما دام صديقنا الشمالي المتحمّس قد غادر، فهل تمانع بأن تُفضي لي بالمزيد، يا نائب دبلوماسيّنا العارف المُلمّ ذو المواهب الكثيرة العارف بالشمال؟”
حدّق تاليس مطولًا في مُستشار لامبارد.
تجمّد تاليس كليًا.
لقد تركت خبرته وسرعته في قيادة الجيش أثناء الطريق، وذكاؤه الحاد ومنطقه الفريد في حانة البطل، أثرًا عميقًا في نفس تاليس.
لزم الأمير الثاني الصمت لحظة، ثم قال كلمةً واحدة: “الكوكبة.”
وبعد ثوانٍ، سأل الأمير الثاني فجأة: “لماذا لم يحضر سموّه؟”
ليس هذا هو السبب الجوهري لبقاء إكستيدت إلى اليوم، ولا سبب ثبات سلطة الملك المُنتخب.
تجمّد كينتفيدا.
(ثم… ذلك الكهف الجبلي الضخم خلفه يبدو وكأنه من صنع البشر.) ضيّق تاليس عينيه وحدّق في البعيد.
“ألم يوجّه الملك نوڤين دعوةً إلى كلّ الآرشيدوقات التسعة الآخرين في إكستيدت؟ لكن لامبارد ليس هنا.” استعاد تاليس حديثه مع بيوتراي منذ قليل وقال بهدوء: “تعلم… لعلّ الملك نوڤين يريد أن يرى كلّ أهل إكستيدت كيف سيتعامل الملك المُنتخب مع أمير الكوكبة، بدءًا من استقبالٍ ’ودي’ من حرّاس النصل الأبيض.”
“هذه أبعد نقطة نستطيع مرافقتك إليها، الأمير تاليس.” كان الفيكونت كينتفيدا من إقليم الرمال السوداء يجمع جنوده. حدّق في مدينة سحب التنين الماثلة أمامه، وتنهد: “لحسن الحظ، لم يقع شيء في الطريق.”
منذ تلك اللحظة، لم يعد نوڤين ولامبارد شخصين في ذهن تاليس، بل صار كلٌ منهما تجسيدًا لفكرة: ’الملك المُنتخب’ و’الآرشيدوقات’ المتصارعين بسلطاتٍ متباينة ضمن البنية الواحدة.
هذا هو المجتمع الذي يعرفه.
“لدى الآرشيدوق أسبابه الخاصة.” تدارك كينتفيدا الموقف بسرعة وردّ بنبرة محايدة. “أظن أنّ الآرشيدوق قد قال لك من قبل: سواء أكنتَ أنت أم الآرشيدوق، فكلاكما في وضعٍ حرج، وأنّ التعاون الصادق معه—”
قطّب تاليس جبينه.
“الملك نوڤين يكرهه، أليس كذلك؟” قاطع تاليس كلامه تحت نظرة بيوتراي المستغربة.
بل كانت معالمه الغائمة في الثلج ترسم ملامح مدينة مهيبة شيّدَت عند سفح الجبال. كان يستطيع أن يرى بخفوت علم ترفرف عليه خطوط حمراء وسوداء في الريح فوق المدينة.
توقّف كينتفيدا عن الكلام. وظلّ وجهه بلا أيّ تعبير.
“نعم، هذا صحيح.”
“أظنّ أن شؤون قصر الكوكبة قد بلغت مدينة سحب التنين منذ زمن. قد لا توجد أدلّة، لكنّ آرشيدوق الرمال السوداء لا يمكنه الإفلات من الارتباط بمقتل الأمير موريا، وكما قال ذلك ’قاتل النجوم’ البارد…” نطق تاليس كلماته بوضوحٍ ثقيل.
“كيف نجرؤ؟ فهذه في نهاية المطاف أراضي أسرة رمح التنين. وهي أيضًا موطن الملك المُنتخب… إن كان جلالته ما يزال كريمًا كما كان، ولعله يمنحنا بعض—”
“الملك نوڤين سيُصفّي حسابه معه عاجلًا أم آجلًا. وماذا ينوي لامبارد أن يفعل؟”
بل كانت معالمه الغائمة في الثلج ترسم ملامح مدينة مهيبة شيّدَت عند سفح الجبال. كان يستطيع أن يرى بخفوت علم ترفرف عليه خطوط حمراء وسوداء في الريح فوق المدينة.
راقب تاليس ملامح كينتفيدا بدقّة، يحاول استنباط أيّ خيطٍ من وجهه.
“حسنًا.” أخرج تاليس لسانه وقد بلغ فضوله ذروته، ثم أدار رأسه بعيدًا.
قطّب الفيكونت حاجبيه قليلًا، ثم هزّ رأسه ببطء. ارتسمت على شفتيه ابتسامة غريبة.
تجمّد كينتفيدا.
ولم يعد يستخدم تلك النبرة المهذّبة البعيدة التي خاطب بها تاليس من قبل، بل أجابه بصوتٍ جادٍّ حازم:
اقترب المركيز شيليس منهم بهدوء وضحك. “لا تكترث له. أرى أنّ اللورد نيكولاس يملك طريقة فريدة في الكلام.”
“إقليم الرمال السوداء يقف على الحدود بين إكستيدت والكوكبة. وقد بقي في نزاعٍ مع الإقليم الشمالي لمئات السنين. ليس ضعيفًا كما تتصوّر. والملك نوڤين، وكذلك نفوذ عائلة والتون، لا يصلان إلى إقليم الرمال السوداء.” حملت كلمات نائب الكونت معنًى عميقًا.
قال للأمير الثاني: “لا أدري إن كنت قد لاحظت ذلك، لكن أول حاكم لمدينة سحب التنين وأول ملك مُنتخَب مشترك لإكستيدت هو رايكارو إكستيدت، غير أنّ مدينة سحب التنين التي نراها الآن تقع تحت حكم نوڤين والتون السابع.”
“ثم إنّ إكستيدت تُدار بنظام انتخاب الملك.” عادت تلك الابتسامة الغريبة إلى وجه كينتفيدا. “الآرشيدوق ما يزال شابًا، أمّا الملك نوڤين فـ…”
وبينما كانت رؤيته مشوشة بسبب الثلج الذي غطّى العالم، رأى شيئًا ضخماً تتقاطع فيه الألوان الفضية والسوداء يظهر بين الجبال.
ضيّق تاليس عينيه قليلًا.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يشغل ذهنه رايكارو ولا فرسانه التسعة، بل كان يفكر في اللوحة العملاقة في وسط قاعة مينديس. على ساحة القتال تحت شمس الغروب، فارس شاب غطت الجراح جسده، يرافقه به ستة اشخاص يندفعون بلا خوف.
(يا له من واثق… تشابمان لامبارد.)
“الملك نوڤين يكرهه، أليس كذلك؟” قاطع تاليس كلامه تحت نظرة بيوتراي المستغربة.
استعاد تاليس الحوار الذي دار بينهما في معسكره العسكري.
خفضت آيدا رأسها.
(ولكن، أليست هذه الفئة من البشر وحدها من تُسمّى ’المقامرين’، ومن تستطيع جعل امرأة مثل سونيا ساسيري، زهرة الحصن، تتحسّب منهم؟)
أتراهم كانوا “مخلصين” لملك النهضة آنذاك؟ كما كان الفرسان التسعة خلف رايكارو؟
“جيّد، فأنا أيضًا ما أزال شابًا.” تمتم تاليس، ولم يُدرِك أحدٌ إن كان يقصدها عمدًا أم لا.
سأل بدهشة: “لماذا ذاك الجرف العملاق مستوٍ وخالٍ؟”
حملقت عينا كينتفيدا في تاليس.
ثم أدار رأسه وتابع كلامه: “فمع ذلك الكيان الجبّار في الجنوب، لن يجرؤ أيٌّ من الآرشيدوقات أو السادة في إكستيدت على مواجهته منفردًا. عليهم الجلوس معًا، ومواءمة نزاعاتهم، ومواجهة العدو بصفٍّ واحد.”
“قبل مغادرتنا، طلب منّي الآرشيدوق أن أنقل إليك بضع كلمات.”
“يرث عادات الإمبراطورية… ويُستخدم لتحديد مَن يؤول إليه العرش؟” شدّ تاليس قبضته على اللجام واستحضر ما سمعه من كاسلان في حانة البطل، فلم يملك إلا أن يُصدم. “أتقصد…؟”
رفع تاليس رأسه.
“مَن الملكة؟” سأل تاليس بنفاد صبر.
“رجاءً، كن حريصًا في اختيار أعدائك وأصدقائك.” ابتسم كينتفيدا من جديد، ووضع أصابعه على صدره فوق موضع القلب. “الطيبة والرحمة ليستا ضعفًا في الملك.”
بلغوا أول نقطة حراسة في مدينة سحب التنين، وكان حرّاس النصل الأبيض يتحدّثون إليهم. ثم تقدّم المرافقون الذين حموه طوال الأيام الماضية نحوه.
“لكن قلّة الحكمة في إدارة الأمور محرّمٌ عظيم على الملوك.”
قال للأمير الثاني: “لا أدري إن كنت قد لاحظت ذلك، لكن أول حاكم لمدينة سحب التنين وأول ملك مُنتخَب مشترك لإكستيدت هو رايكارو إكستيدت، غير أنّ مدينة سحب التنين التي نراها الآن تقع تحت حكم نوڤين والتون السابع.”
قطّب تاليس حاجبيه وزفر بسخرية باردة. وهزّ الأمير الثاني رأسه. “فليعلّمني سموّه هذه الأمور بعد أن يصبح ملكًا.”
“بالطبع.” هزّ نائب الدبلوماسي رأسه باحتقار. “لا تصدّق أصدقاءنا الشماليين المتحمسين، ولا سيما ذلك الهراء الذي يتفوّه به عن ’الحكم العادل وتناوب منصب الحاكم بين السادة الإقطاعيين’. إنه محضُ خداع للشماليين. ففي الحقيقة، في الشمال، ولعل في كل مكان في هذا العالم، كانت القوة دائمًا هي التي تفصل في الأمور. من يملك القوة يصبح ملكًا.”
أومأ كينتفيدا. ولم تتغيّر ابتسامته. “سأنقل إليه كلماتك كما قلتها.”
“هناك نظام، وهو بسيط، مباشر، فعّال، ومفعَم برومانسية أهل الشمال.” قال بيوتراي بصوت منخفض. “ذلك الأسلوب ورث عادات الإمبراطورية وعصر المجد لدى الفرسان. لا تزال إكستيدت تعمل به، وحين يقع الآرشيدوقات في مأزق، يلجؤون إليه لتحديد مَن يؤول إليه العرش.”
في تلك اللحظة.
كان الجسر الحجري معلّقًا في السماء. وعلى الطرف الآخر من الجسر جُرفٌ هائل. كان الجرف مستويًا عريضًا، على غير بقية الجروف الممتدّة التي امتلأت مباني. ورغم كِبره، بقي خاليًا.
“يا أهل الرمال السوداء، لمَ لم تغادروا بعد؟” اقترب نيكولاس منهم وسأل بوقاحة: “ماذا الآن؟ أتنوون جلب ألفي رجلٍ للتنزّه قليلًا في مدينة سحب التنين؟”
(لكن إكستيدت كانت…)
اقترب المركيز شيليس منهم بهدوء وضحك. “لا تكترث له. أرى أنّ اللورد نيكولاس يملك طريقة فريدة في الكلام.”
وفي تلك اللحظة، لم يكن يشغل ذهنه رايكارو ولا فرسانه التسعة، بل كان يفكر في اللوحة العملاقة في وسط قاعة مينديس. على ساحة القتال تحت شمس الغروب، فارس شاب غطت الجراح جسده، يرافقه به ستة اشخاص يندفعون بلا خوف.
“التنزّه قليلًا؟”
عند سماعه ذلك، ارتسم في ذهن تاليس وجه آرشيدوق الرمال السوداء، تشابمان لامبارد، تارةً يشرق بضوء النار وتارةً يبهت، ثم تذكّر السيف القديم المهترئ على طاولته.
“كيف نجرؤ؟ فهذه في نهاية المطاف أراضي أسرة رمح التنين. وهي أيضًا موطن الملك المُنتخب… إن كان جلالته ما يزال كريمًا كما كان، ولعله يمنحنا بعض—”
أدرك تاليس فجأة أنه رغم دخوله حدود إكستيدت، فإن فهمه لهم ما يزال بدائيًا.
“إذن أسرعوا بالمغادرة إن لم تريدوا التجمّد في ’يوم ما قبل الشتاء القارس’.” تجمّد وجه نيكولاس وهو يقاطعه. “إلا إن حضر لامبارد بنفسه إلى هذا المكان…”
قطّب تاليس جبينه. (لماذا ’السماء’؟ أيمكنها الطيران…؟
“… فلن يكون لدى جلالته أيّ مزاجٍ لاستقبالكم.”
“ألم يوجّه الملك نوڤين دعوةً إلى كلّ الآرشيدوقات التسعة الآخرين في إكستيدت؟ لكن لامبارد ليس هنا.” استعاد تاليس حديثه مع بيوتراي منذ قليل وقال بهدوء: “تعلم… لعلّ الملك نوڤين يريد أن يرى كلّ أهل إكستيدت كيف سيتعامل الملك المُنتخب مع أمير الكوكبة، بدءًا من استقبالٍ ’ودي’ من حرّاس النصل الأبيض.”
انطفأت كلمات كينتفيدا في حلقه، وفي النهاية لم يُكمل. انحنى انحناءة خفيفة وغادر بملامح ثابتة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وتحرّك الجيش الممتدّ مئات الأمتار خلفه. ولم يبقَ حول تاليس سوى بعثة الدبلوماسيين وحرّاس النصل الأبيض.
عندها، تكلّم الخادم وايا، الذي ظلّ صامتًا طويلًا: “لا أعرف إلا إشاعات قليلة عن جرف السماء في مدينة سحب التنين. سمعتُ أنّه الجناح الملكي الخاص بـ’الملكة الأولى’؟”
تركوا ليواجهوا مدينة سحب التنين الشامخة.
(صحيح.) هزّ تاليس رأسه في داخله.
تنهد تاليس. ثم أدار رأسه نحو المدينة التي ازدادت قربًا، وفجأة انعقد حاجباه.
“إذن أسرعوا بالمغادرة إن لم تريدوا التجمّد في ’يوم ما قبل الشتاء القارس’.” تجمّد وجه نيكولاس وهو يقاطعه. “إلا إن حضر لامبارد بنفسه إلى هذا المكان…”
كان تاليس يحدّق في جسر حجري يمتدّ عبر القسم العلويّ بأسره من مدينة سحب التنين.
“أوه؟” ضحك تاليس بخفة. “ما دام صديقنا الشمالي المتحمّس قد غادر، فهل تمانع بأن تُفضي لي بالمزيد، يا نائب دبلوماسيّنا العارف المُلمّ ذو المواهب الكثيرة العارف بالشمال؟”
كان الجسر الحجري معلّقًا في السماء. وعلى الطرف الآخر من الجسر جُرفٌ هائل. كان الجرف مستويًا عريضًا، على غير بقية الجروف الممتدّة التي امتلأت مباني. ورغم كِبره، بقي خاليًا.
وفي تلك اللحظة، دوّى شخير خافت في الجو من أحد الجانبين في توقيتٍ غير ملائم.
سأل بدهشة: “لماذا ذاك الجرف العملاق مستوٍ وخالٍ؟”
“في معركة الإبادة، كان البطل العظيم، الملك رايكارو إكستيدت…”
(ثم… ذلك الكهف الجبلي الضخم خلفه يبدو وكأنه من صنع البشر.) ضيّق تاليس عينيه وحدّق في البعيد.
وبعد ثوانٍ، سأل الأمير الثاني فجأة: “لماذا لم يحضر سموّه؟”
تقدّم شيليس بين الرجال ووقف أمام تاليس.
“فبنية السلطة، ما دام مصيرها الانقسام والانهيار، فلن تُنتج إلا الأثر ذاته على أهل الشمال. إنهم محكومون بأن يعيشوا تحت سلطان سادةٍ مختلفين، بمصالح متعارضة، وأنظمة متباينة. ومع تعاقب الأجيال وتغيّر المجتمع، سيُنشئون سلوكًا ودوافع تتوافق مع بنية عصرهم.”
نظر المركيز الآتي من اتحاد كاموس إلى الجرف العملاق، ثم قطّب جبينه وهزّ رأسه. “ذلك هو ’جرف السماء’ الأسطوري. رأيته بضع مرّات، لكنّ القصة خلفه… ها… سمعتُ أنه منطقة تخصُّ ملكتهم وحدها.”
عندها، تكلّم الخادم وايا، الذي ظلّ صامتًا طويلًا: “لا أعرف إلا إشاعات قليلة عن جرف السماء في مدينة سحب التنين. سمعتُ أنّه الجناح الملكي الخاص بـ’الملكة الأولى’؟”
“ملكتهم؟” وبينما كان يتأمل الجرف، تجمّد تاليس لحظة وسأل تلقائيًا: “أيّ ملكة؟”
(صحيح.) هزّ تاليس رأسه في داخله.
“أيّ ملكة؟” التفت نيكولاس، وبدت على وجهه ملامح غريبة، كمن ضاق ذرعًا. “أأنت تمزح؟”
تركوا ليواجهوا مدينة سحب التنين الشامخة.
هزّ تاليس كتفيه. كان يريد تبادل نظرة مع بيوتراي، لكن الأخير اكتفى بصمتٍ عميق.
بعد أن تجاوزت القافلة تلًّا مكسوًّا بالثلج، قاد بيوتراي جواده ليقترب من تاليس. كان وجه نائب الدبلوماسي النحيل جادًّا وهو يرفع إصبعه مشيرًا نحو الجهة التي يقصدونها. “لقد وصلنا.”
عندها، تكلّم الخادم وايا، الذي ظلّ صامتًا طويلًا: “لا أعرف إلا إشاعات قليلة عن جرف السماء في مدينة سحب التنين. سمعتُ أنّه الجناح الملكي الخاص بـ’الملكة الأولى’؟”
(جيدستار… أولئك الجيدستار الملعونون.)
“الملكة الأولى؟” ازداد ذهول تاليس. زفر ونظر إلى نيكولاس.
بعد أن تجاوزت القافلة تلًّا مكسوًّا بالثلج، قاد بيوتراي جواده ليقترب من تاليس. كان وجه نائب الدبلوماسي النحيل جادًّا وهو يرفع إصبعه مشيرًا نحو الجهة التي يقصدونها. “لقد وصلنا.”
(اختيار جرفٍ قاحل خالٍ كجناحٍ ملكي؟ أهي زاهدة؟)
“عليهم أن يبرهنوا في الساحة شجاعةً تليق بملك مُنتخب من الجميع، وخصال القيادة القادرة على جمع أهل الشمال، والجرأة التي تولد من التبلّد أمام الموت، والقدرة على الوقوف منتصرين في النهاية.”
“مَن الملكة؟” سأل تاليس بنفاد صبر.
…
“ظننتُ أن أمير الكوكبة يحمل في رأسه قدرًا يسيرًا من المعرفة.” سخر نيكولاس. “إنها الملكة… زوجة الملك رايكارو إكستيدت، منقذ معركة الإبادة، أعظم بطلٍ في تاريخ البشر، أول ملوك إكستيدت!”
“كما قلتَ، كان ينبغي لتوسّع الكوكبة ونموّ قوّتها أن يُسهما في ترسيخ قدر من استقرار إكستيدت ووحدتها.” ربّت تاليس على جواده، فاضطرب الحصان النافر منه.
تجمّد تاليس كليًا.
“أفلا يملك آرشيدوقات إكستيدت سلطةً زائدة؟” بدا الاستغراب على وجه تاليس. وبينما يمضي قُدمًا، زفر زفرة خافتة. “أليس بقاء إكستيدت غير ممزّقة حتى الآن معجزة؟”
“ملكة رايكارو؟”
تابع قائد حرّاس النصل الأبيض بصوتٍ خافت: “لعلّها غادرت بصمتٍ بعد رحيل الملك رايكارو واختفت آثارها، لكن الأساطير والقصص التي نُسجت حولها ظلّت حيّة في قلب كلّ فردٍ من أهل إكستيدت.”
قطّب تاليس حاجبيه قليلًا، ورفع بصره إلى الجرف… جرف السماء.
قال نيكولاس برفق: “في معركة الإبادة، كانت هي ’الأجنحة القرمزية في اللهيب الأزرق’ على ساحة القتال.
(لحظة… ملكة منذ ست مئة عام؟)
الفصل 124: ملكة السماء
“نعم.” أومأ نيكولاس. وقد أشرق على وجهه وقارٌ وإجلال. “الملكة الأولى، التي صارت وجودًا أسطوريًا في إكستيدت.
قطّب تاليس حاجبيه قليلًا، ورفع بصره إلى الجرف… جرف السماء.
“في معركة الإبادة، كانت العون الأوثق إلى جانب الملك رايكارو. رفيقته، وحبيبته الوحيدة. وحين تُوّج ملكًا، أصبحت ملكته الأبدية.”
“لقد شُيّدت في عصر الملوك الإقطاعيين، وكانت من أوائل أماكن تجمّع البشر في الشمال. وخلال عهد الإمبراطورية القديمة، كانت العاصمة الإقليمية لمقاطعة الشمال التابعة للإمبراطورية الأصلية.” تابع بيوتراي كلام نيكولاس دون أن يغيّر ملامحه.
“وهي كذلك أسمى رمزٍ وأكمله في قلوب أهل الشمال طيلة ستة قرون.”
انطفأت كلمات كينتفيدا في حلقه، وفي النهاية لم يُكمل. انحنى انحناءة خفيفة وغادر بملامح ثابتة.
ارتسمت على ملامح نيكولاس هيبةٌ عميقة.
رفع تاليس رأسه وأضاف بنبرة حاسمة: “الكوكبة.”
ورغم أن حرّاس النصل الأبيض كانوا ملثّمين، إلا أن تاليس أدرك أنّ مشاعرهم تشبه مشاعره.
“هذا أكثر فاعلية لأهل الشمال من أهل الكوكبة. فمهما بلغ جهل أهل الشمال، يعلمون أنّ سلطة الملك المُنتخب لا تُمسّ، ولا يجوز نقض قسم رايكارو.” استعاد بيوتراي معارفه وأضاف:
تابع قائد حرّاس النصل الأبيض بصوتٍ خافت: “لعلّها غادرت بصمتٍ بعد رحيل الملك رايكارو واختفت آثارها، لكن الأساطير والقصص التي نُسجت حولها ظلّت حيّة في قلب كلّ فردٍ من أهل إكستيدت.”
“صحيح.” أومأ بيوتراي. وانعكس في عينيه ضوء غريب. “الكوكبة.”
قال نيكولاس برفق: “في معركة الإبادة، كانت هي ’الأجنحة القرمزية في اللهيب الأزرق’ على ساحة القتال.
بلغوا أول نقطة حراسة في مدينة سحب التنين، وكان حرّاس النصل الأبيض يتحدّثون إليهم. ثم تقدّم المرافقون الذين حموه طوال الأيام الماضية نحوه.
“ملكة السماء… الملكة كلوريسيس.”
“البطل البشري رايكارو إكستيدت صار السيّد الأعلى لهذه الأرض قبل أكثر من ستمئة عام، وقد عقد تحالفًا مع تسعة فرسان هنا، وأقسموا على حماية الشمال وأوطانهم في خضم الفوضى التي خلّفتها معركة الإبادة، ليستعيدوا فخر الشماليين.”
قطّب تاليس جبينه. (لماذا ’السماء’؟ أيمكنها الطيران…؟
“تمهّل.” ذُهل تاليس من كلمات بيوتراي. “نظام اختيار الملك… لم أقرأ منه سوى فكرته العامة حين كنت في قاعة مينديس… يقوم الآرشيدوقات العشرة بالتصويت في الوقت ذاته ويختارون أحدهم؟”
… لحظة.)
تجمّد تاليس وهو يحدّق في الراية السوداء، والتنين القرمزي عليها يكشر عن أنيابه ويضرب مخالبه في وجه الريح.
تأمّل الجرف العملاق، وفتحت الدهشة فمه.
“ملكة رايكارو؟”
(أن… تطير…؟)
انطفأت كلمات كينتفيدا في حلقه، وفي النهاية لم يُكمل. انحنى انحناءة خفيفة وغادر بملامح ثابتة.
“هل قلت… ’الأجنحة القرمزية في اللهيب الأزرق’؟” التفت تاليس، ووجهه شاحب كالموت، وحدّق في نيكولاس بدهشة مذهولة. “ملكة السماء… وهذا يعني… يعني أنها كانت—”
“ملكة السماء… الملكة كلوريسيس.”
“نعم، هذا صحيح.”
قطّب تاليس حاجبيه قليلًا، ورفع بصره إلى الجرف… جرف السماء.
ابتسم نيكولاس ابتسامة نادرة. ذلك الرجل الشاحب، المتجهّم عادةً، امتلأ في تلك اللحظة بفخرٍ ومهابة.
“نعم.” أومأ نيكولاس. وقد أشرق على وجهه وقارٌ وإجلال. “الملكة الأولى، التي صارت وجودًا أسطوريًا في إكستيدت.
“في معركة الإبادة، كان البطل العظيم، الملك رايكارو إكستيدت…”
“أظنّ أن شؤون قصر الكوكبة قد بلغت مدينة سحب التنين منذ زمن. قد لا توجد أدلّة، لكنّ آرشيدوق الرمال السوداء لا يمكنه الإفلات من الارتباط بمقتل الأمير موريا، وكما قال ذلك ’قاتل النجوم’ البارد…” نطق تاليس كلماته بوضوحٍ ثقيل.
رفع نيكولاس يده بفخر مشيرًا إلى راية إكستيدت الخفّاقة في السماء:
“يا أهل الرمال السوداء، لمَ لم تغادروا بعد؟” اقترب نيكولاس منهم وسأل بوقاحة: “ماذا الآن؟ أتنوون جلب ألفي رجلٍ للتنزّه قليلًا في مدينة سحب التنين؟”
“… فارسًا.”
قال للأمير الثاني: “لا أدري إن كنت قد لاحظت ذلك، لكن أول حاكم لمدينة سحب التنين وأول ملك مُنتخَب مشترك لإكستيدت هو رايكارو إكستيدت، غير أنّ مدينة سحب التنين التي نراها الآن تقع تحت حكم نوڤين والتون السابع.”
تجمّد تاليس وهو يحدّق في الراية السوداء، والتنين القرمزي عليها يكشر عن أنيابه ويضرب مخالبه في وجه الريح.
“ماذا لو تساوت الأصوات؟ هل هناك نظام ناضج ذو قواعد يُضمن به اختيار الملك المُنتخَب بسلاسة أثناء مؤتمر اختيار الملك؟”
“ومع حبيبته الوحيدة، ملكة السماء، حلقا معًا في الأعالي وقاتلا جنبًا إلى جنب، وكان هو…”
“ومنذ ذلك الحين، أطلق الشماليون المتغطرسون على مملكتهم الجديدة اسم «إكستيدت»، وتشكّل اتحاد إكستيدت.”
ترددت كلمات نيكولاس في أذنيه:
وجّه نيكولاس نظره نحو الرجل من الكوكبة الذي قاطعه.
“… فارس التنين.”
نظر تاليس إلى المدينة التي اقتربت ملامحها وازداد وضوحها، ثم خفض رأسه قليلًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هناك نظام، وهو بسيط، مباشر، فعّال، ومفعَم برومانسية أهل الشمال.” قال بيوتراي بصوت منخفض. “ذلك الأسلوب ورث عادات الإمبراطورية وعصر المجد لدى الفرسان. لا تزال إكستيدت تعمل به، وحين يقع الآرشيدوقات في مأزق، يلجؤون إليه لتحديد مَن يؤول إليه العرش.”
انشغل وايا بتهدئة حصان تاليس، فاكتفى تاليس بابتسامة اعتذار له.
