من هناك (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ورغم سلوك جلالته اليوم، فلن يعلن الحرب بسهولة.” حاد بصر أولسيوس. “فبسبب الحماية التي نلتها من تعهّد والدك، لن يدعم الآرشيدوقاتُ حربًا شاملة.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
(تبا.)
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“وهذا كل شيء؟” تمعّر وجه أولسيوس. “كيف ستجعله ملكًا؟ تصدر إعلانًا تؤيّده فيه؟”
Arisu-san
ضيّق الآرشيدوق عينيه، كأنّه يمعن التفكير.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ثبت تاليس بصره على الأرض دون حراك.
الفصل 142: من هناك (الجزء الأول)
حدّق آرشيدوق أولسيوس في هذا الأمير الغريب الذي بدا صغيرًا في العمر لكن كبيرًا في لهجته، ورأى في الموقف بعض السخريّة العجيبة.
…
“ستنتهي ألاعيبك هنا. يصبح تشابمان لامبارد ملكًا؟” بدا أنّ أولسيوس مسرور برؤية الفتى الواثق ذي السبعة أعوام عاجز اللسان. “ما دام الملك نوڤين لا يزال عاقلًا، فلن يجني تشابمان شيئًا من إعلان الحرب، ولن يصبح ملكًا. ولا تنسَ العداوة بينهما.”
“تشابمان لامبارد؟”
لكن الأمير الثاني لم يُتِح له فرصة الكلام.
في الممرّ خارج قاعة الوليمة في قصر الروح البطولية، تمتم الآرشيدوق أولسيوس هذا الاسم بتعبيرٍ غامض، ثم حدّق في تاليس الصغير بنظرة اشمئزاز.
“أربط نفسي بالمشكلات؟ أنت مزعج، نعم، لكنك لستَ مخيفًا، أيها الصغير.” سخر أولسيوس. “أتيتُ لأرى مباراة الكوكبة والتنين بعد اثنتي عشرة سنة، ولأنظر ما الذي قد نجنيه من أمير. كما جئت لأرى إن كان ملكنا قد خَرِف.”
“ملك إكستيدت القادم المنتخب شعبيًا ؟” سخر الآرشيدوق.
“إنما لنضمن ألّا يتكرّر هذا الأذى على عائلتنا. لنرسل أبلغ تحذير لخصومنا. ولنحفظ استمرار أسرتنا وازدهارها.”
“أيها الصغير، سمعتُ أنك نابغة ناضج قبل أوانه.” قال الآرشيدوق الملتحي ببرود. “حسن. أنت بلا شك أذكى قليلًا من الأطفال العاديين، لكن هذا بالذات ما أمقته…”
(لا. لم أخسر بعد.)
تجمّد وجه تاليس.
تنفّس أولسيوس بعمق.
(يبدو أنني تركتُ أسوأ انطباع أول.)
“أربط نفسي بالمشكلات؟ أنت مزعج، نعم، لكنك لستَ مخيفًا، أيها الصغير.” سخر أولسيوس. “أتيتُ لأرى مباراة الكوكبة والتنين بعد اثنتي عشرة سنة، ولأنظر ما الذي قد نجنيه من أمير. كما جئت لأرى إن كان ملكنا قد خَرِف.”
“أتُخيف الآخرين بشائعاتٍ مثيرة، أليس كذلك؟ مبارزة مع الملك، مع لامبارد، ماذا أيضًا؟” كان بصر أولسيوس باردًا، ونبرته قاسية. “خبيرٌ في هذا النوع من الأمور، وفي هذا العمر الصغير…ستغدو بلا شك أفعى سامّة، متخمة بالمكائد والدسائس.”
“أصرّ على قتلك ليرى ردّة فعلنا، أليس كذلك؟” بدا الاحتقار واضحًا على وجه الآرشيدوق. “لشخصٍ أسرته على حافة الخراب، فقد خطّط لكلّ شيءٍ بعناية.”
“لعلّي، في هذا اليوم، ينبغي أن أمسِكَ بسيفي وأغرسه في صدرك.” بصق أولسيوس بغضب. “لقد سبّبت لنا الكوكبة ما يكفي من المشكلات، ولسنا في حاجة لأن تصبّ الزيت على النار، يا أيها الصغير القادم من الإمبراطورية.”
“همف، أنا أعرفه أكثر منك.” قبض أولسيوس على يديه فوق النار. “قبل اثني عشر عامًا، قتل أخاه الأكبر… دقّه إلى الأرض بمسامير في الحلبة. رأيت ذلك بعيني.”
(تبا.)
“ذلك كان تمثيلًا!” ازداد وجه تاليس صرامة، وراح يتكلّم بسرعة ليبدو أكثر اضطرابًا. “عُرض أمامكم جميعًا! لتَرَوا غضب الملك… فتنخدعوا وتغيب عنكم رغباتُه الحقيقية.”
حين أدرك تاليس أنّ المفاوضات قد تنفلت من بين يديه، انعقد شيءٌ في صدره.
“كفّ عن التظاهر، أيها الصغير. أنت تعلم تمامًا أن تلك المسرحية التي أرادوها منك—الانتحار—لم تكن إلا مهزلة.”
“ولِمَ أتيتَ إذن إلى مدينة سحب التنين؟” قال تاليس سريعًا، باحثًا عمّا يبقي الحديث قائمًا كي لا ينتهي فجأة بكراهية أولسيوس له. “إن كان حقًا كما تقول—أن قدومي نفسه مشكلة—فلِمَ جئت وربطت نفسك بهذه المشكلة؟”
تنفّس تاليس الصعداء في سرّه. ولوّح لوايا الذي تحرّك بدوره وغادر بملامح متجهّمة.
ومع أنّ ملامح تاليس بدت هادئة، إلا أنه كان قلقًا في السر. رفع رأسه وحدّق في حاكم إقليم أوركيد المرموقة.
هزّ أولسيوس رأسه. “كان لامبارد هو البادئ بالعداء، وقد قتل وريث الملك الوحيد. الثقة انتهت. ولن يغامر لامبارد بالتحالف معه.”
(هل سأنجح؟)
منذ أن وطئت قدماه مدينة سحب التنين، كان أمير الكوكبة، بدرجة أو بأخرى، سجين رهبة نفوذ الملك نوڤين، وثَرثرة الآرشيدوقات التي لا تنتهي، ولعبة الصداقة والعداء التي يمارسها كلٌّ من نيكولاس وشيليس، وبيوتراي الذي كان دائمًا يحاول تهدئته وتلطيف الجو.
“أربط نفسي بالمشكلات؟ أنت مزعج، نعم، لكنك لستَ مخيفًا، أيها الصغير.” سخر أولسيوس. “أتيتُ لأرى مباراة الكوكبة والتنين بعد اثنتي عشرة سنة، ولأنظر ما الذي قد نجنيه من أمير. كما جئت لأرى إن كان ملكنا قد خَرِف.”
والمجتمع ليس ماكينة دقيقة تعمل بمجرد ضبط معاييرها.
“وما خلاصة ما وصلت إليه؟” قال تاليس وهو يبتسم. “هل خيّب ملكك أملك؟”
وتحت وهج المشاعل في الردهة، وقف الرجلان—واحد كبير والآخر صغير—يتواجهان في الظلال بصمت.
أجبر أولسيوس ابتسامة على وجهه، لكن حِدّته كانت ظاهرة من خلف لحيته الكثّة.
تجمّد وجه تاليس.
“كان حريًا بك أن تبتهج. ما زال عاقلًا، لم يُستَفَزّ بالغضب، ولهذا ما زلت آمنًا. ولهذا أيضًا حظيتَ بفرصةٍ لتهذي بما تشاء.” حدّق الآرشيدوق في الصغير أمامه.
انقبض قلب تاليس.
“آمن؟” نظر تاليس إلى السيف الثقيل على خصر أولسيوس وضحك بسخرية. “أظنّ أن لذلك السيف رأيًا آخر. لقد كاد يحظى بشرف أن يصير ’مهلك الأمير’.”
عندها ارتفع طرف فم أولسيوس، وانفلت منه ضحك قصير.
أدار الآرشيدوق رأسه وضحك ضحكة قصيرة.
“أربط نفسي بالمشكلات؟ أنت مزعج، نعم، لكنك لستَ مخيفًا، أيها الصغير.” سخر أولسيوس. “أتيتُ لأرى مباراة الكوكبة والتنين بعد اثنتي عشرة سنة، ولأنظر ما الذي قد نجنيه من أمير. كما جئت لأرى إن كان ملكنا قد خَرِف.”
“كفّ عن التظاهر، أيها الصغير. أنت تعلم تمامًا أن تلك المسرحية التي أرادوها منك—الانتحار—لم تكن إلا مهزلة.”
“لِمَ يصنع منك عدوًا؟ أيًّا كان ما تمثّلانه، فلا يتعدّى الأمر ذلك.”
انقبض قلب تاليس.
أجبر أولسيوس ابتسامة على وجهه، لكن حِدّته كانت ظاهرة من خلف لحيته الكثّة.
(هو…)
(هو…)
“ورغم سلوك جلالته اليوم، فلن يعلن الحرب بسهولة.” حاد بصر أولسيوس. “فبسبب الحماية التي نلتها من تعهّد والدك، لن يدعم الآرشيدوقاتُ حربًا شاملة.”
رنّ صوت تاليس من خلفه: “إنّه تحديدًا لأن الملك نوڤين لا يزال عاقلًا… أنّ تشابمان لامبارد مقدَّر له أن يصبح الملك التالي. وأنّ سلامتي ليست مضمونة كما تقول. ولهذا نحن نجري هذه المحادثة الآن.”
“وأما موقفه منك، فهَمه، كان عرضًا لنا.” شمخ الآرشيدوق بنفَسه وسعل باستخفاف. “يمتحن ولاءنا أو شيئًا من هذا القبيل. حيلة قديمة.”
“ولأجل هذا الهدف، يمكن التضحية بكل شيء آخر.” أومأ تاليس ببطء. “بما في ذلك الكراهية… والكرامة.”
“وأما أنت وهو…” حدّق أولسيوس بتعبيرٍ خفي ورفع حاجبيه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة غريبة. “ألا تقومان كليكما بالتمثيل؟”
خفض تاليس رأسه، عضّ على أسنانه قليلًا تحت نظرة أولسيوس الساخرة.
عند هذا الحد، تغيّر وجه تاليس أخيرًا.
“مستحيل!” تجمّد ضحك أولسيوس وتشدّد صوته. “لامبارد متّهم بقتل الأمير موريا. وهذا دين دم. الملك نوڤين لن يعمل معه.”
(يعرف؟ أدرك الأمر؟)
زمّ آرشيدوق أولسيوس شفتيه ورفع حاجبيه. “سمعت عن ذلك.”
لقد صُعق تاليس بحق.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أصرّ على قتلك ليرى ردّة فعلنا، أليس كذلك؟” بدا الاحتقار واضحًا على وجه الآرشيدوق. “لشخصٍ أسرته على حافة الخراب، فقد خطّط لكلّ شيءٍ بعناية.”
“هاهاهاها!” انفجر أولسيوس ضاحكًا ملء صوته. أمال رأسه بلامبالاة.
منذ أن وطئت قدماه مدينة سحب التنين، كان أمير الكوكبة، بدرجة أو بأخرى، سجين رهبة نفوذ الملك نوڤين، وثَرثرة الآرشيدوقات التي لا تنتهي، ولعبة الصداقة والعداء التي يمارسها كلٌّ من نيكولاس وشيليس، وبيوتراي الذي كان دائمًا يحاول تهدئته وتلطيف الجو.
“هو يعرف جيدًا أنّني لا أساوي كل ذلك! ما عدا أنّني موسوم بختم القارة الجنوبية… لستُ ذا قيمة تُذكَر!” تنفّس تاليس بعمق. “لكن صدّقني، لقد التقيت به في معسكره العسكري—وهو قطعًا ليس أحمق.”
وفوق ذلك، كانت ذكريات حياته السابقة تتدفّق في ذهنه بلا توقف. جعلته مطمئنًا، يشعر بأنّ حتى في هذا العالم المتوحّش المتآكل، فهو يملك قدرًا من الذكاء.
حتى بضعة أطفال في المنازل المهجورة، لم يستطع تاليس التنبؤ بأفعالهم أو طريقة تفكيرهم.
وأوقعه هذا في وهمٍ بأنّ الآرشيدوقات الخمسة في إكستيدت ليسوا أكثر من دمى ورقية ثنائية الأبعاد يمكن طيّها وسحقها بقليل من الضغط… أو فئران مختبرات تستجيب كما يُراد لها عند أقلّ تحفيز.
“لماذا؟ أخائفٌ أن يُغتالك طفل؟” ابتسم تاليس بخفّة. “أم أنك مستعجل للعودة وشرب المزيد من الخمر مع أصدقائك الأربعة الطيبين؟”
لكن تاليس أدرك فجأة—حين كشف الآرشيدوق ذا الجسد الغليظ، الذي يبدو ثقيل الطبع، المسرحية التي حبكها مع الملك نوڤين دون تردد—أنّ من يقف أمامه إنما هو إنسان.
لكن تاليس أدرك فجأة—حين كشف الآرشيدوق ذا الجسد الغليظ، الذي يبدو ثقيل الطبع، المسرحية التي حبكها مع الملك نوڤين دون تردد—أنّ من يقف أمامه إنما هو إنسان.
إنسان حي.
هزّ تاليس رأسه موافقًا. “لقد تظاهر برغبته في التحالف معي. أمّا في الحقيقة… فأظنّه يعدّ لشيء آخر. وها هو أوان تنفيذه.”
حتى بضعة أطفال في المنازل المهجورة، لم يستطع تاليس التنبؤ بأفعالهم أو طريقة تفكيرهم.
وفوق ذلك، كانت ذكريات حياته السابقة تتدفّق في ذهنه بلا توقف. جعلته مطمئنًا، يشعر بأنّ حتى في هذا العالم المتوحّش المتآكل، فهو يملك قدرًا من الذكاء.
(فكيف إذن…)
“بالطبع.” قال تاليس ببرود.
برجلٍ من شمال الأرض، عريق الخبرة، جليل المكانة. رجلٍ نفوذه يضاهي نفوذ الملك، ومارس الحكم سنوات طويلة وسط رياح الشمال القارسة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(كيف لا يُحسن هذا الشخصُ الكيد، ولا يكون ذكيًا؟)
“في المرّة القادمة، ابحث عن حجّة أفضل، وفكّر في كذبة أكثر منطقيّة قبل أن تحاول زرع الشقاق بيننا.”
خفض تاليس رأسه، عضّ على أسنانه قليلًا تحت نظرة أولسيوس الساخرة.
“آمن؟” نظر تاليس إلى السيف الثقيل على خصر أولسيوس وضحك بسخرية. “أظنّ أن لذلك السيف رأيًا آخر. لقد كاد يحظى بشرف أن يصير ’مهلك الأمير’.”
(لا. لم أخسر بعد.)
الفصل 142: من هناك (الجزء الأول)
أغمض عينيه، تنفّس بعمق، وفتحها من جديد.
لكن الأمير الثاني لم يُتِح له فرصة الكلام.
“أأنت تعرفه جيدًا؟ الملك نوڤين؟” لم تكن نبرة الأمير الثاني هذه المرّة خفيفة كما كانت آنفًا، بل حملت قدرًا من الثقل والوقار.
فبأي ثقةٍ كان تاليس يعتمد على ذكريات شابٍ في العشرين من عمره، ذكريات ناقصة، من حياةٍ أخرى، من عصرٍ مختلف تمامًا، في مجتمع مختلف، وبهويّة مختلفة؟
تلألأت عينا أولسيوس وهو يرى تاليس يستعيد توازنه بسرعة.
حتى حين واجه كويد رودا الذي يدير الأطفال المتسوّلين في المنازل المهجورة، ومعه مساعده ناير ريك… ألم يكن تاليس عاجزًا عن التعامل معهما؟
“أجل. أعرفه… منذ أن أخذني والدي أول مرة إلى مدينة سحب التنين لمقابلته.”
“أصرّ على قتلك ليرى ردّة فعلنا، أليس كذلك؟” بدا الاحتقار واضحًا على وجه الآرشيدوق. “لشخصٍ أسرته على حافة الخراب، فقد خطّط لكلّ شيءٍ بعناية.”
“لكن ما أعرفه أكثر هو شعور أن تكون في تلك المكانة—أن تحكم، وتحافظ، وتحمي أسرة، ومدينة، وإقليمًا، ورعيّة.” قال الآرشيدوق بخفوت. “بعد مأساة عائلة والتون، اضطر نوڤين إلى لملمة الكثير، وترميم الكثير، وترتيب الكثير. كلّ ذلك لضمان بقاء أسرته ومستقبل مدينة سحب التنين.”
(هو…)
“إعلان الحرب لن يجلب إلا الفائدة لإقليم الرمال السوداء ولأمثال لامبارد ممّن قد يحصلون على أراضٍ وموارد ورعايا من الكوكبة… الملك نوڤين لا يريد لأعدائه أن ينتفعوا. ولهذا، فأنت في الحقيقة من لا يريد الحرب، ومصلحتك توافق مصلحته، أيها الصغير القادم من الإمبراطورية.” ابتسم أولسيوس وهزّ رأسه.
“ثمّ…” قال تاليس وهو يرى التردّد في عينَيه، “لماذا تظنّ أنّ لامبارد أرسل جنوده ليُرافقوني علنًا إلى مدينة سحب التنّين؟ أتظنّ حقًا أن الملك نوڤين أمر حرّاس النصل الأبيض بالمغادرة مبكرًا وخطفِي بدافع الغضب؟”
“لِمَ يصنع منك عدوًا؟ أيًّا كان ما تمثّلانه، فلا يتعدّى الأمر ذلك.”
حدّق آرشيدوق أولسيوس في هذا الأمير الغريب الذي بدا صغيرًا في العمر لكن كبيرًا في لهجته، ورأى في الموقف بعض السخريّة العجيبة.
“فأنتما في النهاية على الجانب ذاته—والتون وجيدستار.” نفخ الآرشيدوق الهواء من أنفه، وتصلب وجهه كلوح جليد.
“إنما لنضمن ألّا يتكرّر هذا الأذى على عائلتنا. لنرسل أبلغ تحذير لخصومنا. ولنحفظ استمرار أسرتنا وازدهارها.”
تنفّس تاليس ببطء.
(فكيف إذن…)
(نعم. كيف يمكن لشخص صار آرشيدوقًا منذ عقود، وما يزال يحكم، أن يكون أحمق؟)
“لكن ما أعرفه أكثر هو شعور أن تكون في تلك المكانة—أن تحكم، وتحافظ، وتحمي أسرة، ومدينة، وإقليمًا، ورعيّة.” قال الآرشيدوق بخفوت. “بعد مأساة عائلة والتون، اضطر نوڤين إلى لملمة الكثير، وترميم الكثير، وترتيب الكثير. كلّ ذلك لضمان بقاء أسرته ومستقبل مدينة سحب التنين.”
طبيعيّ أن يفكّر هؤلاء الآرشيدوقات بكلّ ما قد يفكّر فيه تاليس. بل إنّ لكلّ منهم مستشارين أكفّاء—آرشيدوق الرمال السوداء لديه كينتفيدا.
تنفّس تاليس الصعداء في سرّه. ولوّح لوايا الذي تحرّك بدوره وغادر بملامح متجهّمة.
فبأي ثقةٍ كان تاليس يعتمد على ذكريات شابٍ في العشرين من عمره، ذكريات ناقصة، من حياةٍ أخرى، من عصرٍ مختلف تمامًا، في مجتمع مختلف، وبهويّة مختلفة؟
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ظنّ أنه، مثل الكثير من المسافرين بين العوالم، قادرٌ على أن يفرض حضوره ببراعة اجتماعية، وذاكرة قوية، وهالةٍ آسرة، فيروض نخبة هذا العالم ويثنيهم كما يشاء. هؤلاء النخبة الذين صقلتهم منافسة اجتماعية أشدّ قسوة بأضعاف مضاعفة من تلك التي عرفها في حياته السابقة.
Arisu-san
حتى حين واجه كويد رودا الذي يدير الأطفال المتسوّلين في المنازل المهجورة، ومعه مساعده ناير ريك… ألم يكن تاليس عاجزًا عن التعامل معهما؟
أجبر أولسيوس ابتسامة على وجهه، لكن حِدّته كانت ظاهرة من خلف لحيته الكثّة.
خفض الأمير رأسه بانكسار.
خفض الآرشيدوق يديه وشبّكهما معًا، ونظره قاتم بارد. “هذه هي تخميناتك؟ كنت أظنّك بارعًا في الخدع الصغيرة فقط، فإذا بك بارع في اختلاقها أيضًا!”
إنّ الإرادة البشرية والفعل البشري كلاهما كيانان غامضان لا يُدركان. والمجتمع ليس إلا تجمّعًا هائلًا من قلوبٍ غير ملموسة.
(هل سأنجح؟)
والمجتمع ليس ماكينة دقيقة تعمل بمجرد ضبط معاييرها.
اختلجت نظرة أولسيوس، ونزع بصره عن النار ليركّزه على الفتى.
لابدّ أن يتحلّى دومًا بأشدّ درجات التواضع والاتزان والحذر حين يواجه هذا العالم المختلف كلّ الاختلاف عن عالمه السابق—كعالمٍ يدرسه باحثٌ حقيقي في العلوم الاجتماعية—لا كمنغمسٍ في أوهام “التحسين” المفرطة.
“لماذا؟ أخائفٌ أن يُغتالك طفل؟” ابتسم تاليس بخفّة. “أم أنك مستعجل للعودة وشرب المزيد من الخمر مع أصدقائك الأربعة الطيبين؟”
بعد كلّ شيء، لم يكن يملك نظامًا، ولا شريحة، ولا شجرة مهاراتٍ كتلك الموجودة في لعبةCivilization» «VI التي يكفي فيها الضغط على زرّ واحد ليتقدّم العالم من حولك خطوةً إلى الأمام.
استدار أولسيوس ونظر إلى القمر خلف النافذة. وضمّ تاليس شفتيه بصمت، مترقّبًا جواب الرجل. لقد خاض الآرشيدوق معركته وحده الآن… وقد قال تاليس كل ما يمكن قوله.
وبعد كلّ شيء، لم ينتقل إلى عالمٍ تسير فيه الأمور على هواه كما يحدث في تلك الروايات المرِحة.
عند هذا الحد، تغيّر وجه تاليس أخيرًا.
ثبت تاليس بصره على الأرض دون حراك.
“وخلال الأيام الماضية، لا يعلم إلا الاله عمّ كان نيكولاس من سحب التنّين وكينتفيدا من الرمال السوداء يتبادلان الكلام وراء الأبواب المغلقة!” زفر تاليس. “وما كنا نراه أمام الناس… هو التوتّر فقط.”
“ستنتهي ألاعيبك هنا. يصبح تشابمان لامبارد ملكًا؟” بدا أنّ أولسيوس مسرور برؤية الفتى الواثق ذي السبعة أعوام عاجز اللسان. “ما دام الملك نوڤين لا يزال عاقلًا، فلن يجني تشابمان شيئًا من إعلان الحرب، ولن يصبح ملكًا. ولا تنسَ العداوة بينهما.”
استمرّ تاليس: “ولهذا، طرح نيّة التحالف معي، لنواجه عدوًّا واحدًا.”
“في المرّة القادمة، ابحث عن حجّة أفضل، وفكّر في كذبة أكثر منطقيّة قبل أن تحاول زرع الشقاق بيننا.”
(هل سأنجح؟)
أنهى أولسيوس كلامه وهمّ بالرحيل. خلفه، شدّ تاليس قبضتيه ببطء.
أخذ نفسًا عميقًا.
(ربما… لستُ أهلًا لأن أكون أميرًا، ولا ملكًا. لكن…) وتحت نظرة وايا الحائرة، ابتسم تاليس ابتسامة خافتة. (على الأقل… أريد أن أكون ناجيًا… وأن أعيش.)
رنّ صوت تاليس من خلفه: “إنّه تحديدًا لأن الملك نوڤين لا يزال عاقلًا… أنّ تشابمان لامبارد مقدَّر له أن يصبح الملك التالي. وأنّ سلامتي ليست مضمونة كما تقول. ولهذا نحن نجري هذه المحادثة الآن.”
ثمّ رفع رأسه فجأة، وحدّق في الآرشيدوق أولسيوس الذي لم يبتعد كثيرًا.
(فكيف إذن…)
“أنت مخطئ!”
“وأما موقفه منك، فهَمه، كان عرضًا لنا.” شمخ الآرشيدوق بنفَسه وسعل باستخفاف. “يمتحن ولاءنا أو شيئًا من هذا القبيل. حيلة قديمة.”
توقّفت خطوات أولسيوس.
“إنما لنضمن ألّا يتكرّر هذا الأذى على عائلتنا. لنرسل أبلغ تحذير لخصومنا. ولنحفظ استمرار أسرتنا وازدهارها.”
رنّ صوت تاليس من خلفه: “إنّه تحديدًا لأن الملك نوڤين لا يزال عاقلًا… أنّ تشابمان لامبارد مقدَّر له أن يصبح الملك التالي. وأنّ سلامتي ليست مضمونة كما تقول. ولهذا نحن نجري هذه المحادثة الآن.”
“أتُخيف الآخرين بشائعاتٍ مثيرة، أليس كذلك؟ مبارزة مع الملك، مع لامبارد، ماذا أيضًا؟” كان بصر أولسيوس باردًا، ونبرته قاسية. “خبيرٌ في هذا النوع من الأمور، وفي هذا العمر الصغير…ستغدو بلا شك أفعى سامّة، متخمة بالمكائد والدسائس.”
“هذه الحيلة الكلاميّة القديمة مجددًا؟” تنهّد أولسيوس. “كرهي لك سيجعلني فقط—”
طبيعيّ أن يفكّر هؤلاء الآرشيدوقات بكلّ ما قد يفكّر فيه تاليس. بل إنّ لكلّ منهم مستشارين أكفّاء—آرشيدوق الرمال السوداء لديه كينتفيدا.
لكن الأمير الثاني لم يُتِح له فرصة الكلام.
“ذلك كان تمثيلًا!” ازداد وجه تاليس صرامة، وراح يتكلّم بسرعة ليبدو أكثر اضطرابًا. “عُرض أمامكم جميعًا! لتَرَوا غضب الملك… فتنخدعوا وتغيب عنكم رغباتُه الحقيقية.”
“ليست المسألة في حِيَلي الكلاميّة، بل في ما إن كان هذا يفيدك.” اشتدّ بصر تاليس، واستعاد ثباته. “وفي ما إن كان هذا يُفيد اقليم أوركيد المرموقة. اسمع ما سأقوله… ثمّ اتّخذ قرارك بنفسك.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
قطّب أولسيوس حاجبيه.
“وأما أنت وهو…” حدّق أولسيوس بتعبيرٍ خفي ورفع حاجبيه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة غريبة. “ألا تقومان كليكما بالتمثيل؟”
“ما سأقوله تالياً… موجّه لك وحدك.” رمق تاليس الرجلَين مفتولي العضلات خلف أولسيوس؛ كان من الواضح أنهما محنّكان.
“لعلّي، في هذا اليوم، ينبغي أن أمسِكَ بسيفي وأغرسه في صدرك.” بصق أولسيوس بغضب. “لقد سبّبت لنا الكوكبة ما يكفي من المشكلات، ولسنا في حاجة لأن تصبّ الزيت على النار، يا أيها الصغير القادم من الإمبراطورية.”
ضيّق الآرشيدوق عينيه، كأنّه يمعن التفكير.
“أسرة والتون في طريقها إلى الأفول.” أطلق تاليس زفرة منخفضة. “وحين يرحل الملك نوڤين… وحين تنتهي عملية اختيار الملك التالي… قد تنقرض الأسرة تمامًا.”
“لماذا؟ أخائفٌ أن يُغتالك طفل؟” ابتسم تاليس بخفّة. “أم أنك مستعجل للعودة وشرب المزيد من الخمر مع أصدقائك الأربعة الطيبين؟”
استدار أولسيوس ونظر إلى القمر خلف النافذة. وضمّ تاليس شفتيه بصمت، مترقّبًا جواب الرجل. لقد خاض الآرشيدوق معركته وحده الآن… وقد قال تاليس كل ما يمكن قوله.
حدّق آرشيدوق أولسيوس في هذا الأمير الغريب الذي بدا صغيرًا في العمر لكن كبيرًا في لهجته، ورأى في الموقف بعض السخريّة العجيبة.
لم يلتفت تاليس إلى عداوته، بل واصل حديثه: “وقد أدرك لامبارد أنّ أحدًا ما يتآمر عليه في الخفاء، وأنّ وضعه في المملكة ليس كما ينبغي.”
وبعد ثوانٍ قليلة، ضحك وأمر رجاله بالتراجع.
قطّب أولسيوس حاجبيه واستغرق في التفكير، ناظرًا إلى تاليس.
تنفّس تاليس الصعداء في سرّه. ولوّح لوايا الذي تحرّك بدوره وغادر بملامح متجهّمة.
“كفّ عن التظاهر، أيها الصغير. أنت تعلم تمامًا أن تلك المسرحية التي أرادوها منك—الانتحار—لم تكن إلا مهزلة.”
وتحت وهج المشاعل في الردهة، وقف الرجلان—واحد كبير والآخر صغير—يتواجهان في الظلال بصمت.
فسبقَه تاليس بالردّ الهادئ: “أنت قلتَ إنك تعرفه—هل يملك الجرأة ليمدّ يده لخصمه إن كانت مكاسبُه أكبر؟ ولا تنسَ… قبل سنوات تحالف مع دوق الإقليم الشمالي، ڤال آروند، وهو خصمه القديم لسنوات طويلة.”
“هيا، قل ما لديك. بحسب نظريّتك، كيف سيصبح لامبارد ملكًا؟” لم ينظر أولسيوس إلى تاليس. مدّ يديه نحو المِجمر ليدفئ أصابعه الباردة.
“ولأجل هذا الهدف، يمكن التضحية بكل شيء آخر.” أومأ تاليس ببطء. “بما في ذلك الكراهية… والكرامة.”
وبتعبيرٍ بارد، ذهب تاليس مباشرة إلى صلب الحديث: “لقد تعرّضتُ لمحاولة اغتيال عندما كنت أمام حصن التِنّين المحطم. والفاعل حاول إلصاق التهمة بلامبارد.”
لقد صُعق تاليس بحق.
زمّ آرشيدوق أولسيوس شفتيه ورفع حاجبيه. “سمعت عن ذلك.”
ثبت تاليس بصره على الأرض دون حراك.
“يا للأسف أنّه لم ينجح،” تابع بازدراء، “سواءً في قتلك أو في تحميل لامبارد المسؤولية.”
تنفّس تاليس الصعداء في سرّه. ولوّح لوايا الذي تحرّك بدوره وغادر بملامح متجهّمة.
لم يلتفت تاليس إلى عداوته، بل واصل حديثه: “وقد أدرك لامبارد أنّ أحدًا ما يتآمر عليه في الخفاء، وأنّ وضعه في المملكة ليس كما ينبغي.”
“يا للأسف أنّه لم ينجح،” تابع بازدراء، “سواءً في قتلك أو في تحميل لامبارد المسؤولية.”
“لامبارد رجل قوي. هذا لا يعني له شيئًا.” بقي الآرشيدوق بملامح جامدة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
استمرّ تاليس: “ولهذا، طرح نيّة التحالف معي، لنواجه عدوًّا واحدًا.”
ضيّق الآرشيدوق عينيه، كأنّه يمعن التفكير.
“قدّم لي جميع الموارد التي أحتاجها في مدينة سحب التنّين، مقابل مساعدة من ملك قادم من القارة الجنوبية.”
“لكن هذا ليس مخطّط لامبارد!” بعد نبرة هادئة دامَت عشر ثوانٍ، رفع صوته فجأة. “ولستُ أنا من سيجعله ملكًا!”
عندها ارتفع طرف فم أولسيوس، وانفلت منه ضحك قصير.
“لماذا؟ أخائفٌ أن يُغتالك طفل؟” ابتسم تاليس بخفّة. “أم أنك مستعجل للعودة وشرب المزيد من الخمر مع أصدقائك الأربعة الطيبين؟”
“من أجل وعدٍ يقطعه طفل في السابعة، لم يعتلِ العرش بعد؟ لا بدّ أنّ لامبارد مغفّل لو وثق بك. لقد غيّر موقفه في اللحظة الأخيرة فقط لأنّه رأى أنه لا أمل في غزو القارة الجنوبية. وهذا لا يجعله ملكًا.” قلب يديه فوق النار ليدفئ ظهرهما.
زمّ الآرشيدوق شفتيه ونفث نفسًا عميقًا، وكأنّه غارق في تفكير عميق.
“بالطبع.” قال تاليس ببرود.
(ربما… لستُ أهلًا لأن أكون أميرًا، ولا ملكًا. لكن…) وتحت نظرة وايا الحائرة، ابتسم تاليس ابتسامة خافتة. (على الأقل… أريد أن أكون ناجيًا… وأن أعيش.)
“وهذا كل شيء؟” تمعّر وجه أولسيوس. “كيف ستجعله ملكًا؟ تصدر إعلانًا تؤيّده فيه؟”
قطّب أولسيوس جبينه.
في تلك اللحظة، تغيّرت ملامح تاليس فجأة.
“لكن هذا ليس مخطّط لامبارد!” بعد نبرة هادئة دامَت عشر ثوانٍ، رفع صوته فجأة. “ولستُ أنا من سيجعله ملكًا!”
“لكن هذا ليس مخطّط لامبارد!” بعد نبرة هادئة دامَت عشر ثوانٍ، رفع صوته فجأة. “ولستُ أنا من سيجعله ملكًا!”
وتحت وهج المشاعل في الردهة، وقف الرجلان—واحد كبير والآخر صغير—يتواجهان في الظلال بصمت.
اختلجت نظرة أولسيوس، ونزع بصره عن النار ليركّزه على الفتى.
“آمن؟” نظر تاليس إلى السيف الثقيل على خصر أولسيوس وضحك بسخرية. “أظنّ أن لذلك السيف رأيًا آخر. لقد كاد يحظى بشرف أن يصير ’مهلك الأمير’.”
“هو يعرف جيدًا أنّني لا أساوي كل ذلك! ما عدا أنّني موسوم بختم القارة الجنوبية… لستُ ذا قيمة تُذكَر!” تنفّس تاليس بعمق. “لكن صدّقني، لقد التقيت به في معسكره العسكري—وهو قطعًا ليس أحمق.”
ولمّا رأى شكّ أولسيوس يتعمّق، قال بهدوء: “وأنت قلتها—الملك نوڤين ما زال عاقلًا. آل والتون فقدوا آخر وريث مباشر… لكنهم لم ينقرضوا. ولن يسمح الملك بنهايتهم.”
“همف، أنا أعرفه أكثر منك.” قبض أولسيوس على يديه فوق النار. “قبل اثني عشر عامًا، قتل أخاه الأكبر… دقّه إلى الأرض بمسامير في الحلبة. رأيت ذلك بعيني.”
“مستحيل!” تجمّد ضحك أولسيوس وتشدّد صوته. “لامبارد متّهم بقتل الأمير موريا. وهذا دين دم. الملك نوڤين لن يعمل معه.”
هزّ تاليس رأسه موافقًا. “لقد تظاهر برغبته في التحالف معي. أمّا في الحقيقة… فأظنّه يعدّ لشيء آخر. وها هو أوان تنفيذه.”
“أيها الصغير، سمعتُ أنك نابغة ناضج قبل أوانه.” قال الآرشيدوق الملتحي ببرود. “حسن. أنت بلا شك أذكى قليلًا من الأطفال العاديين، لكن هذا بالذات ما أمقته…”
قطّب أولسيوس حاجبيه واستغرق في التفكير، ناظرًا إلى تاليس.
“آمن؟” نظر تاليس إلى السيف الثقيل على خصر أولسيوس وضحك بسخرية. “أظنّ أن لذلك السيف رأيًا آخر. لقد كاد يحظى بشرف أن يصير ’مهلك الأمير’.”
“هيا يا فتى،” زفر أولسيوس بملل، “لقد نجحتَ في جذب اهتمامي.”
“ولأجل هذا الهدف، يمكن التضحية بكل شيء آخر.” أومأ تاليس ببطء. “بما في ذلك الكراهية… والكرامة.”
تجمّد تاليس.
“قدّم لي جميع الموارد التي أحتاجها في مدينة سحب التنّين، مقابل مساعدة من ملك قادم من القارة الجنوبية.”
(هذه الجملة… سمعتها في مكان ما؟ لا بأس، ليس مهمًّا.)
(يبدو أنني تركتُ أسوأ انطباع أول.)
أخذ نفسًا عميقًا.
“ستنتهي ألاعيبك هنا. يصبح تشابمان لامبارد ملكًا؟” بدا أنّ أولسيوس مسرور برؤية الفتى الواثق ذي السبعة أعوام عاجز اللسان. “ما دام الملك نوڤين لا يزال عاقلًا، فلن يجني تشابمان شيئًا من إعلان الحرب، ولن يصبح ملكًا. ولا تنسَ العداوة بينهما.”
“نوڤين.” قال تاليس ببطءٍ محسوب. “تشابمان لامبارد يريد أن يعمل مع الملك نوڤين… أن يعقد تحالفًا مع آل والتون، أسرة رمح التنين، ومع مدينة سحب التنّين.”
(فكيف إذن…)
مرّت ثوانٍ قليلة…
اختلجت نظرة أولسيوس، ونزع بصره عن النار ليركّزه على الفتى.
“هاهاهاها!” انفجر أولسيوس ضاحكًا ملء صوته. أمال رأسه بلامبالاة.
“آمن؟” نظر تاليس إلى السيف الثقيل على خصر أولسيوس وضحك بسخرية. “أظنّ أن لذلك السيف رأيًا آخر. لقد كاد يحظى بشرف أن يصير ’مهلك الأمير’.”
راقبه تاليس بصمت.
تنفّس أولسيوس بعمق.
خفض الآرشيدوق يديه وشبّكهما معًا، ونظره قاتم بارد. “هذه هي تخميناتك؟ كنت أظنّك بارعًا في الخدع الصغيرة فقط، فإذا بك بارع في اختلاقها أيضًا!”
راقبه تاليس بصمت.
“لقد رأيت ذلك بعيني. لامبارد يحاول الاتصال بمدينة سحب التنّين.” ردّ تاليس ببرود.
استمرّ تاليس: “ولهذا، طرح نيّة التحالف معي، لنواجه عدوًّا واحدًا.”
“مستحيل!” تجمّد ضحك أولسيوس وتشدّد صوته. “لامبارد متّهم بقتل الأمير موريا. وهذا دين دم. الملك نوڤين لن يعمل معه.”
“قدّم لي جميع الموارد التي أحتاجها في مدينة سحب التنّين، مقابل مساعدة من ملك قادم من القارة الجنوبية.”
تابع تاليس فورًا، وقد أدرك مسار تفكيره: “لماذا نثأر لدم أقاربنا؟ لأجل العدالة؟ لا.”
قطّب أولسيوس حاجبيه واستغرق في التفكير، ناظرًا إلى تاليس.
“إنما لنضمن ألّا يتكرّر هذا الأذى على عائلتنا. لنرسل أبلغ تحذير لخصومنا. ولنحفظ استمرار أسرتنا وازدهارها.”
“هاهاهاها!” انفجر أولسيوس ضاحكًا ملء صوته. أمال رأسه بلامبالاة.
قطّب أولسيوس جبينه.
“ما سأقوله تالياً… موجّه لك وحدك.” رمق تاليس الرجلَين مفتولي العضلات خلف أولسيوس؛ كان من الواضح أنهما محنّكان.
“ولأجل هذا الهدف، يمكن التضحية بكل شيء آخر.” أومأ تاليس ببطء. “بما في ذلك الكراهية… والكرامة.”
انقبض قلب تاليس.
ولمّا رأى شكّ أولسيوس يتعمّق، قال بهدوء: “وأنت قلتها—الملك نوڤين ما زال عاقلًا. آل والتون فقدوا آخر وريث مباشر… لكنهم لم ينقرضوا. ولن يسمح الملك بنهايتهم.”
تنفّس تاليس ببطء.
هزّ أولسيوس رأسه. “كان لامبارد هو البادئ بالعداء، وقد قتل وريث الملك الوحيد. الثقة انتهت. ولن يغامر لامبارد بالتحالف معه.”
“أيها الصغير، سمعتُ أنك نابغة ناضج قبل أوانه.” قال الآرشيدوق الملتحي ببرود. “حسن. أنت بلا شك أذكى قليلًا من الأطفال العاديين، لكن هذا بالذات ما أمقته…”
فسبقَه تاليس بالردّ الهادئ: “أنت قلتَ إنك تعرفه—هل يملك الجرأة ليمدّ يده لخصمه إن كانت مكاسبُه أكبر؟ ولا تنسَ… قبل سنوات تحالف مع دوق الإقليم الشمالي، ڤال آروند، وهو خصمه القديم لسنوات طويلة.”
منذ أن وطئت قدماه مدينة سحب التنين، كان أمير الكوكبة، بدرجة أو بأخرى، سجين رهبة نفوذ الملك نوڤين، وثَرثرة الآرشيدوقات التي لا تنتهي، ولعبة الصداقة والعداء التي يمارسها كلٌّ من نيكولاس وشيليس، وبيوتراي الذي كان دائمًا يحاول تهدئته وتلطيف الجو.
تنفّس أولسيوس بعمق.
“لكن هذا ليس مخطّط لامبارد!” بعد نبرة هادئة دامَت عشر ثوانٍ، رفع صوته فجأة. “ولستُ أنا من سيجعله ملكًا!”
“ثمّ…” قال تاليس وهو يرى التردّد في عينَيه، “لماذا تظنّ أنّ لامبارد أرسل جنوده ليُرافقوني علنًا إلى مدينة سحب التنّين؟ أتظنّ حقًا أن الملك نوڤين أمر حرّاس النصل الأبيض بالمغادرة مبكرًا وخطفِي بدافع الغضب؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
توقّف أولسيوس قليلًا.
أدار الآرشيدوق رأسه وضحك ضحكة قصيرة.
“ذلك كان تمثيلًا!” ازداد وجه تاليس صرامة، وراح يتكلّم بسرعة ليبدو أكثر اضطرابًا. “عُرض أمامكم جميعًا! لتَرَوا غضب الملك… فتنخدعوا وتغيب عنكم رغباتُه الحقيقية.”
“ولِمَ أتيتَ إذن إلى مدينة سحب التنين؟” قال تاليس سريعًا، باحثًا عمّا يبقي الحديث قائمًا كي لا ينتهي فجأة بكراهية أولسيوس له. “إن كان حقًا كما تقول—أن قدومي نفسه مشكلة—فلِمَ جئت وربطت نفسك بهذه المشكلة؟”
“لكن ليس لأجل منع الحرب مع القارة الجنوبية… ولا لأجل منع دوق الرمال السوداء من قطف ثمارها. بل لأجل التحالف… بين مدينة سحب التنّين ومقاطعة الرمال السوداء.”
“لكن هذا ليس مخطّط لامبارد!” بعد نبرة هادئة دامَت عشر ثوانٍ، رفع صوته فجأة. “ولستُ أنا من سيجعله ملكًا!”
زمّ الآرشيدوق شفتيه ونفث نفسًا عميقًا، وكأنّه غارق في تفكير عميق.
وفوق ذلك، كانت ذكريات حياته السابقة تتدفّق في ذهنه بلا توقف. جعلته مطمئنًا، يشعر بأنّ حتى في هذا العالم المتوحّش المتآكل، فهو يملك قدرًا من الذكاء.
“وخلال الأيام الماضية، لا يعلم إلا الاله عمّ كان نيكولاس من سحب التنّين وكينتفيدا من الرمال السوداء يتبادلان الكلام وراء الأبواب المغلقة!” زفر تاليس. “وما كنا نراه أمام الناس… هو التوتّر فقط.”
“ليست المسألة في حِيَلي الكلاميّة، بل في ما إن كان هذا يفيدك.” اشتدّ بصر تاليس، واستعاد ثباته. “وفي ما إن كان هذا يُفيد اقليم أوركيد المرموقة. اسمع ما سأقوله… ثمّ اتّخذ قرارك بنفسك.”
“لكنني أستطيع أن أخمّن.” عاد صوته ثابتًا، فيما ازداد غور نظرة أولسيوس.
“في المرّة القادمة، ابحث عن حجّة أفضل، وفكّر في كذبة أكثر منطقيّة قبل أن تحاول زرع الشقاق بيننا.”
“أسرة والتون في طريقها إلى الأفول.” أطلق تاليس زفرة منخفضة. “وحين يرحل الملك نوڤين… وحين تنتهي عملية اختيار الملك التالي… قد تنقرض الأسرة تمامًا.”
“لكن ما أعرفه أكثر هو شعور أن تكون في تلك المكانة—أن تحكم، وتحافظ، وتحمي أسرة، ومدينة، وإقليمًا، ورعيّة.” قال الآرشيدوق بخفوت. “بعد مأساة عائلة والتون، اضطر نوڤين إلى لملمة الكثير، وترميم الكثير، وترتيب الكثير. كلّ ذلك لضمان بقاء أسرته ومستقبل مدينة سحب التنين.”
“ولذلك… لا بد أن يضع رهانه على آرشيدوق قوي، ملكٍ مستقبلي. حتى لو كان هذا الشخص متَّهَمًا بقتل ابنه.”
“ملك إكستيدت القادم المنتخب شعبيًا ؟” سخر الآرشيدوق.
استدار أولسيوس ونظر إلى القمر خلف النافذة. وضمّ تاليس شفتيه بصمت، مترقّبًا جواب الرجل. لقد خاض الآرشيدوق معركته وحده الآن… وقد قال تاليس كل ما يمكن قوله.
“ولأجل هذا الهدف، يمكن التضحية بكل شيء آخر.” أومأ تاليس ببطء. “بما في ذلك الكراهية… والكرامة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
إنسان حي.
منذ أن وطئت قدماه مدينة سحب التنين، كان أمير الكوكبة، بدرجة أو بأخرى، سجين رهبة نفوذ الملك نوڤين، وثَرثرة الآرشيدوقات التي لا تنتهي، ولعبة الصداقة والعداء التي يمارسها كلٌّ من نيكولاس وشيليس، وبيوتراي الذي كان دائمًا يحاول تهدئته وتلطيف الجو.
