Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 129

المبارزة

المبارزة

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“تنقية مدننا من الكارثة، وتكريس أنفسنا لأمن الجنس البشري.”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“حُرّاس الغراب”. اثرت هاتان الكلمتان بغو تأثيرًا مباشرًا.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“ما رأيك؟”

Arisu-san

“معتاد؟”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“شرف اختراق قلبي بنصل الانتقام!”

الفصل 129: المبارزة

وشرع الرجل ذو القصّة الدائرية يفرك يديه، ولا يُعلم بمَ يفكّر.

“تنقية مدننا من الكارثة، وتكريس أنفسنا لأمن الجنس البشري.”

مدينة سحب التنين، شارع ويست-إكسبريس.

وفي اللحظة التالية، غرس الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار، السيف الثقيل قائمًا على الأرض، مسندًا إياه بيدٍ واحدة. ثم رفع يده اليمنى بحسم، وشكّل خطًا مستقيمًا أمامه ليشير به نحو الملك العجوز في البعيد.

“أنا… أنا هنا!” اندفع شابٌ إلى داخل متجر الجزّار. أسند ظهره إلى الحائط وهو يلهث بشدّة. “أمير الكوكبة في المدينة، لذا ذهبتُ—”

وبينما يقرأ في وجوه الآرشيدوقات، ابتسم تاليس بسخرية ولاهثًا. “لقد سمعتُ بطقس وراثةٍ قديم في الشمال. يُمارَس في كل شيء من وراثة لقب نبيل إلى اختيار الآرشيدوقات لملكهم.”

“ذهبتَ لتبحث عن فتاتك مجددًا؟” قاطعه الجزّار كاشفًا كذبته. “ألهذا السبب تأخّرت مرة أخرى؟”

(والآن يبدو الأمر مجرّد نكتة.)

“مهلًا! ما الذي تقوله… لقد كنتُ فقط أُرسل لها بعض الهدايا.” احمرّ وجه الشاب. “وسيسيليا ليست فتاتي… ليس بعد…”

أخذ أمير الكوكبة نفسًا عميقًا.

“أنت نصف أحمق، يا كيفن.” وبنبرة من يتحدّث عن خبرة، رمقه الجزّار بنظرة ازدراء. “أن ترسل لها بين حين وآخر بعض الأشياء هنا وهناك لا يكفي. عليك أن تُصرّح بحبّك. تُصرّح. بالحب. أتدري ما معنى ذلك؟!”

الشخص الذي تكلّم انحنى إلى الأمام، وتمكّن تاليس أخيرًا من رؤية أوّل الآرشيدوقات.

عند سماع هذا، بدأ كيفن يحكّ رأسه في ضيق. “ألا تعلم أن لها أبًا مخيفًا بلقبٍ غريب، شيء مثل الحزام الجلدي الكبير أو أيًّا كان… سمعتُ أنّه كان في حرس الجليد. لن يسمح أبدًا لابنته أن تتزوّج… أن تتزوّج…”

أغمض تاليس عينيه بإحكام، قابضًا قبضتيه.

“صبِيّ توصيل معدم من اتحاد العوام؟” شطر الجزّار عظم ساق خروف إلى نصفين.

وحده الملك نوڤين لم يتغيّر.

صفّق كيفن بيديه وقد شحب وجهه. “أجل، هذا هو السبب!”

“أطمئنك أنّ معلوماتنا دقيقة دائمًا.” قال رافاييل بمرح. “محاولة اغتيال صاحب السمو في الحصن هي أسلوبهم الأكثر استخدامًا… ستعثر بالتأكيد على ما تبحث عنه.”

“إذًا، تصرّف كرجل. اذهب لمقابلته بنفسك، وتحدّث إلى والدها وجهًا لوجه!” عبس الجزّار وضرب ساطوره بلوح التقطيع.

(هيا…)

ارتجف كيفن. فتح فمه وبدأ يتمتم.

“يا لك من صاحب حياة خالية من الهموم.” دوّى صوتٌ مفعم بالمرح من مؤخرة الغرفة. “تذبح اللحوم، وتُدير تجارتك، وتقدّم نصائح العلاقات لذاك الفتى الأحمق.”

لكن في النهاية، وبنظرة مهزومة، ابتلع الكلمات التي كان ينوي قولها. (أنا خائف).

وارتفعت ضحكات الآرشيدوقات سخريةً.

“همف، جبان.” تمتم الجزّار في خيبة. “انسَ الأمر إذًا… على أيّ حال، كيف سارت مهمتك؟”

“إن لم تكن لديك الجرأة لفعلها…”

“ها هو.” وبوجه عابس، ناوله كيفن ورقة مجعّدة. “ردّ الرئيس غليوارد، كما يُفترض.”

“هيا، ابذل جهدًا أكبر…” سخر الرجل ذو التسريحة الدائرية. “عما قريب ستقدر على رفعه حتى عنقك!”

أخذ الجزّار الملاحظة وشاهد الشاب يغادر وهو ما يزال غاضبًا.

أخذ الجزّار الملاحظة وشاهد الشاب يغادر وهو ما يزال غاضبًا.

“يا لك من صاحب حياة خالية من الهموم.” دوّى صوتٌ مفعم بالمرح من مؤخرة الغرفة. “تذبح اللحوم، وتُدير تجارتك، وتقدّم نصائح العلاقات لذاك الفتى الأحمق.”

عضّ تاليس على أسنانه، رافعًا صوته: “أتساءل أيّكم سيحظى بشرف المبارزة!”

تصلّبت ملامح الجزّار قليلًا.

وبينما ينظر إليه، تغيّرت نظرة نوڤين السابع قليلًا. وومض ضوء آخر في عينيه الخضراوين.

استدار وأغلق الباب بحركة سريعة.

“لماذا أنت هنا أصلًا؟ في جولة؟!”

“زيارتك لي في وقت كهذا.” قال “غو”، الجزّار القادم من أقصى الشرق، وهو يدير ظهره للباب. “ألا تخشى أن يكون السيف الأسود قد عاد؟” قال موجّهًا كلامه إلى هيئة تقف في الزاوية المظلمة خلفه.

“فالمعلومات المزيّفة كانت فكرتك في النهاية.”

لم يستطع الأرشيدوق الجالس بجانبه أن يمنع ضحكة قصيرة من الإفلات.

تقدّم شابٌ بثياب بيضاء—رافاييل ليندبيرغ—خارجًا من الظلال بابتسامةٍ ترتسم على محيّاه.

“لقد تفوّهت بالكثير… أأنت تخشى الموت؟” زفر الرجل الملتحي باحتقار. “وماذا الآن؟ أتريدنا أن نعفو عنك حمايةً لهذا ’الشرف’ الذي تزعم؟”

وكذئبٍ في السهوب، استنفر غو على الفور. انخفضت عيناه بحدّة.

“يا ابن الكوكبة الحقير.” تفل الرجل الملتحي.

(دخل إلى هنا بهذه الثقة المطلقة… يبدو أنّه حقًا يعرف كيف يُخفي أثره، بطريقة تُضلّل حتى حواس السيف الأسود المرهِبة، ذاك الذي يستطيع التقاط أدقّ الحركات—حتى تلك الخاصة بالحشرات والكائنات الصغيرة—من مئات الأمتار.)

ضيّق الرجل الأصلع عينيه وهو ينظر إلى تاليس وكأنه يريد أن يثقب جسده ببصره.

ضيّق غو عينيه.

تجمّد ذو التسريحة الدائرية لحظة.

لم يُجب رافاييل على جملته السابقة، بل قال بسخرية خفيفة: “ما الأمر؟ هل كنتَ مستشار علاقات قبل أن تخون حرّاس الغراب؟ لا بدّ أنك راكمتَ الكثير من الخبرة، أليس كذلك؟”

“فماذا تنتظر إذن؟” قال السيّد الأصلع بصوت منخفض. “أتنتظرنا لنمنعك؟”

“حُرّاس الغراب”. اثرت هاتان الكلمتان بغو تأثيرًا مباشرًا.

ازدادت غرابة نظرة الملك نوڤين، وبدأت ابتسامته تختفي.

رغم سنوات من التدريب على ضبط الانفعالات والتحكّم في ردود الفعل الجسدية، لم يستطع منع قلبه من أن يتجمّد قليلًا، ودمه من أن يندفع أسرع.

تجمّد تاليس لحظة، ثم حدّق في الأرشيدوق.

رفع رأسه نحو رافاييل، وتلاقت نظراتهما.

وقبل أن يتمكّن الآرشيدوقات من استيعاب منطقه، قبض تاليس على أسنانه واستقام واقفًا.

كانت النظرات هادئة كصفحة ماء، لكنهما كانا يعلمان العداء المستتر تحت هذا الهدوء.

وبعد تلك الثواني القصيرة، كان السيد ذي التسريحة الدائرية أول من انفجر ضاحكًا.

“ألا تُظهر أوراقك. بل تواصل كشف نقاط ضعف عدوّك باستخدام الإلهاء والمناورة، باغتنام الفرص، وبإثارة عين العاصفة—هذه هي التكتيكات الموروثة من القوات السرّية، والتي تستخدمها استخبارات المملكة.”

أما نوڤين السابع، فظلّ كما هو. لم يتغيّر، لا يزال يطفح بالبرودة واللامبالاة، وكأنه لم يبرأ بعد من جرح فقدان ابنه.

“منذ اتحاد سلالة الفجر والظلام مع الكوكبة، ونحن والاستخبارات نتشابك سرًا خلف الأبواب المغلقة. كل طرف يعرف حيل خصمه وأساليبه.”

“ما رأيك؟”

“لكن السؤال هو: من أين نبدأ؟”

“يا صاحب الجلالة”، كان آخر من تكلّم أصغرهم سنًا، شابًا في الثلاثينات، ذو شعرٍ كستنائي ووجه نظيف. وكانت على كتفه حدوةٌ دامية. تابع بلطف: “أقترح أن تزن الأمور مرّة أخرى…”

مع تدفّق كلمات معلّمه في أذنه، ازداد غو تيقظًا.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهو يمسح بعينيه الرجل الملتحي، وذو القصّة الدائرية، والسيّد الأصلع.

“إنه لأمر مثير، رؤية الناس يمضون في حياتهم.” رمق غو واجهة متجره الخالية بكسل وهو ينظّف الطاولة ببطء. كان معظم الناس قد خرجوا لرؤية أمير الكوكبة، في خضمّ ذلك الصخب.

(مرة أخرى أواجه مثل هذا الوضع.)

“تعلم…” قال بمعنى خفي، “بعد عمرٍ كامل تقريبًا من العيش في اليأس والظلمات، يشتاق المرء إلى رؤية ضوء الأمل.”

(لقد سئمت حقًا.)

“ظننتُ أن شخصًا بماضيك معتاد على الأشياء (المثيرة).” ارتسمت ابتسامة على زاوية شفتي رافاييل.

حوّل بصره نحو النافذة، وما وراءها—قصر الروح البطولية على الجبل.

“معتاد؟”

تجعد حاجبا تاليس في اضطراب لا إرادي.

“كيفن هو التجسيد الحقيقي لحياة الأحياء الفقراء.” قال غو وهو يطلق ضحكة بلا بهجة مع نظرة فضول. “الثروة، والخلفية، والمكانة—لا يملك منها شيئًا.”

ارتطم السيف الطويل بالأرض بقوة، وظل صدى الارتطام يتردّد طويلًا في الهواء.

“الشيء الوحيد الذي يملكه هو الحب؛ محبوبته. لطالما رسمها في خياله باعتبارها أبهى، وأثمن، وأطهر ما في العالم.”

الشخص الذي تكلّم انحنى إلى الأمام، وتمكّن تاليس أخيرًا من رؤية أوّل الآرشيدوقات.

“يفكّر فيها بابتسامة، بسعادة، بأمل.”

كانت النظرات هادئة كصفحة ماء، لكنهما كانا يعلمان العداء المستتر تحت هذا الهدوء.

“وقبل كل شيء، مُنح الحقّ في السعي نحو السعادة والهدف رغم الصعاب.” ثبّت غو نظره في رافاييل الذي بدا عليه الارتباك قليلًا. “ذاك الفتى يحيا حياة حقيقية.”

جرّ تاليس السيف الثقيل، وخطا خطوة للأمام وهو يجيب الملك نوڤين بصوتٍ عالٍ: “باسم الحقد والعدالة!”

تسلّلت خيوط الشمس إلى واجهة المتجر وسقطت على غو.

وبدت نظرة غريبة في عينيه. ووجّه بصره إلى آخر الطاولة الطويلة، محدقًا في الملك نوڤين مباشرةً بلا أدنى تراجع.

كانت عيناه هادئتين وصوته ساكنًا: “مقارنةً بنا نحن الذين نعيش كدودٍ في ظلال الأسرار، فهو سليم وغير مكسور.”

اشتدّ التوتر.

“ألا تجد ذلك أمرًا مثيرًا؟”

ثم قال بدون اي تردد: “أؤمن أنّ الآرشيدوقات الخمسة جميعًا رجالٌ أوفياء. ولن يتوانى أحدكم عن القتال نيابة عن جلالته!”

ظلّ رافاييل واقفًا في الظلام يصغي بصبر.

دام الصمت لعدّة ثوانٍ.

“لكن ما إن يستسلم المرء للفرح، حتى يستسلم للضعف.” قال مبتسمًا، “تمامًا مثل الأشياء التي جعلتك هشًّا. فكّر في الأمر، أيها الملك ياو—”

“الشيء الوحيد الذي يملكه هو الحب؛ محبوبته. لطالما رسمها في خياله باعتبارها أبهى، وأثمن، وأطهر ما في العالم.”

“لستُ بحاجة إلى أن أكون قويًّا.” قاطعه غو بصوت خالٍ من النبرة.

“حُرّاس الغراب”. اثرت هاتان الكلمتان بغو تأثيرًا مباشرًا.

“أحتاج فقط إلى إنهاء هذه الصفقة معكم.” قال بحزم.

“ألم ترغبوا في أن تُزهَق روحي تعويضًا عن الأمير موريا؟” سأل أمير الكوكبة بصوت خافت. “هذا أمر يسير للغاية.”

(بعكس أسلافك، الذين يزدهر كلٌ منهم بمهارته المتقنة أو دهائه الرفيع، فأنت خنجر في ظلمة أبدية، يظل مختفيًا. لن تُرى قوّتك إلا في تلك الضربة حين تُسدّد، لذا عليك تجنّب الصراعات غير الضرورية بكل وسعك. بل تهيّئ نفسك لأقوى، وأمضى، وآخر ضربة.)

تذكّر غو كلمات معلّمه فاسودّ وجهه.

“ألم تقتل الكوكبة ابنك الوحيد الباقي؟” عضّ تاليس على أسنانه، محافظًا على ثبات ركبتيه. “أليس من أعدل وأحقّ ما يفعله أبٌ مثلك أن ينتقم بنفسه؟”

(خنجر في الظلمة. مختفٍ إلى الأبد. ينتظر الضربة. يا للأسف.)

“فكلاهما أجدى بكثير من التحديق بنا، أليس كذلك؟”

تنفّس غو بعمق حتى غدت ملامحه بلا أي تعبير.

“معتاد؟”

كان رافاييل يراقبه كالصقر طيلة الوقت. ضحك بخفوت.

“أوه؟ تريد أن تُبارزني؟”

“أطمئنك أنّ معلوماتنا دقيقة دائمًا.” قال رافاييل بمرح. “محاولة اغتيال صاحب السمو في الحصن هي أسلوبهم الأكثر استخدامًا… ستعثر بالتأكيد على ما تبحث عنه.”

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وارتسمت على وجهه ابتسامة مزدرية. “نحن متكافئان في القوة، وفرص كلٍّ منّا بالفوز قريبة.”

بقي غو صامتًا وهو يومئ.

“فكلاهما أجدى بكثير من التحديق بنا، أليس كذلك؟”

اتّسعت ابتسامة رافاييل وانحنى قليلًا برأسه.

“كم أنك مزعج!”—قاطع تاليس كلامه ببرود—”يا صاحب التسريحة الدائرية!”

“الأمير ومرافقوه دخلوا المدينة. هم الآن في قصر الروح البطولية.” ثم انتقل إلى الموضوع المقصود. “ماذا لديك؟”

أما الملك نوڤين، فظلّ وجهه باردًا متبلّدًا كما هو.

ثبّت غو نظره عليه، وفتح الملاحظة التي جلبها كيفن. وفي الوقت ذاته، مرّر بصره على النص.

(أهذا ما خطّطوا له منذ البداية؟)

“بحسب اتحاد المنطقة، فإن موقع الوحش مؤكد.” وضع غو الملاحظة. “مع أننا لا نزال نجهل ما تخطّطون لفعله…” تمتم بصوت منخفض.

“دم تورموند وميدير يجري في عروقي، بينما ورث الملك نوڤين دم رايكارو وشارا. خلفيتنا متساوية.”

ضحك رافاييل وهزّ رأسه.

“شرف اختراق قلبي بنصل الانتقام!”

“أوه، لا تقلق,” قال بنبرة غريبة، “فنحن نقاتل من أجل العدالة، أليس كذلك؟”

استدار وأغلق الباب بحركة سريعة.

“تنقية مدننا من الكارثة، وتكريس أنفسنا لأمن الجنس البشري.”

تصلّبت ملامح الجزّار قليلًا.

بنفخة استهجان، استدار غو ومضى بخطوات متثاقلة.

(ثأر.)

“هراء.”

ازدادت غرابة نظرة الملك نوڤين، وبدأت ابتسامته تختفي.

غير متأثر، هزّ رافاييل رأسه وضحك بخفوت.

(ملوك.)

حوّل بصره نحو النافذة، وما وراءها—قصر الروح البطولية على الجبل.

لقد سمعت أن الفرسان القدماء كانوا يقسمون الولاء لملوكهم، ومنذئذٍ يطيعون معتقداتهم، ويحفظون مجدهم، ويدافعون عن شرفهم.” رفع تاليس رأسه ونظر إلى الأرشيدوق الأصلع وذا التسريحة الدائرية. “وكان موتهم نفسه موتًا مشرفًا.”

شُدّ للحظة إلى شرودٍ عابر.

لم يستطع إلا أن يتذكّر ما قاله غو عن كيفن المعدم.

في هذه الأثناء، ظلّ نوڤين السابع جامدًا لا يتحرك.

(الشيء الوحيد الذي يملكه هو الحب—محبوبته.)

رفع رأسه نحو رافاييل، وتلاقت نظراتهما.

(كان يرسمها دائمًا في خياله باعتبارها الأجمل، والأثمن، والأقدس في الدنيا.)

“الأمير ومرافقوه دخلوا المدينة. هم الآن في قصر الروح البطولية.” ثم انتقل إلى الموضوع المقصود. “ماذا لديك؟”

(يفكّر فيها بابتسامة، بسعادة، بأمل.)

ضيّق الرجل الأصلع عينيه وهو ينظر إلى تاليس وكأنه يريد أن يثقب جسده ببصره.

أظلمت عيناه وهو يُغمضهما ببطء.

وسمعت أيضًا أن إكستيدت ورثت تقاليد الفرسان القدماء المجيدة. وأظنكم تعظّمون المجد والشرف أكثر من حياتكم وسلامتكم.”

وبدت نظرة غريبة في عينيه. ووجّه بصره إلى آخر الطاولة الطويلة، محدقًا في الملك نوڤين مباشرةً بلا أدنى تراجع.

حدّق تاليس في السيف الطويل على الأرض وعرقٌ بارد يبلّل جبينه.

“وقبل كل شيء، مُنح الحقّ في السعي نحو السعادة والهدف رغم الصعاب.” ثبّت غو نظره في رافاييل الذي بدا عليه الارتباك قليلًا. “ذاك الفتى يحيا حياة حقيقية.”

(ما شأن هذا الوضع؟)

*سرييييخ…*

(أشقّ حنجرتي بنفسي؟)

“ألم ترغبوا في أن تُزهَق روحي تعويضًا عن الأمير موريا؟” سأل أمير الكوكبة بصوت خافت. “هذا أمر يسير للغاية.”

ظهرت في ذهنه وجوه نيكولاس وشيليس. لكن الآن، بدا وجههما ساخرًا على نحوٍ يثير الغيظ.

عضّ تاليس على أسنانه، رافعًا صوته: “أتساءل أيّكم سيحظى بشرف المبارزة!”

(“لأجل صاحب السمو ومصلحة الملك نوڤين، يستحثّك جلالته أن تتعاون معه في تنفيذ مخطّطه للثأر. الصيّاد قد أحدَّ سكّينه. الفخاخ والكمائن قد وُضعت. مصير الفريسة قد حُسم.”)

(هل كان ذلك مجرّد وهم؟)

رفع الأمير رأسه ونظر إلى الشيخ الذي يُفترض أنه حليفه، بنظرة عدم تصديق.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

كان حدّ نظرة الملك نوڤين الفولاذية مُثبّتة عليه.

(لا وقت للشكّ أو للتمحيص.)

(من هو الفريسة حقًا، ومن هو الصيّاد؟)

ولحق به بقية الآرشيدوقات، يقهقهون عاليًا.

تذكّر بوضوح شرحه لتحالفه مع الملك نوڤين للكونت غيلبرت في قاعة مينديس.

“فاركع أمامنا وتوسّل.”

(والآن يبدو الأمر مجرّد نكتة.)

(كان يرسمها دائمًا في خياله باعتبارها الأجمل، والأثمن، والأقدس في الدنيا.)

“تابع.” حثّه نوڤين السابع بصوتٍ خاوٍ من الروح. “أرِنا بأسك وفخرك كوريثٍ لعائلة جيدستار…”

وتناوبت وجوههم بين الدهشة والحيرة.

“العين بالعين!”

وقبل أن يتمكّن الآرشيدوقات من استيعاب منطقه، قبض تاليس على أسنانه واستقام واقفًا.

تثبّتت عينا تاليس على السيف. تسارعت أنفاسه ودار رأسه.

“ذهبتَ لتبحث عن فتاتك مجددًا؟” قاطعه الجزّار كاشفًا كذبته. “ألهذا السبب تأخّرت مرة أخرى؟”

ألقى نظرة أخرى على الملك نوڤين، لكن البرودة والبغضاء في نظرات الرجل العجوز بقيتا على حالهما.

وكأنهم يشاهدون قردًا يرقص في الشوارع.

(ما الذي يجب أن أفعله؟)

“كم أنك مزعج!”—قاطع تاليس كلامه ببرود—”يا صاحب التسريحة الدائرية!”

(لا وقت للشكّ أو للتمحيص.)

“يا ملك إكستيدت المُنتخَب شعبيًا، الملك نوڤين والتون السابع…”

تجعد حاجبا تاليس في اضطراب لا إرادي.

“بأيّ حق؟”

(ما الذي يجب أن أفعله؟)

“حُرّاس الغراب”. اثرت هاتان الكلمتان بغو تأثيرًا مباشرًا.

كان الملك نوڤين يريد حياته.

“المبارزة ستستمر!”

أغمض تاليس عينيه بإحكام، قابضًا قبضتيه.

“هاهاهاها!” ضحك الأرشيدوق الرابع عاليًا، ثم ظهر تحت الضوء. “أتجرؤ فعلًا على قول هذا، يا فتى؟ شيخٌ ضعيف؟ متكافئان في القوة؟ هاها، يا جلالة الملك… هذا ممتع للغاية!”

(ما الذي يجب أن أفعله؟)

“ماذا الآن؟” برز صوت غريب بين الآرشيدوقات الخمسة. “كوريث لجيدستار وخليفة صائن القسم، أما لديك الجرأة للتضحية بنفسك كفّارة؟”

الآرشيدوقات الخمسة شحبَت وجوههم جميعًا، مما بعث في صدره غبطة مباغتة.

“لماذا أنت هنا أصلًا؟ في جولة؟!”

أطلق الأرشيدوق الملتحي نفخة ضجر.

الشخص الذي تكلّم انحنى إلى الأمام، وتمكّن تاليس أخيرًا من رؤية أوّل الآرشيدوقات.

“تنقية مدننا من الكارثة، وتكريس أنفسنا لأمن الجنس البشري.”

كان يجلس إلى يسار نوڤين السابع رجلٌ ملتحٍ، ضخم الجسم، خشن الهيئة، في الأربعين من عمره. كان يرتدي ثيابًا فظةً بسيطة، وفوقها دبّوس مثلث تتوسّطه دائرة. كان الرجل يحدّق في تاليس باحتقارٍ مطلق وعداءٍ لا يمكن كبته.

كان هذا الأرشيدوق ذا شعر منسدل على كتفيه، في الأربعينات من عمره، وعلى ردائه شارة ملفّ. له وجه حازم وضحكة صادحة، وقد ذكّره كثيرًا بذلك الدوق الشمالي في الكوكبة، ذاك الشماليّ الأصل.

“إن لم تكن لديك الجرأة لفعلها…”

“معتاد؟”

“فاركع أمامنا وتوسّل.”

(ما الذي يجب أن أفعله؟)

“يا ابن الكوكبة الحقير.” تفل الرجل الملتحي.

“لكن ما إن يستسلم المرء للفرح، حتى يستسلم للضعف.” قال مبتسمًا، “تمامًا مثل الأشياء التي جعلتك هشًّا. فكّر في الأمر، أيها الملك ياو—”

ازداد انطباق أسنان تاليس.

سقط ضوء النار على صاحب الصوت.

(اللعنة.)

“اقتلوا أمير الكوكبة، وانتقموا لإكستيدت!”

(هؤلاء الشماليون الملعونون.)

“كيفن هو التجسيد الحقيقي لحياة الأحياء الفقراء.” قال غو وهو يطلق ضحكة بلا بهجة مع نظرة فضول. “الثروة، والخلفية، والمكانة—لا يملك منها شيئًا.”

وفي الأثناء، انحنى أرشيدوق آخر إلى الأمام. أضاء وهج النار وجهه ولاحته الدائرية.

كان رافاييل يراقبه كالصقر طيلة الوقت. ضحك بخفوت.

كان رجلاً ضخمًا، أيضًا في الأربعين، لكنه بدا أصغر قليلًا من الملتحي. كانت ملامحه حادّةً، وذقنه مدبّبًا. وخيطت على ثيابه رسوم لامعة لسيوفٍ ونصال.

(ومع ذلك… لن أموت هنا.)

“ربما أولئك المتعجرفون من الكوكبة ظنّوا أن…” قال الرجل ذو اللاحة الدائرية ببرود، “إرسال طفلٍ في السابعة، من سلالة النبلاء، إلى أراضينا الريفية سيكون أعظم شرفٍ يُمنح لنا، نحن رجال الشمال المتوحّشين.”

لم يستطع إلا أن يتذكّر ما قاله غو عن كيفن المعدم.

“وربما ذاك كيسل كان يفكّر: ‘ألم يكن مجرد أمير قتلناه؟'” أطلق الرجل قصير الشعر ابتسامة باردة، مُشعلًا النار عمدًا. “‘لكن انظروا، ها هو ابني يتولّى أمركم، يا ايها الشماليين الحمقى!'”

تسلّلت خيوط الشمس إلى واجهة المتجر وسقطت على غو.

اشتدّ التوتر.

(ثأر.)

تسارعت أنفاس تاليس وهو يرفع رأسه دفعة واحدة. غدت نظراته الموجّهة إلى الآرشيدوقات أكثر توهجًا وإرهابًا.

(لا وقت للشكّ أو للتمحيص.)

“أوه، أأنت غاضب؟” انحنى الأرشيدوق الثالث نحو ضوء النار. كان سيّدًا هرِمًا في الخمسين أو الستين من عمره، متجهّم الوجه، أصلع الرأس تقريبًا، ولم يبقَ من شعره إلا خصلتان قرب الأذنين. كان يعتمر طوقًا نحاسيًا على جبينه، ويرتدي عباءة مطرّزة بقطعة من سلسلة.

“ذهبتَ لتبحث عن فتاتك مجددًا؟” قاطعه الجزّار كاشفًا كذبته. “ألهذا السبب تأخّرت مرة أخرى؟”

“قل لي، هل ستستجمع رجولتك وتأخذ ذاك السيف، أم لا؟” قال السيّد الأصلع بحدة. “ومهما أردت أن تفعل به—تشقّ به جوفك أو تهجم علينا…”

“وربما ذاك كيسل كان يفكّر: ‘ألم يكن مجرد أمير قتلناه؟'” أطلق الرجل قصير الشعر ابتسامة باردة، مُشعلًا النار عمدًا. “‘لكن انظروا، ها هو ابني يتولّى أمركم، يا ايها الشماليين الحمقى!'”

“فكلاهما أجدى بكثير من التحديق بنا، أليس كذلك؟”

“حُرّاس الغراب”. اثرت هاتان الكلمتان بغو تأثيرًا مباشرًا.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهو يمسح بعينيه الرجل الملتحي، وذو القصّة الدائرية، والسيّد الأصلع.

“شارفت السبعين. شيخٌ كبير، واهن القوة، ضعيف البصر.”

في هذه الأثناء، ظلّ نوڤين السابع جامدًا لا يتحرك.

“ولكن إن كنّا سنُنهي كل شيء اليوم حقًا…” جال تاليس ببصره على الآرشيدوقات الخمسة—الملتحي، ذو التسريحة الدائرية، الأصلع، ذو الشعر الطويل، والشاب كستنائي الشعر.

كان الرجال الستة الجالسين في القاعة الحجرية يرمقون الفتى والسيف الملقى أمامه بنظراتٍ لافحة.

وبينما كان يضحك ملء حنجرته، تجاهل الآخرين تمامًا، حتى إنه ضرب الطاولة بكفّه. “لديك جرأة، أيها الفتى!”

وبينما يسيطر على غضبه، شعر تاليس بشرارة حارقة تتفجّر في صدره.

وفي هذا الصمت المهول، وقف تاليس في مواجهة الرجال الستة أمامه.

(أهذا ما خطّطوا له منذ البداية؟)

عبس الآرشيدوقات الخمسة على التوالي.

خانوه، وتحولت حيرته تدريجيًا إلى سخطٍ وكراهية.

ارتسمت علامات الحيرة على وجوه الآرشيدوقات جميعًا.

(ما الذي يجب أن أفعله؟)

(لا وقت للشكّ أو للتمحيص.)

(أحتاج إلى خطّة.)

تجمّد تاليس لحظة، ثم حدّق في الأرشيدوق.

(دينُ الدماء.)

ارتسمت علامات الحيرة على وجوه الآرشيدوقات جميعًا.

(ثأر.)

ولا نخشى ذاك الأب الجبان الذي لك، ولا تلك البلاد الواهنة التي تقف خلفك.”

(ملوك.)

“ولكن إن كنّا سنُنهي كل شيء اليوم حقًا…” جال تاليس ببصره على الآرشيدوقات الخمسة—الملتحي، ذو التسريحة الدائرية، الأصلع، ذو الشعر الطويل، والشاب كستنائي الشعر.

(الآرشيدوقات.)

(لقد سئمت حقًا.)

انقدحت فكرةٌ خشنة فجأةً في مؤخرة ذهن تاليس.

“شرف اختراق قلبي بنصل الانتقام!”

ورفع رأسه دفعةً واحدة.

رفع رأسه نحو رافاييل، وتلاقت نظراتهما.

“حسنًا جدًا.” اشتدّ لهاث تاليس. وكان في كلماته رفضٌ للخضوع، واستياء، واستنكاف. “دمٌ مقابل دم… ذاك أمرٌ عادل فعلًا…”

أعاد نوڤين السابع بصره نحو تاليس، ولا يزال جالسًا على عرشه. حدّق فيه صامتًا ستّ ثوانٍ كاملة.

وتحت أنظارهم جميعًا، المتأمّلة أو الساخرة أو اللامبالية، انحنى تاليس ببطء.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

التقط السيف عن الأرض.

رفع تاليس السيف الطويل بمشقّة عظيمة.

(مرة أخرى أواجه مثل هذا الوضع.)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

(ومرة أخرى أواجه مثل هذا الخيار.)

“أنا… أنا هنا!” اندفع شابٌ إلى داخل متجر الجزّار. أسند ظهره إلى الحائط وهو يلهث بشدّة. “أمير الكوكبة في المدينة، لذا ذهبتُ—”

(لقد سئمت حقًا.)

“كم أنك مزعج!”—قاطع تاليس كلامه ببرود—”يا صاحب التسريحة الدائرية!”

(يا لهذه الشراذم.)

أما الثلاثة الآخرون فحدّقوا في تاليس بنظراتٍ معادية.

تصلّبت نظراته تدريجيًا.

(لِمَ هو ثقيلٌ إلى هذا الحد؟)

(ومع ذلك… لن أموت هنا.)

“زيارتك لي في وقت كهذا.” قال “غو”، الجزّار القادم من أقصى الشرق، وهو يدير ظهره للباب. “ألا تخشى أن يكون السيف الأسود قد عاد؟” قال موجّهًا كلامه إلى هيئة تقف في الزاوية المظلمة خلفه.

(لن أموت.)

التقى بصرُه ببصر تاليس المُعلّق في الهواء، فتجمّد قلب الأخير لحظةً خوفًا.

بانفجار قوة في ذراعيه، رفع تاليس السيف.

تذكّر بوضوح شرحه لتحالفه مع الملك نوڤين للكونت غيلبرت في قاعة مينديس.

(انتظر… هذا السيف!) ارتجف في دهشة.

لم يستطع إلا أن يتذكّر ما قاله غو عن كيفن المعدم.

(لِمَ هو ثقيلٌ إلى هذا الحد؟)

ثم جاء الصوت الأخير، صوت الأرشيدوق الخامس، بنبرة لطيفة رقيقة. امتد صوته نحو تاليس: “حسنًا… لعلّ علينا التباحث أكثر… لا داعي لأن نمزّق بعضنا الآن…”

انزلق السيف من يديه في اللحظة التي تشتت فيها انتباهه قليلًا، لأنه لم يكن مستعدًا.

صفّق كيفن بيديه وقد شحب وجهه. “أجل، هذا هو السبب!”

*طان!*

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

ارتطم السيف الطويل بالأرض بقوة، وظل صدى الارتطام يتردّد طويلًا في الهواء.

أشار الرجل ذو التسريحة الدائرية إلى تاليس، وكانت التجاعيد تنفرج على وجهه بينما يضحك. “هل سمعتم؟ صبيّ في السابعة، ههههه… يقول إنه يريد المبارزة…”

وحين رأوا ذلك، انفجر الآرشيدوقات الخمسة ضاحكين.

أما نوڤين السابع، فظلّ كما هو. لم يتغيّر، لا يزال يطفح بالبرودة واللامبالاة، وكأنه لم يبرأ بعد من جرح فقدان ابنه.

وكأنهم يشاهدون قردًا يرقص في الشوارع.

“هيا، ابذل جهدًا أكبر…” سخر الرجل ذو التسريحة الدائرية. “عما قريب ستقدر على رفعه حتى عنقك!”

“اهدأ يا فتى!” قال السيّد الأصلع بنبرة عميقة، “انظر جيدًا. هذه هو ثِقلُ السيوف في الشمال.”

متجاهلًا نظرات السخرية، أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وأمسك مقبض السيف مرةً أخرى بعزمٍ صارم.

أغمض تاليس عينيه وأخذ نفسين ثقيلين.

اتّسعت ابتسامة رافاييل وانحنى قليلًا برأسه.

(إنه ثقيل جدًا.)

أما الملك نوڤين، فظلّ وجهه باردًا متبلّدًا كما هو.

(مقارنةً بالسيف الخشبي الثقيل الذي كنت أتدرّب به مع جينيس في قاعة مينديس، فهذا سيف السيّد أثقل قليلًا.)

أما نوڤين السابع، فظلّ كما هو. لم يتغيّر، لا يزال يطفح بالبرودة واللامبالاة، وكأنه لم يبرأ بعد من جرح فقدان ابنه.

متجاهلًا نظرات السخرية، أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وأمسك مقبض السيف مرةً أخرى بعزمٍ صارم.

الشخص الذي تكلّم انحنى إلى الأمام، وتمكّن تاليس أخيرًا من رؤية أوّل الآرشيدوقات.

وهذه المرة، استخدم كلتا يديه، وفقط عندها لم يسقط السيف من قبضته.

(بعكس أسلافك، الذين يزدهر كلٌ منهم بمهارته المتقنة أو دهائه الرفيع، فأنت خنجر في ظلمة أبدية، يظل مختفيًا. لن تُرى قوّتك إلا في تلك الضربة حين تُسدّد، لذا عليك تجنّب الصراعات غير الضرورية بكل وسعك. بل تهيّئ نفسك لأقوى، وأمضى، وآخر ضربة.)

رفع تاليس السيف الطويل بمشقّة عظيمة.

“أحتاج فقط إلى إنهاء هذه الصفقة معكم.” قال بحزم.

*سرييييخ…*

(هؤلاء الشماليون الملعونون.)

أصدر رأس النصل صريرًا مزعجًا وهو ينجرّ فوق بلاط الأرض.

ثم جاء الصوت الأخير، صوت الأرشيدوق الخامس، بنبرة لطيفة رقيقة. امتد صوته نحو تاليس: “حسنًا… لعلّ علينا التباحث أكثر… لا داعي لأن نمزّق بعضنا الآن…”

“هيا، ابذل جهدًا أكبر…” سخر الرجل ذو التسريحة الدائرية. “عما قريب ستقدر على رفعه حتى عنقك!”

ابتسم تاليس في قلبه ابتسامة خفيفة.

وارتفعت ضحكات الآرشيدوقات سخريةً.

ضيّق الرجل الأصلع عينيه وهو ينظر إلى تاليس وكأنه يريد أن يثقب جسده ببصره.

أما الملك نوڤين، فظلّ وجهه باردًا متبلّدًا كما هو.

أما الرجل الملتحي، فاسودّ وجهه وهو يُقلّب نظره بين الملك نوڤين وتاليس.

وكأنه ينتظر تاليس.

لقد بدا عليهم القدر نفسه من المفاجأة من هذا التطوّر المفاجئ. وكانوا ينتظرون قرار ملكهم.

قبض الأمير الثاني على أسنانه، وبكلتا يديه راح يجرّ السيف بثقل، إلى أن تمكّن أخيرًا، بعد عناء، من رفع السيف أمامه.

“كونكراي بوڤريت.” لم يتغيّر وجه الملك نوڤين. لم يزد على أن حرّك رأسه قليلًا موجّهًا نظره نحو الأرشيدوق الشاب. “هل أبدو وكأنني أمزح؟”

لهث بقوة وهو يمسك السيف الثقيل، رافعًا رأسه لينظر إلى الخمسة.

“فماذا تنتظر إذن؟” قال السيّد الأصلع بصوت منخفض. “أتنتظرنا لنمنعك؟”

“تذكّر هذا جيدًا يا فتى. لا تُهدّد شماليًا بالقوى التي تقف خلفك،” تفل الرجل الملتحي بحدّة. “فنحن لا نخشى شيئًا. هذه هي شريعتنا في الشمال.

“أؤمن أنّها ستكون مبارزة خطيرة… ومثيرة، لا تختلف كثيرًا عن مؤتمر اختيار الملوك.”

ولا نخشى ذاك الأب الجبان الذي لك، ولا تلك البلاد الواهنة التي تقف خلفك.”

(نوڤين بشر أيضًا. يشيخ، ويخدع بالدسائس والنساء، ويومًا ما سيسيطر عليه الهوى والاندفاع.)

شدّ تاليس قبضته على السيف، وانعقد حاجباه بشدّة. وبدأ يزيد قوّة قبضته تدريجيًا.

وقبل أن يتمكّن الآرشيدوقات من استيعاب منطقه، قبض تاليس على أسنانه واستقام واقفًا.

وعلى الرغم من أنه لا يوجد ما يُقلِق منه، إلا أن الرجل ذا التسريحة الدائرية الذي كان يسخر منه طوال الوقت قال بنبرةٍ مذعورة: “لا تقلق يا صاحب السمو. سنوقفك حتمًا قبل أن تذبح عنقك بنفسك. فنحن هنا في إكستيدت، بلدٌ صغير متخلّف. كيف لنا أن نجرؤ على أن ندع وريث الإمبراطورية العظمى وقائد الكوكبة المستقبلي ينزف هنا؟ هههههه… نحن—”

(مرة أخرى أواجه مثل هذا الوضع.)

“كم أنك مزعج!”—قاطع تاليس كلامه ببرود—”يا صاحب التسريحة الدائرية!”

“وبدلًا من أن أُنهي حياتي بخسّةٍ بلا شرف ولا فخر، أودّ أن أطلب من إكستيدت، المتمسّكة بتقليد السعي للمجد، أن تمنحني أكرم موت،” نطق أمير الكوكبة بوضوح وبطء.

لم يستطع الأرشيدوق الجالس بجانبه أن يمنع ضحكة قصيرة من الإفلات.

(يفكّر فيها بابتسامة، بسعادة، بأمل.)

وابتلع الرجل كلامه في حلقه، وأطبق فمه وهو يرمق تاليس بنظرة نارية.

ارتجف كيفن. فتح فمه وبدأ يتمتم.

“ألم ترغبوا في أن تُزهَق روحي تعويضًا عن الأمير موريا؟” سأل أمير الكوكبة بصوت خافت. “هذا أمر يسير للغاية.”

“لا!” قاطعه تاليس.

“فماذا تنتظر إذن؟” قال السيّد الأصلع بصوت منخفض. “أتنتظرنا لنمنعك؟”

“أطمئنك أنّ معلوماتنا دقيقة دائمًا.” قال رافاييل بمرح. “محاولة اغتيال صاحب السمو في الحصن هي أسلوبهم الأكثر استخدامًا… ستعثر بالتأكيد على ما تبحث عنه.”

“أتريدون موتي بهذه الصورة؟” بصق تاليس وهو يتحمّل نظرات الجمع الغريبة. “ذاك أمرٌ أحمق وضعيف للغاية. ثم إنه لا ذرة شرف فيه.”

“قل لي، هل ستستجمع رجولتك وتأخذ ذاك السيف، أم لا؟” قال السيّد الأصلع بحدة. “ومهما أردت أن تفعل به—تشقّ به جوفك أو تهجم علينا…”

لقد سمعت أن الفرسان القدماء كانوا يقسمون الولاء لملوكهم، ومنذئذٍ يطيعون معتقداتهم، ويحفظون مجدهم، ويدافعون عن شرفهم.” رفع تاليس رأسه ونظر إلى الأرشيدوق الأصلع وذا التسريحة الدائرية. “وكان موتهم نفسه موتًا مشرفًا.”

كانت النظرات هادئة كصفحة ماء، لكنهما كانا يعلمان العداء المستتر تحت هذا الهدوء.

وسمعت أيضًا أن إكستيدت ورثت تقاليد الفرسان القدماء المجيدة. وأظنكم تعظّمون المجد والشرف أكثر من حياتكم وسلامتكم.”

ظلّ رافاييل واقفًا في الظلام يصغي بصبر.

“لقد تفوّهت بالكثير… أأنت تخشى الموت؟” زفر الرجل الملتحي باحتقار. “وماذا الآن؟ أتريدنا أن نعفو عنك حمايةً لهذا ’الشرف’ الذي تزعم؟”

بدأ الأرشيدوقان المختبئان في الظلال يتهامسان.

“لا.” تنفّس تاليس ببطء. “منذ وطئتُ هذه البلاد، لم أتوقّع أن أعود حيًّا.”

بدأ الأرشيدوقان المختبئان في الظلال يتهامسان.

وقبل أن يتمكّن الآرشيدوقات من استيعاب منطقه، قبض تاليس على أسنانه واستقام واقفًا.

“منذ اتحاد سلالة الفجر والظلام مع الكوكبة، ونحن والاستخبارات نتشابك سرًا خلف الأبواب المغلقة. كل طرف يعرف حيل خصمه وأساليبه.”

وبدت نظرة غريبة في عينيه. ووجّه بصره إلى آخر الطاولة الطويلة، محدقًا في الملك نوڤين مباشرةً بلا أدنى تراجع.

أنزل الملك نوڤين ذراعه بهدوء وشبك يديه، يراقب تاليس بصمت.

وبينما ينظر إليه، تغيّرت نظرة نوڤين السابع قليلًا. وومض ضوء آخر في عينيه الخضراوين.

“كونكراي بوڤريت.” لم يتغيّر وجه الملك نوڤين. لم يزد على أن حرّك رأسه قليلًا موجّهًا نظره نحو الأرشيدوق الشاب. “هل أبدو وكأنني أمزح؟”

“وبدلًا من أن أُنهي حياتي بخسّةٍ بلا شرف ولا فخر، أودّ أن أطلب من إكستيدت، المتمسّكة بتقليد السعي للمجد، أن تمنحني أكرم موت،” نطق أمير الكوكبة بوضوح وبطء.

“معتاد؟”

“يا ملك إكستيدت المُنتخَب شعبيًا، الملك نوڤين والتون السابع…”

ثم جاء الصوت الأخير، صوت الأرشيدوق الخامس، بنبرة لطيفة رقيقة. امتد صوته نحو تاليس: “حسنًا… لعلّ علينا التباحث أكثر… لا داعي لأن نمزّق بعضنا الآن…”

وفي اللحظة التالية، غرس الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار، السيف الثقيل قائمًا على الأرض، مسندًا إياه بيدٍ واحدة. ثم رفع يده اليمنى بحسم، وشكّل خطًا مستقيمًا أمامه ليشير به نحو الملك العجوز في البعيد.

أخذ أمير الكوكبة نفسًا عميقًا.

ونطق بوضوح لا لبس فيه: “تفضّل… وخذ حياتي بيديك.”

(ماذا؟)

“هراء.”

صُدم الآرشيدوقات الخمسة بالتساوي.

وفي اللحظة التالية، غرس الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار، السيف الثقيل قائمًا على الأرض، مسندًا إياه بيدٍ واحدة. ثم رفع يده اليمنى بحسم، وشكّل خطًا مستقيمًا أمامه ليشير به نحو الملك العجوز في البعيد.

صرخ تاليس بكل قوته: “أفضل أن أموت على يد رجلٍ آخر كمحارب! أفضل أن أقف وجهًا لوجه معك، وأراك تغرس سيفك في قلبي.”

(انتظر… هذا السيف!) ارتجف في دهشة.

تردّد صوته في أرجاء القاعة الحجرية.

(ثأر.)

ثم حلّ الصمت فجأة.

ولا نخشى ذاك الأب الجبان الذي لك، ولا تلك البلاد الواهنة التي تقف خلفك.”

وفي هذا الصمت المهول، وقف تاليس في مواجهة الرجال الستة أمامه.

مدينة سحب التنين، شارع ويست-إكسبريس.

ضيّق الرجل الأصلع عينيه وهو ينظر إلى تاليس وكأنه يريد أن يثقب جسده ببصره.

(ما الذي يجب أن أفعله؟)

أما الرجل الملتحي، فاسودّ وجهه وهو يُقلّب نظره بين الملك نوڤين وتاليس.

وتوقّف الآرشيدوقات عن التنفّس.

وشرع الرجل ذو القصّة الدائرية يفرك يديه، ولا يُعلم بمَ يفكّر.

“ألا تجد ذلك أمرًا مثيرًا؟”

“إن كان قتل طفلٍ بيدك يُزعجك، فلا مانع لدي أن اغير كلماتي.”

(الشيء الوحيد الذي يملكه هو الحب—محبوبته.)

وبينما يقرأ في وجوه الآرشيدوقات، ابتسم تاليس بسخرية ولاهثًا. “لقد سمعتُ بطقس وراثةٍ قديم في الشمال. يُمارَس في كل شيء من وراثة لقب نبيل إلى اختيار الآرشيدوقات لملكهم.”

وكأنهم يشاهدون قردًا يرقص في الشوارع.

وبعد ثانيتين، تلاشت أصداء كلام تاليس من القاعة الحجرية.

(دينُ الدماء.)

(طقس قديم؟)

وبينما يقرأ في وجوه الآرشيدوقات، ابتسم تاليس بسخرية ولاهثًا. “لقد سمعتُ بطقس وراثةٍ قديم في الشمال. يُمارَس في كل شيء من وراثة لقب نبيل إلى اختيار الآرشيدوقات لملكهم.”

(وراثة لقبٍ نبيل؟)

أغمض تاليس عينيه بإحكام، قابضًا قبضتيه.

(الآرشيدوقات يختارون ملكهم؟)

لقد بدا عليهم القدر نفسه من المفاجأة من هذا التطوّر المفاجئ. وكانوا ينتظرون قرار ملكهم.

عبس الآرشيدوقات الخمسة على التوالي.

وكذئبٍ في السهوب، استنفر غو على الفور. انخفضت عيناه بحدّة.

لكن نظراتهم إلى تاليس تغيّرت بالفعل.

وكأنهم يشاهدون قردًا يرقص في الشوارع.

وتناوبت وجوههم بين الدهشة والحيرة.

تنفّس غو بعمق حتى غدت ملامحه بلا أي تعبير.

أما نوڤين السابع، فظلّ كما هو. لم يتغيّر، لا يزال يطفح بالبرودة واللامبالاة، وكأنه لم يبرأ بعد من جرح فقدان ابنه.

تردّد صوته اليافع في أرجاء القاعة الحجرية.

سحب تاليس يده اليمنى، ووضعها على مقبض السيف. وظلّت عيناه مصوّبتين إلى الملك نوڤين.

أما نوڤين السابع، فظلّ كما هو. لم يتغيّر، لا يزال يطفح بالبرودة واللامبالاة، وكأنه لم يبرأ بعد من جرح فقدان ابنه.

“الملك نوڤين، إن كنتَ حقًا تريد الانتقام…” قالها بنبرة مستوية، “فلنحتكم إلى مبارزة لحلّ هذه المسألة.”

(هيا…)

“أنا وأنت.”

“هيا، ابذل جهدًا أكبر…” سخر الرجل ذو التسريحة الدائرية. “عما قريب ستقدر على رفعه حتى عنقك!”

دام الصمت لعدّة ثوانٍ.

“يا ملك إكستيدت المُنتخَب شعبيًا، الملك نوڤين والتون السابع…”

وبعد تلك الثواني القصيرة، كان السيد ذي التسريحة الدائرية أول من انفجر ضاحكًا.

“فماذا تنتظر إذن؟” قال السيّد الأصلع بصوت منخفض. “أتنتظرنا لنمنعك؟”

ولحق به بقية الآرشيدوقات، يقهقهون عاليًا.

(من هو الفريسة حقًا، ومن هو الصيّاد؟)

وحده الملك نوڤين لم يتغيّر.

صُدم الآرشيدوقات الخمسة بالتساوي.

أشار الرجل ذو التسريحة الدائرية إلى تاليس، وكانت التجاعيد تنفرج على وجهه بينما يضحك. “هل سمعتم؟ صبيّ في السابعة، ههههه… يقول إنه يريد المبارزة…”

ضيّق غو عينيه.

غير أنّ ضحكته لم تدم طويلًا.

“شارفت السبعين. شيخٌ كبير، واهن القوة، ضعيف البصر.”

رفع نوڤين والتون، الملك المُنتخَب لإكستيدت، يده ببطء، وأوقف سخريّات الآرشيدوقات.

“ظننتُ أن شخصًا بماضيك معتاد على الأشياء (المثيرة).” ارتسمت ابتسامة على زاوية شفتي رافاييل.

تجمّد ذو التسريحة الدائرية لحظة.

(لِمَ هو ثقيلٌ إلى هذا الحد؟)

وبصوته العجوز العميق، تكلّم الملك ببطءٍ متمهِّل:

بدأ الأرشيدوقان المختبئان في الظلال يتهامسان.

“أوه؟ تريد أن تُبارزني؟”

وبينما يسيطر على غضبه، شعر تاليس بشرارة حارقة تتفجّر في صدره.

التقى بصرُه ببصر تاليس المُعلّق في الهواء، فتجمّد قلب الأخير لحظةً خوفًا.

حوّل بصره نحو النافذة، وما وراءها—قصر الروح البطولية على الجبل.

“بأيّ حق؟”

لم يستطع الأرشيدوق الجالس بجانبه أن يمنع ضحكة قصيرة من الإفلات.

أخذ أمير الكوكبة نفسًا عميقًا.

ولحق به بقية الآرشيدوقات، يقهقهون عاليًا.

(هيا…)

رفع نوڤين والتون، الملك المُنتخَب لإكستيدت، يده ببطء، وأوقف سخريّات الآرشيدوقات.

جرّ تاليس السيف الثقيل، وخطا خطوة للأمام وهو يجيب الملك نوڤين بصوتٍ عالٍ: “باسم الحقد والعدالة!”

“أنا ملك الكوكبة المقبل. وهو ملك إكستيدت الحالي. مكانتنا متساوية.

تردّد صوته اليافع في أرجاء القاعة الحجرية.

“بأيّ حق؟”

بدأ الأرشيدوقان المختبئان في الظلال يتهامسان.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

أما الثلاثة الآخرون فحدّقوا في تاليس بنظراتٍ معادية.

“تعلم…” قال بمعنى خفي، “بعد عمرٍ كامل تقريبًا من العيش في اليأس والظلمات، يشتاق المرء إلى رؤية ضوء الأمل.”

“ألم تقتل الكوكبة ابنك الوحيد الباقي؟” عضّ تاليس على أسنانه، محافظًا على ثبات ركبتيه. “أليس من أعدل وأحقّ ما يفعله أبٌ مثلك أن ينتقم بنفسه؟”

لم يستطع إلا أن يتذكّر ما قاله غو عن كيفن المعدم.

أطلق الأرشيدوق الملتحي نفخة ضجر.

(بعكس أسلافك، الذين يزدهر كلٌ منهم بمهارته المتقنة أو دهائه الرفيع، فأنت خنجر في ظلمة أبدية، يظل مختفيًا. لن تُرى قوّتك إلا في تلك الضربة حين تُسدّد، لذا عليك تجنّب الصراعات غير الضرورية بكل وسعك. بل تهيّئ نفسك لأقوى، وأمضى، وآخر ضربة.)

وبملامح غاضبة، قال: “صبيّ في السابعة يريد تحدّي الملك المُنتخَب لإكستيدت؟ ألا يزعجك أنّ الفارق بينكما هائل؟”

“ها هو.” وبوجه عابس، ناوله كيفن ورقة مجعّدة. “ردّ الرئيس غليوارد، كما يُفترض.”

أنزل الملك نوڤين ذراعه بهدوء وشبك يديه، يراقب تاليس بصمت.

وشرع الرجل ذو القصّة الدائرية يفرك يديه، ولا يُعلم بمَ يفكّر.

لسببٍ ما، شعر تاليس أن جزءًا كبيرًا من عدائيته تلاشى في تلك اللحظة.

“أحتاج فقط إلى إنهاء هذه الصفقة معكم.” قال بحزم.

(هل كان ذلك مجرّد وهم؟)

اختنق صوت الأرشيدوق الشاب، كونكراي بوڤريت.

(لا يهم… عليّ أن أفعل ما يجب أن أفعله…)

“لماذا أنت هنا أصلًا؟ في جولة؟!”

“لا!”

(هل كان ذلك مجرّد وهم؟)

رفع تاليس جيدستار رأسه، محاولًا تقليد الوقفة التي كان يتخذها موريس من الأخوية حين يراقب الشوارع. ثم حاول أن يستحضر نفس الهالة المتعالية.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“أنا ملك الكوكبة المقبل. وهو ملك إكستيدت الحالي. مكانتنا متساوية.

(ملوك.)

“دم تورموند وميدير يجري في عروقي، بينما ورث الملك نوڤين دم رايكارو وشارا. خلفيتنا متساوية.”

كان حدّ نظرة الملك نوڤين الفولاذية مُثبّتة عليه.

ارتسمت على شفتي نوڤين ابتسامة ساخرة، باردة.

وكذئبٍ في السهوب، استنفر غو على الفور. انخفضت عيناه بحدّة.

“و…”—واجه تاليس نظرات الآرشيدوقات المختلفة دون أن يلين—”أنا في السابعة. شاب، ضعيف الجسد، يدَيّ صغيرتان ورجلَيّ قصيرتان.” قالها تاليس بغضبٍ يختنق بين أسنانه. “وأنت، أيها الملك نوڤين…”

أما الآرشيدوقات الأربعة الباقون فتبادلوا النظرات، يعدّلون جلستهم.

“شارفت السبعين. شيخٌ كبير، واهن القوة، ضعيف البصر.”

دام الصمت لعدّة ثوانٍ.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وارتسمت على وجهه ابتسامة مزدرية. “نحن متكافئان في القوة، وفرص كلٍّ منّا بالفوز قريبة.”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“أؤمن أنّها ستكون مبارزة خطيرة… ومثيرة، لا تختلف كثيرًا عن مؤتمر اختيار الملوك.”

“فاركع أمامنا وتوسّل.”

“ما رأيك؟”

“أحتاج فقط إلى إنهاء هذه الصفقة معكم.” قال بحزم.

“يا ملك إكستيدت المولود للعرش؟”

“ها هو.” وبوجه عابس، ناوله كيفن ورقة مجعّدة. “ردّ الرئيس غليوارد، كما يُفترض.”

بمجرد أن قال ذلك، عبس بعض الآرشيدوقات، وبعضهم نقر بلسانه، بينما تغيّرت تعابير الجميع.

“معتاد؟”

ازدادت غرابة نظرة الملك نوڤين، وبدأت ابتسامته تختفي.

عبس الآرشيدوقات الخمسة على التوالي.

وفي تلك اللحظة، شقّ ضحكٌ جهوريّ جوّ التوتّر.

“العين بالعين!”

“هاهاهاها!” ضحك الأرشيدوق الرابع عاليًا، ثم ظهر تحت الضوء. “أتجرؤ فعلًا على قول هذا، يا فتى؟ شيخٌ ضعيف؟ متكافئان في القوة؟ هاها، يا جلالة الملك… هذا ممتع للغاية!”

سحب تاليس يده اليمنى، ووضعها على مقبض السيف. وظلّت عيناه مصوّبتين إلى الملك نوڤين.

تجمّد تاليس لحظة، ثم حدّق في الأرشيدوق.

ولحق به بقية الآرشيدوقات، يقهقهون عاليًا.

كان هذا الأرشيدوق ذا شعر منسدل على كتفيه، في الأربعينات من عمره، وعلى ردائه شارة ملفّ. له وجه حازم وضحكة صادحة، وقد ذكّره كثيرًا بذلك الدوق الشمالي في الكوكبة، ذاك الشماليّ الأصل.

“المبارزة ستستمر!”

وبينما كان يضحك ملء حنجرته، تجاهل الآخرين تمامًا، حتى إنه ضرب الطاولة بكفّه. “لديك جرأة، أيها الفتى!”

(مرة أخرى أواجه مثل هذا الوضع.)

ثم جاء الصوت الأخير، صوت الأرشيدوق الخامس، بنبرة لطيفة رقيقة. امتد صوته نحو تاليس: “حسنًا… لعلّ علينا التباحث أكثر… لا داعي لأن نمزّق بعضنا الآن…”

(الشيء الوحيد الذي يملكه هو الحب—محبوبته.)

سقط ضوء النار على صاحب الصوت.

وتوقفت رجلا تاليس أخيرًا عن الارتجاف.

“يا صاحب الجلالة”، كان آخر من تكلّم أصغرهم سنًا، شابًا في الثلاثينات، ذو شعرٍ كستنائي ووجه نظيف. وكانت على كتفه حدوةٌ دامية. تابع بلطف: “أقترح أن تزن الأمور مرّة أخرى…”

تصلّبت نظراته تدريجيًا.

“كونكراي بوڤريت.” لم يتغيّر وجه الملك نوڤين. لم يزد على أن حرّك رأسه قليلًا موجّهًا نظره نحو الأرشيدوق الشاب. “هل أبدو وكأنني أمزح؟”

(ما الذي يجب أن أفعله؟)

اختنق صوت الأرشيدوق الشاب، كونكراي بوڤريت.

“ألا تُظهر أوراقك. بل تواصل كشف نقاط ضعف عدوّك باستخدام الإلهاء والمناورة، باغتنام الفرص، وبإثارة عين العاصفة—هذه هي التكتيكات الموروثة من القوات السرّية، والتي تستخدمها استخبارات المملكة.”

أما الآرشيدوقات الأربعة الباقون فتبادلوا النظرات، يعدّلون جلستهم.

“حُرّاس الغراب”. اثرت هاتان الكلمتان بغو تأثيرًا مباشرًا.

لقد بدا عليهم القدر نفسه من المفاجأة من هذا التطوّر المفاجئ. وكانوا ينتظرون قرار ملكهم.

رفع رأسه نحو رافاييل، وتلاقت نظراتهما.

أعاد نوڤين السابع بصره نحو تاليس، ولا يزال جالسًا على عرشه. حدّق فيه صامتًا ستّ ثوانٍ كاملة.

“يا لك من صاحب حياة خالية من الهموم.” دوّى صوتٌ مفعم بالمرح من مؤخرة الغرفة. “تذبح اللحوم، وتُدير تجارتك، وتقدّم نصائح العلاقات لذاك الفتى الأحمق.”

وتوقفت رجلا تاليس أخيرًا عن الارتجاف.

(ثأر.)

وفي تلك اللحظة، خطرت بباله كلمات تقييم كاسلان الأخيرة عن نوڤين السابع.

أشار الرجل ذو التسريحة الدائرية إلى تاليس، وكانت التجاعيد تنفرج على وجهه بينما يضحك. “هل سمعتم؟ صبيّ في السابعة، ههههه… يقول إنه يريد المبارزة…”

(نوڤين بشر أيضًا. يشيخ، ويخدع بالدسائس والنساء، ويومًا ما سيسيطر عليه الهوى والاندفاع.)

“العين بالعين!”

ابتسم تاليس في قلبه ابتسامة خفيفة.

قبض الأمير الثاني على أسنانه، وبكلتا يديه راح يجرّ السيف بثقل، إلى أن تمكّن أخيرًا، بعد عناء، من رفع السيف أمامه.

“طبعًا، أيها الملك نوڤين”، قال تاليس بخفوت، جاذبًا الأنظار مجددًا. “أكنّ لك احترامًا كبيرًا، فسنّك قريب من سنّ جدي.”

وبينما كان يضحك ملء حنجرته، تجاهل الآخرين تمامًا، حتى إنه ضرب الطاولة بكفّه. “لديك جرأة، أيها الفتى!”

“ولذلك يبدو من غير الملائم، من ناحية البروتوكول، أن أطلب منك المبارزة.”

ارتطم السيف الطويل بالأرض بقوة، وظل صدى الارتطام يتردّد طويلًا في الهواء.

ارتسمت علامات الحيرة على وجوه الآرشيدوقات جميعًا.

“أتريدون موتي بهذه الصورة؟” بصق تاليس وهو يتحمّل نظرات الجمع الغريبة. “ذاك أمرٌ أحمق وضعيف للغاية. ثم إنه لا ذرة شرف فيه.”

“إذًا بعد كلّ هذا، لم تكن سوى جعجعة فارغة؟” قال الملتحي بسخرية. “وهذا لأنك لا تزال لا تجرؤ—”

أعاد نوڤين السابع بصره نحو تاليس، ولا يزال جالسًا على عرشه. حدّق فيه صامتًا ستّ ثوانٍ كاملة.

“لا!” قاطعه تاليس.

“ألم ترغبوا في أن تُزهَق روحي تعويضًا عن الأمير موريا؟” سأل أمير الكوكبة بصوت خافت. “هذا أمر يسير للغاية.”

“المبارزة ستستمر!”

وبينما كان يضحك ملء حنجرته، تجاهل الآخرين تمامًا، حتى إنه ضرب الطاولة بكفّه. “لديك جرأة، أيها الفتى!”

“ولكن إن كنّا سنُنهي كل شيء اليوم حقًا…” جال تاليس ببصره على الآرشيدوقات الخمسة—الملتحي، ذو التسريحة الدائرية، الأصلع، ذو الشعر الطويل، والشاب كستنائي الشعر.

اشتدّ التوتر.

ثم قال بدون اي تردد: “أؤمن أنّ الآرشيدوقات الخمسة جميعًا رجالٌ أوفياء. ولن يتوانى أحدكم عن القتال نيابة عن جلالته!”

(الآرشيدوقات.)

بمجرد قوله ذلك، كان طويل الشعر أول من قبض كفه.

“إذًا، تصرّف كرجل. اذهب لمقابلته بنفسك، وتحدّث إلى والدها وجهًا لوجه!” عبس الجزّار وضرب ساطوره بلوح التقطيع.

وتوقّف الآرشيدوقات عن التنفّس.

رغم سنوات من التدريب على ضبط الانفعالات والتحكّم في ردود الفعل الجسدية، لم يستطع منع قلبه من أن يتجمّد قليلًا، ودمه من أن يندفع أسرع.

“ما رأيكم، يا أصحاب السموّ؟ ألن يقاتل أحدكم من أجل ملككم؟”

“يا لك من صاحب حياة خالية من الهموم.” دوّى صوتٌ مفعم بالمرح من مؤخرة الغرفة. “تذبح اللحوم، وتُدير تجارتك، وتقدّم نصائح العلاقات لذاك الفتى الأحمق.”

عضّ تاليس على أسنانه، رافعًا صوته: “أتساءل أيّكم سيحظى بشرف المبارزة!”

“تنقية مدننا من الكارثة، وتكريس أنفسنا لأمن الجنس البشري.”

“شرف اختراق قلبي بنصل الانتقام!”

“ما رأيكم، يا أصحاب السموّ؟ ألن يقاتل أحدكم من أجل ملككم؟”

“اقتلوا أمير الكوكبة، وانتقموا لإكستيدت!”

“لكن ما إن يستسلم المرء للفرح، حتى يستسلم للضعف.” قال مبتسمًا، “تمامًا مثل الأشياء التي جعلتك هشًّا. فكّر في الأمر، أيها الملك ياو—”

كان تاليس يلهث بشدة وهو ينطق كلماته.

(هؤلاء الشماليون الملعونون.)

وحين رفع رأسه بعد لحظة…

“أنا ملك الكوكبة المقبل. وهو ملك إكستيدت الحالي. مكانتنا متساوية.

الآرشيدوقات الخمسة شحبَت وجوههم جميعًا، مما بعث في صدره غبطة مباغتة.

“همف، جبان.” تمتم الجزّار في خيبة. “انسَ الأمر إذًا… على أيّ حال، كيف سارت مهمتك؟”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

كان رجلاً ضخمًا، أيضًا في الأربعين، لكنه بدا أصغر قليلًا من الملتحي. كانت ملامحه حادّةً، وذقنه مدبّبًا. وخيطت على ثيابه رسوم لامعة لسيوفٍ ونصال.

تجعد حاجبا تاليس في اضطراب لا إرادي.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط