مُروِّع
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان عرضه مترين، مما اضطر تاليس إلى فرشه أرضًا، وبسط ذراعيه لقراءته.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
رأى تاليس فورًا أنّ الخريطة كانت بالغة الإتقان. فقد استُخدمت ألوان وإشارات مختلفة لتحديد الجدران البيضاء، وأبراج الحراسة المنتشرة، والمقاليع الثقيلة المروّعة التي تدافع عن المدينة، وعدة نقاط ضيقة للدخول، وجميع المداخل والمخارج والممرات والغرف المهمة في المبنى…
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
نظر تاليس إليه بدهشة. “أ… كنت مستعدًا؟”
Arisu-san
أعاد الرجل السيف النظيف إلى حزامه، ثم أحكم السلاح المربوط على ظهره.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تبعَه غو بحركة ثقيلة وقال بعمق: “هل تعرف معنى كلمة ’محاربين متفوقين؟ ليست مجرد خوض معركة ورؤية دم. بحسب معايير إكستيدت… لو تورّطت مع أحدهم…”
الفصل 156: مُروِّع
(العقل… المدبّر؟)
…
وما إن سمع الملك لقبه واختياره للكلمات حتى بدا عليه تفكير عميق، ثم انفجر ضاحكًا.
نظر الأمير الثاني للكوكبة إلى الملك العجوز بدهشة.
وبوجه غمره الفزع، قرّب الخريطة إلى وجهه. حدّق في كل شبر منها بتركيز شديد، لا يترك تفصيلًا واحدًا بلا تمحيص.
“ومع ذلك، ها أنا ذا الآن.” استدار الملك نوڤين لينظر إليه. كان صوته هادئًا، غير أنّ عينيه انعكست فيهما افكار معقدة لاتنتهي. “احمل مستقبل أسرتك بأكمله على كتفيك بوصفك أمير الكوكبة.”
(تبديل الحراسة، عدد الحُرّاس، أماكن الاختباء السرية، نقاط الدخول الوظيفية، أوقات دوريات البابين الأمامي والخلفي، طرق الإخلاء…)
كبح تاليس توتره وزفر زفرة طويلة.
“أرأيت؟” —غمز الملك العجوز له— “أنت تتأقلم بسرعة.”
وعلى وجهه مسحة كآبة، قال: “ولَدَيَّ الاثنان… مصيرهما، أو لعلّي أقول شقاؤهما، كان متشابهًا على نحو لافت. ومع ذلك، يجب أن أقف هنا، أُقَلِّب أوراقي لأربح مستقبلًا لأسرة والتون.”
(رودولف نانشيستر؟)
وما إن سمع كلمات الملك نوڤين حتى هزّ تاليس رأسه في هدوء. “النبلاء والحكّام فصيلة أخرى من المخلوقات. إنهم يتنفسون السلطة—هكذا أخبرني بيوتراي.”
جلس تاليس بلا تعابير على الدرج، يلهث بلا وعي.
“فالأجدر بك أن تعتاد على ذلك بأسرع وقت، لمصلحتك.” احتفظ الملك نوڤين بملامحه الكئيبة، ليكشف عن وجهٍ صلب لكنه بارد.
تمطّى الرجل ومطّ مفاصله، ثم استدار نحو الباب.
أطبق تاليس جفنيه إطباقًا خفيفًا.
ثم مقبرة عائلة جيدستار في قصر النهضة.
تغيّرت ملامح الملك نوڤين.
ظلّ الرجل أمامه مطأطئ الرأس. كان على ركبتيه سيف أسود بالكامل غريب الشكل، ينظّفه بعناية تكاد تكون مهووسة.
ضَيَّق عينيه وألقى على تاليس نظرة غامضة.
Arisu-san
“وعلى ذكر ذلك، لم يخبرك أحد، أليس كذلك؟” شبك الملك العجوز يديه. “الحقيقة… بشأن ذلك ’العام الدموي’ خاصّتك…”
جلس تاليس بلا تعابير على الدرج، يلهث بلا وعي.
فتح تاليس عينيه بدهشة وحدّق في الملك نوڤين.
“ماذا قلت؟” ردّ رجل الشرق الأقصى وكأن شيئًا لم يحدث، وعلى وجهه علامات الاستفهام. “أيّ سبب؟”
كان أول ما تداعى إلى ذاكرته هو هستيريا الملكة كيا، ثم الاسمان: تشارلتون ودرع الظل.
كان أول ما تداعى إلى ذاكرته هو هستيريا الملكة كيا، ثم الاسمان: تشارلتون ودرع الظل.
ثم مقبرة عائلة جيدستار في قصر النهضة.
هزّ تاليس رأسه ببطء.
هزّ الأمير الثاني رأسه ببطء. “لم يقولوا الكثير.”
جلس تاليس بلا تعابير على الدرج، يلهث بلا وعي.
أطلق الملك نوڤين شخيرًا خفيفًا.
اضطرب قلب تاليس للحظة، لكنه تمالك نفسه سريعًا.
“في هذه الحال، ربّما لا ينبغي لي أن أقول الكثير.” أدار الملك رأسه. “من الأفضل ألا أتدخل في تعليم عائلة جيدستار.”
“ماذا تعني؟ أسبابه الخاصة؟” رفع تاليس رأسه.
(لقد تدخّلتَ كثيرًا بالفعل)، احتجّ تاليس ساخرًا في قلبه.
“كان يحمل سيفًا عجيبًا.”
(لكن…)
… لقصر النهضة خاصّتكم.”
(مملكة إكستيدت، هؤلاء الغزاة القادمون من الشمال، كانوا طرفًا مباشرًا في العام الدموي.)
تذكّر تاليس حديثه مع بيوتراي في ممر رايمان أثناء تكريمهم للأمير الثاني السابق، هوراس جيدستار.
فكّر تاليس سرًا: (لعلّه يعرف شيئًا؟)
(ذاك مسكن أسرة والتون، الأسرة العُظمى للآرشيدوقات في مدينة سحب التنين.)
“هل لديك أي خبر خاص لتبوح به لي، يا صاحب الجلالة؟” استخدم تاليس الألقاب بحذر وهزّ كتفيه. “أمّم، إن كنتَ حقًا تراني صهرك المُستقبلي…”
كبح تاليس توتره وزفر زفرة طويلة.
وما إن سمع الملك لقبه واختياره للكلمات حتى بدا عليه تفكير عميق، ثم انفجر ضاحكًا.
تعمّقت تجاعيد عبوس غو.
“أرأيت؟” —غمز الملك العجوز له— “أنت تتأقلم بسرعة.”
تذكّر تاليس كلمات غيلبرت.
ابتسم تاليس ابتسامة بشعة.
“ومع ذلك، ها أنا ذا الآن.” استدار الملك نوڤين لينظر إليه. كان صوته هادئًا، غير أنّ عينيه انعكست فيهما افكار معقدة لاتنتهي. “احمل مستقبل أسرتك بأكمله على كتفيك بوصفك أمير الكوكبة.”
“ستفهم الباقي من مُعلّميك، ومن الكوكبة، ومن أبيك.” مدّ الملك نوڤين مرفقه، وعلى وجهه مسحة غموض خفيف. “لكن يمكنني أن أخبرك بشيء واحد بوصفنا أحجارًا تابعة لحلفاء.”
(ذاك مسكن أسرة والتون، الأسرة العُظمى للآرشيدوقات في مدينة سحب التنين.)
“حتى دائرة الاستخبارات السرية في مملكتكم لا تعرف بهذا.”
(تجاوز طبقات من الحُرّاس والتسلل إلى قصر حصين لا يُخترق؟)
تغيّر تعبير تاليس.
كان أول ما تداعى إلى ذاكرته هو هستيريا الملكة كيا، ثم الاسمان: تشارلتون ودرع الظل.
(حتى دائرة الاستخبارات السرية لا تعرف؟)
ظلّ الملك نوڤين يثبت نظره عليه. تراءت في عينيه ألوان غريبة كأنها تتراقص.
تسارع نَفَسه.
… لقصر النهضة خاصّتكم.”
“من تظنّه سيكون مَن يرسل مثل هذا المغتال إلى العائلة الملكية جيدستار؟” ابتسم الملك نوڤين ابتسامة غامضة. “العقل المدبّر الحقيقي.”
وفي تلك اللحظة، كان غو وحده يعلم أنّ أمواجًا عاتية هاجت في قلبه.
بدأ الشك يلوح في قلب تاليس.
“لا أعلم. لم يفصّل رودولف.” حدّق الملك نوڤين في قدحه الفارغ. “لكنه ذكر أن قائد المرتزقة كان غريبًا…”
(العقل… المدبّر؟)
تنفّس غو بعمق، وبلهجته الشمالية المقلقلة في اللغة الشائعة، أكّد قائلًا: “سيلزمك أن تزحف صعودًا على السفح طوال الطريق، وتتجنب ضابط الإنضباط المناوب ليلًا ودوريات الشارع الرئيسي، وتقطع منطقتين للنبلاء يحرسهما جيش خاص، ثم تعبر طبقات من الأبراج والحُرّاس. وإن اكتشفوك فستُرمى بالمقاليع أو يُمزّق جسدك بالسيوف على أيدي مئات الرجال. قبل أن يحدث ذلك، عليك أن تندفع إلى البوابة الفاصلة بين منطقة المدينة وقصر الروح البطولية…”
(تلك المنظمة الغامضة من القتلة، وكذلك ’درع الظل’ الذي ذكره بوفريت من قبل؟)
تمامًا كما كان يفعل هو في الماضي.
أعطاه غيلبرت فكرة عامة مرة، لكنه لم يخبره سوى بأنّ الملك كيسل الخامس قد “ثأر بما استطاع”.
“آنذاك لاحظ رودولف بعض الخيوط.”
هزّ تاليس رأسه ببطء.
ثم مقبرة عائلة جيدستار في قصر النهضة.
“المنطق بسيط. بسيط إلى حدّ أنك قد لا تصدّقه.” حدّق الملك نوڤين فيه بعمق. “أفراد العائلة الملكية جيدستار تعرّضوا لعمليات اغتيال مُحكمة في وقت متقارب جدًا. ولم يكن هناك سوى استثناء واحد.”
تحيّر تاليس.
“لستُ متأكدًا من الحالات الأخرى، لكن لو أنّ خطته مضت بسلاسة، فسيبدو وكأنه الوحيد الذي استفاد من العام الدموي؟” قال الملك نوڤين بنبرة عجيبة.
“أظن أنّ له أسبابه الخاصة.” هزّ الملك نوڤين رأسه بلطف، وفي عينيه هُزال. “وهي أسباب وجيهة.”
(فرد من عائلة جيدستار… استثناء؟)
“لا أعرف شيئًا عن الصوفي الحسي، لكنني أفهمك أنت يا غو.” ارتسمت على وجه الرجل ابتسامة جامدة.
اضطرب قلب تاليس للحظة، لكنه تمالك نفسه سريعًا.
(فرد من عائلة جيدستار… استثناء؟)
“لستَ أول شخص يتّهم والدي في وجهي في محاولة لدقّ إسفين بيننا.” زفر تاليس باستخفاف.
(لكن…)
ظلّ الملك نوڤين يثبت نظره عليه. تراءت في عينيه ألوان غريبة كأنها تتراقص.
(هذا مستحيل.)
كانت نظرته تُثير رُعبًا خارجًا عن السيطرة في قلب تاليس.
بدأ الشك يلوح في قلب تاليس.
“فكر في الأمر، يا وصيّ سحب التنين المُستقبلي.” مرّت بضع ثوانٍ قبل أن يُعلّق الملك نوڤين ساخرًا: “أنا لا أعني والدك.”
“هوراس جيدستار، الأمير الثاني لمملكة الكوكبة، فخركم ومجدكم، سيف الضوء المعكوس. لقد جَنَّد سرًا، ونظّم ودَرَّب فرقة خاصة من المرتزقة من شتّى البلدان والمناطق. ذلك لأنه، إلى جانب الحرس النظامي وجيش جيدستار الخاص، كان الأمير هوراس مولعًا بصحبة النخب والشجعان. وعلى مدى سنوات، لم تتمكن الكوكبة من كشف ذلك حتى اليوم الذي استخدم فيه هوراس تلك الفرقة رسميًا.” قال الملك نوڤين.
قطّب تاليس حاجبيه وهو يزفر. “إذًا، من تتهم؟ قبل اثني عشر عامًا، كل أفراد جيدستار كانوا…”
“وكيف ستفعلها؟ أتراك ستسير ببساطة إلى الداخل أمام أعين حراس القصر داخلاً وخارجًا وفوق البوابة؟ تحت ضوء القمر ولهيب المشاعل؟ أتراك ستمرّ بجانب حراس اتسعت أعينهم أكثر من قبضاتهم؟” حاول غو ضبط أنفاسه، لكنه لم يستطع منع صوته من الارتفاع.
وفجأة، سرت رجفة في جسد تاليس. جَمُد في مكانه.
كانت الخريطة مُعَلَّمة أيضًا بأرقام وأشكال وأسهم متراصة بكثافة، من بوابة المبنى حتى عمقه الداخلي.
(مهلًا.)
تنفّس غو بعمق، وبلهجته الشمالية المقلقلة في اللغة الشائعة، أكّد قائلًا: “سيلزمك أن تزحف صعودًا على السفح طوال الطريق، وتتجنب ضابط الإنضباط المناوب ليلًا ودوريات الشارع الرئيسي، وتقطع منطقتين للنبلاء يحرسهما جيش خاص، ثم تعبر طبقات من الأبراج والحُرّاس. وإن اكتشفوك فستُرمى بالمقاليع أو يُمزّق جسدك بالسيوف على أيدي مئات الرجال. قبل أن يحدث ذلك، عليك أن تندفع إلى البوابة الفاصلة بين منطقة المدينة وقصر الروح البطولية…”
(بصرف النظر عن كيسل، كان هناك بالفعل واحد من جيدستار…)
“قبل اثني عشر عامًا، بعد أن اخترقنا حصن التنين المحطم، أسرنا رودولف نانشيستر.” قال الملك نوڤين بهدوء، مؤكدًا انتصاره.
(لم يمت بسبب اغتيال سياسي…)
إنها خريطة مبنى مربع الشكل مع منظر علوي وجانبي.
(جيدستار لم يُغتل.)
فتح تاليس عينيه بدهشة وحدّق في الملك نوڤين.
تذكّر تاليس كلمات غيلبرت.
“أأنت تريد ببساطة أن تدخل قصرًا منيعا يعجّ بالحراسة دون مساعدة من أحد في الداخل… ثم تجرّ أحدهم خارجًا…” زفر غو زفرة طويلة وفرك جبهته. “أنت حقًا مجنون.”
(في مأساة العام الدموي، كان هناك أمير واحد فقط لم تكن وفاته بالاغتيال.)
ارتجف غو قليلًا.
(لا يُعقل.)
قطّب تاليس حاجبيه وقبض يده تدريجيًا.
شعر تاليس بأن نبضه يتسارع.
“لِمَ قد يفعل شيئًا كهذا؟” تفلت السؤال من الأمير الثاني بلا وعي.
غشّت وجهه مسحة بيضاء كوجوه الموتى. حدّق في الملك نوڤين في ذهول.
وفي اللحظة التالية، اختفى ظله في التضاريس الثلجية…
“قبل اثني عشر عامًا، بعد أن اخترقنا حصن التنين المحطم، أسرنا رودولف نانشيستر.” قال الملك نوڤين بهدوء، مؤكدًا انتصاره.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
(رودولف نانشيستر؟)
(حتى دائرة الاستخبارات السرية لا تعرف؟)
بدأت المعلومات المتعلقة بهذا الاسم تطفو إلى سطح ذاكرته…
“لا أعرف شيئًا عن الصوفي الحسي، لكنني أفهمك أنت يا غو.” ارتسمت على وجه الرجل ابتسامة جامدة.
“كان دوق إقليم أرض المنحدرات آنذاك.” مرّر الملك نوڤين أصابعه على خاتمه وقال بنبرة باهتة: “كان رجلًا صلب الإرادة، لكن أهل الشمال ازدروا رفضه إرسال الجنود—فعلته الجبانة بمشاهدة دمار الأمير هوراس.”
“إنها ليلة المأدبة في قصر الروح البطولية اليوم.” رفع الرجل رأسه وضيّق عينيه نحو سيفه، كأنه يقيم انحناءه. بلغ صوته غير المعتاد مسامع غو وهو يقول: “ستُفتح تلك البوابة عند الفجر، لذا لن أحتاج إلى تسلّقها. مثل هذه الفرصة لا تُعوَّض.”
تذكّر تاليس حديثه مع بيوتراي في ممر رايمان أثناء تكريمهم للأمير الثاني السابق، هوراس جيدستار.
(حتى دائرة الاستخبارات السرية لا تعرف؟)
ذاك الدوق السابق لأرض المنحدرات—أحد المشرفين على حصن التنين المحطم، والذي شهد دمار الأمير الثاني—هو الأخ الأكبر لـ ’تنين العين الواحدة’، الدوق كوشدر نانشيستر.
“ومع ذلك، ها أنا ذا الآن.” استدار الملك نوڤين لينظر إليه. كان صوته هادئًا، غير أنّ عينيه انعكست فيهما افكار معقدة لاتنتهي. “احمل مستقبل أسرتك بأكمله على كتفيك بوصفك أمير الكوكبة.”
وبحسب نظرية بيوتراي، فقد أُسر من قِبَل إكستيدت ولاحقًا مات في السجن.
(لا يُعقل.)
“ألقيناه في الزنزانة ثم نسيناه. وانتظرنا قدوم الربيع وتابعنا المسير جنوبًا نحو قلب الكوكبة.” طابقت رواية الملك نوڤين ما ذكره بيوتراي.
“أنت بارع في إخفاء شتّى العواطف، لكنني أتعرف عليها…” ضغط الرجل على سيفه الأسود وهزّ رأسه بخفة. “الرجل الذي يعيش متقنعًا، يعيش مُعذّبًا.”
ثم تابع الملك: “لكن حين وصل خبر اغتيال العائلة الملكية جيدستار، تشبّث رودولف، الذي كان نصف ميت، بالحياة ليسعى للقائي.” ازدادت ملامح الملك نوڤين ثقلًا. “في الحصن، أخبرني بسر غير متوقّع وهو يجهش بالبكاء.”
سحب الملك نوڤين طرف ردائه وأخرج ورقة سميكة مطوية من الجيب الداخلي. قال ببرود: “وكذلك هذا الشيء الصغير.”
قبض تاليس يده يستمع صامتًا إلى رواية الملك.
اشتدّ بريق عيني الملك نوڤين.
“في الأيام التي كان رودولف وهوراس يحميان فيها حصن التنين المحطم معًا، أدرك دوق إقليم أرض المنحدرات أمرًا أقلقه حتى عجز عن النوم والطعام.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
اشتدّ بريق عيني الملك نوڤين.
بدأت المعلومات المتعلقة بهذا الاسم تطفو إلى سطح ذاكرته…
“هوراس جيدستار، الأمير الثاني لمملكة الكوكبة، فخركم ومجدكم، سيف الضوء المعكوس. لقد جَنَّد سرًا، ونظّم ودَرَّب فرقة خاصة من المرتزقة من شتّى البلدان والمناطق. ذلك لأنه، إلى جانب الحرس النظامي وجيش جيدستار الخاص، كان الأمير هوراس مولعًا بصحبة النخب والشجعان. وعلى مدى سنوات، لم تتمكن الكوكبة من كشف ذلك حتى اليوم الذي استخدم فيه هوراس تلك الفرقة رسميًا.” قال الملك نوڤين.
“ولنفترض أنّك لم تُنذرهم، فماذا بعد أن تتسلل إلى قصر الروح البطولية؟ عليك مواجهة حرّاس النصل الأبيض وحرس التنين الإمبراطوري! قد لا يتجاوز عددهم مئتين أو ثلاثمئة متفرقين في القصر، لكن جميعهم محاربون مخضرمون، ذوو خبرة واسعة في الخطوط الأمامية. وهناك عدد لا يُحصى من الخبراء المتفوقين، وحتى الفئة الفائقة، قاتل النجوم وسيفه ’قاطع الأرواح’”
“آنذاك لاحظ رودولف بعض الخيوط.”
“من كان أولئك الذين ضمّهم هوراس إلى فرقة المرتزقة؟” رفع تاليس رأسه وتمتم.
لم يستطع تاليس منع نفسه من التوتر.
هزّ ملك إكستيدت رأسه ودفعها إليه ثانية.
“لاحظ رودولف أنّ تلك الفرقة أُوكلت خلال ذلك العام بمهمة واحدة.” قال الملك بنبرة رتيبة وهو يلفظ كل كلمة: “أن يتسلّلوا خفية، ثم يختبئوا، ثم ينفذوا، وفي النهاية يغزوا حصنًا تُعَد بنيته الأكثر انغلاقًا، ووحدات حراسته الأكثر صرامة، ودفاعاته الأحصن، وكان مشهورًا بأنه الحصن الأكثر استحالة في الاقتحام.”
“لا أعرف شيئًا عن الصوفي الحسي، لكنني أفهمك أنت يا غو.” ارتسمت على وجه الرجل ابتسامة جامدة.
“هاه؟” تفلتت الكلمة من تاليس، مغمورًا بالذهول.
نظر تاليس إليه بدهشة. “أ… كنت مستعدًا؟”
(حصن؟)
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
ازداد شكّه عمقًا.
ثم جالت عيناه على أحياء مدينة سحب التنين الممتدة على السلسلة الجبلية. وعبرت نظراته عدة بوابات مدينة، ثم ارتقت إلى القمة، وأخيرًا استقرّت على القصر المهيب.
“حين قاد هوراس قواته لمهاجمة خط إمداداتنا وإزعاجه، اكتشف رودولف المرتاب أشياء كثيرة في غرفة الأمير هوراس.” أومأ الملك نوڤين وقد عقد حاجبيه بعمق. “وجد كل شيء: من رسائل مشفّرة إلى دفاتر حسابات سرية.”
“حتى دائرة الاستخبارات السرية في مملكتكم لا تعرف بهذا.”
سحب الملك نوڤين طرف ردائه وأخرج ورقة سميكة مطوية من الجيب الداخلي. قال ببرود: “وكذلك هذا الشيء الصغير.”
ثم مقبرة عائلة جيدستار في قصر النهضة.
نظر تاليس إليه بدهشة. “أ… كنت مستعدًا؟”
فتح تاليس عينيه بدهشة وحدّق في الملك نوڤين.
لم يقل الملك نوڤين شيئًا، بل لوّح بالورقة المطوية في يده.
… لقصر النهضة خاصّتكم.”
تنفّس تاليس بعمق وكبح ارتجاف يده. أخذ الورقة المطوية وبسطها.
“كان دوق إقليم أرض المنحدرات آنذاك.” مرّر الملك نوڤين أصابعه على خاتمه وقال بنبرة باهتة: “كان رجلًا صلب الإرادة، لكن أهل الشمال ازدروا رفضه إرسال الجنود—فعلته الجبانة بمشاهدة دمار الأمير هوراس.”
كان الورق من مادة جيدة. ناعمًا وثابتًا تحت اللمس، وكأنه صُنع ليبقى طويلًا.
(حتى دائرة الاستخبارات السرية لا تعرف؟)
كان عرضه مترين، مما اضطر تاليس إلى فرشه أرضًا، وبسط ذراعيه لقراءته.
“يمكنك استخدام هذه المعلومة كورقة مساومة. استخدمها عند الضرورة.” همس الملك نوڤين. “جبان طالته الشتائم طويلًا، دوق أرض المنحدرات الذي لم يرسل الإمداد في أوقات الشدة، قد أسيء فهمه زمنًا طويلًا…”
كانت هناك صورة لخريطة على الورق.
“ستفهم مع الوقت. سيخبرك والدك بسبب حدوث العام الدموي.” قال الملك نوڤين ساخرًا، لكن تاليس شعر بأن سُخرية الملك كانت مشوبة بحزن أكثر من الاستهزاء.
إنها خريطة مبنى مربع الشكل مع منظر علوي وجانبي.
اضطرب نَفَس تاليس وهو يستعيد مقبرة عائلة جيدستار في قصر النهضة، جرة الحجر الضخمة الخاصة بآيدي الثاني والجرار الصغيرة إلى جانبها.
رأى تاليس فورًا أنّ الخريطة كانت بالغة الإتقان. فقد استُخدمت ألوان وإشارات مختلفة لتحديد الجدران البيضاء، وأبراج الحراسة المنتشرة، والمقاليع الثقيلة المروّعة التي تدافع عن المدينة، وعدة نقاط ضيقة للدخول، وجميع المداخل والمخارج والممرات والغرف المهمة في المبنى…
ثم جالت عيناه على أحياء مدينة سحب التنين الممتدة على السلسلة الجبلية. وعبرت نظراته عدة بوابات مدينة، ثم ارتقت إلى القمة، وأخيرًا استقرّت على القصر المهيب.
انقبضت حدقتا تاليس على الفور!
نظر الأمير الثاني للكوكبة إلى الملك العجوز بدهشة.
(هذا… أيمكن أن يكون…)
تمامًا كما كان يفعل هو في الماضي.
وبوجه غمره الفزع، قرّب الخريطة إلى وجهه. حدّق في كل شبر منها بتركيز شديد، لا يترك تفصيلًا واحدًا بلا تمحيص.
ظلّ واقفًا مدهوشًا وهو يراقب الرجل يختفي عبر الباب في ظلمة عميقة.
كانت الخريطة مُعَلَّمة أيضًا بأرقام وأشكال وأسهم متراصة بكثافة، من بوابة المبنى حتى عمقه الداخلي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
قرأ الكلمات المكتوبة عليها، غير مصدِّق.
(حتى دائرة الاستخبارات السرية لا تعرف؟)
(تبديل الحراسة، عدد الحُرّاس، أماكن الاختباء السرية، نقاط الدخول الوظيفية، أوقات دوريات البابين الأمامي والخلفي، طرق الإخلاء…)
(فرقة المرتزقة.)
تحيّر تاليس.
نظر الأمير الثاني للكوكبة إلى الملك العجوز بدهشة.
(لا.)
تغيّرت ملامح الملك نوڤين.
(هذا مستحيل.)
“ومن البداية حتى النهاية، كان رودولف نانشيستر هو المخلص حقًا لآيدي الثاني.”
وبعد دقائق قليلة، نهض الأمير الثاني للكوكبة برفق. لم تكن الدهشة والذهول قد زالتا عن وجهه بعد.
“أرأيت؟” —غمز الملك العجوز له— “أنت تتأقلم بسرعة.”
راقب الملك نوڤين ملامحه.
تعمّقت تجاعيد عبوس غو.
“نظرًا لحربنا المستمرة مع الكوكبة، أبقيت هذا سرًا. أخذت رودولف إلى الحجز في مدينة سحب التنين حتى مات في السجن.” أطلق الملك نوڤين، الذي أفشى للتو سرًا مرعبًا، زفرة طويلة.
“وفوق ذلك، إنها خريطة…
“يمكنك استخدام هذه المعلومة كورقة مساومة. استخدمها عند الضرورة.” همس الملك نوڤين. “جبان طالته الشتائم طويلًا، دوق أرض المنحدرات الذي لم يرسل الإمداد في أوقات الشدة، قد أسيء فهمه زمنًا طويلًا…”
تذكّر تاليس كلمات غيلبرت.
“ومن البداية حتى النهاية، كان رودولف نانشيستر هو المخلص حقًا لآيدي الثاني.”
وما إن سمع الملك لقبه واختياره للكلمات حتى بدا عليه تفكير عميق، ثم انفجر ضاحكًا.
لفّ تاليس الخريطة وهو يزداد عُبوسًا.
(هوراس جيدستار.)
(هوراس جيدستار.)
عجز عن الكلام من فرط هول هذا السر.
(فرقة المرتزقة.)
شعر تاليس بأن نبضه يتسارع.
(رودولف نانشيستر.)
وبحسب نظرية بيوتراي، فقد أُسر من قِبَل إكستيدت ولاحقًا مات في السجن.
(كيف يكون هذا؟)
رأى تاليس فورًا أنّ الخريطة كانت بالغة الإتقان. فقد استُخدمت ألوان وإشارات مختلفة لتحديد الجدران البيضاء، وأبراج الحراسة المنتشرة، والمقاليع الثقيلة المروّعة التي تدافع عن المدينة، وعدة نقاط ضيقة للدخول، وجميع المداخل والمخارج والممرات والغرف المهمة في المبنى…
“حتى والدك على الأرجح لا يعلم بهذه المعلومة.” زفر الملك نوڤين. “بمعنى ما، نحن أهل إكستيدت قد قضينا على المُغتالين بالنيابة عنكم—قد ترغب في شكر نيكولاس.”
(لا يُعقل.)
اضطرب نَفَس تاليس وهو يستعيد مقبرة عائلة جيدستار في قصر النهضة، جرة الحجر الضخمة الخاصة بآيدي الثاني والجرار الصغيرة إلى جانبها.
تمطّى الرجل ومطّ مفاصله، ثم استدار نحو الباب.
ولم يستفق من ذهوله إلّا بعد حين.
أطبق تاليس جفنيه إطباقًا خفيفًا.
“لا أظن أنك كنت لترسُم هذه الخريطة تزييفًا.” قال تاليس شاردًا.
“في الأيام التي كان رودولف وهوراس يحميان فيها حصن التنين المحطم معًا، أدرك دوق إقليم أرض المنحدرات أمرًا أقلقه حتى عجز عن النوم والطعام.”
“ما رأيك؟” قال الملك نوڤين باستخفاف، ثم تبع كلماته بأن فرغ قدحه جرعة واحدة.
…
“من كان أولئك الذين ضمّهم هوراس إلى فرقة المرتزقة؟” رفع تاليس رأسه وتمتم.
(تلك المنظمة الغامضة من القتلة، وكذلك ’درع الظل’ الذي ذكره بوفريت من قبل؟)
“لا أعلم. لم يفصّل رودولف.” حدّق الملك نوڤين في قدحه الفارغ. “لكنه ذكر أن قائد المرتزقة كان غريبًا…”
“أظن أنّ له أسبابه الخاصة.” هزّ الملك نوڤين رأسه بلطف، وفي عينيه هُزال. “وهي أسباب وجيهة.”
“كان يحمل سيفًا عجيبًا.”
راقب الملك نوڤين ملامحه.
جلس تاليس بلا تعابير على الدرج، يلهث بلا وعي.
“ولنفترض أنّك لم تُنذرهم، فماذا بعد أن تتسلل إلى قصر الروح البطولية؟ عليك مواجهة حرّاس النصل الأبيض وحرس التنين الإمبراطوري! قد لا يتجاوز عددهم مئتين أو ثلاثمئة متفرقين في القصر، لكن جميعهم محاربون مخضرمون، ذوو خبرة واسعة في الخطوط الأمامية. وهناك عدد لا يُحصى من الخبراء المتفوقين، وحتى الفئة الفائقة، قاتل النجوم وسيفه ’قاطع الأرواح’”
عجز عن الكلام من فرط هول هذا السر.
(لقد تدخّلتَ كثيرًا بالفعل)، احتجّ تاليس ساخرًا في قلبه.
“لِمَ قد يفعل شيئًا كهذا؟” تفلت السؤال من الأمير الثاني بلا وعي.
(تلك المنظمة الغامضة من القتلة، وكذلك ’درع الظل’ الذي ذكره بوفريت من قبل؟)
“أظن أنّ له أسبابه الخاصة.” هزّ الملك نوڤين رأسه بلطف، وفي عينيه هُزال. “وهي أسباب وجيهة.”
“ستفهم الباقي من مُعلّميك، ومن الكوكبة، ومن أبيك.” مدّ الملك نوڤين مرفقه، وعلى وجهه مسحة غموض خفيف. “لكن يمكنني أن أخبرك بشيء واحد بوصفنا أحجارًا تابعة لحلفاء.”
“ماذا تعني؟ أسبابه الخاصة؟” رفع تاليس رأسه.
في تلك اللحظة، تجمّد غو.
“ستفهم مع الوقت. سيخبرك والدك بسبب حدوث العام الدموي.” قال الملك نوڤين ساخرًا، لكن تاليس شعر بأن سُخرية الملك كانت مشوبة بحزن أكثر من الاستهزاء.
“أنت بارع في إخفاء شتّى العواطف، لكنني أتعرف عليها…” ضغط الرجل على سيفه الأسود وهزّ رأسه بخفة. “الرجل الذي يعيش متقنعًا، يعيش مُعذّبًا.”
“مأساة جيدستار.”
استعاد الرجل كلمات غو.
قطّب تاليس حاجبيه وقبض يده تدريجيًا.
“احتفظ بها. هذا الشيء شديد الشؤم.”
وبعد ثوانٍ، أرخى قبضته ببطء.
(لا.)
أطرق تاليس رأسه وزفر. سلّم الورقة بمرارة للملك نوڤين.
“حتى والدك على الأرجح لا يعلم بهذه المعلومة.” زفر الملك نوڤين. “بمعنى ما، نحن أهل إكستيدت قد قضينا على المُغتالين بالنيابة عنكم—قد ترغب في شكر نيكولاس.”
“احتفظ بها. هذا الشيء شديد الشؤم.”
“كان دوق إقليم أرض المنحدرات آنذاك.” مرّر الملك نوڤين أصابعه على خاتمه وقال بنبرة باهتة: “كان رجلًا صلب الإرادة، لكن أهل الشمال ازدروا رفضه إرسال الجنود—فعلته الجبانة بمشاهدة دمار الأمير هوراس.”
هزّ ملك إكستيدت رأسه ودفعها إليه ثانية.
سحب الملك نوڤين طرف ردائه وأخرج ورقة سميكة مطوية من الجيب الداخلي. قال ببرود: “وكذلك هذا الشيء الصغير.”
“وفوق ذلك، إنها خريطة…
كانت الخريطة مُعَلَّمة أيضًا بأرقام وأشكال وأسهم متراصة بكثافة، من بوابة المبنى حتى عمقه الداخلي.
… لقصر النهضة خاصّتكم.”
وفجأة، سرت رجفة في جسد تاليس. جَمُد في مكانه.
…..
(هذا… أيمكن أن يكون…)
مدينة سحب التنين، الرابعة والنصف فجرًا.
وبحسب نظرية بيوتراي، فقد أُسر من قِبَل إكستيدت ولاحقًا مات في السجن.
تحت سماء الليل شديدة الحُلكة، في دكان بمحاذاة شارع الغرب السريع.
ثم جالت عيناه على أحياء مدينة سحب التنين الممتدة على السلسلة الجبلية. وعبرت نظراته عدة بوابات مدينة، ثم ارتقت إلى القمة، وأخيرًا استقرّت على القصر المهيب.
“لنفترض أن الطبيب الذي تبحث عنه موجود فعلًا في قصر الروح البطولية—الإله وحده يعلم كيف ستتسلل إليه.” قال “غو” صاحب محل اللحوم من أقصى الشرق، مكفهرًّا تحت ضوء مصباح أبدي باهت، للرجل الواقف أمامه. “لكن هل تفهم ثمن إنقاذ شخص من قصر الروح البطولية؟”
“المنطق بسيط. بسيط إلى حدّ أنك قد لا تصدّقه.” حدّق الملك نوڤين فيه بعمق. “أفراد العائلة الملكية جيدستار تعرّضوا لعمليات اغتيال مُحكمة في وقت متقارب جدًا. ولم يكن هناك سوى استثناء واحد.”
ظلّ الرجل أمامه مطأطئ الرأس. كان على ركبتيه سيف أسود بالكامل غريب الشكل، ينظّفه بعناية تكاد تكون مهووسة.
(رودولف نانشيستر.)
تنفّس غو بعمق، وبلهجته الشمالية المقلقلة في اللغة الشائعة، أكّد قائلًا: “سيلزمك أن تزحف صعودًا على السفح طوال الطريق، وتتجنب ضابط الإنضباط المناوب ليلًا ودوريات الشارع الرئيسي، وتقطع منطقتين للنبلاء يحرسهما جيش خاص، ثم تعبر طبقات من الأبراج والحُرّاس. وإن اكتشفوك فستُرمى بالمقاليع أو يُمزّق جسدك بالسيوف على أيدي مئات الرجال. قبل أن يحدث ذلك، عليك أن تندفع إلى البوابة الفاصلة بين منطقة المدينة وقصر الروح البطولية…”
“كان يحمل سيفًا عجيبًا.”
نهض الرجل وأسقط قطعة القماش التي كان يمسح بها سلاحه. رفع السيف الأسود الغريب وأشاره نحو السقف.
كان أول ما تداعى إلى ذاكرته هو هستيريا الملكة كيا، ثم الاسمان: تشارلتون ودرع الظل.
تابع غو: “وتتسلق فورًا البوابة التي يبلغ ارتفاعها عشرة أمتار…”
لكن غو لم يتوقف عن محاولة منعه.
“إنها ليلة المأدبة في قصر الروح البطولية اليوم.” رفع الرجل رأسه وضيّق عينيه نحو سيفه، كأنه يقيم انحناءه. بلغ صوته غير المعتاد مسامع غو وهو يقول: “ستُفتح تلك البوابة عند الفجر، لذا لن أحتاج إلى تسلّقها. مثل هذه الفرصة لا تُعوَّض.”
الفصل 156: مُروِّع
“وكيف ستفعلها؟ أتراك ستسير ببساطة إلى الداخل أمام أعين حراس القصر داخلاً وخارجًا وفوق البوابة؟ تحت ضوء القمر ولهيب المشاعل؟ أتراك ستمرّ بجانب حراس اتسعت أعينهم أكثر من قبضاتهم؟” حاول غو ضبط أنفاسه، لكنه لم يستطع منع صوته من الارتفاع.
“وعلى ذكر ذلك، لم يخبرك أحد، أليس كذلك؟” شبك الملك العجوز يديه. “الحقيقة… بشأن ذلك ’العام الدموي’ خاصّتك…”
“وحتى لو اخترقت البوابة، فستواجه عددًا لا يُحصى من حراس القصر—كلهم نخبة مختارة من التجنيد المحلي، وقد تدرّبوا على يد مُدرّب حرّاس النصل الأبيض. شرسون، مُخلصون، شجعان، يقظون، حادّو البصيرة—”
(هوراس جيدستار.)
أعاد الرجل السيف النظيف إلى حزامه، ثم أحكم السلاح المربوط على ظهره.
“نظرًا لحربنا المستمرة مع الكوكبة، أبقيت هذا سرًا. أخذت رودولف إلى الحجز في مدينة سحب التنين حتى مات في السجن.” أطلق الملك نوڤين، الذي أفشى للتو سرًا مرعبًا، زفرة طويلة.
لكن غو لم يتوقف عن محاولة منعه.
“وأيضًا، انقل تحياتي إلى مورات—لم نلتق منذ اثني عشر عامًا، أفتقده حقًا.”
“ولنفترض أنّك لم تُنذرهم، فماذا بعد أن تتسلل إلى قصر الروح البطولية؟ عليك مواجهة حرّاس النصل الأبيض وحرس التنين الإمبراطوري! قد لا يتجاوز عددهم مئتين أو ثلاثمئة متفرقين في القصر، لكن جميعهم محاربون مخضرمون، ذوو خبرة واسعة في الخطوط الأمامية. وهناك عدد لا يُحصى من الخبراء المتفوقين، وحتى الفئة الفائقة، قاتل النجوم وسيفه ’قاطع الأرواح’”
أعاد الرجل السيف النظيف إلى حزامه، ثم أحكم السلاح المربوط على ظهره.
تمطّى الرجل ومطّ مفاصله، ثم استدار نحو الباب.
“ستفهم الباقي من مُعلّميك، ومن الكوكبة، ومن أبيك.” مدّ الملك نوڤين مرفقه، وعلى وجهه مسحة غموض خفيف. “لكن يمكنني أن أخبرك بشيء واحد بوصفنا أحجارًا تابعة لحلفاء.”
تبعَه غو بحركة ثقيلة وقال بعمق: “هل تعرف معنى كلمة ’محاربين متفوقين؟ ليست مجرد خوض معركة ورؤية دم. بحسب معايير إكستيدت… لو تورّطت مع أحدهم…”
لم يُعره الرجل اهتمامًا. وضع يده على الباب فيما تدفقت داخله قوة غريبة.
لم يُعره الرجل اهتمامًا. وضع يده على الباب فيما تدفقت داخله قوة غريبة.
(هذا مستحيل.)
وفي تلك اللحظة، رأى كل ما يجري في الشارع خارجًا، من الدوريات البعيدة إلى الكلاب القريبة.
تذكّر تاليس حديثه مع بيوتراي في ممر رايمان أثناء تكريمهم للأمير الثاني السابق، هوراس جيدستار.
“أأنت تريد ببساطة أن تدخل قصرًا منيعا يعجّ بالحراسة دون مساعدة من أحد في الداخل… ثم تجرّ أحدهم خارجًا…” زفر غو زفرة طويلة وفرك جبهته. “أنت حقًا مجنون.”
هزّ ملك إكستيدت رأسه ودفعها إليه ثانية.
لم يردّ الرجل. نهض، وألقى نظرة على غو المقطّب الجبين، ثم أومأ.
قطّب تاليس حاجبيه وهو يزفر. “إذًا، من تتهم؟ قبل اثني عشر عامًا، كل أفراد جيدستار كانوا…”
“غو، ابحث عن سبب أفضل في المرة المقبلة عندما تريد أن تكذب عليّ—على الأقل لا تستخدم الصوفي الحسي.” قالها بلهجة خافتة.
“وفوق ذلك، إنها خريطة…
تجمّد غو، وبدا على وجهه ارتباك.
بدأت المعلومات المتعلقة بهذا الاسم تطفو إلى سطح ذاكرته…
“ماذا؟”
ظلّ الملك نوڤين يثبت نظره عليه. تراءت في عينيه ألوان غريبة كأنها تتراقص.
وفي تلك اللحظة، كان غو وحده يعلم أنّ أمواجًا عاتية هاجت في قلبه.
(ذاك مسكن أسرة والتون، الأسرة العُظمى للآرشيدوقات في مدينة سحب التنين.)
“ماذا قلت؟” ردّ رجل الشرق الأقصى وكأن شيئًا لم يحدث، وعلى وجهه علامات الاستفهام. “أيّ سبب؟”
ثم استدار الرجل، ودفع الباب وقال آخر كلماته:
ربّت الرجل على كتف غو.
اضطرب نَفَس تاليس وهو يستعيد مقبرة عائلة جيدستار في قصر النهضة، جرة الحجر الضخمة الخاصة بآيدي الثاني والجرار الصغيرة إلى جانبها.
تعمّقت تجاعيد عبوس غو.
ارتجف غو قليلًا.
“لا أعرف شيئًا عن الصوفي الحسي، لكنني أفهمك أنت يا غو.” ارتسمت على وجه الرجل ابتسامة جامدة.
“ماذا؟”
ارتجف غو قليلًا.
…
“أنت بارع في إخفاء شتّى العواطف، لكنني أتعرف عليها…” ضغط الرجل على سيفه الأسود وهزّ رأسه بخفة. “الرجل الذي يعيش متقنعًا، يعيش مُعذّبًا.”
“آنذاك لاحظ رودولف بعض الخيوط.”
قبض غو يديه تحت كُمّيه.
ضَيَّق عينيه وألقى على تاليس نظرة غامضة.
ثم استدار الرجل، ودفع الباب وقال آخر كلماته:
نظر الأمير الثاني للكوكبة إلى الملك العجوز بدهشة.
“وأيضًا، انقل تحياتي إلى مورات—لم نلتق منذ اثني عشر عامًا، أفتقده حقًا.”
“ماذا قلت؟” ردّ رجل الشرق الأقصى وكأن شيئًا لم يحدث، وعلى وجهه علامات الاستفهام. “أيّ سبب؟”
في تلك اللحظة، تجمّد غو.
“وأيضًا، انقل تحياتي إلى مورات—لم نلتق منذ اثني عشر عامًا، أفتقده حقًا.”
ظلّ واقفًا مدهوشًا وهو يراقب الرجل يختفي عبر الباب في ظلمة عميقة.
قرأ الكلمات المكتوبة عليها، غير مصدِّق.
تمامًا كما كان يفعل هو في الماضي.
كانت الخريطة مُعَلَّمة أيضًا بأرقام وأشكال وأسهم متراصة بكثافة، من بوابة المبنى حتى عمقه الداخلي.
بعد دقيقة، ظهر ظلّ الرجل فوق سطح بيت منخفض.
ضَيَّق عينيه وألقى على تاليس نظرة غامضة.
كان الثلج يمتد أمامه بلا نهاية. رفع الرجل رأسه، ونظر نحو السماء، وألقى ببصره على القمر المعتم المحجوب بالغيوم.
كانت هناك صورة لخريطة على الورق.
ثم جالت عيناه على أحياء مدينة سحب التنين الممتدة على السلسلة الجبلية. وعبرت نظراته عدة بوابات مدينة، ثم ارتقت إلى القمة، وأخيرًا استقرّت على القصر المهيب.
بعد دقيقة، ظهر ظلّ الرجل فوق سطح بيت منخفض.
(ذاك مسكن أسرة والتون، الأسرة العُظمى للآرشيدوقات في مدينة سحب التنين.)
كان عرضه مترين، مما اضطر تاليس إلى فرشه أرضًا، وبسط ذراعيه لقراءته.
وهو أيضًا مقر الملك المُنتخب من الشعب في إكستيدت.
ربّت بخفة على السيف الأسود عند خصره، وانفرجت شفتاه بابتسامة.
(قصر الروح البطولية.)
“احتفظ بها. هذا الشيء شديد الشؤم.”
استعاد الرجل كلمات غو.
ظلّ الملك نوڤين يثبت نظره عليه. تراءت في عينيه ألوان غريبة كأنها تتراقص.
(تجاوز طبقات من الحُرّاس والتسلل إلى قصر حصين لا يُخترق؟)
“فكر في الأمر، يا وصيّ سحب التنين المُستقبلي.” مرّت بضع ثوانٍ قبل أن يُعلّق الملك نوڤين ساخرًا: “أنا لا أعني والدك.”
ربّت بخفة على السيف الأسود عند خصره، وانفرجت شفتاه بابتسامة.
لم يُعره الرجل اهتمامًا. وضع يده على الباب فيما تدفقت داخله قوة غريبة.
(هايـه.)
“من تظنّه سيكون مَن يرسل مثل هذا المغتال إلى العائلة الملكية جيدستار؟” ابتسم الملك نوڤين ابتسامة غامضة. “العقل المدبّر الحقيقي.”
(في هذا الشأن…) أغمض الرجل عينيه.
وما إن سمع كلمات الملك نوڤين حتى هزّ تاليس رأسه في هدوء. “النبلاء والحكّام فصيلة أخرى من المخلوقات. إنهم يتنفسون السلطة—هكذا أخبرني بيوتراي.”
(أنا صاحب خبرة طويلة.)
“كان دوق إقليم أرض المنحدرات آنذاك.” مرّر الملك نوڤين أصابعه على خاتمه وقال بنبرة باهتة: “كان رجلًا صلب الإرادة، لكن أهل الشمال ازدروا رفضه إرسال الجنود—فعلته الجبانة بمشاهدة دمار الأمير هوراس.”
وفي اللحظة التالية، اختفى ظله في التضاريس الثلجية…
تغيّر تعبير تاليس.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ما رأيك؟” قال الملك نوڤين باستخفاف، ثم تبع كلماته بأن فرغ قدحه جرعة واحدة.
انقبضت حدقتا تاليس على الفور!
