الملك المولود (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“رمحُ قاتل الأرواح.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“اسمعي نصيحتي: اذهبي إلى بيتك، وانسجي أثخن رداء، واصنعي أقسى خنجر، وانسجي أجمل إكليل زهور. وبعد ذلك، استخدميها لاختيار أصدق شاب بين الذين يتبعونك. لكن لا تكوني سهلة معه. اتركيه معلّقًا، ثم انتظري لحظة أن يُستدعى للخدمة العسكرية ليصقل نفسه في ساحة المعركة—هكذا يصبح الرجال جديرين بالاحترام. حينها، إذا لم تتغيّر مشاعره نحوك، ضعي الإكليل على رأسه وخذيه لمقابلة والديك…”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
اضطرّ تاليس إلى الوقوف على الأرض الحجرية الباردة في مواجهة ستّة من أقوى أصحاب السطوة والنفوذ في إكستيدت، ولم يكن طوله يكفي، فاضطرّ لرفع رأسه والنظر إليهم من أسفل.
Arisu-san
“أقول لابنتي دائمًا إنها عندما تكبر ينبغي أن تتزوج رجلًا من عائلة محترمة. ولكن لابد أن يكون رجلًا يحبها حقًا. وأنا أتطلع إلى اليوم الذي أسلمها فيه إلى شاب طيب.” كان الحزام الجلدي الكبير يتحدث بصوت متدفق، لكن فجأة تجهم وجهه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ولحسن الحظ، كان الملك يتفقد الشمال في ذلك الوقت. وكان حرّاس النصل الأبيض هم الذين قدموا للمساعدة. وصل كاسلان في الوقت المناسب وشق رأس ذلك اللعين بفأسه من الخلف.”
الفصل 127: الملك المولود (الجزء الأول)
رنّ صوتٌ عميق بطيء في القاعة الحجرية.
….
قطّب تاليس جبينه لدى بلوغه صدر الطاولة الطويلة. لم يعمد الإكستيدتيون إلى توفير مقعدٍ له. ولم يبدُ أنّهم ينوون إضافة مقعد أصلًا.
“لقد جئتما في الوقت المناسب. الجميع ذهبوا لرؤية ذلك الأمير القادم من الكوكبة، ولا يوجد الكثير من الناس هنا. لا داعي للقلق من أن يكتشف أحد أمرنا.
مبتسمةً، رفعت ميراندا رأسها وحدّقت بعيدًا نحو قمّة التلّ حيث ينتصب قصر الروح البطولية.
“أعجبني أمرك، يا رجل.” بجانب أحد البيوت السكنية في مدينة سحب التنين، وضع رجل قصير مكتنز ذراعه حول كتفي كوهين كارابيان وهو يضحك. “حتى دون توصية كاسلان، أستطيع أن أرى أنك شاب جيد. لا يتمتع بهذا القوام إلا من خدموا في الجيش!”
“آه!” تخلص كوهين بصعوبة من الدوار ورفع رأسه بدهشة. “لم تترك الحزام، أليس كذلك؟ فالأورك كلما اقتربوا من الموت، زادت قوتهم ضراوة!”
سارت ميراندا بهدوء خلفهما تراقب كوهين وهو ينسجم مع صديق كاسلان وحده.
“أقول لابنتي دائمًا إنها عندما تكبر ينبغي أن تتزوج رجلًا من عائلة محترمة. ولكن لابد أن يكون رجلًا يحبها حقًا. وأنا أتطلع إلى اليوم الذي أسلمها فيه إلى شاب طيب.” كان الحزام الجلدي الكبير يتحدث بصوت متدفق، لكن فجأة تجهم وجهه.
كان كوهين يرد دون أي شعور بالغربة، مستفيدًا بالكامل من خبرته الممتدة لثلاث سنوات في الخطوط الأمامية في مخالطة الجنود البسطاء.
كان هذا الجوّ غير مواتٍ له أبدًا.
“وأنت كذلك! يا صاحب الحزام الجلدي الكبير! انظر إلى تلك العضلات، من الواضح أنك لم تتقاعد من الجيش!” ردّ كوهين هو الآخر بضحكة صارخة منطلقة. “على كل حال، كيف حصلت على هذا اللقب؟ كاسلان لم يخبرني قط.”
“أقول لابنتي دائمًا إنها عندما تكبر ينبغي أن تتزوج رجلًا من عائلة محترمة. ولكن لابد أن يكون رجلًا يحبها حقًا. وأنا أتطلع إلى اليوم الذي أسلمها فيه إلى شاب طيب.” كان الحزام الجلدي الكبير يتحدث بصوت متدفق، لكن فجأة تجهم وجهه.
“فيما يخص هذا… حدث شيء وأنا في حرس الجليد.” تغيّر وجه الرجل الملقّب بـ”الحزام الجلدي الكبير” عند سماعه كلمات كوهين، وامتلأ وجهه بالفخر. “كنت لا أزال مجندًا جديدًا في ذلك الوقت. ذات مرة، أثناء حصاد الخريف، تعرضنا لهجوم مفاجئ ليلًا.”
شيء خطِرٌ مفزع.
“أوه، كنت كشافًا من نخبة حرس الجليد!” رفع كوهين حاجبيه بدهشة. “لا عجب… وعلى ذكر ذلك، فلا بد أنك قاتلت كثيرًا ضد الأورك؟”
فانفجرا ضاحكين في اللحظة نفسها.
“ليس هذا فحسب!” ضحك الحزام الجلدي الكبير بفخر. “بعد أن خدمت في موقع الحراسة الثامن والثلاثين لمدة عشر سنوات، قضيت أنا وإخوتي في الفرقة على اثنين وخمسين أوركًا!”
صفق الحزام الجلدي الكبير على فخذه وقال بحماس: “لا ينبغي تركه! وهذا ما تعلمته لاحقًا. فقد ظننتُ حينها أن الأورك لفظ أنفاسه، فتركت الحزام… فإذا بذلك الحيوان الملعون ينهض كما لو عاد إلى الحياة، وأمسك رأسي بقوة وهو يطلق أصواتًا غريبة صاخبة!”
انبهر كوهين.
اضطرّ تاليس إلى الوقوف على الأرض الحجرية الباردة في مواجهة ستّة من أقوى أصحاب السطوة والنفوذ في إكستيدت، ولم يكن طوله يكفي، فاضطرّ لرفع رأسه والنظر إليهم من أسفل.
(الأورك… هؤلاء “الأعداء القدماء” الذين حاربوا البشر منذ عصر ماقبل الحضارة… ليسوا خصومًا يسهل التعامل معهم).
وكانت آثار التاريخ والزمن مختلفةً كذلك: بعض سيراميك الجدران في الزوايا بدا وكأنّه قائم منذ مئات السنين، بينما يتّضح أنّ أجزاءً أخرى رمّمت قبل بضع سنوات فقط.
“عودة إلى لقب الحزام الجلدي… كنت في أول معركة لي حين تسلل خمسة أو ستة أورك إلى موقع الحراسة.” هزّ الحزام الجلدي رأسه. “واجهنا أحدهم وجهًا لوجه. ذلك اللعين كان قبيحًا بحق. بلغ طوله نحو ثمانية أقدام، وكانت معاصمه أثخن من فخذيّ!”
وتحت إشارة ميرك، عبر الأمير الثاني للكوكبة بين حرّاس النصل الأبيض الذين كانوا يثبتون عيونهم أمامهم، ومرّ خلال أروقةٍ لا تنتهي. ثم مشى ببطء نحو قاعةٍ حجرية بيضويّةٍ خالية من الزوايا.
“قتل ذلك اللعين ثلاثة من إخوتنا، وتعرض لإصابات خطيرة. كنت آخر من بقي واقفًا، وتكسرت أسلحتي من شدة الضرب.” قال الحزام الجلدي الكبير مبتسمًا باعتزاز وهو يضرب صدره بين الحين والآخر. “وفي تلك اللحظة، شعرت أنه لا سبيل آخر. فأخرجت الحزام المخصص للحرس، وقفزت على كتفيه، ثم…”
(ثمّ…)
قبض الحزام الجلدي الكبير على أسنانه بقوة، وأمسك رقبة كوهين بقسوة: “تمامًا هكذا… عقدت الحزام وخنقت عنقه بقوة!”
اقترب الفتى من تلك الطاولة البسيطة الصلبة.
أمسك كوهين رقبته وسعل بشدة، يشعر بحماسة الرجل الزائدة.
Arisu-san
“ركبت على كتفيه، وجذبت الحزام بيدي اليمنى بيأس، بينما أمسكت بالدرع الصغير المكسور بيدي اليسرى. ذلك اللعين رفع مطرقته الحربية وراح يضربني بجنون، مرة تلو الأخرى!” وتحت نظرة ميراندا المستغربة، هزّ الحزام الجلدي رقبة كوهين بعنف حتى أصابه الدوار.
اقترب الفتى من تلك الطاولة البسيطة الصلبة.
“وفي النهاية، انهار على الأرض حين كان درعي قد تفتت بالكامل تقريبًا.”
“أنتِ فتاة شمالية طويلة قوية البنية. وفقًا لمعايير كبار السن هنا، فلا بد أنكِ محبوبة جدًا في موطنك. ولديك بشرة بيضاء أيضًا.” جلس الحزام الجلدي الكبير وهو يثرثر بأنفاس متقطعة. “لدي ثلاث شقيقات أصغر مني، لذا أعلم أن الفتيات في عمركن مندفعات، شديدات الحماسة، ولا يُبدين اهتمامًا بالشبان القريبين من المنزل. تريد كل واحدة منكن مغادرة الديار بحثًا عن فرصة للقاء محارب هو الأشجع، والأكثر بطولة، وصاحب أعظم الإنجازات. وربما تحظين بفرصة الزواج منه.”
“آه!” تخلص كوهين بصعوبة من الدوار ورفع رأسه بدهشة. “لم تترك الحزام، أليس كذلك؟ فالأورك كلما اقتربوا من الموت، زادت قوتهم ضراوة!”
حدّق تاليس في تلك الظلال الغامضة وقبض يديه سرًّا.
“صحيح! تمامًا!”
“صحيح! تمامًا!”
صفق الحزام الجلدي الكبير على فخذه وقال بحماس: “لا ينبغي تركه! وهذا ما تعلمته لاحقًا. فقد ظننتُ حينها أن الأورك لفظ أنفاسه، فتركت الحزام… فإذا بذلك الحيوان الملعون ينهض كما لو عاد إلى الحياة، وأمسك رأسي بقوة وهو يطلق أصواتًا غريبة صاخبة!”
سارت ميراندا بهدوء خلفهما تراقب كوهين وهو ينسجم مع صديق كاسلان وحده.
“ولحسن الحظ، كان الملك يتفقد الشمال في ذلك الوقت. وكان حرّاس النصل الأبيض هم الذين قدموا للمساعدة. وصل كاسلان في الوقت المناسب وشق رأس ذلك اللعين بفأسه من الخلف.”
ولمّا التقت عيناه بعيني الشيخ، لاحظ أنّهما خضراوان، فتساءل إن كان ذلك من سمات عائلة والتون. فتاليس نفسه لم يرث زرقة عيني كيسل…
“كنت على وشك الإغماء! ومنذ ذلك اليوم، صاروا ينادونني بالحزام الجلدي الكبير! هاها!”
وكانت آثار التاريخ والزمن مختلفةً كذلك: بعض سيراميك الجدران في الزوايا بدا وكأنّه قائم منذ مئات السنين، بينما يتّضح أنّ أجزاءً أخرى رمّمت قبل بضع سنوات فقط.
تنهد كوهين وهو يتذكر تجاربه على الخطوط الأمامية في صحراء الغرب.
“يُقال إنّ رمح الحكم من الكوكبة وحده يستطيع مجاراته في حدّته وخطره. لقد حصد هذا الرمح أرواحًا لا تُحصى.”
“إذًا، لقد قاتلت ضد الأورك أيضًا؟” سأل الحزام الجلدي بفضول، ممسكًا باهتمام واضح.
اقترب الفتى من تلك الطاولة البسيطة الصلبة.
“نعم، لكنهم كانوا أورك الصحراء، لا أورك الجليد.” ضحك كوهين. “كنّا مرتزقة هناك. نقاتل الأورك بأن ننخفض ونحني رؤوسنا، ثم نهاجمهم من الخلف أو من الأسفل.”
كان مختلفًا عن رماح الفرسان القديمة التي رآها تاليس في كتب قاعة مينديس؛ فذلك الرمح، رغم طوله الذي يبلغ مترين، بلا واقية قبضات، وساقه متساوية السمك، مصقولة في الأسفل حيث تمسَك، ولونه فضّيّ معدني، لكن الجزء القريب من النصل بدا داكنًا لامعًا. وكان نصله هرمياً وحشيَّ الطابع.
“آه، هذه طريقة مواطني الإمبراطورية من الجنوب، حيث يدورون حول الأورك.” قال الحزام الجلدي الكبير بتأمل. “لا يمكن فعل ذلك هنا في الشمال، فحركتنا تصبح أكثر تيبّسًا في البرد، ولن نكون رشيقين بما يكفي. لذلك، في الشمال، أفضل طريقة هي شن هجوم مباشر ومباغت. القتال بسرعة والقضاء عليهم بضربة واحدة.”
رفع تاليس رأسه ونظر نحو الشيخ الجالس في أبعد نقطة، عند الطرف الآخر من الطاولة: ذلك الرجل الذي فقد لتوّه أعزّ أبنائه.
هزّ كوهين رأسه إعجابًا. “الوضع مختلف في الصحراء. الأورك هناك يتحملون الحرارة ويتأقلمون مع دروع الحديد الحار. يملكون تجهيزات من الدروع الصفيحية إلى الدروع المفرغة. رأيت حتى من يغطون مناطق حساسة بالكامل. عندها اضطررنا لاستغلال خفتنا والبحث عن فرصة لضرب الأعضاء الحيوية…”
وطأ تاليس بلاط قصر الروح البطولية بخطًى متصلّبة، خطوةً بعد خطوة.
وبينما كانا يتبادلان الحديث بحرارة حول تجاربهما في المعارك، أدخلهم الحزام الجلدي الكبير أخيرًا إلى المنزل.
“اسمعي نصيحتي: اذهبي إلى بيتك، وانسجي أثخن رداء، واصنعي أقسى خنجر، وانسجي أجمل إكليل زهور. وبعد ذلك، استخدميها لاختيار أصدق شاب بين الذين يتبعونك. لكن لا تكوني سهلة معه. اتركيه معلّقًا، ثم انتظري لحظة أن يُستدعى للخدمة العسكرية ليصقل نفسه في ساحة المعركة—هكذا يصبح الرجال جديرين بالاحترام. حينها، إذا لم تتغيّر مشاعره نحوك، ضعي الإكليل على رأسه وخذيه لمقابلة والديك…”
“آه، انظري إليك، نموذج الفتاة الشمالية بحق! فارعة، وممتلئة، وجميلة الوجه.” ما إن رأى ميراندا، حتى اتسعت عيناه. “بما أن كاسلان أوصاك بالقدوم هنا… هل تريدين التفكير في البقاء؟ لدينا عدد من الرجال الجيدين العُزّاب. بل إن بعضهم كانوا من حرّاس النصل الأبيض سابقًا…”
انبهر كوهين.
تغيّر وجه ميراندا فجأة. نظرت إلى كوهين بارتباك. رفع كوهين يديه كمن يقول: لا أعرف ماذا أفعل.
قبض الحزام الجلدي الكبير على أسنانه بقوة، وأمسك رقبة كوهين بقسوة: “تمامًا هكذا… عقدت الحزام وخنقت عنقه بقوة!”
غير أنّ الحزام الجلدي الكبير قطّب حاجبيه فورًا. وهزّ رأسه وقال: “لا، انسَي الأمر… إنهم لا يليقون بك. إنهم أشقياء ومجرّدون من الرفق، رفضوا العمل اليدوي في وطنهم، وجاؤوا إلى هنا بحثًا عن المال السريع. ولا يعرفون كيف يعتنون بعائلاتهم. أي حق لهم في زوجة جيدة مثلك؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تنهد الحزام الجلدي الكبير. “سيبتلعون أكثر مما يستطيعون مضغه. لا يستطيعون حتى إطعام أنفسهم. لا عجب أنهم يحتفلون بيوم العزّاب!”
“وبعد مئاتٍ وألوفٍ من السنين، سيبقى هذا الرمح وفيًّا لاسمه،” قال الشيخ ذو الملامح الصخرية، ببطء، “وسوف يذبح مزيدًا من الناس، لا محالة.”
بقيت ميراندا تستمع إلى كلامه متحجرة.
وكانت آثار التاريخ والزمن مختلفةً كذلك: بعض سيراميك الجدران في الزوايا بدا وكأنّه قائم منذ مئات السنين، بينما يتّضح أنّ أجزاءً أخرى رمّمت قبل بضع سنوات فقط.
“أنتِ فتاة شمالية طويلة قوية البنية. وفقًا لمعايير كبار السن هنا، فلا بد أنكِ محبوبة جدًا في موطنك. ولديك بشرة بيضاء أيضًا.” جلس الحزام الجلدي الكبير وهو يثرثر بأنفاس متقطعة. “لدي ثلاث شقيقات أصغر مني، لذا أعلم أن الفتيات في عمركن مندفعات، شديدات الحماسة، ولا يُبدين اهتمامًا بالشبان القريبين من المنزل. تريد كل واحدة منكن مغادرة الديار بحثًا عن فرصة للقاء محارب هو الأشجع، والأكثر بطولة، وصاحب أعظم الإنجازات. وربما تحظين بفرصة الزواج منه.”
كان هذا الجوّ غير مواتٍ له أبدًا.
“لكن صدقيني. العالم خارج الوطن يبدو مبهرًا، لكنه غالبًا أكثر تعقيدًا وصعوبة في الفهم. الرجال هناك يرتدون دروعًا لامعة، لكنهم لن يكونوا أبدًا أكثر نقاءً ووفاءً من الفتيان الساذجين في قريتكم.”
صفق الحزام الجلدي الكبير على فخذه وقال بحماس: “لا ينبغي تركه! وهذا ما تعلمته لاحقًا. فقد ظننتُ حينها أن الأورك لفظ أنفاسه، فتركت الحزام… فإذا بذلك الحيوان الملعون ينهض كما لو عاد إلى الحياة، وأمسك رأسي بقوة وهو يطلق أصواتًا غريبة صاخبة!”
“اسمعي نصيحتي: اذهبي إلى بيتك، وانسجي أثخن رداء، واصنعي أقسى خنجر، وانسجي أجمل إكليل زهور. وبعد ذلك، استخدميها لاختيار أصدق شاب بين الذين يتبعونك. لكن لا تكوني سهلة معه. اتركيه معلّقًا، ثم انتظري لحظة أن يُستدعى للخدمة العسكرية ليصقل نفسه في ساحة المعركة—هكذا يصبح الرجال جديرين بالاحترام. حينها، إذا لم تتغيّر مشاعره نحوك، ضعي الإكليل على رأسه وخذيه لمقابلة والديك…”
(أولئك الفتية الحمقى في الديار… أطهار وأوفياء…)
“لا تهتمي بثروته. ولا تهتمي بأصله. الأهم أن يكون مسؤولًا، ويحبك بصدق، ويهتم بك، ويعرف كيف يدلّلك. والأفضل أن يكون قليل الخوف منك… فالثروة والمكانة النبيلة لن تعوّضا أبدًا غياب الإخلاص.”
شيء خطِرٌ مفزع.
ضغط كوهين على معدته يحبس ضحكاته، يراقب وجه ميراندا وهو يزداد قتامة.
“آه، انظري إليك، نموذج الفتاة الشمالية بحق! فارعة، وممتلئة، وجميلة الوجه.” ما إن رأى ميراندا، حتى اتسعت عيناه. “بما أن كاسلان أوصاك بالقدوم هنا… هل تريدين التفكير في البقاء؟ لدينا عدد من الرجال الجيدين العُزّاب. بل إن بعضهم كانوا من حرّاس النصل الأبيض سابقًا…”
“أقول لابنتي دائمًا إنها عندما تكبر ينبغي أن تتزوج رجلًا من عائلة محترمة. ولكن لابد أن يكون رجلًا يحبها حقًا. وأنا أتطلع إلى اليوم الذي أسلمها فيه إلى شاب طيب.” كان الحزام الجلدي الكبير يتحدث بصوت متدفق، لكن فجأة تجهم وجهه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
راقب كوهين بدهشة وجه الحزام الجلدي الكبير وهو يتحول إلى ملامح في غاية السوء. وقف الأخير فجأة واندفع خارج المنزل.
رفع تاليس رأسه ونظر نحو الشيخ الجالس في أبعد نقطة، عند الطرف الآخر من الطاولة: ذلك الرجل الذي فقد لتوّه أعزّ أبنائه.
“أنتم الاثنان… ظننت أنكما ذهبتما لرؤية الأمير. واتضح أنكما مختبئان هنا!”
اضطرّ تاليس إلى الوقوف على الأرض الحجرية الباردة في مواجهة ستّة من أقوى أصحاب السطوة والنفوذ في إكستيدت، ولم يكن طوله يكفي، فاضطرّ لرفع رأسه والنظر إليهم من أسفل.
وفي اللحظة التالية، قبل أن يتمكن الاثنان في الداخل من إدراك ما يحدث، تعالت صرختان مذعورتان لفتاة وفتى في الخارج.
راقب كوهين بدهشة وجه الحزام الجلدي الكبير وهو يتحول إلى ملامح في غاية السوء. وقف الأخير فجأة واندفع خارج المنزل.
“أبي، توقف! كيفين جاء… جاء ليعطيني شيئًا فقط…”
إذ لمح للحظة أنّ في تلك العينين الخضراوين مسحة غريبة: إنهاك، عتمة، مرارة، وحزن… كأنّه عاش في اليأس أعوامًا طوالًا.
“سيدي… دعنا نتحدث بهدوء… آه-آآه!”
“ولحسن الحظ، كان الملك يتفقد الشمال في ذلك الوقت. وكان حرّاس النصل الأبيض هم الذين قدموا للمساعدة. وصل كاسلان في الوقت المناسب وشق رأس ذلك اللعين بفأسه من الخلف.”
بعد ذلك دوّى هدير الحزام الجلدي الكبير بصوت يصمّ الآذان.
“قتل ذلك اللعين ثلاثة من إخوتنا، وتعرض لإصابات خطيرة. كنت آخر من بقي واقفًا، وتكسرت أسلحتي من شدة الضرب.” قال الحزام الجلدي الكبير مبتسمًا باعتزاز وهو يضرب صدره بين الحين والآخر. “وفي تلك اللحظة، شعرت أنه لا سبيل آخر. فأخرجت الحزام المخصص للحرس، وقفزت على كتفيه، ثم…”
“تعطيني شيئًا؟! أظننتَ أنّني أجهل ما يدور في رأسك، أيّها الصبيّ النتِن! ابتعد! ابتعد! ابقَ بعيدًا عن ابنتي سيسيليا!
“فيما يخص هذا… حدث شيء وأنا في حرس الجليد.” تغيّر وجه الرجل الملقّب بـ”الحزام الجلدي الكبير” عند سماعه كلمات كوهين، وامتلأ وجهه بالفخر. “كنت لا أزال مجندًا جديدًا في ذلك الوقت. ذات مرة، أثناء حصاد الخريف، تعرضنا لهجوم مفاجئ ليلًا.”
“ابنتي ليست في سنّ الزواج بعد! وإن تجرّأتَ على القدوم سرًّا للبحث عن سيسيليا مرّة أخرى… لكسرتُ لك سيقانك الثلاث!”
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 16 يوم متبقي 69,410 شعلة الهدف: 66,666 104.1% 🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 40,000🥈Yazeed Alsaedi🔥 105🥉Abdulaziz Alzahrani🔥 10041 1🔥 1005Abdullah S🔥 1006Abdullah AL RAGAWY🔥 1007صقر المطيري🔥 1008Aluminum🔥 1009Rayan Alharbi🔥 10010Abdulaziz Abdullah🔥 100 🥇M. K💎 52,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉Abdullah K💎 5004ibrahim shazly💎 5005Hamood Mahemed💎 5006Yazeed Alsaedi💎 1057SFM OP💎 1008A N O N Y M O U S💎 1009abdullah Alrehaili💎 10010Mohammed Alotaibi💎 100
في ظلّ أصوات الدجاج والكلاب في الجوار، حملق كوهين في صاحب الحزام الجلدي الكبير—الذي خالفت كلماته أفعاله—بعينين متسعتين وفمٍ فاغر، ثم التقت عيناه بعيني ميراندا.
“رمحُ قاتل الأرواح.”
فانفجرا ضاحكين في اللحظة نفسها.
“رمحُ قاتل الأرواح.”
مبتسمةً، رفعت ميراندا رأسها وحدّقت بعيدًا نحو قمّة التلّ حيث ينتصب قصر الروح البطولية.
“آه!” تخلص كوهين بصعوبة من الدوار ورفع رأسه بدهشة. “لم تترك الحزام، أليس كذلك؟ فالأورك كلما اقتربوا من الموت، زادت قوتهم ضراوة!”
وما لبث بصرها أن تلاشى ضبابًا.
راقب كوهين بدهشة وجه الحزام الجلدي الكبير وهو يتحول إلى ملامح في غاية السوء. وقف الأخير فجأة واندفع خارج المنزل.
(أولئك الفتية الحمقى في الديار… أطهار وأوفياء…)
عضّ على أسنانه قليلًا.
…..
استعاد رباطة جأشه. فقد صقله ما مرّ به من مخاطر جسيمة منذ تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر. وغدا واثقًا من قدرته على أن يهدأ في لحظة، ويفكّر بحلّ حتى وسط الأخطار.
وطأ تاليس بلاط قصر الروح البطولية بخطًى متصلّبة، خطوةً بعد خطوة.
صفق الحزام الجلدي الكبير على فخذه وقال بحماس: “لا ينبغي تركه! وهذا ما تعلمته لاحقًا. فقد ظننتُ حينها أن الأورك لفظ أنفاسه، فتركت الحزام… فإذا بذلك الحيوان الملعون ينهض كما لو عاد إلى الحياة، وأمسك رأسي بقوة وهو يطلق أصواتًا غريبة صاخبة!”
مقارنةً بطراز قصر النهضة البسيط المتقشف، المتناغم خارجًا وداخلًا، كان تصميم قصر الروح البطولية الداخلي متناقضًا أشدّ التناقض.
مقارنةً بطراز قصر النهضة البسيط المتقشف، المتناغم خارجًا وداخلًا، كان تصميم قصر الروح البطولية الداخلي متناقضًا أشدّ التناقض.
بعض أجزائه بدا خشنًا مهيبًا، كالنقوش الغليظة على كل رواق، ودرابزين السلالم المصنوع من جذوعٍ ضخمة، ورؤوس الحيوانات التي صُنعت خصيصًا كغنائم حرب. ومع ذلك، كانت هناك أجزاء كثيرة نُحتت بدقة وإتقان، مثل بعض بلاط الأرضيات المقطوع بدقة، وقباب السقف المغطاة بالرسوم، وحوامل المصابيح الأبدية الفاخرة.
ضغط كوهين على معدته يحبس ضحكاته، يراقب وجه ميراندا وهو يزداد قتامة.
وكانت آثار التاريخ والزمن مختلفةً كذلك: بعض سيراميك الجدران في الزوايا بدا وكأنّه قائم منذ مئات السنين، بينما يتّضح أنّ أجزاءً أخرى رمّمت قبل بضع سنوات فقط.
“آه!” تخلص كوهين بصعوبة من الدوار ورفع رأسه بدهشة. “لم تترك الحزام، أليس كذلك؟ فالأورك كلما اقتربوا من الموت، زادت قوتهم ضراوة!”
في رأيه، كان داخل قصر الروح البطولية أشبه بطبقات من الجداريّات؛ نقوشٌ حديثة تعلو انطباعاتٍ قديمة، ناسجةً التاريخ بالحاضر في صورة واحدة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
غير أنّ تاليس لم يكن في مزاج يسمح له بالإعجاب بكل ذلك. كان يبذل جهده ليلملم نفسه وهو يفكّر في الهوية السياسيّة لـ”الملك-الآرشيدوق” التي تنفرد بها إكستيدت، متهيئًا لمواجهة التحدّي المقبل.
“تعطيني شيئًا؟! أظننتَ أنّني أجهل ما يدور في رأسك، أيّها الصبيّ النتِن! ابتعد! ابتعد! ابقَ بعيدًا عن ابنتي سيسيليا!
وعلى الرغم من أنّ نوڤين السابع قد بادر إليه مسبقًا عبر نيكولاس وشيليس، فإن تجارب تاليس جعلته يؤمن بأن الحياة مليئة بالمكائد، وأن الحوادث تقع بغتةً.
غير أنّ الحزام الجلدي الكبير قطّب حاجبيه فورًا. وهزّ رأسه وقال: “لا، انسَي الأمر… إنهم لا يليقون بك. إنهم أشقياء ومجرّدون من الرفق، رفضوا العمل اليدوي في وطنهم، وجاؤوا إلى هنا بحثًا عن المال السريع. ولا يعرفون كيف يعتنون بعائلاتهم. أي حق لهم في زوجة جيدة مثلك؟”
وجب عليه أن يستعدّ تمام الاستعداد.
لاحظ تاليس أنّ القاعة تزيّنت كلها برايات تحمل رمز رمح سحب التنين. وحده الجدار وراء الشيخ احتلّته مدفأة مربّعة كبيرة، تعلوها رفّة من خشب داكن، موضوعٌ عليها رمح غريب الشكل، مصنوع من مادة مجهولة.
وتحت إشارة ميرك، عبر الأمير الثاني للكوكبة بين حرّاس النصل الأبيض الذين كانوا يثبتون عيونهم أمامهم، ومرّ خلال أروقةٍ لا تنتهي. ثم مشى ببطء نحو قاعةٍ حجرية بيضويّةٍ خالية من الزوايا.
لكنّه كان قادرًا على تخمين هويته.
كان الضوء فيها ضعيفًا خافتًا، غير أنّ ستّة مجامر على حوامل حديديّة اشتعلت بقوة، تطرد البرد وتصبغ القاعة بحمرةٍ متراقصة.
عضّ على أسنانه قليلًا.
(مجامرٌ مجدّدًا، تمامًا مثل لامبارد… أيروق لأمراء إكستيدت المجامر إلى هذا الحد؟) هكذا هزأ تاليس في نفسه.
وكان بينهم المجرم الذي تآمر مع آرشيدوق لامبارد ودوق آروند للتلاعب بترتيب الوراثة، وحاول اغتيال الأمير مرّتين—وقد نجح في الثانية—وتسبّب في أزمةٍ غير مسبوقة بين المملكتين.
تنفّس بعمق وتقدّم داخل القاعة الحجرية. لم يتبعه ميرك، وانغلقت الأبواب خلف الأمير.
قطّب تاليس جبينه لدى بلوغه صدر الطاولة الطويلة. لم يعمد الإكستيدتيون إلى توفير مقعدٍ له. ولم يبدُ أنّهم ينوون إضافة مقعد أصلًا.
ومن بعيد، رأى طاولة بسيطة صلبة في وسط القاعة، بلونٍ أسود مائل للبنيّ، مستطيلة الشكل.
قبض الحزام الجلدي الكبير على أسنانه بقوة، وأمسك رقبة كوهين بقسوة: “تمامًا هكذا… عقدت الحزام وخنقت عنقه بقوة!”
جلس شيخٌ أبيض الشعر يواجه تاليس من الجانب الآخر للطاولة. بدا في الستين أو السبعين. ارتدى عباءة ثخينة حمراء وسوداء، وتلألأ على رأسه تاجٌ ذهبيّ داكن، بسيط التصميم، تتصدّره جوهرةٌ حمراء قانية.
بعد ذلك دوّى هدير الحزام الجلدي الكبير بصوت يصمّ الآذان.
كان الشيخ يضع يديه على الطاولة، ورأسه منكّس، لا ينبس بكلمة. وبسبب البعد وعتمة الضوء، لم يستطع تاليس أن يرى ملامحه بوضوح.
هزّ كوهين رأسه إعجابًا. “الوضع مختلف في الصحراء. الأورك هناك يتحملون الحرارة ويتأقلمون مع دروع الحديد الحار. يملكون تجهيزات من الدروع الصفيحية إلى الدروع المفرغة. رأيت حتى من يغطون مناطق حساسة بالكامل. عندها اضطررنا لاستغلال خفتنا والبحث عن فرصة لضرب الأعضاء الحيوية…”
لكنّه كان قادرًا على تخمين هويته.
إذ لمح للحظة أنّ في تلك العينين الخضراوين مسحة غريبة: إنهاك، عتمة، مرارة، وحزن… كأنّه عاش في اليأس أعوامًا طوالًا.
اقترب الفتى من تلك الطاولة البسيطة الصلبة.
تنهد كوهين وهو يتذكر تجاربه على الخطوط الأمامية في صحراء الغرب.
وعلى جانبي الشيخ جلس خمسة رجال متبايني الهيئة والزيّ؛ اثنان عن يساره، ثلاثة عن يمينه.
لاحظ تاليس أنّ القاعة تزيّنت كلها برايات تحمل رمز رمح سحب التنين. وحده الجدار وراء الشيخ احتلّته مدفأة مربّعة كبيرة، تعلوها رفّة من خشب داكن، موضوعٌ عليها رمح غريب الشكل، مصنوع من مادة مجهولة.
الشيء الوحيد المشترك بينهم، على اختلاف أعمارهم، أنّهم منذ اللحظة التي دخل فيها تاليس إلى القاعة، رمقوه بنظرات حادّة غير ودودة، تكاد تكون مفترسة، يقيسون بها ذلك الصبيّ ذو السبعة أعوام.
قبض الحزام الجلدي الكبير على أسنانه بقوة، وأمسك رقبة كوهين بقسوة: “تمامًا هكذا… عقدت الحزام وخنقت عنقه بقوة!”
ملك واحد وخمسة آرشيدوقات.
“تعطيني شيئًا؟! أظننتَ أنّني أجهل ما يدور في رأسك، أيّها الصبيّ النتِن! ابتعد! ابتعد! ابقَ بعيدًا عن ابنتي سيسيليا!
قطّب تاليس جبينه لدى بلوغه صدر الطاولة الطويلة. لم يعمد الإكستيدتيون إلى توفير مقعدٍ له. ولم يبدُ أنّهم ينوون إضافة مقعد أصلًا.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
(هذا سيّئ.)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
عضّ على أسنانه قليلًا.
وعلى الرغم من أنّ نوڤين السابع قد بادر إليه مسبقًا عبر نيكولاس وشيليس، فإن تجارب تاليس جعلته يؤمن بأن الحياة مليئة بالمكائد، وأن الحوادث تقع بغتةً.
اضطرّ تاليس إلى الوقوف على الأرض الحجرية الباردة في مواجهة ستّة من أقوى أصحاب السطوة والنفوذ في إكستيدت، ولم يكن طوله يكفي، فاضطرّ لرفع رأسه والنظر إليهم من أسفل.
“ليس هذا فحسب!” ضحك الحزام الجلدي الكبير بفخر. “بعد أن خدمت في موقع الحراسة الثامن والثلاثين لمدة عشر سنوات، قضيت أنا وإخوتي في الفرقة على اثنين وخمسين أوركًا!”
كان هذا الجوّ غير مواتٍ له أبدًا.
وجب عليه أن يستعدّ تمام الاستعداد.
(يبدو أنّ احترام الكبار والرفق بالصغار ليس من عاداتهم هنا. كأنني عدتُ إلى أيّام التشرد في طفولتي.)
“تعطيني شيئًا؟! أظننتَ أنّني أجهل ما يدور في رأسك، أيّها الصبيّ النتِن! ابتعد! ابتعد! ابقَ بعيدًا عن ابنتي سيسيليا!
فابتسم في داخله ابتسامةً خفيفة، وانتزع بذلك قدرًا من قلقه.
رفع تاليس رأسه ونظر نحو الشيخ الجالس في أبعد نقطة، عند الطرف الآخر من الطاولة: ذلك الرجل الذي فقد لتوّه أعزّ أبنائه.
استعاد رباطة جأشه. فقد صقله ما مرّ به من مخاطر جسيمة منذ تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر. وغدا واثقًا من قدرته على أن يهدأ في لحظة، ويفكّر بحلّ حتى وسط الأخطار.
وكانت آثار التاريخ والزمن مختلفةً كذلك: بعض سيراميك الجدران في الزوايا بدا وكأنّه قائم منذ مئات السنين، بينما يتّضح أنّ أجزاءً أخرى رمّمت قبل بضع سنوات فقط.
(ثمّ…)
“لا تهتمي بثروته. ولا تهتمي بأصله. الأهم أن يكون مسؤولًا، ويحبك بصدق، ويهتم بك، ويعرف كيف يدلّلك. والأفضل أن يكون قليل الخوف منك… فالثروة والمكانة النبيلة لن تعوّضا أبدًا غياب الإخلاص.”
رمق تاليس الرجال الخمسة، لكن وجوههم، وقد أدبر عنها الضوء، كانت غارقة في الظل، لا يظهر منها إلا بريق أعين تتقد في وهج النار، تبعث ضغطًا هائلًا على الزائر.
جلس شيخٌ أبيض الشعر يواجه تاليس من الجانب الآخر للطاولة. بدا في الستين أو السبعين. ارتدى عباءة ثخينة حمراء وسوداء، وتلألأ على رأسه تاجٌ ذهبيّ داكن، بسيط التصميم، تتصدّره جوهرةٌ حمراء قانية.
وكان بينهم المجرم الذي تآمر مع آرشيدوق لامبارد ودوق آروند للتلاعب بترتيب الوراثة، وحاول اغتيال الأمير مرّتين—وقد نجح في الثانية—وتسبّب في أزمةٍ غير مسبوقة بين المملكتين.
“ولحسن الحظ، كان الملك يتفقد الشمال في ذلك الوقت. وكان حرّاس النصل الأبيض هم الذين قدموا للمساعدة. وصل كاسلان في الوقت المناسب وشق رأس ذلك اللعين بفأسه من الخلف.”
(المجرم الذي كاد يشعل حربًا وصراعًا، ويجرّ الهلاك والموت… هو واحد من هؤلاء الخمسة…)
“لا تهتمي بثروته. ولا تهتمي بأصله. الأهم أن يكون مسؤولًا، ويحبك بصدق، ويهتم بك، ويعرف كيف يدلّلك. والأفضل أن يكون قليل الخوف منك… فالثروة والمكانة النبيلة لن تعوّضا أبدًا غياب الإخلاص.”
حدّق تاليس في تلك الظلال الغامضة وقبض يديه سرًّا.
“وقد قتل وجرح أعداء مشهورين في القرون الماضية، منهم ’الآرشيدوق النائح’ الشرير، و’قاتل البشر’ القاسي زيرا داركستورم، و’عدوّ الذئاب’ كيرا الجبّار، وملك جناح الليل الشرس، والصوفي الغريب.”
وكان هناك أيضًا مسألة حليفه الوحيد المحتمل، الذي لم يُحسن معاملته.
جلس شيخٌ أبيض الشعر يواجه تاليس من الجانب الآخر للطاولة. بدا في الستين أو السبعين. ارتدى عباءة ثخينة حمراء وسوداء، وتلألأ على رأسه تاجٌ ذهبيّ داكن، بسيط التصميم، تتصدّره جوهرةٌ حمراء قانية.
رفع تاليس رأسه ونظر نحو الشيخ الجالس في أبعد نقطة، عند الطرف الآخر من الطاولة: ذلك الرجل الذي فقد لتوّه أعزّ أبنائه.
وما لبث بصرها أن تلاشى ضبابًا.
لاحظ تاليس أنّ القاعة تزيّنت كلها برايات تحمل رمز رمح سحب التنين. وحده الجدار وراء الشيخ احتلّته مدفأة مربّعة كبيرة، تعلوها رفّة من خشب داكن، موضوعٌ عليها رمح غريب الشكل، مصنوع من مادة مجهولة.
في رأيه، كان داخل قصر الروح البطولية أشبه بطبقات من الجداريّات؛ نقوشٌ حديثة تعلو انطباعاتٍ قديمة، ناسجةً التاريخ بالحاضر في صورة واحدة.
كان مختلفًا عن رماح الفرسان القديمة التي رآها تاليس في كتب قاعة مينديس؛ فذلك الرمح، رغم طوله الذي يبلغ مترين، بلا واقية قبضات، وساقه متساوية السمك، مصقولة في الأسفل حيث تمسَك، ولونه فضّيّ معدني، لكن الجزء القريب من النصل بدا داكنًا لامعًا. وكان نصله هرمياً وحشيَّ الطابع.
ملك واحد وخمسة آرشيدوقات.
“رمحُ قاتل الأرواح.”
وجب عليه أن يستعدّ تمام الاستعداد.
رنّ صوتٌ عميق بطيء في القاعة الحجرية.
اقترب الفتى من تلك الطاولة البسيطة الصلبة.
“لقد كان سلاح رايكارو. وهو رمز عائلة والتون، والسبب في أنّنا نُدعى أسرة رمح التنين.” حرّك الشيخ رأسه قليلًا نحو تاليس، وفي ضوء النار المتراقص ظهرت ملامحه.
“آه، هذه طريقة مواطني الإمبراطورية من الجنوب، حيث يدورون حول الأورك.” قال الحزام الجلدي الكبير بتأمل. “لا يمكن فعل ذلك هنا في الشمال، فحركتنا تصبح أكثر تيبّسًا في البرد، ولن نكون رشيقين بما يكفي. لذلك، في الشمال، أفضل طريقة هي شن هجوم مباشر ومباغت. القتال بسرعة والقضاء عليهم بضربة واحدة.”
وجهٌ صلب مهيب، يكسوه التجعّد. وتحت شعره الفضيّ، بدت ملامحه شماليّة خالصة: عينان غائرتان، جسر أنف مرتفع، وخطوط وجه حادّة. أمّا شفتاه فترسمان منحنى فيه شيء من البرودة.
“إذًا، لقد قاتلت ضد الأورك أيضًا؟” سأل الحزام الجلدي بفضول، ممسكًا باهتمام واضح.
“يُقال إنّ رمح الحكم من الكوكبة وحده يستطيع مجاراته في حدّته وخطره. لقد حصد هذا الرمح أرواحًا لا تُحصى.”
تنهد الحزام الجلدي الكبير. “سيبتلعون أكثر مما يستطيعون مضغه. لا يستطيعون حتى إطعام أنفسهم. لا عجب أنهم يحتفلون بيوم العزّاب!”
“وقد قتل وجرح أعداء مشهورين في القرون الماضية، منهم ’الآرشيدوق النائح’ الشرير، و’قاتل البشر’ القاسي زيرا داركستورم، و’عدوّ الذئاب’ كيرا الجبّار، وملك جناح الليل الشرس، والصوفي الغريب.”
وجهٌ صلب مهيب، يكسوه التجعّد. وتحت شعره الفضيّ، بدت ملامحه شماليّة خالصة: عينان غائرتان، جسر أنف مرتفع، وخطوط وجه حادّة. أمّا شفتاه فترسمان منحنى فيه شيء من البرودة.
قطّب تاليس قليلًا، وتذكّر كلمات كاسلان عن هذا الشيخ:
“فيما يخص هذا… حدث شيء وأنا في حرس الجليد.” تغيّر وجه الرجل الملقّب بـ”الحزام الجلدي الكبير” عند سماعه كلمات كوهين، وامتلأ وجهه بالفخر. “كنت لا أزال مجندًا جديدًا في ذلك الوقت. ذات مرة، أثناء حصاد الخريف، تعرضنا لهجوم مفاجئ ليلًا.”
(“كان في شبابه ملكًا صالحًا، مثالًا لرجل صلب من آل والتون.”)
قبض الحزام الجلدي الكبير على أسنانه بقوة، وأمسك رقبة كوهين بقسوة: “تمامًا هكذا… عقدت الحزام وخنقت عنقه بقوة!”
ولمّا التقت عيناه بعيني الشيخ، لاحظ أنّهما خضراوان، فتساءل إن كان ذلك من سمات عائلة والتون. فتاليس نفسه لم يرث زرقة عيني كيسل…
كان هذا الجوّ غير مواتٍ له أبدًا.
وتجمّد فجأة. تذكّر كلام سيّدة الطقوس ليسيا والملكة كيا حول عينَيه الرماديّتين—وأنّهما من والدته.
….
عاد إلى اللحظة الراهنة، لكنّه شعر بقشعريرة تسري في ظهره.
“صحيح! تمامًا!”
إذ لمح للحظة أنّ في تلك العينين الخضراوين مسحة غريبة: إنهاك، عتمة، مرارة، وحزن… كأنّه عاش في اليأس أعوامًا طوالًا.
(أولئك الفتية الحمقى في الديار… أطهار وأوفياء…)
شيء خطِرٌ مفزع.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“وبعد مئاتٍ وألوفٍ من السنين، سيبقى هذا الرمح وفيًّا لاسمه،” قال الشيخ ذو الملامح الصخرية، ببطء، “وسوف يذبح مزيدًا من الناس، لا محالة.”
كان مختلفًا عن رماح الفرسان القديمة التي رآها تاليس في كتب قاعة مينديس؛ فذلك الرمح، رغم طوله الذي يبلغ مترين، بلا واقية قبضات، وساقه متساوية السمك، مصقولة في الأسفل حيث تمسَك، ولونه فضّيّ معدني، لكن الجزء القريب من النصل بدا داكنًا لامعًا. وكان نصله هرمياً وحشيَّ الطابع.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(“كان في شبابه ملكًا صالحًا، مثالًا لرجل صلب من آل والتون.”)
“لقد جئتما في الوقت المناسب. الجميع ذهبوا لرؤية ذلك الأمير القادم من الكوكبة، ولا يوجد الكثير من الناس هنا. لا داعي للقلق من أن يكتشف أحد أمرنا.
