حتى بزغ الفجر (2)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
غمز المركيز شيليس نحو بيوتراي باستسلام.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تنهد بيوتراي.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
رفع تاليس حاجبيه وقال بدهشة: “تسرّب خارج العاصمة؟”
Arisu-san
ومع سماع أسماء تلك الأغاني، ازداد فضول تاليس.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
هزّ بيوتراي رأسه. “لم يستطع أحد صدّ قوات ملك جناح الليل التي لا تُقهر، ولا تكتيكاته الغريبة المتحوّلة التي لا يمكن التنبؤ بها.”
الفصل 123: حتى بزغ الفجر (الجزء الثاني)
…
…
“كان تشارا بطلًا لا يُنازَع، شماليًّا خالصًا، وإكستيدتيًّا لا يهاب شيئًا.” هزّ نيكولاس رأسه بلا تعبير. “لم يكن له اسم عائلة، ولا ضرورة للأجيال اللاحقة أن تتذكّر اسم أسرته، فهو لم يحتج لإثبات عظمته بأصله ونَسَبه. يكفينا أن ننظر إلى أفعاله.”
قال نائب الدبلوماسي بصوت خافت، “حدث هذا قبل ثلاثمائة عام. في ذلك الوقت، كان ميدير جيدستار واحدًا من أمراء الكوكبة الكثيرين. كان يُقال إنه متهوّر، نابض بالحياة، لا يهدأ في شبابه، شبيهًا بتورموند الأول مؤسّس المملكة”. وزفر بيوتراي زفرة خفيفة.
ومع سماع أسماء تلك الأغاني، ازداد فضول تاليس.
“وبعد فترة وجيزة من بلوغه السادسة عشرة، تسرّب لخارج العاصمة ليبحث عن نوع المغامرات المرويّة في القصص والأغاني. وهناك التقى تشارا وكابلان في أرض قُبلة التنين…”
“ولو كنتم تعلمون مدى بطء البرلمان الموحّد في النقاشات، وتعرفون شيئًا من جشع ممثلي الولايات وأنانيّتهم…” تنهد المركيز شيليس. “فالإله وحده يعلم كيف استطاع كابلان فعل ذلك.”
رفع تاليس حاجبيه وقال بدهشة: “تسرّب خارج العاصمة؟”
توقف نائب الدبلوماسي قليلًا. وكان تاليس ينصت بصمت. لم يقاطعه أحد. حتى نيكولاس خفض رأسه فلم ينطق.
(إذن، الأمراء والأميرات الذين يتنكرون بزيّ العامة ويتسلّلون خارج القصر موجودون حقًا؟)
(ماذا؟!) انفغر فم تاليس. (امرأة؟)
“مهلًا! لا تتحدثوا فقط عن أمير مملكتكم.” احتجّ المركيز شيليس ثم التفت نحو الأمير الثاني بابتسامة. “كان كابلان نيكولا من الكاميين ومن مفاخر مدينة التدفّق الطيب. وُلِد في أسرة مرموقة من تجار كبار في صناعة الصيد البحري. وقيل إنه، منذ صغره، كان ذكيًا ناضجًا، يُعرف بالعبقري… تمامًا مثلك يا سموّك.”
“ولو كنتم تعلمون مدى بطء البرلمان الموحّد في النقاشات، وتعرفون شيئًا من جشع ممثلي الولايات وأنانيّتهم…” تنهد المركيز شيليس. “فالإله وحده يعلم كيف استطاع كابلان فعل ذلك.”
انتزع تاليس ابتسامة مُجبرة.
Arisu-san
“وماذا عنك؟” نظر بيوتراي إلى نيكولاس الذي كان يعقد ذراعيه. “ألا تملك شيئًا تقوله بصفتك شماليًّا؟”
(الملكة إيكـسورا؟) تساءل تاليس. (ومملكة الشجرة المقدسة… عائلة سقوط الورق؟)
رفع قاتل النجوم بصره وحدّق حوله.
سعل بيوتراي بخفة. “على أيّ حال يا سموّك، الثلاثة اجتمعوا في أرض قُبلة التنين وشكّلوا فريقًا، وبدأت مغامراتهم الأسطورية. طوال عشر سنوات، اجتازوا شبه الجزيرة الغربية بأكملها، بل وساحل الشرق الغربي، كمرتزقة وسياح وتجار ومغامرين ومستكشفين. كانت صداقتهم لا تُقهر، وتجاربهم أصبحت منذ زمن بعيد أساطير نسجها الشعراء، لاسيما بعد معركة الفجر.”
“كان تشارا بطلًا لا يُنازَع، شماليًّا خالصًا، وإكستيدتيًّا لا يهاب شيئًا.” هزّ نيكولاس رأسه بلا تعبير. “لم يكن له اسم عائلة، ولا ضرورة للأجيال اللاحقة أن تتذكّر اسم أسرته، فهو لم يحتج لإثبات عظمته بأصله ونَسَبه. يكفينا أن ننظر إلى أفعاله.”
(و… شارا وميدير. رفيقا سلاح عاشا عشر سنوات يخوضان المغامرات ويضعان حياتهما بين يدي بعضهما… افترقا؟)
غمز المركيز شيليس نحو بيوتراي باستسلام.
كان المركيز شيليس يتابع الجدال باهتمام واضح.
“بلا اسم عائلة؟ حقًا؟” ارتفع صوت ساخر إلى جانب تاليس. واكتشف تاليس بدهشة أنّ المتحدثة كانت آيدا. جالسة فوق الأرض المغطاة بالثلج، تعانق ركبتيها، وانطلقت كلماتها المتهكّمة من تحت عباءتها.
“في النهاية، في إقليم أوركيد المرموقة، حيث نقف الآن، في سهل أوركيد المرموقة الثلجي”، قال بيوتراي بهدوء، “قاد شارا البطل، وكابلان نيكولا النبي، وميدير جيدستار صائن القَسَم آخر قوات التحالف المصممة على المقاومة، واعترضوا قوات شبه الجزيرة الشرقية الرئيسة.”
وللمفارقة، بدا أن هذه الجنية الفظّة أصبحت تتحدث كثيرًا في الآونة الأخيرة.
(أليس هو “والدهما”؟)
“بعد الحرب، تزوّج تشارا ابنة عائلة والتون وامتزج دمه بدم عائلة رمح التنين.”
ولم يقل أحد شيئًا.
“وأخذ ابنه اسم عائلة والتون وأصبح آرشيدوق مدينة سحب التنين. وبالاستناد إلى الهيبة القوية لوالده، صار الملك المنتخَب للكوكبة. وهكذا جلس تشارا خلف ابنه وصيًّا لثلاثين سنة كاملة حتى موته.”
وأدرك تاليس فجأة أن آيدا التي كانت تقف خلفه اختفت في لحظة ما.
“يكفينا النظر إلى أفعاله، أليس كذلك؟ ها!” ضحكت آيدا باستهزاء. “في رأيي، أمام السلطة، كان تشارا—البطل المزعوم—مثل غيره تمامًا.”
“هنا، بدأوا المعركة الأخيرة مع «ملك جناح الليل»، لوري كورليوني، الذي ذاع صيته واستعصى على الهزيمة بعد أن غزا شبه الجزيرة الغربية مع جحافله الضارية التي لا تُعدّ.”
قطّب نيكولاس حاجبيه.
وغطّى صوت قاتل النجوم على صوت نائب دبلوماسي الكوكبة.
ألقى تاليس نظرة متسائلة.
(ملك جناح الليل المفقود، لوري كورليوني…) استعاد تاليس القتال بين فتاتَي آل كورليوني… أو لعلّه يقول السيدتَين.
سعل بيوتراي بخفة. “على أيّ حال يا سموّك، الثلاثة اجتمعوا في أرض قُبلة التنين وشكّلوا فريقًا، وبدأت مغامراتهم الأسطورية. طوال عشر سنوات، اجتازوا شبه الجزيرة الغربية بأكملها، بل وساحل الشرق الغربي، كمرتزقة وسياح وتجار ومغامرين ومستكشفين. كانت صداقتهم لا تُقهر، وتجاربهم أصبحت منذ زمن بعيد أساطير نسجها الشعراء، لاسيما بعد معركة الفجر.”
وغطّى صوت قاتل النجوم على صوت نائب دبلوماسي الكوكبة.
“فعلى سبيل المثال: ’البحث عن التنانين في الصحراء’، ’عبور ألف ميل لصيد الشياطين’، ’فوضى الحوريّات في بحر الشياطين’، ’تأسيس دوقية آنلينزو’، ’المطلوب في الغابة المحرّمة’، ’اندثار الشجرة المقدّسة وولادتها’، ’لغز حصن الأرواح الشجاعة’، ’الكاهن الشيطاني في مدينة سوط الحصان’، وغيرها. كلها أناشيد شهيرة تصف تجارب الرجال الثلاثة خلال تلك السنوات العشر.
وسلفه ذاك الاستثنائي، العفوي، الذي كان مستعدًا للتخلي عن العرش من أجل الصداقة والوفاء.
“على الأقل، شجاعة تشارا وإقدامه، وثبات ميدير وموثوقيته، وذكاء كابلان ويقظته؛ كلها صُوّرت في هذه الأغاني ببلاغة فائقة.”
لم ينبس بيوتراي ببنت كلمة.
ومع سماع أسماء تلك الأغاني، ازداد فضول تاليس.
وللمفارقة، بدا أن هذه الجنية الفظّة أصبحت تتحدث كثيرًا في الآونة الأخيرة.
(’البحث عن التنانين، صيد الشياطين، كهنة شيطانيون… أليست هذه حياة أولئك الذين يجتمعون في عوالم الخيال ويشكّلون الفرق؟ فلماذا حياتي مختلفة تمامًا؟) تنهد داخليًا.
وللمفارقة، بدا أن هذه الجنية الفظّة أصبحت تتحدث كثيرًا في الآونة الأخيرة.
اخذ بيوتراي نفسًا طويلًا من غليونه وقال بصوت هادئ، “وفي ذلك الوقت، اندلعت حرب شبه الجزيرة الثالثة.”
“وهكذا جاب جيش ملك جناح الليل شمال الأرض تجوالًا حرًّا، يكاد لا يُهزم. وسقطت مدينة سحب التنين في دفاعٍ يائس أخير. وبعد موت الملك، غرقَت إكستيدت في الفوضى. ولم يبقَ سوى قليل من الآرشيدوقات واصلوا القتال”، قال بيوتراي بصوت خافت.
ولم يقل أحد شيئًا.
سعل بيوتراي بخفة. “على أيّ حال يا سموّك، الثلاثة اجتمعوا في أرض قُبلة التنين وشكّلوا فريقًا، وبدأت مغامراتهم الأسطورية. طوال عشر سنوات، اجتازوا شبه الجزيرة الغربية بأكملها، بل وساحل الشرق الغربي، كمرتزقة وسياح وتجار ومغامرين ومستكشفين. كانت صداقتهم لا تُقهر، وتجاربهم أصبحت منذ زمن بعيد أساطير نسجها الشعراء، لاسيما بعد معركة الفجر.”
“لقد حلّ أسوأ كوابيس شبه الجزيرة الغربية. واجه الرجال الثلاثة أفظع خصم على الإطلاق.”
تنفس تاليس ببطء. “أبطال الفجر الثلاثة؟”
وتحت نظرة تاليس المتسائلة، تنحنح بيوتراي وأطلق اسمًا بلطف.
ثبت نيكولاس نظره على تاليس: “لولا أن معركة الفجر انتهت لتوّها، ولولا أنّ شارا ذاع صيته بعد أن سدّد ضربةً موجعة لملك جناح الليل، لما شككتُ لحظة في أنّ الكوكبة كانت ستزحف شمالًا لتهاجم إكستيدت آنذاك!”
“لوري كورليوني، ملك جناح الليل.”
“على الأقل، شجاعة تشارا وإقدامه، وثبات ميدير وموثوقيته، وذكاء كابلان ويقظته؛ كلها صُوّرت في هذه الأغاني ببلاغة فائقة.”
رفع بيوتراي بصره وألقى على تاليس نظرة ذات مغزى.
“كان ذلك وعدًا بين الرجال الثلاثة”، ردّ بيوتراي ببرود، “عاد ميدير وكابلان إلى الكوكبة وكاموس على التوالي، وبذلا جهدهما لإقناع مملكتهما بخوض القتال مرة أخيرة. هذا لا يعني أنّهما جبانان.”
أدخل تاليس يديه تحت عباءته الفروية، ولمس بلا وعي سوار الأنياب المستقرّ على صدره.
عصفَت الرياح الباردة بالنار المخيّمة، فازدادت ألسنتها توهجًا وسط الطقطقة.
(كورليوني… حقًا؟)
(فهل هكذا يراه الإكستيدتيون؟ قاعدةً للزحف شمالًا؟)
“كان مالك عرش محيط الدم، سيد ’الأنياب الدموية’—عائلة كورليوني—ومؤسس والحاكم الأبدي لمملكة الليل.”
“لا شيء يستوجب الإخفاء.” تجاهل نيكولاس نظرة بيوتراي الكريهة تمامًا. سخر وقال بنبرة خافتة: “أبرز رجلَين في معركة الفجر افترقا بسبب امرأة.”
“ويُقال إنه كان واحدًا من أعرق وأرهب أفراد عشيرة الدماء. ووفقًا للأساطير، حين كان يبسط جناحيه الهائلين، كانت أشد أشعة الشمس لمعانًا تتوارى خلف ظلام دموي لا نهاية له.” عدّل بيوتراي نبرة صوته، وبدا أنهم جميعًا كأنهم يتجمهرون حول المدفأة يتبادلون حكايات الأشباح.
“أيها الأمير الصغير، لِمَ تظن أننا نهتم كثيرًا بذلك الحصن الأحمق الذي تملكونه؟”
“يُظَنّ أنّه عاش سنينَ لا تُحصى. وقبل أن يختفي، كان يُعرَف بأنّه كائن تجاوز الفئة الفائقة.”
(و… شارا وميدير. رفيقا سلاح عاشا عشر سنوات يخوضان المغامرات ويضعان حياتهما بين يدي بعضهما… افترقا؟)
(ملك جناح الليل المفقود، لوري كورليوني…) استعاد تاليس القتال بين فتاتَي آل كورليوني… أو لعلّه يقول السيدتَين.
غمز المركيز شيليس نحو بيوتراي باستسلام.
(أليس هو “والدهما”؟)
“ولو كنتم تعلمون مدى بطء البرلمان الموحّد في النقاشات، وتعرفون شيئًا من جشع ممثلي الولايات وأنانيّتهم…” تنهد المركيز شيليس. “فالإله وحده يعلم كيف استطاع كابلان فعل ذلك.”
“سخافة. تجاوز الفئة الفائقة؟” سخر نيكولاس. “لا وجود لشيء كهذا أصلًا. إنّها مجرد شائعات باطلة ينشرها الشعراء الجوّالون.”
“وحيدًا، حمل شارا راية سوداء وعاد إلى ساحة إكستيدت.”
تجاهل بيوتراي نيكولاس ومضى يتحدث من تلقاء نفسه دون اكتراثٍ بأحد.
“على الأقل، شجاعة تشارا وإقدامه، وثبات ميدير وموثوقيته، وذكاء كابلان ويقظته؛ كلها صُوّرت في هذه الأغاني ببلاغة فائقة.”
“حين اندلعت حرب شبه الجزيرة الثالثة، كان مملكة الليل في ذروة مجدها. بقيادة لوري كورليوني، نزلت قوات التحالف للجزيرة الشرقية على جُرف إكستيدت الشرقي، وهو أخطر موضعٍ وأعسر مكان يمكن النزول إليه، وشنّت غارة ليلية.”
“يكفينا النظر إلى أفعاله، أليس كذلك؟ ها!” ضحكت آيدا باستهزاء. “في رأيي، أمام السلطة، كان تشارا—البطل المزعوم—مثل غيره تمامًا.”
“وبالاعتماد على الحربين السابقتين، ظنّ الجميع أنّ أهل الجزيرة الشرقية سيهبطون في الكوكبة. كانوا يتوقعون أنّ درع شبه الجزيرة الغربية سيُعطّل هجوم الشرق مرّة أخرى، ريثما تهرع تعزيزات إكستيدت من المشاة الثقيلة الجسورين، وتلك القادمة من المملكة الأخرى.”
رفع تاليس حاجبيه باستفهام. “ماذا جرى بعد المعركة؟”
كان تاليس يصغي بكل جوارحه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“والنتيجة كانت واضحة. إذ فاجأت قوات العدو إكستيدت غير المستعدة تمامًا. وكانت مدينة إيلافور أولى المدن الساقطة.”
أومأ بيوتراي. “نعم. بعد معركة الفجر، صار مجده لا يُضاهى. وكان أفضل مرشح لوراثة العرش. من ناحية أخرى، تزوّج شارا من سيدة من عائلة والتون. وصار ابنهما الملك الجديد لإكستيدت.”
ابتسم المركيز شيليس وقال: “بعد ذلك، اضطر آرشيدوق إيلافور، غادرو، إلى استيراد كمّ هائل من آلات الدفاع سنويًا من مدينة الفولاذ ليحصّن الجانب الشرقي من سواحله. أما مدينة التدفق الطيب، فكانت مسؤولة عن النقل.”
“استغل ميدير الفرصة ليبني حصن التنين المحطم بينما كانت إكستيدت ضعيفة. ومنذ ذلك الحين، صار الحصن أكبر تهديد لنا. حصنٌ جبّار قادر على الصمود أمام «ليلة ما قبل الشتاء القارس»، قائم على الحدود، سهل الدفاع صعب الهجوم، مأهول بكتائب الحاميات، يراقب كل حركة لنا، ويمكن استخدامه كنقطة انطلاقٍ للتقدم شمالًا في أي وقت!”
واصل بيوتراي حديثه: “تدفّقت جيوش الأعداء بلا انقطاع عبر تلك الفتحة القائمة على شفير البحر. اجتاحوا المناطق الداخلية ضعيفة الدفاع في إكستيدت بسهولة، وتقدّموا نحو مدينة سحب التنين.”
“في النهاية، في إقليم أوركيد المرموقة، حيث نقف الآن، في سهل أوركيد المرموقة الثلجي”، قال بيوتراي بهدوء، “قاد شارا البطل، وكابلان نيكولا النبي، وميدير جيدستار صائن القَسَم آخر قوات التحالف المصممة على المقاومة، واعترضوا قوات شبه الجزيرة الشرقية الرئيسة.”
“يا صاحب السمو، يمكنك قراءة سجلات تلك المعارك بالتفصيل في كبرى كتب التاريخ”، تنهد بيوتراي، “وباختصار، بعد بضع معاركٍ مرعبة، تجدد الاعتراف بهيبة ملك جناح الليل. لقد كانت أسوأ سلسلةٍ من الهزائم منذ تأسيس إكستيدت، المملكة التي طالما اعتزت بمقاتليها وقوتها العسكرية.”
(ثمّة أمر غير متّسق.) فكّر تاليس.
“أمّا تعزيزات الممالك الأخرى التي سافرت شمالًا، فقد أُبيدت حتى قوات حملة الكوكبة دون إنذار مسبق. لم تصمد جيوش الممالك الأخرى لحظة.”
تنفس تاليس ببطء. “أبطال الفجر الثلاثة؟”
“سمعت أنّ الناجين كانوا قلّة قليلة. حتى ملك إكستيدت آنذاك لقي حتفه في معركة مدينة سحب التنين.”
وأدرك تاليس فجأة أن آيدا التي كانت تقف خلفه اختفت في لحظة ما.
انعقد الذهول على محيّا تاليس. واستدار ينظر إلى قائد حرّاس النصل الأبيض الحالي.
هزّ بيوتراي رأسه. “لم يستطع أحد صدّ قوات ملك جناح الليل التي لا تُقهر، ولا تكتيكاته الغريبة المتحوّلة التي لا يمكن التنبؤ بها.”
“وكان ذلك أيضًا جزءًا مهمًا مما سُجّل في (كتاب أساطير النصل الأبيض)”، قال نيكولاس فجأة بنظرة معقدة، “لقد كانت المرة العاشرة التي يُفنى فيها حرّاس النصل الأبيض منذ عهد الإمبراطورية، وثالث (مهانة للنصل أبيض) — أن يموت ملكنا رغم حمايتنا المشددة له.”
عصفَت الرياح الباردة بالنار المخيّمة، فازدادت ألسنتها توهجًا وسط الطقطقة.
(منذ عهد الإمبراطورية؟) فكّر تاليس. (ألهذه المدة يمتد تاريخ حرّاس النصل الأبيض؟ وُجدوا حتى قبل قيام إكستيدت؟)
الفصل 123: حتى بزغ الفجر (الجزء الثاني)
هزّ بيوتراي رأسه. “لم يستطع أحد صدّ قوات ملك جناح الليل التي لا تُقهر، ولا تكتيكاته الغريبة المتحوّلة التي لا يمكن التنبؤ بها.”
“وهكذا جاب جيش ملك جناح الليل شمال الأرض تجوالًا حرًّا، يكاد لا يُهزم. وسقطت مدينة سحب التنين في دفاعٍ يائس أخير. وبعد موت الملك، غرقَت إكستيدت في الفوضى. ولم يبقَ سوى قليل من الآرشيدوقات واصلوا القتال”، قال بيوتراي بصوت خافت.
“وفي وقت ما، عجزت شبه الجزيرة الغربية عن حشد حتى كتيبةٍ واحدة ذات قدرة قتالية تعترض سبيل أهل الجزيرة الشرقية. على الأقل هذا ما دوّنته كتب التاريخ.”
تنهد بيوتراي وهزّ رأسه. “لا نعلم.”
“وهكذا جاب جيش ملك جناح الليل شمال الأرض تجوالًا حرًّا، يكاد لا يُهزم. وسقطت مدينة سحب التنين في دفاعٍ يائس أخير. وبعد موت الملك، غرقَت إكستيدت في الفوضى. ولم يبقَ سوى قليل من الآرشيدوقات واصلوا القتال”، قال بيوتراي بصوت خافت.
تجاهل بيوتراي نيكولاس ومضى يتحدث من تلقاء نفسه دون اكتراثٍ بأحد.
“وبعثت الجزيرة الشرقية بطلبٍ لإجراء مفاوضات سلامٍ على ضوء تلك الأوضاع. وأمام الخسائر الفادحة والثمن الباهظ، بدأت الكوكبة وبقية الممالك الصغيرة تفكر في عرض الجزيرة الشرقية.”
تنهد بيوتراي.
“عندها، وقف ثلاثة رجالٍ على مشارف التاريخ فأنقذوا شبه الجزيرة الغربية التي كانت على شفا الهلاك.”
وأدرك تاليس فجأة أن آيدا التي كانت تقف خلفه اختفت في لحظة ما.
تنفس تاليس ببطء. “أبطال الفجر الثلاثة؟”
“وأخذ ابنه اسم عائلة والتون وأصبح آرشيدوق مدينة سحب التنين. وبالاستناد إلى الهيبة القوية لوالده، صار الملك المنتخَب للكوكبة. وهكذا جلس تشارا خلف ابنه وصيًّا لثلاثين سنة كاملة حتى موته.”
أومأ بيوتراي. “شارا، وميدير، وكابلان جمعوا ما تبقى من الجند. وألهم قتالهم الكوكبة وسائر الممالك—”
“يا صاحب السمو، يمكنك قراءة سجلات تلك المعارك بالتفصيل في كبرى كتب التاريخ”، تنهد بيوتراي، “وباختصار، بعد بضع معاركٍ مرعبة، تجدد الاعتراف بهيبة ملك جناح الليل. لقد كانت أسوأ سلسلةٍ من الهزائم منذ تأسيس إكستيدت، المملكة التي طالما اعتزت بمقاتليها وقوتها العسكرية.”
قاطعه قاتل النجوم.
ختم بيوتراي تدريجيًا. “ومنذ ذلك الحين، عُرف البطل والنبي وصائن القَسَم باسم «أبطال الفجر الثلاثة» في الغرب.”
“كفّوا عن تمجيد أنفسكم”، هزئ نيكولاس. عقد ذراعَيه ورفع بصره. “شارا… شارا البطل… كان أول من تقدّم، والوحيد.”
“مع ذلك، كان فعل كابلان في قيادة التعزيزات مؤثرًا بوضوح. فقد ارتفعت مكانة اتحاد كاموس في العالم كثيرًا جرّاء ذلك.” بسط شيليس ذراعَيه. “وهكذا اجتمع الرجال الثلاثة في ساحة المعركة وواجهوا جيش الجزيرة الشرقية. واستفادوا من دروس الماضي. واستمرت تلك المعركة أكثر من عام.”
“وحيدًا، حمل شارا راية سوداء وعاد إلى ساحة إكستيدت.”
كان تاليس يصغي بكل جوارحه.
“ونادى وجمع الإكستيدتيون الذين فقدوا إرادة القتال—في أعماق الجبال، وفي القرى، وداخل غابات الصنوبر. وقاتل الإكستيدتيون أهل الجزيرة الشرقية بلا مبالاة للدماء والتضحيات، في كل مقاطعةٍ وإقليم.”
“يا صاحب السمو، يمكنك قراءة سجلات تلك المعارك بالتفصيل في كبرى كتب التاريخ”، تنهد بيوتراي، “وباختصار، بعد بضع معاركٍ مرعبة، تجدد الاعتراف بهيبة ملك جناح الليل. لقد كانت أسوأ سلسلةٍ من الهزائم منذ تأسيس إكستيدت، المملكة التي طالما اعتزت بمقاتليها وقوتها العسكرية.”
“منعزلًا ومخذولًا، كان يفوقه العدو عددًا بأضعاف. وفي البدء، ذاق هزائم متوالية. لكنه… شارا لم يستسلم قط. هكذا يُصاغ الأبطال—بصقل الشجاعة والعزم عبر سفك الدم.”
توقف نائب الدبلوماسي قليلًا. وكان تاليس ينصت بصمت. لم يقاطعه أحد. حتى نيكولاس خفض رأسه فلم ينطق.
“كان ذلك وعدًا بين الرجال الثلاثة”، ردّ بيوتراي ببرود، “عاد ميدير وكابلان إلى الكوكبة وكاموس على التوالي، وبذلا جهدهما لإقناع مملكتهما بخوض القتال مرة أخيرة. هذا لا يعني أنّهما جبانان.”
“لست أتحدث عن ميدير، بل عنكم جميعًا—تعزيزات الكوكبة”، سخر نيكولاس، “لقد جلب ميدير تعزيزاتٍ قوامها عشرون رجلًا. ويحفظ الشعراء هذا العدد جيدًا!”
تنفس تاليس ببطء. “أبطال الفجر الثلاثة؟”
(عشرون رجلًا؟)
“وبعد فترة وجيزة من بلوغه السادسة عشرة، تسرّب لخارج العاصمة ليبحث عن نوع المغامرات المرويّة في القصص والأغاني. وهناك التقى تشارا وكابلان في أرض قُبلة التنين…”
حدّق تاليس في بيوتراي مترقبًا رده.
“مهلًا! لا تتحدثوا فقط عن أمير مملكتكم.” احتجّ المركيز شيليس ثم التفت نحو الأمير الثاني بابتسامة. “كان كابلان نيكولا من الكاميين ومن مفاخر مدينة التدفّق الطيب. وُلِد في أسرة مرموقة من تجار كبار في صناعة الصيد البحري. وقيل إنه، منذ صغره، كان ذكيًا ناضجًا، يُعرف بالعبقري… تمامًا مثلك يا سموّك.”
قطّب بيوتراي حاجبيه. “في ذلك الوقت، كانت الكوكبة تتحفّظ كثيرًا في إرسال مزيد من الجنود. فالمواجه هو جيش ملك جناح الليل، ثم إنّ ميدير لم يكن سوى أميرٍ غادر وطنه لسنين طويلة. وفوق ذلك، طلب سلطة عسكرية حال عودته.”
“مع أنّ ميدير تخلّى عن شعار العائلة الملكية جيدستار، إلا أنّه ورث العرش وصار «الملك صائن القَسَم»، أليس كذلك؟” رفع الأمير الثاني رأسه يسأل.
“إضافةً إلى أنّ الأمير ميدير كان مأمورًا بأن يكفّ عن التدخل في شؤون إكستيدت العسكرية.” تلألأت عينا بيوتراي. “لكن ميدير لم يخضع. وأمام ذلك الأمر، ألقى على الأرض شارة النجمة التساعية — رمز العائلة الملكية جيدستار — أمام كل رجال البلاط.”
خفض تاليس رأسه ولمس الثلج تحت قدميه.
“وهذا يعني أنه تخلّى عن حقه في وراثة العرش”، قال بيوتراي بتهدّج خافت.
ابتسم المركيز شيليس وقال: “بعد ذلك، اضطر آرشيدوق إيلافور، غادرو، إلى استيراد كمّ هائل من آلات الدفاع سنويًا من مدينة الفولاذ ليحصّن الجانب الشرقي من سواحله. أما مدينة التدفق الطيب، فكانت مسؤولة عن النقل.”
اتسعت عينا تاليس ببطء.
“لكنها تبقى شيئًا!” قاطعه نيكولاس بفظاظة.
“«لا تنسوا أنّ الكوكبة قامت على قسم»، قالها ميدير أمام البلاط الملكي المشتعل غضبًا.”
“لا شيء يستوجب الإخفاء.” تجاهل نيكولاس نظرة بيوتراي الكريهة تمامًا. سخر وقال بنبرة خافتة: “أبرز رجلَين في معركة الفجر افترقا بسبب امرأة.”
(صائن القَسَم… هكذا إذن…)
…
“وهكذا غادر صائن القَسَم قصر النهضة، وسار شمالًا نحو إكستيدت ومعه عشرون فارسًا ظلّوا على استعداد لاتباعه، واندفع لنصرة شارا الذي كان يقاتل وحيدًا.”
“وأخذ ابنه اسم عائلة والتون وأصبح آرشيدوق مدينة سحب التنين. وبالاستناد إلى الهيبة القوية لوالده، صار الملك المنتخَب للكوكبة. وهكذا جلس تشارا خلف ابنه وصيًّا لثلاثين سنة كاملة حتى موته.”
“ولهذا لا نكنّ الاحترام إلا لصائن القَسَم.” ضحك نيكولاس. “حين غدا أهل الكوكبة جبناء، كان واحدًا من قلة قليلة حافظت على شجاعتها. حتى الكاميوسيون كانوا أفضل منكم!”
“وعن هذا، لا بد أن أقول إنّ كابلان النبيّ…” سعل شيليس برفق وتدخل. “ولهذا يُعجب مواطنو كاموس به…”
لم ينبس بيوتراي ببنت كلمة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“وعن هذا، لا بد أن أقول إنّ كابلان النبيّ…” سعل شيليس برفق وتدخل. “ولهذا يُعجب مواطنو كاموس به…”
“بلا اسم عائلة؟ حقًا؟” ارتفع صوت ساخر إلى جانب تاليس. واكتشف تاليس بدهشة أنّ المتحدثة كانت آيدا. جالسة فوق الأرض المغطاة بالثلج، تعانق ركبتيها، وانطلقت كلماتها المتهكّمة من تحت عباءتها.
“من رفع مشروع القانون، إلى حشد الاتفاق، ثم تمرير القرار، كابلان نيكولا هو الشخص الوحيد في التاريخ الذي نجح في إقناع البرلمان الموحّد الأعلى في كاموس بإرسال قواتٍ خلال ستة وثمانين يومًا. وقد وافقت الولايات الأربع عشرة حينها على أن تضع ما تبقّى لها من موارد بين يديه، وهو شاب في الثلاثين، ليحملها إلى ساحة إكستيدت. وتلك الموارد شملت الجند والمؤن والمال.”
رفع تاليس حاجبيه وقال بدهشة: “تسرّب خارج العاصمة؟”
“ولو كنتم تعلمون مدى بطء البرلمان الموحّد في النقاشات، وتعرفون شيئًا من جشع ممثلي الولايات وأنانيّتهم…” تنهد المركيز شيليس. “فالإله وحده يعلم كيف استطاع كابلان فعل ذلك.”
“لا شيء يستوجب الإخفاء.” تجاهل نيكولاس نظرة بيوتراي الكريهة تمامًا. سخر وقال بنبرة خافتة: “أبرز رجلَين في معركة الفجر افترقا بسبب امرأة.”
“هذا تاريخكم وليس تاريخنا. وفي النهاية، كانت تعزيزات الكوكبة هي التي أنقذت ساحة القتال، أليس كذلك؟” ضيّق بيوتراي عينيه.
أدخل تاليس يديه تحت عباءته الفروية، ولمس بلا وعي سوار الأنياب المستقرّ على صدره.
رفع تاليس رأسه يتأمل الرجال الثلاثة.
(أليس هو “والدهما”؟)
“مع ذلك، كان فعل كابلان في قيادة التعزيزات مؤثرًا بوضوح. فقد ارتفعت مكانة اتحاد كاموس في العالم كثيرًا جرّاء ذلك.” بسط شيليس ذراعَيه. “وهكذا اجتمع الرجال الثلاثة في ساحة المعركة وواجهوا جيش الجزيرة الشرقية. واستفادوا من دروس الماضي. واستمرت تلك المعركة أكثر من عام.”
“هنا، بدأوا المعركة الأخيرة مع «ملك جناح الليل»، لوري كورليوني، الذي ذاع صيته واستعصى على الهزيمة بعد أن غزا شبه الجزيرة الغربية مع جحافله الضارية التي لا تُعدّ.”
“في النهاية، في إقليم أوركيد المرموقة، حيث نقف الآن، في سهل أوركيد المرموقة الثلجي”، قال بيوتراي بهدوء، “قاد شارا البطل، وكابلان نيكولا النبي، وميدير جيدستار صائن القَسَم آخر قوات التحالف المصممة على المقاومة، واعترضوا قوات شبه الجزيرة الشرقية الرئيسة.”
“يُظَنّ أنّه عاش سنينَ لا تُحصى. وقبل أن يختفي، كان يُعرَف بأنّه كائن تجاوز الفئة الفائقة.”
“هنا، بدأوا المعركة الأخيرة مع «ملك جناح الليل»، لوري كورليوني، الذي ذاع صيته واستعصى على الهزيمة بعد أن غزا شبه الجزيرة الغربية مع جحافله الضارية التي لا تُعدّ.”
حدّق تاليس في بيوتراي مترقبًا رده.
خفض تاليس رأسه ولمس الثلج تحت قدميه.
“قاتل ميدير حتى تمزّق درعه. وكان شارا، القائد العام، في خطر عند لحظة ما. حتى كابلان النبي خسر حياته في تلك الموقعة البطولية. وذلك إلى أن بزغ الفجر وارتفعت شمس الصباح.”
(سهل أوركيد المرموقة الثلجي. على هذه الأرض قبل ثلاثمئة عام…)
رفع تاليس حاجبيه وقال بدهشة: “تسرّب خارج العاصمة؟”
“بدأت المعركة المهوولة عند الفجر. ويقال إن الدم غطّى السهل الثلجي كله في تلك الليلة، وانعكس ضياؤه على القمر فجعله شديد الحمرة.” واصل بيوتراي استعراض مهاراته في رواية الملاحم. “تكبّد الطرفان خسائر فادحة، واجتمع الدم في نهر دافئ أذاب الثلج أسرع من المعتاد.”
“لا شيء يستوجب الإخفاء.” تجاهل نيكولاس نظرة بيوتراي الكريهة تمامًا. سخر وقال بنبرة خافتة: “أبرز رجلَين في معركة الفجر افترقا بسبب امرأة.”
“قاتل ميدير حتى تمزّق درعه. وكان شارا، القائد العام، في خطر عند لحظة ما. حتى كابلان النبي خسر حياته في تلك الموقعة البطولية. وذلك إلى أن بزغ الفجر وارتفعت شمس الصباح.”
“وبعثت الجزيرة الشرقية بطلبٍ لإجراء مفاوضات سلامٍ على ضوء تلك الأوضاع. وأمام الخسائر الفادحة والثمن الباهظ، بدأت الكوكبة وبقية الممالك الصغيرة تفكر في عرض الجزيرة الشرقية.”
توقف نائب الدبلوماسي قليلًا. وكان تاليس ينصت بصمت. لم يقاطعه أحد. حتى نيكولاس خفض رأسه فلم ينطق.
أدخل تاليس يديه تحت عباءته الفروية، ولمس بلا وعي سوار الأنياب المستقرّ على صدره.
وفي سكون اللحظة، قال بيوتراي برفق: “لقد انتصروا.”
(لكن بحسب القصة، أليس أعظم إنجازات ميدير الرابع هو معركة الفجر؟)
عصفَت الرياح الباردة بالنار المخيّمة، فازدادت ألسنتها توهجًا وسط الطقطقة.
ثبت نيكولاس نظره على تاليس: “لولا أن معركة الفجر انتهت لتوّها، ولولا أنّ شارا ذاع صيته بعد أن سدّد ضربةً موجعة لملك جناح الليل، لما شككتُ لحظة في أنّ الكوكبة كانت ستزحف شمالًا لتهاجم إكستيدت آنذاك!”
“تلك كانت معركة الفجر. واحدة من أربع معارك انقلاب كبرى في التاريخ، مع حملة طرد القداسة في عهد الملوك الإقطاعيين، ومعركة العصف الانقلابي أثناء حرب الابادة، وحرب السطوع في حرب شبه الجزيرة الرابعة. هذا، بالطبع، كما نقول نحن أهل شبه الجزيرة الغربية. أما ممالك الجزيرة الشرقية فلها آراء مختلفة تمامًا.”
(ثمّة أمر غير متّسق.) فكّر تاليس.
ختم بيوتراي تدريجيًا. “ومنذ ذلك الحين، عُرف البطل والنبي وصائن القَسَم باسم «أبطال الفجر الثلاثة» في الغرب.”
انعقد الذهول على محيّا تاليس. واستدار ينظر إلى قائد حرّاس النصل الأبيض الحالي.
تنفس تاليس بعمق.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
(معركة الفجر. قصة الأبطال الثلاثة.)
“استغل ميدير الفرصة ليبني حصن التنين المحطم بينما كانت إكستيدت ضعيفة. ومنذ ذلك الحين، صار الحصن أكبر تهديد لنا. حصنٌ جبّار قادر على الصمود أمام «ليلة ما قبل الشتاء القارس»، قائم على الحدود، سهل الدفاع صعب الهجوم، مأهول بكتائب الحاميات، يراقب كل حركة لنا، ويمكن استخدامه كنقطة انطلاقٍ للتقدم شمالًا في أي وقت!”
وسلفه ذاك الاستثنائي، العفوي، الذي كان مستعدًا للتخلي عن العرش من أجل الصداقة والوفاء.
“يا صاحب السمو، يمكنك قراءة سجلات تلك المعارك بالتفصيل في كبرى كتب التاريخ”، تنهد بيوتراي، “وباختصار، بعد بضع معاركٍ مرعبة، تجدد الاعتراف بهيبة ملك جناح الليل. لقد كانت أسوأ سلسلةٍ من الهزائم منذ تأسيس إكستيدت، المملكة التي طالما اعتزت بمقاتليها وقوتها العسكرية.”
لم ينتبه أحد إلى أن شخصية متلفّعة بعباءة، في زاوية بعيدة، كانت تحدّق في النار بصمت منذ بداية الرواية وحتى نهايتها دون أن تتحرّك.
“حدث أمرٌ هو الأشدُّ كآبة”، قال نائب الدبلوماسي بخفوت. “بعد الحرب، سقط شارا وميدير—وهما صديقان حميمان من المفترض أن تقرّبهما أهوال الحياة والموت—في القطيعة.”
“مع أنّ ميدير تخلّى عن شعار العائلة الملكية جيدستار، إلا أنّه ورث العرش وصار «الملك صائن القَسَم»، أليس كذلك؟” رفع الأمير الثاني رأسه يسأل.
تجاهل بيوتراي نيكولاس ومضى يتحدث من تلقاء نفسه دون اكتراثٍ بأحد.
أومأ بيوتراي. “نعم. بعد معركة الفجر، صار مجده لا يُضاهى. وكان أفضل مرشح لوراثة العرش. من ناحية أخرى، تزوّج شارا من سيدة من عائلة والتون. وصار ابنهما الملك الجديد لإكستيدت.”
“يُظَنّ أنّه عاش سنينَ لا تُحصى. وقبل أن يختفي، كان يُعرَف بأنّه كائن تجاوز الفئة الفائقة.”
ابتسم شيليس وهو يقول: “أمّا كابلان نيكولا، فقد أُقيم له تمثال برونزي ضخم في مركز مدينة التدفق الطيب… لإحياء ذكرى هذا النبي الحكيم، وتضحياته، وإسهاماته في مدينة التدفق الطيب ومكانة اتحاد كاموس في شبه الجزيرة الغربية.”
“كان مالك عرش محيط الدم، سيد ’الأنياب الدموية’—عائلة كورليوني—ومؤسس والحاكم الأبدي لمملكة الليل.”
(ثمّة أمر غير متّسق.) فكّر تاليس.
“وهكذا جاب جيش ملك جناح الليل شمال الأرض تجوالًا حرًّا، يكاد لا يُهزم. وسقطت مدينة سحب التنين في دفاعٍ يائس أخير. وبعد موت الملك، غرقَت إكستيدت في الفوضى. ولم يبقَ سوى قليل من الآرشيدوقات واصلوا القتال”، قال بيوتراي بصوت خافت.
كانت خلفيات لوحات ملوك الكوكبة الثلاثة تصوّر أعظم إنجازاتهم. لوحة تورموند الأول حملت معركة الإبادة. لكن تاليس يتذكر جيدًا أنّ لوحة ميدير الرابع، حيث كان الملك الراحل يمسك سيفًا وترسًا، كان في خلفيتها شجرة شامخة.
تنهد بيوتراي.
(لكن بحسب القصة، أليس أعظم إنجازات ميدير الرابع هو معركة الفجر؟)
“وحيدًا، حمل شارا راية سوداء وعاد إلى ساحة إكستيدت.”
عقد تاليس حاجبيه.
أدخل تاليس يديه تحت عباءته الفروية، ولمس بلا وعي سوار الأنياب المستقرّ على صدره.
عند ذلك، قال نيكولاس ببطء: “أغفلتَ الجزء الأخير؛ ما الذي جرى بعد المعركة؟”
(ملك جناح الليل المفقود، لوري كورليوني…) استعاد تاليس القتال بين فتاتَي آل كورليوني… أو لعلّه يقول السيدتَين.
تنهد بيوتراي.
“وفي وقت ما، عجزت شبه الجزيرة الغربية عن حشد حتى كتيبةٍ واحدة ذات قدرة قتالية تعترض سبيل أهل الجزيرة الشرقية. على الأقل هذا ما دوّنته كتب التاريخ.”
رفع تاليس حاجبيه باستفهام. “ماذا جرى بعد المعركة؟”
“يا صاحب السمو، يمكنك قراءة سجلات تلك المعارك بالتفصيل في كبرى كتب التاريخ”، تنهد بيوتراي، “وباختصار، بعد بضع معاركٍ مرعبة، تجدد الاعتراف بهيبة ملك جناح الليل. لقد كانت أسوأ سلسلةٍ من الهزائم منذ تأسيس إكستيدت، المملكة التي طالما اعتزت بمقاتليها وقوتها العسكرية.”
لم يتكلم بيوتراي إلا بعد لحظة صمت.
“بدأت المعركة المهوولة عند الفجر. ويقال إن الدم غطّى السهل الثلجي كله في تلك الليلة، وانعكس ضياؤه على القمر فجعله شديد الحمرة.” واصل بيوتراي استعراض مهاراته في رواية الملاحم. “تكبّد الطرفان خسائر فادحة، واجتمع الدم في نهر دافئ أذاب الثلج أسرع من المعتاد.”
“حدث أمرٌ هو الأشدُّ كآبة”، قال نائب الدبلوماسي بخفوت. “بعد الحرب، سقط شارا وميدير—وهما صديقان حميمان من المفترض أن تقرّبهما أهوال الحياة والموت—في القطيعة.”
ختم بيوتراي تدريجيًا. “ومنذ ذلك الحين، عُرف البطل والنبي وصائن القَسَم باسم «أبطال الفجر الثلاثة» في الغرب.”
“وكذلك، العلاقة بين الكوكبة وإكستيدت، التي كانت قد تحسنت، تدهورت سريعًا جرّاء ذلك.”
ثبت نيكولاس نظره على تاليس: “لولا أن معركة الفجر انتهت لتوّها، ولولا أنّ شارا ذاع صيته بعد أن سدّد ضربةً موجعة لملك جناح الليل، لما شككتُ لحظة في أنّ الكوكبة كانت ستزحف شمالًا لتهاجم إكستيدت آنذاك!”
انطلقت جملة نيكولاس:
اخذ بيوتراي نفسًا طويلًا من غليونه وقال بصوت هادئ، “وفي ذلك الوقت، اندلعت حرب شبه الجزيرة الثالثة.”
“استغل ميدير الفرصة ليبني حصن التنين المحطم بينما كانت إكستيدت ضعيفة. ومنذ ذلك الحين، صار الحصن أكبر تهديد لنا. حصنٌ جبّار قادر على الصمود أمام «ليلة ما قبل الشتاء القارس»، قائم على الحدود، سهل الدفاع صعب الهجوم، مأهول بكتائب الحاميات، يراقب كل حركة لنا، ويمكن استخدامه كنقطة انطلاقٍ للتقدم شمالًا في أي وقت!”
(لكن بحسب القصة، أليس أعظم إنجازات ميدير الرابع هو معركة الفجر؟)
ثبت نيكولاس نظره على تاليس: “لولا أن معركة الفجر انتهت لتوّها، ولولا أنّ شارا ذاع صيته بعد أن سدّد ضربةً موجعة لملك جناح الليل، لما شككتُ لحظة في أنّ الكوكبة كانت ستزحف شمالًا لتهاجم إكستيدت آنذاك!”
“ونادى وجمع الإكستيدتيون الذين فقدوا إرادة القتال—في أعماق الجبال، وفي القرى، وداخل غابات الصنوبر. وقاتل الإكستيدتيون أهل الجزيرة الشرقية بلا مبالاة للدماء والتضحيات، في كل مقاطعةٍ وإقليم.”
“أيها الأمير الصغير، لِمَ تظن أننا نهتم كثيرًا بذلك الحصن الأحمق الذي تملكونه؟”
زفر بيوتراي، وبقيت تعابيره رديئة. “لو قلتَ ذلك هكذا، فأنت تقلّل من شأن الصداقة بين البطل وصائن القَسَم، وتُلطّخ مجدهما الماضي وأسطورتهما المشتركة.”
تجمّد تاليس في ذهول.
ثبت نيكولاس نظره على تاليس: “لولا أن معركة الفجر انتهت لتوّها، ولولا أنّ شارا ذاع صيته بعد أن سدّد ضربةً موجعة لملك جناح الليل، لما شككتُ لحظة في أنّ الكوكبة كانت ستزحف شمالًا لتهاجم إكستيدت آنذاك!”
(حصن التنين المحطم. الحصن الشامخ الذي يحرس أراضي الكوكبة الشمالية… الجدار الحاجز، والقلاع التي تمنع التنين العظيم من التقدم جنوبًا…)
“منعزلًا ومخذولًا، كان يفوقه العدو عددًا بأضعاف. وفي البدء، ذاق هزائم متوالية. لكنه… شارا لم يستسلم قط. هكذا يُصاغ الأبطال—بصقل الشجاعة والعزم عبر سفك الدم.”
(فهل هكذا يراه الإكستيدتيون؟ قاعدةً للزحف شمالًا؟)
“وأنت أيضًا تُهين شرف الملكة إيكـسورا، وتسيء إلى عائلة جيدستار في الكوكبة وعائلة سقوط الورق في مملكة الشجرة المقدسة!”
(و… شارا وميدير. رفيقا سلاح عاشا عشر سنوات يخوضان المغامرات ويضعان حياتهما بين يدي بعضهما… افترقا؟)
(فهل هكذا يراه الإكستيدتيون؟ قاعدةً للزحف شمالًا؟)
“لماذا؟” عضّ تاليس على أسنانه، ورفع رأسه يسأل، “لماذا افترق شارا وميدير؟”
رفع بيوتراي بصره وألقى على تاليس نظرة ذات مغزى.
تنهد بيوتراي وهزّ رأسه. “لا نعلم.”
“والنتيجة كانت واضحة. إذ فاجأت قوات العدو إكستيدت غير المستعدة تمامًا. وكانت مدينة إيلافور أولى المدن الساقطة.”
“لا تعلم؟” قال نيكولاس بعدم رضا، “أنا أعلم ما يقال حول هذا…”
“كفّوا عن تمجيد أنفسكم”، هزئ نيكولاس. عقد ذراعَيه ورفع بصره. “شارا… شارا البطل… كان أول من تقدّم، والوحيد.”
“إنها مجرد شائعة غير موثوقة—” قال بيوتراي بازدراء.
“فعلى سبيل المثال: ’البحث عن التنانين في الصحراء’، ’عبور ألف ميل لصيد الشياطين’، ’فوضى الحوريّات في بحر الشياطين’، ’تأسيس دوقية آنلينزو’، ’المطلوب في الغابة المحرّمة’، ’اندثار الشجرة المقدّسة وولادتها’، ’لغز حصن الأرواح الشجاعة’، ’الكاهن الشيطاني في مدينة سوط الحصان’، وغيرها. كلها أناشيد شهيرة تصف تجارب الرجال الثلاثة خلال تلك السنوات العشر.
“لكنها تبقى شيئًا!” قاطعه نيكولاس بفظاظة.
اتسعت عينا تاليس ببطء.
كان المركيز شيليس يتابع الجدال باهتمام واضح.
“وكذلك، العلاقة بين الكوكبة وإكستيدت، التي كانت قد تحسنت، تدهورت سريعًا جرّاء ذلك.”
وغطّى صوت قاتل النجوم على صوت نائب دبلوماسي الكوكبة.
ابتسم شيليس وهو يقول: “أمّا كابلان نيكولا، فقد أُقيم له تمثال برونزي ضخم في مركز مدينة التدفق الطيب… لإحياء ذكرى هذا النبي الحكيم، وتضحياته، وإسهاماته في مدينة التدفق الطيب ومكانة اتحاد كاموس في شبه الجزيرة الغربية.”
“لا شيء يستوجب الإخفاء.” تجاهل نيكولاس نظرة بيوتراي الكريهة تمامًا. سخر وقال بنبرة خافتة: “أبرز رجلَين في معركة الفجر افترقا بسبب امرأة.”
كان تاليس يصغي بكل جوارحه.
(ماذا؟!) انفغر فم تاليس. (امرأة؟)
“كفّوا عن تمجيد أنفسكم”، هزئ نيكولاس. عقد ذراعَيه ورفع بصره. “شارا… شارا البطل… كان أول من تقدّم، والوحيد.”
زفر بيوتراي، وبقيت تعابيره رديئة. “لو قلتَ ذلك هكذا، فأنت تقلّل من شأن الصداقة بين البطل وصائن القَسَم، وتُلطّخ مجدهما الماضي وأسطورتهما المشتركة.”
“وهذا يعني أنه تخلّى عن حقه في وراثة العرش”، قال بيوتراي بتهدّج خافت.
“وأنت أيضًا تُهين شرف الملكة إيكـسورا، وتسيء إلى عائلة جيدستار في الكوكبة وعائلة سقوط الورق في مملكة الشجرة المقدسة!”
“ويُقال إنه كان واحدًا من أعرق وأرهب أفراد عشيرة الدماء. ووفقًا للأساطير، حين كان يبسط جناحيه الهائلين، كانت أشد أشعة الشمس لمعانًا تتوارى خلف ظلام دموي لا نهاية له.” عدّل بيوتراي نبرة صوته، وبدا أنهم جميعًا كأنهم يتجمهرون حول المدفأة يتبادلون حكايات الأشباح.
(الملكة إيكـسورا؟) تساءل تاليس. (ومملكة الشجرة المقدسة… عائلة سقوط الورق؟)
كان المركيز شيليس يتابع الجدال باهتمام واضح.
“وماذا في ذلك؟” قال نيكولاس ببرود وحدّة. “الجميع يعلم أنّه حين ظلّ شارا يقاتل وحيدًا في شمال الأرض، فإن حامل القَسَم من الكوكبة، ميدير جيدستار…”
(ماذا؟!) انفغر فم تاليس. (امرأة؟)
“انتزع محبوبة شارا! بل تزوّجها وجعلها ملكته!”
زفر بيوتراي، وبقيت تعابيره رديئة. “لو قلتَ ذلك هكذا، فأنت تقلّل من شأن الصداقة بين البطل وصائن القَسَم، وتُلطّخ مجدهما الماضي وأسطورتهما المشتركة.”
تجمّد تاليس مصعوقًا.
“لقد حلّ أسوأ كوابيس شبه الجزيرة الغربية. واجه الرجال الثلاثة أفظع خصم على الإطلاق.”
وتحت نظرة بيوتراي الساخطة، هزّ قاتل النجوم رأسه وتابع: “ملكة جنيّة.”
“والنتيجة كانت واضحة. إذ فاجأت قوات العدو إكستيدت غير المستعدة تمامًا. وكانت مدينة إيلافور أولى المدن الساقطة.”
(ملكة… جنيّة؟ المرأة التي أحبّها شارا… ملكةُ ميدير الرابع؟)
“لوري كورليوني، ملك جناح الليل.”
خفق قلب الأمير الثاني بشدة. وعصفت ريح باردة أخرى بهم.
“بدأت المعركة المهوولة عند الفجر. ويقال إن الدم غطّى السهل الثلجي كله في تلك الليلة، وانعكس ضياؤه على القمر فجعله شديد الحمرة.” واصل بيوتراي استعراض مهاراته في رواية الملاحم. “تكبّد الطرفان خسائر فادحة، واجتمع الدم في نهر دافئ أذاب الثلج أسرع من المعتاد.”
وأدرك تاليس فجأة أن آيدا التي كانت تقف خلفه اختفت في لحظة ما.
“لكنها تبقى شيئًا!” قاطعه نيكولاس بفظاظة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لماذا؟” عضّ تاليس على أسنانه، ورفع رأسه يسأل، “لماذا افترق شارا وميدير؟”
وللمفارقة، بدا أن هذه الجنية الفظّة أصبحت تتحدث كثيرًا في الآونة الأخيرة.
