أنا أراقبك، وقد حذّرتك
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“مبارزة اختيار الملك تحدث فقط حين يتعادل الطرفان في عدد الأصوات. تُجرى لتحديد الفائز الأخير. ولم يحدث ذلك منذ زمن بعيد.” هزّ بيوتراي رأسه. “قيل إنه خلال مؤتمر اختيار الملك قبل ثلاثين عامًا، حاز نوڤين السابع دعم الآرشيدوقات الستة جميعهم. فلم تكن هناك حاجة لمبارزة.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
تنفّس تاليس بعمق ورفع كتفيه.
Arisu-san
تفحّص المكان حوله، فلم يجد إلا وجوهًا جامدة تنتظر نهاية الطقس.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“إن متّ هنا…”
الفصل 148: أنا أراقبك، وقد حذّرتك
“الشجاعة لهيب، يحرق أرواح الشرفاء.”
…
رفعت يدها اليمنى، مشيرةً إلى الملك نوڤين.
انتهى الملك من الكلام.
ارتجف الجميع في القاعة.
امتلأت قاعة الاجتماع بصمتٍ حجريّ. ولم يُسمَع لبرهة سوى فحيح اللهيب المتطاير من المَجامر، وأنفاس الحاضرين المتقطّعة.
“ستوفّرون على أنفسكم وقت المؤامرات الحقيرة، أليس كذلك؟”
تجمّد الجميع تقريبًا أمام إعلان الملك المفاجئ في تلك اللحظة.
وبعد ثانية، أنزلت الكاهنة ذراعيها، وضعت يديها على كتفيها، وأحنَت رأسها قائلة: “لقد بدأ النزال.”
ظلّوا بلا حراك لخمس ثوانٍ كاملة، حتى اخترق الصمت صوتٌ طفوليّ لصبيٍّ صغير.
شهق تاليس وهو يحدّق في الملك العجوز، الذي بدا ما يزال قويًا بحق.
“ما هذا بحق الجحيم؟”
“مزاح؟”
اتّجهت كل الأنظار، بما فيها نظرة الملك نوڤين العميقة، نحو أمير الكوكبة، تاليس جيدستار، الواقف في إحدى الزوايا بملامح مذهولة.
أما تاليس، فكان يزداد حيرةً.
افتعل بيوتراي سعالًا خلف الأمير، فتنبه تاليس المشتّت إلى ما تفوّه به، وسرعان ما أطلق ابتسامةً اعتذارية مرتبكة.
فجأةً، سمع تاليس رنينًا غريبًا في أذنيه.
لكنّ أحدًا لم يعبأ بزلة لسان أميرٍ غريب في تلك اللحظة.
“أنت الملك.” قال الآرشيدوق روكني متنهّدًا. “وأنت صاحب القرار.”
نهض الآرشيدوق روكني فجأة، وبوجهٍ متجهم قال ما كان يدور في أذهان بقية الآرشيدوقات.
“الشجاعة لهيب، يحرق أرواح الشرفاء.”
“جلالتكم، أرجو أن تعيدوا النظر في قراركم. فالأمر لا يتعلق بثأر عائلتكم وحدها، بل بمستقبل إكستيدت!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
حتى رجال مؤتمر المملكة المجتمعين إلى جانب الملك أبدوا ذعرهم. اسودّ وجه المسؤول الواقف خلفه — اللورد ميرك — لحظة بعد أخرى. حاول أن يهمس بشيء في أذن الملك نوڤين، لكن الأخير لوّح له بيده في إشارة رفض، فأخرسه على الفور هو وأتباعه المقربين.
(حسنًا… إن كنت أتوهم أصواتًا، فثمّة خلل بأذني… عليّ أن أرى طبيبًا…)
“هذا قراري.” نطق الملك بصوت خافت يخاطب خاصّته.
“هاه.” ضحك الآرشيدوق ترينتيدا موجّهًا كلامه للآرشيدوق أولسيوس. “غلام ماكر.”
في تلك اللحظة تحديدًا، خُيّل إلى تاليس أن هيئة الملك نوڤين الهرِمة الواهنة تتداخل مع ظِلّ الرجل القوي الذي رآه في قصر النهضة.
“لقد حذّرتك.”
لاحظ تاليس أيضًا أن شخصين فقط في القاعة بدَوا غير مكترثَين: قائد حرّاس النصل الأبيض، الملقّب بقاتل النجوم، بوجهٍ جامد؛ والساحرة الحمراء كالشان، رئيسة الغرفة السرية، وهي تحافظ على ابتسامة لطيفة وودودة.
نظر تاليس نحو حرّاس النصل الأبيض وهم يزيحون الطاولة الطويلة الثقيلة من وسط القاعة. تراجع الحضور مفسحين ساحةً للمبارزة.
أما الكاهنة العليا لقاعة القمر الساطع، جويل هولم، التي وصلت حديثًا، فلم يتمكن حتى من رؤية ملامحها المختبئة تحت الحجاب.
لم يجب الآرشيدوق طويل الشعر، لكنّ هزّة خفيفة برأسه أوضحت رأيه.
“كم يبلغ عمر الملك نوڤين هذا العام؟” همس تاليس نحو بيوتراي.
“الفأس الحربي.”
“تسعةٌ وستون، إن لم تخنّي الذاكرة.” أجابه المركيز شيليس بامرا الذي كان بجوار بيوتراي. عقد الضيف القادم من كاموس جبينه. “أما اللورد بوفريت فهو في الثالثة والثلاثين، ما يزال في عنفوان شبابه… تبًا، وقد وقعنا لتونا عقدًا للتعدين مع إكستيدت.”
بقي الآرشيدوقات صامتين. وساد القاعة سكون ثقيل، وقد ثقلت أنفاس الجميع.
“الوضع ينفلت من السيطرة… كن على حذر، يا سمو الأمير.” بدا بيوتراي قلقًا ومتوترًا. “إن أصرّ الملك نوڤين على المبارزة…”
فمشكلاته الآن كثيرة بما يكفي. وكان عليه أن يواجهها واحدةً بعد أخرى.
هز تاليس رأسه بجدية. كان يعلم ما يقصده بيوتراي تمامًا.
“الكاهنة العليا هولم؟”
إن مات الملك نوڤين هنا، فسيزول آخر ركيزة تحفظ السلام بين عائلة جيدستار وعائلة والتون. وسيخسر هو — أمير الكوكبة — حليفه الوحيد في مدينة سحب التنين… في عموم إكستيدت.
وأعلنت بصوت صافٍ بارد: “من أجل الثأر، دعا هذا الرجل إلى النزال.”
وفوق ذلك، لم تكن نظرة الآرشيدوقات نحوه ودّية أصلًا، وبخاصة اللورد بوفريت، الذي كان يحتقره بوضوح.
“سمعت أن الكونت لامبارد من إقليم الرمال السوداء هزم شقيقه الأكبر في مبارزةٍ لينال حق الوراثة. هل هذا صحيح؟” سأل تاليس بوجهٍ قاتم وهو يشاهد الرجلين في الساحة يخلعان أرديتهما، بينما كان اللورد ميرك يهيئ أرض المبارزة بوجهٍ شاحب.
قبض تاليس على أسنانه.
(يودل… الحارس المقنّع السري؟)
في الأثناء، ترك الملك نوڤين مقعده، وتقدّم وهو يبتسم نحو الآرشيدوقات.
(ما معنى كل هذا؟)
“ما بالك، أيها النبيل المتعالي يا روكني؟” دوّى صوت الملك الهرِم، لكنه قويّ كالهدير، عبر أرجاء القاعة الواسعة. “أخائفٌ أنت من أن يعجز شيخ مثلي عن هزيمة شاب؟”
“هاها.” ضحك الآرشيدوق ليكّو ضحكة متوترة. كان الأكبر عمرًا بينهم، وجالسًا في الطرف البعيد. “جلالتك تحب المزاح… أليس كذلك؟”
لم يجب الآرشيدوق طويل الشعر، لكنّ هزّة خفيفة برأسه أوضحت رأيه.
ومن دون أن ينتظر ردّ بوفريت، التفت الملك نحو الآرشيدوقات الأربعة الآخرين.
“لا أظنه تخوّفًا بلا سبب يا جلالتكم.” قال الآرشيدوق ترينتيدا وهو يفرك يده اليمنى بفظاظة، ملقيًا نظرة مرتبكة على اللورد بوفريت. “قتال شاب من أجل النساء شيء… أما المبارزة فشأن آخر تمامًا.”
(“لقد حذّرتك.”)
“أنتم تدركون سنّكم جيدًا يا جلالة الملك.” كان الآرشيدوق أولسيوس أكثر مباشرة. “اعتقاله خيارٌ أفضل بكثير… هل تدركون أن لهذا عواقب؟”
في الأثناء، ترك الملك نوڤين مقعده، وتقدّم وهو يبتسم نحو الآرشيدوقات.
“هذه هي العواقب!”
أجبر تاليس مشاعره على الهدوء، محاولًا ألا يفكر في ذلك الصوت الغريب.
رفع نوڤين صوته، وصاح في القاعة الموجّهة أنظارها إليه.
(حسنًا… إن كنت أتوهم أصواتًا، فثمّة خلل بأذني… عليّ أن أرى طبيبًا…)
“هذه هي العواقب التي يتحمّلها كل من يجرح أحد أبناء عائلة والتون، ولو بأدنى درجة!”
وبينما كان تاليس ما يزال مضطربًا من احتمال هزيمة الملك نوڤين، تقدّمت الكاهنة الكبرى هولم نحو مركز الحلبة، جاذبة أنظار الجميع.
ارتجف الجميع في القاعة.
لم يجب الآرشيدوق طويل الشعر، لكنّ هزّة خفيفة برأسه أوضحت رأيه.
(هذا لا يبشّر بالخير.)
“هذه هي العواقب التي يتحمّلها كل من يجرح أحد أبناء عائلة والتون، ولو بأدنى درجة!”
راقب تاليس المشهد بقلق.
ثم، بحركة خاطفة، رفع الآرشيدوق الشاب السلاح عاليًا.
(هل دفع الغضب والحقد الملك نوڤين السابع إلى الجنون؟)
مرّت نظرة الملك الثائرة فوق الآرشيدوقات الثلاثة. “تعلمون جيدًا أنه من يُغضِب عائلة رمح التنين فعليه أن يدفع الثمن. نحن آل والتون نضع كل شيء على المحكّ من أجل الثأر… هذا نحن.”
مرّت نظرة الملك الثائرة فوق الآرشيدوقات الثلاثة. “تعلمون جيدًا أنه من يُغضِب عائلة رمح التنين فعليه أن يدفع الثمن. نحن آل والتون نضع كل شيء على المحكّ من أجل الثأر… هذا نحن.”
فمشكلاته الآن كثيرة بما يكفي. وكان عليه أن يواجهها واحدةً بعد أخرى.
تغيرت وجوه الآرشيدوقات في دهشة وارتباك. وتحت نظرات الملك القاسية، خفّضوا رؤوسهم وصمتوا. كانوا كلبؤاتٍ خضعت لزعيم السرب.
الفصل 148: أنا أراقبك، وقد حذّرتك
(لكن هناك خطب ما.) أدرك تاليس ذلك.
“فأس حربي؟ أهو ما أفكّر به؟” دار هذا الخاطر في ذهن تاليس فالتفت ليسأل.
(الأمر ليس حقدًا أعمى فقط… هذا تحذير يصدر من الملك… من مدينة سحب التنين… من عائلة والتون.)
لاحظ تاليس أيضًا أن شخصين فقط في القاعة بدَوا غير مكترثَين: قائد حرّاس النصل الأبيض، الملقّب بقاتل النجوم، بوجهٍ جامد؛ والساحرة الحمراء كالشان، رئيسة الغرفة السرية، وهي تحافظ على ابتسامة لطيفة وودودة.
“هاها.” ضحك الآرشيدوق ليكّو ضحكة متوترة. كان الأكبر عمرًا بينهم، وجالسًا في الطرف البعيد. “جلالتك تحب المزاح… أليس كذلك؟”
“تسعةٌ وستون، إن لم تخنّي الذاكرة.” أجابه المركيز شيليس بامرا الذي كان بجوار بيوتراي. عقد الضيف القادم من كاموس جبينه. “أما اللورد بوفريت فهو في الثالثة والثلاثين، ما يزال في عنفوان شبابه… تبًا، وقد وقعنا لتونا عقدًا للتعدين مع إكستيدت.”
استدار الملك نوڤين وألقى عليه نظرة.
(ماذا؟)
تجمّدت ابتسامة الآرشيدوق ليكّو، وإن بدا كأنه لم ينتبه.
“الكاهنة العليا هولم؟”
“مزاح؟”
وخطر بباله الفأس العملاق الذي استخدمه خصم آراكّا في معركة حصن التنين المحطم. ومع ذلك، فقد انتزع “غضب المملكة” ذلك السلاح منه في النهاية وشقّ وجهه به.
أطلق الملك نوڤين زفرة ساخرة، وتقدّم نحو بوفريت، وعيناه تتقدان غضبًا لا حدّ له.
“باسم تجسيد القمر الساطع، سأكون شاهدة.” تراجعت الكاهنة خطوات قليلة بخفة. وكل خطوة تلتها آية:
“ما رأيك يا كونكراي بوفريت؟ هل أبدو كمن يمزح؟”
(فالملك نوڤين قد بلغ السبعين.)
تركزت جميع الأنظار على الآرشيدوق بوفريت وقد وُجّه إليه التحدي.
هز تاليس رأسه بجدية. كان يعلم ما يقصده بيوتراي تمامًا.
“أنت… أنت مختل. مبارزة؟” تمتم الآرشيدوق الشاب مذهولًا، يحدّق في الملك نوڤين النحيل المريض من رأسه حتى قدميه. ارتعشت شفتاه وهو يتمتم: “باسم الانتقام… أنت مستعد للمخاطرة بحياتك—”
ألقى بوفريت نظرة نحو الملك نوڤين الواقـف قبالته وأطلق ضحكة خفيفة.
لكن الملك قاطعه.
“استخدام الفأس الحربي ذي النصلين يتطلب قوةً هائلة وصبراً. يستطيع القطع في الاتجاهين، وقوّته التدميرية كبيرة. ومع وجود شوكة في أعلاه، يمكن استخدامه للطعن أيضًا. كان هذا السلاح شائعًا في معارك الأورك قديماً”، أجاب نيكولاس بهدوء. “لكن هذا السلاح الثقيل نادر الاستخدام الآن. معظم سيّافي الشمال يفضّلون الفأس الأحادي الخفيف.”
“ولِمَ كل هذا الذهول؟” قال الملك ببرود. “إنها فرصتك الأفضل — وربما الوحيدة. إن قتلتني، فلن تواجه أي عقاب. ستُسقَط التهم عنك.”
وانفجر الجمع في القاعة بصافرات استهجان.
ارتجف بوفريت. رفع رأسه، يحدّق في الملك.
“استخدام الفأس الحربي ذي النصلين يتطلب قوةً هائلة وصبراً. يستطيع القطع في الاتجاهين، وقوّته التدميرية كبيرة. ومع وجود شوكة في أعلاه، يمكن استخدامه للطعن أيضًا. كان هذا السلاح شائعًا في معارك الأورك قديماً”، أجاب نيكولاس بهدوء. “لكن هذا السلاح الثقيل نادر الاستخدام الآن. معظم سيّافي الشمال يفضّلون الفأس الأحادي الخفيف.”
“وبالطبع، يمكنك أيضًا أن تعلن استسلامك منذ بداية المبارزة، وتعترف بجريمتك.” قال نوڤين بابتسامة باردة، وعيناه تلمعان بالحقد.
انكمشت حدقتا الملك نوڤين.
ومن دون أن ينتظر ردّ بوفريت، التفت الملك نحو الآرشيدوقات الأربعة الآخرين.
(لكن هناك خطب ما.) أدرك تاليس ذلك.
“أليس هذا ما تنتظرونه أكثر من أي شيء؟” دوّى صوت الملك كأنه تنّين غاضب.
ثم، بحركة خاطفة، رفع الآرشيدوق الشاب السلاح عاليًا.
“إن متّ هنا…”
(ماذا؟)
“ستوفّرون على أنفسكم وقت المؤامرات الحقيرة، أليس كذلك؟”
(من المتكلّم؟)
تصلّب الآرشيدوقات في أماكنهم.
ورفعت الكاهنة ذراعها اليسرى، مشيرةً إلى بوفريت الشاب.
مسح الملك القاعة بنظره، وهو يضحك ضحكة مجلجلة. “عندها ستشهد إكستيدت اختيارًا آخر للملك… ربما اختيارًا مستعجلًا.”
ظلّوا بلا حراك لخمس ثوانٍ كاملة، حتى اخترق الصمت صوتٌ طفوليّ لصبيٍّ صغير.
“لكنها ستكون فرصتكُم لاعتلاء العرش… والهيمنة على المملكة.” ضيّق عينيه. “إنها فرصة قريبة… قريبة جدًا، أليس كذلك؟”
تصلّب الآرشيدوقات في أماكنهم.
بقي الآرشيدوقات صامتين. وساد القاعة سكون ثقيل، وقد ثقلت أنفاس الجميع.
انتبه تاليس لذلك، فارتاع، ثم اعتدل واقفًا واتخذ هيئة جدّية.
“أنت الملك.” قال الآرشيدوق روكني متنهّدًا. “وأنت صاحب القرار.”
وبعد ثانية، أنزلت الكاهنة ذراعيها، وضعت يديها على كتفيها، وأحنَت رأسها قائلة: “لقد بدأ النزال.”
ضحك الملك نوڤين ضحكة مكتملة، ثم استدار نحو الكاهنة العليا لقاعة القمر الساطع.
ألقى بوفريت نظرة نحو الملك نوڤين الواقـف قبالته وأطلق ضحكة خفيفة.
“الكاهنة العليا هولم؟”
أمّا الآرشيدوق أولسيوس فكان يمرّر أصابعه خلال لحيته الكثّة وهو يقطّب حاجبيه، مأخوذًا بذكرى نزال الوراثة في إقليم الرمال السوداء قبل اثنتي عشرة سنة.
ردّت الكاهنة المحجّبة بإيماءة خفيفة، ورفعت ذراعيها بوقار؛ قبضت يدها اليسرى على كوعها الأيمن، بينما كانت راحة يدها اليمنى ممدودة إلى الأعلى كأنها تحمل طبقًا.
افتعل بيوتراي سعالًا خلف الأمير، فتنبه تاليس المشتّت إلى ما تفوّه به، وسرعان ما أطلق ابتسامةً اعتذارية مرتبكة.
أغمضت الكاهنة العليا هولم عينيها وخفّضت رأسها بينما راقبها الجميع في صمتٍ ثقيل.
لكن الملك قاطعه.
فجأةً، سمع تاليس رنينًا غريبًا في أذنيه.
ردّت الكاهنة المحجّبة بإيماءة خفيفة، ورفعت ذراعيها بوقار؛ قبضت يدها اليسرى على كوعها الأيمن، بينما كانت راحة يدها اليمنى ممدودة إلى الأعلى كأنها تحمل طبقًا.
انتفض تاليس.
قبض تاليس على أسنانه.
لقد جرّب هذا من قبل في قاعة الكوكبة، أمام سيّدة الطقوس في قاعة الغروب، ليسيا، خلال طقس السلالة.
في تلك اللحظة تحديدًا، خُيّل إلى تاليس أن هيئة الملك نوڤين الهرِمة الواهنة تتداخل مع ظِلّ الرجل القوي الذي رآه في قصر النهضة.
لكنّه شعر هذه المرة بحالٍ أفضل بكثير. على الأقل لم تكن ردّة فعله قوية كما كانت آنذاك.
ومن دون أن ينتظر ردّ بوفريت، التفت الملك نحو الآرشيدوقات الأربعة الآخرين.
ربما… كان مقدَّرًا له أن يتأثر بكل طقس مقدّس يرتبط بالتجسُدات؟
رفع نوڤين صوته، وصاح في القاعة الموجّهة أنظارها إليه.
حافظ تاليس على رباطة جأشه، وشعر بالامتنان لأن وضعه أفضل من السابق، لكنه ما لبث أن سمع صوتًا وسط ذلك الرنين.
(لكن هناك خطب ما.) أدرك تاليس ذلك.
“أنا أراقبك.”
حدّق الملك نوڤين بعدوّه ببرود.
رفع تاليس رأسه بسرعة، لكنه لم يرَ سوى سقفٍ خاوٍ.
رفع نوڤين صوته، وصاح في القاعة الموجّهة أنظارها إليه.
(ماذا؟)
قطّب تاليس حاجبيه.
تفحّص المكان حوله، فلم يجد إلا وجوهًا جامدة تنتظر نهاية الطقس.
أغمضت الكاهنة العليا هولم عينيها وخفّضت رأسها بينما راقبها الجميع في صمتٍ ثقيل.
كان بيوتراي وشيليس خلفه بملامح قاتمة.
تركزت جميع الأنظار على الآرشيدوق بوفريت وقد وُجّه إليه التحدي.
لم ينطق أحد بكلمة.
“بعيدًا عن ذلك، قرار هذا النزال متعجّل للغاية… هل كل الشماليين مجانين؟” عضّ تاليس على أسنانه. “ألم يفكّر في عواقب هزيمته؟”
(ما الذي كان ذلك…؟) حك تاليس رأسه مرتبكًا. تابع تفقده للقاعة، ولم يجد شيئًا غير مألوف، فتنهد تنهيدة عاجزة.
“كم يبلغ عمر الملك نوڤين هذا العام؟” همس تاليس نحو بيوتراي.
(حسنًا… إن كنت أتوهم أصواتًا، فثمّة خلل بأذني… عليّ أن أرى طبيبًا…)
تجهم تاليس. “هل يجب على الملك أن يدخل الساحة بنفسه؟”
“لقد حذّرتك.”
كان الصوت حقيقيًا. كان متيقّنًا أن أحدًا يخاطبه—كان الأمر أشبه بسماعة عند أذنه.
شعر تاليس بقشعريرة تسري في جسده. استدار لا إراديًا ونظر حول القاعة بقلق.
رفع الآرشيدوق الشاب رأسه نحو الملك نوڤين بثبات. “الفأس الحربي مزدوج النصل. هذا هو السلاح.”
(لقد تكرّر الأمر!)
وتبادلا النظرات المشبعة بالعداء.
(من؟)
“هذه هي العواقب!”
(من المتكلّم؟)
“هاه… حسنًا.” ظهرت ابتسامة غريبة على شفتي الآرشيدوق الشاب. “هذا هو عرضك، أليس كذلك؟”
كان الصوت حقيقيًا. كان متيقّنًا أن أحدًا يخاطبه—كان الأمر أشبه بسماعة عند أذنه.
“ولِمَ كل هذا الذهول؟” قال الملك ببرود. “إنها فرصتك الأفضل — وربما الوحيدة. إن قتلتني، فلن تواجه أي عقاب. ستُسقَط التهم عنك.”
لم يستطع تاليس تذكّر نبرة الصوت، لكن الكلمات كانت واضحة تمامًا!
(لكن هناك خطب ما.) أدرك تاليس ذلك.
(أيمكن أن يكون…) انتابه الذعر.
في تلك اللحظة تحديدًا، خُيّل إلى تاليس أن هيئة الملك نوڤين الهرِمة الواهنة تتداخل مع ظِلّ الرجل القوي الذي رآه في قصر النهضة.
(يودل… الحارس المقنّع السري؟)
(من؟)
(لا… مستحيل.)
افتعل بيوتراي سعالًا خلف الأمير، فتنبه تاليس المشتّت إلى ما تفوّه به، وسرعان ما أطلق ابتسامةً اعتذارية مرتبكة.
(الصوت مختلف تمامًا عن نبرة يودل الخشنة!)
امتلأت قاعة الاجتماع بصمتٍ حجريّ. ولم يُسمَع لبرهة سوى فحيح اللهيب المتطاير من المَجامر، وأنفاس الحاضرين المتقطّعة.
بدأ الاضطراب يتملّكه. وبعد أن تأكد أن لا أحد تحدّث، وجّه نظرة مذهولة نحو الكاهنة العليا لقاعة القمر الساطع، التي ما تزال مغمضة العينين.
“أنتم تدركون سنّكم جيدًا يا جلالة الملك.” كان الآرشيدوق أولسيوس أكثر مباشرة. “اعتقاله خيارٌ أفضل بكثير… هل تدركون أن لهذا عواقب؟”
(هل يعقل؟)
قبض تاليس على أسنانه.
أثارت تصرّفاته الغريبة انتباه بعض الحاضرين. حدّق فيه شيليس باستغراب، بينما عبس بيوتراي كما لو كان يوبّخه.
“يبدو أن المبارزة لا مفرّ منها.” قالت الكاهنة بصوت عميق. “وسأكون شاهدة التجسدات.”
انتبه تاليس لذلك، فارتاع، ثم اعتدل واقفًا واتخذ هيئة جدّية.
(“لقد حذّرتك.”)
تلاشى الرنين الغريب أخيرًا.
“والموت بابٌ للعودة إلى الديار البعيدة.”
لكن حيرته وقلقه لم يتلاشيا.
(فالملك نوڤين قد بلغ السبعين.)
“لقد أجابت القمر الساطع.” فتحت الكاهنة العليا هولم عينيها الصافيتين الهادئتين. “التجسدات لا تعترض.”
وفوق ذلك، لم تكن نظرة الآرشيدوقات نحوه ودّية أصلًا، وبخاصة اللورد بوفريت، الذي كان يحتقره بوضوح.
تنفّس معظم من في القاعة بارتياح، لكن الآرشيدوقات بقوا صامتين.
“اختيار ذكي.” ضيّق بيوتراي عينيه وهو يهز رأسه. “إنه يستغلّ تقدّم الملك نوڤين في السن.”
“يبدو أن المبارزة لا مفرّ منها.” قالت الكاهنة بصوت عميق. “وسأكون شاهدة التجسدات.”
ردّت الكاهنة المحجّبة بإيماءة خفيفة، ورفعت ذراعيها بوقار؛ قبضت يدها اليسرى على كوعها الأيمن، بينما كانت راحة يدها اليمنى ممدودة إلى الأعلى كأنها تحمل طبقًا.
لم يعلُ أي اعتراض آخر.
(الصوت مختلف تمامًا عن نبرة يودل الخشنة!)
أطلق الملك الهرم ابتسامة راضية، ثم أعاد نظره إلى خصمه.
فمشكلاته الآن كثيرة بما يكفي. وكان عليه أن يواجهها واحدةً بعد أخرى.
في ذلك السكون، استعاد الآرشيدوق بوفريت بعض هدوئه تدريجيًا وسيطر على أنفاسه المضطربة.
راقب تاليس المشهد بقلق.
حدّق في الملك نوڤين، وعيناه تلتمعان بشعورٍ غامض.
هزّ بيوتراي رأسه.
“هاه… حسنًا.” ظهرت ابتسامة غريبة على شفتي الآرشيدوق الشاب. “هذا هو عرضك، أليس كذلك؟”
الفصل 148: أنا أراقبك، وقد حذّرتك
“أن تتحدّاني باسم الملك… لا أملك حقّ الرفض، ولا أنوي ذلك.”
لكنّه شعر هذه المرة بحالٍ أفضل بكثير. على الأقل لم تكن ردّة فعله قوية كما كانت آنذاك.
رفع بوفريت ذقنه، كاشفًا عن نظرة حادّة دامية. “فما الذي ننتظره إذن؟”
وخطر بباله الفأس العملاق الذي استخدمه خصم آراكّا في معركة حصن التنين المحطم. ومع ذلك، فقد انتزع “غضب المملكة” ذلك السلاح منه في النهاية وشقّ وجهه به.
ابتسم الملك نوڤين ابتسامة عريضة، وتألّقت عيناه ببريقٍ ساحق.
“هاها.” ضحك الآرشيدوق ليكّو ضحكة متوترة. كان الأكبر عمرًا بينهم، وجالسًا في الطرف البعيد. “جلالتك تحب المزاح… أليس كذلك؟”
أما تاليس، فكان يزداد حيرةً.
تركزت جميع الأنظار على الآرشيدوق بوفريت وقد وُجّه إليه التحدي.
(“أنا أراقبك.”)
شهق تاليس وهو يحدّق في الملك العجوز، الذي بدا ما يزال قويًا بحق.
(“لقد حذّرتك.”)
“أنت الملك.” قال الآرشيدوق روكني متنهّدًا. “وأنت صاحب القرار.”
(ما معنى كل هذا؟)
“فأس حربي؟ أهو ما أفكّر به؟” دار هذا الخاطر في ذهن تاليس فالتفت ليسأل.
أجبر تاليس مشاعره على الهدوء، محاولًا ألا يفكر في ذلك الصوت الغريب.
بقي الآرشيدوقات صامتين. وساد القاعة سكون ثقيل، وقد ثقلت أنفاس الجميع.
هز رأسه بقوة، كأنه يحاول طرد الكلمات من ذهنه.
لم يُعره الملك اهتمامًا.
فمشكلاته الآن كثيرة بما يكفي. وكان عليه أن يواجهها واحدةً بعد أخرى.
رفع تاليس رأسه بسرعة، لكنه لم يرَ سوى سقفٍ خاوٍ.
نظر تاليس نحو حرّاس النصل الأبيض وهم يزيحون الطاولة الطويلة الثقيلة من وسط القاعة. تراجع الحضور مفسحين ساحةً للمبارزة.
في وسط القاعة، كان الملك نوڤين يقف مرتديًا عباءة قتال بأكمام مشدودة. كانت العباءة مطرّزة بشعار رمح سحب التنين، وكانت الأكمام تمنحه حرية حركة واسعة. والأمر ذاته بدا على بوفريت، وقد رُسم على كمّه الأيسر رمز الحذاء الدموي.
وبينما تبع الآخرين نحو مكان قرب المَجامر في الزاوية، لاحظ وجود خمس أو ست درجات على جانبي القاعة البيضاوية المسماة قاعة الأبطال. كان وسط القاعة فارغًا.
وبحسب شذرات الذاكرة من حياته السابقة، فقد بدا المكان كأنه مدرّج قتال. وخطر له فجأة:
ابتلع تاليس ريقه. هذا الفأس ربما يزن ضعفي وزنه.
(هل من الممكن أن تكون قاعة الاجتماع في قصر الروح البطولية قد بُنيت أصلًا للمبارزة؟)
ابتسم الملك نوڤين ابتسامة عريضة، وتألّقت عيناه ببريقٍ ساحق.
“أهو الحظ أم الشؤم؟” تمتم بيوتراي بسخرية. “هذا أول وصول لك إلى إكستيدت، وتحظى فيه بمشاهدة مبارزة نادرة.”
“لقد أجابت القمر الساطع.” فتحت الكاهنة العليا هولم عينيها الصافيتين الهادئتين. “التجسدات لا تعترض.”
تجهم تاليس. “هل يجب على الملك أن يدخل الساحة بنفسه؟”
…
“في عصر الإمبراطورية، كان المقاتل يحق له اختيار من ينوب عنه.” همس بيوتراي. “أما الآن فنحن في الشمال—شمال ما بعد سقوط الإمبراطورية. كلٌ يقاتل بيديه… حتى الملوك.”
لكن حيرته وقلقه لم يتلاشيا.
“سمعت قليلًا عن مبارزات الشمال، لكن…” قال المركيز شيليس الواقف بجانبهم وهو يتنهّد. “هذه أول مرة أراها بعيني. يا إلهي، ملك في السبعين يتحدى دوقًا في الثلاثين… مهما كانت النتيجة، فهذه قصة سأرويها لعامٍ كامل عند عودتي.”
شعر تاليس بقشعريرة تسري في جسده. استدار لا إراديًا ونظر حول القاعة بقلق.
“هل المبارزة حدث نادر؟ أليست جزءًا من اختيار الملك؟ كنت أظن أن الآرشيدوقات الطامحين للعرش يستعدون لها.” سأل تاليس.
ورفعت الكاهنة ذراعها اليسرى، مشيرةً إلى بوفريت الشاب.
“مبارزة اختيار الملك تحدث فقط حين يتعادل الطرفان في عدد الأصوات. تُجرى لتحديد الفائز الأخير. ولم يحدث ذلك منذ زمن بعيد.” هزّ بيوتراي رأسه. “قيل إنه خلال مؤتمر اختيار الملك قبل ثلاثين عامًا، حاز نوڤين السابع دعم الآرشيدوقات الستة جميعهم. فلم تكن هناك حاجة لمبارزة.”
أطلق الملك الهرم ابتسامة راضية، ثم أعاد نظره إلى خصمه.
“سمعت أن الكونت لامبارد من إقليم الرمال السوداء هزم شقيقه الأكبر في مبارزةٍ لينال حق الوراثة. هل هذا صحيح؟” سأل تاليس بوجهٍ قاتم وهو يشاهد الرجلين في الساحة يخلعان أرديتهما، بينما كان اللورد ميرك يهيئ أرض المبارزة بوجهٍ شاحب.
ضيّق تاليس عينيه ورأى في نظراتهما كل شعور سلبي يمكن أن تملكه نفس بشرية.
هزّ بيوتراي رأسه.
(هل دفع الغضب والحقد الملك نوڤين السابع إلى الجنون؟)
“ذلك النزال جعله معروفًا في أرجاء البلاد كلها، بل وحتى في الكوكبة”، نطق بيوتراي بصوت قاتم “نادراً ما تحظى إكستيدت بسيدٍ إقطاعي متوحّش، مرعب، ومتعطشٍ للدماء كهذا، وله أتباع متحمّسون. وبعدها أُسندت للامبارد مهام كبرى، ثم ابتُعث في مهمة دبلوماسية إلى الكوكبة.”
وخطر بباله الفأس العملاق الذي استخدمه خصم آراكّا في معركة حصن التنين المحطم. ومع ذلك، فقد انتزع “غضب المملكة” ذلك السلاح منه في النهاية وشقّ وجهه به.
“لكن السادة الإقطاعيين الآخرين يتحفّظون منه لأنه رجل عديم الرحمة. فقد كان قادرًا على قتل شقيقه بيده.” ضمّ المركيز شيليس شفتيه. “هذا كل ما أعرفه عن الشمال بعد أن جبتُ كل مدنه.”
وبينما كان تاليس ما يزال مضطربًا من احتمال هزيمة الملك نوڤين، تقدّمت الكاهنة الكبرى هولم نحو مركز الحلبة، جاذبة أنظار الجميع.
“بعيدًا عن ذلك، قرار هذا النزال متعجّل للغاية… هل كل الشماليين مجانين؟” عضّ تاليس على أسنانه. “ألم يفكّر في عواقب هزيمته؟”
تصلّب الآرشيدوقات في أماكنهم.
وفجأة، دوّى صوت بارد. “في الشمال، النزال طقسٌ مُقدّس.”
“اختيار ذكي.” ضيّق بيوتراي عينيه وهو يهز رأسه. “إنه يستغلّ تقدّم الملك نوڤين في السن.”
ظهر قاتل النجوم، نيكولاس، من العدم ووقف إلى جانبهم. كانت عيناه معلّقتين بالرجلين في الحلبة. “إنه وسيلةٌ لإثبات ما إذا كنت جبانًا ماكرًا أنانيًا يختبئ خلف جيشه وحراسه، أو محاربًا قويًا شجاعًا يخاطر بروحه من أجل الهدف الذي يحمله في قلبه.”
وانفجر الجمع في القاعة بصافرات استهجان.
تنفّس تاليس بعمق ورفع كتفيه.
الفصل 148: أنا أراقبك، وقد حذّرتك
في وسط القاعة، كان الملك نوڤين يقف مرتديًا عباءة قتال بأكمام مشدودة. كانت العباءة مطرّزة بشعار رمح سحب التنين، وكانت الأكمام تمنحه حرية حركة واسعة. والأمر ذاته بدا على بوفريت، وقد رُسم على كمّه الأيسر رمز الحذاء الدموي.
لم يستطع تاليس تذكّر نبرة الصوت، لكن الكلمات كانت واضحة تمامًا!
“النزال من فكرتي. أمّا السلاح، فلك أن تختار.” حدّق الملك نوڤين في بوفريت بدقة.
“مزاح؟”
أخذ بوفريت نفسًا عميقًا وتردّد لبضع ثوانٍ.
“أليس هذا ما تنتظرونه أكثر من أي شيء؟” دوّى صوت الملك كأنه تنّين غاضب.
“الفأس الحربي.”
رفع نوڤين صوته، وصاح في القاعة الموجّهة أنظارها إليه.
رفع الآرشيدوق الشاب رأسه نحو الملك نوڤين بثبات. “الفأس الحربي مزدوج النصل. هذا هو السلاح.”
“الفأس الحربي.”
انكمشت حدقتا الملك نوڤين.
(هل دفع الغضب والحقد الملك نوڤين السابع إلى الجنون؟)
وانفجر الجمع في القاعة بصافرات استهجان.
تجهم تاليس. “هل يجب على الملك أن يدخل الساحة بنفسه؟”
“هاه.” ضحك الآرشيدوق ترينتيدا موجّهًا كلامه للآرشيدوق أولسيوس. “غلام ماكر.”
استدار الملك نوڤين وألقى عليه نظرة.
هدر الآرشيدوق روكني باحتقار. “ضعيف.”
اتّجهت كل الأنظار، بما فيها نظرة الملك نوڤين العميقة، نحو أمير الكوكبة، تاليس جيدستار، الواقف في إحدى الزوايا بملامح مذهولة.
“فأس حربي؟ أهو ما أفكّر به؟” دار هذا الخاطر في ذهن تاليس فالتفت ليسأل.
ضحك الملك نوڤين ضحكة مكتملة، ثم استدار نحو الكاهنة العليا لقاعة القمر الساطع.
“استخدام الفأس الحربي ذي النصلين يتطلب قوةً هائلة وصبراً. يستطيع القطع في الاتجاهين، وقوّته التدميرية كبيرة. ومع وجود شوكة في أعلاه، يمكن استخدامه للطعن أيضًا. كان هذا السلاح شائعًا في معارك الأورك قديماً”، أجاب نيكولاس بهدوء. “لكن هذا السلاح الثقيل نادر الاستخدام الآن. معظم سيّافي الشمال يفضّلون الفأس الأحادي الخفيف.”
“أنت الملك.” قال الآرشيدوق روكني متنهّدًا. “وأنت صاحب القرار.”
“اختيار ذكي.” ضيّق بيوتراي عينيه وهو يهز رأسه. “إنه يستغلّ تقدّم الملك نوڤين في السن.”
حافظ تاليس على رباطة جأشه، وشعر بالامتنان لأن وضعه أفضل من السابق، لكنه ما لبث أن سمع صوتًا وسط ذلك الرنين.
بعد وقت قصير، وصلت الأسلحة.
“أليس هذا ما تنتظرونه أكثر من أي شيء؟” دوّى صوت الملك كأنه تنّين غاضب.
حدّق تاليس في السلاحين الضخمين اللذين حملهما الحرس إلى الحلبة. الفأس كان ذا مقبضٍ سميك يُمسك بكلتا اليدين. وكان ارتفاعه يصل إلى نصف طول رجل بالغ، وله شفرتان على شكل هلال، كل واحدة بحجم صدر إنسان تقريبًا. كانت الشفرتان تلمعان ببريقٍ مخيف، وفوقهما شفرات صغيرة للطعن. كان سلاحًا رهيبًا بكل معنى الكلمة.
ابتلع تاليس ريقه. هذا الفأس ربما يزن ضعفي وزنه.
ابتلع تاليس ريقه. هذا الفأس ربما يزن ضعفي وزنه.
وبينما كان تاليس ما يزال مضطربًا من احتمال هزيمة الملك نوڤين، تقدّمت الكاهنة الكبرى هولم نحو مركز الحلبة، جاذبة أنظار الجميع.
وخطر بباله الفأس العملاق الذي استخدمه خصم آراكّا في معركة حصن التنين المحطم. ومع ذلك، فقد انتزع “غضب المملكة” ذلك السلاح منه في النهاية وشقّ وجهه به.
وخطر بباله الفأس العملاق الذي استخدمه خصم آراكّا في معركة حصن التنين المحطم. ومع ذلك، فقد انتزع “غضب المملكة” ذلك السلاح منه في النهاية وشقّ وجهه به.
ألقى بوفريت نظرة نحو الملك نوڤين الواقـف قبالته وأطلق ضحكة خفيفة.
أخذ بوفريت نفسًا عميقًا وتردّد لبضع ثوانٍ.
انتزع الفأس العملاق من يد الحارس بذراعٍ واحدة، يزنُه بكفّه.
(من؟)
ثم، بحركة خاطفة، رفع الآرشيدوق الشاب السلاح عاليًا.
(ما الذي كان ذلك…؟) حك تاليس رأسه مرتبكًا. تابع تفقده للقاعة، ولم يجد شيئًا غير مألوف، فتنهد تنهيدة عاجزة.
ابتسم بوفريت راضيًا. استدار ولوّح بالفأس العملاق في الهواء محدثًا صفيرًا حادًا قويًا.
“وفي الدم المسفوك توًّا يسطع نور المجد السماوي.”
كما لو أنّ الأمر في غاية البساطة.
“سمعت قليلًا عن مبارزات الشمال، لكن…” قال المركيز شيليس الواقف بجانبهم وهو يتنهّد. “هذه أول مرة أراها بعيني. يا إلهي، ملك في السبعين يتحدى دوقًا في الثلاثين… مهما كانت النتيجة، فهذه قصة سأرويها لعامٍ كامل عند عودتي.”
راقب تاليس حركاته السهلة المستريحة وهو يحدّق بدهشة.
انتزع الفأس العملاق من يد الحارس بذراعٍ واحدة، يزنُه بكفّه.
“هذا الشيء اللعين متعب فعلًا.” وضع بوفريت الفأس العملاق على كتفه. رفع رأسه وحدّق بالملك نوڤين، الذي كان واقفًا أمام سلاحه. “انتبه لظهرك، يا صاحب الجلالة.”
استدار الملك نوڤين وألقى عليه نظرة.
لم يُعره الملك اهتمامًا.
أما الكاهنة العليا لقاعة القمر الساطع، جويل هولم، التي وصلت حديثًا، فلم يتمكن حتى من رؤية ملامحها المختبئة تحت الحجاب.
اكتفى بأن مدّ يده ووضعها برفق على مقبض الفأس، ضاغطًا على نقاط محددة. ثم أخذ نفسًا عميقًا، وقبض على المقبض بكلتا يديه.
“لا أظنه تخوّفًا بلا سبب يا جلالتكم.” قال الآرشيدوق ترينتيدا وهو يفرك يده اليمنى بفظاظة، ملقيًا نظرة مرتبكة على اللورد بوفريت. “قتال شاب من أجل النساء شيء… أما المبارزة فشأن آخر تمامًا.”
قطّب تاليس حاجبيه.
(يودل… الحارس المقنّع السري؟)
(توقّعه كان قريبًا من توقّع بوفريت.)
لكن الملك قاطعه.
(فالملك نوڤين قد بلغ السبعين.)
شعر تاليس بقشعريرة تسري في جسده. استدار لا إراديًا ونظر حول القاعة بقلق.
وقبل أن يُتمّ تاليس حديثه الداخلي، كان الملك العجوز قد قبض على أسنانه ورفع الفأس العملاق بثبات.
“لقد أجابت القمر الساطع.” فتحت الكاهنة العليا هولم عينيها الصافيتين الهادئتين. “التجسدات لا تعترض.”
بل ورماه في الهواء. دار ١٨٠ درجة قبل أن يعود إلى قبضته.
(هل من الممكن أن تكون قاعة الاجتماع في قصر الروح البطولية قد بُنيت أصلًا للمبارزة؟)
شهق تاليس وهو يحدّق في الملك العجوز، الذي بدا ما يزال قويًا بحق.
لكن حيرته وقلقه لم يتلاشيا.
ومثل بوفريت، وضع الملك نوڤين الفأس العملاق على كتفه (ويبدو أنها الوضعية القياسية لحمل الفأس). زفر زفرة طويلة، والعواصف تتجمّع في عينيه الجامحتين. “لا تقلق عليّ. حين كنت أقاتل الأورك في الحرب… كان والدك ما يزال يرضع من أمّه.”
(هل دفع الغضب والحقد الملك نوڤين السابع إلى الجنون؟)
ابتسم الملك نوڤين ابتسامة شيطانية.
(الأمر ليس حقدًا أعمى فقط… هذا تحذير يصدر من الملك… من مدينة سحب التنين… من عائلة والتون.)
“يا ابن الـ…”
“يبدو أن ملكنا ما يزال مهابًا كما كان دائمًا.” قال الآرشيدوق الأصلع ليكّو وهو يزفر. “لو كنت مكانه، لكنتُ… بفعل هذا الفأس…”
اسودّ وجه بوفريت.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“يبدو أن ملكنا ما يزال مهابًا كما كان دائمًا.” قال الآرشيدوق الأصلع ليكّو وهو يزفر. “لو كنت مكانه، لكنتُ… بفعل هذا الفأس…”
كان الصوت حقيقيًا. كان متيقّنًا أن أحدًا يخاطبه—كان الأمر أشبه بسماعة عند أذنه.
“ما يزال الوقت مبكرًا لأي حكم.” هزّ الآرشيدوق ترينتيدا رأسه وتعالّت وجهه ملامح غريبة. “إن حدث شيءٌ سيّئ لملكنا المبجّل…”
كان بيوتراي وشيليس خلفه بملامح قاتمة.
“أليس هذا ما تريده؟” زمجر الآرشيدوق روكني بحدّة. “اختيار الملك الملعون.”
(“أنا أراقبك.”)
خفض ترينتيدا رأسه بصمت.
(حسنًا… إن كنت أتوهم أصواتًا، فثمّة خلل بأذني… عليّ أن أرى طبيبًا…)
أمّا الآرشيدوق أولسيوس فكان يمرّر أصابعه خلال لحيته الكثّة وهو يقطّب حاجبيه، مأخوذًا بذكرى نزال الوراثة في إقليم الرمال السوداء قبل اثنتي عشرة سنة.
اتّجهت كل الأنظار، بما فيها نظرة الملك نوڤين العميقة، نحو أمير الكوكبة، تاليس جيدستار، الواقف في إحدى الزوايا بملامح مذهولة.
وبينما كان تاليس ما يزال مضطربًا من احتمال هزيمة الملك نوڤين، تقدّمت الكاهنة الكبرى هولم نحو مركز الحلبة، جاذبة أنظار الجميع.
تجمّدت ابتسامة الآرشيدوق ليكّو، وإن بدا كأنه لم ينتبه.
توتر الحاضرون دفعة واحدة.
“اختيار ذكي.” ضيّق بيوتراي عينيه وهو يهز رأسه. “إنه يستغلّ تقدّم الملك نوڤين في السن.”
وقفت الكاهنة الكبرى بين الخصمين، وعيناها اللامعتان خلف الحجاب تتنقلان بينهما.
خفض ترينتيدا رأسه بصمت.
رفعت يدها اليمنى، مشيرةً إلى الملك نوڤين.
أجبر تاليس مشاعره على الهدوء، محاولًا ألا يفكر في ذلك الصوت الغريب.
وأعلنت بصوت صافٍ بارد: “من أجل الثأر، دعا هذا الرجل إلى النزال.”
حدّق في الملك نوڤين، وعيناه تلتمعان بشعورٍ غامض.
حدّق الملك نوڤين بعدوّه ببرود.
راقب تاليس المشهد بقلق.
ورفعت الكاهنة ذراعها اليسرى، مشيرةً إلى بوفريت الشاب.
“ولِمَ كل هذا الذهول؟” قال الملك ببرود. “إنها فرصتك الأفضل — وربما الوحيدة. إن قتلتني، فلن تواجه أي عقاب. ستُسقَط التهم عنك.”
“ومن أجل الهيبة والمجد، سيقبل هذا الرجل التحدي.”
“بعيدًا عن ذلك، قرار هذا النزال متعجّل للغاية… هل كل الشماليين مجانين؟” عضّ تاليس على أسنانه. “ألم يفكّر في عواقب هزيمته؟”
زفر بوفريت بوجهٍ متجهّم.
“جلالتكم، أرجو أن تعيدوا النظر في قراركم. فالأمر لا يتعلق بثأر عائلتكم وحدها، بل بمستقبل إكستيدت!”
“باسم تجسيد القمر الساطع، سأكون شاهدة.” تراجعت الكاهنة خطوات قليلة بخفة. وكل خطوة تلتها آية:
(حسنًا… إن كنت أتوهم أصواتًا، فثمّة خلل بأذني… عليّ أن أرى طبيبًا…)
“ترقص السيوف والدروع تحت زخّات ضياء القمر الساطع.”
(لقد تكرّر الأمر!)
“وفي الدم المسفوك توًّا يسطع نور المجد السماوي.”
“ما هذا بحق الجحيم؟”
“الشجاعة لهيب، يحرق أرواح الشرفاء.”
(“لقد حذّرتك.”)
“والموت بابٌ للعودة إلى الديار البعيدة.”
أثارت تصرّفاته الغريبة انتباه بعض الحاضرين. حدّق فيه شيليس باستغراب، بينما عبس بيوتراي كما لو كان يوبّخه.
تصلّبت ملامح الملك نوڤين والآرشيدوق بوفريت. ورفعا فأسَيهما العملاقين عن اكتافهما.
شهق تاليس وهو يحدّق في الملك العجوز، الذي بدا ما يزال قويًا بحق.
انحنى الملك نوڤين للأمام بذراعين ممدودتين، وانزلقت يده اليسرى نحو موضع اتصال نصل الفأس بمقبضه. أمّا الآرشيدوق بوفريت فوضع سلاحه إلى جانبه، ممسكًا بالنصل قريبًا من وجنته، متهيّئًا لأفضل وضعية للضربة.
توتر الحاضرون دفعة واحدة.
وتبادلا النظرات المشبعة بالعداء.
“هذه هي العواقب!”
ضيّق تاليس عينيه ورأى في نظراتهما كل شعور سلبي يمكن أن تملكه نفس بشرية.
“سمعت قليلًا عن مبارزات الشمال، لكن…” قال المركيز شيليس الواقف بجانبهم وهو يتنهّد. “هذه أول مرة أراها بعيني. يا إلهي، ملك في السبعين يتحدى دوقًا في الثلاثين… مهما كانت النتيجة، فهذه قصة سأرويها لعامٍ كامل عند عودتي.”
تراجعت الكاهنة إلى زاوية الحلبة، أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت ذراعيها نحو السماء كما لو أنها تلقي الدعاء الأخير.
بعد وقت قصير، وصلت الأسلحة.
حبس الجمهور أنفاسهم.
(لقد تكرّر الأمر!)
وبعد ثانية، أنزلت الكاهنة ذراعيها، وضعت يديها على كتفيها، وأحنَت رأسها قائلة: “لقد بدأ النزال.”
لاحظ تاليس أيضًا أن شخصين فقط في القاعة بدَوا غير مكترثَين: قائد حرّاس النصل الأبيض، الملقّب بقاتل النجوم، بوجهٍ جامد؛ والساحرة الحمراء كالشان، رئيسة الغرفة السرية، وهي تحافظ على ابتسامة لطيفة وودودة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لا أظنه تخوّفًا بلا سبب يا جلالتكم.” قال الآرشيدوق ترينتيدا وهو يفرك يده اليمنى بفظاظة، ملقيًا نظرة مرتبكة على اللورد بوفريت. “قتال شاب من أجل النساء شيء… أما المبارزة فشأن آخر تمامًا.”
أجبر تاليس مشاعره على الهدوء، محاولًا ألا يفكر في ذلك الصوت الغريب.
