Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 170

الإندفاع اليائس
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الإندفاع اليائس

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ولحسن الحظ، هبّت عندها عاصفة هوائية غير مسبوقة فرفعت تاليس والشقية في الهواء.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

ارتجفت الصغيرة الشقية وهي تشدّ على كمه. فالتفت تاليس ورآها تحدّق مذهولة أمامها.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

…

Arisu-san

الفصل 170: الاندفاع اليائس

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“مندهش؟” ضحكت جيزا وهي تبادله النظرة. “لكن تلك هي الحياة، أليس كذلك؟

الفصل 170: الاندفاع اليائس

فتح آسدا فاه وصاح بغضب:

…

أخذ الشاب نفسًا عميقًا، ورفع يده اليمنى وقال للهواء: “ذلك المجنون القاتل يبدو أكثر جنونًا مما توقّعنا. أكان لدى السيف الأسود حقًا القدرة على دفع ذلك الوحش إلى هذا الحدّ؟”

حينما رفعت جيزا ذراعيها، شعر تاليس برجفة تنبعث من تحت الأرض.

وتزايدت قوّة العاصفة. فبهديرٍ عاصف، هدمت بضع بيوت وهي تلتف نحو جيزا. حطّمت مجسّاتها الجديدة، وبدّدتها، وجعلتها تنفجر في الهواء.

هدير!

بعد بضع دقائق…

في اللحظة التالية، نهضت الصوفية الدموية من تحت الأرض!

أسرع نيكولاس نحو المنصّة ليبلّغ الملك نوڤين.

لا، بل ينبغي القول إن مجسّات دموية عملاقة بارتفاع شخصين شقّت الأرض، وارتفعت منها، ورفعت جيزا بالقوة. ثم ارتفعت بها إلى علوّ سبعة أو ثمانية طوابق.

دوي! دوي! دوي!

طرقة!

في مجال رؤيته، اندفعت المجسّات المتلألئة بضوء أحمر من كل جانب، لا تترك موضعًا دون أن تغزوه.

تلا ذلك مباشرةً صوتُ تمزّق اللحم، إذ انفجرت تلك المجسّات العملاقة إلى عدد لا يُحصى من المجسّات الأصغر. انتشرت فوق مساحة مرعبة وفي كل اتجاه.

كان آسدا يطفو برفق في الهواء. كلّ ما في الجوّ كان يُحدّثه عمّا يجري في ذلك الحيّ الضخم من المدينة.

كان لكل مجسّ حياةٌ خاصة به، إذ تقدّمت وهي تنسج طريقها. وبعد بضع ثوانٍ، ارتعشت مجسّات الدم جميعها دفعة واحدة. وطغت هيبتها وهي تنساب بسرعة في اتجاه تاليس.

“آه، أيها الجرو الصغير آسدا.” لعقت الصوفيّة الدموية زاوية شفتيها بخفة، وقالت بمكر:

كان عددها يزيد على المئة. غطّت المجسّات معظم ما يراه بعينه، حتى القمرُ اختفى خلفها.

عدد لا يحصى من المجسّات هاجمتهما من الخلف. وكقبة عملاقة، غطّت المجسّات رأسيهما…

شحَب وجه تاليس وهو يشاهد المنظر يتكشّف أمامه. وكانت الشقية الصغيرة، في ذهول، تتشبث به وقد شُلّ عقلها من الخوف منذ زمن.

“آه، أيها الجرو الصغير آسدا.” لعقت الصوفيّة الدموية زاوية شفتيها بخفة، وقالت بمكر:

فتح آسدا فاه وصاح بغضب:

أولًا، تلاشى الصوت من محيطه. ثم بدأ الثلج على الأرض… يغلي بسرعة يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة.

“اركض!”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

في ارتجافة، رفع تاليس الشقية الصغيرة، واستدار، وبدأ بالركض.

هوووش!

عضّ على أسنانه، وانطلق دون أن يعبأ بأي شيء، دون أن يلتفت، ودون أن يغيّر اتجاهه—تمامًا كما أمره آسدا.

وفي البعيد، ذبل الوحش فجأة.

دوّى من خلفه ضحكُ جيزا المفعم بالبهجة والجنون. وما إن قطع تاليس مسافة قصيرة حتى سمع دويًا هائلًا خلفه.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اندفع تيار هوائي نحوه بجنون وخروج عن السيطرة.

“ما الذي يحدث؟!” سألت الصغيرة الشقية بخوف.

ثم دوى صوت آخر.

“مندهش؟” ضحكت جيزا وهي تبادله النظرة. “لكن تلك هي الحياة، أليس كذلك؟

دوي!

مهما يكن ذلك الشيء، فإنّ أصواتهم، تمامًا كما حياتهم، انقطعت فجأة حينما دخلوا في لحم المجسّات.

جرف تيار آخر كميات لا نهاية لها من التراب والحجارة والثلج من جهة أخرى وحملها بعيدًا.

تشقّق…

قفز قلب تاليس.

وفي اللحظة التالية، شقّ شعاعٌ من ضوء القمر العتمة. اتّسع وازداد سطوعًا حتى طرد ظلال المجسّات.

(هذا سيّئ. هذا… جدار الهواء يتحطّم!)

في تلك الظلمة، جذب تاليس نفسًا باردًا. وبعد أن رفع الشقية الصغيرة، سمع أصوات لحم يحتك بعضه ببعض تتعالى من حوله.

دوي! دوي! دوي!

كبح الملك نوڤين نبرته، وبآخر ما يملك من قدرة، تكلّم بهدوء: “كم عدد المواطنين الذين أُجلوا؟ وماذا عن تقرير الدورية؟”

تتابعت الانفجارات المدوية من خلفه. وازداد اضطراب الهواء شراسة وتشتّتًا. بدا واضحًا أنّ جدار الهواء الذي أقامه آسدا يتعرّض للاختراق مرة بعد أخرى.

دوي!

حينها شعر تاليس بثقل في يده—إذ انزلقت الشقية الصغيرة وسقطت على الأرض.

ثم بدأت المجسّات المتناثرة، بفعل الانفجار، ترتجف بسرعة فوق الأرض وتتحوّل.

تجمّد قلبه. وقبل أن يستوعب ما حدث، شعر الاثنان الأبطأ قليلًا بعتمة تندفع نحوهما.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

عدد لا يحصى من المجسّات هاجمتهما من الخلف. وكقبة عملاقة، غطّت المجسّات رأسيهما…

اندفع تيار هوائي نحوه بجنون وخروج عن السيطرة.

…وسدّت الطريق أمامهما.

“ما الذي جرى بالضبط لحيّ الدرع؟”

في تلك الظلمة، جذب تاليس نفسًا باردًا. وبعد أن رفع الشقية الصغيرة، سمع أصوات لحم يحتك بعضه ببعض تتعالى من حوله.

ولم يكن وحده؛ فقد خرج المواطنون على جانبي الشارع في حيّ الدرع من منازلهم الكبيرة والصغيرة، وأخذوا يشيرون نحو الوحش بفزع.

في مجال رؤيته، اندفعت المجسّات المتلألئة بضوء أحمر من كل جانب، لا تترك موضعًا دون أن تغزوه.

وفي مجال بصره، بدا كأنهما ـ هو والصغيرة الشقية ـ محبوسان داخل كرة شفافة من الضوء الأزرق. ثم فوجئ تاليس بأنّ كل ما حولهما بات مختلفًا.

تشبّثت به الشقية بقوة وهي تصرخ فزعًا.

بعيدًا هناك، أخذ صوفي الهواء يتعافى ببطء تحت ضوءه الأزرق. كان يحدّق بذهول في جيزا.

(لا… ألا توجد فرصة…؟)

اظلمت ابتسامة جيزا قليلًا. وقبض آسدا على قبضتيه.

بحث تاليس بيأس عند خصره حتى لمس خنجر ج.ت.

“تابعي التطوّر.” تداخل ضوء آسدا الأزرق، وتعاظم بريقه في عينيه، ومع ذلك ظل صوته مسطحًا يفتقر لأي انفعال. “لقد فقدتِ صوابك تمامًا.”

في تلك اللحظة، ارتجفت المجسّات المحيطة به كلها دفعة واحدة. وانطلقت نقاط متوهّجة باللون الأزرق من وسط الضوء الأحمر الذي ملأ رؤيته.

يبدو أن الشقية أدركت خطورة الوضع، فصكت أسنانها بتصميم ولحقت بخطوات تاليس بلا تردد. لكنهما لم يكونا قادرين على التفوق في السرعة على تلك المخلوقات.

توقّفت المجسّات المقتربة.

وفي اللحظة التالية، شقّ شعاعٌ من ضوء القمر العتمة. اتّسع وازداد سطوعًا حتى طرد ظلال المجسّات.

دوي! بانغ! طرقة!

الفصل 170: الاندفاع اليائس

تعالت انفجارات غريبة متتابعة في أذنه.

فبعض الأطراف الكبيرة المبتورة نبتت فيها زوائد وسواعد لا تُعدّ، جعلتها تشبه العناكب والعقارب. أما الأطراف الأصغر فامتدّت لتشبه الشراغيف أو الأفاعي. وبعضها انكمش إلى كرة وبدأ يتدحرج مثل العجلات في عالمه السابق.

وفي اللحظة التالية، شقّ شعاعٌ من ضوء القمر العتمة. اتّسع وازداد سطوعًا حتى طرد ظلال المجسّات.

في تلك الظلمة، جذب تاليس نفسًا باردًا. وبعد أن رفع الشقية الصغيرة، سمع أصوات لحم يحتك بعضه ببعض تتعالى من حوله.

دوي! باو! تحطّم! بانغ! طرقة!

“يا إلهي، لن تصدّق هذا!” قال الشاب على عجل، “هذا ضربٌ من الهراء! ذلك الوحش يكاد يدمّر العالم!”

راقب تاليس بذهول مئاتٍ من مجسّات الدم حوله وهي تنفجر إلى الداخل واحدًا بعد الآخر. وحين انفجرت، اندفعت منها طبقة كثيفة من ضباب الدم وأطرافٌ ممزقة تناثرت كشظايا.

كان يلهث بعمق. وقد كانت التموجات مفعّلة في جسده منذ زمن، ولهذا كان يمسك يد الشقية بين الحين والآخر خشية ألا تستطيع مجاراته.

ومضت لحظة أخرى قبل أن تنفجر مئاتٌ من المجسّات الأصغر مباشرةً من جذورها.

اندفع تيار هوائي نحوه بجنون وخروج عن السيطرة.

أما المجسّ العملاق تحت الصوفية الدموية فقد تماوج من الداخل. وانفجر ثقبٌ كبير على سطحه وبدأ يتسرّب منه قطرات لا تُحصى من الدماء.

شعر تاليس بقشعريرة تنفذ إلى جلده، لكنه لم يلتفت. جذب الشقية بقوة، وواصل اندفاعه اليائس. وفي أعماقه، كان يصرخ حزنًا بأقصى ما يملك.

“يا لردّ فعلك السريع، يا تلميذ الصوفي!” ضحكت جيزا بصوت عال وهي تربّت برفق على المجسّ تحتها.

(لا… لا…)

ثم بدأت المجسّات المتناثرة، بفعل الانفجار، ترتجف بسرعة فوق الأرض وتتحوّل.

ولم يكن وحده؛ فقد خرج المواطنون على جانبي الشارع في حيّ الدرع من منازلهم الكبيرة والصغيرة، وأخذوا يشيرون نحو الوحش بفزع.

فبعض الأطراف الكبيرة المبتورة نبتت فيها زوائد وسواعد لا تُعدّ، جعلتها تشبه العناكب والعقارب. أما الأطراف الأصغر فامتدّت لتشبه الشراغيف أو الأفاعي. وبعضها انكمش إلى كرة وبدأ يتدحرج مثل العجلات في عالمه السابق.

وما إن فرغ من كلامه حتى انفجر المجسّ العملاق تحت جيزا مجددًا إلى عدد لا يُحصى من الثقوب من الداخل. وانكمش وهو يذبل.

وكان القاسم المشترك بينها: أنّها ما إن تتحوّل، حتى تركض أو تزحف أو تتدحرج أو تستخدم أي طريقة لتهاجم تاليس والشقية.

امتدّت عدّة مجسّات نحوهما، لكن تاليس كان قد بلغ حدّ الإنهاك. لم يعد قادرًا حتى على التفكير في مراوغة شيء. لم يبقَ إلا خيوطٌ ضئيلة من تدفّق الظلّ والـجدار الهوائي الذي ظلّ ثابتًا يصدّ هذه المفترسات المروّعة.

وحين رأى تاليس مئات من تلك “المخلوقات الصغيرة” غريبة الشكل و هيئاتها الملتوية تطارده، شعر بقشعريرة تتسلّق فروة رأسه. فاستدار فورًا وركض بكل ما أوتي من قوة.

أنزل الشاب يده اليمنى، وتوقف عن الكلام. وصار وجهه أكثر جدية مما كان.

(يا رجل… لديّ رُهابُ النتوءات!)

وغدت كلمات آسدا أكثر هدوءًا ولا مبالاة، “إنّ الحياة لا بدّ أن تعتمد على الهواء.”

يبدو أن الشقية أدركت خطورة الوضع، فصكت أسنانها بتصميم ولحقت بخطوات تاليس بلا تردد. لكنهما لم يكونا قادرين على التفوق في السرعة على تلك المخلوقات.

مدّ ذلك الكائن مجسًا أصغر حجمًا لكنه أشدّ صلابة، أقرب إلى شوكة عظمية سوداء.

فجأة، قفز بجوارهما وحشٌ ذو ستّ أرجل، عين واحدة، وزوج من المخالب.

وفي شوارع عديدة، ابتلعت هذه المجسّات الصغيرة عددًا كبيرًا من الناس وأعادتهم إلى المجسّ العملاق الجذري، فأُجبروا على الاندماج في تلك الكتلة المرعبة من اللحم والدم. ولم تسلم منها الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب، ولا حتى الطيور والحشرات والأشجار والزهور.

وحين لمح تاليس هذا الشيء من طرف عينه، انتفض جسده كله بقشعريرة. وفي اللحظة التالية، ارتجف الوحش ثم انفجر مثل المجسّات. وكذلك انفجرت أعداد لا تُحصى من المخلوقات خلفه إلى قطرات دم انهمرت من السماء. غمر الدم وجهي تاليس والشقية بالكامل.

كان عددها يزيد على المئة. غطّت المجسّات معظم ما يراه بعينه، حتى القمرُ اختفى خلفها.

وقبل أن يتمكّن تاليس من الشعور بالارتياح، شعر فجأة أنّ الدم فوق رأسه يبدأ بالارتعاش كأنّ له حياة. وكأن ملايين من الشراغيف الصغيرة تتحرك وترتعش على جلده في لحظة واحدة.

ضرب الملك نوڤين راحته على المنصّة، واتّسعت العروق في يده.

(ما هذا اللع…!)

وفي عالمٍ صامتٍ مخادع، ركض تاليس عبر عدد من الأشخاص الساقطين أرضًا. بعضهم كان منتفخًا مثل الرجل، لكن كثرةً منهم بدوا ميتون وقد عاد جسدهم إلى حجمه الطبيعيّ في الموت. وكانت بشرتهم مشدودة على هياكلهم، كأنها جثث عتيقة.

تجمّع الاشمئزاز والخوف في ذهن تاليس دفعة واحدة.

“لا بدّ أنّ حادثًا وقع. سواء كان رامون أو السيف الأسود، لا أظنّ أنهما قادران على دفع الوحش إلى هذه الدرجة!”

ولحسن الحظ، هبّت عندها عاصفة هوائية غير مسبوقة فرفعت تاليس والشقية في الهواء.

تلا ذلك مباشرةً صوتُ تمزّق اللحم، إذ انفجرت تلك المجسّات العملاقة إلى عدد لا يُحصى من المجسّات الأصغر. انتشرت فوق مساحة مرعبة وفي كل اتجاه.

هوووش!

“اقطعوه! اقطع… أُغ—”

بدت تلك الريح وكأنّ لها وعيًا؛ إذ تسلّلت من كل موضع ممكن ومسحت دم جيزا عن جلديهما. ثم سقط تاليس والشقية مجددًا إلى الأرض، منهكين ومبعثرين.

“نعم.” زفر. “سنفعل ذلك إذن.”

وتزايدت قوّة العاصفة. فبهديرٍ عاصف، هدمت بضع بيوت وهي تلتف نحو جيزا. حطّمت مجسّاتها الجديدة، وبدّدتها، وجعلتها تنفجر في الهواء.

الصوفية الدموية في السابق لم تكن هكذا أبدًا.

دون تردد، نهض تاليس وأمسك بيد الشقية. ومع زخم الريح، اندفعا يركضان في يأس.

بووم!

(اركض.)

في تلك الظلمة، جذب تاليس نفسًا باردًا. وبعد أن رفع الشقية الصغيرة، سمع أصوات لحم يحتك بعضه ببعض تتعالى من حوله.

كان يلهث بعمق. وقد كانت التموجات مفعّلة في جسده منذ زمن، ولهذا كان يمسك يد الشقية بين الحين والآخر خشية ألا تستطيع مجاراته.

“منذ صباي، لم يكن ذلك الوحش إلا صورة في الرسوم… الهيدرا كيليكا، خصم رايكارو اللدود.”

(اركض.)

“نعم.” زفر. “سنفعل ذلك إذن.”

عضّ على أسنانه، مدركًا أن كل ما هو دم أو كائن حي خلفه يمكن أن يتحوّل إلى سلاح لقتله.

“اقطعوه! اقطع… أُغ—”

(فقط اركض. هذا اندفاع يائس للبقاء!)

وسط الضجيج، راحت العويلات، والصرخات الموجوعة، ونداءات الاستغاثة، والصرخات اليائسة للنجاة، تنهال عليه من أفواه لا تُحصى من المواطنين، كأنها أصوات مسحورة.

أخيرًا، خرج الاثنان إلى الشارع، ورأيا أناسًا أحياء من جديد.

لكن في تلك اللحظة، كانت كثافة الضوء الأزرق وسطوعه وتواتره على وجه آسدا أشد مما كانت عليه حين قاتل السيف الأسود.

كان سكان الشمال على الجانب الآخر قد سمعوا الضجيج الهائل والارتجاج. فخرج كثير منهم ليروا ما يجري، والذين رأوا تاليس يركض أثاروا همهمات حماسية.

بعد بضع دقائق…

أراد تاليس أن يصرخ فيهم كي يهربوا. لكن الركض مع الشقية أنهكه تمامًا؛ فلم يعد بقادر حتى على فتح فمه، واكتفى بأن يركض مدفوعًا بالغريزة.

امتدّت عدّة مجسّات نحوهما، لكن تاليس كان قد بلغ حدّ الإنهاك. لم يعد قادرًا حتى على التفكير في مراوغة شيء. لم يبقَ إلا خيوطٌ ضئيلة من تدفّق الظلّ والـجدار الهوائي الذي ظلّ ثابتًا يصدّ هذه المفترسات المروّعة.

في الشارع الذي هرب منه تاليس، اندفعت عاصفة عنيفة، ووقف شخصٌ معلقًا في الهواء.

وفي اللحظة التالية، شقّ شعاعٌ من ضوء القمر العتمة. اتّسع وازداد سطوعًا حتى طرد ظلال المجسّات.

كانت عينا صوفي الهواء متوهجتين باللون الأزرق. وانسابت الأنوار الزرقاء على وجهه كله حتى بدا وجهه وكأنه يتشقق. كان يواجه الصوفية الدموية على المجسّ بصمت.

(وماذا الآن؟!)

لكن في تلك اللحظة، كانت كثافة الضوء الأزرق وسطوعه وتواتره على وجه آسدا أشد مما كانت عليه حين قاتل السيف الأسود.

وفي اللحظة التالية، ضحكت جيزا باستهتار، فانشقّت الأرض تحت قدميها فجأة، وتعالت ارتجاجات مستمرة.

“هاهاهاها!” بدت الصوفية الدموية في غاية النشوة. ضحكت وقالت لآسدا: “أرأيت؟ التطوّر لم يكن صعبًا!”

(فقط اركض. هذا اندفاع يائس للبقاء!)

“كنتِ على حق، التطوّر زاد من دقّة تحكّمي.” كانت كلمات صوفي الهواء بلا انفعال، ولا نبرة فيها، كأنه لا يرغب أصلًا في الرد على جيزا. “فالهواء حاضر… لنقل، في كل الكائنات الحيّة؟”

مرّا بجثث كثيرة على الأرض، بأشكالٍ وهيئاتٍ شتى، وكلّها ماتت وعلى وجوهها أثر الألم.

وما إن فرغ من كلامه حتى انفجر المجسّ العملاق تحت جيزا مجددًا إلى عدد لا يُحصى من الثقوب من الداخل. وانكمش وهو يذبل.

ارتجفت الصغيرة الشقية وهي تشدّ على كمه. فالتفت تاليس ورآها تحدّق مذهولة أمامها.

“لم يتبقَّ لديك الكثير من الدم”، قال صوفي الهواء ببرود، “استسلمي، ما رأيك؟”

وقبل أن يتمكّن تاليس من الشعور بالارتياح، شعر فجأة أنّ الدم فوق رأسه يبدأ بالارتعاش كأنّ له حياة. وكأن ملايين من الشراغيف الصغيرة تتحرك وترتعش على جلده في لحظة واحدة.

ابتسمت الصوفية الدموية وهي تهبط إلى الأرض.

حاول بيأس السيطرة على الارتجاف في صدره، وابتلع الغصّة في حلقه.

“لا دم.” غدت كلمات جيزا أكثر تراخيًا، وتحول ضحكها المكسّر اللكنة إلى نبرة غريبة. “لا دم؟”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وحين قالت ذلك، أضاءت عيناها، وبرزت العروق على وجهها أكثر من ذي قبل. وبدأت ترتجف بتواتر متزايد وهي تتشعّب إلى ملايين الفروع الدقيقة.

“اركض!”

“تابعي التطوّر.” تداخل ضوء آسدا الأزرق، وتعاظم بريقه في عينيه، ومع ذلك ظل صوته مسطحًا يفتقر لأي انفعال. “لقد فقدتِ صوابك تمامًا.”

لا، ليس الثلج وحده. كلّ ما أمام عينيه أخذ يتحوّل إلى بخار… وهو يغلي.

وفي اللحظة التالية، ضحكت جيزا باستهتار، فانشقّت الأرض تحت قدميها فجأة، وتعالت ارتجاجات مستمرة.

جرف تيار آخر كميات لا نهاية لها من التراب والحجارة والثلج من جهة أخرى وحملها بعيدًا.

تشقّق…

وحين لمح تاليس هذا الشيء من طرف عينه، انتفض جسده كله بقشعريرة. وفي اللحظة التالية، ارتجف الوحش ثم انفجر مثل المجسّات. وكذلك انفجرت أعداد لا تُحصى من المخلوقات خلفه إلى قطرات دم انهمرت من السماء. غمر الدم وجهي تاليس والشقية بالكامل.

امتدت الشقوق في الأرض إلى ما يقارب مئة متر، وبدأت الأرض تنتفخ صعودًا.

حينما رفعت جيزا ذراعيها، شعر تاليس برجفة تنبعث من تحت الأرض.

تحطّم!

ومع ضحكة جيزا، انقسم الوحش إلى عشرات الأطراف شبيهة بالمجسّات السابقة، وانهالت بعنف على الأرض.

وبين هدير التحطّم، اندفع من تحت الأرض مخلوقٌ عملاق بارتفاع عشرات الأمتار، وكانت جيزا في مركزه. تساقط الحطام والثلج عن جسده.

نظر إلى صوفيّة الدم وحيوانها الأليف وهي تهوي إلى الأرض ترتجف وتغلي. كان الدم في جسد جيزا يتبخّر بلا انقطاع، لكنها رغم ذلك نظرت إليه وأومأت مبتسمة.

غطّى هذا الوحش العملاق كل شيء ضمن دائرة قطرها مئة متر.

فجأة، قفز بجوارهما وحشٌ ذو ستّ أرجل، عين واحدة، وزوج من المخالب.

ومع ضحكة جيزا، انقسم الوحش إلى عشرات الأطراف شبيهة بالمجسّات السابقة، وانهالت بعنف على الأرض.

هوووش!

كان أشبه بشجرةٍ عتيقة متجذّرة. وكان يشبه كذلك أخطبوط الدم الهائل.

حوّل صوفي الهواء عينيه المتألقتين وألقى نظرة في اتجاه هيئة تاليس الهاربة، البعيدة التي أوشكت أن تتوارى.

ولو التفت تاليس، لعرفه على الفور: ذلك “الهيدرا” المرعب في غابة شجر البتولا. غير أنه هذه المرّة أكبر بعشرات المرات.

“منذ صباي، لم يكن ذلك الوحش إلا صورة في الرسوم… الهيدرا كيليكا، خصم رايكارو اللدود.”

واصلت مجسّات الهيدرا اختراق الأرض إلى أعماقها. وكانت أطرافه ترتعش بعنف، والارتجاج ينتشر ببطء دون توقّف.

ولحسن الحظ، هبّت عندها عاصفة هوائية غير مسبوقة فرفعت تاليس والشقية في الهواء.

دوي!

وبعيدًا، فوق سطح صغير في حيّ الدرع، كان هناك شابٌ يرتدي الأبيض. حدّق بمشهد الفاجعة في حيّ الدرع بملامح متجهمة، وبذلك المخلوق المخيف الذي بلغ ارتفاعه عشرات الأقدام.

وسريعًا ما انبثقت مجسّات عملاقة مرعبة من تحت الأرض في الشوارع والأحياء التي تبعد مئات الأمتار. وظهر أحدها في الشارع الذي دخل إليه تاليس للتو.

(هذا سيّئ. هذا… جدار الهواء يتحطّم!)

حدّق تاليس بذهول في المجسّ العملاق الذي بدا وكأنه ينبثق من الأرض.

بووم!

وانطلقت صرخات ذعر من الناس من حوله وهم يتشتتون في كل اتجاه. لكن حظهم لم يكن أفضل حالًا.

وفي البعيد، ذبل الوحش فجأة.

ففي اللحظة التالية، انشقّ ذلك المجسّ إلى عدد لا يُحصى من المجسّات الصغيرة. وانقضّت مثل مفترس، بوحشية وسرعة، على كل حيّ من حولها.

مرّا بجثث كثيرة على الأرض، بأشكالٍ وهيئاتٍ شتى، وكلّها ماتت وعلى وجوهها أثر الألم.

شعر تاليس بقشعريرة تنفذ إلى جلده، لكنه لم يلتفت. جذب الشقية بقوة، وواصل اندفاعه اليائس. وفي أعماقه، كان يصرخ حزنًا بأقصى ما يملك.

عضّ على أسنانه، مدركًا أن كل ما هو دم أو كائن حي خلفه يمكن أن يتحوّل إلى سلاح لقتله.

(وماذا الآن؟!)

“يا إلهي، لن تصدّق هذا!” قال الشاب على عجل، “هذا ضربٌ من الهراء! ذلك الوحش يكاد يدمّر العالم!”

الصوفية الدموية في السابق لم تكن هكذا أبدًا.

كانت عينا صوفي الهواء متوهجتين باللون الأزرق. وانسابت الأنوار الزرقاء على وجهه كله حتى بدا وجهه وكأنه يتشقق. كان يواجه الصوفية الدموية على المجسّ بصمت.

وسط الضجيج، راحت العويلات، والصرخات الموجوعة، ونداءات الاستغاثة، والصرخات اليائسة للنجاة، تنهال عليه من أفواه لا تُحصى من المواطنين، كأنها أصوات مسحورة.

ثم دوى صوت آخر.

“لا! آااه!!”

هزّ تاليس رأسه بعنف، محاولًا طرد كل شيء من صدره. لم يشأ التفكير في شيء. مذعورًا، مرتاعًا، ملهوفًا، لم يبقَ في ذهنه سوى غاية واحدة.

“ما هذا؟!”

كان لكل مجسّ حياةٌ خاصة به، إذ تقدّمت وهي تنسج طريقها. وبعد بضع ثوانٍ، ارتعشت مجسّات الدم جميعها دفعة واحدة. وطغت هيبتها وهي تنساب بسرعة في اتجاه تاليس.

“أنقذوني!”

وعلى هذا الجانب، ابتسمت الصوفيّة الدمويّة وهي تحدّق بصوفي الهواء الخالي من التعابير. “إنني… أملك لحم مدينة كاملة بأسرها! كيف لا يكون هناك دم؟”

“اقطعوه! اقطع… أُغ—”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“أمييي!!”

امتدت الشقوق في الأرض إلى ما يقارب مئة متر، وبدأت الأرض تنتفخ صعودًا.

“اركضوا! أسرعوا!”

“لماذا…” ارتعشت الصغيرة الشقية وهزّت رأسها حزنًا، وانحدرت دموعها بلا توقف. “ما هذه الأشياء بالضبط…”

“اللعنة! يا لعين— آااه!! دعني!!”

في مجال رؤيته، اندفعت المجسّات المتلألئة بضوء أحمر من كل جانب، لا تترك موضعًا دون أن تغزوه.

وفي شوارع عديدة، ابتلعت هذه المجسّات الصغيرة عددًا كبيرًا من الناس وأعادتهم إلى المجسّ العملاق الجذري، فأُجبروا على الاندماج في تلك الكتلة المرعبة من اللحم والدم. ولم تسلم منها الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب، ولا حتى الطيور والحشرات والأشجار والزهور.

توقّف الشاب لحظة ثم أومأ برأسه. “صحيح، بهذا المعدل، أخشى أنّ مدينة سحب التنين بأكملها ستنهار بسببه.”

مهما يكن ذلك الشيء، فإنّ أصواتهم، تمامًا كما حياتهم، انقطعت فجأة حينما دخلوا في لحم المجسّات.

بعد بضع دقائق…

(لا… لا…)

تحطّم!

قبض تاليس على أسنانه بلا هوادة، وانهمرت دموعه بلا انقطاع. كانت المشاهد المروّعة، التي تجاوزت ما يمكن لحالته الذهنية أن تتحمّله، تنهال على قلبه.

امتدّت عدّة مجسّات نحوهما، لكن تاليس كان قد بلغ حدّ الإنهاك. لم يعد قادرًا حتى على التفكير في مراوغة شيء. لم يبقَ إلا خيوطٌ ضئيلة من تدفّق الظلّ والـجدار الهوائي الذي ظلّ ثابتًا يصدّ هذه المفترسات المروّعة.

أما الصغيرة الشقية فخفضت رأسها وحسب. لم تُلقِ نظرة إلى الجانبين، ولا إلى الخلف، ولا إلى أي موضعٍ حولها، بل ظلّت تركض وتبكي.

كانت عينا صوفي الهواء متوهجتين باللون الأزرق. وانسابت الأنوار الزرقاء على وجهه كله حتى بدا وجهه وكأنه يتشقق. كان يواجه الصوفية الدموية على المجسّ بصمت.

امتدّت عدّة مجسّات نحوهما، لكن تاليس كان قد بلغ حدّ الإنهاك. لم يعد قادرًا حتى على التفكير في مراوغة شيء. لم يبقَ إلا خيوطٌ ضئيلة من تدفّق الظلّ والـجدار الهوائي الذي ظلّ ثابتًا يصدّ هذه المفترسات المروّعة.

شعر تاليس بقشعريرة تنفذ إلى جلده، لكنه لم يلتفت. جذب الشقية بقوة، وواصل اندفاعه اليائس. وفي أعماقه، كان يصرخ حزنًا بأقصى ما يملك.

كان آسدا يطفو برفق في الهواء. كلّ ما في الجوّ كان يُحدّثه عمّا يجري في ذلك الحيّ الضخم من المدينة.

توهّجت الأشعة الزرقاء على جسد آسدا وخبت. وانفرجت قبضته اليمنى.

“ألا دم؟”

دون تردد، نهض تاليس وأمسك بيد الشقية. ومع زخم الريح، اندفعا يركضان في يأس.

وعلى هذا الجانب، ابتسمت الصوفيّة الدمويّة وهي تحدّق بصوفي الهواء الخالي من التعابير. “إنني… أملك لحم مدينة كاملة بأسرها! كيف لا يكون هناك دم؟”

راقب تاليس بذهول مئاتٍ من مجسّات الدم حوله وهي تنفجر إلى الداخل واحدًا بعد الآخر. وحين انفجرت، اندفعت منها طبقة كثيفة من ضباب الدم وأطرافٌ ممزقة تناثرت كشظايا.

ومع تدفّق طاقة الحياة الجديدة، غدا جسد الهيدرا أقوى وأعرض. ارتجف المجسّ الأقرب إلى تاليس فجأة وانفجر إلى مزيد من المجسّات التي اندفعت نحوه.

دوي! باو! تحطّم! بانغ! طرقة!

حوّل صوفي الهواء عينيه المتألقتين وألقى نظرة في اتجاه هيئة تاليس الهاربة، البعيدة التي أوشكت أن تتوارى.

حينها شعر تاليس بثقل في يده—إذ انزلقت الشقية الصغيرة وسقطت على الأرض.

ثم استدار في الحال. وبدأت الأضواء الزرقاء في جسده تتحوّل تدريجيًا من خطوط متوهجة إلى نقاط نجمية، كأنها كوكبة متلألئة.

أما المجسّ العملاق تحت الصوفية الدموية فقد تماوج من الداخل. وانفجر ثقبٌ كبير على سطحه وبدأ يتسرّب منه قطرات لا تُحصى من الدماء.

وغدت كلمات آسدا أكثر هدوءًا ولا مبالاة، “إنّ الحياة لا بدّ أن تعتمد على الهواء.”

وحين لمح تاليس هذا الشيء من طرف عينه، انتفض جسده كله بقشعريرة. وفي اللحظة التالية، ارتجف الوحش ثم انفجر مثل المجسّات. وكذلك انفجرت أعداد لا تُحصى من المخلوقات خلفه إلى قطرات دم انهمرت من السماء. غمر الدم وجهي تاليس والشقية بالكامل.

ورفع صوفي الهواء يده ببطء، “وإن لم يكن هناك هواء… فكيف تحيا الحياة؟”

مدّ ذلك الكائن مجسًا أصغر حجمًا لكنه أشدّ صلابة، أقرب إلى شوكة عظمية سوداء.

اظلمت ابتسامة جيزا قليلًا. وقبض آسدا على قبضتيه.

وفي مجال بصره، بدا كأنهما ـ هو والصغيرة الشقية ـ محبوسان داخل كرة شفافة من الضوء الأزرق. ثم فوجئ تاليس بأنّ كل ما حولهما بات مختلفًا.

وفي تلك اللحظة، شعر تاليس من بعيد بدائرةٍ أخرى تحيط به.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

وفي مجال بصره، بدا كأنهما ـ هو والصغيرة الشقية ـ محبوسان داخل كرة شفافة من الضوء الأزرق. ثم فوجئ تاليس بأنّ كل ما حولهما بات مختلفًا.

…

أولًا، تلاشى الصوت من محيطه. ثم بدأ الثلج على الأرض… يغلي بسرعة يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة.

تلا ذلك مباشرةً صوتُ تمزّق اللحم، إذ انفجرت تلك المجسّات العملاقة إلى عدد لا يُحصى من المجسّات الأصغر. انتشرت فوق مساحة مرعبة وفي كل اتجاه.

لا، ليس الثلج وحده. كلّ ما أمام عينيه أخذ يتحوّل إلى بخار… وهو يغلي.

عصر يد الصغيرة الشقية بيده المرتجفة. كانت الفتاة شاردة، تتبعه بلا وعي.

رجلٌ إلى جوارهما قبض على عنقه فجأة، كأنّ الهواء ضاق عليه. فتح فمه مذعورًا محاولًا أن يستنشق. تصاعد البخار من عينيه وفمه وانتشر سريعًا. وبعد نحو عشر ثوانٍ، هوى الرجل، وبدأ جسده ينتفخ.

كانت الجثث مبعثرة على امتداد الطريق لعشرات الأمتار، يزيد عددها على المئة.

راقب تاليس والصغيرة الشقية كلّ شيء مذهولين. وفي الوقت نفسه أدركا أنّ الثلج والأشياء القريبة منهما لا تزال على حالها.

“يا إلهي، لن تصدّق هذا!” قال الشاب على عجل، “هذا ضربٌ من الهراء! ذلك الوحش يكاد يدمّر العالم!”

“ما الذي يحدث؟!” سألت الصغيرة الشقية بخوف.

ضرب الملك نوڤين راحته على المنصّة، واتّسعت العروق في يده.

هزّ تاليس رأسه مذهولًا. وحتى بعلمه، لم يستطع أن يفهم ما يجري. رفع بصره ورأى عددًا لا يُحصى من المواطنين حوله ينتفخون واحدًا تلو الآخر.

“لا تنظري.” أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وقبض على فكيه كابحًا رغبته في البكاء. غطّى عيني الصغيرة الشقية بعزم، وأمسك بها مواصلًا المسير. “لا تنظري.”

حتى تلك المجسّات المفزعة أخذت تُطلق بخارًا أثناء مقاومتها قبل أن تنهار بدورها على الأرض.

هدير!

لم يشعر تاليس سوى بالرعب، فأمسك بالصغيرة الشقية على نحو غريزيّ وواصل الجري. في عينيه، كانت الكرة الزرقاء أشبه بغشاءٍ واقٍ يحميهما من الفاجعة التي تعصف بالعالم الخارجيّ.

(اركض. اركض بسرعة، أبعد ما يكون.)

وفي عالمٍ صامتٍ مخادع، ركض تاليس عبر عدد من الأشخاص الساقطين أرضًا. بعضهم كان منتفخًا مثل الرجل، لكن كثرةً منهم بدوا ميتون وقد عاد جسدهم إلى حجمه الطبيعيّ في الموت. وكانت بشرتهم مشدودة على هياكلهم، كأنها جثث عتيقة.

وانطلقت من ذلك الشيء ثلاث شوكات عظمية رفيعة اخترقت آسدا مباشرة.

شعر تاليس في تلك اللحظة ببرودة لم يعهدها في قلبه. وأخبره حدسه أنّه لم يبقَ أحدٌ حيّ في هذه المدينة.

ثم، وكأنّ قوّةً عظيمة ضربت المكان، انفجر حيّ الدرع بأكمله من غير سبب في دويّ مدوٍّ.

عصر يد الصغيرة الشقية بيده المرتجفة. كانت الفتاة شاردة، تتبعه بلا وعي.

فتح آسدا فاه وصاح بغضب:

مرّا بجثث كثيرة على الأرض، بأشكالٍ وهيئاتٍ شتى، وكلّها ماتت وعلى وجوهها أثر الألم.

كان لكل مجسّ حياةٌ خاصة به، إذ تقدّمت وهي تنسج طريقها. وبعد بضع ثوانٍ، ارتعشت مجسّات الدم جميعها دفعة واحدة. وطغت هيبتها وهي تنساب بسرعة في اتجاه تاليس.

قبض تاليس أسنانه ومسح دموعه. وكبح بيأسٍ موجةً ثانية من الدموع. كان يعلم أنّ موت هؤلاء الرجال والنساء كان بسببه؛ فقد جلب الموت والكارثة.

انفجر كل شيء فجأة وتهشّم، كأنّ يدًا عملاقة ضربت المكان دفعة واحدة.

هزّ تاليس رأسه بعنف، محاولًا طرد كل شيء من صدره. لم يشأ التفكير في شيء. مذعورًا، مرتاعًا، ملهوفًا، لم يبقَ في ذهنه سوى غاية واحدة.

توقّفت المجسّات المقتربة.

(اركض. اركض بسرعة، أبعد ما يكون.)

كبح الملك نوڤين نبرته، وبآخر ما يملك من قدرة، تكلّم بهدوء: “كم عدد المواطنين الذين أُجلوا؟ وماذا عن تقرير الدورية؟”

وفي العالم الصامت، ظلّ صوفي الهواء يطفو بهدوء.

فبعض الأطراف الكبيرة المبتورة نبتت فيها زوائد وسواعد لا تُعدّ، جعلتها تشبه العناكب والعقارب. أما الأطراف الأصغر فامتدّت لتشبه الشراغيف أو الأفاعي. وبعضها انكمش إلى كرة وبدأ يتدحرج مثل العجلات في عالمه السابق.

نظر إلى صوفيّة الدم وحيوانها الأليف وهي تهوي إلى الأرض ترتجف وتغلي. كان الدم في جسد جيزا يتبخّر بلا انقطاع، لكنها رغم ذلك نظرت إليه وأومأت مبتسمة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

وفي اللحظة التالية، انفجرت الأوعية الدموية في جسد جيزا مجددًا. كأنّ اللحم بأسره قد أحاط بها.

عدد لا يحصى من المجسّات هاجمتهما من الخلف. وكقبة عملاقة، غطّت المجسّات رأسيهما…

تحرّك المجسّ الضخم تحتها فجأة. وانكمشت كتل اللحم إلى الداخل، وبسرعةٍ خاطفة تقلّصت الهيدرا العملاقة، التي امتدّت لمئات الأمتار، حتى غدت مخلوقًا أسود صغيرًا غريب الهيئة.

لم يشعر تاليس سوى بالرعب، فأمسك بالصغيرة الشقية على نحو غريزيّ وواصل الجري. في عينيه، كانت الكرة الزرقاء أشبه بغشاءٍ واقٍ يحميهما من الفاجعة التي تعصف بالعالم الخارجيّ.

مدّ ذلك الكائن مجسًا أصغر حجمًا لكنه أشدّ صلابة، أقرب إلى شوكة عظمية سوداء.

ولم يكن وحده؛ فقد خرج المواطنون على جانبي الشارع في حيّ الدرع من منازلهم الكبيرة والصغيرة، وأخذوا يشيرون نحو الوحش بفزع.

ظلّ صوفي الهواء بلا تعبير، لكن حاجبه ارتعش قليلاً. قبض يده اليمنى بقوة، واشتدّ الضوء الأزرق المتلألئ على وجهه.

“أنا متأكدة. ربما يجدر بك أن تحرسه بإحكام الآن.”

وانطلقت من ذلك الشيء ثلاث شوكات عظمية رفيعة اخترقت آسدا مباشرة.

أولًا، تلاشى الصوت من محيطه. ثم بدأ الثلج على الأرض… يغلي بسرعة يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة.

توهّجت الأشعة الزرقاء على جسد آسدا وخبت. وانفرجت قبضته اليمنى.

وفي اللحظة التالية، شقّ شعاعٌ من ضوء القمر العتمة. اتّسع وازداد سطوعًا حتى طرد ظلال المجسّات.

ثم، وكأنّ قوّةً عظيمة ضربت المكان، انفجر حيّ الدرع بأكمله من غير سبب في دويّ مدوٍّ.

وفي تلك اللحظة، شعر تاليس من بعيد بدائرةٍ أخرى تحيط به.

بووم!

في تلك الظلمة، جذب تاليس نفسًا باردًا. وبعد أن رفع الشقية الصغيرة، سمع أصوات لحم يحتك بعضه ببعض تتعالى من حوله.

انفجر كل شيء فجأة وتهشّم، كأنّ يدًا عملاقة ضربت المكان دفعة واحدة.

أما المجسّ العملاق تحت الصوفية الدموية فقد تماوج من الداخل. وانفجر ثقبٌ كبير على سطحه وبدأ يتسرّب منه قطرات لا تُحصى من الدماء.

تطايرت الحصى، وتناثرت الشظايا في كل اتجاه. وكثير منها اندفع نحو تاليس والصغيرة الشقية، لكنّ الكرة الضوئية الزرقاء صدّتها بالقوة.

حاول بيأس السيطرة على الارتجاف في صدره، وابتلع الغصّة في حلقه.

وكان ذلك حين شعر تاليس كأنّ مدينة سحب التنين بأسرها تهتزّ في حركة دائرية قبل أن تنفجر فجأة.

“يا مولاي”، قالت الساحرة الحمراء بنبرة مسطّحة، “اغفر لي صراحتي. أخشى أنّ…”

سقط هو والصغيرة الشقية أرضًا. لكن تاليس انتبه بعد ذلك إلى أن كل شيء أمامه قد عاد إلى حالته الطبيعية.

وفي العالم الصامت، ظلّ صوفي الهواء يطفو بهدوء.

في لحظة الانفجار، بدا وكأنّ الصوت عاد فجأة. وتوقّف الثلج والماء عن التبخّر. والجثث الذابلة المتيبّسة بدأت تعود إلى هيئتها الطبيعية.

شهق تاليس بدهشة. وأدار رأسه نحو جهة آسدا وجيزا، لكنه لم يرَ شيئًا.

ارتجفت الصغيرة الشقية وهي تشدّ على كمه. فالتفت تاليس ورآها تحدّق مذهولة أمامها.

ارتجفت الصغيرة الشقية وهي تشدّ على كمه. فالتفت تاليس ورآها تحدّق مذهولة أمامها.

(هذا سيّئ. هذا… جدار الهواء يتحطّم!)

كانت الجثث مبعثرة على امتداد الطريق لعشرات الأمتار، يزيد عددها على المئة.

“يا لردّ فعلك السريع، يا تلميذ الصوفي!” ضحكت جيزا بصوت عال وهي تربّت برفق على المجسّ تحتها.

وعلم تاليس في قرارة نفسه أنّ في بقية الشوارع المزيد والمزيد.

“اللعنة! يا لعين— آااه!! دعني!!”

حاول بيأس السيطرة على الارتجاف في صدره، وابتلع الغصّة في حلقه.

كانت عينا صوفي الهواء متوهجتين باللون الأزرق. وانسابت الأنوار الزرقاء على وجهه كله حتى بدا وجهه وكأنه يتشقق. كان يواجه الصوفية الدموية على المجسّ بصمت.

كانت الصغيرة الشقية تنتحب بصمت.

ثم بدأت المجسّات المتناثرة، بفعل الانفجار، ترتجف بسرعة فوق الأرض وتتحوّل.

“لماذا…” ارتعشت الصغيرة الشقية وهزّت رأسها حزنًا، وانحدرت دموعها بلا توقف. “ما هذه الأشياء بالضبط…”

دوي! بانغ! طرقة!

“لا تنظري.” أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وقبض على فكيه كابحًا رغبته في البكاء. غطّى عيني الصغيرة الشقية بعزم، وأمسك بها مواصلًا المسير. “لا تنظري.”

شعر تاليس في تلك اللحظة ببرودة لم يعهدها في قلبه. وأخبره حدسه أنّه لم يبقَ أحدٌ حيّ في هذه المدينة.

وفي تلك اللحظة، فاض في قلب تاليس شعور هائل بالحزن. قبض أسنانه وقال: “سيكون الأمر بخير. سيكون بخير. قريبًا… سينتهي… سينتهي.”

قفز قلب تاليس.

بعيدًا هناك، أخذ صوفي الهواء يتعافى ببطء تحت ضوءه الأزرق. كان يحدّق بذهول في جيزا.

حدّق آسدا فيها، ووميض الضوء الأزرق يتلألأ على وجهه.

“مندهش؟” ضحكت جيزا وهي تبادله النظرة. “لكن تلك هي الحياة، أليس كذلك؟

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“أتدري؟ حتى في الفراغ الخالي من الهواء، هناك كائن سيظلّ يحيا بعناد.”

…

حدّق آسدا فيها، ووميض الضوء الأزرق يتلألأ على وجهه.

حوّل صوفي الهواء عينيه المتألقتين وألقى نظرة في اتجاه هيئة تاليس الهاربة، البعيدة التي أوشكت أن تتوارى.

“ذلك الصبي، لقد ولد تحت نجمٍ محظوظ. هل أنت مستعدة للجولة الثانية؟” هزّت الصوفيّة الدموية رأسها بدلال. وكانت العروق على وجهها قد تحوّلت إلى لون أرجوانيّ أعمق وأكثر رعبًا. “ها أنا قادمة.”

“منذ صباي، لم يكن ذلك الوحش إلا صورة في الرسوم… الهيدرا كيليكا، خصم رايكارو اللدود.”

“إن تطوّرتِ مجددًا، فستضطرين إلى (طرق الباب).” كانت نبرة صوفي الهواء خالية من أي شعور، كأنّه منطقٌ محض، وهو يحدّق فيها بهدوء، كأنها لا تسعى لقتل الصوفيّ المحتمل الذي كان يحاول حمايته. “أمتأكّدة؟”

واصلت مجسّات الهيدرا اختراق الأرض إلى أعماقها. وكانت أطرافه ترتعش بعنف، والارتجاج ينتشر ببطء دون توقّف.

“آه، أيها الجرو الصغير آسدا.” لعقت الصوفيّة الدموية زاوية شفتيها بخفة، وقالت بمكر:

ثم دوى صوت آخر.

“أنا متأكدة. ربما يجدر بك أن تحرسه بإحكام الآن.”

“يا إلهي، لن تصدّق هذا!” قال الشاب على عجل، “هذا ضربٌ من الهراء! ذلك الوحش يكاد يدمّر العالم!”

…

وانطلقت من ذلك الشيء ثلاث شوكات عظمية رفيعة اخترقت آسدا مباشرة.

وبعيدًا، فوق سطح صغير في حيّ الدرع، كان هناك شابٌ يرتدي الأبيض. حدّق بمشهد الفاجعة في حيّ الدرع بملامح متجهمة، وبذلك المخلوق المخيف الذي بلغ ارتفاعه عشرات الأقدام.

“نعم، صحيح”، قال الشاب الأبيض بقلقٍ ما، “لقد بدأ الأمر. غير أنّ هناك عدة… لا، بل عدة كبيرة من الإخفاقات.”

ولم يكن وحده؛ فقد خرج المواطنون على جانبي الشارع في حيّ الدرع من منازلهم الكبيرة والصغيرة، وأخذوا يشيرون نحو الوحش بفزع.

“ما الذي يحدث؟!” سألت الصغيرة الشقية بخوف.

لكن ذلك الشاب بدا مميّزًا بعض الشيء. إذ بدا لسببٍ ما… وكأنه يتحدث إلى الهواء.

أولًا، تلاشى الصوت من محيطه. ثم بدأ الثلج على الأرض… يغلي بسرعة يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة.

“نعم، صحيح”، قال الشاب الأبيض بقلقٍ ما، “لقد بدأ الأمر. غير أنّ هناك عدة… لا، بل عدة كبيرة من الإخفاقات.”

فبعض الأطراف الكبيرة المبتورة نبتت فيها زوائد وسواعد لا تُعدّ، جعلتها تشبه العناكب والعقارب. أما الأطراف الأصغر فامتدّت لتشبه الشراغيف أو الأفاعي. وبعضها انكمش إلى كرة وبدأ يتدحرج مثل العجلات في عالمه السابق.

أخذ الشاب نفسًا عميقًا، ورفع يده اليمنى وقال للهواء: “ذلك المجنون القاتل يبدو أكثر جنونًا مما توقّعنا. أكان لدى السيف الأسود حقًا القدرة على دفع ذلك الوحش إلى هذا الحدّ؟”

الفصل 170: الاندفاع اليائس

توقّف الشاب لحظة ثم أومأ برأسه. “صحيح، بهذا المعدل، أخشى أنّ مدينة سحب التنين بأكملها ستنهار بسببه.”

كان لكل مجسّ حياةٌ خاصة به، إذ تقدّمت وهي تنسج طريقها. وبعد بضع ثوانٍ، ارتعشت مجسّات الدم جميعها دفعة واحدة. وطغت هيبتها وهي تنساب بسرعة في اتجاه تاليس.

وفي البعيد، ذبل الوحش فجأة.

تتابعت الانفجارات المدوية من خلفه. وازداد اضطراب الهواء شراسة وتشتّتًا. بدا واضحًا أنّ جدار الهواء الذي أقامه آسدا يتعرّض للاختراق مرة بعد أخرى.

“حسنًا، سأواصل المراقبة… ويبدو أن الجلبة قد خمدت.” تنفّس الشاب الصعداء وأكمل، “لكنني أقترح أن نظلّ حذرين وننظر في بعض الاحتمالات الأخرى. فقد تظهر أمور غير متوقعة هذه الليلة.”

“نعم.” قبض الملك نوڤين على أسنانه واحمرّت عيناه. “لقد رأيته.”

بعد بضع دقائق…

“مندهش؟” ضحكت جيزا وهي تبادله النظرة. “لكن تلك هي الحياة، أليس كذلك؟

بووم!

وبين هدير التحطّم، اندفع من تحت الأرض مخلوقٌ عملاق بارتفاع عشرات الأمتار، وكانت جيزا في مركزه. تساقط الحطام والثلج عن جسده.

انفجارٌ عنيف دوّى فجأة من حيّ الدرع.

ومع تدفّق طاقة الحياة الجديدة، غدا جسد الهيدرا أقوى وأعرض. ارتجف المجسّ الأقرب إلى تاليس فجأة وانفجر إلى مزيد من المجسّات التي اندفعت نحوه.

اتّسعت عينا الشاب. حدّق بتركيز في الحيّ البعيد. فقد هبطت طبقة كاملة من الحيّ المكوّن من بيوتٍ منخفضة مختلفة الأحجام.

شعر تاليس بقشعريرة تنفذ إلى جلده، لكنه لم يلتفت. جذب الشقية بقوة، وواصل اندفاعه اليائس. وفي أعماقه، كان يصرخ حزنًا بأقصى ما يملك.

“يا إلهي، لن تصدّق هذا!” قال الشاب على عجل، “هذا ضربٌ من الهراء! ذلك الوحش يكاد يدمّر العالم!”

قبض نيكولاس على مقبض سيفه وشدّ عليه.

“لا بدّ أنّ حادثًا وقع. سواء كان رامون أو السيف الأسود، لا أظنّ أنهما قادران على دفع الوحش إلى هذه الدرجة!”

Arisu-san

“… أمتأكدٌ أنك لا ترى مشكلة في ذلك؟” تجمّد الشاب وتغيّر وجهه.

توقّفت المجسّات المقتربة.

“نعم.” زفر. “سنفعل ذلك إذن.”

“… أمتأكدٌ أنك لا ترى مشكلة في ذلك؟” تجمّد الشاب وتغيّر وجهه.

أنزل الشاب يده اليمنى، وتوقف عن الكلام. وصار وجهه أكثر جدية مما كان.

ومع ضحكة جيزا، انقسم الوحش إلى عشرات الأطراف شبيهة بالمجسّات السابقة، وانهالت بعنف على الأرض.

…

امتدت الشقوق في الأرض إلى ما يقارب مئة متر، وبدأت الأرض تنتفخ صعودًا.

“يا مولاي، هل رأيت ذلك؟”

ثم رفعت رأسها، وقد غدت عيناها صافيتين باردتين من جديد.

أسرع نيكولاس نحو المنصّة ليبلّغ الملك نوڤين.

هدير!

كان الملك العجوز يحدّق بثبات نحو مدينة سحب التنين أسفل المنصّة، وعيناه ثابتتان على أبعد وأخفض وأكبر وأكثر أحياء المدينة اكتظاظًا.

ومع تدفّق طاقة الحياة الجديدة، غدا جسد الهيدرا أقوى وأعرض. ارتجف المجسّ الأقرب إلى تاليس فجأة وانفجر إلى مزيد من المجسّات التي اندفعت نحوه.

“نعم.” قبض الملك نوڤين على أسنانه واحمرّت عيناه. “لقد رأيته.”

…

فقد ظهر فجأة مخلوقٌ عملاقٌ أحمر كلون الدم، تلاه دويّ ارتجاجات لا تنتهي وصرخات مفزعة سُمعت بوضوح من قصر الروح البطولية.

تحرّك المجسّ الضخم تحتها فجأة. وانكمشت كتل اللحم إلى الداخل، وبسرعةٍ خاطفة تقلّصت الهيدرا العملاقة، التي امتدّت لمئات الأمتار، حتى غدت مخلوقًا أسود صغيرًا غريب الهيئة.

ثم عاد الوحش إلى الصمت مرة أخرى.

“ما هذا؟!”

وبعد دقائق، دوّى انفجارٌ آخر. وانخفض حيّ الدرع طبقة كاملة أمام أعينهم.

حدّق تاليس بذهول في المجسّ العملاق الذي بدا وكأنه ينبثق من الأرض.

“يا للدهشة.” كانت كلمات الملك نوڤين تنضح سخطًا ثقيلًا. “بجانب رايكارو، أظنّ أنني الملك الشماليّ الأول الذي (حظي) برؤيته بعد أكثر من ستمئة عام.”

واصلت مجسّات الهيدرا اختراق الأرض إلى أعماقها. وكانت أطرافه ترتعش بعنف، والارتجاج ينتشر ببطء دون توقّف.

قبض الملك نوڤين قبضتيه، واشتعلت عيناه بنار الغضب والكراهية.

ومع ضحكة جيزا، انقسم الوحش إلى عشرات الأطراف شبيهة بالمجسّات السابقة، وانهالت بعنف على الأرض.

“منذ صباي، لم يكن ذلك الوحش إلا صورة في الرسوم… الهيدرا كيليكا، خصم رايكارو اللدود.”

كانت عينا صوفي الهواء متوهجتين باللون الأزرق. وانسابت الأنوار الزرقاء على وجهه كله حتى بدا وجهه وكأنه يتشقق. كان يواجه الصوفية الدموية على المجسّ بصمت.

ضرب الملك نوڤين راحته على المنصّة، واتّسعت العروق في يده.

كان آسدا يطفو برفق في الهواء. كلّ ما في الجوّ كان يُحدّثه عمّا يجري في ذلك الحيّ الضخم من المدينة.

قبض نيكولاس على مقبض سيفه وشدّ عليه.

قبض تاليس أسنانه ومسح دموعه. وكبح بيأسٍ موجةً ثانية من الدموع. كان يعلم أنّ موت هؤلاء الرجال والنساء كان بسببه؛ فقد جلب الموت والكارثة.

“ما الذي جرى بالضبط لحيّ الدرع؟”

هوووش!

كبح الملك نوڤين نبرته، وبآخر ما يملك من قدرة، تكلّم بهدوء: “كم عدد المواطنين الذين أُجلوا؟ وماذا عن تقرير الدورية؟”

“حسنًا، سأواصل المراقبة… ويبدو أن الجلبة قد خمدت.” تنفّس الشاب الصعداء وأكمل، “لكنني أقترح أن نظلّ حذرين وننظر في بعض الاحتمالات الأخرى. فقد تظهر أمور غير متوقعة هذه الليلة.”

تقدّمت الساحرة الحمراء كالشـان بوقار من خلفه. حدّقت في الحيّ الغارق في الدخان والغبار. وأطلقت زفرة بطيئة.

“يا مولاي”، قالت الساحرة الحمراء بنبرة مسطّحة، “اغفر لي صراحتي. أخشى أنّ…”

ثم رفعت رأسها، وقد غدت عيناها صافيتين باردتين من جديد.

تجمّع الاشمئزاز والخوف في ذهن تاليس دفعة واحدة.

“يا مولاي”، قالت الساحرة الحمراء بنبرة مسطّحة، “اغفر لي صراحتي. أخشى أنّ…”

توهّجت الأشعة الزرقاء على جسد آسدا وخبت. وانفرجت قبضته اليمنى.

ثم انحنت انحناءة خفيفة باحترام.

هوووش!

“لم يعد هناك ما يدعى بحيّ الدرع.”

“نعم.” قبض الملك نوڤين على أسنانه واحمرّت عيناه. “لقد رأيته.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ثم عاد الوحش إلى الصمت مرة أخرى.

“يا مولاي”، قالت الساحرة الحمراء بنبرة مسطّحة، “اغفر لي صراحتي. أخشى أنّ…”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط