موت سوريا
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ميرك”، دوّى صوت الملك العجوز الأجش، “حفيدتي الصغيرة ستتزوج هذا الفتى.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ثم تكلم بصوته الأكثر قتامة، صوت خرج من أعماق حلقه ممزوجًا بتمتمة مبهمة: “صحيح. كان ذلك خطتهم الأصلية. لكن بسبب حادث… قَدّموا موعد الغزو.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“وبالصدفة، كان هارولد لامبارد—ابن الآرشيدوق السابق لمنطقة الرمال السوداء—يزور المدينة ذلك اليوم أيضًا. وكان متوجهًا للصيد في المكان ذاته.” توقّف لحظة، ثم تابع بصوت مرتجف.
Arisu-san
قبض فال على الباب بكلتا يديه، وصوته مبحوح متحشرج, “من اقترح تلك الخطة الملعونة؟!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تبادل نيكولاس وميرك نظرة أخيرة، وردّدا معًا.
الفصل 157: موت سوريا
تقاسما ابتسامة بلا كلمات.
…
“هوراس قاد نفرًا قليلًا ليلتقي نانشيستر ويعبر إلى حصن التنين المحطم… وفي اليوم التالي لموته، احتل جون زودرا، آخر أراضي المتمردين…”
إكستيدت، مدينة سحب التنين، قصر الروح البطولية.
وبنور اللهب ظهر وجهٌ مُرهق مُغطى بلحية كثيفة خلف نافذة الباب.
كان بيرن ميرك، إداري نوڤين السابع، يقف في الرواق خارج قاعة الأبطال، يحدّق في السماء الملبّدة بالضباب والثلوج، غارقًا في تأمّلاته.
“نوفورك… أجل، نوفورك.” تمتم سجين ظهره للممر وهو ينحت على الجدار. “أعرف ما يخطط له، ويفعله خلف ظهر الدوق جون والكونت كارابيان… ربما للأمر صلة بجيش التمرّد. ساورني الشك منذ زمن، لكن تلك المرأة الحقودة، سونيا ساسيري…”
كان حرّاس النصل الأبيض في حالة استعداد حوله؛ نظراتهم حادّة وقاتمة.
“قل لي، ما الذي قاله ذلك العجوز عنّي أيضًا؟” سأل وهو يزفر.
لم يعد ميرك يحصي عدد المرّات التي حدّق فيها بالثلوج المتساقطة في الشمال طيلة أربعين سنة من عمره.
“السيدة أديل تنحدر من مدينة الكرمة في جنوب غرب كاموس، حيث المناخ رطبٌ ودافئ. وكانت ابنة ماركيز، ولم تعتَد قطّ حياة الشمال القاسية.” نظر ميرك ناحية أليكس وتنهد. “من الواضح أن السيدة أليكس ورثت الكثير من صفات أمّها.”
اقترب منه قائد حاشية الملك والرئيس الحالي لحرّاس النصل الأبيض، نيكولاس قاتل النجوم، ووقف إلى جانبه.
“صحيح.”
“سيكون الشتاء قاسيًا هذا العام”، قال اللورد ميرك دون أن يلتفت إليه.
ارتسمت القسوة على وجوه حرّاس النصل الأبيض المحيطين بهم، ورفعوا قبضاتهم إلى صدورهم معًا.
“أظن ذلك أيضًا يا صديقي القديم.” ضيق نيكولاس عينَيه وهو يطالع الثلج خارج النافذة، وابتسم ابتسامة غريبة.
رمقه الملك بنظرة تحذيريّة.
“هل تذكر حين كنّا ما نزال حديثي العهد في حرّاس النصل الأبيض، تلك الأيام من التدريب في شتاء لا يرحم؟”
(كاسلان؟)
“بالطبع أذكر.” أطلق اللورد ميرك، الذي ظلّ إداريًا طوال سنوات، ابتسامة خفيفة. “تمامًا كما أنت الآن، كان ذلك المتجمّد كاسلان يدرّبنا بوحشية… كنّا نسمّيه ’جبل الجليد’ من وراء ظهره، حتى في منامنا. كنّا ندعو أن يموت مبكرًا أو يبقى بلا زوجة إلى آخر حياته.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي الملك.
“حتى اليوم الذي جاءت فيه زوجته لزيارته في المعسكر.” ضحك نيكولاس بصوت مرتفع. “أصيب مونتي بصدمة هائلة… من كان يظن أن زوجة جبل الجليد ستكون بهذا الجمال؟ إنه ظلم فادح!”
…
حدّق ميرك في الأُفق.
“صحيح.”
(صحيح.)
(الابن الأكبر للملك نوڤين؟)
استعاد ذكرى يوم انضمّ إلى حرّاس النصل الأبيض قبل عشرين عامًا. كان القائد مزلزل الأرض، كاسلان لامبارد، يطارد المجنّدين الجدد إلى الحقل بالسوط وسط الشتاء القارس. في ذلك الوقت، كان من يُقبَل في حرّاس النصل الأبيض في الغالب من المحاربين الأشِدّاء الذين جربوا الجبهات الأمامية.
“ندافع عن الأرواح التي لا تُحصى، ولا نهاب الموت حتى فناء البشريّة.”
“أتشعرون بالبرد؟ الريح الشمالية والشتاء القاسي هما أعظم هبة يخصّنا بها سيّد الجبال. إنهما يجعلانكم أقوى، أشدّ، وأعتى!” هكذا كان كاسلان يخاطبهم.
“تبا! ألا تملكون ساعة عمل طبيعيّة مثل البشر؟” زمجر رجل أنيق الملبس، بسيط الهيئة، وقد بدا كالنبلاء. اعتدل في سريره متذمرًا. “لابد أنّها منتصف الليل أو الواحدة صباحًا! حين كنت في وزارة الشؤون الخارجيّة…”
ما زال ميرك يذكر بنية قائده العجوز الفولاذية، كهيئة دبّ ثلجي، ووجهه المغطّى بالصقيع المُفعَم بالشراسة التي لا تتزعزع. “توقفوا عن التراخي، اخلعوا ثيابكم كلها، وابدأوا بالركض—هناك ماء ساخن ينتظركم عند خط النهاية. إن لم تبلغوه في نصف ساعة، فسوف تتجمّدون حتى الموت!”
“والآن، تعبيرًا عن شكري لعونك، وإثباتًا لانتهاء ما بيننا من أحقاد، ووفقًا لعادات الشمال، بعد أن ترتشف من هذا الخمر، ستصبح عائلتا جيدستار ووالتون حليفين من هذه اللحظة.” ضيّق الملك نوڤين عينيه، ورفع القدح، ووضعه أمام تاليس.
وبينما استسلم لذكراه، نقل ميرك بصره نحو نيكولاس وقال: “هل ما زلت تؤدّي طقس الالتحاق الجديد؟ ترغم المجنّدين على الركض في السهل تحت شتاء لاذع؟”
تلاشى طعم الخمر تدريجيًا من فم تاليس وأنفه، فقهقه بخجل.
“بالطبع. نحن جميعًا تعرّضنا للتعذيب ذاته.” قال نيكولاس ضاحكًا. “ألن يكون ذلك ظلمًا لو أعفينا المجنّدين الجدد؟”
“وماذا عن ذلك المغتال الأحمق؟ ذلك الأبله الذي انكشف بعد فشل الاغتيال؟” خرج صوت فال مكسورًا، منهكًا، تكلله كراهية دفينة. “هل استخرجتم قلبه؟”
تبادل كلاهما النظرات، مبتسمين.
دهش نوڤين السابع قليلًا، ثم صفع فخذه وأطلق ضحكة عالية: “هاهاهاها!”
حينها، كان كاسلان الأسطوري الذي لا يُقهَر في أوج شبابه وقوّته؛ وكان دومينيك الـ«مطرقة الدموية» لم يلقَ حتفه بعد في معركة الجبل الأبيض؛ أمّا تيريندي الـ«لهيب الذي لا ينطفئ»، الذي كان يعدّ اللفّات بضحكة مستفزّة، فما زال يحمل قوسه الأسود والفضيّ بتكبّر ظاهر.
هزّ كيسل رأسه مؤكدًا، وبلا أيّ تعبير، قال: “أردنا إذكاء الصراع بين مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء، حتى ينشغل الطرفان ببعضهما، فلا يجدا وقتًا للتفكير في غزونا.”
وفي تلك الأيام، كان ثلاثة من المقاتلين الذين سيصبحون لاحقًا “قادة الحرب الخمسة” مجتمعين: سوراي نيكولاس لم يكن سوى مبتدئ متعجرف كتوم، ولم يحمل بعد لقب «قاتل النجوم» في الحصن. لم يكن أحد ليصدق أن ذلك المشاكس الذي كان يتعرض للتنمر باستمرار سيصبح خليفة كاسلان يومًا ما. ولم يتوقع أحد أن فيسيا سوليان، المعروف بـ«الرياح الشائكة» و«أمير الحرّاس» (لأنه كان يتذمّر باستمرار من طعام المقصف)، سيخلّد اسمه في معركة نقطة الحراسة الثامنة والثلاثين. وربما لم يكن أحد ليصدق أن «غراب الموت» نيت مونتي، ذو القدرة القتالية الجبّارة، كان في الأصل رامي سهام ريفيًا يُطلق النكات البذيئة، ويحدّق في النساء في الشوارع ويتفحّص أحجام أردافهنّ.
“ميرك”، دوّى صوت الملك العجوز الأجش، “حفيدتي الصغيرة ستتزوج هذا الفتى.”
كانوا شبّانًا متهوّرين، كل واحد منهم اكثر فخرًا واندفاعًا من الآخر— ولا يزال ميرك يتذكر كيف شُدّ نيكولاس إلى عمود أمام كل المجنّدين بسبب عصيانه، مع لوح صغير بين أسنانه، بينما يجلده كاسلان بالسوط الشائك حتى سالت دماؤه.
جلس الملك نوڤين على الدرج بلا حراك، عيناه زائغتان.
تحت تدريب كاسلان القاسي، أصبحوا أعتى جنود الملك نوڤين وأكثرهم إخلاصًا، أشدّ دروع قصر الروح البطولية. نزفوا على أرض حاميات الجليد، وفي ممرّات جبل الجليد الأبيض، وفي دهاليز الممر الذهبي التي تشبه المتاهة، وفي حصن التنين المحطّم، تاركين وراءهم جثامين لا تُعدّ من رفاق السلاح. بكوا عند هزائمهم، وأنشدوا أناشيد الحرب وسط الوغى، وشربوا حتى الثمالة احتفالًا بانتصاراتهم. وفي النهاية، نُقشت أسماؤهم في الصفحات المكسوّة بالبلاتين من أسطورة حرّاس النصل الأبيض، إلى جانب أبطال الشمال من عصر الإمبراطورية القديمة.
“ميرك”، دوّى صوت الملك العجوز الأجش، “حفيدتي الصغيرة ستتزوج هذا الفتى.”
تلك الأيام… أما الآن، فبدت كأنها حلم بعيد.
حوّل كيسل نظره نحو نقطة فارغة في الفراغ.
وكان هناك أيضًا شاب ذو ابتسامة مشرقة، يخفي نسبه الأزرق عنهم. خاض التدريب معهم، وتعارك مع ميرك ذات مرّة على وعاء من المرق.
نظر الحارس الآخر إلى الضيف الضخم، فأومأ هذا برأسه قليلًا.
(ذلك الماكر.)
انحنى الحارسان قليلًا وغرزا المشعلين في حُفر الحائط خلفهما، ثم انسحبا باحترام.
ابتسم ميرك رغمًا عنه. غير أن بريق السرور تلاشى سريعًا من عينيه، وزفر تنهيدة طويلة. أصبحت ابنته في العشرين هذا اليوم.
(أهو غير سعيد؟)
عندها تنهد نيكولاس بدوره. “لقد حان الوقت.”
تمالك ميرك نفسه بعد بضع ثوانٍ، وابتلع ريقه قبل أن يتابع بصوتٍ خافت مثقل:
عاد ميرك من ذكرياته، ووارى الماضي في قلبه. استدار وانحنى قليلًا أمام الفتاتين اللتين تقفان قربه. “تفضّلي معي، يا ليدي أليكس.”
“أتذكّر أن علاقتكما كانت وثيقة؟” نظر الملك إلى ميرك بنبرة يعلوها الحنين.
“إنها الرابعة فجرًا!” تمتمت أليكس والتون، الفتاة ذات الملامح الوديعة، ملتفّة بمعطف سميك، وقد بدا وكأنهم جرّوها من فراشها قبل قليل. كانت تفرك عينيها بيد، وتنفخ في الأخرى لتدفئتها. “إن كان هناك أمر للنقاش، فلمَ لا نؤجّله للغد؟”
هزّ كيسل رأسه مؤكدًا، رغم معرفته بأن فال لا يستطيع رؤيته.
رآها ميرك، فتنهد في نفسه.
ارتجّ صدر تاليس.
(هذه الصبية مدلّلة أكثر من اللازم.)
أحنى تاليس كتفيه بلا حيلة.
(طيشها أقرب لبنات تجار أثرياء أو متسلّقين اجتماعيين.)
“ندافع عن الأرواح التي لا تُحصى، ولا نهاب الموت حتى فناء البشريّة.”
(وهذا غير جيّد—فهي رغم كل شيء آخر سليلة مباشرة أخيرة لأسرة والتون، وإن كانت فتاة.)
أطلق نوڤين شخيرًا خفيفًا.
“أخبرتك—إنه أمر من جلالته.” قال ميرك بوجه خالٍ من التعابير. “وصدّقيني، ما سيحدث الآن بالغ الأهمية لمستقبلك، يا صاحبة السمو.”
ومع ذلك، لم تستسلم. تلاشى عبوسها حين خطرت ببالها فكرة. استدارت وجذبت “الشقية الصغيرة”. “هي تستطيع! لتشرب عني! إنّها خادمتي على أي حال!”
أدارت الفتاة نظراتها في امتعاض، ونفخت بخيبة وغيظ جليّين.
“وفي مطلع الربيع، استخدم الإكستيدتيون الحصن قاعدةً لهم، وانقضوا كالسيل الجارف على الإقليم الشمالي.”
شدّت أليكس معطفها حول جسدها والتفتت إلى من تقف خلفها. صوتها الطفولي امتلأ بالسخط: “إذن، لماذا هذه الخادمة الحقيرة هنا؟!”
“لماذا؟” حاول تاليس جاهدًا ضبط صوته. “يا مولاي، لقد أخبرتني أن القاتل جاء من الكوكبة، أليس كذلك؟”
قطّب ميرك جبينه.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
كانت خلف أليكس فتاة هزيلة بثياب رثّة، ذات شعر بلاتيني ونظارات سوداء سميكة. كانت ترتجف من برد الليل الشتوي. وحين سمعت كلمات مولاتها، تراجعت خطوة بخوف.
“إنه مسجون إلى الأبد خلف قناع ملعون، ولن يرى ضوء النهار مجددًا.”
“هي هنا أيضًا بأمر من جلالته.” أجاب ميرك ببرود. “علينا أن نطيع.”
تغيّر وجه فال، واختفى عن المنفذ.
خمد صوت أليكس فورًا، ووجّهت نظرات حانقة نحو الشريرة الصغيرة خلفها، والتي ضمّت ذراعيها حول جسدها بأسى.
احمرّت عينا الشريرة الصغيرة، وانكسرت نظراتها هبوطًا.
أومأ ميرك، وقاد الفتاتين إلى قاعة الأبطال.
“هي هنا أيضًا بأمر من جلالته.” أجاب ميرك ببرود. “علينا أن نطيع.”
تثاءبت أليكس ورفعت ذقنها بكبرياء، بينما مشت الشقية الصغيرة خلف مولاتها ورأسها منكّس، وترتجف في كل مرة ترى فيها واحدًا من حرّاس النصل الأبيض ذوي الوجوه المرعبة.
“قرار حكيم.” قال الملك نوڤين وقد بدت عليه أمارات التسلية. “ماذا عن الآن؟”
وفي تلك اللحظة، نادى نيكولاس خلف ميرك.
حبس تاليس أنفاسه. نظر إلى ميرك، مُثقلًا بالأسئلة.
“بيرن، هل تذكر حين رفعنا نصالنا البيضاء وأقسمنا قسم الولاء أمام ’أسطورة حرّاس النصل الأبيض’؟” استنشق نيكولاس بعمق، وامتلأت نظرته بحنين طويل. “أتتذكّر السطور الأخيرة؟”
ارتعش وجه ميرك.
لاحظ ميرك أنّ نيكولاس يتصرّف بغرابة هذا اليوم—فهو ليس ميّالًا إلى هذا القدر من العاطفة عادة.
“بالطبع.” أخذ تاليس القدح من الملك، وحدّق في خمر الجادوار الذي ملأ نصفه.
راقبه مطولًا، بحثًا عن ما يخفيه وجهه الجامد.
“هاه؟” شحب وجه أليكس. نظرت إلى تاليس باضطراب، ثم إلى القدح المعدني، وهزّت رأسها بعناد. “لا يا جدي، لا أريد…”
“بالطبع.” لقد أصبحت تدريبات الأيام الأولى محفورة في ذاكرته كغريزة. ابتسم ميرك بخفة قبل أن تتجمّد ملامحه. وهتف كلمة كلمة: “أقسم بدمي، بجسدي، بسيفي، بروحي…”
أومأ ميرك، وقاد الفتاتين إلى قاعة الأبطال.
لمعت عينا نيكولاس. وهزّ رأسه، وتابع مع ميرك:
هزّ كيسل رأسه مؤكدًا، وبلا أيّ تعبير، قال: “أردنا إذكاء الصراع بين مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء، حتى ينشغل الطرفان ببعضهما، فلا يجدا وقتًا للتفكير في غزونا.”
“أن نصدّ الأعداء وننتصر في معارك لا تُحصى حتى تسيل دماؤنا.”
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉Hamood Mahemed💎 5004ibrahim shazly💎 5005الخال!💎 100
ارتسمت القسوة على وجوه حرّاس النصل الأبيض المحيطين بهم، ورفعوا قبضاتهم إلى صدورهم معًا.
صمت من يقف خلف الباب الحديدي في الحال.
“ندافع عن الأرواح التي لا تُحصى، ولا نهاب الموت حتى فناء البشريّة.”
“إنه نحيل، وأقصر مني بكثير!” استدارت نحو جدّها وقالت: “زواج الشقية الصغيرة به أنسب بكثير!”
دحرجت أليكس عينيها بملل، منزعجة من الانتظار.
“في تلك الأيام، خيّم شبح انهيار البلاد على القصر.” تنفس كيسل بعمق. “ولذلك وقع الاغتيال.”
أمّا الشقية الصغيرة، فبان الحماس في عينيها وهي تراقب حرّاس النصل الأبيض بوجوههم الصارمة.
ارتعش وجه ميرك.
“كونوا حماة المستقبل، وشرفوا معتقداتكم حتى يخبو ضياء الشمس والقمر.” تمتمت الشقية الصغيرة.
ساد صمت طويل آخر.
“عام 1386 من تقويم الإمبراطورية، استعاد ساير آروند ’أسطورة حرّاس النصل الأبيض’، وأعاد تشكيل الحرّاس المرموقين، جامعًا ’القسم القديم’ مع قسم الفروسيّة…”
“بالطبع.” لقد أصبحت تدريبات الأيام الأولى محفورة في ذاكرته كغريزة. ابتسم ميرك بخفة قبل أن تتجمّد ملامحه. وهتف كلمة كلمة: “أقسم بدمي، بجسدي، بسيفي، بروحي…”
“أغلقي فمك، أيتها البلهاء!” همست أليكس بانزعاج. “أنت مُزعجة حقًا.”
“لماذا؟” حاول تاليس جاهدًا ضبط صوته. “يا مولاي، لقد أخبرتني أن القاتل جاء من الكوكبة، أليس كذلك؟”
احمرّت عينا الشريرة الصغيرة، وانكسرت نظراتها هبوطًا.
“سيقضي محكوميته…”
تبادل نيكولاس وميرك نظرة أخيرة، وردّدا معًا.
“إنما يا للأسف… لقد وقع في شَرَك زوجةٍ كئيبة.” تنفّس الملك نوڤين بعمق. “أتذكّر أنهما حين كانا يتناولان الطعام معي، لم يتبادلا النظر قط.”
“اتركوا إرثًا من الأمل، وأعيدوا مجد النور، حتى يغرق العالم في رقاد أبدي.”
وأدرك أنّ هذه أول مرة منذ بات أميرًا يُخاطب فيها بـ”تاليس” دون ما يتعلّق باسمه من تاريخ أو منصب.
تقاسما ابتسامة بلا كلمات.
ارتجّ الصوت المعدني الحاد لبوّابة تُفتَح في الظلام.
أومأ ميرك، واقتاد الفتاتين إلى داخل قاعة الأبطال، لملاقاة الرجل الذي يكنّ له أعظم التقدير.
“أن نصدّ الأعداء وننتصر في معارك لا تُحصى حتى تسيل دماؤنا.”
كان نوڤين السابع، الذي خاض مبارزة مؤخرًا، جالسًا على الدرج في أحد أركان القاعة.
تمتم الملك نوڤين: “كاسلان. إذًا، التقيت به… أتراه ذكرني أمامك؟”
وبجانبه كان مبعوث الكوكبة الذي لا يكفّ النبلاء عن الحديث بشأنه—الأمير الشاب الذكي تاليس جيدستار. كانا جالسين جنبًا إلى جنب في صمت؛ بدا عليهما سوء المزاج، كأنهما أنهيا حديثًا غير سار.
“أريد أن أخبرك بالسبب الحقيقي وراء الحرب.” كان صوت كيسل الخامس لا يزال قويًا ثابتًا، غير أنّ مسحة حزن وخيبة ثقيلة تسربت إليه. “إنه يتعلق بغزو إكستيدت.”
قاد ميرك الفتاتين الحائرتين نحو الملك.
كانت خلف أليكس فتاة هزيلة بثياب رثّة، ذات شعر بلاتيني ونظارات سوداء سميكة. كانت ترتجف من برد الليل الشتوي. وحين سمعت كلمات مولاتها، تراجعت خطوة بخوف.
انحنى الإداري للملك، ثم تراجع. “يا مولاي، الليدي أليكس وصلت.”
“على الرغم من أن الأمير تاليس آتٍ من الكوكبة، فإن كان هذا هو رغبة جلالتكم…” خفض لورد ميرك رأسه باحترام، ولوّح لأليكس بإيماءة تخبرها بأن تصمت. “فسأكرّس نفسي لخدمته كما كرّستها لخدمة الليدي أليكس.”
رفع تاليس رأسه.
“ستموتون جميعًا، ههههه!” صرخ شيخ مطروح على بطنه يهذي. “حتى العائلة الملكية… كيف تجرؤون… هه…”
(ما الذي يحدث؟)
“نوفورك… أجل، نوفورك.” تمتم سجين ظهره للممر وهو ينحت على الجدار. “أعرف ما يخطط له، ويفعله خلف ظهر الدوق جون والكونت كارابيان… ربما للأمر صلة بجيش التمرّد. ساورني الشك منذ زمن، لكن تلك المرأة الحقودة، سونيا ساسيري…”
حدّق في الفتاة ذات العينين الزرقاوين والشعر البني، والشقية الصغيرة خلفها التي تجمّدت في مكانها من شدّة الموقف.
“أخبرتك—إنه أمر من جلالته.” قال ميرك بوجه خالٍ من التعابير. “وصدّقيني، ما سيحدث الآن بالغ الأهمية لمستقبلك، يا صاحبة السمو.”
ولاحظت تلك الصغيرة نظراته، فردّت بواحدة غاضبة. فعبس تاليس.
ضحك الملك ضحكةً خفيفة.
(إذن، هذه…)
“ولسبب ما، انكشف المغتال.” واصل كيسل ببطء: “وسوريا… بكر نوڤين، لقي حتفه أيضًا.”
(…زوجتي المستقبلية؟)
تجمّد ميرك وهو يحدّق في الملك، الذي بدا وجهه مُظلمًا مُخيفًا.
مضطربًا بسبب السر الذي كشفه له الملك نوڤين قبل قليل، أشاح تاليس بوجهه وتنهّد ببطء.
“سيكون الشتاء قاسيًا هذا العام”، قال اللورد ميرك دون أن يلتفت إليه.
وما إن رأت ذلك أليكس، حتى ازدرّت بعينيها في غيظ طفولي.
“هاهاهاهاها!”
“ما الأمر يا جدي؟” تمتمت أليكس والتون، آخر سليلة مباشرة للآرشيدوق في مدينة سحب التنين. “أنا مرهقة جدًّا…”
“هاهاها.” ضحك نوڤين بمرح. “ربما علينا أن نبدأ بشيء يناسب الأطفال أكثر.”
كانت “الشقية الصغيرة” مختبئة خلف أليكس. أخرجت رأسها بحذر، وتلصّصت بنظرة فضولية نحو تاليس الذي بدا كئيبًا يائسًا.
(ما الذي يحدث؟)
(ذلك الفتى… ما الذي جرى له؟)
“هاهاها.” ضحك نوڤين بمرح. “ربما علينا أن نبدأ بشيء يناسب الأطفال أكثر.”
(أهو غير سعيد؟)
“وماذا عن ذلك المغتال الأحمق؟ ذلك الأبله الذي انكشف بعد فشل الاغتيال؟” خرج صوت فال مكسورًا، منهكًا، تكلله كراهية دفينة. “هل استخرجتم قلبه؟”
لم يُجب نوڤين السابع. ملأ قدحًا من الخمر من البرميل الذي إلى جواره، وارتشف منه رشفة.
وكان ذلك الرجل هو ملك الكوكبة الأعلى—كيسل الخامس. جلس بهدوء على الكرسي الموضوع مسبقًا أمام الزنزانة.
“ميرك”، دوّى صوت الملك العجوز الأجش، “حفيدتي الصغيرة ستتزوج هذا الفتى.”
“ذلك القاتل يدفع الآن ثمن فشل الاغتيال الذي جرّ كارثة لا توصف.”
“وأنت، بوصفك عضوًا سابقًا في حرس النصل الأبيض، والإداري الحالي لدي، ماذا ينبغي أن تفعل؟”
وفي تلك اللحظة، نادى نيكولاس خلف ميرك.
قطّب ميرك حاجبيه قليلًا.
“نعم. كان يحب الضحك هكذا—كأنّه أنا.”
(وإن كان هذا متوقعًا، إلا أن سماعه حقيقةً…)
ارتجّ ميرك قليلًا.
“ماذا؟!”
“ولذلك اقترح القصر خطة.
صرخت الليدي أليكس.
“تعرف ما حدث لاحقًا؟” فتح كيسل عينيه بتثاقل، وصوته مثقل بالإرهاق. “إكستيدت قدّمت موعد غزوها، واختارت الهجوم في الشتاء. اختارت لحظة تكون فيها مؤن الجيش في أسوأ وضع، ثم دفعت قواتها نحو الجنوب.”
اتّسعت عيناها الصغيرتان أكثر من اتساع فمها المذهول. حدّقت في تاليس من رأسه حتى قدميه غير مصدّقة. “جدي، أتسلّمني زواجًا… لهذا—لهذا…؟
وأخيرًا، زفر أمير الكوكبة.
“أتريده أن يكون زوجي؟” تسارعت أنفاس أليكس. رمقت تاليس الكئيب—ذاك الفتى الذي التقت به في المكتبة البارحة، الفتى الذي عنّفها أمام خادمتها. غمرها سيل من الضيق والانزعاج.
لاحظ ميرك أنّ نيكولاس يتصرّف بغرابة هذا اليوم—فهو ليس ميّالًا إلى هذا القدر من العاطفة عادة.
“إنه نحيل، وأقصر مني بكثير!” استدارت نحو جدّها وقالت: “زواج الشقية الصغيرة به أنسب بكثير!”
ارتجفت الفتاة تحت بصره، وخفضت صوتها.
شحب وجه “الشقية الصغيرة” المرتجفة خلفها.
حدّق في الفتاة ذات العينين الزرقاوين والشعر البني، والشقية الصغيرة خلفها التي تجمّدت في مكانها من شدّة الموقف.
قال تاليس، مكفهرًّا، بلا رغبة في مواصلة الحديث مع طفلة مدلّلة: “هوني عليكِ يا ليدي أليكس. زواجك ليس خبرًا سارًا بالنسبة لي كذلك.”
كان سجين الزنزانة هو دوق الإقليم الشمالي الحالي، النسر الحديدي، فال آروند. يحدّق في الرجل خارج الباب بحدة.
تراجعت أليكس بدهشة، وما لبثت دهشتها أن تحوّلت غضبًا. “أيها الصغير—”
ساد صمت طويل آخر.
وفي تلك اللحظة، قطع ميرك كلامها قبل أن تنفجر.
ارتجّ صدر تاليس.
“على الرغم من أن الأمير تاليس آتٍ من الكوكبة، فإن كان هذا هو رغبة جلالتكم…” خفض لورد ميرك رأسه باحترام، ولوّح لأليكس بإيماءة تخبرها بأن تصمت. “فسأكرّس نفسي لخدمته كما كرّستها لخدمة الليدي أليكس.”
تلاشى طعم الخمر تدريجيًا من فم تاليس وأنفه، فقهقه بخجل.
حدّق نوڤين الملك فيه ثلاث ثوانٍ كاملة.
“في تلك الأيام، خيّم شبح انهيار البلاد على القصر.” تنفس كيسل بعمق. “ولذلك وقع الاغتيال.”
“حسنًا.” التفت الملك إلى تاليس وقال: “أظن أنكما التقيتما من قبل. هذا هو بايرن ميرك—حين كان في حرس النصل الأبيض، كان أقرب تابع إلى سوريا.”
راقب تاليس ملامحه بدقة. “قال إنك بشر. ستشيخ، وستُدفع يومًا بالرغبات والشائعات والاندفاع.”
(سوريا؟)
كحّ… كحّ… كحّ!
تغيّرت ملامح تاليس.
“وبعد أن غيّرت قوات قمع التمرد ولاءها… لم نعد قادرين حتى على تعبئة جيش مسلح.”
(الابن الأكبر للملك نوڤين؟)
“بالطبع أذكر.” أطلق اللورد ميرك، الذي ظلّ إداريًا طوال سنوات، ابتسامة خفيفة. “تمامًا كما أنت الآن، كان ذلك المتجمّد كاسلان يدرّبنا بوحشية… كنّا نسمّيه ’جبل الجليد’ من وراء ظهره، حتى في منامنا. كنّا ندعو أن يموت مبكرًا أو يبقى بلا زوجة إلى آخر حياته.”
رفع بصره إلى ميرك، الذي نظر إليه بدوره وأومأ له بأدب.
على الجانبين، استيقظ السجناء واحدًا تلو الآخر، يصرخون بجنون، كلٌّ بطريقته.
كانت أليكس تمور غضبًا وكادت تتكلّم، لكن نظرة ميرك الصارمة أسكتتها.
وبعد برهة…
(على ما يبدو—فكّر تاليس—هذه الفتاة الفاسدة ذات الطبع العنيف تطيع تابع والدها السابق حقًّا.)
“وماذا عن ذلك المغتال الأحمق؟ ذلك الأبله الذي انكشف بعد فشل الاغتيال؟” خرج صوت فال مكسورًا، منهكًا، تكلله كراهية دفينة. “هل استخرجتم قلبه؟”
“والآن، تعبيرًا عن شكري لعونك، وإثباتًا لانتهاء ما بيننا من أحقاد، ووفقًا لعادات الشمال، بعد أن ترتشف من هذا الخمر، ستصبح عائلتا جيدستار ووالتون حليفين من هذه اللحظة.” ضيّق الملك نوڤين عينيه، ورفع القدح، ووضعه أمام تاليس.
“إنما يا للأسف… لقد وقع في شَرَك زوجةٍ كئيبة.” تنفّس الملك نوڤين بعمق. “أتذكّر أنهما حين كانا يتناولان الطعام معي، لم يتبادلا النظر قط.”
قطّب تاليس حاجبيه وهو يحدّق في الملك العجوز بحيرة.
“أجبني، كيل!”
(ما الذي يفعله؟)
قاد الحارسان الرجل إلى أبعد زنزانة، وطرق أحدهما الباب بقوة.
أيعيد تذكير أليكس وميرك بمكانتي، أو بطبيعة علاقتنا؟
ارتجف تاليس. “اثنا عشر عامًا؟”
(وهل هذا ضروري؟)
“إنها الرابعة فجرًا!” تمتمت أليكس والتون، الفتاة ذات الملامح الوديعة، ملتفّة بمعطف سميك، وقد بدا وكأنهم جرّوها من فراشها قبل قليل. كانت تفرك عينيها بيد، وتنفخ في الأخرى لتدفئتها. “إن كان هناك أمر للنقاش، فلمَ لا نؤجّله للغد؟”
تأمّل أمير الكوكبة لثوانٍ قبل أن يزفر. “كما تعلم، لامبارد من إقليم الرمال السوداء فعل الشيء ذاته—قدّم لي كأس خمر وطلب أن أصبح حليفه. لكني رفضته.”
دهش نوڤين السابع قليلًا، ثم صفع فخذه وأطلق ضحكة عالية: “هاهاهاها!”
“قرار حكيم.” قال الملك نوڤين وقد بدت عليه أمارات التسلية. “ماذا عن الآن؟”
(أتراه يريد من تلك الصبيّة المتعجرفة… أن تشرب نبيذ الجاودار؟)
تحت وطأة نظرات الملك، عضّ تاليس شفتيه.
كانت “الشقية الصغيرة” مختبئة خلف أليكس. أخرجت رأسها بحذر، وتلصّصت بنظرة فضولية نحو تاليس الذي بدا كئيبًا يائسًا.
“ألا ينبغي أن ننتظر حتى الغد، ريثما ترسل غرابك الزاجل وتنتظر جواب والدي؟” قال تاليس بحذر. “فإن كان لديه شروط أخرى—”
أومأ ميرك، واقتاد الفتاتين إلى داخل قاعة الأبطال، لملاقاة الرجل الذي يكنّ له أعظم التقدير.
“تلك مسألة بيني وبين والدك.” اتّسمت نظرة الملك بالحزم القاطع. “لكنّك أنت أنت يا تاليس. أخاطبك أنت لا بوصفك ابن كيسل جيدستار، ولا بوصفك الأمير الثاني للكوكبة—ولا علاقة لهذا بالزواج الدبلوماسي بينك وبين حفيدتي، ولا بحلف بين جيدستار ووالتون.”
وتحت إشارة من الرجل الضخم، تقدّم الحارسان ليدلّاه الطريق.
“أسألك عن رأيك أنت، يا تاليس.” رفع الملك القدح وأضاءت عيناه. “هل ترغب في أن نطوي ما بيننا من ثأر؟ ما بينك وبين عائلة والتون؟”
(على الأقل، نبيذ الجاودار المخصّص للملك إكستيدت… هو…)
“أسألُك أنت، ولا أسأل غيرك.”
أومأ ميرك، وقاد الفتاتين إلى قاعة الأبطال.
ارتجّ صدر تاليس.
كان تجهمه قارسًا. حدق بثبات في كيسل خارج الزنزانة.
وأدرك أنّ هذه أول مرة منذ بات أميرًا يُخاطب فيها بـ”تاليس” دون ما يتعلّق باسمه من تاريخ أو منصب.
لم يُجب نوڤين السابع. ملأ قدحًا من الخمر من البرميل الذي إلى جواره، وارتشف منه رشفة.
رفع نظره إلى الملك نوڤين.
تجمّد تاليس لحظةً عند طلبه.
وأخيرًا، زفر أمير الكوكبة.
استمرت الخطى.
“بالطبع.” أخذ تاليس القدح من الملك، وحدّق في خمر الجادوار الذي ملأ نصفه.
“أخذ الأمير سوريا السيدة أديل والسيدة أليكس في رحلة صيد خارج مدينة سحب التنين. وكانت السيدة أليكس لم تُكمل عامها الأول بعد.
لمح نظرة ميرك الحذرة، وعبوس أليكس، ونظرة الفضول القلِق في عيني “الشقية الصغيرة”، فارتسمت بسمة خفيفة على وجه الملك العجوز.
“عن تلك الحرب المدمّرة…”
أغمض تاليس عينه وارتشف رشفة صغيرة.
في حياته السابقة، كان ضعيف التحمّل للكحول. ولم يكن يدري إن كان جسده الحالي أفضل حالًا، لكنّه أيقن أن نبيذ الجاودار ليس مما يحتمله مطلقًا!
كان يظن أنه يعرف كل أنواع الخمور في هذا العالم—فمخزن “حانة الغروب” عند جالا يحتوي على عدد لا يُحصى من الأنواع وقد جرّبها جميعًا. لكنه حين ابتلع الخمر، أدرك أن لا نوعين متشابهين حقًا.
لا أحد يدري كم من الوقت مر. كان الملك الأعلى للكوكبة، كيسل جيدستار الخامس، ما يزال يحدق في الخلاء. ثم بصوت لا يُدركه عامة الناس بسهولة، قال ببطء:
(على الأقل، نبيذ الجاودار المخصّص للملك إكستيدت… هو…)
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
كحّ… كحّ… كحّ!
تسللت قشعريرة جديدة ومفزعة إلى قلب فال.
ألقى تاليس القدح على الدرج، وشرع يسعل بشدّة!
ظلّ الملك كيسل يحدق في الأرض دون حراك.
اندفع الطعم اللاذع الحارق عبر حلقه، وملأ فمه وأنفه ودماغه!
(أليس ذلك…؟)
في حياته السابقة، كان ضعيف التحمّل للكحول. ولم يكن يدري إن كان جسده الحالي أفضل حالًا، لكنّه أيقن أن نبيذ الجاودار ليس مما يحتمله مطلقًا!
“نعم.” هزّ ميرك رأسه مبتسمًا. “الأمير سوريا كان… سلسًا في طبعه، وكان حقًا قادرًا على الشرب.”
كحّ… كحّ…
حدّق كيسل في الظلمة وراء الفتحة، تلك الظلمة التي حجبت عنه قاع الزنزانة، ثم أطلق زفرة هادئة.
احمرّ وجه تاليس واغرورقت عيناه.
“وبعد أن غيّرت قوات قمع التمرد ولاءها… لم نعد قادرين حتى على تعبئة جيش مسلح.”
“هاهاها.” ضحك نوڤين بمرح. “ربما علينا أن نبدأ بشيء يناسب الأطفال أكثر.”
“وأنت، بوصفك عضوًا سابقًا في حرس النصل الأبيض، والإداري الحالي لدي، ماذا ينبغي أن تفعل؟”
شعر تاليس بدفءٍ يلفّ وجهه.
راقبه مطولًا، بحثًا عن ما يخفيه وجهه الجامد.
وبعد برهة، استعاد رباطة جأشه. رمق القدح بنظرة عابسة، ثم نفخ الهواء وهزّ رأسه قائلًا: “لا بأس… قال لي كاسلان إن الطفل لن يكبر إن لم يشرب.”
تلك الأيام… أما الآن، فبدت كأنها حلم بعيد.
ارتعش وجه ميرك.
(ذلك الماكر.)
(كاسلان؟)
وامتلأت عينا كيسل بمشاعر معقدة يستعصي فهمها.
تجمّدت ابتسامة الملك نوڤين.
“أرسلنا جيوشنا جنوبًا نحو الكوكبة لسببٍ وجيه.”
ولاحت في عيني “الشقية الصغيرة” شرارة مألوفة. بدا أنها سمعت اسمه من قبل، فحدّقت في تاليس باهتمام خلف نظارتها.
“تاليس، قبل اثني عشر عامًا…
نظر الملك إلى تاليس نظرة غريبة. “كاسلان؟”
“من كان؟”
“ذلك العجوز بائع الخمور في إقليم الرمال السوداء؟”
(صحيح.)
تلاشى طعم الخمر تدريجيًا من فم تاليس وأنفه، فقهقه بخجل.
“ولهذا أُرسل عمّك لتجنيد أفراد جيش جديد.” أطلق فال شهيقًا ساخرًا خلف الباب. “لواء ضوء النجوم.”
(هل قلت شيئًا خطأ؟)
“لم يظن أحد أنّ جون سيتمكن من قلب الموازين في زمن قصير وكسب كل تلك المعارك.”
وتلعثم وهو يواجه نظرة الملك: “أم… س-سمعت من بيوتراي أنه كان قائد حرسك الشخصي، والقائد السابق لحرس النصل الأبيض.”
“ماذا تعني؟” ارتفع صوت فال ببطء.
ظل الملك يحدّق في تاليس، الذي شعر ببعض الضيق من الاهتمام الموجّه إليه.
ساد صمت طويل آخر.
ثم تحدّث الملك.
أومأ ميرك، وقاد الفتاتين إلى قاعة الأبطال.
“أفضل رجل حظيت به إكستيدت قط.” قالها بزفرة. “وإن كان هذا قليل الإنصاف لنيكولاس.”
لكنّ دوق الإقليم الشمالي أدرك سريعًا أنّ ثمة أمرًا غير منطقي.
أومأ لورد ميرك الواقف على مسافة غير بعيدة، وألقى نظرة تحذير على أليكس التي بدت مستعدة لافتعال مشهد آخر.
(أهو غير سعيد؟)
تمتم الملك نوڤين: “كاسلان. إذًا، التقيت به… أتراه ذكرني أمامك؟”
(سوريا؟)
“نعم.” ابتسم تاليس بارتباك وأومأ. “قال كاسلان إنك كنتَ ملكًا جيدًا.”
صرخت الليدي أليكس.
دهش نوڤين السابع قليلًا، ثم صفع فخذه وأطلق ضحكة عالية: “هاهاهاها!”
“سيذوق الوحدة التي لا تنتهي، والظلمة التي لا تنقشع، والألم الذي لا يخمد، والعذاب الأبدي.”
(“كنتُ”؟) التقط الملك الكلمة فورًا، ومضى يضحك. “أحسنت!”
“رأت إكستيدت التغيّر. كان نوڤين السابع يتواصل بانتظام مع الآرشيدوقات. لقد كان غزو التنين العظيم نحو الشمال أمرًا شبه محسوم. وحددوا موعد تحرك الجيش، وفي مطلع ربيع العام المقبل، كانوا سيزحفون جنوبًا نحو الكوكبة.”
أحنى تاليس كتفيه بلا حيلة.
“كونوا حماة المستقبل، وشرفوا معتقداتكم حتى يخبو ضياء الشمس والقمر.” تمتمت الشقية الصغيرة.
وتردّدت ضحكات الملك في أرجاء القاعة.
مرّت ثوانٍ دون أن ينطق أيٌّ منهما.
خفض ميرك رأسه قليلًا.
“يا لها من مفاجأة سارّة.”
فجأة، توقّف نوڤين عن الضحك. وزفر، وقد غشيه طيف من الذكرى.
نظر الحارس الآخر إلى الضيف الضخم، فأومأ هذا برأسه قليلًا.
“قل لي، ما الذي قاله ذلك العجوز عنّي أيضًا؟” سأل وهو يزفر.
تراجعت أليكس بدهشة، وما لبثت دهشتها أن تحوّلت غضبًا. “أيها الصغير—”
راقب تاليس ملامحه بدقة. “قال إنك بشر. ستشيخ، وستُدفع يومًا بالرغبات والشائعات والاندفاع.”
(الجو بدأ يُصبح خانقًا.)
اختفت ابتسامة الملك.
“ألا ينبغي أن ننتظر حتى الغد، ريثما ترسل غرابك الزاجل وتنتظر جواب والدي؟” قال تاليس بحذر. “فإن كان لديه شروط أخرى—”
وتذبذبت نظرته بمشاعر غريبة.
وأدرك أنّ هذه أول مرة منذ بات أميرًا يُخاطب فيها بـ”تاليس” دون ما يتعلّق باسمه من تاريخ أو منصب.
وشعر تاليس بالتوتر يتسلّل إلى صدره.
وبينما استسلم لذكراه، نقل ميرك بصره نحو نيكولاس وقال: “هل ما زلت تؤدّي طقس الالتحاق الجديد؟ ترغم المجنّدين على الركض في السهل تحت شتاء لاذع؟”
وأخيرًا، زفر الملك طويلًا. “لا يمكنني القول إنه مخطئ.”
حبس تاليس أنفاسه. نظر إلى ميرك، مُثقلًا بالأسئلة.
ساد الصمت.
واختلّت ملامحه قليلًا وهو يجبر عنقه على الإيماءة رغم الارتجاف، “لو أنّ إكستيدت انتظرت حتى مطلع الربيع قبل الهجوم، فحسبما أرى الآن… لكان لواء ضوء النجوم بقيادة جون سيصل دون شك إلى الشمال لدعم والدك والحصن.”
“والآن يا تاليس، لمَ لا تقدّم كأسًا من الخمر لعذراءنا الجميلة؟” قال الملك بغتة. ناول تاليس القدح، وأشار برأسه نحو أليكس. “بما أنكما سترتبطان مستقبلًا…”
أحنى تاليس كتفيه بلا حيلة.
تجمّد تاليس لحظةً عند طلبه.
قاد الحارسان طريقه إلى منطقة أخرى. الزنازين هنا بلا قضبان، بل أبواب حديدية سميكة مغلقة بإحكام، فيها منفذ أفقي ضيّق، يربط السجين بالعالم الخارجي.
(ما الذي يحدث؟)
“دفعه إلى الخلف؟” سأل على نحو غريزي.
(أتراه يريد من تلك الصبيّة المتعجرفة… أن تشرب نبيذ الجاودار؟)
شحب وجه “الشقية الصغيرة” المرتجفة خلفها.
حتى لورد ميرك الواقف غير بعيد بدا مشوّشًا.
ظلّ كيسل صامتًا، تراقص ظل النار على وجهه.
“هاه؟” شحب وجه أليكس. نظرت إلى تاليس باضطراب، ثم إلى القدح المعدني، وهزّت رأسها بعناد. “لا يا جدي، لا أريد…”
“والآن يا تاليس، لمَ لا تقدّم كأسًا من الخمر لعذراءنا الجميلة؟” قال الملك بغتة. ناول تاليس القدح، وأشار برأسه نحو أليكس. “بما أنكما سترتبطان مستقبلًا…”
حدّق الملك فيها ببرود وصمت.
وبعد أن فرغ الدوق من ضحكه، قال ببرود: “لا حديث بيننا. حين بلغت الحرب ذروتها لم أكن حتى في الشمال. كان أبي وإخوتي وزوجتي وأختي الكبرى هم من يقاتل.”
ارتجفت الفتاة تحت بصره، وخفضت صوتها.
لكنّ دوق الإقليم الشمالي أدرك سريعًا أنّ ثمة أمرًا غير منطقي.
ومع ذلك، لم تستسلم. تلاشى عبوسها حين خطرت ببالها فكرة. استدارت وجذبت “الشقية الصغيرة”. “هي تستطيع! لتشرب عني! إنّها خادمتي على أي حال!”
(سوريا؟)
ارتبكت “الشقية الصغيرة” المجرورة إلى الأمام. حدّقت بالملك، ثم تاليس، ثم همست بنبرة على وشك البكاء: “أنا… هذا… لا…”
تلك الأيام… أما الآن، فبدت كأنها حلم بعيد.
ضيّق تاليس عينيه، في حيرة.
كحّ… كحّ…
وفي تلك اللحظة بالذات، دوّى صوت ميرك.
“هاهاها.” ضحك نوڤين بمرح. “ربما علينا أن نبدأ بشيء يناسب الأطفال أكثر.”
“ليدي أليكس!”
وبينما استسلم لذكراه، نقل ميرك بصره نحو نيكولاس وقال: “هل ما زلت تؤدّي طقس الالتحاق الجديد؟ ترغم المجنّدين على الركض في السهل تحت شتاء لاذع؟”
حدّق الإداري الملكي في أليكس بعينين صارمتين. كان في نظرته غضب مكبوت. “توقّفي عن إثارة الفوضى!”
“على الرغم من أن الأمير تاليس آتٍ من الكوكبة، فإن كان هذا هو رغبة جلالتكم…” خفض لورد ميرك رأسه باحترام، ولوّح لأليكس بإيماءة تخبرها بأن تصمت. “فسأكرّس نفسي لخدمته كما كرّستها لخدمة الليدي أليكس.”
ارتجّ صوت أليكس وارتعشت بخوف.
ولمدة من الزمن، لم يُسمع سوى بكاء فال العميق، المكتئب، والمتهدج.
“إنه أمرٌ من جدّك، من مَلِكِك!” جذبها ميرك بعيدًا عن الشقية الصغيرة بجذبةٍ حادّة. “أطيعيه، سواء تعلّق الأمر بالخمر…”
“والأسوأ أنّ ذلك هدم وعينا المصطنع بالقوة وكشف ضعفنا الحقيقي… وأخبرهم بأننا عاجزون أمام جنود الشمال.”
“أو بزواجك.”
“لحظة، قلت مطلع الربيع في العام المقبل؟” تغيّر نبرة فال.
مُنهارةً تحت تأنيب ميرك وثِقَل نظرة الملك نوڤين الملحّة، تقدّمت أليكس بخطى مُتثاقلة.
عندها تنهد نيكولاس بدوره. “لقد حان الوقت.”
أخذت الكأس من تاليس مُكرهةً. بعيونٍ محمرّة، رمقته بنظرة لاذعة، ثم التفتت نحو نوڤين بنظرةٍ يائسة، غير أنّه بدا غير مُبالٍ.
دحرجت أليكس عينيها بملل، منزعجة من الانتظار.
هزّ تاليس كتفيه، يُشير بأن لا حيلة له.
وبعد أن فرغ الدوق من ضحكه، قال ببرود: “لا حديث بيننا. حين بلغت الحرب ذروتها لم أكن حتى في الشمال. كان أبي وإخوتي وزوجتي وأختي الكبرى هم من يقاتل.”
ولمّا لم يبقَ أمامها خيار، أطبقت شفتيها وسكبت خمر الجادوار في حلقها غاضبةً.
رمقه كيسل، ورأى مزيجًا فظيعًا من الحزن، الألم، الغضب، الكراهية، والصدمة في آن واحد.
أسقطت أليكس كأس الخمر ثائرةً، وحدّقت في تاليس بنظرةٍ حادّة. وبعد ثوانٍ، بدأت تسعل من ثِقَل طعم الشراب.
“أتريده أن يكون زوجي؟” تسارعت أنفاس أليكس. رمقت تاليس الكئيب—ذاك الفتى الذي التقت به في المكتبة البارحة، الفتى الذي عنّفها أمام خادمتها. غمرها سيل من الضيق والانزعاج.
ضحك الملك ضحكةً خفيفة.
دهش نوڤين السابع قليلًا، ثم صفع فخذه وأطلق ضحكة عالية: “هاهاهاها!”
“ميرك، هذا يذكّرني بعادة سوريا في الشرب.” قال الملك نوڤين ضاحكًا. “سمعتُ من كاسلان أنه حين كان يتدرّب مع حرّاس النصل الأبيض، كان يفوز في كل منافسات الشرب.”
أغمض ميرك عينيه بقوة من شدّة الألم. “لم أستطع حمايتهم…”
“نعم.” هزّ ميرك رأسه مبتسمًا. “الأمير سوريا كان… سلسًا في طبعه، وكان حقًا قادرًا على الشرب.”
ولاحظت تلك الصغيرة نظراته، فردّت بواحدة غاضبة. فعبس تاليس.
“أتذكّر أن علاقتكما كانت وثيقة؟” نظر الملك إلى ميرك بنبرة يعلوها الحنين.
هزّ تاليس كتفيه، يُشير بأن لا حيلة له.
“عرفته منذ زمنٍ طويل. حين سمحتَ له بالتدرّب بين حرّاس النصل الأبيض بهويّة مزيفة.” ارتسمت نصف ابتسامة على وجه ميرك وهو يومئ. “لم يكن مجرد أمير. كان رفيقًا وصديقًا… لا أنسى ضحكته الجهورية.”
تحت تدريب كاسلان القاسي، أصبحوا أعتى جنود الملك نوڤين وأكثرهم إخلاصًا، أشدّ دروع قصر الروح البطولية. نزفوا على أرض حاميات الجليد، وفي ممرّات جبل الجليد الأبيض، وفي دهاليز الممر الذهبي التي تشبه المتاهة، وفي حصن التنين المحطّم، تاركين وراءهم جثامين لا تُعدّ من رفاق السلاح. بكوا عند هزائمهم، وأنشدوا أناشيد الحرب وسط الوغى، وشربوا حتى الثمالة احتفالًا بانتصاراتهم. وفي النهاية، نُقشت أسماؤهم في الصفحات المكسوّة بالبلاتين من أسطورة حرّاس النصل الأبيض، إلى جانب أبطال الشمال من عصر الإمبراطورية القديمة.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي الملك.
“عام 1386 من تقويم الإمبراطورية، استعاد ساير آروند ’أسطورة حرّاس النصل الأبيض’، وأعاد تشكيل الحرّاس المرموقين، جامعًا ’القسم القديم’ مع قسم الفروسيّة…”
وبينما تجاهلت أليكس نظرتهما الغاضبة إليها، كان تاليس يُراقب الملك وتابعه وهما يسترجعان ذكريات وليّ العهد السابق، سوريا والتون، متسائلًا ما إذا كان عليه الانصراف.
*هَبْد!*
“نعم. كان يحب الضحك هكذا—كأنّه أنا.”
(إذن، هذه…)
“إنما يا للأسف… لقد وقع في شَرَك زوجةٍ كئيبة.” تنفّس الملك نوڤين بعمق. “أتذكّر أنهما حين كانا يتناولان الطعام معي، لم يتبادلا النظر قط.”
طَرَق!
“السيدة أديل تنحدر من مدينة الكرمة في جنوب غرب كاموس، حيث المناخ رطبٌ ودافئ. وكانت ابنة ماركيز، ولم تعتَد قطّ حياة الشمال القاسية.” نظر ميرك ناحية أليكس وتنهد. “من الواضح أن السيدة أليكس ورثت الكثير من صفات أمّها.”
“ولسبب ما، انكشف المغتال.” واصل كيسل ببطء: “وسوريا… بكر نوڤين، لقي حتفه أيضًا.”
عادت أليكس لتقطّب وجهها.
“من كان؟”
أطلق نوڤين شخيرًا خفيفًا.
(أليس ذلك…؟)
“تاليس.” صدى صوّت الملك كالسيف البارد حين التفت نحو أمير الكوكبة الذي همّ بالاعتذار والمغادرة. “أخبرتكَ أن وفاة ابني الأكبر لم تكن حادثًا، بل اغتيالًا.”
“عام 1386 من تقويم الإمبراطورية، استعاد ساير آروند ’أسطورة حرّاس النصل الأبيض’، وأعاد تشكيل الحرّاس المرموقين، جامعًا ’القسم القديم’ مع قسم الفروسيّة…”
ارتجّ ميرك قليلًا.
“رأت إكستيدت التغيّر. كان نوڤين السابع يتواصل بانتظام مع الآرشيدوقات. لقد كان غزو التنين العظيم نحو الشمال أمرًا شبه محسوم. وحددوا موعد تحرك الجيش، وفي مطلع ربيع العام المقبل، كانوا سيزحفون جنوبًا نحو الكوكبة.”
(سوريا؟)
“وأنت، بوصفك عضوًا سابقًا في حرس النصل الأبيض، والإداري الحالي لدي، ماذا ينبغي أن تفعل؟”
نظر إلى تاليس، ثم إلى الملك، مُترددًا في الكلام.
“لقد مُني لواء ضوء النجوم بخسائر فادحة أول الأمر. ودُفع جون من مدينة اليشم إلى أرض العاج، ثم إلى ممر والا. وتمدد جيش المتمردين عميقًا في عالم الظل الخاص بمدينة النجم الأبدي.”
غير أن ما صدر عن الملك بعد ذلك أذهله.
“في تلك الأيام، خيّم شبح انهيار البلاد على القصر.” تنفس كيسل بعمق. “ولذلك وقع الاغتيال.”
“أخبره يا ميرك.” قال نوڤين ببرود. “كيف مات ابني سوريا.”
تمتم الملك نوڤين: “كاسلان. إذًا، التقيت به… أتراه ذكرني أمامك؟”
حبس تاليس أنفاسه. نظر إلى ميرك، مُثقلًا بالأسئلة.
“اختبأ أسفل عربة السيدة أديل، منتظرًا عودة الأمير سوريا بعد حديثه مع هارولد، ثم…”
(هناك أمر غير طبيعي.)
ضيّق تاليس عينيه.
(وليّ العهد؟ لماذا يذكُر حادثة مضت منذ زمن؟)
(مستحيل.)
(وفوق ذلك… الموضوع شائك—أثارَه عمدًا؟)
أدارت الفتاة نظراتها في امتعاض، ونفخت بخيبة وغيظ جليّين.
حتى أليكس بدا عليها أنها أدركت خطورة الحديث، فهدأت وتقلّصت ملامحها خوفًا.
شدّت أليكس معطفها حول جسدها والتفتت إلى من تقف خلفها. صوتها الطفولي امتلأ بالسخط: “إذن، لماذا هذه الخادمة الحقيرة هنا؟!”
“يا مولاي.” اعترض ميرك بوجهٍ مُتحفّز. “الحديث في هذا الموضوع حساس بالنسبة لمكانة الأمير تاليس—”
“مستحيل! إكستيدت غزتنا دون شك في فصل الشتاء من ذلك العام!”
قاطعه نوڤين.
“سيذوق الوحدة التي لا تنتهي، والظلمة التي لا تنقشع، والألم الذي لا يخمد، والعذاب الأبدي.”
“قل له! عليه أن يعرف.” التقط الملك كأس الخمر من على الأرض، وقد غلّف البرد صوته. “من البداية إلى النهاية.”
“المغتال جاء من الكوكبة. وقد تبيّن أن الأمر صدر من البلاط الملكي.”
تجمّد ميرك وهو يحدّق في الملك، الذي بدا وجهه مُظلمًا مُخيفًا.
“أفضل رجل حظيت به إكستيدت قط.” قالها بزفرة. “وإن كان هذا قليل الإنصاف لنيكولاس.”
ارتعدت أليكس وتراجعت خطوة للخلف، وارتطمت بالشقية الصغيرة.
قاد الحارسان الرجل إلى أبعد زنزانة، وطرق أحدهما الباب بقوة.
“لماذا؟” حاول تاليس جاهدًا ضبط صوته. “يا مولاي، لقد أخبرتني أن القاتل جاء من الكوكبة، أليس كذلك؟”
(“كنتُ”؟) التقط الملك الكلمة فورًا، ومضى يضحك. “أحسنت!”
ارتبك ميرك. بدا مُتفاجئًا بمعرفة تاليس لهذه التفاصيل.
تبادل نيكولاس وميرك نظرة أخيرة، وردّدا معًا.
رمقه الملك بنظرة تحذيريّة.
انحنى الإداري للملك، ثم تراجع. “يا مولاي، الليدي أليكس وصلت.”
رفع تاليس عينيه للسماء، نادمًا لعدم مغادرته قبل قليل.
لا أحد يدري كم من الوقت مر. كان الملك الأعلى للكوكبة، كيسل جيدستار الخامس، ما يزال يحدق في الخلاء. ثم بصوت لا يُدركه عامة الناس بسهولة، قال ببطء:
(الجو بدأ يُصبح خانقًا.)
عادت أليكس لتقطّب وجهها.
تنفّس الإداري بعمق، وبدأ قائلاً: “وقع الحادث قبل اثني عشر عامًا، قبل مجيء الشتاء بقليل.”
“أتشعرون بالبرد؟ الريح الشمالية والشتاء القاسي هما أعظم هبة يخصّنا بها سيّد الجبال. إنهما يجعلانكم أقوى، أشدّ، وأعتى!” هكذا كان كاسلان يخاطبهم.
ارتجف تاليس. “اثنا عشر عامًا؟”
قطّب تاليس جبينه.
(أليس ذلك…؟)
“السيدة أديل تنحدر من مدينة الكرمة في جنوب غرب كاموس، حيث المناخ رطبٌ ودافئ. وكانت ابنة ماركيز، ولم تعتَد قطّ حياة الشمال القاسية.” نظر ميرك ناحية أليكس وتنهد. “من الواضح أن السيدة أليكس ورثت الكثير من صفات أمّها.”
“أخذ الأمير سوريا السيدة أديل والسيدة أليكس في رحلة صيد خارج مدينة سحب التنين. وكانت السيدة أليكس لم تُكمل عامها الأول بعد.
استدار فال وعاد بظهره نحو الباب الحديدي، مخفيًا تعبير وجهه.
“كنت مسؤولًا عن سلامة الأمير سوريا منذ مدة طويلة، لذا كلّفني نيكولاس بحمايتهم مع وحدة صغيرة من حرّاس النصل الأبيض.” انخفض صوت ميرك، مثقلًا بالألم. “لكن الأمور انقلبت رغم ذلك.”
انهار فال جالسًا وراء الباب الحديدي.
صمت تاليس وأرهف سمعه.
(الجو بدأ يُصبح خانقًا.)
“وبالصدفة، كان هارولد لامبارد—ابن الآرشيدوق السابق لمنطقة الرمال السوداء—يزور المدينة ذلك اليوم أيضًا. وكان متوجهًا للصيد في المكان ذاته.” توقّف لحظة، ثم تابع بصوت مرتجف.
“أرسلت الكوكبة مغتالين وحركت كامل رجالها. كان الهدف وريثَي مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء—سوريا والتون وهارولد لامبارد.” أصبح صوت كيسل أكثر خشونة، وكأن قوة مجهولة تنتزع الطاقة من جسده الضخم.
“وقد تسلل المغتال إلى جماعة هارولد.”
ثم تحدّث الملك.
ضيّق تاليس عينيه.
“ستموتون جميعًا، ههههه!” صرخ شيخ مطروح على بطنه يهذي. “حتى العائلة الملكية… كيف تجرؤون… هه…”
“اختبأ أسفل عربة السيدة أديل، منتظرًا عودة الأمير سوريا بعد حديثه مع هارولد، ثم…”
وبملامح بلا تعبير، قال كيسل بصوت منخفض: “جئتُ أحدثك عن الماضي، عن سقوط الإقليم الشمالي في العام الدموي.”
قبض ميرك يده، وازداد صوته اختناقًا.
ضحك الملك ضحكةً خفيفة.
جلس الملك نوڤين على الدرج بلا حراك، عيناه زائغتان.
قاد ميرك الفتاتين الحائرتين نحو الملك.
“أطلقتُ سهم إشارة لطلب العون فورًا.” بدا واضحًا لتاليس أن ميرك تحطّم في ذلك اليوم. عضلات وجهه ترتجف، وعيناه مغمضتان. “وقد أوقفه نيكولاس أثناء فراره… لكنه هرب في النهاية.”
أدارت الفتاة نظراتها في امتعاض، ونفخت بخيبة وغيظ جليّين.
“تعرّض الأمير سوريا لإصابة قاتلة ونزف حتى الموت… أما السيدة أديل، فقد حاولت حماية السيدة أليكس، و—”
“أسألُك أنت، ولا أسأل غيرك.”
أغمض ميرك عينيه بقوة من شدّة الألم. “لم أستطع حمايتهم…”
(على الأقل، نبيذ الجاودار المخصّص للملك إكستيدت… هو…)
خفّضت أليكس رأسها، جامدة النظرة، بينما حبست الشقية الصغيرة أنفاسها.
“على الرغم من أن الأمير تاليس آتٍ من الكوكبة، فإن كان هذا هو رغبة جلالتكم…” خفض لورد ميرك رأسه باحترام، ولوّح لأليكس بإيماءة تخبرها بأن تصمت. “فسأكرّس نفسي لخدمته كما كرّستها لخدمة الليدي أليكس.”
تمالك ميرك نفسه بعد بضع ثوانٍ، وابتلع ريقه قبل أن يتابع بصوتٍ خافت مثقل:
“كنت مسؤولًا عن سلامة الأمير سوريا منذ مدة طويلة، لذا كلّفني نيكولاس بحمايتهم مع وحدة صغيرة من حرّاس النصل الأبيض.” انخفض صوت ميرك، مثقلًا بالألم. “لكن الأمور انقلبت رغم ذلك.”
“رغم عدم وجود أدلة قاطعة، إلا أنّ تحقيق الغرفة السرّية أكّد لنا أنّ…”
تغيّرت ملامح تاليس.
“المغتال جاء من الكوكبة. وقد تبيّن أن الأمر صدر من البلاط الملكي.”
“بالطبع أذكر.” أطلق اللورد ميرك، الذي ظلّ إداريًا طوال سنوات، ابتسامة خفيفة. “تمامًا كما أنت الآن، كان ذلك المتجمّد كاسلان يدرّبنا بوحشية… كنّا نسمّيه ’جبل الجليد’ من وراء ظهره، حتى في منامنا. كنّا ندعو أن يموت مبكرًا أو يبقى بلا زوجة إلى آخر حياته.”
قطّب تاليس جبينه.
أسقطت أليكس كأس الخمر ثائرةً، وحدّقت في تاليس بنظرةٍ حادّة. وبعد ثوانٍ، بدأت تسعل من ثِقَل طعم الشراب.
(مستحيل.)
وأخيرًا، زفر الملك طويلًا. “لا يمكنني القول إنه مخطئ.”
(الاغتيال قبل اثني عشر عامًا؟)
انهار فال جالسًا وراء الباب الحديدي.
(ألم يكن ذلك في العام الدموي؟)
خيم صمت ثقيل.
قطع الملك صمت أفكاره، وقد رفع رأسه وقال بصوتٍ عميق ثقيل:
وتحت إشارة من الرجل الضخم، تقدّم الحارسان ليدلّاه الطريق.
“تاليس، قبل اثني عشر عامًا…
“من كان؟!”
“أرسلنا جيوشنا جنوبًا نحو الكوكبة لسببٍ وجيه.”
“أرسلنا جيوشنا جنوبًا نحو الكوكبة لسببٍ وجيه.”
…
حتى أليكس بدا عليها أنها أدركت خطورة الحديث، فهدأت وتقلّصت ملامحها خوفًا.
الكوكبة، مدينة النجم الأبدي، زنزانة مجهولة.
“وبالصدفة، كان هارولد لامبارد—ابن الآرشيدوق السابق لمنطقة الرمال السوداء—يزور المدينة ذلك اليوم أيضًا. وكان متوجهًا للصيد في المكان ذاته.” توقّف لحظة، ثم تابع بصوت مرتجف.
*كلنْك—كلنْك!*
(ذلك الفتى… ما الذي جرى له؟)
ارتجّ الصوت المعدني الحاد لبوّابة تُفتَح في الظلام.
“أفضل رجل حظيت به إكستيدت قط.” قالها بزفرة. “وإن كان هذا قليل الإنصاف لنيكولاس.”
اشتعل مشعلان مغموران بزيت أبدي، ونزل حارسان الممرّ المعتم.
ثم انطلقت ضحكة جافة ممزوجة باليأس من داخل الزنزانة.
أضاءت النار الطريق، فظهرت صفوف السجون ذات القضبان الحديدية الغليظة.
أضاءت النار الطريق، فظهرت صفوف السجون ذات القضبان الحديدية الغليظة.
ولّد الضوء والضجيج صخبًا في السجن.
وبملامح بلا تعبير، قال كيسل بصوت منخفض: “جئتُ أحدثك عن الماضي، عن سقوط الإقليم الشمالي في العام الدموي.”
“تبا! ألا تملكون ساعة عمل طبيعيّة مثل البشر؟” زمجر رجل أنيق الملبس، بسيط الهيئة، وقد بدا كالنبلاء. اعتدل في سريره متذمرًا. “لابد أنّها منتصف الليل أو الواحدة صباحًا! حين كنت في وزارة الشؤون الخارجيّة…”
تبادل نيكولاس وميرك نظرة أخيرة، وردّدا معًا.
تجاهله الحارسان كأنهما اعتادا صراخه.
سحب الحارس صفيحة المنفذ الحديدي، فظهر ثقب لا يتسع إلا لنصف وجه.
تقدّما خطوة، مُفسحين الطريق لهيئة ضخمة تتقدم الوسط.
وشعر تاليس بالتوتر يتسلّل إلى صدره.
“مولاي! الملك آيدي! أأخيرًا وصلت!” صرخ رجلٌ أشعث نصف مخبول من إحدى حجر السجن، ممسكًا بالقضبان يهزّها. “أرجوك أعد النظر فيما قلت! وإن لم تفكر بنفسك، ففكر بالأمير ميدير! أتريد توريثه دولة فاشلة؟”
“أخبره يا ميرك.” قال نوڤين ببرود. “كيف مات ابني سوريا.”
وتحت إشارة من الرجل الضخم، تقدّم الحارسان ليدلّاه الطريق.
ما زال ميرك يذكر بنية قائده العجوز الفولاذية، كهيئة دبّ ثلجي، ووجهه المغطّى بالصقيع المُفعَم بالشراسة التي لا تتزعزع. “توقفوا عن التراخي، اخلعوا ثيابكم كلها، وابدأوا بالركض—هناك ماء ساخن ينتظركم عند خط النهاية. إن لم تبلغوه في نصف ساعة، فسوف تتجمّدون حتى الموت!”
على الجانبين، استيقظ السجناء واحدًا تلو الآخر، يصرخون بجنون، كلٌّ بطريقته.
“والآن، تعبيرًا عن شكري لعونك، وإثباتًا لانتهاء ما بيننا من أحقاد، ووفقًا لعادات الشمال، بعد أن ترتشف من هذا الخمر، ستصبح عائلتا جيدستار ووالتون حليفين من هذه اللحظة.” ضيّق الملك نوڤين عينيه، ورفع القدح، ووضعه أمام تاليس.
“ستموتون جميعًا، ههههه!” صرخ شيخ مطروح على بطنه يهذي. “حتى العائلة الملكية… كيف تجرؤون… هه…”
“كان والديّ مضطرّين.”
تابعت الأقدام سيرها، لا تكترث.
تابعت الأقدام سيرها، لا تكترث.
“أنظروا من حضر اليوم.” اتكأ سجين شاب قوي البنية على القضبان، يحدّق في الضوء. لم يفقد صوابه تمامًا. “أليس هذا أميرنا الخامس، عار العائلة الملكيّة… لمَ لست منشغلًا بنثر بذور ضعفك فوق نساء بائسات؟ ماذا تفعل هنا؟”
“نعم. كان يحب الضحك هكذا—كأنّه أنا.”
“لم أفعل شيئًا! لم أفعل!” ارتجف سجين آخر، مدفون الوجه بين ذراعيه. “لم ألمس كأس الأمير هيرمان! كان جينكنز! هو من دسّ السم!”
“هاها… وكنا نظن دومًا أنّ الملك نوڤين انتهز اللحظة المناسبة للغزو واحتلال الحصن… وفي النهاية، هاهاها…”
“نوفورك… أجل، نوفورك.” تمتم سجين ظهره للممر وهو ينحت على الجدار. “أعرف ما يخطط له، ويفعله خلف ظهر الدوق جون والكونت كارابيان… ربما للأمر صلة بجيش التمرّد. ساورني الشك منذ زمن، لكن تلك المرأة الحقودة، سونيا ساسيري…”
“هوراس قاد نفرًا قليلًا ليلتقي نانشيستر ويعبر إلى حصن التنين المحطم… وفي اليوم التالي لموته، احتل جون زودرا، آخر أراضي المتمردين…”
استمرت الخطى.
“أسألك عن رأيك أنت، يا تاليس.” رفع الملك القدح وأضاءت عيناه. “هل ترغب في أن نطوي ما بيننا من ثأر؟ ما بينك وبين عائلة والتون؟”
“أيها الفتى!” انقضّ سجين مليء بالندوب على القضبان وهو يرى الزائر. “ما خبر الجبهة الغربية؟ هل استعدنا كثبان أنياب النصل بعد أن فتحتَ مذبح تجسيد الصحراء؟ ماذا عن الأورك؟ ماذا عن القبائل الثماني العظمى التابعة لعرش هيكل التنين؟ هيا! أخبرني!”
تلك الأيام… أما الآن، فبدت كأنها حلم بعيد.
لم يُعر الرجل الضخم كل ذلك أدنى اهتمام.
“وفي مطلع الربيع، استخدم الإكستيدتيون الحصن قاعدةً لهم، وانقضوا كالسيل الجارف على الإقليم الشمالي.”
قاد الحارسان طريقه إلى منطقة أخرى. الزنازين هنا بلا قضبان، بل أبواب حديدية سميكة مغلقة بإحكام، فيها منفذ أفقي ضيّق، يربط السجين بالعالم الخارجي.
شعر تاليس بدفءٍ يلفّ وجهه.
قاد الحارسان الرجل إلى أبعد زنزانة، وطرق أحدهما الباب بقوة.
حدّق نوڤين الملك فيه ثلاث ثوانٍ كاملة.
دق! دق! دق!
“ذلك القاتل يدفع الآن ثمن فشل الاغتيال الذي جرّ كارثة لا توصف.”
نظر الحارس الآخر إلى الضيف الضخم، فأومأ هذا برأسه قليلًا.
أضاءت النار الطريق، فظهرت صفوف السجون ذات القضبان الحديدية الغليظة.
سحب الحارس صفيحة المنفذ الحديدي، فظهر ثقب لا يتسع إلا لنصف وجه.
قاطعه نوڤين.
خيم صمت ثقيل.
استدار فال وعاد بظهره نحو الباب الحديدي، مخفيًا تعبير وجهه.
طال السكون قبل أن ينبعث صوت قويّ، حرّ، ينساب من ظلمة الزنزانة العميقة.
“أسألك عن رأيك أنت، يا تاليس.” رفع الملك القدح وأضاءت عيناه. “هل ترغب في أن نطوي ما بيننا من ثأر؟ ما بينك وبين عائلة والتون؟”
“يا لها من مفاجأة سارّة.”
وأدرك أنّ هذه أول مرة منذ بات أميرًا يُخاطب فيها بـ”تاليس” دون ما يتعلّق باسمه من تاريخ أو منصب.
“ما الذي يجلب ملك القبضة الحديدية إلى دوقٍ خائن؟”
“ندافع عن الأرواح التي لا تُحصى، ولا نهاب الموت حتى فناء البشريّة.”
انحنى الحارسان قليلًا وغرزا المشعلين في حُفر الحائط خلفهما، ثم انسحبا باحترام.
بدا كأن شخصًا يقف هناك.
وبنور اللهب ظهر وجهٌ مُرهق مُغطى بلحية كثيفة خلف نافذة الباب.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
كان سجين الزنزانة هو دوق الإقليم الشمالي الحالي، النسر الحديدي، فال آروند. يحدّق في الرجل خارج الباب بحدة.
(طيشها أقرب لبنات تجار أثرياء أو متسلّقين اجتماعيين.)
وكان ذلك الرجل هو ملك الكوكبة الأعلى—كيسل الخامس. جلس بهدوء على الكرسي الموضوع مسبقًا أمام الزنزانة.
(ألم يكن ذلك في العام الدموي؟)
وبملامح بلا تعبير، قال كيسل بصوت منخفض: “جئتُ أحدثك عن الماضي، عن سقوط الإقليم الشمالي في العام الدموي.”
“عن تلك الحرب المدمّرة…”
تغيّر وجه فال، واختفى عن المنفذ.
أغمض ميرك عينيه بقوة من شدّة الألم. “لم أستطع حمايتهم…”
ثم انطلقت ضحكة جافة ممزوجة باليأس من داخل الزنزانة.
تمالك ميرك نفسه بعد بضع ثوانٍ، وابتلع ريقه قبل أن يتابع بصوتٍ خافت مثقل:
ظلّ كيسل صامتًا، تراقص ظل النار على وجهه.
تابعت الأقدام سيرها، لا تكترث.
وبعد أن فرغ الدوق من ضحكه، قال ببرود: “لا حديث بيننا. حين بلغت الحرب ذروتها لم أكن حتى في الشمال. كان أبي وإخوتي وزوجتي وأختي الكبرى هم من يقاتل.”
صمت تاليس وأرهف سمعه.
“إن أردت الحديث عن ذلك، فاذهب إلى نهر الجحيم وتحدث إليهم.”
تأمّل أمير الكوكبة لثوانٍ قبل أن يزفر. “كما تعلم، لامبارد من إقليم الرمال السوداء فعل الشيء ذاته—قدّم لي كأس خمر وطلب أن أصبح حليفه. لكني رفضته.”
حدّق كيسل في الظلمة وراء الفتحة، تلك الظلمة التي حجبت عنه قاع الزنزانة، ثم أطلق زفرة هادئة.
“وماذا عن ذلك المغتال الأحمق؟ ذلك الأبله الذي انكشف بعد فشل الاغتيال؟” خرج صوت فال مكسورًا، منهكًا، تكلله كراهية دفينة. “هل استخرجتم قلبه؟”
“أريد أن أخبرك بالسبب الحقيقي وراء الحرب.” كان صوت كيسل الخامس لا يزال قويًا ثابتًا، غير أنّ مسحة حزن وخيبة ثقيلة تسربت إليه. “إنه يتعلق بغزو إكستيدت.”
“أجبني، كيل!”
صمت من يقف خلف الباب الحديدي في الحال.
تقاسما ابتسامة بلا كلمات.
“ماذا تعني؟” ارتفع صوت فال ببطء.
صمت تاليس وأرهف سمعه.
“كانت ثورة الماضي شديدة السوء. إنّ تلّ حافة النصل بأكمله، ونصف تلّ الساحل الجنوبي… ومعهما قبيلة العظام القاحلة والأورك في تلّ الصحراء الغربية، إضافةً إلى ثلث أرض الكوكبة، احترقت جميعها في نيران الحرب.” قال كيسل ببرود وكأنه يصف أمرًا عاديًا.
“وفي مطلع الربيع، استخدم الإكستيدتيون الحصن قاعدةً لهم، وانقضوا كالسيل الجارف على الإقليم الشمالي.”
“وبعد أن غيّرت قوات قمع التمرد ولاءها… لم نعد قادرين حتى على تعبئة جيش مسلح.”
“ولسبب ما، انكشف المغتال.” واصل كيسل ببطء: “وسوريا… بكر نوڤين، لقي حتفه أيضًا.”
“ولهذا أُرسل عمّك لتجنيد أفراد جيش جديد.” أطلق فال شهيقًا ساخرًا خلف الباب. “لواء ضوء النجوم.”
دق! دق! دق!
هزّ كيسل رأسه مؤكدًا، رغم معرفته بأن فال لا يستطيع رؤيته.
(الجو بدأ يُصبح خانقًا.)
“رأت إكستيدت التغيّر. كان نوڤين السابع يتواصل بانتظام مع الآرشيدوقات. لقد كان غزو التنين العظيم نحو الشمال أمرًا شبه محسوم. وحددوا موعد تحرك الجيش، وفي مطلع ربيع العام المقبل، كانوا سيزحفون جنوبًا نحو الكوكبة.”
“نعم.” هزّ ميرك رأسه مبتسمًا. “الأمير سوريا كان… سلسًا في طبعه، وكان حقًا قادرًا على الشرب.”
مرّت ثوانٍ دون أن ينطق أيٌّ منهما.
“عن تلك الحرب المدمّرة…”
لكنّ دوق الإقليم الشمالي أدرك سريعًا أنّ ثمة أمرًا غير منطقي.
تراجعت أليكس بدهشة، وما لبثت دهشتها أن تحوّلت غضبًا. “أيها الصغير—”
“لحظة، قلت مطلع الربيع في العام المقبل؟” تغيّر نبرة فال.
تمتم الملك نوڤين: “كاسلان. إذًا، التقيت به… أتراه ذكرني أمامك؟”
“مستحيل! إكستيدت غزتنا دون شك في فصل الشتاء من ذلك العام!”
“سيقضي محكوميته…”
ساد الصمت طويلًا على نحو غير معتاد.
“أن نصدّ الأعداء وننتصر في معارك لا تُحصى حتى تسيل دماؤنا.”
تنهد كيسل بعمق.
(على ما يبدو—فكّر تاليس—هذه الفتاة الفاسدة ذات الطبع العنيف تطيع تابع والدها السابق حقًّا.)
ثم تكلم بصوته الأكثر قتامة، صوت خرج من أعماق حلقه ممزوجًا بتمتمة مبهمة: “صحيح. كان ذلك خطتهم الأصلية. لكن بسبب حادث… قَدّموا موعد الغزو.”
“أجبني، كيل!”
ظهر وجه فال مجددًا خلف الفتحة.
“ماذا؟!”
كان تجهمه قارسًا. حدق بثبات في كيسل خارج الزنزانة.
“هي هنا أيضًا بأمر من جلالته.” أجاب ميرك ببرود. “علينا أن نطيع.”
لقد أدرك موضع الخلل.
وبنور اللهب ظهر وجهٌ مُرهق مُغطى بلحية كثيفة خلف نافذة الباب.
“أيّ حادث؟” سأل دوق الإقليم الشمالي باضطراب. “لماذا قدّم الإكستيدتيون موعدهم؟”
وفي تلك اللحظة، نادى نيكولاس خلف ميرك.
ظلّ الملك كيسل يحدق في الأرض دون حراك.
“وعن الأرواح التي لا تُحصى، التي أثقلته دَيْنًا لا فكاك منه.”
“أجبني.” زمجر فال بين أسنانه.
“عرفته منذ زمنٍ طويل. حين سمحتَ له بالتدرّب بين حرّاس النصل الأبيض بهويّة مزيفة.” ارتسمت نصف ابتسامة على وجه ميرك وهو يومئ. “لم يكن مجرد أمير. كان رفيقًا وصديقًا… لا أنسى ضحكته الجهورية.”
“أجبني، كيل!”
(ما الذي يحدث؟)
سحب كيسل نفسًا عميقًا، ثم رفع رأسه نحو صديقه القديم.
أيعيد تذكير أليكس وميرك بمكانتي، أو بطبيعة علاقتنا؟
“حين وصلتنا الأخبار من الشمال، غمر الخوف القصر بأكمله. جيش المتمردين، وقبيلة العظام القاحلة، وإكستيدت… كانت الكوكبة عاجزة عن خوض حرب من ثلاث جبهات.” قال كيسل ببطء.
ضيّق تاليس عينيه، في حيرة.
“ولذلك اقترح القصر خطة.
وبعد برهة…
“أردنا دفع موعد غزو إكستيدت إلى الخلف.”
“هاهاهاهاها!”
تسللت قشعريرة جديدة ومفزعة إلى قلب فال.
خفّضت أليكس رأسها، جامدة النظرة، بينما حبست الشقية الصغيرة أنفاسها.
“دفعه إلى الخلف؟” سأل على نحو غريزي.
“أردنا دفع موعد غزو إكستيدت إلى الخلف.”
هزّ كيسل رأسه مؤكدًا، وبلا أيّ تعبير، قال: “أردنا إذكاء الصراع بين مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء، حتى ينشغل الطرفان ببعضهما، فلا يجدا وقتًا للتفكير في غزونا.”
حوّل كيسل نظره نحو نقطة فارغة في الفراغ.
طَرَق!
لم يُجب نوڤين السابع. ملأ قدحًا من الخمر من البرميل الذي إلى جواره، وارتشف منه رشفة.
اندفع فال بقوة نحو الفتحة، قابضًا على حوافها، وصرّ على أسنانه وهو يحدق في كيسل: “ماذا فعلوا؟”
الفصل 157: موت سوريا
“أرسلت الكوكبة مغتالين وحركت كامل رجالها. كان الهدف وريثَي مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء—سوريا والتون وهارولد لامبارد.” أصبح صوت كيسل أكثر خشونة، وكأن قوة مجهولة تنتزع الطاقة من جسده الضخم.
“ولسبب ما، انكشف المغتال.” واصل كيسل ببطء: “وسوريا… بكر نوڤين، لقي حتفه أيضًا.”
“ذلك المغتال كان عليه أن يُلقي تبعت مقتل أحدهما على الآخر، ليخلق شقاقًا لا يُرمّم بين مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء.”
“ميرك، هذا يذكّرني بعادة سوريا في الشرب.” قال الملك نوڤين ضاحكًا. “سمعتُ من كاسلان أنه حين كان يتدرّب مع حرّاس النصل الأبيض، كان يفوز في كل منافسات الشرب.”
مع سماعه ذلك، صار نفس فال أثقل وأسرع.
ارتعدت أليكس وتراجعت خطوة للخلف، وارتطمت بالشقية الصغيرة.
“لكن وقع حادث.”
خيم صمت ثقيل.
“ولسبب ما، انكشف المغتال.” واصل كيسل ببطء: “وسوريا… بكر نوڤين، لقي حتفه أيضًا.”
“أخبرتك—إنه أمر من جلالته.” قال ميرك بوجه خالٍ من التعابير. “وصدّقيني، ما سيحدث الآن بالغ الأهمية لمستقبلك، يا صاحبة السمو.”
استدار فال وعاد بظهره نحو الباب الحديدي، مخفيًا تعبير وجهه.
أخذت الكأس من تاليس مُكرهةً. بعيونٍ محمرّة، رمقته بنظرة لاذعة، ثم التفتت نحو نوڤين بنظرةٍ يائسة، غير أنّه بدا غير مُبالٍ.
واصل كيسل: “رغم أننا لم نخلّف دليلًا، عرف نوڤين أننا نحن من تحرك.
“وقد تسلل المغتال إلى جماعة هارولد.”
“والأسوأ أنّ ذلك هدم وعينا المصطنع بالقوة وكشف ضعفنا الحقيقي… وأخبرهم بأننا عاجزون أمام جنود الشمال.”
ثم تحدّث الملك.
“تعرف ما حدث لاحقًا؟” فتح كيسل عينيه بتثاقل، وصوته مثقل بالإرهاق. “إكستيدت قدّمت موعد غزوها، واختارت الهجوم في الشتاء. اختارت لحظة تكون فيها مؤن الجيش في أسوأ وضع، ثم دفعت قواتها نحو الجنوب.”
أمّا الشقية الصغيرة، فبان الحماس في عينيها وهي تراقب حرّاس النصل الأبيض بوجوههم الصارمة.
“هوراس قاد نفرًا قليلًا ليلتقي نانشيستر ويعبر إلى حصن التنين المحطم… وفي اليوم التالي لموته، احتل جون زودرا، آخر أراضي المتمردين…”
“ميرك، هذا يذكّرني بعادة سوريا في الشرب.” قال الملك نوڤين ضاحكًا. “سمعتُ من كاسلان أنه حين كان يتدرّب مع حرّاس النصل الأبيض، كان يفوز في كل منافسات الشرب.”
“وبعد عشرة أيام، سقط الحصن.
“رأت إكستيدت التغيّر. كان نوڤين السابع يتواصل بانتظام مع الآرشيدوقات. لقد كان غزو التنين العظيم نحو الشمال أمرًا شبه محسوم. وحددوا موعد تحرك الجيش، وفي مطلع ربيع العام المقبل، كانوا سيزحفون جنوبًا نحو الكوكبة.”
“وفي مطلع الربيع، استخدم الإكستيدتيون الحصن قاعدةً لهم، وانقضوا كالسيل الجارف على الإقليم الشمالي.”
لا أحد يدري كم من الوقت مر. كان الملك الأعلى للكوكبة، كيسل جيدستار الخامس، ما يزال يحدق في الخلاء. ثم بصوت لا يُدركه عامة الناس بسهولة، قال ببطء:
ساد صمت طويل آخر.
لم يعد ميرك يحصي عدد المرّات التي حدّق فيها بالثلوج المتساقطة في الشمال طيلة أربعين سنة من عمره.
طويل حتى بدأ ضوء النار يخبو.
دحرجت أليكس عينيها بملل، منزعجة من الانتظار.
إلى أن كسره دوق الإقليم الشمالي.
هز الملك رأسه.
“هاهاهاها…” ضحك فال بمرارة.
“إنه مسجون إلى الأبد خلف قناع ملعون، ولن يرى ضوء النهار مجددًا.”
“الخطة الاغتيالية التي كان هدفها تأجيل غزو إكستيدت… هي نفسها التي عجّلت بغزوهم؟
خمد صوت أليكس فورًا، ووجّهت نظرات حانقة نحو الشريرة الصغيرة خلفها، والتي ضمّت ذراعيها حول جسدها بأسى.
“هاهاهاهاها!”
“لم يظن أحد أنّ جون سيتمكن من قلب الموازين في زمن قصير وكسب كل تلك المعارك.”
لم يقل كيسل شيئًا. كل ما فعله هو الاستماع إلى ضحكات الدوق.
“كانت ثورة الماضي شديدة السوء. إنّ تلّ حافة النصل بأكمله، ونصف تلّ الساحل الجنوبي… ومعهما قبيلة العظام القاحلة والأورك في تلّ الصحراء الغربية، إضافةً إلى ثلث أرض الكوكبة، احترقت جميعها في نيران الحرب.” قال كيسل ببرود وكأنه يصف أمرًا عاديًا.
وحين كفّ عن الضحك، قال:
لم يعد ميرك يحصي عدد المرّات التي حدّق فيها بالثلوج المتساقطة في الشمال طيلة أربعين سنة من عمره.
“من كان؟”
“أسألك عن رأيك أنت، يا تاليس.” رفع الملك القدح وأضاءت عيناه. “هل ترغب في أن نطوي ما بيننا من ثأر؟ ما بينك وبين عائلة والتون؟”
“من كان؟!”
“بما تبقى من حياته الدنيئة…”
قبض فال على الباب بكلتا يديه، وصوته مبحوح متحشرج, “من اقترح تلك الخطة الملعونة؟!”
رفع نظره إلى الملك نوڤين.
رمقه كيسل، ورأى مزيجًا فظيعًا من الحزن، الألم، الغضب، الكراهية، والصدمة في آن واحد.
“هوراس قاد نفرًا قليلًا ليلتقي نانشيستر ويعبر إلى حصن التنين المحطم… وفي اليوم التالي لموته، احتل جون زودرا، آخر أراضي المتمردين…”
هز الملك رأسه.
(ما الذي يحدث؟)
“كان والديّ مضطرّين.”
“ميرك، هذا يذكّرني بعادة سوريا في الشرب.” قال الملك نوڤين ضاحكًا. “سمعتُ من كاسلان أنه حين كان يتدرّب مع حرّاس النصل الأبيض، كان يفوز في كل منافسات الشرب.”
“لقد مُني لواء ضوء النجوم بخسائر فادحة أول الأمر. ودُفع جون من مدينة اليشم إلى أرض العاج، ثم إلى ممر والا. وتمدد جيش المتمردين عميقًا في عالم الظل الخاص بمدينة النجم الأبدي.”
“لكن وقع حادث.”
“لم يظن أحد أنّ جون سيتمكن من قلب الموازين في زمن قصير وكسب كل تلك المعارك.”
وأخيرًا، زفر الملك طويلًا. “لا يمكنني القول إنه مخطئ.”
“في تلك الأيام، خيّم شبح انهيار البلاد على القصر.” تنفس كيسل بعمق. “ولذلك وقع الاغتيال.”
“بالطبع أذكر.” أطلق اللورد ميرك، الذي ظلّ إداريًا طوال سنوات، ابتسامة خفيفة. “تمامًا كما أنت الآن، كان ذلك المتجمّد كاسلان يدرّبنا بوحشية… كنّا نسمّيه ’جبل الجليد’ من وراء ظهره، حتى في منامنا. كنّا ندعو أن يموت مبكرًا أو يبقى بلا زوجة إلى آخر حياته.”
تجمد وجه فال تدريجيًا، غير أنّ يديه ظلتا ترتجفان بقوة وهما تقبضان على الباب.
(وليّ العهد؟ لماذا يذكُر حادثة مضت منذ زمن؟)
“لو… لو أنّ تلك الخطة لم توجد، وأن الاغتيال لم يقع…” تمتم فال بغريزة بلهاء.
كحّ… كحّ… كحّ!
خفض كيسل رأسه قليلًا، ويده على ركبتيه: “نعم.”
“أتريده أن يكون زوجي؟” تسارعت أنفاس أليكس. رمقت تاليس الكئيب—ذاك الفتى الذي التقت به في المكتبة البارحة، الفتى الذي عنّفها أمام خادمتها. غمرها سيل من الضيق والانزعاج.
واختلّت ملامحه قليلًا وهو يجبر عنقه على الإيماءة رغم الارتجاف، “لو أنّ إكستيدت انتظرت حتى مطلع الربيع قبل الهجوم، فحسبما أرى الآن… لكان لواء ضوء النجوم بقيادة جون سيصل دون شك إلى الشمال لدعم والدك والحصن.”
“والآن، تعبيرًا عن شكري لعونك، وإثباتًا لانتهاء ما بيننا من أحقاد، ووفقًا لعادات الشمال، بعد أن ترتشف من هذا الخمر، ستصبح عائلتا جيدستار ووالتون حليفين من هذه اللحظة.” ضيّق الملك نوڤين عينيه، ورفع القدح، ووضعه أمام تاليس.
“ولما سقط حصن التنين المحطم.”
رمقه الملك بنظرة تحذيريّة.
“ولما سقطت القلعة الباردة… ولا…” توقّف لحظة، ثم أردف: “ولم يكن الإقليم الشمالي ليتعرض لتلك المأساة.”
(أليس ذلك…؟)
انهار فال جالسًا وراء الباب الحديدي.
“ميرك”، دوّى صوت الملك العجوز الأجش، “حفيدتي الصغيرة ستتزوج هذا الفتى.”
*هَبْد!*
“أتذكّر أن علاقتكما كانت وثيقة؟” نظر الملك إلى ميرك بنبرة يعلوها الحنين.
ارتطمت ركبته بالأرض، تلاها تأوّه مكتوم، عميق، مخنوق بالعذاب.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أتعني… أنكم… كل أولئك الأوغاد في مجلس والدك الإمبراطوري، وتلك الخطة الحمقاء… جلبتم موت الملايين في الإقليم الشمالي؟” خرج صوت فال محشرجًا.
خفض كيسل رأسه قليلًا، ويده على ركبتيه: “نعم.”
“هاها… وكنا نظن دومًا أنّ الملك نوڤين انتهز اللحظة المناسبة للغزو واحتلال الحصن… وفي النهاية، هاهاها…”
وأدرك أنّ هذه أول مرة منذ بات أميرًا يُخاطب فيها بـ”تاليس” دون ما يتعلّق باسمه من تاريخ أو منصب.
لم يجب كيسل. فقط ظل ينتظر.
تجمّد ميرك وهو يحدّق في الملك، الذي بدا وجهه مُظلمًا مُخيفًا.
أضاء اللهب جانبه، ولم يبقَ في عيني ملك الكوكبة سوى الخواء.
ارتجّ ميرك قليلًا.
وبعد برهة…
وحين كفّ عن الضحك، قال:
“وماذا عن ذلك المغتال الأحمق؟ ذلك الأبله الذي انكشف بعد فشل الاغتيال؟” خرج صوت فال مكسورًا، منهكًا، تكلله كراهية دفينة. “هل استخرجتم قلبه؟”
“وأنت، بوصفك عضوًا سابقًا في حرس النصل الأبيض، والإداري الحالي لدي، ماذا ينبغي أن تفعل؟”
حوّل كيسل نظره نحو نقطة فارغة في الفراغ.
ساد الصمت طويلًا على نحو غير معتاد.
بدا كأن شخصًا يقف هناك.
“بيرن، هل تذكر حين رفعنا نصالنا البيضاء وأقسمنا قسم الولاء أمام ’أسطورة حرّاس النصل الأبيض’؟” استنشق نيكولاس بعمق، وامتلأت نظرته بحنين طويل. “أتتذكّر السطور الأخيرة؟”
صمت.
“نعم.” ابتسم تاليس بارتباك وأومأ. “قال كاسلان إنك كنتَ ملكًا جيدًا.”
ولمدة من الزمن، لم يُسمع سوى بكاء فال العميق، المكتئب، والمتهدج.
“ولما سقطت القلعة الباردة… ولا…” توقّف لحظة، ثم أردف: “ولم يكن الإقليم الشمالي ليتعرض لتلك المأساة.”
وامتلأت عينا كيسل بمشاعر معقدة يستعصي فهمها.
أخذت الكأس من تاليس مُكرهةً. بعيونٍ محمرّة، رمقته بنظرة لاذعة، ثم التفتت نحو نوڤين بنظرةٍ يائسة، غير أنّه بدا غير مُبالٍ.
“صحيح.”
(الجو بدأ يُصبح خانقًا.)
لا أحد يدري كم من الوقت مر. كان الملك الأعلى للكوكبة، كيسل جيدستار الخامس، ما يزال يحدق في الخلاء. ثم بصوت لا يُدركه عامة الناس بسهولة، قال ببطء:
صمت من يقف خلف الباب الحديدي في الحال.
“ذلك القاتل يدفع الآن ثمن فشل الاغتيال الذي جرّ كارثة لا توصف.”
ولاحت في عيني “الشقية الصغيرة” شرارة مألوفة. بدا أنها سمعت اسمه من قبل، فحدّقت في تاليس باهتمام خلف نظارتها.
“إنه مسجون إلى الأبد خلف قناع ملعون، ولن يرى ضوء النهار مجددًا.”
“كان والديّ مضطرّين.”
“سيذوق الوحدة التي لا تنتهي، والظلمة التي لا تنقشع، والألم الذي لا يخمد، والعذاب الأبدي.”
أضاء اللهب جانبه، ولم يبقَ في عيني ملك الكوكبة سوى الخواء.
“سيقضي محكوميته…”
أومأ لورد ميرك الواقف على مسافة غير بعيدة، وألقى نظرة تحذير على أليكس التي بدت مستعدة لافتعال مشهد آخر.
“بما تبقى من حياته الدنيئة…”
ضيّق تاليس عينيه، في حيرة.
“عن تلك الحرب المدمّرة…”
ثم تكلم بصوته الأكثر قتامة، صوت خرج من أعماق حلقه ممزوجًا بتمتمة مبهمة: “صحيح. كان ذلك خطتهم الأصلية. لكن بسبب حادث… قَدّموا موعد الغزو.”
“وعن الأرواح التي لا تُحصى، التي أثقلته دَيْنًا لا فكاك منه.”
استعاد ذكرى يوم انضمّ إلى حرّاس النصل الأبيض قبل عشرين عامًا. كان القائد مزلزل الأرض، كاسلان لامبارد، يطارد المجنّدين الجدد إلى الحقل بالسوط وسط الشتاء القارس. في ذلك الوقت، كان من يُقبَل في حرّاس النصل الأبيض في الغالب من المحاربين الأشِدّاء الذين جربوا الجبهات الأمامية.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أمّا الشقية الصغيرة، فبان الحماس في عينيها وهي تراقب حرّاس النصل الأبيض بوجوههم الصارمة.
واختلّت ملامحه قليلًا وهو يجبر عنقه على الإيماءة رغم الارتجاف، “لو أنّ إكستيدت انتظرت حتى مطلع الربيع قبل الهجوم، فحسبما أرى الآن… لكان لواء ضوء النجوم بقيادة جون سيصل دون شك إلى الشمال لدعم والدك والحصن.”
