خيانة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
شعر تاليس بارتجافة الشقية الصغيرة خلفه مرة أخرى.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ثم، شيئًا فشيئًا، أغلقت أليكس والتون، الوريثة الوحيدة لعائلة والتون، عينيها. تراخى جسدها وتوقفت عن الارتعاش. سقطت يدها إلى جانبها وراحت تتأرجح في الهواء. مال رأسها إلى أحد الجانبين، مواجهًا الشقية الصغيرة. وحين رأت الأخيرة وجه سيدتها، صرخت وانهارت على ردفيها.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
ثم، شيئًا فشيئًا، أغلقت أليكس والتون، الوريثة الوحيدة لعائلة والتون، عينيها. تراخى جسدها وتوقفت عن الارتعاش. سقطت يدها إلى جانبها وراحت تتأرجح في الهواء. مال رأسها إلى أحد الجانبين، مواجهًا الشقية الصغيرة. وحين رأت الأخيرة وجه سيدتها، صرخت وانهارت على ردفيها.
Arisu-san
“آآآاه! لااا!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ميرك”، توسّلت حفيدة الملك بصوت خافت، “أنا—”
الفصل 158: الخيانة
شدّت الشقية الصغيرة على ذراع تاليس، اختبأت خلفه، وعضّت على أسنانها، تتابع التبادل بين الملك وإداريّه بعدم تصديق.
….
شهق تاليس، محدّقًا في ذلك المحارب ذي التسريحة القصيرة.
امتلأت قاعة الأبطال بالصمت.
(…”نحن في عصر حديث، يا أختي! لا تقارني أنفسنا بهم!”…)
“تعلم، يا تاليس، عندما رحل سوريا…”
“مرّة، في أرض الحراسة الثامنة والثلاثين، زحف تجاهي بذراعٍ مكسورة فقط ليصدّ عني ضربة مطرقة قاتلة! وعندما مرضت أمي، وجاءت أختي إلى المدينة تستنجد بي، كان هو من استدعى الطبيب وأنقذ حياة أمي!”
وبينما كان يراقب الملك نوڤين، حاول تاليس أن يهدّئ نفسه.
“بعد ولادة أليكس بفترة قصيرة، بدأ سوريا يشكّ فينا. ولم يمضِ وقت طويل حتى عرف الحقيقة…” مسح الإداري خصلةً من شعر ابنته الميتة. وانكسر صوته. “رأيتُ الألم والحيرة في عينيه. تمنّيتُ لو يطعنني حتى الموت…”
“الغضب، الجنون، الكراهية… دفعتني إلى نشر غضب عائلة والتون ومدينة سحب التنين.” حدّق الملك العجوز في تاليس شاردًا، كأنه ينظر من خلاله إلى عالم آخر. “مقارنة بذلك، بدا نفعُ غزو الكوكبة أقل أهمية.”
شهق تاليس عميقًا، يحاول استيعاب ما سمعه للتو.
لم يرد تاليس. في الحقيقة، بدا أيّ ردّ لطيف في هذا الوقت غير مناسب.
شعر تاليس بشدّة على ذراعه. كانت الشقية الصغيرة، ترتجف من جديد. لم يجد أمامه سوى أن يقبض على يدها مواسيًا.
رفع الملك نوڤين بصره نحو ميرك الذي بدا محطّمًا.
“لم يكن ينبغي لها مغادرة كاموس، مدينة الكرمة، والخُضرة والسماء الزرقاء التي كانت تعشقها. مكانها هناك!”
“ميرك، لماذا لم تحمه؟ لماذا لم تحمِ سوريا؟” اسودّ وجه الملك. “أنت من حرس النصل الأبيض. كان ينبغي أن تكون إلى جانبه، ضامنًا سلامته.”
(لماذا؟ هذا مستحيل. كيف؟)
طأطأ ميرك رأسه. تعمّق الأسى في ملامحه.
فتحت أليكس فمها وأغلقته. سال العرق البارد على خديها. التوت ملامحها ألمًا. فتحت فمها على اتساعه، تلهث كأنها تختنق. ما خرج منها كان صفيرًا مُنذرًا بالسوء: “هاه… هسس…”
بدت أليكس منزعجة من هذا الموضوع. نظرت خلسة إلى الملك نوڤين المفعم بالحزن، ثم إلى ميرك اليائس. تسارعت أنفاسها، بينما ظلّت الشقية الصغيرة أكثر هدوءًا.
جعلت تلك الكلمات الباردة المروعة استغاثة تاليس تتجمد في حلقه.
“ميرك”، توسّلت حفيدة الملك بصوت خافت، “أنا—”
“أنا…” نظر ميرك إلى ابنته الميتة بين ذراعيه، والدموع تنهمر بلا توقف. “الأمير سوريا… سوريا كان أعظم رفيق. كنت أُضحّي بحياتي لأجله!” زمجر. “تدرّبنا معًا على يد كاسلان لنصبح أشرس المحاربين في حرّاس النصل الأبيض!”
“ليس الآن، يا سيدتي أليكس!” أسكتها ميرك وهو يطبق جفنيه، يلهث بشدة.
لم يرد تاليس. في الحقيقة، بدا أيّ ردّ لطيف في هذا الوقت غير مناسب.
شحب وجه أليكس وتراجعت خطوة. عضّت شفتيها وارتجف صدرها. قبضت فجأة على يد الشقية الصغيرة، ففزعت الأخيرة.
أظلمت نظرة تاليس. وطفا على سطح ذاكرته شذرة من الماضي.
“لم أستطع أن أبوح بحقيقة وفاة الأمير سوريا.” عضّ اللورد ميرك على أسنانه بأسى. “يا صاحب الجلالة، لقد عفوت عن خطئي. ولم يعاقبني نيكولاس إلا بسجني بضعة أيام مراعاةً للبروتوكول. لكن طيلة السنوات الاثنتي عشرة الماضية، كان الذنب…”
“الغضب، الجنون، الكراهية… دفعتني إلى نشر غضب عائلة والتون ومدينة سحب التنين.” حدّق الملك العجوز في تاليس شاردًا، كأنه ينظر من خلاله إلى عالم آخر. “مقارنة بذلك، بدا نفعُ غزو الكوكبة أقل أهمية.”
“ذلك الذنب يعذّبني… في كل لحظة من كل يوم.”
(…”لا، لحظة، هل يعني… أوهوهوهو، لماذا احمرّ وجهك؟”…)
حدّق الملك نوڤين فيه طويلًا دون أن ينطق، ثم زفر.
“نعم.” غير أن الملك نوڤين بدا غارقًا في ذكرياته. تاه بصره، وكأنه لم يسمع ميرك، وأكمل: “أتذكر أنكما كنتما صديقين حميمين، قريبين كالأخوة. تذهبان حيث يذهب — إلى ساحة المعركة، أو إلى المآدب —”
“نعم.” حرّك الملك العجوز الكأس في يده. “لم يكن لدي سبب لمعاقبتك. بل إني ائتمنتك على كل شيء، بل ورقّيتك إلى منصب المدير الإمبراطوري.”
“تعلم، يا تاليس، عندما رحل سوريا…”
“لأنني أعلم”، قال الملك نوڤين كئيبًا بملامح قاتمة، “أنك كنت الشخص الذي وثق به سوريا أكثر من أي أحد. لقد ائتمنك على حياته وعلى سلامة أسرته.”
وكأنما ليبرهن على صحة كلماته، في اللحظة التالية، ارتد رأس أليكس بعنف. وكادت رقبتها أن تنقطع.
ارتعش المدير. انحنى واضعًا قبضته اليمنى على صدره وقال: “سأكرّس ما تبقى من حياتي لك، وللسيدة أليكس، ولعائلة والتون، ولمدينة سحب التنين.”
(…”ماذا بحق الجحيم؟ علاقات محرّمة؟ يا له من أمر شيّق…”…)
أطلق تاليس زفرة صغيرة.
“أما سوريا، فكان رفيقًا عظيمًا، ومحاربًا جسورًا، لكنه لم يكن يهتم بالنساء قط… لم يكن يهمّه إن كانت امرأة ليل، أو أسيرة حرب، أو خادمة، أو امرأة من النبلاء—كلهن عنده سواء…” بكى ميرك، ملقيًا وجهه على وجه أليكس.
وفي تلك اللحظة، عبرت في ذهنه عشرات الوجوه — من الملك كيسل، والملكة كيا، والدوق آروند، والملك نوڤين، والآرشيدوق بوفريت، والكونت غيلبرت، واللورد ميرك، إلى السيدة جينيس، وغضب المملكة، وزهرة الحصن، والمخضرم العجوز جينارد، والجندي ويلو، وغيرهم.
وبينما كان يراقب الملك نوڤين، حاول تاليس أن يهدّئ نفسه.
ما حدث قبل اثني عشر عامًا قد غيّر مصائر الكثيرين، وقدَر الكوكبة والتنين العظيم، وحيوات النبلاء والعامة.
(…”نحن في عصر حديث، يا أختي! لا تقارني أنفسنا بهم!”…)
تنهد الملك نوڤين. “منذ أيامه في حرس النصل الأبيض، لازمتَ سوريا لسنوات طويلة، أليس كذلك؟”
“تعلم، يا تاليس، عندما رحل سوريا…”
“ميرك.” جذبت أليكس طرف ثوب ميرك برفق. ارتجفت شفتاها. “أشعر…”
“لا!” صرخ، مجروحًا من الاتهام لشرفه. “لم أخنه! لم أخن سوريا!”
استعاد ميرك تماسكه. استدار ليطمئنها. “اهدئي يا سيدتي أليكس، سيصبح الأمر قريبًا…”
“ميرك”، توسّلت حفيدة الملك بصوت خافت، “أنا—”
ارتجفت أليكس فجأة. عبس تاليس.
“لا!” صرخ، مجروحًا من الاتهام لشرفه. “لم أخنه! لم أخن سوريا!”
وفي اللحظة التالية، دارت عينا الفتاة وانهارت.
انقبض وجه ميرك من شدّة الكرب.
*دمدمة!*
“في ليلة زفافهما، كان سوريا مخمورًا حتى الثمالة. كنت أحرس مدخل مخدع زواجهما… والصوت… كان كصوت اغتصاب… صرخات أديل الرافضة… أظنّ أن سوريا رأى إتمام الزواج أشبه باحتفالٍ بعد معركة.”
صرخت الشقية الصغيرة من الرعب.
“صرنا نتحدّث كثيرًا. كانت تلعب مع كروش في الغرفة، وأنا أقف خارجًا أضحك كالأبله. كانت كلّما تحدّثت إليّ من داخل الغرفة، أجيبها من الخارج.”
شحب ميرك. جثا بجانب أليكس ورفعها. “سيدتي أليكس! سيدتي أليكس! ما الذي يحدث؟!”
لكن رد فعل تاليس كان أسرع. اندفع الأمير نحو مخرج القاعة، قبض على أسنانه وصاح وهو يجري: “النجدة! أحدكم! نحتاج إلى طبيب—”
لم تكن الفتاة إلا تحدّق في السقف بعينين فارغتين. تمايلت أطرافها وتشنّج جسدها بعنف. قفز تاليس من الدرجات، يراقبها مذهولًا.
ارتدّت الشقية الصغيرة إلى الوراء برعب، بينما حاول تاليس تقدير الموقف. زفر، واتجه نحو الشقية الصغيرة، ورفعها عن الأرض. فأمسكت بذراعه—سندها الوحيد—وعيناها تتابعان المواجهة الضارية أمامهما.
(ما الذي حدث للتو؟ هل لديها عارضٌ طبي؟ هل هو الصرع؟)
“لكنّي كنت مشغولًا بها ذلك اليوم… بأديل.” ضمّ ابنته الميتة بقوة، ودموعه لا تنقطع. قبضته اليمنى اشتدّت حتى ابيضّت مفاصلها. “وحين ثملوا جميعًا، ذهبتُ إلى غرفة أديل، أرغب فقط في سماع صوتها. لكن جرحًا لديّ انفتح فجأة، فأدخلتني أديل لتضمّد إصابتي…”
لم تستطع الشقية الصغيرة التوقف عن الرجفان.
“اكتشف… أمرنا… أمر أديل وأنا.”
في هلعٍ مطبق، احتضن ميرك أليكس. رفع رأسه نحو ملكه وقال بجزع، “يا صاحب الجلالة! السيدة أليكس… يجب أن ننقلها إلى…”
(…”ماذا بحق الجحيم؟ علاقات محرّمة؟ يا له من أمر شيّق…”…)
“نعم.” غير أن الملك نوڤين بدا غارقًا في ذكرياته. تاه بصره، وكأنه لم يسمع ميرك، وأكمل: “أتذكر أنكما كنتما صديقين حميمين، قريبين كالأخوة. تذهبان حيث يذهب — إلى ساحة المعركة، أو إلى المآدب —”
(ما الذي حدث للتو؟ هل لديها عارضٌ طبي؟ هل هو الصرع؟)
“يا صاحب الجلالة!” صاح ميرك وقد ازدادت حالة أليكس سوءًا.
ارتعش المدير. انحنى واضعًا قبضته اليمنى على صدره وقال: “سأكرّس ما تبقى من حياتي لك، وللسيدة أليكس، ولعائلة والتون، ولمدينة سحب التنين.”
شحب وجه أليكس حتى صار بلون الموت. فتحت عينيها وحدّقت في ميرك بخوف. امتدت ذراعاها المرتعشتان وتشبثتا بثياب ميرك كغريقٍ يتعلق بقشة.
لم يعد المدير يتوقع أي استجابة من الملك نوڤين. رفع الفتاة بين ذراعيه، استدار بشدة، وصاح بالشقية الصغيرة: “لا تقفي هكذا! استدعِي الطبيب الآن!”
شهق تاليس مذهولًا، ولم يستعد وعيه إلا بعد ثوانٍ. وفي تلك الأثناء، ظل الملك نوڤين يحدّق في الأُفق بعينين خاليتين.
“كانت الطعنة الأولى غير قاتلة. ورأى القاتل أليكس فتوقّف عن الهجوم…”
فتحت أليكس فمها وأغلقته. سال العرق البارد على خديها. التوت ملامحها ألمًا. فتحت فمها على اتساعه، تلهث كأنها تختنق. ما خرج منها كان صفيرًا مُنذرًا بالسوء: “هاه… هسس…”
“في نظر سوريا، كانت الحياة خمرًا وحروبًا، سياسةً وانتصارات. ولم يكن يهتم بغير المحاربين، أصدقاءً كانوا أم أعداءً…”
وضعت الشقية الصغيرة يديها على فمها وتراجعت. كانت مذعورة للغاية.
“وفي صباح اليوم التالي، أخذنا سوريا خارج المدينة ليُنهي الأمر نهائيًا. وكان ذلك اليوم المشؤوم، حين باغتَنا القاتل…”
“لا، لا…” احتضن ميرك أليكس في ذعر. بدا كأنها تتألم ألمًا هائلًا. اتسعت عيناه رعبًا. “سيدتي أليكس…”
“أديل… كانت وحيدة، بائسة.” مسح ميرك على شعر ابنته الميتة، وعيناه غارقتان بالأسى. “سافرت كل هذه المسافة إلى مدينة سحب التنين، لكن سوريا لم يقدّرها. بل رآها دميةً ورقعةً في تفاوضه مع كاموس.”
لم يعد المدير يتوقع أي استجابة من الملك نوڤين. رفع الفتاة بين ذراعيه، استدار بشدة، وصاح بالشقية الصغيرة: “لا تقفي هكذا! استدعِي الطبيب الآن!”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
مرتجفة، استدارت الشقية الصغيرة غريزيًا.
ضمّ ميرك جسد أليكس الميتة إلى صدره بقوة. وأطبق عينيه، والدموع تنهمر بغزارة كالسيل.
لكن رد فعل تاليس كان أسرع. اندفع الأمير نحو مخرج القاعة، قبض على أسنانه وصاح وهو يجري: “النجدة! أحدكم! نحتاج إلى طبيب—”
ارتجّ ميرك.
“لا داعي. سمّ عشبة الكرمة الزرقاء شديد الفتك والقوة.”
“لأن…” وضع ميرك يده على شعر أليكس، يمرّره عليه. “لأن سوريا اكتشف…”
جعلت تلك الكلمات الباردة المروعة استغاثة تاليس تتجمد في حلقه.
(لماذا؟ هذا مستحيل. كيف؟)
“تظهر آثاره خلال دقائق معدودة. فمنذ أكثر من ثلاثمئة عام، مات به الآرشيدوق الجذاب وعائلة الملك في الكوكبة قبل اثني عشر عامًا.”
“خائن!”
ارتجّ تاليس بقوة. توقف مكانه واستدار مذهولًا.
حدّق تاليس في الفتاة الميتة، بينما جلست الشقية الصغيرة بجواره وقد جُنّت رعبًا. تطلّعت إلى جسد أليكس فاقدة الحياة وهي ترتجف.
رفع اللورد ميرك رأسه في ذعر، ونظر بتمعّن لا يصدق نحو الدرج.
“كانت الطعنة الأولى غير قاتلة. ورأى القاتل أليكس فتوقّف عن الهجوم…”
هناك فتح الملك نوڤين عينيه الجليديتين. حدّق في ميرك وحفيدته المتشنّجة، وكأنه يلقي عليهما لعنة قاسية، وقال بحزن: “لقد ماتت.”
“وفي صباح اليوم التالي، أخذنا سوريا خارج المدينة ليُنهي الأمر نهائيًا. وكان ذلك اليوم المشؤوم، حين باغتَنا القاتل…”
وكأنما ليبرهن على صحة كلماته، في اللحظة التالية، ارتد رأس أليكس بعنف. وكادت رقبتها أن تنقطع.
تراجع تاليس خطوة غريزية، وتسارع تنفسه.
اتّسعت عيناها المملوءتان رعبًا وحدّقتا في ميرك، كأنها لا تعرف لماذا يحدث هذا.
“لقد دنّست شرف ودم عائلة والتون. وتقول إنّها ليست خيانة؟ لم ترَ فيه رفيقك قط—الرجل الذي كان ينبغي أن تخدمه وتحميه بروحك!”
ثم، شيئًا فشيئًا، أغلقت أليكس والتون، الوريثة الوحيدة لعائلة والتون، عينيها. تراخى جسدها وتوقفت عن الارتعاش. سقطت يدها إلى جانبها وراحت تتأرجح في الهواء. مال رأسها إلى أحد الجانبين، مواجهًا الشقية الصغيرة. وحين رأت الأخيرة وجه سيدتها، صرخت وانهارت على ردفيها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تراجع تاليس خطوة غريزية، وتسارع تنفسه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(لماذا؟ هذا مستحيل. كيف؟)
وبينما كان يراقب الملك نوڤين، حاول تاليس أن يهدّئ نفسه.
لم يستطع تاليس تقبّل ما يجري. اتّسعت عيناه وحدّق في جسد أليكس لثوانٍ. ثم حوّل بصره نحو الملك نوڤين صاحب الملامح الكئيبة، وبخاصة الخاتم الذي كان يديره بين إصبع خنصره — “النصر” المرعب الذي كان يومًا ما يخصّ إمبراطور السم، كيسل كارلوس السادس — وكأس النبيذ إلى جانبه.
استعاد ميرك تماسكه. استدار ليطمئنها. “اهدئي يا سيدتي أليكس، سيصبح الأمر قريبًا…”
“أأنت فعلت هذا؟” لهث تاليس وحدّق فيه برعب. “أأنت من سمّمها؟”
(ناولها النبيذ؟)
“همف، بالطبع.” أطلق الملك نوڤين شهيقًا مكتومًا مثقلًا باليأس. “ولا تنسَ أنك أنت من ناولها النبيذ.”
“ليس كذلك! أديل… كانت طيبة… ورقيقة، وكانت…” استند ميرك بكلتا يديه على الأرض، يضربها بقبضته اليمنى. “لم يكن ينبغي لها أن تأتي إلى مدينة سحب التنين… لم يكن ينبغي لها أن تلتقي سوريا!”
ارتجّ اللورد ميرك، وبدأ يرتعش بلا سيطرة وهو يحدّق في الفتاة بين ذراعيه.
(…”هاهاها! لماذا تلمس وجهك؟ كنت أمزح فقط! هههه! أنت مضحك جدًا. دعني أشاركك بعضًا من طاقتي… ههه! لا أستطيع التوقّف عن الضحك! يا إلهي، لا تغضب. هيا، فسّر لي هذا بلغةٍ بسيطة!”…)
قبض تاليس يديه بقوة حتى كاد يسمع طقطقة مفاصله.
“أنا…” نظر ميرك إلى ابنته الميتة بين ذراعيه، والدموع تنهمر بلا توقف. “الأمير سوريا… سوريا كان أعظم رفيق. كنت أُضحّي بحياتي لأجله!” زمجر. “تدرّبنا معًا على يد كاسلان لنصبح أشرس المحاربين في حرّاس النصل الأبيض!”
(ناولها النبيذ؟)
اتّسعت عيناها المملوءتان رعبًا وحدّقتا في ميرك، كأنها لا تعرف لماذا يحدث هذا.
عضّ على أسنانه وصوّب إلى الملك نوڤين نظرة موت. فاض شعور غريب في صدره.
لم يعد المدير يتوقع أي استجابة من الملك نوڤين. رفع الفتاة بين ذراعيه، استدار بشدة، وصاح بالشقية الصغيرة: “لا تقفي هكذا! استدعِي الطبيب الآن!”
“يا لعين!” همس نحو الملك.
وفي رؤية هذا المشهد—الذي يعجز اللسان عن وصفه—شعر تاليس بأن قلبه يغدو باردًا كالجليد.
غير أنّ الأخير ضمّ شفتيه بلا اكتراث، وعاد ينظر إلى ميرك من جديد.
*دقّة!*
وبعد بضع ثوانٍ، رفع ميرك جامد الوجه، وكأنّه في ذهول، يده اليمنى ووضع إصبعًا تحت أنف أليكس. ثم، كما لو لامس لهبًا محرِقًا، ارتجف ميرك وسحب يده.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
*دقّة!*
“تعلم، يا تاليس، عندما رحل سوريا…”
ومع جسد أليكس بين ذراعيه، هوى ميرك على ركبتيه. ورفع الإداري رأسه وأطلق نحو الملك نظرةً متوسّلة.
عضّ على أسنانه وصوّب إلى الملك نوڤين نظرة موت. فاض شعور غريب في صدره.
“لا، لا، لا…” هزّ ميرك رأسه، ينظر إلى الفتاة الساكنة بين ذراعيه، وقد تغيّر وجهه من شدّة الألم.
“يا لعين!” همس نحو الملك.
رفع رأسه في ذعر ورعب، وحدّق في الملك، ثم في أليكس التي بدت كأنّها غارقة في نومٍ عميق.
ارتعش المدير. انحنى واضعًا قبضته اليمنى على صدره وقال: “سأكرّس ما تبقى من حياتي لك، وللسيدة أليكس، ولعائلة والتون، ولمدينة سحب التنين.”
حدّق تاليس في الفتاة الميتة، بينما جلست الشقية الصغيرة بجواره وقد جُنّت رعبًا. تطلّعت إلى جسد أليكس فاقدة الحياة وهي ترتجف.
شعر تاليس بشدّة على ذراعه. كانت الشقية الصغيرة، ترتجف من جديد. لم يجد أمامه سوى أن يقبض على يدها مواسيًا.
انقبض وجه ميرك من شدّة الكرب.
(…”عنوان الكتاب… غريب، لماذا تقرأ هذا؟ ماذا يدور في رأسك؟ هيهي…”…)
“أتوسّل إليك، يا صاحب الجلالة.” جثا على الأرض. تشقّق صوته وهو يتحدّث، تتخلّله شهقات وانقطاعات، كأنّه مريض بالربو. وانهمرت الدموع على خديّه وسقطت على وجه أليكس.
“أديل… كانت كزهرةٍ نهشها الإهمال وقسوة الدهر. وكان تعامل سوريا مع النساء أشدّ بطشًا من أقسى أهل الشمال. إن كان مزاجه رائقًا، اجتاحها بالقوة. وإن لم يكن، أهملها كما يهمل المرء شيئًا حقيرًا لا يستحق النظر.”
“لماذا… لماذا…” توسّل.
“اكتشف ماذا؟” جاء صوت الملك مثلجًا.
شدّ تاليس قبضتيه، خفّض رأسه، وزفر بسرعة.
“تظهر آثاره خلال دقائق معدودة. فمنذ أكثر من ثلاثمئة عام، مات به الآرشيدوق الجذاب وعائلة الملك في الكوكبة قبل اثني عشر عامًا.”
وعلى حين غفلة، انفجر ميرك في عويلٍ ممزوج بالألم وهو يصرخ نحو الملك: “لماذا؟!”
“وأخيرًا… يوم انتصرنا على تحالف الحرية والجنّ الأبيض، وعدنا إلى المدينة مكلّلين بالغنائم. شرب سوريا معنا طوال الليل…” قال ميرك بصوت خافت، وهو ينتحب:
“لماذا؟”
ظلّ وجه الملك نوڤين متجهّمًا. لم يتفوّه بكلمة.
نظر الملك نوڤين، الذي كان مستغرقًا في تأملٍ عميق، بهدوء إلى ميرك وبصق كلماتٍ جامدة.
(…”ماذا بحق الجحيم؟ علاقات محرّمة؟ يا له من أمر شيّق…”…)
“بايرن ميرك، أما كنتَ على علمٍ بذلك؟”
“وأخيرًا… يوم انتصرنا على تحالف الحرية والجنّ الأبيض، وعدنا إلى المدينة مكلّلين بالغنائم. شرب سوريا معنا طوال الليل…” قال ميرك بصوت خافت، وهو ينتحب:
ارتجّ ميرك.
وعلى حين غفلة، انفجر ميرك في عويلٍ ممزوج بالألم وهو يصرخ نحو الملك: “لماذا؟!”
“لولا موت موريا، لما عدتُ لأحقّق في سلالة عائلة والتون.” أغمض الملك نوڤين عينيه في أسى، ومضى يقول: “ولما اكتشفت الكاهنة العظمى من قاعة القمر الساطع أنّها ليست من دم والتون.”
وفي تلك اللحظة، عبرت في ذهنه عشرات الوجوه — من الملك كيسل، والملكة كيا، والدوق آروند، والملك نوڤين، والآرشيدوق بوفريت، والكونت غيلبرت، واللورد ميرك، إلى السيدة جينيس، وغضب المملكة، وزهرة الحصن، والمخضرم العجوز جينارد، والجندي ويلو، وغيرهم.
اتّسعت عينا ميرك وهو يحدّق في الملك بحيرة. فغر تاليس فاه، يحدّق تارةً في ميرك وتارةً في الفتاة الميتة.
“آآآاه! لااا!”
(ليست من دم والتون؟ أذلك يعني أنّ سلالة والتون الممتدّة لستمئة عام…)
“لا داعي. سمّ عشبة الكرمة الزرقاء شديد الفتك والقوة.”
“هذا أعاد إلى ذهني أمورًا كثيرة.” قال الملك نوڤين ببرود. “كان سوريا يحبّ الصيد، لكنه لم يصطحب امرأة قط—حتى زوجته.”
“لأن…” وضع ميرك يده على شعر أليكس، يمرّره عليه. “لأن سوريا اكتشف…”
“تكلّم،” أمر الملك العجوز، “أخبِرنا ما الذي جرى حقًا في تلك الحادثة قبل اثني عشر عامًا.”
“وأخيرًا… يوم انتصرنا على تحالف الحرية والجنّ الأبيض، وعدنا إلى المدينة مكلّلين بالغنائم. شرب سوريا معنا طوال الليل…” قال ميرك بصوت خافت، وهو ينتحب:
مذعورًا، ضمّ ميرك الفتاة إلى صدره بإحكام، يبكي. وظلّت دموعه تتساقط على وجهها دون انقطاع.
غير أنّ الأخير ضمّ شفتيه بلا اكتراث، وعاد ينظر إلى ميرك من جديد.
فقد الملك نوڤين كل صبره. وبمهابةٍ قاتلة، انطلق هديره كزئير أسد: “تكلّم!”
“لا، لا، لا…” هزّ ميرك رأسه، ينظر إلى الفتاة الساكنة بين ذراعيه، وقد تغيّر وجهه من شدّة الألم.
ارتدّت الشقية الصغيرة إلى الوراء برعب، بينما حاول تاليس تقدير الموقف. زفر، واتجه نحو الشقية الصغيرة، ورفعها عن الأرض. فأمسكت بذراعه—سندها الوحيد—وعيناها تتابعان المواجهة الضارية أمامهما.
استعاد ميرك تماسكه. استدار ليطمئنها. “اهدئي يا سيدتي أليكس، سيصبح الأمر قريبًا…”
انتحب ميرك وامتلأت عيناه بالقنوط. حدّق في الفتاة بين ذراعيه، وأطلق أنينًا يشبه بكاء المحتضر.
“لكنّي كنت مشغولًا بها ذلك اليوم… بأديل.” ضمّ ابنته الميتة بقوة، ودموعه لا تنقطع. قبضته اليمنى اشتدّت حتى ابيضّت مفاصلها. “وحين ثملوا جميعًا، ذهبتُ إلى غرفة أديل، أرغب فقط في سماع صوتها. لكن جرحًا لديّ انفتح فجأة، فأدخلتني أديل لتضمّد إصابتي…”
“قبل اثني عشر عامًا… أخذ سوريا السيدة أديل خارج المدينة… لأن…”
استعاد ميرك تماسكه. استدار ليطمئنها. “اهدئي يا سيدتي أليكس، سيصبح الأمر قريبًا…”
تمتم، يلهث، كما لو كان يحتضر ويلفظ كلماته الأخيرة.
لم يعد المدير يتوقع أي استجابة من الملك نوڤين. رفع الفتاة بين ذراعيه، استدار بشدة، وصاح بالشقية الصغيرة: “لا تقفي هكذا! استدعِي الطبيب الآن!”
“لأن؟” حدّق الملك فيه.
(…”أووه… كيف أبسّط الأمر… حسنًا، يذكر هذا الكتاب شيئًا مثيرًا للاهتمام: في العالم الغربي، وُلد مفهوم الحب الرومانسي من العلاقات المحرّمة…”…)
“لأن…” وضع ميرك يده على شعر أليكس، يمرّره عليه. “لأن سوريا اكتشف…”
تراجع تاليس خطوة غريزية، وتسارع تنفسه.
“اكتشف ماذا؟” جاء صوت الملك مثلجًا.
اتّسعت عيناها المملوءتان رعبًا وحدّقتا في ميرك، كأنها لا تعرف لماذا يحدث هذا.
تقلّص وجه ميرك في صراعٍ داخلي، كأن أسوأ كوابيسه تقوم بتعذيبه.
لم يعد المدير يتوقع أي استجابة من الملك نوڤين. رفع الفتاة بين ذراعيه، استدار بشدة، وصاح بالشقية الصغيرة: “لا تقفي هكذا! استدعِي الطبيب الآن!”
“اكتشف… أمرنا… أمر أديل وأنا.”
“خائن!”
شهق تاليس، محدّقًا في ذلك المحارب ذي التسريحة القصيرة.
“أديل… كانت وحيدة، بائسة.” مسح ميرك على شعر ابنته الميتة، وعيناه غارقتان بالأسى. “سافرت كل هذه المسافة إلى مدينة سحب التنين، لكن سوريا لم يقدّرها. بل رآها دميةً ورقعةً في تفاوضه مع كاموس.”
شدّت الشقية الصغيرة على ذراع تاليس، اختبأت خلفه، وعضّت على أسنانها، تتابع التبادل بين الملك وإداريّه بعدم تصديق.
لم تستطع الشقية الصغيرة التوقف عن الرجفان.
“نعم,” بكى ميرك. “أليكس… كانت… ابنتي…”
غير أنّ الأخير ضمّ شفتيه بلا اكتراث، وعاد ينظر إلى ميرك من جديد.
*رنين معدني!*
شدّ تاليس قبضتيه، خفّض رأسه، وزفر بسرعة.
لم يعد الملك نوڤين قادرًا على التحكم في نفسه. رمى كأس الخمر بغضبٍ مجنون. تدحرج الكأس المعدني على الأرض بطرقاتٍ حادة، امتزجت مع بكاء الإداري.
لم يرد تاليس. في الحقيقة، بدا أيّ ردّ لطيف في هذا الوقت غير مناسب.
شهق تاليس عميقًا، يحاول استيعاب ما سمعه للتو.
“لأنني أعلم”، قال الملك نوڤين كئيبًا بملامح قاتمة، “أنك كنت الشخص الذي وثق به سوريا أكثر من أي أحد. لقد ائتمنك على حياته وعلى سلامة أسرته.”
لم يبقَ في القاعة سوى نشيج ميرك وأنفاس الملك الثقيلة.
“الغضب، الجنون، الكراهية… دفعتني إلى نشر غضب عائلة والتون ومدينة سحب التنين.” حدّق الملك العجوز في تاليس شاردًا، كأنه ينظر من خلاله إلى عالم آخر. “مقارنة بذلك، بدا نفعُ غزو الكوكبة أقل أهمية.”
“هاهاهوها…” ضحكة مكبوتة، يائسة، مشوبة بظلال الأسى، خرجت من حنجرة الملك نوڤين. “أنت؟ تابع سوريا الأكثر ولاءً، وصديقه الأقرب، ورفيقه الأكفأ؟”
عضّ على أسنانه وصوّب إلى الملك نوڤين نظرة موت. فاض شعور غريب في صدره.
“تكافئ ثقته بالخيانة والغدر!” دوّى هدير الملك في القاعة.
ارتجفت أليكس فجأة. عبس تاليس.
رفع ميرك، الراكع على الأرض والباكي، رأسه فجأة.
بدت أليكس منزعجة من هذا الموضوع. نظرت خلسة إلى الملك نوڤين المفعم بالحزن، ثم إلى ميرك اليائس. تسارعت أنفاسها، بينما ظلّت الشقية الصغيرة أكثر هدوءًا.
“لا!” صرخ، مجروحًا من الاتهام لشرفه. “لم أخنه! لم أخن سوريا!”
شهق تاليس، محدّقًا في ذلك المحارب ذي التسريحة القصيرة.
راقبه تاليس من بعيد. انقبض وجهه وانقبض معه قلبه.
ضحك ميرك، وهو يبكي، والدموع تنساب على وجنتيه: “أتذكّر يوم عدتُ إلى قريتي لزفافي. ذاك اللعين… دون أن يخبرني، أحضر رفاقنا من حرّاس النصل الأبيض، بعرباتٍ من نبيذ الشعير واللحم المشوي، وساروا في القرية تحت راية التنين الأسود بالأرضية الحمراء، وراية رمح تنين السحاب…”
“أنا…” نظر ميرك إلى ابنته الميتة بين ذراعيه، والدموع تنهمر بلا توقف. “الأمير سوريا… سوريا كان أعظم رفيق. كنت أُضحّي بحياتي لأجله!” زمجر. “تدرّبنا معًا على يد كاسلان لنصبح أشرس المحاربين في حرّاس النصل الأبيض!”
ارتدّت الشقية الصغيرة إلى الوراء برعب، بينما حاول تاليس تقدير الموقف. زفر، واتجه نحو الشقية الصغيرة، ورفعها عن الأرض. فأمسكت بذراعه—سندها الوحيد—وعيناها تتابعان المواجهة الضارية أمامهما.
“مرّة، في أرض الحراسة الثامنة والثلاثين، زحف تجاهي بذراعٍ مكسورة فقط ليصدّ عني ضربة مطرقة قاتلة! وعندما مرضت أمي، وجاءت أختي إلى المدينة تستنجد بي، كان هو من استدعى الطبيب وأنقذ حياة أمي!”
ارتجّ ميرك.
“وحين حاصرنا العدو في الجبل الأبيض، واصطدمت السهام ذوي الآذان المدبّبة بكتفي الأيسر وكتفه الأيمن، تذمّرنا من سوء حظّ بعضنا، وتراجعنا وظهورنا متلاصقة، ننتظر تعزيزات دومينيك…”
“كانت أديل ممتنّة لما فعلته. توقفت عن محاولة الانتحار، وبدأت تبتسم—لكن فقط أمامي. وحين ماتت زوجتي في مسقط رأسي، ولم أعرف كيف أعتني بكروش ابنة الخامسة، كانت أديل هي من أعانني. ومنذ ذلك الحين تغيّر موقف سوريا منها تغيّرًا حقيقيًا…”
ضحك ميرك، وهو يبكي، والدموع تنساب على وجنتيه: “أتذكّر يوم عدتُ إلى قريتي لزفافي. ذاك اللعين… دون أن يخبرني، أحضر رفاقنا من حرّاس النصل الأبيض، بعرباتٍ من نبيذ الشعير واللحم المشوي، وساروا في القرية تحت راية التنين الأسود بالأرضية الحمراء، وراية رمح تنين السحاب…”
امتلأت قاعة الأبطال بالصمت.
“حضر الكونتات والفرسان المحليون. وكانت ردة فعل مختار القرية قريبة من الجنون، أشدّ من حين أصبح ابنه موظفًا في الجمارك. وكانت أمي مسرورة، شعرت أن ابنها أخيرًا بلغ شأنًا…”
“لكن أديل…” تابع ميرك، يصرخ بالألم: “أديل لم تكن تعلم خطّة سوريا الأولى. فحين رأته يسقط، هي… هي سحبت خنجرها…”
“سوريا… كنتُ أراه أعزّ صديق، ورفيقًا، وأميري!” صرخ والدموع تغمر وجهه. “لم أخنه قط! ولن أفعل!”
“لقد دنّست شرف ودم عائلة والتون. وتقول إنّها ليست خيانة؟ لم ترَ فيه رفيقك قط—الرجل الذي كان ينبغي أن تخدمه وتحميه بروحك!”
نهض الملك نوڤين بغتة، ثائرًا. “هراء!”
(…”أي روايات فتيات؟ هذا كتاب من تأليف عالم اجتماع أمريكي…”…)
شعر تاليس بشدّة على ذراعه. كانت الشقية الصغيرة، ترتجف من جديد. لم يجد أمامه سوى أن يقبض على يدها مواسيًا.
شحب وجه أليكس وتراجعت خطوة. عضّت شفتيها وارتجف صدرها. قبضت فجأة على يد الشقية الصغيرة، ففزعت الأخيرة.
“لقد أقمتَ علاقة محرّمة مع زوجة ابني—الرجل الذي تخدمه—من خلف ظهره.” اشتعلت عينا الملك. صرخ بجنونٍ غاضب، “وأنجبت منها طفلة!”
“لم أستطع أن أبوح بحقيقة وفاة الأمير سوريا.” عضّ اللورد ميرك على أسنانه بأسى. “يا صاحب الجلالة، لقد عفوت عن خطئي. ولم يعاقبني نيكولاس إلا بسجني بضعة أيام مراعاةً للبروتوكول. لكن طيلة السنوات الاثنتي عشرة الماضية، كان الذنب…”
“لقد دنّست شرف ودم عائلة والتون. وتقول إنّها ليست خيانة؟ لم ترَ فيه رفيقك قط—الرجل الذي كان ينبغي أن تخدمه وتحميه بروحك!”
*دمدمة!*
“خائن!”
“ميرك.” جذبت أليكس طرف ثوب ميرك برفق. ارتجفت شفتاها. “أشعر…”
ميرك، الراكع على الأرض، سمع كلمات الملك. حدّق في أليكس بين ذراعيه، ابنته. سالت دموعه بغزارة، وصرخ بحزنٍ يمزّق الفؤاد:
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“آآآاه! لااا!”
لم تكن الفتاة إلا تحدّق في السقف بعينين فارغتين. تمايلت أطرافها وتشنّج جسدها بعنف. قفز تاليس من الدرجات، يراقبها مذهولًا.
أطبق عينيه بقهرٍ عميق.
(…”حسنًا كفى، اصمت الآن! ما زلت أفضّل سابر و بيرسيركر معًا! وليذهب شيرو إلى الجحيم! وغوينيفير كذلك! نعم، سأعيد مشاهدتها… على كل حال، هل يعني هذا أنّنا نخوض علاقة محرّمة؟”…)¹
قبض تاليس على أسنانه، يرمق الاثنين بحدة. شعر بموجة أسى تغمره.
لم تكن الفتاة إلا تحدّق في السقف بعينين فارغتين. تمايلت أطرافها وتشنّج جسدها بعنف. قفز تاليس من الدرجات، يراقبها مذهولًا.
“ليس كذلك! أديل… كانت طيبة… ورقيقة، وكانت…” استند ميرك بكلتا يديه على الأرض، يضربها بقبضته اليمنى. “لم يكن ينبغي لها أن تأتي إلى مدينة سحب التنين… لم يكن ينبغي لها أن تلتقي سوريا!”
قبض تاليس يديه بقوة حتى كاد يسمع طقطقة مفاصله.
“أتقصد أنّه كان ينبغي لها أن تلتقي بك أنت بدلًا منه؟” انبثقت كلمات الملك مشبعةً بالوحشية. “أيها الخائن الوقح؟”
“أتقصد أنّه كان ينبغي لها أن تلتقي بك أنت بدلًا منه؟” انبثقت كلمات الملك مشبعةً بالوحشية. “أيها الخائن الوقح؟”
“أديل… أديل… إنّه—إنّه كان خطأ!” اصطكت أسنان ميرك. مدّ يده يلامس وجه ابنته الميتة باضطراب، كأنه يرى عبرها شخصًا آخر. “علاقتها بي أو بسوريا كانت خطأً فادحًا!
الفصل 158: الخيانة
“لم يكن ينبغي لها مغادرة كاموس، مدينة الكرمة، والخُضرة والسماء الزرقاء التي كانت تعشقها. مكانها هناك!”
انتحب ميرك وامتلأت عيناه بالقنوط. حدّق في الفتاة بين ذراعيه، وأطلق أنينًا يشبه بكاء المحتضر.
“أما سوريا، فكان رفيقًا عظيمًا، ومحاربًا جسورًا، لكنه لم يكن يهتم بالنساء قط… لم يكن يهمّه إن كانت امرأة ليل، أو أسيرة حرب، أو خادمة، أو امرأة من النبلاء—كلهن عنده سواء…” بكى ميرك، ملقيًا وجهه على وجه أليكس.
“أنا…” نظر ميرك إلى ابنته الميتة بين ذراعيه، والدموع تنهمر بلا توقف. “الأمير سوريا… سوريا كان أعظم رفيق. كنت أُضحّي بحياتي لأجله!” زمجر. “تدرّبنا معًا على يد كاسلان لنصبح أشرس المحاربين في حرّاس النصل الأبيض!”
“في نظر سوريا، كانت الحياة خمرًا وحروبًا، سياسةً وانتصارات. ولم يكن يهتم بغير المحاربين، أصدقاءً كانوا أم أعداءً…”
استمع إليه الملك نوڤين بصمت.
“في ليلة زفافهما، كان سوريا مخمورًا حتى الثمالة. كنت أحرس مدخل مخدع زواجهما… والصوت… كان كصوت اغتصاب… صرخات أديل الرافضة… أظنّ أن سوريا رأى إتمام الزواج أشبه باحتفالٍ بعد معركة.”
“وأخيرًا… يوم انتصرنا على تحالف الحرية والجنّ الأبيض، وعدنا إلى المدينة مكلّلين بالغنائم. شرب سوريا معنا طوال الليل…” قال ميرك بصوت خافت، وهو ينتحب:
“في صباح اليوم التالي، خرج سوريا للصيد. وبقيتُ أنا لأرعى أديل. وكان وجهها… لا يشبه أبدًا وجه عروسٍ حديثة…” أصغى تاليس لاعتراف ميرك المؤلم بوجهٍ متقبّض. “وذات يوم، رأيت أديل تحاول شقّ شرايينها بالمقص…”
وبينما كان يراقب الملك نوڤين، حاول تاليس أن يهدّئ نفسه.
“أخبرتُ سوريا، ظنًّا مني أنه سيعامل زوجته أفضل… لكنه رأى أنّها لطّخت سمعة عائلة رمح التنين… فرفع سوطه ليعلّمها ’درسًا’…”
وبينما كان يراقب الملك نوڤين، حاول تاليس أن يهدّئ نفسه.
“كنتُ واقفًا عند باب غرفتهما، أقبض على يديّ، أسمع صرخات سوريا وزعقاته، وأسمع آهات أديل وألمها، وأنا أغضب أكثر من سوريا، وأتألّم أكثر من أديل، كل مرة… نعم، كل مرة…”
“أديل… كانت وحيدة، بائسة.” مسح ميرك على شعر ابنته الميتة، وعيناه غارقتان بالأسى. “سافرت كل هذه المسافة إلى مدينة سحب التنين، لكن سوريا لم يقدّرها. بل رآها دميةً ورقعةً في تفاوضه مع كاموس.”
ضمّ ميرك جسد أليكس الميتة إلى صدره بقوة. وأطبق عينيه، والدموع تنهمر بغزارة كالسيل.
….
“ومنذ ذلك الحين، لم تكفّ أديل عن محاولة الانتحار، وقد أوقفتُها أكثر من مرّة. وأخفيت ذلك عن سوريا، حتى لا يؤذيها مجددًا…”
رفع اللورد ميرك رأسه في ذعر، ونظر بتمعّن لا يصدق نحو الدرج.
“أديل… كانت كزهرةٍ نهشها الإهمال وقسوة الدهر. وكان تعامل سوريا مع النساء أشدّ بطشًا من أقسى أهل الشمال. إن كان مزاجه رائقًا، اجتاحها بالقوة. وإن لم يكن، أهملها كما يهمل المرء شيئًا حقيرًا لا يستحق النظر.”
وكأنما ليبرهن على صحة كلماته، في اللحظة التالية، ارتد رأس أليكس بعنف. وكادت رقبتها أن تنقطع.
أغمض تاليس عينيه، وزفر تنهيدة ثقيلة.
ضحك ميرك، وهو يبكي، والدموع تنساب على وجنتيه: “أتذكّر يوم عدتُ إلى قريتي لزفافي. ذاك اللعين… دون أن يخبرني، أحضر رفاقنا من حرّاس النصل الأبيض، بعرباتٍ من نبيذ الشعير واللحم المشوي، وساروا في القرية تحت راية التنين الأسود بالأرضية الحمراء، وراية رمح تنين السحاب…”
“أديل… كانت وحيدة، بائسة.” مسح ميرك على شعر ابنته الميتة، وعيناه غارقتان بالأسى. “سافرت كل هذه المسافة إلى مدينة سحب التنين، لكن سوريا لم يقدّرها. بل رآها دميةً ورقعةً في تفاوضه مع كاموس.”
“بايرن ميرك، أما كنتَ على علمٍ بذلك؟”
“أما أنا… كنت أحاول فقط أن أحميها، أن أجعلها سعيدة كي لا تقتل نفسها ثانية…” تمتم ميرك. “الخدع السحرية، والزهور، واستقدام بعض الفتيات الكاموسيات يسلّينها… وفي الليل، أسكب الخمر في حلق سوريا حتى لا يستطيع لمسها…’
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“كانت أديل ممتنّة لما فعلته. توقفت عن محاولة الانتحار، وبدأت تبتسم—لكن فقط أمامي. وحين ماتت زوجتي في مسقط رأسي، ولم أعرف كيف أعتني بكروش ابنة الخامسة، كانت أديل هي من أعانني. ومنذ ذلك الحين تغيّر موقف سوريا منها تغيّرًا حقيقيًا…”
“أديل… أديل… إنّه—إنّه كان خطأ!” اصطكت أسنان ميرك. مدّ يده يلامس وجه ابنته الميتة باضطراب، كأنه يرى عبرها شخصًا آخر. “علاقتها بي أو بسوريا كانت خطأً فادحًا!
“صرنا نتحدّث كثيرًا. كانت تلعب مع كروش في الغرفة، وأنا أقف خارجًا أضحك كالأبله. كانت كلّما تحدّثت إليّ من داخل الغرفة، أجيبها من الخارج.”
شحب وجه أليكس حتى صار بلون الموت. فتحت عينيها وحدّقت في ميرك بخوف. امتدت ذراعاها المرتعشتان وتشبثتا بثياب ميرك كغريقٍ يتعلق بقشة.
ظلّ وجه الملك نوڤين متجهّمًا. لم يتفوّه بكلمة.
تنهد الملك نوڤين. “منذ أيامه في حرس النصل الأبيض، لازمتَ سوريا لسنوات طويلة، أليس كذلك؟”
“وأخيرًا… يوم انتصرنا على تحالف الحرية والجنّ الأبيض، وعدنا إلى المدينة مكلّلين بالغنائم. شرب سوريا معنا طوال الليل…” قال ميرك بصوت خافت، وهو ينتحب:
شهق تاليس مذهولًا، ولم يستعد وعيه إلا بعد ثوانٍ. وفي تلك الأثناء، ظل الملك نوڤين يحدّق في الأُفق بعينين خاليتين.
“لكنّي كنت مشغولًا بها ذلك اليوم… بأديل.” ضمّ ابنته الميتة بقوة، ودموعه لا تنقطع. قبضته اليمنى اشتدّت حتى ابيضّت مفاصلها. “وحين ثملوا جميعًا، ذهبتُ إلى غرفة أديل، أرغب فقط في سماع صوتها. لكن جرحًا لديّ انفتح فجأة، فأدخلتني أديل لتضمّد إصابتي…”
“أديل… أديل… إنّه—إنّه كان خطأ!” اصطكت أسنان ميرك. مدّ يده يلامس وجه ابنته الميتة باضطراب، كأنه يرى عبرها شخصًا آخر. “علاقتها بي أو بسوريا كانت خطأً فادحًا!
أظلمت نظرة تاليس. وطفا على سطح ذاكرته شذرة من الماضي.
استعاد ميرك تماسكه. استدار ليطمئنها. “اهدئي يا سيدتي أليكس، سيصبح الأمر قريبًا…”
(…”أوه! السيد المتفوّق يقرأ روايات للفتيات!”…)
“بعد ولادة أليكس بفترة قصيرة، بدأ سوريا يشكّ فينا. ولم يمضِ وقت طويل حتى عرف الحقيقة…” مسح الإداري خصلةً من شعر ابنته الميتة. وانكسر صوته. “رأيتُ الألم والحيرة في عينيه. تمنّيتُ لو يطعنني حتى الموت…”
(…”أي روايات فتيات؟ هذا كتاب من تأليف عالم اجتماع أمريكي…”…)
(ليست من دم والتون؟ أذلك يعني أنّ سلالة والتون الممتدّة لستمئة عام…)
(…”عنوان الكتاب… غريب، لماذا تقرأ هذا؟ ماذا يدور في رأسك؟ هيهي…”…)
حدّق الملك نوڤين فيه طويلًا دون أن ينطق، ثم زفر.
(…”هذا… لا تتخيّلي أكثر مما يجب. إحدى زميلاتي سألت عنه فقط…”…)
(…”أي روايات فتيات؟ هذا كتاب من تأليف عالم اجتماع أمريكي…”…)
(…”لا، لحظة، هل يعني… أوهوهوهو، لماذا احمرّ وجهك؟”…)
“أما أنا… كنت أحاول فقط أن أحميها، أن أجعلها سعيدة كي لا تقتل نفسها ثانية…” تمتم ميرك. “الخدع السحرية، والزهور، واستقدام بعض الفتيات الكاموسيات يسلّينها… وفي الليل، أسكب الخمر في حلق سوريا حتى لا يستطيع لمسها…’
(…”الجوّ شديد الحرارة…”…)
“أديل… كانت كزهرةٍ نهشها الإهمال وقسوة الدهر. وكان تعامل سوريا مع النساء أشدّ بطشًا من أقسى أهل الشمال. إن كان مزاجه رائقًا، اجتاحها بالقوة. وإن لم يكن، أهملها كما يهمل المرء شيئًا حقيرًا لا يستحق النظر.”
(…”هاهاها! لماذا تلمس وجهك؟ كنت أمزح فقط! هههه! أنت مضحك جدًا. دعني أشاركك بعضًا من طاقتي… ههه! لا أستطيع التوقّف عن الضحك! يا إلهي، لا تغضب. هيا، فسّر لي هذا بلغةٍ بسيطة!”…)
“يا صاحب الجلالة!” صاح ميرك وقد ازدادت حالة أليكس سوءًا.
(…”أووه… كيف أبسّط الأمر… حسنًا، يذكر هذا الكتاب شيئًا مثيرًا للاهتمام: في العالم الغربي، وُلد مفهوم الحب الرومانسي من العلاقات المحرّمة…”…)
“في ليلة زفافهما، كان سوريا مخمورًا حتى الثمالة. كنت أحرس مدخل مخدع زواجهما… والصوت… كان كصوت اغتصاب… صرخات أديل الرافضة… أظنّ أن سوريا رأى إتمام الزواج أشبه باحتفالٍ بعد معركة.”
(…”ماذا بحق الجحيم؟ علاقات محرّمة؟ يا له من أمر شيّق…”…)
أطبق عينيه بقهرٍ عميق.
(…”مثال على ذلك. في أسطورة آرثر، تبدأ قصة لانسيلوت وغوينيفير هكذا: زواج الملك آرثر بملكاتِه زواج سياسي، يخلو من العاطفة. أمّا الرومانس الحقيقي فيكمن في العلاقة المحرّمة بين الفارس وملكة الملك—وهذا هو الحب العاطفي الحقيقي. مثال آخر: دون كيخوته؛ فالبطل يحلم بأن يصبح فارسًا ليغازل زوجة سيده. هذه الفكرة وُلدت في العصور الوسطى، خصوصًا بين الصليبيين…”…)
“في نظر سوريا، كانت الحياة خمرًا وحروبًا، سياسةً وانتصارات. ولم يكن يهتم بغير المحاربين، أصدقاءً كانوا أم أعداءً…”
(…”حسنًا كفى، اصمت الآن! ما زلت أفضّل سابر و بيرسيركر معًا! وليذهب شيرو إلى الجحيم! وغوينيفير كذلك! نعم، سأعيد مشاهدتها… على كل حال، هل يعني هذا أنّنا نخوض علاقة محرّمة؟”…)¹
“همف، بالطبع.” أطلق الملك نوڤين شهيقًا مكتومًا مثقلًا باليأس. “ولا تنسَ أنك أنت من ناولها النبيذ.”
(…”نحن في عصر حديث، يا أختي! لا تقارني أنفسنا بهم!”…)
“لأن؟” حدّق الملك فيه.
تلاشَت الذكرى. حدّق تاليس في ميرك، وزفر زفرةً يائسة.
تمتم، يلهث، كما لو كان يحتضر ويلفظ كلماته الأخيرة.
واصل ميرك بكاءه على الأرض. “الاله يعلم كم ندمتُ على كل شيء… لكن أديل…”
“لم يكن ينبغي لها مغادرة كاموس، مدينة الكرمة، والخُضرة والسماء الزرقاء التي كانت تعشقها. مكانها هناك!”
“بعد ولادة أليكس بفترة قصيرة، بدأ سوريا يشكّ فينا. ولم يمضِ وقت طويل حتى عرف الحقيقة…” مسح الإداري خصلةً من شعر ابنته الميتة. وانكسر صوته. “رأيتُ الألم والحيرة في عينيه. تمنّيتُ لو يطعنني حتى الموت…”
(ما الذي حدث للتو؟ هل لديها عارضٌ طبي؟ هل هو الصرع؟)
“في تلك الليلة، قال لي سوريا إنه مستعدّ لتركنا نرحل. وإنه سيتكفّل بالتغطية علينا وحلّ الأمر.” قال ميرك، يضرب الأرض بقبضته وهو يختنق بالألم.
صرخت الشقية الصغيرة من الرعب.
استمع إليه الملك نوڤين بصمت.
ضمّ ميرك جسد أليكس الميتة إلى صدره بقوة. وأطبق عينيه، والدموع تنهمر بغزارة كالسيل.
“وفي صباح اليوم التالي، أخذنا سوريا خارج المدينة ليُنهي الأمر نهائيًا. وكان ذلك اليوم المشؤوم، حين باغتَنا القاتل…”
قبض تاليس يديه بقوة حتى كاد يسمع طقطقة مفاصله.
شعر تاليس بارتجافة الشقية الصغيرة خلفه مرة أخرى.
“لماذا… لماذا…” توسّل.
“كانت الطعنة الأولى غير قاتلة. ورأى القاتل أليكس فتوقّف عن الهجوم…”
حدّق الملك نوڤين فيه طويلًا دون أن ينطق، ثم زفر.
“لكن أديل…” تابع ميرك، يصرخ بالألم: “أديل لم تكن تعلم خطّة سوريا الأولى. فحين رأته يسقط، هي… هي سحبت خنجرها…”
“لأنني أعلم”، قال الملك نوڤين كئيبًا بملامح قاتمة، “أنك كنت الشخص الذي وثق به سوريا أكثر من أي أحد. لقد ائتمنك على حياته وعلى سلامة أسرته.”
وعند سماع هذا، تراخى الملك نوڤين وسقط جالسًا على الدرج. تردّد بكاء ميرك في قاعة الأبطال.
“لكنّي كنت مشغولًا بها ذلك اليوم… بأديل.” ضمّ ابنته الميتة بقوة، ودموعه لا تنقطع. قبضته اليمنى اشتدّت حتى ابيضّت مفاصلها. “وحين ثملوا جميعًا، ذهبتُ إلى غرفة أديل، أرغب فقط في سماع صوتها. لكن جرحًا لديّ انفتح فجأة، فأدخلتني أديل لتضمّد إصابتي…”
وفي رؤية هذا المشهد—الذي يعجز اللسان عن وصفه—شعر تاليس بأن قلبه يغدو باردًا كالجليد.
(…”أي روايات فتيات؟ هذا كتاب من تأليف عالم اجتماع أمريكي…”…)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أطلق تاليس زفرة صغيرة.
1. سايبر، بيرسركر، شيرو، غوينيفير: جميعهم شخصيات من سلسلة Fate/Stay Night. سايبر، بيرسركر، وغوينيفير هم “خَدَم” (Servants)، بينما شيرو هو “السيّد” (Master) لسايبر. سايبر داخل القصة هي الملك آرثر، بيرسركر هو لانسلوت، وغوينيفير هي غوينيفير نفسها.
“ميرك.” جذبت أليكس طرف ثوب ميرك برفق. ارتجفت شفتاها. “أشعر…”
(…”أي روايات فتيات؟ هذا كتاب من تأليف عالم اجتماع أمريكي…”…)
