قصر الروح البطولية
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الأحمر والأسود، مع تساقط الثلج الطبيعي. في تلك اللحظة، أحسّ تاليس ألا قصر أليق بعودة الأرواح البطولية من هذا المكان.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“أظنّ أن الدفعة الأولى ممّن بنوا هذه المدينة إنما شيّدوها لأغراض عسكرية محضة. لكن لم يتوقع أحد أنّها ستصبح يومًا عاصمةَ إكستيدت.” ألقى تاليس نظرة على المارّة الذين يعبرون أو يتوقفون. “ألا يشعر من يعيش هنا بالإرهاق؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وثبتت عينا تاليس عليه.
Arisu-san
“أشكرك على حسن الاستقبال، يا لورد ميرك.” أومأ تاليس، مؤكّدًا في سرّه حكمه الأولي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ولم يلحظ إلا حينها تمثالًا ضخمًا منصوبًا عند نقطة بدء ذلك الجسر الحجري. ولعلّ زاوية رؤيته سابقًا جعلته غير واضح من بعيد.
الفصل 126: قصر الروح البطولية
وجعل هذا الأمير يدرك أن شراكتهما الصيّادية مع نوڤين قد بدأت بالفعل.
…
ابتسم تاليس. “بالطبع، أشكر الملك نوڤين على ضيافته.”
ما إن خطا تاليس إلى داخل مدينة سحب التنين، حتى لم تكن الطرز المعمارية الخشنة الجريئة الفخمة هي أول ما استحوذ على انتباهه.
تجمّد تاليس لوهلة، ثم رفع رأسه ببطء.
على النقيض من مباني مدينة النجم الأبدي، المشيَّدة اعتمادًا على أحياء المدينة واسوارها، كانت هذه المدينة مبنيةً فوق منحدر لطيف عند قمة الجبل؛ صيغ مخطَّطها تبعًا لطبوغرافية الجبل، ممتدًّا صعودًا في هيئة تبدو طبيعيةً سلسة.
لقد شارف الأمر على البدء.
كانت التجربة شبيهة بما اختبره تاليس في معسكر لامبارد العسكري. وما ترك في نفسه أثرًا آخر قويًّا هو الإكستيدتيون الذين احتشدوا عند بوابة المدينة لمشاهدة أمير الكوكبة؛ كأنهم أتوا يشهدون أمرًا مسلّيًا.
“أشكرك على حسن الاستقبال، يا لورد ميرك.” أومأ تاليس، مؤكّدًا في سرّه حكمه الأولي.
“أميرٌ ينتمي لرعايا الإمبراطورية!” هتف صوتٌ أجشّ من بين الحشد، فاشتعلت فورًا ردودٌ صاخبة مضطربة.
(قصر الروح البطولية؟ هل معنى اسمه… لائق حقًا لسيدٍ حيّ أن يقيم فيه؟)
وبحسب بيوتراي، كان المكان ينبغي أن يغصّ بعامّة الناس المشغولين بالاستعداد لعبور الشتاء؛ يدخلون المدينة ليقايضوا ويبيعوا ويشتروا ما يلزمهم في آخر فرصة قبل البرد.
(أما الأسياد والآرشيدوقات والملك الذين يقيمون هنا…)
لكنّه وصل في هذا التوقيت بالذات.
قمع الشكوك التي اضطربت في داخله، وبذل جهدًا ليركّز على الأمر الراهن.
فلم يملك تاليس إلا أن يُطأطئ رأسه ويتنهّد.
ولم يكن أمامهم بدٌّ من تسلّق المنحدر طوال المسير داخل المدينة، متجاوزين طبقات من الحواجز المتمثلة في بوابات المدينة الداخلية المتينة. كان بين كل حي وبوابة داخلية، وبالمجموع سبعٌ أو ثمانٍ من هذه البوابات.
لقد مرّ زمن طويل منذ كان “محبوبًا” إلى هذا الحد.
وبمساعدة وايا، ترجل عن جواده، وطأ بلاط الشمال الأسود الخشن الصلب، ثم رفع رأسه ببطء.
ومع أن موقف العامة كان أفضل بكثير من موقف الجنود، وأن الإكستيدتيون لم يكونوا يغمرونهم بالكراهية مثلما يفعل أهل إقليم الرمال السوداء، فكان جليًّا أنّ خبر تعرّض وريث مدينة سحب التنين لمحاولة اغتيال في الكوكبة قد انتشر منذ مدّة.
(رايكارو إكستيدت؟)
وهو ما جعل تاليس ورفاقه يختبرون التجربة ذاتها مجددًا: من الثرثرة إلى السِّباب وحتى رشقهم بالقاذورات—كان الإكستيدتيون أكثر “حماسة” من أهل الكوكبة.
“وعليه… يرجى حضور الاجتماع بمفردك، يا أمير الكوكبة.”
“إن كان ذاك الملك يملك الجرأة، فليمتنع عن إرسال…” ارتفع صياحٌ غاضب متوتّر من بين الزحام. لم يستطع تاليس رؤية صاحب الصوت بوضوح، إذ سارع المرافقون إلى إبعاده قبل أن يسمع الأمير الشطر الثاني من الشتيمة.
لكنّه التقط خافتًا عبارةً تقول: “ليأتِ ذاك الجبان بنفسه”، مصحوبةً بموجة من التأييد والاعتراض خلفه.
لكنّه التقط خافتًا عبارةً تقول: “ليأتِ ذاك الجبان بنفسه”، مصحوبةً بموجة من التأييد والاعتراض خلفه.
استعاد تاليس تعاليم غيلبرت ونصائح بيوتراي في رحلتهما إلى هنا، فردّ التحية على الفور بابتسامة.
“حافظوا على النظام وابعدوا الحشود! يجب أن نصل إلى قصر الروح البطولية بأسرع ما يمكن!” صرخ نيكولاس بزجر في جنوده وأتباعه. “تعلمون ما تفعلونه بمن يتعمد الاصطدام بنا!”
“إذًا، الأراضي الأعلى في المدينة الداخلية لا يسكنها إلا ذوو النفوذ؟ أليس كذلك؟” تنهد تاليس. “حقًا… تمايز الطبقات الاجتماعية هنا بالغ الوضوح، سهل الفهم للغاية.”
ولحسن الحظ، كان وجود حرّاس النصل الأبيض وجنود مدينة سحب التنين كافيًا لحبس الجموع. وإلا لكان أمير الكوكبة سيضطر إلى شقّ طريقه إلى داخل المدينة بمظهرٍ مُهين.
“ألم تكونوا… معزولين بلا سند؟”
وإن لم يكن الفارق كبيرًا على أي حال.
(لقد بدأ الأمر.)
“تلك الوجوه الساخطة…” نظر تاليس إلى وايا ورالف، المستنفرَين كأنهما يواجهان عدوًا عظيمًا، وتنهد بعجز فوق صهوة جواده. “كأنني أنا من قتلتُ أميرهم.”
“إن كان ذاك الملك يملك الجرأة، فليمتنع عن إرسال…” ارتفع صياحٌ غاضب متوتّر من بين الزحام. لم يستطع تاليس رؤية صاحب الصوت بوضوح، إذ سارع المرافقون إلى إبعاده قبل أن يسمع الأمير الشطر الثاني من الشتيمة.
“ضع نفسك مكانهم لوهلة،” صاح بيوتراي وسط الصخب، “إن متَّ اليوم في الشمال، ثم في اليوم التالي أرسلت إكستيدت شخصًا يعتذر في مدينة النجم الأبدي… أظنّ أنني سأبدو بالضبط بذلك الوجه الساخط.”
ازداد شحوب بشرة قاتل النجوم. “كما قلتَ من قبل، ليس لديكم خيارات عديدة. أليس كذلك، أيها الأمير الشاب؟”
أدار تاليس عينيه نحو بيوتراي، لكن الأخير لم يُعر اهتمامًا لنبوءته السوداء حول الأمير.
“حسنًا، لا أطيق الانتظار لرؤية الملك نوڤين.”
“شكرًا لك على كلماتك المبروكة، يا نائب الدبلوماسي.” ردّ تاليس بمرارة. “إذا خسرت منصبك يومًا، أنصحك بأن تجرب حظك في الصحراء الغربية. أعتقد أن الدوق فاكينهاز سينسجم معك جيدًا.”
ذلك هو طراز الشمال—قويّ، عارم، جريء، متمرّد.
“أهو ذلك السيد صاحب جمجمة الأربع عيون، وصاحب الشعبية المنعدمة، حامي الصحراء الغربية؟” هزّ بيوتراي كتفيه ساخرًا. “شكرًا على الترشيح.”
(نوڤين، الملك الذي يشاع عنه أنه “قاسٍ”، أليس كذلك؟)
لم يجد تاليس إلا أن يزفر بسخرية جوابًا.
وجعل هذا الأمير يدرك أن شراكتهما الصيّادية مع نوڤين قد بدأت بالفعل.
لكن الاثنين كانا يعلمان أن الامتحان الحقيقي ليس هنا، ولا بين هؤلاء البسطاء.
“هو ما يجعلك قلقًا؟”
“هل أنت مستعد، يا مواطن الإمبراطورية؟” دوّى صوت نيكولاس من الأمام، ملوّثًا بالازدراء. “سيكون هذا مُنهِكًا.”
ورغم أنهم توصّلوا إلى اتفاق أولي مع الملك نوڤين…
“ماذا؟” حدّق تاليس فيه متفاجئًا.
“رجاءً صدّقني. هذا ضروري.” حدّق ميرك في تاليس بنظرة متقدة. “ثم، وبصراحة…”
وعرف السبب فورًا.
“وفوق ذلك، يملك النبلاء ذريعةً أو سببًا يختبئون به داخل المدينة ويتوارون.” خطت آيدا فوق البلاط الحجري بقوامها الرشيق اللدن، لكنها لم تمنع نفسها من إطلاق نفخةٍ خفيفة مستاءة. “إنهم يتركون شعبهم خارج الأسوار يتحمّل العناء.”
إذ كانت مدينة سحب التنين مبنيةً وفق تضاريس الجبل ومنحدره، متدرجةً طبقة فوق طبقة، صاعدةً في مسار حلزوني.
وفي تلك اللحظة بالذات، انصرف بصر تاليس فجأة نحو شيء في أعلى القصر، فلم يستطع إلا أن يرفع رأسه.
ولم يكن أمامهم بدٌّ من تسلّق المنحدر طوال المسير داخل المدينة، متجاوزين طبقات من الحواجز المتمثلة في بوابات المدينة الداخلية المتينة. كان بين كل حي وبوابة داخلية، وبالمجموع سبعٌ أو ثمانٍ من هذه البوابات.
كان رجل بارد الملامح، مفتول العضلات، حليق الرأس، يضم شفتيه وهو يحدّق في تاليس ويضيّق عينيه يفحصه لبضع ثوانٍ.
“لقد سمعتُ عن مخطّط مدينة سحب التنين من قبل.” قال وايا وهو يضغط على أسنانه مراقبًا ما حوله بتوتر. “يُقال إن هذه البنية الداخلية أكثر فعالية في حماية المدينة. حتى لو اخترق العدو باب المدينة الرئيسي، يستطيع الرماة فوق الأسوار والبوابات أن يستديروا ويُنفذوا هجمات متدرجة على كل من يقتحم عمق المدينة. كذلك يمكن للمحاربين صدّ مدّ الهجمات خلف البوابات الداخلية.
“إذن، فهذه المدينة ليست أدنى شأنًا من حصن التنين المحطم.” تمتم تاليس بامتعاض وهو ينظر إلى حصانه الذي جلس يلهث من الإرهاق. وكان ضجيج المتفرجين خلف خط الحرس يزيد ضيقه. “حتى سكان المدينة أنفسهم مضطرون لتسلق هذا المنحدر حين يخرجون للنزهة، فكيف بالعدو الذي يهجم على المدينة؟”
“وبحكم المنحدر، لا خيار أمام المهاجمين إلا خوض قتال من موقع أدنى، وهذا يضعهم في موقف شديد الوهن.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أجرؤ على القول إن هذا التخطيط كان له الفضل الأكبر في صمودهم خلال الحرب القارية الثالثة حين واجهوا حصار جيش شبه الجزيرة الشرقية.”
“لقد سمعتُ عن مخطّط مدينة سحب التنين من قبل.” قال وايا وهو يضغط على أسنانه مراقبًا ما حوله بتوتر. “يُقال إن هذه البنية الداخلية أكثر فعالية في حماية المدينة. حتى لو اخترق العدو باب المدينة الرئيسي، يستطيع الرماة فوق الأسوار والبوابات أن يستديروا ويُنفذوا هجمات متدرجة على كل من يقتحم عمق المدينة. كذلك يمكن للمحاربين صدّ مدّ الهجمات خلف البوابات الداخلية.
“إذن، فهذه المدينة ليست أدنى شأنًا من حصن التنين المحطم.” تمتم تاليس بامتعاض وهو ينظر إلى حصانه الذي جلس يلهث من الإرهاق. وكان ضجيج المتفرجين خلف خط الحرس يزيد ضيقه. “حتى سكان المدينة أنفسهم مضطرون لتسلق هذا المنحدر حين يخرجون للنزهة، فكيف بالعدو الذي يهجم على المدينة؟”
“أميرٌ ينتمي لرعايا الإمبراطورية!” هتف صوتٌ أجشّ من بين الحشد، فاشتعلت فورًا ردودٌ صاخبة مضطربة.
“وفوق ذلك، يملك النبلاء ذريعةً أو سببًا يختبئون به داخل المدينة ويتوارون.” خطت آيدا فوق البلاط الحجري بقوامها الرشيق اللدن، لكنها لم تمنع نفسها من إطلاق نفخةٍ خفيفة مستاءة. “إنهم يتركون شعبهم خارج الأسوار يتحمّل العناء.”
“وعليه… يرجى حضور الاجتماع بمفردك، يا أمير الكوكبة.”
“أظنّ أن الدفعة الأولى ممّن بنوا هذه المدينة إنما شيّدوها لأغراض عسكرية محضة. لكن لم يتوقع أحد أنّها ستصبح يومًا عاصمةَ إكستيدت.” ألقى تاليس نظرة على المارّة الذين يعبرون أو يتوقفون. “ألا يشعر من يعيش هنا بالإرهاق؟”
“أفهم واجبك…” قال ميرك بلا تعبير، “لكن لهذه الدعوة حدًا.”
“إلى حدٍّ ما، هذه المدينة تنفّر التجار بطبيعتها. فهذا النوع من التخطيط لا يناسب الباعة ولا فتح المتاجر، سواء من ناحية نقل السلع أو توسيع الأعمال. هل تتخيل كلفة نقل حمولة من الحطب إلى قلب المدينة الداخلي؟ إنها تساوي نقل ثلاثة أحمال إلى أي مكانٍ آخر.” بدا مركيز اتحاد كاموس، شيليس، معتادًا على هذا الطريق، لكنه هزّ رأسه مع ذلك وقد خيّم عليه العجز عن وصف الأمر. “وطبعًا، حينها تدخّلنا نحن الكاموسيين.”
“وأمّا الاسم… فلا أحد يعرف كذلك.”
“إذًا، الأراضي الأعلى في المدينة الداخلية لا يسكنها إلا ذوو النفوذ؟ أليس كذلك؟” تنهد تاليس. “حقًا… تمايز الطبقات الاجتماعية هنا بالغ الوضوح، سهل الفهم للغاية.”
“اسمح لي أن أودّعك هنا، يا صاحب السمو الأمير تاليس.” قبل أن يتسنى له تأمل القصر جيّدًا، تقدم مركيز اتحاد كاموس شيليس، وانحنى بخشوع وهو يهمس: “ينبغي أن تُعِدّ نفسك ذهنيًا.”
وبمساعدة بيوتراي في الشرح (“مقارنةً ببضع سنوات مضت، لا أظن أن تغييرات كبيرة طرأت. في الواقع، أشك أن مدينة سحب التنين لم تتغيّر كثيرًا طوال المئة عام الماضية.” قال بيوتراي.) مرّوا في رحلتهم على أحياء تختلف اختلافًا تامًا: حيّ الدرع، الذي يبدو كالأكواخ الفقيرة؛ حيّ المطرقة، حيث يقطن العامة؛ حيّ السيف، حيث السوق والساحة؛ حيّ القوس، الذي تبدو مبانيه شتّى؛ حيّ السهم، الذي تتجمّع فيه المعابد ودور العبادة؛ حيّ الرمح، وفيه الدوائر كالمحكمة والسجن؛ حيّ الدروع، حيث تتقارب الورش والدكاكين؛ وأخيرًا حيّ الفأس، موطن النبلاء.
“البندقية الصوفية موجودة منذ ما يقارب الثلاثمئة عام، وقطع غيارها يسهل الحصول عليها.” بدا بيوتراي كأنه يعرف ما سيبحث عنه تاليس، لكنه بدا كمن يتعمد معاكسته، إذ ضحك قائلًا: “فقط الجزء الأعمق في جوفها يحتاج إلى موارد استراتيجية. أمّا أصلها… فستعرفه عاجلًا أم آجلًا.”
“لماذا لم يبنوا قسمًا آخر ويُسمّوه (حيّ البنادق الصوفية)؟” أطلق تاليس سخطه ساخرًا من أسماء الأحياء، المأخوذة كلّها من أسلحة.
وكانت تحيط بها فرقة حرس النصل الأبيض وحرس مدينة سحب التنين، طوال القامة، شديدي الملامح. وعلى خلاف جنود الكوكبة المنتظمين بدقة، بدا موقع وقوف جنود إكستيدت عشوائيًا قليلًا، لا يلتزم بصرامة الدوريات. لكن تاليس، بعد تذكير من آيدا، أدرك أنهم “متراخون” فقط في الطبقة الخارجية من الدفاع؛ أما الدفاع الداخلي فكان محكمًا بلا أدنى فجوة.
“أظن أن البندقية الصوفية لم تكن قد اخترعت حين سمّى رايكارو مدينة سحب التنين وأعاد بناءها.” أجاب بيوتراي بلا اكتراث.
“سأعود قريبًا.”
“ومتى اختُرعت البندقية الصوفية إذًا؟” سأل تاليس بفضول. “ومن اخترعها؟ ولماذا سُمّيت بهذا الاسم؟”
(اذهب إلى الجحيم.)
“البندقية الصوفية موجودة منذ ما يقارب الثلاثمئة عام، وقطع غيارها يسهل الحصول عليها.” بدا بيوتراي كأنه يعرف ما سيبحث عنه تاليس، لكنه بدا كمن يتعمد معاكسته، إذ ضحك قائلًا: “فقط الجزء الأعمق في جوفها يحتاج إلى موارد استراتيجية. أمّا أصلها… فستعرفه عاجلًا أم آجلًا.”
“تريدون منا أن نسلّمكم الوريث الوحيد للكوكبة، وأن نتخلى عن حمايته، ونتركه معزولًا بلا سند تحت سيطرتكم؟” أشار بيوتراي بذكاء إلى النقطة الحاسمة.
“وأمّا الاسم… فلا أحد يعرف كذلك.”
وبمساعدة وايا، ترجل عن جواده، وطأ بلاط الشمال الأسود الخشن الصلب، ثم رفع رأسه ببطء.
ارتعشت شفتا تاليس.
(أما الأسياد والآرشيدوقات والملك الذين يقيمون هنا…)
(البندقية الصوفية…)
وكان علم التنين الأحمر ذو القاعدة السوداء يرفرف عاليًا فوق القصر.
(الصوفيّون.)
“ضع نفسك مكانهم لوهلة،” صاح بيوتراي وسط الصخب، “إن متَّ اليوم في الشمال، ثم في اليوم التالي أرسلت إكستيدت شخصًا يعتذر في مدينة النجم الأبدي… أظنّ أنني سأبدو بالضبط بذلك الوجه الساخط.”
(الطاقة الصوفية.)
ذلك هو طراز الشمال—قويّ، عارم، جريء، متمرّد.
(السحر.)
“إذًا، الأراضي الأعلى في المدينة الداخلية لا يسكنها إلا ذوو النفوذ؟ أليس كذلك؟” تنهد تاليس. “حقًا… تمايز الطبقات الاجتماعية هنا بالغ الوضوح، سهل الفهم للغاية.”
قمع الشكوك التي اضطربت في داخله، وبذل جهدًا ليركّز على الأمر الراهن.
وفي تلك اللحظة بالذات، انصرف بصر تاليس فجأة نحو شيء في أعلى القصر، فلم يستطع إلا أن يرفع رأسه.
“حسنًا… حقًا، يفتقر الإكستيدتيون إلى الخيال في تسمية أحياء مدينتهم.
ولم يكن أمامهم بدٌّ من تسلّق المنحدر طوال المسير داخل المدينة، متجاوزين طبقات من الحواجز المتمثلة في بوابات المدينة الداخلية المتينة. كان بين كل حي وبوابة داخلية، وبالمجموع سبعٌ أو ثمانٍ من هذه البوابات.
“ولديّ اقتراح لهم إن نفدت لديهم الأسماء.” وحين رأى جواده يكابد صعود المنحدر، شعر بثقل يخبو في قلبه. تنفّس بأسى وقال: “حيُّ العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين.”
وكانت تحيط بها فرقة حرس النصل الأبيض وحرس مدينة سحب التنين، طوال القامة، شديدي الملامح. وعلى خلاف جنود الكوكبة المنتظمين بدقة، بدا موقع وقوف جنود إكستيدت عشوائيًا قليلًا، لا يلتزم بصرامة الدوريات. لكن تاليس، بعد تذكير من آيدا، أدرك أنهم “متراخون” فقط في الطبقة الخارجية من الدفاع؛ أما الدفاع الداخلي فكان محكمًا بلا أدنى فجوة.
“إن سألتني، فأنت تهذر دون توقف منذ قليل.” أخرج بيوتراي غليونه أخيرًا. نظر إلى تاليس بنظرة ذات معنى قليلًا، وكشف الحقيقة بعد أن استنشق دخانًا عميقًا. “أهو الوضع الذي ستواجهه الآن…”
“إلى حدٍّ ما، هذه المدينة تنفّر التجار بطبيعتها. فهذا النوع من التخطيط لا يناسب الباعة ولا فتح المتاجر، سواء من ناحية نقل السلع أو توسيع الأعمال. هل تتخيل كلفة نقل حمولة من الحطب إلى قلب المدينة الداخلي؟ إنها تساوي نقل ثلاثة أحمال إلى أي مكانٍ آخر.” بدا مركيز اتحاد كاموس، شيليس، معتادًا على هذا الطريق، لكنه هزّ رأسه مع ذلك وقد خيّم عليه العجز عن وصف الأمر. “وطبعًا، حينها تدخّلنا نحن الكاموسيين.”
“هو ما يجعلك قلقًا؟”
“اسمح لي أن أعرّفك بهذا المكان بما أنّها زيارتك الأولى.” استدار ميرك بوجه جاد ورفع يده مشيرًا إلى القصر المهيب. “لقد كان هذا مقرّ أسياد الشمال منذ الأزمنة الغابرة حتى اليوم؛ من ذلك البناء المتداعي على الجبل في عصر الملوك الإقطاعيين، إلى الحصن الحجري في عهد الإمبراطورية، وصولًا إلى القصر المهيب الذي تراه الآن.”
بُهِت تاليس فجأة.
كان اللورد ميرك، المسؤول عن الاستقبال، صبورًا للغاية. ظلّ ينتظر الأمير الغريب بصمت حتى لاحظ اتجاه نظرات تاليس.
(اذهب إلى الجحيم.)
ابتسم تاليس. “بالطبع، أشكر الملك نوڤين على ضيافته.”
تحت أنظار بقية أفراد الوفد الدبلوماسي، لزم تاليس الصمت في حرج.
(نوڤين، الملك الذي يشاع عنه أنه “قاسٍ”، أليس كذلك؟)
وأخيرًا، “تسلّقوا” الطريق الأخير من حيّ الفأس.
“تريدون منا أن نسلّمكم الوريث الوحيد للكوكبة، وأن نتخلى عن حمايته، ونتركه معزولًا بلا سند تحت سيطرتكم؟” أشار بيوتراي بذكاء إلى النقطة الحاسمة.
وأينما ذهبوا، كان علم النجمتين المتصالبتين خلف تاليس أضخم هدف للأنظار. كان جينارد يحمل ذلك العلم ذي الخلفية الزرقاء السماوية، وفي كل خطوة ازدحم الناس لرؤية تاليس. وكاد جنود مدينة سحب التنين المكلّفون بضبط النظام يعجزون تمامًا عن المهمة، بينما تضاعفت الفوضى بفعل صوت أهل الشمال الجهير وطباعهم المتأججة.
ومع أن موقف العامة كان أفضل بكثير من موقف الجنود، وأن الإكستيدتيون لم يكونوا يغمرونهم بالكراهية مثلما يفعل أهل إقليم الرمال السوداء، فكان جليًّا أنّ خبر تعرّض وريث مدينة سحب التنين لمحاولة اغتيال في الكوكبة قد انتشر منذ مدّة.
ولم يترك هذا لتاليس أي فرصة لمعاينة هيئة المدينة. فقد سيق بسرعة إلى أعلى نقطة في المدينة الداخلية بواسطة حرّاس النصل الأبيض. ثم أُغلقت بوابة المدينة الداخلية لتحجب طوفان الناس في الخارج.
“وعليه… يرجى حضور الاجتماع بمفردك، يا أمير الكوكبة.”
قطّب تاليس جبينه وشهق نفسًا عميقًا.
ومع أن موقف العامة كان أفضل بكثير من موقف الجنود، وأن الإكستيدتيون لم يكونوا يغمرونهم بالكراهية مثلما يفعل أهل إقليم الرمال السوداء، فكان جليًّا أنّ خبر تعرّض وريث مدينة سحب التنين لمحاولة اغتيال في الكوكبة قد انتشر منذ مدّة.
وبمساعدة وايا، ترجل عن جواده، وطأ بلاط الشمال الأسود الخشن الصلب، ثم رفع رأسه ببطء.
(قصر الروح البطولية؟ هل معنى اسمه… لائق حقًا لسيدٍ حيّ أن يقيم فيه؟)
كان أمامه… قصر.
ولم يكن أمامهم بدٌّ من تسلّق المنحدر طوال المسير داخل المدينة، متجاوزين طبقات من الحواجز المتمثلة في بوابات المدينة الداخلية المتينة. كان بين كل حي وبوابة داخلية، وبالمجموع سبعٌ أو ثمانٍ من هذه البوابات.
(إذًا هذا هو…) صُعق تاليس في نفسه.
(قاسية؟)
“اسمح لي أن أودّعك هنا، يا صاحب السمو الأمير تاليس.” قبل أن يتسنى له تأمل القصر جيّدًا، تقدم مركيز اتحاد كاموس شيليس، وانحنى بخشوع وهو يهمس: “ينبغي أن تُعِدّ نفسك ذهنيًا.”
على النقيض من مباني مدينة النجم الأبدي، المشيَّدة اعتمادًا على أحياء المدينة واسوارها، كانت هذه المدينة مبنيةً فوق منحدر لطيف عند قمة الجبل؛ صيغ مخطَّطها تبعًا لطبوغرافية الجبل، ممتدًّا صعودًا في هيئة تبدو طبيعيةً سلسة.
أطلق مركيز اتحاد كاموس ضحكة ماكرة. “حسب الخطة… قد تكون معاملة الملك نوڤين لك…”
“الملك نوڤين والآرشيدوقات الخمسة حاضرون الآن في قاعة الأبطال، ينتظرون وصولك.”
“قاسية قليلًا.”
“إن كان ذاك الملك يملك الجرأة، فليمتنع عن إرسال…” ارتفع صياحٌ غاضب متوتّر من بين الزحام. لم يستطع تاليس رؤية صاحب الصوت بوضوح، إذ سارع المرافقون إلى إبعاده قبل أن يسمع الأمير الشطر الثاني من الشتيمة.
رد تاليس بابتسامة متكلّفة، ثم أخذ نفسًا باردًا عميقًا وأومأ.
وعلى الطرف الآخر، رفع نيكولاس يده قليلًا، فأحاط بهم حرس النصل الأبيض.
(قاسية؟)
استدار تاليس نحو الذين رافقوه في رحلته.
(طبعًا.)
لم ينبس بيوتراي بكلمة أخرى.
دارت عيناه في خفية.
قبض تاليس قبضتيه بقوة.
(منذ أن جئت إلى هذا العالم…)
“أظنّ أن الدفعة الأولى ممّن بنوا هذه المدينة إنما شيّدوها لأغراض عسكرية محضة. لكن لم يتوقع أحد أنّها ستصبح يومًا عاصمةَ إكستيدت.” ألقى تاليس نظرة على المارّة الذين يعبرون أو يتوقفون. “ألا يشعر من يعيش هنا بالإرهاق؟”
(هل عاملني أحد بلين؟)
كان التمثال مغطّى بالثلج. وكانت هيئة المقاتل وهو يحمل الرمح مفعمة بالقوة، وتعطي انطباعًا ببناء يفيض توترًا محتدمًا.
(يشبه هذا روايةً تُضطهد فيها شخصية البطل، أليس كذلك؟)
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉Hamood Mahemed💎 5004ibrahim shazly💎 5005الخال!💎 100
تبادل المركيز شيليس ونيكولاس النظرات، ثم قادا رجال اتحاد كاموس وجيادهم نحو اتجاهٍ آخر.
إذ كانت مدينة سحب التنين مبنيةً وفق تضاريس الجبل ومنحدره، متدرجةً طبقة فوق طبقة، صاعدةً في مسار حلزوني.
وما إن همّ تاليس برفع رأسه ليتأمل القصر، الذي قد يكون القصر الملكي لإكستيدت، حتى بدأت أبواب القصر تنفتح ببطء.
وجعل هذا الأمير يدرك أن شراكتهما الصيّادية مع نوڤين قد بدأت بالفعل.
خرجت مجموعة من أهل الشمال من تلك الأبواب، بزيّ فخمٍ منسق، لكنهم كانوا مع ذلك مسلحين بالكامل.
دارت عيناه في خفية.
وشدّ تاليس نفسه لا إراديًا.
تنهد تاليس بلطف.
وكما توقّع، ارتفع صوت جهير واضح من بين صفوفهم.
“شكرًا لك على كلماتك المبروكة، يا نائب الدبلوماسي.” ردّ تاليس بمرارة. “إذا خسرت منصبك يومًا، أنصحك بأن تجرب حظك في الصحراء الغربية. أعتقد أن الدوق فاكينهاز سينسجم معك جيدًا.”
“باسم الملك المنتخب شعبيًا لإكستيدت، الملك نوڤين والتون السابع…”
ثم تقدّم الرجل الحليق الذي في المقدمة نحو تاليس وانحنى له.
“أرحّب بضيوفنا الأجانب بأمر الملك.”
(لقد بدأ الأمر.)
كان رجل بارد الملامح، مفتول العضلات، حليق الرأس، يضم شفتيه وهو يحدّق في تاليس ويضيّق عينيه يفحصه لبضع ثوانٍ.
تنهد تاليس بلطف.
“الملك يتطلع إلى وصولك،” قال بخفوت، “يا أمير الكوكبة.”
قطّب تاليس جبينه وشهق نفسًا عميقًا.
قبض تاليس قبضتيه بقوة.
ما إن خطا تاليس إلى داخل مدينة سحب التنين، حتى لم تكن الطرز المعمارية الخشنة الجريئة الفخمة هي أول ما استحوذ على انتباهه.
(لقد بدأ الأمر.)
كان أمامه… قصر.
قهقه نيكولاس وتقدّم ليعانق الرجل الذي يتقدّم المجموعة.
“هو ما يجعلك قلقًا؟”
“أيها القائد العزيز للحرس، هل أتممت المهمة، يا صديقي؟” سأله بصوت لين ينطوي على معنى عميق.
ولم يترك هذا لتاليس أي فرصة لمعاينة هيئة المدينة. فقد سيق بسرعة إلى أعلى نقطة في المدينة الداخلية بواسطة حرّاس النصل الأبيض. ثم أُغلقت بوابة المدينة الداخلية لتحجب طوفان الناس في الخارج.
“بالطبع،” قال نيكولاس ملمّحًا لمعنى مختلف، “أمير الكوكبة الذي نريده قد وصل بالفعل.”
لم يجد تاليس إلا أن يزفر بسخرية جوابًا.
قطّب تاليس حاجبيه وهو يراقب تبادل الحديث بينهما.
ارتعشت شفتا تاليس.
ثم تقدّم الرجل الحليق الذي في المقدمة نحو تاليس وانحنى له.
“اسمح لي أن أعرّفك بهذا المكان بما أنّها زيارتك الأولى.” استدار ميرك بوجه جاد ورفع يده مشيرًا إلى القصر المهيب. “لقد كان هذا مقرّ أسياد الشمال منذ الأزمنة الغابرة حتى اليوم؛ من ذلك البناء المتداعي على الجبل في عصر الملوك الإقطاعيين، إلى الحصن الحجري في عهد الإمبراطورية، وصولًا إلى القصر المهيب الذي تراه الآن.”
“مرحبًا بك في إكستيدت، وفي جوهرتها الأبهى والأكثر روعة—مدينة سحب التنين، يا تاليس من الكوكبة.”
وعرف السبب فورًا.
استعاد تاليس تعاليم غيلبرت ونصائح بيوتراي في رحلتهما إلى هنا، فردّ التحية على الفور بابتسامة.
لقد مرّ زمن طويل منذ كان “محبوبًا” إلى هذا الحد.
(يبدو كموظّف بيروقراطي، لكن بنيته أقرب إلى محارب.)
كان اللورد ميرك، المسؤول عن الاستقبال، صبورًا للغاية. ظلّ ينتظر الأمير الغريب بصمت حتى لاحظ اتجاه نظرات تاليس.
(أو لعلّ رجال الشمال جميعهم يبدون كمحاربين؟)
على النقيض من مباني مدينة النجم الأبدي، المشيَّدة اعتمادًا على أحياء المدينة واسوارها، كانت هذه المدينة مبنيةً فوق منحدر لطيف عند قمة الجبل؛ صيغ مخطَّطها تبعًا لطبوغرافية الجبل، ممتدًّا صعودًا في هيئة تبدو طبيعيةً سلسة.
“أنا اللورد بايرن ميرك.” كان رجل الشمال الحليق الرأس في الأربعين أو الخمسين من عمره. يرتدي معطفًا ثقيلًا، وعلى وجهه ملامح صارمة. “قبل نَيْلي لقبي، كنتُ أحد رجال حرس النصل الأبيض. وأنا الآن إداريّ الملك نوڤين والمسؤول عن ترتيب كل ما يتعلق باستقبالك في مدينة سحب التنين.”
تبادل تاليس النظرات مع بيوتراي.
“أشكرك على حسن الاستقبال، يا لورد ميرك.” أومأ تاليس، مؤكّدًا في سرّه حكمه الأولي.
وعلى الطريق الممتد من المدينة الداخلية إلى بوابة القصر، كانت ثمانية أفران شاهقة، يبلغ ارتفاع كل منها بضعة أمتار، وما تزال مشتعلة حتى في وضح النهار. كأنما تُنير الساحة الصغيرة أمام البوابة طوال اليوم.
“اسمح لي أن أعرّفك بهذا المكان بما أنّها زيارتك الأولى.” استدار ميرك بوجه جاد ورفع يده مشيرًا إلى القصر المهيب. “لقد كان هذا مقرّ أسياد الشمال منذ الأزمنة الغابرة حتى اليوم؛ من ذلك البناء المتداعي على الجبل في عصر الملوك الإقطاعيين، إلى الحصن الحجري في عهد الإمبراطورية، وصولًا إلى القصر المهيب الذي تراه الآن.”
ومع أن موقف العامة كان أفضل بكثير من موقف الجنود، وأن الإكستيدتيون لم يكونوا يغمرونهم بالكراهية مثلما يفعل أهل إقليم الرمال السوداء، فكان جليًّا أنّ خبر تعرّض وريث مدينة سحب التنين لمحاولة اغتيال في الكوكبة قد انتشر منذ مدّة.
“على مدى آلاف السنين، شهد تاريخ الشمال، وولادة إكستيدت. ورأى أبناء الريح الشمالية والتنين يزدهرون وينمون بلا انقطاع.”
(الصوفيّون.)
ثم نطق ميرك بوقار: “قصر الروح البطولية.”
“شكرًا لك على كلماتك المبروكة، يا نائب الدبلوماسي.” ردّ تاليس بمرارة. “إذا خسرت منصبك يومًا، أنصحك بأن تجرب حظك في الصحراء الغربية. أعتقد أن الدوق فاكينهاز سينسجم معك جيدًا.”
(قصر الروح البطولية؟ هل معنى اسمه… لائق حقًا لسيدٍ حيّ أن يقيم فيه؟)
دارت عيناه في خفية.
تجمّد تاليس لوهلة، ثم رفع رأسه ببطء.
ولحسن الحظ، كان وجود حرّاس النصل الأبيض وجنود مدينة سحب التنين كافيًا لحبس الجموع. وإلا لكان أمير الكوكبة سيضطر إلى شقّ طريقه إلى داخل المدينة بمظهرٍ مُهين.
كان قصرًا ضخمًا. بسيط الأسلوب، لكنه غزير الألوان. جليل البنية، غير أنّ تصميمه خشن. بُني على هيئة الجبل، ومع ذلك، وإذا ما قيس من أرض المدينة الداخلية التي يقف عليها، فقد ارتفع القصر نحو ثمانية أو تسعة طوابق. أما مواده ففريدة: أخشاب ضخمة، حجارة خشنة، جلود، معادن، وكثير من مساحاته مصقولةٌ صقلًا خشنًا.
لا شكّ أنه طوال ستمائة عام، ظلّ رايكارو يحدّق في شعبه، وفي أرضه، وفي أمّته، بنظرة ثابتة وعمقٍ شديد.
ذلك هو طراز الشمال—قويّ، عارم، جريء، متمرّد.
إذ كانت مدينة سحب التنين مبنيةً وفق تضاريس الجبل ومنحدره، متدرجةً طبقة فوق طبقة، صاعدةً في مسار حلزوني.
أمام أبواب القصر العظيمة، انتصبت عشرة أعمدة رواق يتجاوز ارتفاعها عشرة أمتار، تحمل سقف القصر الشاهق. وكانت تلك الأعمدة منقوشة بقصص أبطال الشمال من السلالات الماضية. النقوش بسيطة… لكنها جريئة.
أدار تاليس عينيه نحو بيوتراي، لكن الأخير لم يُعر اهتمامًا لنبوءته السوداء حول الأمير.
وعلى الطريق الممتد من المدينة الداخلية إلى بوابة القصر، كانت ثمانية أفران شاهقة، يبلغ ارتفاع كل منها بضعة أمتار، وما تزال مشتعلة حتى في وضح النهار. كأنما تُنير الساحة الصغيرة أمام البوابة طوال اليوم.
فكّر تاليس في نفسه: (لا شكّ أنه من ذلك الموضع يستطيع أن يرى مدينة سحب التنين كاملة في نظرة واحدة.)
وكانت تحيط بها فرقة حرس النصل الأبيض وحرس مدينة سحب التنين، طوال القامة، شديدي الملامح. وعلى خلاف جنود الكوكبة المنتظمين بدقة، بدا موقع وقوف جنود إكستيدت عشوائيًا قليلًا، لا يلتزم بصرامة الدوريات. لكن تاليس، بعد تذكير من آيدا، أدرك أنهم “متراخون” فقط في الطبقة الخارجية من الدفاع؛ أما الدفاع الداخلي فكان محكمًا بلا أدنى فجوة.
“إذن، فهذه المدينة ليست أدنى شأنًا من حصن التنين المحطم.” تمتم تاليس بامتعاض وهو ينظر إلى حصانه الذي جلس يلهث من الإرهاق. وكان ضجيج المتفرجين خلف خط الحرس يزيد ضيقه. “حتى سكان المدينة أنفسهم مضطرون لتسلق هذا المنحدر حين يخرجون للنزهة، فكيف بالعدو الذي يهجم على المدينة؟”
وبالمقارنة مع قصر النهضة في الكوكبة، الذي بدا مبتكر الشكل (يشبه نصف هرم)، كان قصر مدينة سحب التنين أقرب إلى القصور المهيبة في الأساطير—سواء في طرازه المعماري أو توزيع القوى داخله.
“إلى حدٍّ ما، هذه المدينة تنفّر التجار بطبيعتها. فهذا النوع من التخطيط لا يناسب الباعة ولا فتح المتاجر، سواء من ناحية نقل السلع أو توسيع الأعمال. هل تتخيل كلفة نقل حمولة من الحطب إلى قلب المدينة الداخلي؟ إنها تساوي نقل ثلاثة أحمال إلى أي مكانٍ آخر.” بدا مركيز اتحاد كاموس، شيليس، معتادًا على هذا الطريق، لكنه هزّ رأسه مع ذلك وقد خيّم عليه العجز عن وصف الأمر. “وطبعًا، حينها تدخّلنا نحن الكاموسيين.”
وكان علم التنين الأحمر ذو القاعدة السوداء يرفرف عاليًا فوق القصر.
“منذ اللحظة التي دخلتم فيها حدود إكستيدت…”
وتحت العلم الخفّاق، راية أخرى: رمح تنين يخترق الغيوم—شعار والتون. إنها راية رمح سحب التنين.
(حسنًا.)
الأحمر والأسود، مع تساقط الثلج الطبيعي. في تلك اللحظة، أحسّ تاليس ألا قصر أليق بعودة الأرواح البطولية من هذا المكان.
ضيّق تاليس عينيه.
هزّ تاليس رأسه. (قصر الروح البطولية جديرٌ باسمه حقًا.)
خلف تاليس، بدأت آيدا، ووايا، ورالف، والبقية يتوتّرون، وامتدت أيديهم لا إراديًا نحو أسلحتهم.
(أما الأسياد والآرشيدوقات والملك الذين يقيمون هنا…)
“تلك الوجوه الساخطة…” نظر تاليس إلى وايا ورالف، المستنفرَين كأنهما يواجهان عدوًا عظيمًا، وتنهد بعجز فوق صهوة جواده. “كأنني أنا من قتلتُ أميرهم.”
وفي تلك اللحظة بالذات، انصرف بصر تاليس فجأة نحو شيء في أعلى القصر، فلم يستطع إلا أن يرفع رأسه.
“وفوق ذلك، يملك النبلاء ذريعةً أو سببًا يختبئون به داخل المدينة ويتوارون.” خطت آيدا فوق البلاط الحجري بقوامها الرشيق اللدن، لكنها لم تمنع نفسها من إطلاق نفخةٍ خفيفة مستاءة. “إنهم يتركون شعبهم خارج الأسوار يتحمّل العناء.”
جسر حجري يمتد من أعلى مستوى في القصر، معلقًا في الهواء، نحو قمة جبل آخر.
“البندقية الصوفية موجودة منذ ما يقارب الثلاثمئة عام، وقطع غيارها يسهل الحصول عليها.” بدا بيوتراي كأنه يعرف ما سيبحث عنه تاليس، لكنه بدا كمن يتعمد معاكسته، إذ ضحك قائلًا: “فقط الجزء الأعمق في جوفها يحتاج إلى موارد استراتيجية. أمّا أصلها… فستعرفه عاجلًا أم آجلًا.”
وثبتت عينا تاليس عليه.
جسر حجري يمتد من أعلى مستوى في القصر، معلقًا في الهواء، نحو قمة جبل آخر.
كان ذلك هو الجسر الحجري.
وما إن همّ تاليس برفع رأسه ليتأمل القصر، الذي قد يكون القصر الملكي لإكستيدت، حتى بدأت أبواب القصر تنفتح ببطء.
الجسر الحجري الذي يقود إلى جرف السماء—الجناح الملكي لـ”ملكة السماء”.
الأحمر والأسود، مع تساقط الثلج الطبيعي. في تلك اللحظة، أحسّ تاليس ألا قصر أليق بعودة الأرواح البطولية من هذا المكان.
ولم يلحظ إلا حينها تمثالًا ضخمًا منصوبًا عند نقطة بدء ذلك الجسر الحجري. ولعلّ زاوية رؤيته سابقًا جعلته غير واضح من بعيد.
(اذهب إلى الجحيم.)
كان تمثالًا حجريًا ضخمًا، أسود اللون، لمقاتلٍ ذكر.
“أرحّب بضيوفنا الأجانب بأمر الملك.”
بدا المقاتل بطوليًا ومهيبًا، يحمل في يديه رمحًا طويلًا للغاية. كان ذا بنية قوية، مرتديًا درعًا محكمًا، ويبدو شامخًا وهو يطلّ من علٍ على قصر الروح البطولية.
لكنّه وصل في هذا التوقيت بالذات.
فكّر تاليس في نفسه: (لا شكّ أنه من ذلك الموضع يستطيع أن يرى مدينة سحب التنين كاملة في نظرة واحدة.)
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
كان اللورد ميرك، المسؤول عن الاستقبال، صبورًا للغاية. ظلّ ينتظر الأمير الغريب بصمت حتى لاحظ اتجاه نظرات تاليس.
ابتسم تاليس. “بالطبع، أشكر الملك نوڤين على ضيافته.”
“ذلك هو الجسر الحجري المؤدي إلى جرف السماء، وفوقه تمثال رايكارو الأول. بُني بعد وفاة رايكارو منذ أكثر من ستمائة عام.” رفع ميرك رأسه وعرّف التمثال بجدية. “وقد جرى ترميمه قبل أسبوع فقط.”
“والآن، تفضّل بالقدوم معي.” كان الرجل الحليق يحتفظ بالعبارة ذاتها، لكن ما نطق به جعل قلوب بعثة الكوكبة الدبلوماسية تهوي.
اشتدّ تعبير تاليس.
(هو أحد الذين هزموا الكارثة والصوفيين…)
(ذلك هو…) حدّق في تمثال الرجل الشجاع.
قبض تاليس قبضتيه بقوة.
(بطل الجنس البشري في معركة الإبادة…)
كانت التجربة شبيهة بما اختبره تاليس في معسكر لامبارد العسكري. وما ترك في نفسه أثرًا آخر قويًّا هو الإكستيدتيون الذين احتشدوا عند بوابة المدينة لمشاهدة أمير الكوكبة؛ كأنهم أتوا يشهدون أمرًا مسلّيًا.
(هو أحد الذين هزموا الكارثة والصوفيين…)
“بالطبع،” قال نيكولاس ملمّحًا لمعنى مختلف، “أمير الكوكبة الذي نريده قد وصل بالفعل.”
(مؤسس إكستيدت وملكها الأول…)
وكما توقّع، ارتفع صوت جهير واضح من بين صفوفهم.
(رايكارو إكستيدت؟)
“ضع نفسك مكانهم لوهلة،” صاح بيوتراي وسط الصخب، “إن متَّ اليوم في الشمال، ثم في اليوم التالي أرسلت إكستيدت شخصًا يعتذر في مدينة النجم الأبدي… أظنّ أنني سأبدو بالضبط بذلك الوجه الساخط.”
كان التمثال مغطّى بالثلج. وكانت هيئة المقاتل وهو يحمل الرمح مفعمة بالقوة، وتعطي انطباعًا ببناء يفيض توترًا محتدمًا.
“إن كان ذاك الملك يملك الجرأة، فليمتنع عن إرسال…” ارتفع صياحٌ غاضب متوتّر من بين الزحام. لم يستطع تاليس رؤية صاحب الصوت بوضوح، إذ سارع المرافقون إلى إبعاده قبل أن يسمع الأمير الشطر الثاني من الشتيمة.
لا شكّ أنه طوال ستمائة عام، ظلّ رايكارو يحدّق في شعبه، وفي أرضه، وفي أمّته، بنظرة ثابتة وعمقٍ شديد.
ما إن خطا تاليس إلى داخل مدينة سحب التنين، حتى لم تكن الطرز المعمارية الخشنة الجريئة الفخمة هي أول ما استحوذ على انتباهه.
أومأ تاليس بخفة في ردٍ مقتضب على ميرك.
قبض تاليس قبضتيه بقوة.
عبرت سحابة، وتغيّر اتجاه أشعة الشمس قليلًا.
كان أمامه… قصر.
ومن بعيد، بدا تعبير بطل إكستيدت وكأنه يتبدّل من إصرارٍ إلى حزن.
قبض تاليس قبضتيه بقوة.
ضيّق تاليس عينيه وتنهد في سرّه إعجابًا بمهارة النحاتين قبل ستة قرون.
استدار تاليس نحو الذين رافقوه في رحلته.
(لقد رُمّم قبل أسبوع. أكان ذلك لأجلي؟)
تنهد تاليس بلطف.
(غير محتمل.)
“أميرٌ ينتمي لرعايا الإمبراطورية!” هتف صوتٌ أجشّ من بين الحشد، فاشتعلت فورًا ردودٌ صاخبة مضطربة.
(ربما ما يزال أهل إكستيدت ينتظرون ملكة التنين العظيمة الأسطورية، التي اختفت بلا أثر بعد معركة الإبادة؟ هل ينتظرون عودتها لزيارة تمثال زوجها؟)
إلّا أنّهم لا يمكن أن يخاطروا بأمن الأمير…
(هل ينتظرون منها زيارة هذه الأمة التي ما تزال تضع صورتها على الراية؟ أم لعلّهم ينتظرونها لتحرس نصل شبه الجزيرة الغربية، الذي تركته خلفها مع رايكارو؟)
كان قصرًا ضخمًا. بسيط الأسلوب، لكنه غزير الألوان. جليل البنية، غير أنّ تصميمه خشن. بُني على هيئة الجبل، ومع ذلك، وإذا ما قيس من أرض المدينة الداخلية التي يقف عليها، فقد ارتفع القصر نحو ثمانية أو تسعة طوابق. أما مواده ففريدة: أخشاب ضخمة، حجارة خشنة، جلود، معادن، وكثير من مساحاته مصقولةٌ صقلًا خشنًا.
“لقد أُعدّت غرفة لك في قصر الروح البطولية. ستكون مقرّ إقامتك المؤقت ريثما تبقى في مدينة سحب التنين.” أشار ميرك بيده نحو بوابة القصر ليحثّ تاليس على التقدّم.
(الطاقة الصوفية.)
ابتسم تاليس. “بالطبع، أشكر الملك نوڤين على ضيافته.”
ولم يكن أمامهم بدٌّ من تسلّق المنحدر طوال المسير داخل المدينة، متجاوزين طبقات من الحواجز المتمثلة في بوابات المدينة الداخلية المتينة. كان بين كل حي وبوابة داخلية، وبالمجموع سبعٌ أو ثمانٍ من هذه البوابات.
“والآن، تفضّل بالقدوم معي.” كان الرجل الحليق يحتفظ بالعبارة ذاتها، لكن ما نطق به جعل قلوب بعثة الكوكبة الدبلوماسية تهوي.
“ألم تكونوا… معزولين بلا سند؟”
“الملك نوڤين والآرشيدوقات الخمسة حاضرون الآن في قاعة الأبطال، ينتظرون وصولك.”
“على مدى آلاف السنين، شهد تاريخ الشمال، وولادة إكستيدت. ورأى أبناء الريح الشمالية والتنين يزدهرون وينمون بلا انقطاع.”
تبادل تاليس النظرات مع بيوتراي.
“الملك يتطلع إلى وصولك،” قال بخفوت، “يا أمير الكوكبة.”
لقد شارف الأمر على البدء.
وعلى الطرف الآخر، رفع نيكولاس يده قليلًا، فأحاط بهم حرس النصل الأبيض.
ولكن، ما إن همّ تاليس وبيوتراي وآيدا بالتقدّم خطوة حتى رفع ميرك يده قليلًا وأوقف نائب الدبلوماسي النحيل.
لقد مرّ زمن طويل منذ كان “محبوبًا” إلى هذا الحد.
“مرافقي الأمير، من فضلكم اتبعوا رجالي وتوجّهوا إلى غرفكم مسبقًا.” قال ميرك بصوت منخفض.
“لا أفهم.” توقف بيوتراي، ونظر إلى ميرك بهدوء. “أنا مساعد الأمير في هذه الرحلة، ويجب أن أبقى إلى جانبه.”
“لا أفهم.” توقف بيوتراي، ونظر إلى ميرك بهدوء. “أنا مساعد الأمير في هذه الرحلة، ويجب أن أبقى إلى جانبه.”
(طبعًا.)
“أفهم واجبك…” قال ميرك بلا تعبير، “لكن لهذه الدعوة حدًا.”
“تريدون منا أن نسلّمكم الوريث الوحيد للكوكبة، وأن نتخلى عن حمايته، ونتركه معزولًا بلا سند تحت سيطرتكم؟” أشار بيوتراي بذكاء إلى النقطة الحاسمة.
“إنها محادثة مهيبة ورفيعة، من سيدٍ إلى سيد، ومن عائلة ملكية إلى عائلة ملكية.”
(اذهب إلى الجحيم.)
“من جيدستار إلى والتون والعشائر الخمس الكبرى. الملك والآرشيدوقات الخمسة لا يرغبون في رؤية سوى الأمير، كما أنّ الأمير لن يرى سوى الملك والآرشيدوقات الخمسة.”
(هل عاملني أحد بلين؟)
“وعليه… يرجى حضور الاجتماع بمفردك، يا أمير الكوكبة.”
وما إن همّ تاليس برفع رأسه ليتأمل القصر، الذي قد يكون القصر الملكي لإكستيدت، حتى بدأت أبواب القصر تنفتح ببطء.
تغيّر وجه تاليس.
كان قصرًا ضخمًا. بسيط الأسلوب، لكنه غزير الألوان. جليل البنية، غير أنّ تصميمه خشن. بُني على هيئة الجبل، ومع ذلك، وإذا ما قيس من أرض المدينة الداخلية التي يقف عليها، فقد ارتفع القصر نحو ثمانية أو تسعة طوابق. أما مواده ففريدة: أخشاب ضخمة، حجارة خشنة، جلود، معادن، وكثير من مساحاته مصقولةٌ صقلًا خشنًا.
(مواجهة نوڤين السابع والآرشيدوقات الخمسة… وحدي؟)
تجمّد تاليس لوهلة، ثم رفع رأسه ببطء.
قال بيوتراي بخفوت: “على حد علمي، هذا ليس من أعراف التعامل بين بلدينا.”
ابتسم تاليس. “بالطبع، أشكر الملك نوڤين على ضيافته.”
ورغم أنهم توصّلوا إلى اتفاق أولي مع الملك نوڤين…
ولم يترك هذا لتاليس أي فرصة لمعاينة هيئة المدينة. فقد سيق بسرعة إلى أعلى نقطة في المدينة الداخلية بواسطة حرّاس النصل الأبيض. ثم أُغلقت بوابة المدينة الداخلية لتحجب طوفان الناس في الخارج.
إلّا أنّهم لا يمكن أن يخاطروا بأمن الأمير…
لقد تعلّمت الكوكبة ما يكفي في هذا الجانب.
لقد تعلّمت الكوكبة ما يكفي في هذا الجانب.
ولكن، ما إن همّ تاليس وبيوتراي وآيدا بالتقدّم خطوة حتى رفع ميرك يده قليلًا وأوقف نائب الدبلوماسي النحيل.
“إنه وقت حرج للغاية.” هزّ ميرك رأسه.
كان ذلك هو الجسر الحجري.
“تريدون منا أن نسلّمكم الوريث الوحيد للكوكبة، وأن نتخلى عن حمايته، ونتركه معزولًا بلا سند تحت سيطرتكم؟” أشار بيوتراي بذكاء إلى النقطة الحاسمة.
فلم يملك تاليس إلا أن يُطأطئ رأسه ويتنهّد.
خلف تاليس، بدأت آيدا، ووايا، ورالف، والبقية يتوتّرون، وامتدت أيديهم لا إراديًا نحو أسلحتهم.
“وفوق ذلك، يملك النبلاء ذريعةً أو سببًا يختبئون به داخل المدينة ويتوارون.” خطت آيدا فوق البلاط الحجري بقوامها الرشيق اللدن، لكنها لم تمنع نفسها من إطلاق نفخةٍ خفيفة مستاءة. “إنهم يتركون شعبهم خارج الأسوار يتحمّل العناء.”
وعلى الطرف الآخر، رفع نيكولاس يده قليلًا، فأحاط بهم حرس النصل الأبيض.
“منذ اللحظة التي دخلتم فيها حدود إكستيدت…”
ازداد شحوب بشرة قاتل النجوم. “كما قلتَ من قبل، ليس لديكم خيارات عديدة. أليس كذلك، أيها الأمير الشاب؟”
“حسنًا، لا أطيق الانتظار لرؤية الملك نوڤين.”
ضيّق تاليس عينيه.
ولم يترك هذا لتاليس أي فرصة لمعاينة هيئة المدينة. فقد سيق بسرعة إلى أعلى نقطة في المدينة الداخلية بواسطة حرّاس النصل الأبيض. ثم أُغلقت بوابة المدينة الداخلية لتحجب طوفان الناس في الخارج.
“رجاءً صدّقني. هذا ضروري.” حدّق ميرك في تاليس بنظرة متقدة. “ثم، وبصراحة…”
“أجرؤ على القول إن هذا التخطيط كان له الفضل الأكبر في صمودهم خلال الحرب القارية الثالثة حين واجهوا حصار جيش شبه الجزيرة الشرقية.”
“منذ اللحظة التي دخلتم فيها حدود إكستيدت…”
وبحسب بيوتراي، كان المكان ينبغي أن يغصّ بعامّة الناس المشغولين بالاستعداد لعبور الشتاء؛ يدخلون المدينة ليقايضوا ويبيعوا ويشتروا ما يلزمهم في آخر فرصة قبل البرد.
“ألم تكونوا… معزولين بلا سند؟”
(أما الأسياد والآرشيدوقات والملك الذين يقيمون هنا…)
تنهد تاليس بلطف.
وكما توقّع، ارتفع صوت جهير واضح من بين صفوفهم.
لم ينبس بيوتراي بكلمة أخرى.
لكن الاثنين كانا يعلمان أن الامتحان الحقيقي ليس هنا، ولا بين هؤلاء البسطاء.
وجعل هذا الأمير يدرك أن شراكتهما الصيّادية مع نوڤين قد بدأت بالفعل.
وعرف السبب فورًا.
(حسنًا.)
فلم يملك تاليس إلا أن يُطأطئ رأسه ويتنهّد.
(نوڤين، الملك الذي يشاع عنه أنه “قاسٍ”، أليس كذلك؟)
“أجرؤ على القول إن هذا التخطيط كان له الفضل الأكبر في صمودهم خلال الحرب القارية الثالثة حين واجهوا حصار جيش شبه الجزيرة الشرقية.”
ابتسم تاليس سرًا ابتسامة هادئة.
وإن لم يكن الفارق كبيرًا على أي حال.
(سنرى.)
“هل أنت مستعد، يا مواطن الإمبراطورية؟” دوّى صوت نيكولاس من الأمام، ملوّثًا بالازدراء. “سيكون هذا مُنهِكًا.”
وبين وجه بيوتراي الشاحب وتعابير ميرك المتغيّرة، كبح تاليس شعوره بالقلق وابتسم.
وأينما ذهبوا، كان علم النجمتين المتصالبتين خلف تاليس أضخم هدف للأنظار. كان جينارد يحمل ذلك العلم ذي الخلفية الزرقاء السماوية، وفي كل خطوة ازدحم الناس لرؤية تاليس. وكاد جنود مدينة سحب التنين المكلّفون بضبط النظام يعجزون تمامًا عن المهمة، بينما تضاعفت الفوضى بفعل صوت أهل الشمال الجهير وطباعهم المتأججة.
“حسنًا، لا أطيق الانتظار لرؤية الملك نوڤين.”
“أنا اللورد بايرن ميرك.” كان رجل الشمال الحليق الرأس في الأربعين أو الخمسين من عمره. يرتدي معطفًا ثقيلًا، وعلى وجهه ملامح صارمة. “قبل نَيْلي لقبي، كنتُ أحد رجال حرس النصل الأبيض. وأنا الآن إداريّ الملك نوڤين والمسؤول عن ترتيب كل ما يتعلق باستقبالك في مدينة سحب التنين.”
استدار تاليس نحو الذين رافقوه في رحلته.
(ربما ما يزال أهل إكستيدت ينتظرون ملكة التنين العظيمة الأسطورية، التي اختفت بلا أثر بعد معركة الإبادة؟ هل ينتظرون عودتها لزيارة تمثال زوجها؟)
أومأ وقال: “لا تقلقوا.”
وبعد أن أنهى حديثه، خطا تاليس خطوة إلى الأمام. مضت هيئته الصغيرة نحو قصر الروح البطولية، المختلف كل الاختلاف عن قصر النهضة، ولكنه كان هادئًا وساكنًا بالقدر ذاته.
“سأعود قريبًا.”
لم يجد تاليس إلا أن يزفر بسخرية جوابًا.
وبعد أن أنهى حديثه، خطا تاليس خطوة إلى الأمام. مضت هيئته الصغيرة نحو قصر الروح البطولية، المختلف كل الاختلاف عن قصر النهضة، ولكنه كان هادئًا وساكنًا بالقدر ذاته.
…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ثم تقدّم الرجل الحليق الذي في المقدمة نحو تاليس وانحنى له.
“إلى حدٍّ ما، هذه المدينة تنفّر التجار بطبيعتها. فهذا النوع من التخطيط لا يناسب الباعة ولا فتح المتاجر، سواء من ناحية نقل السلع أو توسيع الأعمال. هل تتخيل كلفة نقل حمولة من الحطب إلى قلب المدينة الداخلي؟ إنها تساوي نقل ثلاثة أحمال إلى أي مكانٍ آخر.” بدا مركيز اتحاد كاموس، شيليس، معتادًا على هذا الطريق، لكنه هزّ رأسه مع ذلك وقد خيّم عليه العجز عن وصف الأمر. “وطبعًا، حينها تدخّلنا نحن الكاموسيين.”
