المُحارِبة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لم تتغيّر ملامح ميراندا وهي تركل كوهين بمرفقها حين كان يتهيأ للكلام وهو يحكّ رأسه. أطبقت الضربة على صوته قبل أن يخرج.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
سعل كوهين سعالًا محرجًا.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“طالما لا تصادمان سيّافًا من الفئة الفائقة… فأنا واثق من قوتكما.”
Arisu-san
رفع كوهين حاجبه وقد بدا عاجزًا، ثم لوّح بذراعيه لكاسلان بصمت من زاوية لا تراها ميراندا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تجمّد كوهين لحظة، ثم سحبه كاسلان خارج الغرفة.
الفصل 125: المُحَارِبَة
كان كوهين لا يزال يريد سؤالها، لكن ميراندا أمسكت ذراعه وهزّت رأسها له.
…
تجمّد كوهين لحظة، ثم سحبه كاسلان خارج الغرفة.
بيتٌ صغير في قريةٍ خارج مدينة سحب التنين.
“أنا الوحيدة التي نجت وعادت حيّة.”
“لقد مرّت ثلاثُ سنواتٍ منذ آخر مرة رأيتُكما فيها، كوهين وعزيزتي ميراندا. هل أرسلكما البرج؟” في غرفةٍ مظلمة، كانت فتاةٌ قصيرة الشعر ممدَّدة على سريرٍ خشبي. كان اسمها كروش ميرك، وقد ارتسمت على محياها ابتسامةٌ مُتْعَبَةٌ ولكن هادئة. “إنه لعزاءٌ عظيم أن أراكما الآن.”
“طالما لا تصادمان سيّافًا من الفئة الفائقة… فأنا واثق من قوتكما.”
“شكرًا لك، يا عمّ كاسلان.” شكرت الفتاة قصيرة الشعر كاسلان الذي كان بجوارها، دون أي أثرٍ للعاطفة في وجهها.
“أنا الوحيدة التي نجت وعادت حيّة.”
تقلّصت حاجبا ميراندا بشدة.
“رجالي سيساعدونكما… لكن إن تفاقم الأمر، تذكّرا التخفي… فرغم أنّ أميركما جاء إلى إكستيدت في بعثة دبلوماسية وخفف التوتر بين البلدين، فأنتم من أبناء الكوكبة، بل من عائلات نبيلة. وليس من الحكمة كشف هوياتكم فجأة هناك.”
حتى كوهين اللامبالي لم يستطع تجاهل التغيير الجارف الذي طرأ على فتاة الشمال، كروش، والتي كانت زميلتهما في السنة ذاتها.
إلى الجانب، تنحنح كاسلان بقصد.
مقارنةً بكروش ميرك المفعمة بالحيوية قبل ثلاث سنوات حين افترقوا في برج الإبادة، لم تصبح أنحف بكثير فحسب، بل غلب عليها الكآبة كذلك. كانت عزيمتها منقوشةً كختمٍ على وجهها المستدير، ولا أحد يعلم متى تحوّل ذلك النقش إلى مرارةٍ وخيبة.
قادهم العجوز كاسلان نحو الإسطبل، فانحنى أمامه اثنان يبدوان كجنديين.
حوّل كوهين نظره إلى يدها، فانقطع نَفَسُه على الفور.
سعل كوهين سعالًا محرجًا.
هذه الفتاة من البرج، ذات النظرة الحازمة… هذه الفتاة التي كانت لا تكلّ ولا تتراجع في تدريبها…
سعل كاسلان بصوتٍ عالٍ ليغطي كلامها. “هذه السنوات العشر، عصابتكم تلك في الكوكبة—تلك… الأخوية—أحدثت ضجّة كبيرة. حتى أنهم وسّعوا أعمالهم إلى مدينة سحب التنين. وكان بعض أصدقائي القدامى يعانون من نقص الرجال، وطلبوا مني ترشيح بعض الأشخاص، فــ—”
يدها اليمنى، التي كانت تقبض بها على سيفها… كانت الآن ملفوفة بضماداتٍ بإحكام.
“الرفض نفسه لم يكن الصدمة الكبرى.” قاطعها كاسلان وأدار وجهه. “بل السبب خلف الرفض.”
“كروش…” حاول كوهين قدر المستطاع أن يصرف بصره عن يدها اليمنى وافتعل ابتسامة. ثم قال بحذرٍ وبطء، “هل… أنتِ بخير؟”
“وأنا أيضًا امرأة.” قالت ميراندا ببرود. “وفي برج الإبادة، كنت أقوى منك، ومن رافاييل، ومن ميسادون، ومن كل أفراد الدفعات.”
(بخير؟)
“الرفض نفسه لم يكن الصدمة الكبرى.” قاطعها كاسلان وأدار وجهه. “بل السبب خلف الرفض.”
ما إن نطق السؤال حتى راوده شعورٌ قوي برغبةٍ في صفع نفسه.
“طالما لا تصادمان سيّافًا من الفئة الفائقة… فأنا واثق من قوتكما.”
نظرت إليه كروش ببطء، دون أي أثرٍ للمشاعر في عينيها.
“حين كنت في الجبهة الغربية، كان هناك بعض الجنديات أيضًا، لأن النقص في الجنود كان يحدث أحيانًا.” قال كوهين ببطء.
“أنا بخير.” قال كوهين، متألمًا من نظرتها الخاوية. “فقط، يدي اليمنى… لم أعُد أستطيع استعمالها لحمل سلاحي. هذا كلّ ما في الأمر.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
صمت.
ميراندا قبضت حاجبيها. “سيف الكارثة؟”
وقع كوهين في حرجٍ شديد، ولم يعرف كيف يكمل. (تبًا، لو كان رافاييل هنا… لطالما كان ذلك الصعلوك ذو المعطف الأبيض بارعًا في مواساة الآخرين.)
“أثناء استجوابنا لنقطة الاتصال، اكتشفنا أن هاديل ذكر عرضًا أنه لديه ابنة تُدعى لوسي.”
كما كان متوقَّعًا، تقدّمت ميراندا إلى الأمام ورفعت عينيها باستهزاء نحو كوهين.
ميراندا قبضت حاجبيها. “سيف الكارثة؟”
ثم، كما فعلت مرارًا في الماضي، داسَت بقوةٍ على قدم كوهين البريء دون أن يطرف لها رمش.
ما إن نطق السؤال حتى راوده شعورٌ قوي برغبةٍ في صفع نفسه.
شهق كوهين من الألم.
عقد كاسلان ذراعيه ونظر إلى ميراندا بإعجاب. (يا لها من فتاةٍ حسّاسة. نجحت دون أن تشعر في التخفيف عن كروش. هذه الفتاة من عائلة آروند لا ينقصها سوى أن تبتسم أكثر.)
وبينما كان يقبض على فكه من شدّة الألم، جلست ميراندا على حافة سرير كروش. لم يتغيّر تعبير وجهها حين فتحت شفتيها بعزم: “من فعل هذا؟”
تنهد الشرطي. “لأنها امرأة، أليس كذلك؟”
(أيُّ مواساةٍ لا فائدة منها الآن)، خطرت الفكرة في ذهن ميراندا. (من الأفضل أن أدخل في صلب الموضوع بدلًا من التفكير في أمورٍ لا طائل منها.)
حتى كوهين اللامبالي لم يستطع تجاهل التغيير الجارف الذي طرأ على فتاة الشمال، كروش، والتي كانت زميلتهما في السنة ذاتها.
إلى الجانب، تنحنح كاسلان بقصد.
“أنا مرهقة”، قالت كروش بهدوء. استدارت ببطء نحو الجدار. “أريد أن أرتاح قليلًا.”
لم يكن لدى قائد حرّاس النصل الأبيض السابق الكثير ليقوله في حضرة كروش.
“ما هو؟”
لقد رأى جنودًا كثيرين يواجهون المصير ذاته.
ميراندا قبضت حاجبيها. “سيف الكارثة؟”
تنفّس كاسلان بعمق، متمتمًا في نفسه.
كانت قد أدارت رأسها ورفعت جفنيها. وفي عينيها مشاعر معقدة لا يمكن تفسيرها. “أنت…”
(أولئك الجنود لن يعلموا أبدًا كم كانوا محظوظين إذ أصيبوا وتقاعدوا.)
“أنا مرهقة”، قالت كروش بهدوء. استدارت ببطء نحو الجدار. “أريد أن أرتاح قليلًا.”
عادت كروش إلى وعيها وابتسمت ابتسامةً متكلّفة.
“ولهذا، عندما تختار فرقة الصدمة جنودها، حتى أنا كنت عادةً أتجنب الجنديات.”
“أعتقد أنّ لديكما بالفعل بعض العلم ببداية الحادث ونهايته.” استعادت نبرة الهدوء، ولم تعد تبدو كسَيّافةٍ فقدت كل أملٍ في إمساك سيفها. “ضابطٌ عسكريّ يُدعى هاديل، تسرّب إلى جيش إقليم الرمال السوداء، حاول اغتيال أميركما في الحصن باستخدام بنادق صوفية.”
رمق كاسلان ميراندا بنظرة ذات مغزى وأومأ. “صحيح.”
أومأ كوهين.
“وفوق ذلك، هذه المرة…”
“شهدتُ ذلك في حصن التنين المحطّم، لكنني لم أر المشهد بوضوح. ظننته مجرد تجربة إطلاق.” ردّت ميراندا بهدوء.
رفع كاسلان حاجبه. “رفضها حرس النصل الأبيض، وقد كان ذلك صدمة كبيرة لها.”
“صحيح. ميراندا، أنتِ الآن تابعةٌ بارزة لزهرة الحصن في الكوكبة، أليس كذلك؟” ابتسمت كروش لرفيقة دفعتها، ثم نظرت إلى يدها اليمنى. وتهدّلت ملامحها مع الكلمة التالية. “مباركٌ لك.”
كانت قد أدارت رأسها ورفعت جفنيها. وفي عينيها مشاعر معقدة لا يمكن تفسيرها. “أنت…”
ثبتت ميراندا ملامحها، ولم تتفوّه بكلمة. كلّ ما فعلته أنها مدت يدها وأمسكت بيد كروش اليسرى بإحكام.
“ماذا؟” اتسعت عينا كوهين. “بعد كل هذا… يا عم، أنت… أنت الوسيط لعصابة مدينة سحب التنين؟”
ارتعشت كروش قليلًا عند لمس يدها.
“على أي حال، الآن تعلمين السبب يا ابنة آروند.” رفع العجوز بصره نحو ميراندا. “هيئتكِ في اللباس، بصراحة، فاضحة جدًا في الشمال.”
“بالنسبة لـ… آه!”
أصيب كوهين بالذهول.
لم تتغيّر ملامح ميراندا وهي تركل كوهين بمرفقها حين كان يتهيأ للكلام وهو يحكّ رأسه. أطبقت الضربة على صوته قبل أن يخرج.
“نعم.” توقّف كاسلان لحظة، وقد أثار الحديث ذكرياتٍ بعيدة، ثم ابتسم، “دائمًا توجد نساء لا تجرؤ على إغضابهن طيلة حياتك.”
تابع كوهين التنهّد من الألم بصمت، وهو يوجّه لميراندا نظرة احتجاج. (حقًا… هل كان ذلك ضروريًا؟)
Arisu-san
لم تستطع كروش أن تمنع نفسها من الضحك على هذا المشهد.
أومأ كوهين.
ذكّرها هذا بأيامهم في برج الإبادة.
ازداد سُعاله حدةً وعلوًا. وتحت نظرات الشابين المشككة، رفع رأسه بثقة مصطنعة وربّت على كتفيهما. “بالمختصر، سواء كانت مهمة برج الإبادة، أو لإعطاء كروش جوابًا، أو لكشف حقيقة محاولة اغتيال أمير الكوكبة، فسأترك المهمة في عهدتكما!”
عقد كاسلان ذراعيه ونظر إلى ميراندا بإعجاب. (يا لها من فتاةٍ حسّاسة. نجحت دون أن تشعر في التخفيف عن كروش. هذه الفتاة من عائلة آروند لا ينقصها سوى أن تبتسم أكثر.)
ذكّرها هذا بأيامهم في برج الإبادة.
“وفقًا لتعليمات الآرشيدوق، استطعنا تتبّع نقطة اتصال هاديل الخاصة بالأسلحة.” حاولت كروش أن تُبقي ابتسامتها. “لقد باع أجزاء من البنادق الصوفية العسكرية التي أزالها وكان يفترض أن يتم تدميرها، نحو الجنوب والغرب. وبواسطة الأموال التي جناها، درّب وحدته وحسّن اتصالاته. في غضون بضع سنوات، كان من الممكن أن تقع وحدة البنادق الصوفية التابعة للآرشيدوق في قبضتهم. لحسن الحظ، اكتشفنا الأمر مبكرًا واعترضنا سبيل ذلك الاتصال.”
“ثم لا تنسوا الفالكيري الأسطورية—’قلب المطر’، الفارسة لورين قبل عشرين عامًا!”
“ذلك الضابط… ما الذي عرفتموه بشأنه؟” سألت ميراندا بلطف.
لقد رأى جنودًا كثيرين يواجهون المصير ذاته.
“ليس الكثير.” أجابت كروش بهدوء.
“حين لم يكن بعضهم بخير بعد التقاعد، رتبتُ لهم… بعض الأعمال.” سعل كاسلان بنبرة غير طبيعية. “أنت تعرف، هناك دائمًا أعمال تحتاج لمن يجيد القتال…”
“هاديل جاء من قريةٍ صغيرة في أقصى الشمال، أرضٌ تتبع للآرشيدوق ليكّو من مدينة الدفاع. قبل أحد عشر أو اثني عشر عامًا، شهد الحرب بين إكستيدت والكوكبة. ورغم نجاته من معركة الهجوم والدفاع، فقد يدًا ونصف وجهه تحت قصف البنادق الصوفية.”
[م.م: عالمطبخ يا ولية]
شحبت ملامح ميراندا.
قبضت ميراندا أسنانها لا إراديًا.
(مرة أخرى… حرب الاثني عشر عامًا.)
“ولهذا، عندما تختار فرقة الصدمة جنودها، حتى أنا كنت عادةً أتجنب الجنديات.”
تنفّس كوهين بعمق وسار خطوة إلى الأمام، متجنبًا مدى ضربات ميراندا. “آرشيدوق مدينة الدفاع، أحد الآرشيدوقات في شمال إكستيدت؟ عائلة ليكو؟ إذن، هل كان الآرشيدوق خلف محاولة قتل أمير الكوكبة باستخدام البنادق الصوفية؟”
“ألست آتيًا معنا؟” رفع كوهين حاجبه.
هزّت كروش رأسها. “الأمر ليس بهذه البساطة. بعد الحرب، جاء هاديل إلى إقليم الرمال السوداء وبقي هناك حتى اليوم. لم يتصل بأي شخص من مدينة الدفاع، لذا لا نستطيع الجزم.”
“ذلك الضابط… ما الذي عرفتموه بشأنه؟” سألت ميراندا بلطف.
“ولكن، هناك أمرٌ أثار ريبتنا.”
قبضت ميراندا أسنانها لا إراديًا.
أخذت كروش نفسًا.
“بالنسبة لـ… آه!”
“أثناء استجوابنا لنقطة الاتصال، اكتشفنا أن هاديل ذكر عرضًا أنه لديه ابنة تُدعى لوسي.”
“لم يتزوج هاديل قط طوال أربعين عامًا. وأكّد لنا جيرانه أنه لم تكن له زوجة أو أي علاقة مع امرأة، فضلًا عن أن تكون له ابنة.” قالت كروش بهدوء.
لمعت عينا كوهين. “وجدتم ابنته؟ هل كان فيها شيء غير طبيعي؟”
قبضت ميراندا أسنانها لا إراديًا.
“ليس فقط غير طبيعي.” عضّت كروش على شفتيها وهزّت رأسها. “بل… هذه الشخصية لا وجود لها أصلًا.”
“أعرف.” كان كوهين أول من رد قبل أن تنطق ميراندا.
“لا… وجود لها؟” تساءل كوهين.
“لقد كانت صلبة العزم منذ صغرها، وكانت تريد أن تصير فارسة أسطورية مثل ’قلب المطر’.”
“لم يتزوج هاديل قط طوال أربعين عامًا. وأكّد لنا جيرانه أنه لم تكن له زوجة أو أي علاقة مع امرأة، فضلًا عن أن تكون له ابنة.” قالت كروش بهدوء.
أومأ كوهين.
“تتبّعنا هذا الاسم، ’لوسي’، وواصلنا التحقيق… فاكتشفنا أنه ذكر اسمها أمام أكثر من شخص.”
“وهكذا، حملت كروش سيفها وطافت على كل ذا سيادة، لكنها قوبلت بالرفض في كل مكان. امرأة اجتازت تدريب برج الإبادة كاملًا، وسَيّافة من الفئة العليا… لم تستطع أن تنال منصبًا، ولا حتى من أحد الكونتات…”
“من سوق السلاح السوداء في إقليم الرمال السوداء إلى فريق النقل في إقليم الأوركيد المرموق… وعندما بلغنا الأثر وصولًا إلى مدينة سحب التنين، واجهنا اعتراضًا.” رفعت الفتاة قصيرة الشعر رأسها، وبدا على وجهها تعبيرٌ مخيف. “ظهرت مجموعةٌ من السَيّافين الغرباء.”
“كيف كانوا؟ وكم كان عددهم؟” تغيّر وجه كوهين، وتجاهل امتعاض ميراندا، واندفع يسأل، “أي نوع من قوة الإبادة كانوا يستخدمون؟ وكيف عرفتِ أنهم سيوف كارثة؟”
ميراندا قبضت حاجبيها. “سيف الكارثة؟”
لم يكن لدى قائد حرّاس النصل الأبيض السابق الكثير ليقوله في حضرة كروش.
خفضت كروش جفنيها وأومأت.
“آه، ذاك.” حكّ كاسلان شعره الرمادي بإحراج. “على أي حال، عشتُ في مدينة سحب التنين سنين طويلة من قبل.”
“كيف كانوا؟ وكم كان عددهم؟” تغيّر وجه كوهين، وتجاهل امتعاض ميراندا، واندفع يسأل، “أي نوع من قوة الإبادة كانوا يستخدمون؟ وكيف عرفتِ أنهم سيوف كارثة؟”
شهق كوهين من الألم.
كان كاسلان يصغي بصمت إلى جانبهما، وقد قبض حاجبيه.
(أولئك الجنود لن يعلموا أبدًا كم كانوا محظوظين إذ أصيبوا وتقاعدوا.)
“كانوا كثر، وقد غطّوا رؤوسهم ووجوههم. ثم إن الليل كان حالكًا، فلم أتبين هيئاتهم ولا ملامحهم بوضوح. أما قوة الإبادة لديهم… فكانت كما وصفها المعلّم تشارتييه.” أجابت كروش بصوت خافت، “باردةٌ لا ترحم. كانت قوة الإبادة تتدفق بعنفٍ لا ينقطع.”
“من أجل مرافقة الأمير، فإنّ جيش إقليم الرمال السوداء يقيم الآن في قرية قرب مدينة سحب التنين، وسيعيدون كروش معهم.” جرّ كاسلان جوادين ونظر إلى الشاب النبيل السيّاف وإلى السيّافة النبيلة. “سأُسلّمكما المهمة التالية.”
“أنا الوحيدة التي نجت وعادت حيّة.”
أخذ كاسلان نفسًا، لكنه لم يُجب.
أصيب كوهين بالذهول.
تقلّصت حاجبا ميراندا بشدة.
لكنه استعاد حركته على الفور. “هل من معلومات أخرى؟ متى وأين ظهروا؟ مثل طريقة هجومهم…”
سعل كاسلان بصوتٍ عالٍ ليغطي كلامها. “هذه السنوات العشر، عصابتكم تلك في الكوكبة—تلك… الأخوية—أحدثت ضجّة كبيرة. حتى أنهم وسّعوا أعمالهم إلى مدينة سحب التنين. وكان بعض أصدقائي القدامى يعانون من نقص الرجال، وطلبوا مني ترشيح بعض الأشخاص، فــ—”
“أخبرت العم كاسلان بالتفاصيل عن ظهورهم.” عضّت كروش على أسنانها وهزّت رأسها وعيناها تحملان مرارة، “اذهبا وأتما مهمتكما، سواء كان ذلك لأجل برج الإبادة، أو لأجل أمير الكوكبة.”
“كانوا كثر، وقد غطّوا رؤوسهم ووجوههم. ثم إن الليل كان حالكًا، فلم أتبين هيئاتهم ولا ملامحهم بوضوح. أما قوة الإبادة لديهم… فكانت كما وصفها المعلّم تشارتييه.” أجابت كروش بصوت خافت، “باردةٌ لا ترحم. كانت قوة الإبادة تتدفق بعنفٍ لا ينقطع.”
كان كوهين لا يزال يريد سؤالها، لكن ميراندا أمسكت ذراعه وهزّت رأسها له.
…
“أنا مرهقة”، قالت كروش بهدوء. استدارت ببطء نحو الجدار. “أريد أن أرتاح قليلًا.”
“أعتقد أنّ لديكما بالفعل بعض العلم ببداية الحادث ونهايته.” استعادت نبرة الهدوء، ولم تعد تبدو كسَيّافةٍ فقدت كل أملٍ في إمساك سيفها. “ضابطٌ عسكريّ يُدعى هاديل، تسرّب إلى جيش إقليم الرمال السوداء، حاول اغتيال أميركما في الحصن باستخدام بنادق صوفية.”
تبادل كوهين وميراندا النظرات، ثم رمقا كروش بنظرة أخيرة، وغادرا تحت إشراف نظرة كاسلان.
“أظن أنّ هذا، بصورة أو بأخرى، هو ما أخذه حرس النصل الأبيض بعين الاعتبار.” تنهد كاسلان. “فتعلّم مهارات السيف في برج الإبادة أمر… لكن طبيعيًا، النساء غير ملائمات لساحة القتال.”
“كوهين.”
“كيف كانوا؟ وكم كان عددهم؟” تغيّر وجه كوهين، وتجاهل امتعاض ميراندا، واندفع يسأل، “أي نوع من قوة الإبادة كانوا يستخدمون؟ وكيف عرفتِ أنهم سيوف كارثة؟”
قبل أن يرحلوا، نادت كروش فجأة وأوقفت شرطي الكوكبة.
“نعم.” توقّف كاسلان لحظة، وقد أثار الحديث ذكرياتٍ بعيدة، ثم ابتسم، “دائمًا توجد نساء لا تجرؤ على إغضابهن طيلة حياتك.”
تجمّد كوهين وهو يلتفت إليها.
“وأنا أيضًا من أهل الشمال!” ردّت ميراندا ببرود يكسو ملامحها.
كانت قد أدارت رأسها ورفعت جفنيها. وفي عينيها مشاعر معقدة لا يمكن تفسيرها. “أنت…”
ثبتت ميراندا ملامحها، ولم تتفوّه بكلمة. كلّ ما فعلته أنها مدت يدها وأمسكت بيد كروش اليسرى بإحكام.
“كن حذرًا.”
ذكّرها هذا بأيامهم في برج الإبادة.
تجمّد كوهين لحظة، ثم سحبه كاسلان خارج الغرفة.
تنفّس كوهين بعمق وسار خطوة إلى الأمام، متجنبًا مدى ضربات ميراندا. “آرشيدوق مدينة الدفاع، أحد الآرشيدوقات في شمال إكستيدت؟ عائلة ليكو؟ إذن، هل كان الآرشيدوق خلف محاولة قتل أمير الكوكبة باستخدام البنادق الصوفية؟”
“لقد رأيت حالتها الآن… ولأكون صريحًا، مما لاحظته، لا أظن أنها مصابة إلى حدّ يعجزها عن استعمال سيفها. إنما هي عوائق في نفسها تمنعها من حمل السيف مجددًا”، قال كاسلان بهدوء.
“نحن على تواصل دائم…” نظر كاسلان حوله، ثم أطلق ضحكة ماكرة. “وفوق ذلك، فإنّ كثيرًا من جنودي القدامى من حرس النصل الأبيض استقروا في مدينة سحب التنين بعد تقاعدهم. وقد ساعدتهم حين بحثوا عن طرق للعيش…”
“عوائق نفسية؟” قبضت ميراندا حاجبيها وسألت.
وتبعها كوهين عن كثب.
“كروش هي ابنة أحد قدامى رجالي في حرس النصل الأبيض.” تابع كاسلان وهو يرافق الشابين خارج المنزل. رمق مدينة سحب التنين البعيدة وهزّ رأسه. “وأنتما تعرفانها من برج الإبادة، وتعلمون أن لديها طموحًا كبيرًا. أظن أن هذا أيضًا ممّا تغرسونه أنتم أبناء الكوكبة…”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“مهلًا!” احتج كوهين. “ماذا تعني بقولك إن هذا ممّا نغرسه نحن؟ كروش دائمًا كانت—”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لكن كاسلان تجاهله وتمتم حديثه.
“وبخلاف ذلك، فإن ما عليكما الحذر منه ليس مجرد السيف الظاهر على السطح.” ضيّق كاسلان عينيه. “فمن المحتمل أن يكون سيف الكارثة يعمل مع ذوي السلطة في إكستيدت—مع آرشيدوق مثلًا. وإن تعمّدوا التعاون معه لتنفيذ محاولة اغتيال أمير الكوكبة، فدوافعهم ليست بسيطة.”
“لقد كانت صلبة العزم منذ صغرها، وكانت تريد أن تصير فارسة أسطورية مثل ’قلب المطر’.”
“نحن على تواصل دائم…” نظر كاسلان حوله، ثم أطلق ضحكة ماكرة. “وفوق ذلك، فإنّ كثيرًا من جنودي القدامى من حرس النصل الأبيض استقروا في مدينة سحب التنين بعد تقاعدهم. وقد ساعدتهم حين بحثوا عن طرق للعيش…”
“قلب المطر لورين؟ سمعت أنها كانت رفيقة المعلّم تشاو وأسلافك، وكانت المرتزقة التي حملت الراية في حرب ميراث هانبول؟” سأل كوهين بفضول.
“كروش…” حاول كوهين قدر المستطاع أن يصرف بصره عن يدها اليمنى وافتعل ابتسامة. ثم قال بحذرٍ وبطء، “هل… أنتِ بخير؟”
“نعم.” توقّف كاسلان لحظة، وقد أثار الحديث ذكرياتٍ بعيدة، ثم ابتسم، “دائمًا توجد نساء لا تجرؤ على إغضابهن طيلة حياتك.”
“وأنا أيضًا من أهل الشمال!” ردّت ميراندا ببرود يكسو ملامحها.
ثم أطلق الشيخ، مزلزل الأرض، تنهيدة. “وبعد أن أنهت تدريبها في برج الإبادة، ازدادت طموحًا. وعندما عادت، رشّحت نفسها لتقييم حرس النصل الأبيض، معلنةً رغبتها في الانضمام…”
“لأنها امرأة.”
رفعت ميراندا رأسها ونظرتها متّقدة. “لكنها لم تنجح؟”
رفعت رأسها وأظهرت نظرة حازمة. “سيأتي اليوم الذي لا يكون فيه المحاربات، والسيّافات، بل والملكات قِلّة نادرة. سنُثبت للعالم أنّ ما يقدر عليه الرجال…”
رفع كاسلان حاجبه. “رفضها حرس النصل الأبيض، وقد كان ذلك صدمة كبيرة لها.”
“وهكذا، حملت كروش سيفها وطافت على كل ذا سيادة، لكنها قوبلت بالرفض في كل مكان. امرأة اجتازت تدريب برج الإبادة كاملًا، وسَيّافة من الفئة العليا… لم تستطع أن تنال منصبًا، ولا حتى من أحد الكونتات…”
أظهرت ميراندا حيرتها. “صدمة كبيرة؟ على حد علمي، إن حرس النصل الأبيض لديهم معايير عالية جدًّا في اختيارهم—”
“ماذا؟” اتسعت عينا كوهين. “بعد كل هذا… يا عم، أنت… أنت الوسيط لعصابة مدينة سحب التنين؟”
“الرفض نفسه لم يكن الصدمة الكبرى.” قاطعها كاسلان وأدار وجهه. “بل السبب خلف الرفض.”
رفع كوهين حاجبه وقد بدا عاجزًا، ثم لوّح بذراعيه لكاسلان بصمت من زاوية لا تراها ميراندا.
“السبب خلف الرفض؟” حدّقت ميراندا فيه.
“كان هناك عدد من النبلاء من طبقة الفيكونتات والبارونات ممن كانوا مستعدين لقبولها، لكن بشرطٍ واحد: أن تتزوجهم بعد انتهاء عقدها… ومن غير شك، إنما منحُوها ذلك المنصب لأن والدها كان في حرس النصل الأبيض.”
“ما هو؟”
لمعت عينا كوهين. “وجدتم ابنته؟ هل كان فيها شيء غير طبيعي؟”
أخذ كاسلان نفسًا، لكنه لم يُجب.
لم تتغيّر ملامح ميراندا وهي تركل كوهين بمرفقها حين كان يتهيأ للكلام وهو يحكّ رأسه. أطبقت الضربة على صوته قبل أن يخرج.
“أعرف.” كان كوهين أول من رد قبل أن تنطق ميراندا.
“أخبرت العم كاسلان بالتفاصيل عن ظهورهم.” عضّت كروش على أسنانها وهزّت رأسها وعيناها تحملان مرارة، “اذهبا وأتما مهمتكما، سواء كان ذلك لأجل برج الإبادة، أو لأجل أمير الكوكبة.”
تنهد الشرطي. “لأنها امرأة، أليس كذلك؟”
هزّت كروش رأسها. “الأمر ليس بهذه البساطة. بعد الحرب، جاء هاديل إلى إقليم الرمال السوداء وبقي هناك حتى اليوم. لم يتصل بأي شخص من مدينة الدفاع، لذا لا نستطيع الجزم.”
رمق كاسلان ميراندا بنظرة ذات مغزى وأومأ. “صحيح.”
“هاديل جاء من قريةٍ صغيرة في أقصى الشمال، أرضٌ تتبع للآرشيدوق ليكّو من مدينة الدفاع. قبل أحد عشر أو اثني عشر عامًا، شهد الحرب بين إكستيدت والكوكبة. ورغم نجاته من معركة الهجوم والدفاع، فقد يدًا ونصف وجهه تحت قصف البنادق الصوفية.”
“لأنها امرأة.”
حوّل كوهين نظره إلى يدها، فانقطع نَفَسُه على الفور.
قبضت ميراندا أسنانها لا إراديًا.
“ما يزال أمامه طريق طويل.”
قهقه كاسلان ساخرًا. “يقول الكثيرون إننا أهل الشمال أشدّاء، حتى إن النساء والأطفال يمكنهم حمل سلاحهم إذا استثارهم الغضب، لكن زوجتي تقول إن الكثير من أهل الشمال ما زالوا يرون أن أمور الأرض والسلطة والحرب ووراثة ألقاب النبلاء من شأن الرجال. وأن النساء عليهنّ البقاء في المنازل ينتظرن أزواجهن.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“وهكذا، حملت كروش سيفها وطافت على كل ذا سيادة، لكنها قوبلت بالرفض في كل مكان. امرأة اجتازت تدريب برج الإبادة كاملًا، وسَيّافة من الفئة العليا… لم تستطع أن تنال منصبًا، ولا حتى من أحد الكونتات…”
“كان هناك عدد من النبلاء من طبقة الفيكونتات والبارونات ممن كانوا مستعدين لقبولها، لكن بشرطٍ واحد: أن تتزوجهم بعد انتهاء عقدها… ومن غير شك، إنما منحُوها ذلك المنصب لأن والدها كان في حرس النصل الأبيض.”
“كان هناك عدد من النبلاء من طبقة الفيكونتات والبارونات ممن كانوا مستعدين لقبولها، لكن بشرطٍ واحد: أن تتزوجهم بعد انتهاء عقدها… ومن غير شك، إنما منحُوها ذلك المنصب لأن والدها كان في حرس النصل الأبيض.”
ظلّ كاسلان يراقب ظهرهما المبتعد، ثم نظر إلى مدينة سحب التنين البعيدة. ولمعت عيناه بذكريات قديمة.
كانت ميراندا تلامس مقبض سيفها القابع عند خصرها بخفة.
لم تستطع كروش أن تمنع نفسها من الضحك على هذا المشهد.
(مقارنةً بطريقي السلس في الكوكبة، برعاية والدي وحماية سونيا… أهذا ما واجهته كروش في الشمال وفي إكستيدت؟)
“لقد مرّت ثلاثُ سنواتٍ منذ آخر مرة رأيتُكما فيها، كوهين وعزيزتي ميراندا. هل أرسلكما البرج؟” في غرفةٍ مظلمة، كانت فتاةٌ قصيرة الشعر ممدَّدة على سريرٍ خشبي. كان اسمها كروش ميرك، وقد ارتسمت على محياها ابتسامةٌ مُتْعَبَةٌ ولكن هادئة. “إنه لعزاءٌ عظيم أن أراكما الآن.”
“وبحسب والدها… فكروش حتى فكرت في التوجّه جنوبًا إلى ثورنلاند أو حوض قبلة التنين، أو حتى إلى الصحراء الكبرى لتصير مرتزقة.”
(أيُّ مواساةٍ لا فائدة منها الآن)، خطرت الفكرة في ذهن ميراندا. (من الأفضل أن أدخل في صلب الموضوع بدلًا من التفكير في أمورٍ لا طائل منها.)
“لكنها في النهاية وصلت إلى إقليم الرمال السوداء. واستعانت باسم والدها لتذهب إلى ابن أخي عديم الفائدة. وهناك، حصلت على منصب تحت وصاية نائب يُدعى كينتفيدا.” تنهد كاسلان.
“أعتقد أنّ لديكما بالفعل بعض العلم ببداية الحادث ونهايته.” استعادت نبرة الهدوء، ولم تعد تبدو كسَيّافةٍ فقدت كل أملٍ في إمساك سيفها. “ضابطٌ عسكريّ يُدعى هاديل، تسرّب إلى جيش إقليم الرمال السوداء، حاول اغتيال أميركما في الحصن باستخدام بنادق صوفية.”
“كنتُ أظن أنّ هذا واحد من الأساليب التي استخدمها تشابمان لامبارد لاستمالتي… لكن بعدما رأيتُ حال كروش…”
قطع ذلك أيضًا النصف الثاني من عبارته في حلقه.
“وفوق ذلك، هذه المرة…”
هذه الفتاة من البرج، ذات النظرة الحازمة… هذه الفتاة التي كانت لا تكلّ ولا تتراجع في تدريبها…
هزّ كاسلان رأسه.
ثم أطلق الشيخ، مزلزل الأرض، تنهيدة. “وبعد أن أنهت تدريبها في برج الإبادة، ازدادت طموحًا. وعندما عادت، رشّحت نفسها لتقييم حرس النصل الأبيض، معلنةً رغبتها في الانضمام…”
“على أي حال، الآن تعلمين السبب يا ابنة آروند.” رفع العجوز بصره نحو ميراندا. “هيئتكِ في اللباس، بصراحة، فاضحة جدًا في الشمال.”
(مقارنةً بطريقي السلس في الكوكبة، برعاية والدي وحماية سونيا… أهذا ما واجهته كروش في الشمال وفي إكستيدت؟)
لم تنطق ميراندا بكلمة، وظلّت تحدّق في مدينة سحب التنين البعيدة.
“ولهذا، عندما تختار فرقة الصدمة جنودها، حتى أنا كنت عادةً أتجنب الجنديات.”
“حين كنت في الجبهة الغربية، كان هناك بعض الجنديات أيضًا، لأن النقص في الجنود كان يحدث أحيانًا.” قال كوهين ببطء.
تنهد كاسلان. “أما في الشمال… فقبول فارسةٍ، أو امرأة كسيادية، أو حتى ملكة…”
“ولأسباب شتى، مثل انعدام سبل العيش، كانت كثيرات من نساء ’فرقة الانتحاريين’ يُجندن في الجيش. الكثير منهنّ كنّ مرتزقات من دول الجنوب الغربي، لكنهن… لم يكنَّ مرحّبًا بهن عادة.”
“كانوا كثر، وقد غطّوا رؤوسهم ووجوههم. ثم إن الليل كان حالكًا، فلم أتبين هيئاتهم ولا ملامحهم بوضوح. أما قوة الإبادة لديهم… فكانت كما وصفها المعلّم تشارتييه.” أجابت كروش بصوت خافت، “باردةٌ لا ترحم. كانت قوة الإبادة تتدفق بعنفٍ لا ينقطع.”
كانت عينا كوهين تلمعان وهو يقول: “قوتهن البدنية واحتمالهن للوزن أقل من الرجال بطبيعتهم. فضلًا عن المتطلبات الخاصة لدرع الصدر من الجسدالصدر، وقامتهن القصيرة التي تضعهن في موقعٍ شديد الخطر عند مواجهة الأورك، لأن عليك أن تقفز عاليًا لتضرب أعضاءهم الحيوية.
رفعت ميراندا رأسها فجأة وزفرت بحدة. “أنتم الرجال لا ترون سوى مساوئ الجنديات، وتتعمدون غضّ الطرف عن مزاياهن.”
“وطبعًا، هناك الأمر الشهري… أنتما تعرفان.”
“ثم لا تنسوا الفالكيري الأسطورية—’قلب المطر’، الفارسة لورين قبل عشرين عامًا!”
خفض كوهين رأسه وقبض حاجبيه. “مكانتهن في المعسكر كانت متدنية جدًا. أحيانًا كنّ يُجبرن على… إرضاء الضباط وزملائهن.”
رفع كاسلان حاجبه. “رفضها حرس النصل الأبيض، وقد كان ذلك صدمة كبيرة لها.”
“وإن وقعن في يد العدو، وخصوصًا قوم العظام القاحلة… فكانت نهايتهنّ دائمًا أشدّ مأساوية مما يصيب الرجال.”
كانت قد أدارت رأسها ورفعت جفنيها. وفي عينيها مشاعر معقدة لا يمكن تفسيرها. “أنت…”
“ولهذا، عندما تختار فرقة الصدمة جنودها، حتى أنا كنت عادةً أتجنب الجنديات.”
“وأنا أيضًا امرأة.” قالت ميراندا ببرود. “وفي برج الإبادة، كنت أقوى منك، ومن رافاييل، ومن ميسادون، ومن كل أفراد الدفعات.”
ما تزال ميراندا صامتة.
(ذلك العام… دخلتُ مدينة سحب التنين من هنا.)
“أظن أنّ هذا، بصورة أو بأخرى، هو ما أخذه حرس النصل الأبيض بعين الاعتبار.” تنهد كاسلان. “فتعلّم مهارات السيف في برج الإبادة أمر… لكن طبيعيًا، النساء غير ملائمات لساحة القتال.”
هذه الفتاة من البرج، ذات النظرة الحازمة… هذه الفتاة التي كانت لا تكلّ ولا تتراجع في تدريبها…
“ذرائع.”
مقارنةً بكروش ميرك المفعمة بالحيوية قبل ثلاث سنوات حين افترقوا في برج الإبادة، لم تصبح أنحف بكثير فحسب، بل غلب عليها الكآبة كذلك. كانت عزيمتها منقوشةً كختمٍ على وجهها المستدير، ولا أحد يعلم متى تحوّل ذلك النقش إلى مرارةٍ وخيبة.
رفعت ميراندا رأسها فجأة وزفرت بحدة. “أنتم الرجال لا ترون سوى مساوئ الجنديات، وتتعمدون غضّ الطرف عن مزاياهن.”
إلى الجانب، تنحنح كاسلان بقصد.
“مزايا؟” قبض كاسلان حاجبيه.
“كيف كانوا؟ وكم كان عددهم؟” تغيّر وجه كوهين، وتجاهل امتعاض ميراندا، واندفع يسأل، “أي نوع من قوة الإبادة كانوا يستخدمون؟ وكيف عرفتِ أنهم سيوف كارثة؟”
رفع كوهين حاجبه وقد بدا عاجزًا، ثم لوّح بذراعيه لكاسلان بصمت من زاوية لا تراها ميراندا.
“بالنسبة لـ… آه!”
“استهلاك طاقة أقل من الرجال؛ صبر يفوق صبرهم بكثير؛ خفة، وليونة، وقوة تتجاوز ما تتخيلونه؛ قوة ملاحظة دقيقة وحادة؛ قدرة على الثبات عند احتدام الموقف… كل هذه مزايا تمتلكها النساء.” قالت ميراندا محتدة، “وحتى لو أردنا مقارنة القوة والطول، فخذ ’غضب المملكة’ مثالًا. لقد رأيتُ بعينيّ أنّ طوله وقوته لا يقارنان بالسيدة سونيا! فضلًا عن أننا نملك قوة الإبادة!
“طالما لا تصادمان سيّافًا من الفئة الفائقة… فأنا واثق من قوتكما.”
“وأنا أيضًا امرأة.” قالت ميراندا ببرود. “وفي برج الإبادة، كنت أقوى منك، ومن رافاييل، ومن ميسادون، ومن كل أفراد الدفعات.”
لقد رأى جنودًا كثيرين يواجهون المصير ذاته.
“ثم لا تنسوا الفالكيري الأسطورية—’قلب المطر’، الفارسة لورين قبل عشرين عامًا!”
“لقد كانت صلبة العزم منذ صغرها، وكانت تريد أن تصير فارسة أسطورية مثل ’قلب المطر’.”
[م.م: عالمطبخ يا ولية]
“البحث عن طرق للعيش؟ مساعدتكَ لهم؟” ازداد ارتباك كوهين.
سعل كوهين سعالًا محرجًا.
“أنا الوحيدة التي نجت وعادت حيّة.”
“انظري، العم قال سابقًا إن ساحة القتال مسألة أخرى… لا يمكنك أخذ بعض الاستثناءات للمقارنة.” رفع الشرطي يده باستسلام. “’قلب المطر’ حالة فريدة. والسيدة سونيا كذلك، فهي شخصية أسطورية تحت يد دوق بحيرة النجم. وأنتِ يا ميراندا ابنة عائلة آروند. منذ ولادتك، دُربتِ لتكوني محاربة ونبيلة وقائدة—”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وما إن أنهى كوهين كلامه حتى وجّهت ميراندا نحوه نظرة قاتلة، شعر أن بردوتها تخترق قلبه.
“كيف كانوا؟ وكم كان عددهم؟” تغيّر وجه كوهين، وتجاهل امتعاض ميراندا، واندفع يسأل، “أي نوع من قوة الإبادة كانوا يستخدمون؟ وكيف عرفتِ أنهم سيوف كارثة؟”
قطع ذلك أيضًا النصف الثاني من عبارته في حلقه.
Arisu-san
“أرى أنّ الصحراء الغربية والشمال حالتان فريدتان نسبيًا.” أطلق كاسلان ضحكة قصيرة. “فالصحراء الغربية على الجبهات منذ سنين، تعيش في دوامة من الفوضى والاضطراب بلا انقطاع. أما نظرة الشماليين للنساء… فهي قديمةٌ ضاربة في الجذور.”
وما إن أنهى كوهين كلامه حتى وجّهت ميراندا نحوه نظرة قاتلة، شعر أن بردوتها تخترق قلبه.
“وأنا أيضًا من أهل الشمال!” ردّت ميراندا ببرود يكسو ملامحها.
“وبحسب والدها… فكروش حتى فكرت في التوجّه جنوبًا إلى ثورنلاند أو حوض قبلة التنين، أو حتى إلى الصحراء الكبرى لتصير مرتزقة.”
قادهم العجوز كاسلان نحو الإسطبل، فانحنى أمامه اثنان يبدوان كجنديين.
ثم، كما فعلت مرارًا في الماضي، داسَت بقوةٍ على قدم كوهين البريء دون أن يطرف لها رمش.
“أنتِ من أهل الشمال في الكوكبة، وأنتِ أيضًا من آل آروند. عائلتكِ تسمح للنساء بوراثة لقب الدوق. وأذكر أنّ لكم ملكة قبل بضع مئات من السنين.”
لم تتغيّر ملامح ميراندا وهي تركل كوهين بمرفقها حين كان يتهيأ للكلام وهو يحكّ رأسه. أطبقت الضربة على صوته قبل أن يخرج.
تنهد كاسلان. “أما في الشمال… فقبول فارسةٍ، أو امرأة كسيادية، أو حتى ملكة…”
“قلب المطر لورين؟ سمعت أنها كانت رفيقة المعلّم تشاو وأسلافك، وكانت المرتزقة التي حملت الراية في حرب ميراث هانبول؟” سأل كوهين بفضول.
“ما يزال أمامه طريق طويل.”
(ميراندا… كيف استطاع رافاييل أن يحبها؟)
(لا. حتى في الكوكبة، لا تزال المرأة ذات السلطة محل ازدراء.) قالت ميراندا في سرّها. (وملكة الكوكبة قبل قرون لم تكن نهايتها حميدة.)
“أخبرت العم كاسلان بالتفاصيل عن ظهورهم.” عضّت كروش على أسنانها وهزّت رأسها وعيناها تحملان مرارة، “اذهبا وأتما مهمتكما، سواء كان ذلك لأجل برج الإبادة، أو لأجل أمير الكوكبة.”
رفعت رأسها وأظهرت نظرة حازمة. “سيأتي اليوم الذي لا يكون فيه المحاربات، والسيّافات، بل والملكات قِلّة نادرة. سنُثبت للعالم أنّ ما يقدر عليه الرجال…”
“على أي حال، الآن تعلمين السبب يا ابنة آروند.” رفع العجوز بصره نحو ميراندا. “هيئتكِ في اللباس، بصراحة، فاضحة جدًا في الشمال.”
“تقدر عليه النساء كذلك.”
“ثم لا تنسوا الفالكيري الأسطورية—’قلب المطر’، الفارسة لورين قبل عشرين عامًا!”
[اوك عالمطبخ يا ولية]
عقد كاسلان ذراعيه ونظر إلى ميراندا بإعجاب. (يا لها من فتاةٍ حسّاسة. نجحت دون أن تشعر في التخفيف عن كروش. هذه الفتاة من عائلة آروند لا ينقصها سوى أن تبتسم أكثر.)
هزّ كاسلان كتفيه ودخل الإسطبل.
هزّ كاسلان كتفيه ودخل الإسطبل.
أخرج كوهين لسانه وتنهد في عجز وهو يتذكر شقيقتيه الصغيرتين الشرسَتين في بيته.
أظهرت ميراندا حيرتها. “صدمة كبيرة؟ على حد علمي، إن حرس النصل الأبيض لديهم معايير عالية جدًّا في اختيارهم—”
(ميراندا… كيف استطاع رافاييل أن يحبها؟)
“لقد كانت صلبة العزم منذ صغرها، وكانت تريد أن تصير فارسة أسطورية مثل ’قلب المطر’.”
ازداد ثقل صدره ما إن خطر بباله رافاييل، ووضعه الحالي، وقوة الإبادة في داخله.
“حين لم يكن بعضهم بخير بعد التقاعد، رتبتُ لهم… بعض الأعمال.” سعل كاسلان بنبرة غير طبيعية. “أنت تعرف، هناك دائمًا أعمال تحتاج لمن يجيد القتال…”
“من أجل مرافقة الأمير، فإنّ جيش إقليم الرمال السوداء يقيم الآن في قرية قرب مدينة سحب التنين، وسيعيدون كروش معهم.” جرّ كاسلان جوادين ونظر إلى الشاب النبيل السيّاف وإلى السيّافة النبيلة. “سأُسلّمكما المهمة التالية.”
تنفّس كوهين بعمق وسار خطوة إلى الأمام، متجنبًا مدى ضربات ميراندا. “آرشيدوق مدينة الدفاع، أحد الآرشيدوقات في شمال إكستيدت؟ عائلة ليكو؟ إذن، هل كان الآرشيدوق خلف محاولة قتل أمير الكوكبة باستخدام البنادق الصوفية؟”
“ألست آتيًا معنا؟” رفع كوهين حاجبه.
قبضت ميراندا أسنانها لا إراديًا.
“ظهوري هناك ليس فكرة صائبة.” غامت ملامح كاسلان. “سيسبب الكثير من اللغط.”
ناول العجوز اللجامين لكوهين وميراندا. “لحسن الحظ ما زلت أعرف بعض رجال مدينة سحب التنين. لدي أصدقاء قدامى هناك، ويمكنهم تزويدكما بالمعلومات. أما التحقيق والتعرّف على سيوف الكارثة من بين سيوف الإبادة، فلا أحد أكفأ منكما. أنتما بذور هذه الدفعة من برج الإبادة—سواء في مهارات المراقبة التي ولدتما بها كأبناء نبلاء، أو قدراتكما القتالية من الفئة العليا الملائمة للمعركة، أو قدرتكما على التعامل مع سيوف الكارثة.”
ناول العجوز اللجامين لكوهين وميراندا. “لحسن الحظ ما زلت أعرف بعض رجال مدينة سحب التنين. لدي أصدقاء قدامى هناك، ويمكنهم تزويدكما بالمعلومات. أما التحقيق والتعرّف على سيوف الكارثة من بين سيوف الإبادة، فلا أحد أكفأ منكما. أنتما بذور هذه الدفعة من برج الإبادة—سواء في مهارات المراقبة التي ولدتما بها كأبناء نبلاء، أو قدراتكما القتالية من الفئة العليا الملائمة للمعركة، أو قدرتكما على التعامل مع سيوف الكارثة.”
“لكنها في النهاية وصلت إلى إقليم الرمال السوداء. واستعانت باسم والدها لتذهب إلى ابن أخي عديم الفائدة. وهناك، حصلت على منصب تحت وصاية نائب يُدعى كينتفيدا.” تنهد كاسلان.
“تعرف بعض الأشخاص في مدينة سحب التنين؟” نظر إليه كوهين بريبة. “يا عم، أليس أنك فتحت حانة في إقليم الرمال السوداء لعشرين سنة؟”
حوّل كوهين نظره إلى يدها، فانقطع نَفَسُه على الفور.
“آه، ذاك.” حكّ كاسلان شعره الرمادي بإحراج. “على أي حال، عشتُ في مدينة سحب التنين سنين طويلة من قبل.”
“شكرًا لك، يا عمّ كاسلان.” شكرت الفتاة قصيرة الشعر كاسلان الذي كان بجوارها، دون أي أثرٍ للعاطفة في وجهها.
“وهل يمكن الثقة بأناس منذ عشرين سنة؟” قبض كوهين حاجبيه.
“وهكذا، حملت كروش سيفها وطافت على كل ذا سيادة، لكنها قوبلت بالرفض في كل مكان. امرأة اجتازت تدريب برج الإبادة كاملًا، وسَيّافة من الفئة العليا… لم تستطع أن تنال منصبًا، ولا حتى من أحد الكونتات…”
“نحن على تواصل دائم…” نظر كاسلان حوله، ثم أطلق ضحكة ماكرة. “وفوق ذلك، فإنّ كثيرًا من جنودي القدامى من حرس النصل الأبيض استقروا في مدينة سحب التنين بعد تقاعدهم. وقد ساعدتهم حين بحثوا عن طرق للعيش…”
“تقدر عليه النساء كذلك.”
“البحث عن طرق للعيش؟ مساعدتكَ لهم؟” ازداد ارتباك كوهين.
تجمّد كوهين لحظة، ثم سحبه كاسلان خارج الغرفة.
“حين لم يكن بعضهم بخير بعد التقاعد، رتبتُ لهم… بعض الأعمال.” سعل كاسلان بنبرة غير طبيعية. “أنت تعرف، هناك دائمًا أعمال تحتاج لمن يجيد القتال…”
“شهدتُ ذلك في حصن التنين المحطّم، لكنني لم أر المشهد بوضوح. ظننته مجرد تجربة إطلاق.” ردّت ميراندا بهدوء.
“قل إنك أدخلتهم العصابة فحسب.” قالت ميراندا باستياء. “ذلك أسهل للفهم.”
“وفوق ذلك، هذه المرة…”
سعل كاسلان بصوتٍ عالٍ ليغطي كلامها. “هذه السنوات العشر، عصابتكم تلك في الكوكبة—تلك… الأخوية—أحدثت ضجّة كبيرة. حتى أنهم وسّعوا أعمالهم إلى مدينة سحب التنين. وكان بعض أصدقائي القدامى يعانون من نقص الرجال، وطلبوا مني ترشيح بعض الأشخاص، فــ—”
“انظري، العم قال سابقًا إن ساحة القتال مسألة أخرى… لا يمكنك أخذ بعض الاستثناءات للمقارنة.” رفع الشرطي يده باستسلام. “’قلب المطر’ حالة فريدة. والسيدة سونيا كذلك، فهي شخصية أسطورية تحت يد دوق بحيرة النجم. وأنتِ يا ميراندا ابنة عائلة آروند. منذ ولادتك، دُربتِ لتكوني محاربة ونبيلة وقائدة—”
“ماذا؟” اتسعت عينا كوهين. “بعد كل هذا… يا عم، أنت… أنت الوسيط لعصابة مدينة سحب التنين؟”
“وإن وقعن في يد العدو، وخصوصًا قوم العظام القاحلة… فكانت نهايتهنّ دائمًا أشدّ مأساوية مما يصيب الرجال.”
ازداد سُعاله حدةً وعلوًا. وتحت نظرات الشابين المشككة، رفع رأسه بثقة مصطنعة وربّت على كتفيهما. “بالمختصر، سواء كانت مهمة برج الإبادة، أو لإعطاء كروش جوابًا، أو لكشف حقيقة محاولة اغتيال أمير الكوكبة، فسأترك المهمة في عهدتكما!”
رفع كوهين حاجبه وقد بدا عاجزًا، ثم لوّح بذراعيه لكاسلان بصمت من زاوية لا تراها ميراندا.
أحدهما أظهر احتقارًا، والآخر هز رأسه وهو ينقر بلسانه.
أخذت كروش نفسًا.
“تذكّرا، مهمتكما التحقيق فقط. لا تُضحّيا بنفسيكما من أجل أخبار غير مؤكدة.” قبل رحيلهما، أصبح كاسلان جديًا. “لكن كلاكما قادر على مواجهة سيوف الكارثة، بل والنجاة منهم.”
لم تتغيّر ملامح ميراندا وهي تركل كوهين بمرفقها حين كان يتهيأ للكلام وهو يحكّ رأسه. أطبقت الضربة على صوته قبل أن يخرج.
“طالما لا تصادمان سيّافًا من الفئة الفائقة… فأنا واثق من قوتكما.”
“أخبرت العم كاسلان بالتفاصيل عن ظهورهم.” عضّت كروش على أسنانها وهزّت رأسها وعيناها تحملان مرارة، “اذهبا وأتما مهمتكما، سواء كان ذلك لأجل برج الإبادة، أو لأجل أمير الكوكبة.”
تبادل الاثنان النظرات، ثم أومآ برصانة.
ما تزال ميراندا صامتة.
“رجالي سيساعدونكما… لكن إن تفاقم الأمر، تذكّرا التخفي… فرغم أنّ أميركما جاء إلى إكستيدت في بعثة دبلوماسية وخفف التوتر بين البلدين، فأنتم من أبناء الكوكبة، بل من عائلات نبيلة. وليس من الحكمة كشف هوياتكم فجأة هناك.”
كان كوهين لا يزال يريد سؤالها، لكن ميراندا أمسكت ذراعه وهزّت رأسها له.
“وبخلاف ذلك، فإن ما عليكما الحذر منه ليس مجرد السيف الظاهر على السطح.” ضيّق كاسلان عينيه. “فمن المحتمل أن يكون سيف الكارثة يعمل مع ذوي السلطة في إكستيدت—مع آرشيدوق مثلًا. وإن تعمّدوا التعاون معه لتنفيذ محاولة اغتيال أمير الكوكبة، فدوافعهم ليست بسيطة.”
كما كان متوقَّعًا، تقدّمت ميراندا إلى الأمام ورفعت عينيها باستهزاء نحو كوهين.
“فهمت.” شهق كوهين وصعد صهوة جواده. “سنبحث عن المعلومات الداخلية والحقيقة، سواء كانت محاولة اغتيال الأمير، أو الإضرار ببرج الإبادة.”
“ظهوري هناك ليس فكرة صائبة.” غامت ملامح كاسلان. “سيسبب الكثير من اللغط.”
لم تُطِل ميراندا الحديث. اكتفت بإيماءة خفيفة، وانطلقت بجوادها.
“على أي حال، الآن تعلمين السبب يا ابنة آروند.” رفع العجوز بصره نحو ميراندا. “هيئتكِ في اللباس، بصراحة، فاضحة جدًا في الشمال.”
وتبعها كوهين عن كثب.
كانت ميراندا تلامس مقبض سيفها القابع عند خصرها بخفة.
ظلّ كاسلان يراقب ظهرهما المبتعد، ثم نظر إلى مدينة سحب التنين البعيدة. ولمعت عيناه بذكريات قديمة.
خفضت كروش جفنيها وأومأت.
(ذلك العام… دخلتُ مدينة سحب التنين من هنا.)
ثم أطلق الشيخ، مزلزل الأرض، تنهيدة. “وبعد أن أنهت تدريبها في برج الإبادة، ازدادت طموحًا. وعندما عادت، رشّحت نفسها لتقييم حرس النصل الأبيض، معلنةً رغبتها في الانضمام…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“وبحسب والدها… فكروش حتى فكرت في التوجّه جنوبًا إلى ثورنلاند أو حوض قبلة التنين، أو حتى إلى الصحراء الكبرى لتصير مرتزقة.”
