الهواء والدماء
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اضطراب بهذا الحجم كان من المستحيل إخفاؤه.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ظهر خيط رقيق قانٍ على عنق جيزا، ثم امتدّ تدريجيًا ليملأ وجهها كله. وتفرّع الخطّ الأحمر سريعًا إلى عروق كثيرة قبل أن تزداد سماكةً، حتى غطّت وجهها كشبكة من الأوردة تتدفّق فيها الدماء.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
مقارنةً بالوضع القائم، لعلّ قضية عائلة والتون لم تكن بالأهمية نفسها. زفر الملك نوڤين زفرة ثقيلة. أومأ نيكولاس، استدار، ونقل الأمر.
Arisu-san
“هذه الأشياء في كل مكان!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أيها الجميع، هدوء! اصطفّوا على جانبي الطريق!” علا صوت أجش من بين أفراد الدورية. “باسم الملك، أطيعوا تعليمات ضابط الانضباط، ثم غادروا بصفّ واحد!”
الفصل 169: الهواء والدماء
“أيتها العاهرة! لا يهمّني أيّ سحرٍ شيطاني تستخدمينه، توقّفي فورًا! وإلّا أقسم بالإله… أقسم أنّني سأقتلك!” زمجر الضابط بجنون.
….
مقارنةً بالوضع القائم، لعلّ قضية عائلة والتون لم تكن بالأهمية نفسها. زفر الملك نوڤين زفرة ثقيلة. أومأ نيكولاس، استدار، ونقل الأمر.
“يا صاحب الجلالة، أولئك أبناء الكوكبة…”
“حسنًا. اقبضوا عليهم.” ضيّق الضابط عينيه، توقّف لحظة، ثم قال بحزم: “وأبلغوا القيادات العليا…”
على شرفة السقف في قصر الروح البطولية، وقفَ قاتل النجوم إلى جانب الملك نوڤين، ممسكًا بنصله ذي الشكل الغريب. “إنهم يطلبون الإذن بالمغادرة للبحث عن أميرهم بأنفسهم.”
(هذا سيّئ.)
ضيق الملك نوڤين عينيه، متأملًا بلدة القلعة تحت قدميه—مدينة سحب التنين التابعة لعائلة والتون. أطلق الملك نفسًا طويلًا بطيئًا.
(اللعنة.) شحب وجه تاليس.
“دعهم يذهبون.” بدا صوت الملك نوڤين واهنًا. “لعلّهم يجدون حفيدتي في الطريق كذلك.”
كانت تقف خلف الملك مديرة الغرفة السرية، الساحرة الحمراء، كالشان. انحنت باحترام. “أرجو إجلاء السكان في مقاطعة الدرع والمناطق المجاورة. وإن أمكن، أوصي بقيادتهم خارج المدينة.”
مقارنةً بالوضع القائم، لعلّ قضية عائلة والتون لم تكن بالأهمية نفسها. زفر الملك نوڤين زفرة ثقيلة. أومأ نيكولاس، استدار، ونقل الأمر.
أمام عينيه مباشرة، كانت جيزا تلتقط رأسها، الذي لا يزال يبتسم، من على الأرض، ثم تضعه برفق على عنقها، وتعدّل موضعه.
وبعد لحظة، عاد قاتل النجوم إلى جانب الملك. لكن هذه المرة، ارتسم على وجهه تعبير شديد القتامة.
“لقد جرحتني يا شريك.”
“لقد عادت وحدات الدورية بتقريرها للتو. حدّدنا الموقع الدقيق للكارثة.”
ارتجفت الجذور المبتورة، ونبتت عليها أشواك جديدة قبل أن تنكمش عائدة نحو صوفية الدم.
اسودّ وجه الملك نوڤين. التفت نحو نيكولاس. في عينيه لمع بريق الحزم والدهاء.
في تلك اللحظة بالذات، أجبر تاليس “الشقية الصغيرة” على الركوع، وضغطها إلى صدره، حاجبًا عنها المشهد.
“الوحدتان في مقاطعة الدرع لم تستجيبا للنداءات خلال الثلاثين دقيقة الماضية. وُجدت جثثهم بعد ذلك بوقت قصير—مُمزّقة إربًا.” قال قائد حرّاس النصل الأبيض ببطء.
وبعروق تغطي وجهها، استنشقت جيزا نفسًا طويلًا. وكأنها نهضت من حلم جميل، ابتسمت، وفي عينيها جنون. تحوّلت ابتسامتها الرقيقة الجميلة إلى أبهى ما يكون من الرعب والغضب.
“مقاطعة الدرع؟” تردّد الملك نوڤين لحظة.
وكانت تلك الأوردة كأنّ فيها حياة. أخذت تتحرّك ببطء، ترتجف وتتموّج على وجه جيزا.
“حسن.” قال الملك العجوز بصوت خافت وهو يحدّق في المدينة أسفل منه. “سحق البشر إلى أشلاء… ما الذي ينبغي أن أعلمه بعد عن هذه الكارثة؟”
“لا تفعلي، جيزا.” قال بنبرة منخفضة.
ساد الصمت، حتى ارتفع صوت عجوز لطيف.
تغيّر وجه آسدا. تقدّم إلى جانب تاليس وألقى بالأخير نظرة عابسة.
“نعم، يا صاحب الجلالة.”
لهث تاليس بهدوء. استدار، فتقلّصت معدته.
كانت تقف خلف الملك مديرة الغرفة السرية، الساحرة الحمراء، كالشان. انحنت باحترام. “أرجو إجلاء السكان في مقاطعة الدرع والمناطق المجاورة. وإن أمكن، أوصي بقيادتهم خارج المدينة.”
حدّق تاليس بآسدا مصدومًا، ولم يستطع إلا أن يومئ بضعف.
شهق نيكولاس نفسًا عميقًا.
انفجرت أصوات تشقّق الحجارة والأرض.
“ألا يبدو هذا مبالغًا فيه؟”
لهث تاليس، لم يتخطَّ بعدُ صدمته. حدّق في الأشواك الحادّة المخيفة أمامه.
قطّب الملك نوڤين حاجبيه. “لأجل كارثة واحدة، عليّ أن أخلي نصف المدينة؟”
وبعد لحظة، عاد قاتل النجوم إلى جانب الملك. لكن هذه المرة، ارتسم على وجهه تعبير شديد القتامة.
“صدقني، يا صاحب الجلالة.” بدأت كالشان بصوت رقيق لين. “التضحية بنصف المدينة خير من خسارة المدينة كلها.”
تردّدت في الهواء نبرة جيزا الأنثوية المتراخية. “يا له من ملل.”
…..
لكن الغريب أنّ صوتها جاء هذه المرّة من تحت الأرض.
أحكم تاليس قبضته على الشقية الصغيرة، مانعًا إيّاها من السقوط بينما كانت ترتجف بعنف.
تبعثرت الأقدام وهربت… ثم أخذت تخفت تدريجيًا، لتحلّ محلها صرخات السحب، وجرّ الأجساد على الأرض، ووقع السيوف الساقطة، وعواء اليائسين.
“ما… ما ذاك؟ من يكونون؟” كانت دموع الصغيرة قد جفّت منذ زمن. آثار الدموع بقيت كعلامات للمصائب التي عانتها قبل لحظات.
“ظهري، هناك شيء في ظهري… يتحرّك!”
“مهما كانوا، فأنا هنا لأجلك.” قال تاليس بهدوء. “كل شيء سيكون على ما يرام…”
“ولكن ما علاقة ذلك بالفتى؟” رفع آسدا رأسه، وتألّقت في عينيه لمعة باهرة. “لابدّ أن لديك سببًا يجعلك مصمّمة إلى هذا الحدّ على قتله.”
ثبت بصره على الشخصين أمامه، لا سيما الفتاة التي أخرجت رأسها من خلف آسدا، ونظرت إليه بابتسامة مشرقة.
عندما سمع آسدا كلماتها، ظهر خط رفيع بين حاجبيه.
امتلأت عينا جيزا ستريلمان بالرقة والمحبّة. “أيها الطفل، قلتُ لك… سنلتقي مجددًا.”
شحبت ملامح تاليس. (شتى صنوف العذاب؟)
لم يشعر تاليس إلا بقشعريرة تنتشر على جلده.
وكانت تلك الصرخات ممزوجة بضحكات جيزا الرقيقة.
انفجارٌ واحد قتل رامون وفجّر الجدارين على جانبي الطريق، وحوّل الزقاق إلى مساحة مستديرة فارغة، وأصاب كثيرًا من السكان المجاورين.
امتلأت عينا جيزا ستريلمان بالرقة والمحبّة. “أيها الطفل، قلتُ لك… سنلتقي مجددًا.”
اضطراب بهذا الحجم كان من المستحيل إخفاؤه.
حدّقت “الشقية الصغيرة” في الشارع النظيف على نحوٍ مرعب، وارتجفت.
“يا إلهي! ساقي، ساقي عالقة!!”
اسودّ وجه الملك نوڤين. التفت نحو نيكولاس. في عينيه لمع بريق الحزم والدهاء.
“ما الذي حدث؟”
لم يتحرك آسدا، لكن ملامحه ازدادت قتامة. “لا أحب أن يُملى عليّ ما أفعل، يا جيزا.”
“ساعدوا!! أحدهم، أنقذوني!”
كأنها… تتنفس.
“أحضروا مزيدًا من الناس للمساعدة! أين ضابط الانضباط؟ أين ذهب؟”
“لقد عادت وحدات الدورية بتقريرها للتو. حدّدنا الموقع الدقيق للكارثة.”
“لقد انهار المنزل؟!”
ارتسم على وجه آسدا شيء من البرودة. “قد يكون هناك سوء فهم بينكما.”
ترددت بين حين وآخر صرخات مواطنين جرحى وسط الأنقاض حولهم. واستفاق عدد أكبر من أهل الشمال من نومهم مذعورين. خرجوا من بيوتهم، وبعد ذهولهم الأول وخوفهم، هرعوا لمساعدة الجرحى.
في ذهول، راقب ضابط الانضباط و”الحزام الجلدي الكبير” الصبيَّ الصغير وهو يجرّ خلفه فتاةً مرتجفةً، يصيح بهما: “الخطر هنا!”
كان عددهم يقارب المئة.
“انتبهوا للأرض! ماذا يخرج من تحت الأرض… آه!”
“من أنتم؟” لاحظ بعض رجال الشمال الشخصين المتقابلين، يحدّقان فيهما بحيرة، واقتربوا. “ما الذي حدث قبل قليل؟”
وعند سماعه ذلك، زفر آسدا.
“أيتها الفتاة، هل رأيتِ ذلك الانفجار قبل قليل؟” رأى تاليس رجلًا قصيرًا ممتلئًا متقدمًا نحوهم، يحمل شعلة وملامحه جادة. ألقى نظرة مرتابة على آسدا، ثم سأل جيزا التي حمل وجهها تعبيرًا غامضًا: “هل أنتِ في مأزق؟”
انفجرت أصوات تشقّق الحجارة والأرض.
هبط قلب تاليس.
وأثارت كلمات صوفية الدم قشعريرةً على جلد تاليس. “ما الأمر؟ أتراك تحفظ التصريحات الثلاث العظمى التي منحكم إياها توريس أكثر مما تحفظ اسمك، يا جرو آسدا الصغير؟”
ومع ذلك، وقفت جيزا وآسدا ثابتين لا يتحرّكان، وكأنّ ضوضاء العالم من حولهما لا تعنيهما، وكأنهما وحدهما في الوجود.
“ستحصلون على كل المساعدة، لكن مقاطعة الدرع يجب إخلاؤها الآن! أنت—” قال ضابط الانضباط بنفاد صبر، لكنه توقف فجأة وضاق بعينيه. “انتظر، أعرفك. أنت ’حزام الجلد الكبير‘ من حرّاس الجليد، أليس كذلك؟”
“يسرّني أن أراكِ قد تعافيتِ، يا جيزا.” همس آسدا. “سمعتُ عنك من ذلك الطفل… وعن موقفك تجاهه.”
ك-تشاك!
“رائع.” وضعت جيزا ابتسامتها الرقيقة المعتادة، ثم زفرت باستهزاء. “لا داعي لأن أكرر.”
تغيّر وجه آسدا. تقدّم إلى جانب تاليس وألقى بالأخير نظرة عابسة.
ارتسم على وجه آسدا شيء من البرودة. “قد يكون هناك سوء فهم بينكما.”
“آه… هناك خطبٌ ما بها! تحرق!”
ابتلع تاليس ريقه. استدار محاولًا إيجاد فرصة للهرب. لكنّه رأى مزيدًا من الناس يتقاطرون نحوهم.
شهق نيكولاس نفسًا عميقًا.
(تبًا.) انقبض صدر تاليس.
ومع ذلك، وقفت جيزا وآسدا ثابتين لا يتحرّكان، وكأنّ ضوضاء العالم من حولهما لا تعنيهما، وكأنهما وحدهما في الوجود.
لوّح الرجل القصير العضلي بيده نحو الجرحى الممدّدين حولهم بانزعاج. “أيها الاثنان! لا أدري إن كنتم تتشاجرون أم تمثلون مشهدًا من قاعة الليل، لكن الناس بحاجة إلى مساعدة الآن. لا تقفا هكذا—”
ارتجفت الصغيرة، لكنها دفنت وجهها في صدره طائعة.
قاطعه صوت وقع أقدام ثقيلة يتردد من بعيد.
“ستحصلون على كل المساعدة، لكن مقاطعة الدرع يجب إخلاؤها الآن! أنت—” قال ضابط الانضباط بنفاد صبر، لكنه توقف فجأة وضاق بعينيه. “انتظر، أعرفك. أنت ’حزام الجلد الكبير‘ من حرّاس الجليد، أليس كذلك؟”
وصلت فرق من الدورية تحمل المشاعل وترتّبت في تشكيل، وتقدمت، تحدّق في أهل الشارع بنظرات حذرة.
“هذا السبب لن يقنعني.” أجاب آسدا ببرود.
ارتجف تاليس.
لكن صوت طفلٍ غضّ لا يمكن أن يبدّد ارتباك أهل الشمال وفضولهم.
(دوريات مدينة سحب التنين، لكن…) نظر إلى الصوفيّين المتقابلين في صمت. (أسوأ توقيت ممكن.)
وكان مصيره قد حُسم.
“سوء فهم؟” تجاهلت جيزا ظهور الدورية، وأعادت نظرتها العميقة إلى آسدا. “لا تقلق. سوء التفاهم بيني وبين ذلك الطفل سيُحلّ…”
“روبي! تماسَك! تماسَك! سأقطع هذا الشيء الآن!”
ولعقت شفتيها. “… قريبًا جدًا.”
وكانت تلك الصرخات ممزوجة بضحكات جيزا الرقيقة.
رصد تاليس شيئًا عند قدميها يشبه ساقًا ممزقة، ربما تعود لرامون أو للسيف الأسود. فاقشعرّ جسده.
لوّح الرجل القصير العضلي بيده نحو الجرحى الممدّدين حولهم بانزعاج. “أيها الاثنان! لا أدري إن كنتم تتشاجرون أم تمثلون مشهدًا من قاعة الليل، لكن الناس بحاجة إلى مساعدة الآن. لا تقفا هكذا—”
قطّب آسدا حاجبيه. أدرك فورًا ما تعنيه جيزا.
“نعم، يا صاحب الجلالة.”
“أيها الجميع، هدوء! اصطفّوا على جانبي الطريق!” علا صوت أجش من بين أفراد الدورية. “باسم الملك، أطيعوا تعليمات ضابط الانضباط، ثم غادروا بصفّ واحد!”
ازدادت ابتسامة جيزا إشراقًا. “بالطبع، فذلك اللقب منحته ليبلا لفصيلكم. قبل ذلك، كان بي يسمّيكم…”
بنظرات مختلطة ما بين القلق والامتعاض، التفت المقيمون والفضوليون إلى الدورية.
شعر تاليس بالهواء يتحرّك من حوله.
“افعلوا ما أقول!” خرج ضابط الانضباط من بين الجنود. “سأكرر مرة أخيرة—”
“أتعنين أنه لا وجود لسبيلٍ للتفاوض؟” تنفّس آسدا بعمق. “مهما كان، نحن شريكان.”
“أيها الضابط أو أيًا تكن!” ضرب الرجل القصير الصدر بقوة. التفت إلى ضابط الانضباط قائلًا: “الكثير من الناس جرحى هنا وبحاجة إلى مساعدة!”
ثم أطلق همهمة باردة. “أيتها العّاهرة’.”
“هل تظنّ أن حياة سكان مقاطعة الدرع غير مهمّة؟”
“هل هذه جذور أشجار؟ لا أستطيع قطعها! لا، يا أبي، لا!”
وعلى إثر اعتراضه، بدأ السكان يعبرون عن استيائهم تجاه رجال الدورية.
ظهر خيط رقيق قانٍ على عنق جيزا، ثم امتدّ تدريجيًا ليملأ وجهها كله. وتفرّع الخطّ الأحمر سريعًا إلى عروق كثيرة قبل أن تزداد سماكةً، حتى غطّت وجهها كشبكة من الأوردة تتدفّق فيها الدماء.
“ستحصلون على كل المساعدة، لكن مقاطعة الدرع يجب إخلاؤها الآن! أنت—” قال ضابط الانضباط بنفاد صبر، لكنه توقف فجأة وضاق بعينيه. “انتظر، أعرفك. أنت ’حزام الجلد الكبير‘ من حرّاس الجليد، أليس كذلك؟”
تردّدت في الهواء نبرة جيزا الأنثوية المتراخية. “يا له من ملل.”
أومأ الرجل القصير البنيان بوجه متجهم. “نحن بحاجة إلى المساعدة.”
زفر تاليس. لقد أدرك أنّ الوقت فات.
تبدّل موقف الضابط بشكل واضح. التفت إلى جنوده ولوّح بيده. “حسنًا، من أجلك… اذهبوا وساعدوا الناس أولًا، أخرجوا الجرحى، ثم أخلو المكان فورًا!”
بانغ!
بدأ السكان يهدؤون تدريجيًا.
“أَنَسيتِ الغاية الأصلية من تعاوننا يا جيزا؟ سواءٌ من أجل خطتي، أو مبادئ فريلاند، أو عنادكِ أنتِ، ألم نتعاون—نحن الثلاثة—كي يتحرر الصوفيّون يومًا ما من تلك القيود؟”
التفت ضابط الانضباط ثانية، مقطبًا جبينه أمام حزام الجلد الكبير. “أين غليوارد؟ هؤلاء الناس لا يسمعون لأحد سواه.”
نقر آسدا بأصابعه بخفّة.
“استدعاه بعض الضباط، قالوا إنّها أوامر من الملك. لا أعلم مدى صحة ذلك.” حدّق حزام الجلد الكبير بالصوفيين المتقابلين. “لماذا علينا الإخلاء؟”
لم يبقَ سوى الأسلحة المبعثرة على الأرض، أحذيةٌ فقدها أصحابها الهاربون، أسقفٌ منهارة، جدرانٌ محطّمة، وأرضٌ متصدّعة.
“لستُ متأكدًا. إنها أوامر الملك.” هزّ الضابط رأسه. “وصلتنا رسالة عاجلة لنتجه إلى هنا… هل رأيت أي أشخاص مريبين؟”
“نحن واحد.” قال صوفي الهواء بجدية. “تقسيم أنفسنا إلى فصائل سيضعفنا، ولن يفيدنا ككل.”
“أشخاص مريبون؟ هذه مقاطعة الدرع، الغرباء نادرون—” توقف حزام الجلد الكبير فجأة، والتفت نحو الصوفيين بعينين مذهولتين. “ها هما.”
لمست موضع الانفصال بين كتفها وعنقها، فاختفى الجرح الدمويّ في لحظة بلا أثر.
وفي تلك الأثناء، على جانب تاليس، كان الصوفيان يواصلان حديثهما وكأنّ ما يحدث حولهما لا صلة له بهما.
لم يشعر تاليس إلا بقشعريرة تنتشر على جلده.
“هذا الطفل، هل تعلمين من هو؟” قال صوفيّ الهواء. “هل تعلمين ماذا يعني لنا؟”
وصلت فرق من الدورية تحمل المشاعل وترتّبت في تشكيل، وتقدمت، تحدّق في أهل الشارع بنظرات حذرة.
“بالطبع. أعرف جيدًا من هو.” قالت جيزا وهي تضحك. كان في صوتها نبرة عداء. “تنحَّ جانبًا يا آسدا.”
بنظرات مختلطة ما بين القلق والامتعاض، التفت المقيمون والفضوليون إلى الدورية.
لم يتحرك آسدا، لكن ملامحه ازدادت قتامة. “لا أحب أن يُملى عليّ ما أفعل، يا جيزا.”
ابتلع تاليس ريقه. استدار محاولًا إيجاد فرصة للهرب. لكنّه رأى مزيدًا من الناس يتقاطرون نحوهم.
(اللعنة.) شحب وجه تاليس.
سمع تاليس صوت أطرافٍ بشريةٍ تهوي على الأرض.
“أنتما الاثنان! والطفلان خلفكما!” اقترب ضابط الانضباط يتبعه بعض الجنود، ناظرًا إلى ثيابهما الخفيفة بشك. “من أين جئتم؟ ما الذي يحدث هنا؟”
وأخيرًا، عاد كل شيء إلى السكون.
التفتت جيزا نحو الجنود المتحفزين بابتسامة براقة. “أأنتَ، أم أنا؟”
استمع تاليس إلى كلمات جيزا مذهولًا، لكنه دوّن في ذهنه جميع الأسماء والألقاب والنعوت.
“سيجلب هذا انتباهًا إلينا.” هزّ آسدا رأسه. “ربما ينبغي أن نكون أكثر تحفظًا.”
أومأت جيزا، وابتسمت ابتسامة عذبة. “صحيح. عليك فقط أن تتعاون معي، أليس كذلك؟”
(لا.) راقب تاليس كل حركة تصدر من جيزا وآسدا. تجمّد قلبه.
“عندما كنا غارقين في الدماء ونناضل من أجل مستقبل الصوفيين، أين كنتم أيها الجبناء؟ حين كنا نقاتل الغامضين حتى لم نعد نميّز بين الصديق والعدو، أين كنتم أيها الهاربون؟ وحين وقعت بنا الإمبراطورتان في شَرَك ودفعونا إلى الزاوية، أين كنتم أيها الطفيليات؟”
“حسنًا، سأفعل ذلك.” تنهدت جيزا. “أحتاج إلى جمع بعض المواد على أية حال.”
“نحن واحد.” قال صوفي الهواء بجدية. “تقسيم أنفسنا إلى فصائل سيضعفنا، ولن يفيدنا ككل.”
بالأسلوب
“أَنَسيتِ الغاية الأصلية من تعاوننا يا جيزا؟ سواءٌ من أجل خطتي، أو مبادئ فريلاند، أو عنادكِ أنتِ، ألم نتعاون—نحن الثلاثة—كي يتحرر الصوفيّون يومًا ما من تلك القيود؟”
“عَقَدَ آسدا حاجبيه قليلاً. شعر تاليس ببرودةٍ تسري في عظامه.
“حسنًا. اقبضوا عليهم.” ضيّق الضابط عينيه، توقّف لحظة، ثم قال بحزم: “وأبلغوا القيادات العليا…”
(هذا سيّئ.)
ضحك جنود الدوريات، وقد أحاطوا بالصوفيين الاثنين.
“اركضوا!”
“توقّف! لا تقترب مني! آرغ!”
استنشق تاليس نَفَسًا حادًا وبدأ يصرخ في وجوه الناس الذين اقتربوا منهم. “غادروا المكان! الجميع، أسرعوا، اخرجوا من هنا حالًا! بلّغوا قصر الروح البطولية فورًا!”
تقدّمت صوفية الدم ببطء. كانت الجذور إلى جانبها تتبعها بهدوء. وفي عينيها ومضت ألسنة لهب.
في ذهول، راقب ضابط الانضباط و”الحزام الجلدي الكبير” الصبيَّ الصغير وهو يجرّ خلفه فتاةً مرتجفةً، يصيح بهما: “الخطر هنا!”
حدّقت “الشقية الصغيرة” في الشارع النظيف على نحوٍ مرعب، وارتجفت.
لكن صوت طفلٍ غضّ لا يمكن أن يبدّد ارتباك أهل الشمال وفضولهم.
“يا إلهي! ساقي، ساقي عالقة!!”
“ما الأمر يا فتى؟” اقترب “الحزام الجلدي الكبير”، القوي القصير، من تاليس، مُلقيًا نظرةً حذرة على آسدا ذو الوجه الخالي من التعابير. “هل فعل لك هذا الرجل شيئًا؟”
“أحضروا مزيدًا من الناس للمساعدة! أين ضابط الانضباط؟ أين ذهب؟”
تراجع تاليس خطوة، يهزّ رأسه. “لا—”
“ما الذي حدث؟”
“أنتِ، أيتها الفتاة الصغيرة.” قبض أحد الجنود على ذراع جيزا بخشونة. “لا تقفي هنا، ابتعدي إلى جانب الطريق!”
وعند سماعه ذلك، زفر آسدا.
وبمجرّد لمسه لها، ارتجف جسده، وسقط أرضًا، وذراعه تنتفض بلا تحكّم.
(لا.) راقب تاليس كل حركة تصدر من جيزا وآسدا. تجمّد قلبه.
انطلقت ضحكة جيزا الرقيقة في أذنه.
لم يشعر تاليس إلا بقشعريرة تنتشر على جلده.
“اللعنة! يدي! ماذا فعلتِ؟!”
“ظهري، هناك شيء في ظهري… يتحرّك!”
التفت بقية الجنود نحو رفيقهم الساقط، وانفجروا ضاحكين.
اندفعت عدة تيارات هوائية قوية حول تاليس، واقتلعت الجذور عنوة فقطعتها.
“لا تستطيع حتى الإمساك بفتاة، يا جايسون. عليك أن تتقاعد!”
اسودّ وجه الملك نوڤين. التفت نحو نيكولاس. في عينيه لمع بريق الحزم والدهاء.
بدا آسدا غير متأثّر. حدّق في الجندي المسكين الذي لمس جيزا ووقع أرضًا، محمرّ الوجه.
وكانت تلك الأوردة كأنّ فيها حياة. أخذت تتحرّك ببطء، ترتجف وتتموّج على وجه جيزا.
وكان مصيره قد حُسم.
هزّ آسدا رأسه وقال: “ربما حجبتُ كل سهام الإشارة وكل نقلٍ للصوت، لكن باختفاء هذا العدد من الناس، سيلاحظون ما يحدث هنا عاجلًا أو آجلًا.”
“الاعتداء على دوريات الحرس؟
“يا إلهي.” بدت صوفية ال كأنها فتحت بوابةً محبوسة لمشاعرها، وأمالت رأسها لتضحك بصوتٍ عالٍ بلا قيد. “إن شعور اللقاء بعد فراق طويل… رائع حقًا!”
“حسنًا. اقبضوا عليهم.” ضيّق الضابط عينيه، توقّف لحظة، ثم قال بحزم: “وأبلغوا القيادات العليا…”
عضّ تاليس على أسنانه، يحاول ألّا يتخيّل ما يجري حوله. ارتعدت “الشقية الصغيرة” بين ذراعيه رغم أنها لا ترى شيئًا ولا تسمع شيئًا.
زفر تاليس. لقد أدرك أنّ الوقت فات.
“ظهري، هناك شيء في ظهري… يتحرّك!”
ضحك جنود الدوريات، وقد أحاطوا بالصوفيين الاثنين.
“نحن واحد.” قال صوفي الهواء بجدية. “تقسيم أنفسنا إلى فصائل سيضعفنا، ولن يفيدنا ككل.”
استدارت جيزا ناحيتهم، وعلى شفتيها ابتسامةٌ دافئة.
تردّدت آهات الرجال والنساء في كل مكان.
في تلك اللحظة بالذات، أجبر تاليس “الشقية الصغيرة” على الركوع، وضغطها إلى صدره، حاجبًا عنها المشهد.
ارتجفت الصغيرة، لكنها دفنت وجهها في صدره طائعة.
“لا تنظري”، قال تاليس بصوتٍ منخفض وبارد.
“يسرّني أن أراكِ قد تعافيتِ، يا جيزا.” همس آسدا. “سمعتُ عنك من ذلك الطفل… وعن موقفك تجاهه.”
ارتجفت الصغيرة، لكنها دفنت وجهها في صدره طائعة.
“صدقني، يا صاحب الجلالة.” بدأت كالشان بصوت رقيق لين. “التضحية بنصف المدينة خير من خسارة المدينة كلها.”
“ولا تُصغي.”
….
وحين دوّى الصراخ الأول، أجبر تاليس الصغيرة المرتبكة المشوّشة على تغطية أذنيها.
وكما توقّع، بعد لحظة، ومَض ضوء دمويّ مخيف في عيني جيزا. “لقد علّمنا بي أن نتقبّل ذواتنا، وأن نتحرّر من قيودنا. أمّا أنت، أيها الكلب المروّض من برج السحر، يا مَلازِم توريس الوفي، فلا ترتاح إلا وهناك طوق حول عنقك، أليس كذلك؟”
“ابقي ساكنة، مهما حدث… أنا معك.”
لكن صوت طفلٍ غضّ لا يمكن أن يبدّد ارتباك أهل الشمال وفضولهم.
وفي تلك اللحظة، حتى تاليس أغمض عينيه. أراح ذقنه على رأس الصغيرة. كان يعلم ما سيحدث الآن. أما الآخرون، فلم يكونوا يدركون ما واجهوه.
التفتت جيزا نحو الجنود المتحفزين بابتسامة براقة. “أأنتَ، أم أنا؟”
كان الأمر قاسيًا جدًا.
وكانت تلك الصرخات ممزوجة بضحكات جيزا الرقيقة.
“ما بال هذه الفتاة… لا أستطيع الإمساك بها.” تعجّب الجنود.
بدا آسدا غير متأثّر. حدّق في الجندي المسكين الذي لمس جيزا ووقع أرضًا، محمرّ الوجه.
“آه… هناك خطبٌ ما بها! تحرق!”
(هذا سيّئ.)
سمع تاليس صوت أطرافٍ بشريةٍ تهوي على الأرض.
وكان مصيره قد حُسم.
“آه! يدي! يدي!”
حينها دوّى صوتٌ رجوليّ صافٍ بارد:
صرخ بضعة رجال صرخاتٍ ممزّقة.
“انسحبوا! الجميع، انسحبوا!” اهتزّ صوت ضابط الانضباط. لقد استبدّ به الخوف حتى سحق شجاعته.
“جايسون! يا إلهي! إنّه… إنّه يذوب! دمه…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وتحت صرخات الذعر التي أطلقها الرجل المسمّى “الحزام الجلدي الكبير”، استوعبت الدورية الخطر.
(تبًا.) انقبض صدر تاليس.
“يا إلهي! لا! ماذا تفعلين؟!”
لكن الغريب أنّ صوتها جاء هذه المرّة من تحت الأرض.
وبين أوامر ضابط الانضباط المرتبكة، سحب الجنود أسلحتهم من أغمادها.
“توقّف! لا تقترب مني! آرغ!”
“أيتها العاهرة! لا يهمّني أيّ سحرٍ شيطاني تستخدمينه، توقّفي فورًا! وإلّا أقسم بالإله… أقسم أنّني سأقتلك!” زمجر الضابط بجنون.
“أيتها العاهرة! لا يهمّني أيّ سحرٍ شيطاني تستخدمينه، توقّفي فورًا! وإلّا أقسم بالإله… أقسم أنّني سأقتلك!” زمجر الضابط بجنون.
لكن العويل ازداد اشتعالًا.
انفجرت أصوات تشقّق الحجارة والأرض.
“ظهري، هناك شيء في ظهري… يتحرّك!”
“نعم، يا صاحب الجلالة.”
“روبي! تماسَك! تماسَك! سأقطع هذا الشيء الآن!”
“هل هذه جذور أشجار؟ لا أستطيع قطعها! لا، يا أبي، لا!”
“يا رئيس، اقتلوها فورًا!”
ارتفعت عشرات الفرقعات. بعضها قريب، وبعضها بعيد؛ عظامٌ بشريّة تحطّمت في لحظة.
وانفجر صوتٌ مدوٍّ.
وكانت تلك الصرخات ممزوجة بضحكات جيزا الرقيقة.
بانغ!
“ساعدوني! يا رئيس! الشيء الذي يخرج من جسدها… وحش! إنها وحش!”
ارتجف تاليس، وهو يُطبِق ذراعيه على الصغيرة بشدّة.
هذه المرّة، أجابته جيزا بسهولة. “بالطبع. إنّه دمه… لقد قطعتُ له وعدًا منذ زمن بعيد.”
ارتفع في الهواء صوت انفجار اللحم إلى شظايا. امتلأت صرخات المشاهدين بالخوف والذهول.
(تبًا.) انقبض صدر تاليس.
“لا!” صرخ صوتٌ مفجوع. “الجثة… أشلاؤها تتحرّك! هل هذه يد سيثي؟! يا إلهي!!”
“أيتها الفتاة، هل رأيتِ ذلك الانفجار قبل قليل؟” رأى تاليس رجلًا قصيرًا ممتلئًا متقدمًا نحوهم، يحمل شعلة وملامحه جادة. ألقى نظرة مرتابة على آسدا، ثم سأل جيزا التي حمل وجهها تعبيرًا غامضًا: “هل أنتِ في مأزق؟”
وكانت تلك الصرخات ممزوجة بضحكات جيزا الرقيقة.
لوّح الرجل القصير العضلي بيده نحو الجرحى الممدّدين حولهم بانزعاج. “أيها الاثنان! لا أدري إن كنتم تتشاجرون أم تمثلون مشهدًا من قاعة الليل، لكن الناس بحاجة إلى مساعدة الآن. لا تقفا هكذا—”
“ماذا تنتظرون؟ اقتلوها! اقتلوها الآن!!” علا صراخ ضابط الانضباط وهيستيريّته تبلغ ذروتها.
أومأ الرجل القصير البنيان بوجه متجهم. “نحن بحاجة إلى المساعدة.”
ارتدّ صوت شفراتٍ تغوص في لحمٍ بشري، ثم صوت رأسٍ يرتطم بالأرض، تلاه ضحكات جيزا الناعمة التي لا تنقطع.
“أيتها الفتاة، هل رأيتِ ذلك الانفجار قبل قليل؟” رأى تاليس رجلًا قصيرًا ممتلئًا متقدمًا نحوهم، يحمل شعلة وملامحه جادة. ألقى نظرة مرتابة على آسدا، ثم سأل جيزا التي حمل وجهها تعبيرًا غامضًا: “هل أنتِ في مأزق؟”
“مست– مستحيل! رأسها… لماذا… لماذا لا يزال يتحرّك…؟”
مقارنةً بالوضع القائم، لعلّ قضية عائلة والتون لم تكن بالأهمية نفسها. زفر الملك نوڤين زفرة ثقيلة. أومأ نيكولاس، استدار، ونقل الأمر.
“ساعدوني! يا رئيس! الشيء الذي يخرج من جسدها… وحش! إنها وحش!”
وبرز أحيانًا صوت شيءٍ لزج يُسحَب على الأرض، تتبعه طقطقات مضغٍ رهيبة—كأن وحشًا ينهش فريسته. حاول تاليس منع نفسه من الارتجاف.
“يا إلهي! لا تقتربوا من ذلك الشيء! تراجعوا! تراجعوا!” صرخ “الحزام الجلدي الكبير” بلا سيطرة.
“اللعنة! يدي! ماذا فعلتِ؟!”
عضّ تاليس على أسنانه، يحاول ألّا يتخيّل ما يجري حوله. ارتعدت “الشقية الصغيرة” بين ذراعيه رغم أنها لا ترى شيئًا ولا تسمع شيئًا.
“أتعنين أنه لا وجود لسبيلٍ للتفاوض؟” تنفّس آسدا بعمق. “مهما كان، نحن شريكان.”
ولم يستطع تاليس أن يمنع نفسه من تذكّر المشاهد الكابوسية التي شهدها في غابة البتولا في شمال الكوكبة.
“نينا، اتركيني! خذي ابننا واهربي، بسرعة!”
“انسحبوا! الجميع، انسحبوا!” اهتزّ صوت ضابط الانضباط. لقد استبدّ به الخوف حتى سحق شجاعته.
“هذا السبب لن يقنعني.” أجاب آسدا ببرود.
ولم يكن رجال الدورية وحدهم من أصابهم الرعب؛ فحين أدرك الناس أنّ ما أمامهم كيانٌ مجهولٌ مخيف، وأن الحرس عاجزون، انطلقت موجة ذعرٍ في الحشود.
تراجع تاليس خطوة، يهزّ رأسه. “لا—”
فرّوا مذعورين… لكن الوقت كان قد فات.
ارتجف تاليس.
انفجرت أصوات تشقّق الحجارة والأرض.
“كلاب توريس المطيعة.”
“انتبهوا للأرض! ماذا يخرج من تحت الأرض… آه!”
انفجرت أصوات تشقّق الحجارة والأرض.
“نينا، اتركيني! خذي ابننا واهربي، بسرعة!”
ارتدّ صوت شفراتٍ تغوص في لحمٍ بشري، ثم صوت رأسٍ يرتطم بالأرض، تلاه ضحكات جيزا الناعمة التي لا تنقطع.
“هل هذه جذور أشجار؟ لا أستطيع قطعها! لا، يا أبي، لا!”
حلّ الصمت بينهما لحظة، لكن تاليس شعر أنها كانت أشبه بهدوء ما قبل العاصفة.
“توقّف! لا تقترب مني! آرغ!”
“هذا الطفل، هل تعلمين من هو؟” قال صوفيّ الهواء. “هل تعلمين ماذا يعني لنا؟”
تردّدت آهات الرجال والنساء في كل مكان.
صرخ بضعة رجال صرخاتٍ ممزّقة.
“يا رئيس! يا رئيس! ماذا نفعل؟”
غير أن الكلمات التي قالتها بعد تلك الثواني الثلاث بدّلت لون وجه آسدا من شدّة الانفعال.
“هذه الأشياء في كل مكان!”
“ما… ما ذاك؟ من يكونون؟” كانت دموع الصغيرة قد جفّت منذ زمن. آثار الدموع بقيت كعلامات للمصائب التي عانتها قبل لحظات.
وضاع صوت ضابط الانضباط بين عويل جنوده الفزعين.
“لا تستطيع حتى الإمساك بفتاة، يا جايسون. عليك أن تتقاعد!”
أغمض تاليس عينيه بقوة، يعضّ شفته السفلى. ارتجفت ذراعاه وهو يحتضن الصغيرة.
تنهدت صوفية الدم ببطء. “حسنًا، كذلك لأني لا أريده أن يعاني شتى صنوف العذاب التي عانيناها نحن.”
تبعثرت الأقدام وهربت… ثم أخذت تخفت تدريجيًا، لتحلّ محلها صرخات السحب، وجرّ الأجساد على الأرض، ووقع السيوف الساقطة، وعواء اليائسين.
…..
“انتظروا، ماذا عن سهام الإشارة؟ بسرعة، أطلقوها، أبلغوا القيادات!” جاء صوت “الحزام الجلدي الكبير”، يتبعه صوت جرّه على الأرض.
“هذه الأشياء في كل مكان!”
صرير الأقواس أعلن إطلاق السهام. لكن ما تلاه كان طقطقاتٍ متتالية في السماء.
في اللحظة التالية، وقبل أن يردّ آسدا، فتحت جيزا فمها كوحشٍ يستعدّ للعواء، ورفعت رأسها ببطء. وفي تلك اللحظة، شعر تاليس بأن شيئًا يثور من جسدها. ففي مجال رؤيته، ازداد بريق الضوء الأحمر المنبعث منها.
“السهام لا تنطلق! كأن شيئًا يصدّها في الهواء!” صرخ جندي. وعضّ تاليس على أسنانه.
ضحك جنود الدوريات، وقد أحاطوا بالصوفيين الاثنين.
حينها دوّى صوتٌ رجوليّ صافٍ بارد:
غير أن الكلمات التي قالتها بعد تلك الثواني الثلاث بدّلت لون وجه آسدا من شدّة الانفعال.
“همف.”
وبعد لحظة، عاد قاتل النجوم إلى جانب الملك. لكن هذه المرة، ارتسم على وجهه تعبير شديد القتامة.
شعر تاليس بالهواء يتحرّك من حوله.
وكان مصيره قد حُسم.
ك-تشاك!
…..
ارتفعت عشرات الفرقعات. بعضها قريب، وبعضها بعيد؛ عظامٌ بشريّة تحطّمت في لحظة.
اندفعت عدة تيارات هوائية قوية حول تاليس، واقتلعت الجذور عنوة فقطعتها.
ثم توقف كل شيء. خيّم الصمت عشر ثوانٍ.
لم يشعر تاليس إلا بقشعريرة تنتشر على جلده.
وبرز أحيانًا صوت شيءٍ لزج يُسحَب على الأرض، تتبعه طقطقات مضغٍ رهيبة—كأن وحشًا ينهش فريسته. حاول تاليس منع نفسه من الارتجاف.
سمع تاليس صوت أطرافٍ بشريةٍ تهوي على الأرض.
وأخيرًا، عاد كل شيء إلى السكون.
(تبًا.) انقبض صدر تاليس.
“قد تقول إنك لا تريد… لكنك في النهاية تدخّلت.”
ارتجفت الصغيرة، لكنها دفنت وجهها في صدره طائعة.
تردّدت في الهواء نبرة جيزا الأنثوية المتراخية. “يا له من ملل.”
ازداد وجه آسدا كآبة.
لكن الغريب أنّ صوتها جاء هذه المرّة من تحت الأرض.
“قد تقول إنك لا تريد… لكنك في النهاية تدخّلت.”
وكان ردّ آسدا مجرد همهمةٍ خافتة.
“عندما كنا غارقين في الدماء ونناضل من أجل مستقبل الصوفيين، أين كنتم أيها الجبناء؟ حين كنا نقاتل الغامضين حتى لم نعد نميّز بين الصديق والعدو، أين كنتم أيها الهاربون؟ وحين وقعت بنا الإمبراطورتان في شَرَك ودفعونا إلى الزاوية، أين كنتم أيها الطفيليات؟”
تنفّس تاليس، ثم فتح عينيه ببطء.
ارتفع في الهواء صوت انفجار اللحم إلى شظايا. امتلأت صرخات المشاهدين بالخوف والذهول.
وعلى خلاف توقّعاته، كان كل شيءٍ حوله نظيفًا بشكلٍ مخيف. لا دماء، لا جثث، لا أشلاء ممزّقة.
“نعم، يا صاحب الجلالة.”
وبطبيعة الحال… لا إنسان حيّ واحد.
لمست موضع الانفصال بين كتفها وعنقها، فاختفى الجرح الدمويّ في لحظة بلا أثر.
لم يبقَ سوى الأسلحة المبعثرة على الأرض، أحذيةٌ فقدها أصحابها الهاربون، أسقفٌ منهارة، جدرانٌ محطّمة، وأرضٌ متصدّعة.
انقدحت هذه الفكرة في ذهن تاليس، ثم تذكّر كلمات آسدا السابقة عندما كان تاليس مذهولًا.
كأن الجميع اختفوا في لحظة.
“ماذا تنتظرون؟ اقتلوها! اقتلوها الآن!!” علا صراخ ضابط الانضباط وهيستيريّته تبلغ ذروتها.
لهث تاليس بهدوء. استدار، فتقلّصت معدته.
“جايسون! يا إلهي! إنّه… إنّه يذوب! دمه…”
أمام عينيه مباشرة، كانت جيزا تلتقط رأسها، الذي لا يزال يبتسم، من على الأرض، ثم تضعه برفق على عنقها، وتعدّل موضعه.
ارتجف تاليس.
لمست موضع الانفصال بين كتفها وعنقها، فاختفى الجرح الدمويّ في لحظة بلا أثر.
“يا إلهي! ساقي، ساقي عالقة!!”
“كالجديدة.” لمحت جيزا نظراته، فابتسمت ابتسامةً فاتنة. عضّ تاليس على أسنانه.
“لا تفعلي، جيزا.” قال بنبرة منخفضة.
فقط حينها استطاع تاليس أن يرخِي قبضته قليلًا لتفتح الصغيرة عينيها.
وأطلق ضحكة مذعورة.
حدّقت “الشقية الصغيرة” في الشارع النظيف على نحوٍ مرعب، وارتجفت.
(لا.) راقب تاليس كل حركة تصدر من جيزا وآسدا. تجمّد قلبه.
هزّ آسدا رأسه وقال: “ربما حجبتُ كل سهام الإشارة وكل نقلٍ للصوت، لكن باختفاء هذا العدد من الناس، سيلاحظون ما يحدث هنا عاجلًا أو آجلًا.”
وبطبيعة الحال… لا إنسان حيّ واحد.
ابتسمت جيزا وسألته: “أأصبْتُ بالرعب؟”
أومأت جيزا، وابتسمت ابتسامة عذبة. “صحيح. عليك فقط أن تتعاون معي، أليس كذلك؟”
لم يُجب آسدا. استدار ببرود نحو تاليس.
“سيجلب هذا انتباهًا إلينا.” هزّ آسدا رأسه. “ربما ينبغي أن نكون أكثر تحفظًا.”
لم يجرؤ تاليس على التنفّس بصوتٍ عالٍ. كان ذهنه يموج بخطة هروب… لا، بل بخطة بقاء.
توقفت تلك الجذور الستّ قسرًا على بُعد بضع بوصات من تاليس، وقد صدّها حاجز غير مرئي.
“انتظر.” قالت جيزا بلطف.
“ظهري، هناك شيء في ظهري… يتحرّك!”
توقّف آسدا، وبردت ملامحه.
وفي تلك الأثناء، على جانب تاليس، كان الصوفيان يواصلان حديثهما وكأنّ ما يحدث حولهما لا صلة له بهما.
رفعت الصوفية الدموية بصرها نحو تاليس. “اترك الغلام، وسنبقى صديقين. ما رأيك؟”
“أأنت هواءٌ في ذاته؟ أم أن الهواء جزء منك؟”
ارتجّ جسد تاليس كاملًا بعنف. لزم آسدا الصمت لحظة.
ارتجفت الجذور المبتورة، ونبتت عليها أشواك جديدة قبل أن تنكمش عائدة نحو صوفية الدم.
استدار آسدا نحو جيزا وقال ببطء: “إن الرُمح قاتل الأرواح، والنصل قاطِع الأرواح في المدينة. حتى لو قاتلْتِ بجسدٍ مادّي، فلن تصمدي أمام رمح قاتل الأرواح. من الأفضل أن نفرّ بأسرع وقت.”
استنشق تاليس نَفَسًا حادًا وبدأ يصرخ في وجوه الناس الذين اقتربوا منهم. “غادروا المكان! الجميع، أسرعوا، اخرجوا من هنا حالًا! بلّغوا قصر الروح البطولية فورًا!”
“أوه؟” هزّت جيزا رأسها ببطء. ثم نطقت كلماتها، “لقد تعمّدتَ جذب الدورية إلى هنا… حتى تتذرّع بذلك لإجباري على الانسحاب وحماية ذلك الغلام العزيز عليك؟”
شعر تاليس بالهواء يتحرّك من حوله.
“لقد جرحتني يا شريك.”
لكن صوت طفلٍ غضّ لا يمكن أن يبدّد ارتباك أهل الشمال وفضولهم.
وعند سماعه ذلك، زفر آسدا.
لكن جيزا هذه المرّة اكتفت بابتسامة طيّبة. “لماذا لا تحاول أن تخمن؟”
“أَنَسيتِ الغاية الأصلية من تعاوننا يا جيزا؟ سواءٌ من أجل خطتي، أو مبادئ فريلاند، أو عنادكِ أنتِ، ألم نتعاون—نحن الثلاثة—كي يتحرر الصوفيّون يومًا ما من تلك القيود؟”
في اللحظة التالية، اندفعت من الأرض حول تاليس ستّ جذور شجرية حمراء كالدم، مُسنّنة الأشواك، واندفعت نحوه من كل اتجاه.
أطلقت الصوفية الدموية شخيرًا خفيفًا. رفعت رأسها تنظر إلى القمر الهابط نحو الغرب، وقالت بسخرية: “حادثةُ الاثني عشر عامًا مضت برهانٌ كافٍ على سذاجة أفكاركما المضحكة، سواء أفكارك أو أفكار فريلاند.”
“أوه؟” هزّت جيزا رأسها ببطء. ثم نطقت كلماتها، “لقد تعمّدتَ جذب الدورية إلى هنا… حتى تتذرّع بذلك لإجباري على الانسحاب وحماية ذلك الغلام العزيز عليك؟”
ارتجف تاليس.
“آه… هناك خطبٌ ما بها! تحرق!”
(اثنا عشر عامًا… مرة أخرى؟ هل شارك الصوفيّون في العام الدموي أيضًا؟)
“هذه الأشياء في كل مكان!”
ولم يسعه إلا أن يتذكّر كلام السيّاف الأسود لآسدا.
شعر تاليس بالهواء يتحرّك من حوله.
(“حين اندلعت الإبادة في قصر النهضة…”)
ولعقت شفتيها. “… قريبًا جدًا.”
(وأيضًا…) شدّ تاليس “الشقية الصغيرة” إلى صدره. (عصابة قوارير الدم كانت ثمرة تعاون الصوفيّ الهوائي والصوفيّ الدموي… لكن من حديثهما، يبدو أنّ هناك شخصًا ثالثًا. من هو فريلاند؟)
ثبت بصره على الشخصين أمامه، لا سيما الفتاة التي أخرجت رأسها من خلف آسدا، ونظرت إليه بابتسامة مشرقة.
تنفّس آسدا بعمق. “حسنًا، إذًا نفترق من هنا. ففي المعركة السابقة، سلك كلٌّ منا طريقه. وهذا هو طريقك. أمّا الماضي… فلم تكن نتائجه كافية لإقناعك.”
لم يُجب آسدا. استدار ببرود نحو تاليس.
وبدا الصوفيّ الهوائي شاحبًا مكتئبًا.
كانت تقف خلف الملك مديرة الغرفة السرية، الساحرة الحمراء، كالشان. انحنت باحترام. “أرجو إجلاء السكان في مقاطعة الدرع والمناطق المجاورة. وإن أمكن، أوصي بقيادتهم خارج المدينة.”
“ولكن ما علاقة ذلك بالفتى؟” رفع آسدا رأسه، وتألّقت في عينيه لمعة باهرة. “لابدّ أن لديك سببًا يجعلك مصمّمة إلى هذا الحدّ على قتله.”
صرير الأقواس أعلن إطلاق السهام. لكن ما تلاه كان طقطقاتٍ متتالية في السماء.
هذه المرّة، أجابته جيزا بسهولة. “بالطبع. إنّه دمه… لقد قطعتُ له وعدًا منذ زمن بعيد.”
“ستحصلون على كل المساعدة، لكن مقاطعة الدرع يجب إخلاؤها الآن! أنت—” قال ضابط الانضباط بنفاد صبر، لكنه توقف فجأة وضاق بعينيه. “انتظر، أعرفك. أنت ’حزام الجلد الكبير‘ من حرّاس الجليد، أليس كذلك؟”
“سلالة دمٍ يجب عليك قتلها؟” حاد آسدا بنظره، وألقى بنظرة نحو تاليس. “هل عرفتِ أمّه؟”
“توقّف! لا تقترب مني! آرغ!”
اشتدّ قبض تاليس على يد الصغيرة.
في اللحظة التالية، اندفعت من الأرض حول تاليس ستّ جذور شجرية حمراء كالدم، مُسنّنة الأشواك، واندفعت نحوه من كل اتجاه.
لكن جيزا هذه المرّة اكتفت بابتسامة طيّبة. “لماذا لا تحاول أن تخمن؟”
فقط حينها استطاع تاليس أن يرخِي قبضته قليلًا لتفتح الصغيرة عينيها.
“هذا السبب لن يقنعني.” أجاب آسدا ببرود.
تغيّر وجه آسدا. تقدّم إلى جانب تاليس وألقى بالأخير نظرة عابسة.
تنهدت صوفية الدم ببطء. “حسنًا، كذلك لأني لا أريده أن يعاني شتى صنوف العذاب التي عانيناها نحن.”
“أيها الجرو الصغير آسدا، ما رأيك أن نلعب لعبة؟”
شحبت ملامح تاليس. (شتى صنوف العذاب؟)
“سوء فهم؟” تجاهلت جيزا ظهور الدورية، وأعادت نظرتها العميقة إلى آسدا. “لا تقلق. سوء التفاهم بيني وبين ذلك الطفل سيُحلّ…”
“هذا السبب أيضًا لن يقنعني.” كرر آسدا بثبات، وقد ازداد وجهه قتامة.
شحبت ملامح تاليس. (شتى صنوف العذاب؟)
“لا تقلق، أنا أريد حياته فقط.” ابتسمت جيزا وهزّت رأسها.
ومع ذلك، وقفت جيزا وآسدا ثابتين لا يتحرّكان، وكأنّ ضوضاء العالم من حولهما لا تعنيهما، وكأنهما وحدهما في الوجود.
بانغ!
“رائع.” وضعت جيزا ابتسامتها الرقيقة المعتادة، ثم زفرت باستهزاء. “لا داعي لأن أكرر.”
في اللحظة التالية، اندفعت من الأرض حول تاليس ستّ جذور شجرية حمراء كالدم، مُسنّنة الأشواك، واندفعت نحوه من كل اتجاه.
أحكم تاليس قبضته على الشقية الصغيرة، مانعًا إيّاها من السقوط بينما كانت ترتجف بعنف.
(هذا سيّئ!) ارتعد تاليس، ولم يستطع أن يردّ الفعل بسرعة كافية.
“لا تقلق، أنا أريد حياته فقط.” ابتسمت جيزا وهزّت رأسها.
دونغ! دونغ!
ترددت بين حين وآخر صرخات مواطنين جرحى وسط الأنقاض حولهم. واستفاق عدد أكبر من أهل الشمال من نومهم مذعورين. خرجوا من بيوتهم، وبعد ذهولهم الأول وخوفهم، هرعوا لمساعدة الجرحى.
توقفت تلك الجذور الستّ قسرًا على بُعد بضع بوصات من تاليس، وقد صدّها حاجز غير مرئي.
“أنتِ، أيتها الفتاة الصغيرة.” قبض أحد الجنود على ذراع جيزا بخشونة. “لا تقفي هنا، ابتعدي إلى جانب الطريق!”
رفع آسدا كرة الضوء في يده اليسرى وحدّق بصوفية الدم، فيما أضاءت عيناه بنور أزرق.
“ولن يكون هناك حدّ لارتفاعها!”
“لا تفعلي، جيزا.” قال بنبرة منخفضة.
لأول مرة في حياته، أدرك تاليس برعب أن ملامح آسدا ساكيرن بدأت تتشوّه.
لهث تاليس، لم يتخطَّ بعدُ صدمته. حدّق في الأشواك الحادّة المخيفة أمامه.
وأطلق ضحكة مذعورة.
وأطلق ضحكة مذعورة.
“من أنتم؟” لاحظ بعض رجال الشمال الشخصين المتقابلين، يحدّقان فيهما بحيرة، واقتربوا. “ما الذي حدث قبل قليل؟”
كانت الجذور تتحرّك كأنّ فيها حياة. تنكمش ثم تنقضّ من جديد.
ضحك جنود الدوريات، وقد أحاطوا بالصوفيين الاثنين.
“آه!” هذه المرّة صرخت الصغيرة، وقد أدركت الموقف فجأة.
قطّب الملك نوڤين حاجبيه. “لأجل كارثة واحدة، عليّ أن أخلي نصف المدينة؟”
نقر آسدا بأصابعه بخفّة.
ك-تشاك!
بانغ!
“نحن واحد.” قال صوفي الهواء بجدية. “تقسيم أنفسنا إلى فصائل سيضعفنا، ولن يفيدنا ككل.”
اندفعت عدة تيارات هوائية قوية حول تاليس، واقتلعت الجذور عنوة فقطعتها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“حقًا يا جيزا؟” قال صوفي الهواء بصرامة باردة. “لقد تكبّدنا خسائر عظيمة في معركة الإبادة. لا تدمّري كل شيء بعد أن وصلنا أخيرًا إلى هذه المرحلة.”
قطّب آسدا حاجبيه. أدرك فورًا ما تعنيه جيزا.
ارتجفت الجذور المبتورة، ونبتت عليها أشواك جديدة قبل أن تنكمش عائدة نحو صوفية الدم.
“قد تقول إنك لا تريد… لكنك في النهاية تدخّلت.”
في تلك اللحظة، شهقت جيزا باستهزاء قائلة: “همف، يا للسخرية. كيف تجرؤ حتى على ذِكر معركة الإبادة؟ تتحدث وكأنك تشعر بالفخر بسببها.”
ارتجفت الصغيرة، لكنها دفنت وجهها في صدره طائعة.
عندما سمع آسدا كلماتها، ظهر خط رفيع بين حاجبيه.
“أيتها الفتاة، هل رأيتِ ذلك الانفجار قبل قليل؟” رأى تاليس رجلًا قصيرًا ممتلئًا متقدمًا نحوهم، يحمل شعلة وملامحه جادة. ألقى نظرة مرتابة على آسدا، ثم سأل جيزا التي حمل وجهها تعبيرًا غامضًا: “هل أنتِ في مأزق؟”
“نحن واحد.” قال صوفي الهواء بجدية. “تقسيم أنفسنا إلى فصائل سيضعفنا، ولن يفيدنا ككل.”
(التصريح الصوفي الأول، ألا يحقق أحدهم في أصل الآخر.)
“واحد؟” أطلقت جيزا سخرية حادة. “واحد!”
“نينا، اتركيني! خذي ابننا واهربي، بسرعة!”
تقدّمت صوفية الدم ببطء. كانت الجذور إلى جانبها تتبعها بهدوء. وفي عينيها ومضت ألسنة لهب.
قالت صوفية الدم ببطء: “ما الهواء بالضبط؟ أهو كيان يتحرك، ويملأ، ويقيم في كل شيء؟ أم هو شيء يبقى على هيئته، يحوم من حولنا، خفيفًا كالفراغ نفسه؟”
“عندما كنا غارقين في الدماء ونناضل من أجل مستقبل الصوفيين، أين كنتم أيها الجبناء؟ حين كنا نقاتل الغامضين حتى لم نعد نميّز بين الصديق والعدو، أين كنتم أيها الهاربون؟ وحين وقعت بنا الإمبراطورتان في شَرَك ودفعونا إلى الزاوية، أين كنتم أيها الطفيليات؟”
“يا رئيس! يا رئيس! ماذا نفعل؟”
“إل، برايان، ليبلا، بي، إيريك… حين سقطنا واحدًا تلو الآخر، أين كنتم أنتم الذين تدّعون الاعتدال؟”
استدار آسدا نحو جيزا وقال ببطء: “إن الرُمح قاتل الأرواح، والنصل قاطِع الأرواح في المدينة. حتى لو قاتلْتِ بجسدٍ مادّي، فلن تصمدي أمام رمح قاتل الأرواح. من الأفضل أن نفرّ بأسرع وقت.”
“واحد؟ تبًا!”
وبمجرّد لمسه لها، ارتجف جسده، وسقط أرضًا، وذراعه تنتفض بلا تحكّم.
استمع تاليس إلى كلمات جيزا مذهولًا، لكنه دوّن في ذهنه جميع الأسماء والألقاب والنعوت.
“عَقَدَ آسدا حاجبيه قليلاً. شعر تاليس ببرودةٍ تسري في عظامه.
فلربما استعملها مستقبلًا…
وعلى إثر اعتراضه، بدأ السكان يعبرون عن استيائهم تجاه رجال الدورية.
رغم أنه يواجه ربما أخطر عدوّ في حياته.
“إلى ماذا يرمز الهواء؟ وماذا يجلب غيابه؟ أهو نقيّ أم مختلط بجميع ضروب الحياة؟ أهو أبديّ أم يتبدّل باستمرار؟”
تجمّد وجه آسدا.
ومع ذلك، وقفت جيزا وآسدا ثابتين لا يتحرّكان، وكأنّ ضوضاء العالم من حولهما لا تعنيهما، وكأنهما وحدهما في الوجود.
“لا تُلصقي بنا مسمياتك.” قال صوفي الهواء ببرود مُتعالٍ. “نحن لا نُعرَف بالـ«معتدلين».”
“هذا الطفل، هل تعلمين من هو؟” قال صوفيّ الهواء. “هل تعلمين ماذا يعني لنا؟”
ازدادت ابتسامة جيزا إشراقًا. “بالطبع، فذلك اللقب منحته ليبلا لفصيلكم. قبل ذلك، كان بي يسمّيكم…”
ثم أطلق همهمة باردة. “أيتها العّاهرة’.”
“كلاب توريس المطيعة.”
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉ibrahim shazly💎 5004Hamood Mahemed💎 5005الخال!💎 100
ازداد وجه آسدا كآبة.
بانغ!
“أتعنين أنه لا وجود لسبيلٍ للتفاوض؟” تنفّس آسدا بعمق. “مهما كان، نحن شريكان.”
(“حين اندلعت الإبادة في قصر النهضة…”)
أومأت جيزا، وابتسمت ابتسامة عذبة. “صحيح. عليك فقط أن تتعاون معي، أليس كذلك؟”
وحين دوّى الصراخ الأول، أجبر تاليس الصغيرة المرتبكة المشوّشة على تغطية أذنيها.
تنهد آسدا وأغمض عينيه. وحين فتحهما من جديد، بدا البرد وحده فيهما.
اضطراب بهذا الحجم كان من المستحيل إخفاؤه.
زفر ساخرًا. “لقد مللتُ منكم جميعًا. بي؟ ذلك المجنون الذي قادكم لتصبحوا كلابًا ضارية لا تفهم سوى النباح الهائج، وترفض الإصغاء إلى العقل؟!”
“لقد انهار المنزل؟!”
حلّ الصمت بينهما لحظة، لكن تاليس شعر أنها كانت أشبه بهدوء ما قبل العاصفة.
وبعد لحظة، عاد قاتل النجوم إلى جانب الملك. لكن هذه المرة، ارتسم على وجهه تعبير شديد القتامة.
وكما توقّع، بعد لحظة، ومَض ضوء دمويّ مخيف في عيني جيزا. “لقد علّمنا بي أن نتقبّل ذواتنا، وأن نتحرّر من قيودنا. أمّا أنت، أيها الكلب المروّض من برج السحر، يا مَلازِم توريس الوفي، فلا ترتاح إلا وهناك طوق حول عنقك، أليس كذلك؟”
وكان ردّ آسدا مجرد همهمةٍ خافتة.
لم يتراجع آسدا. “كنت أعلم أن الساحرات من الحلقة الثالثة ما كنّ يومًا قادرات على تربية تلامذة صالحين.”
في اللحظة التالية، اندفعت من الأرض حول تاليس ستّ جذور شجرية حمراء كالدم، مُسنّنة الأشواك، واندفعت نحوه من كل اتجاه.
ثم أطلق همهمة باردة. “أيتها العّاهرة’.”
وبعروق تغطي وجهها، استنشقت جيزا نفسًا طويلًا. وكأنها نهضت من حلم جميل، ابتسمت، وفي عينيها جنون. تحوّلت ابتسامتها الرقيقة الجميلة إلى أبهى ما يكون من الرعب والغضب.
لم تتكلم جيزا. وظلّت الفتاة الجميلة صامتة لثلاث ثوانٍ.
لهث تاليس بهدوء. استدار، فتقلّصت معدته.
غير أن الكلمات التي قالتها بعد تلك الثواني الثلاث بدّلت لون وجه آسدا من شدّة الانفعال.
كان الأمر قاسيًا جدًا.
قالت صوفية الدم ببطء: “ما الهواء بالضبط؟ أهو كيان يتحرك، ويملأ، ويقيم في كل شيء؟ أم هو شيء يبقى على هيئته، يحوم من حولنا، خفيفًا كالفراغ نفسه؟”
“ابقي ساكنة، مهما حدث… أنا معك.”
“إلى ماذا يرمز الهواء؟ وماذا يجلب غيابه؟ أهو نقيّ أم مختلط بجميع ضروب الحياة؟ أهو أبديّ أم يتبدّل باستمرار؟”
“أَنَسيتِ الغاية الأصلية من تعاوننا يا جيزا؟ سواءٌ من أجل خطتي، أو مبادئ فريلاند، أو عنادكِ أنتِ، ألم نتعاون—نحن الثلاثة—كي يتحرر الصوفيّون يومًا ما من تلك القيود؟”
“أأنت هواءٌ في ذاته؟ أم أن الهواء جزء منك؟”
(وأيضًا…) شدّ تاليس “الشقية الصغيرة” إلى صدره. (عصابة قوارير الدم كانت ثمرة تعاون الصوفيّ الهوائي والصوفيّ الدموي… لكن من حديثهما، يبدو أنّ هناك شخصًا ثالثًا. من هو فريلاند؟)
لأول مرة في حياته، أدرك تاليس برعب أن ملامح آسدا ساكيرن بدأت تتشوّه.
فقط حينها استطاع تاليس أن يرخِي قبضته قليلًا لتفتح الصغيرة عينيها.
(ما الهواء؟)
وعند سماعه ذلك، زفر آسدا.
انقدحت هذه الفكرة في ذهن تاليس، ثم تذكّر كلمات آسدا السابقة عندما كان تاليس مذهولًا.
كانت تقف خلف الملك مديرة الغرفة السرية، الساحرة الحمراء، كالشان. انحنت باحترام. “أرجو إجلاء السكان في مقاطعة الدرع والمناطق المجاورة. وإن أمكن، أوصي بقيادتهم خارج المدينة.”
(التصريح الصوفي الأول، ألا يحقق أحدهم في أصل الآخر.)
لكن العويل ازداد اشتعالًا.
حدّق تاليس في جيزا بدهشة.
“آه… هناك خطبٌ ما بها! تحرق!”
(لا يمكن… أهي…)
تراجع تاليس خطوة، يهزّ رأسه. “لا—”
ازداد الضوء الأزرق قوّة في عيني صوفي الهواء.
“يا صاحب الجلالة، أولئك أبناء الكوكبة…”
وأثارت كلمات صوفية الدم قشعريرةً على جلد تاليس. “ما الأمر؟ أتراك تحفظ التصريحات الثلاث العظمى التي منحكم إياها توريس أكثر مما تحفظ اسمك، يا جرو آسدا الصغير؟”
“نحن واحد.” قال صوفي الهواء بجدية. “تقسيم أنفسنا إلى فصائل سيضعفنا، ولن يفيدنا ككل.”
في اللحظة التالية، وقبل أن يردّ آسدا، فتحت جيزا فمها كوحشٍ يستعدّ للعواء، ورفعت رأسها ببطء. وفي تلك اللحظة، شعر تاليس بأن شيئًا يثور من جسدها. ففي مجال رؤيته، ازداد بريق الضوء الأحمر المنبعث منها.
لم يُجب آسدا. استدار ببرود نحو تاليس.
ظهر خيط رقيق قانٍ على عنق جيزا، ثم امتدّ تدريجيًا ليملأ وجهها كله. وتفرّع الخطّ الأحمر سريعًا إلى عروق كثيرة قبل أن تزداد سماكةً، حتى غطّت وجهها كشبكة من الأوردة تتدفّق فيها الدماء.
“إل، برايان، ليبلا، بي، إيريك… حين سقطنا واحدًا تلو الآخر، أين كنتم أنتم الذين تدّعون الاعتدال؟”
وكانت تلك الأوردة كأنّ فيها حياة. أخذت تتحرّك ببطء، ترتجف وتتموّج على وجه جيزا.
أغمض تاليس عينيه بقوة، يعضّ شفته السفلى. ارتجفت ذراعاه وهو يحتضن الصغيرة.
كأنها… تتنفس.
“السهام لا تنطلق! كأن شيئًا يصدّها في الهواء!” صرخ جندي. وعضّ تاليس على أسنانه.
تغيّر وجه آسدا. تقدّم إلى جانب تاليس وألقى بالأخير نظرة عابسة.
(دوريات مدينة سحب التنين، لكن…) نظر إلى الصوفيّين المتقابلين في صمت. (أسوأ توقيت ممكن.)
“ما—” قال تاليس بتوتّر، لكن الكلمة قُطعت.
انطلقت ضحكة جيزا الرقيقة في أذنه.
“لا تتكلم.” قال آسدا ببرود. “لاحقًا، عندما آمرك بالهرب، اركض. لا تلتفت إلى الوراء، ولا تتوقف.”
“لستُ متأكدًا. إنها أوامر الملك.” هزّ الضابط رأسه. “وصلتنا رسالة عاجلة لنتجه إلى هنا… هل رأيت أي أشخاص مريبين؟”
حدّق تاليس بآسدا مصدومًا، ولم يستطع إلا أن يومئ بضعف.
وبعروق تغطي وجهها، استنشقت جيزا نفسًا طويلًا. وكأنها نهضت من حلم جميل، ابتسمت، وفي عينيها جنون. تحوّلت ابتسامتها الرقيقة الجميلة إلى أبهى ما يكون من الرعب والغضب.
(وفقًا لنبرة صوته… حتى آسدا لا يملك ثقةً في حماية نفسه؟)
ابتلع تاليس ريقه. استدار محاولًا إيجاد فرصة للهرب. لكنّه رأى مزيدًا من الناس يتقاطرون نحوهم.
التصقت الصغيرة بصدر تاليس ترتجف بشدّة.
ابتلع تاليس ريقه. استدار محاولًا إيجاد فرصة للهرب. لكنّه رأى مزيدًا من الناس يتقاطرون نحوهم.
وبعروق تغطي وجهها، استنشقت جيزا نفسًا طويلًا. وكأنها نهضت من حلم جميل، ابتسمت، وفي عينيها جنون. تحوّلت ابتسامتها الرقيقة الجميلة إلى أبهى ما يكون من الرعب والغضب.
“ظهري، هناك شيء في ظهري… يتحرّك!”
“يا إلهي.” بدت صوفية ال كأنها فتحت بوابةً محبوسة لمشاعرها، وأمالت رأسها لتضحك بصوتٍ عالٍ بلا قيد. “إن شعور اللقاء بعد فراق طويل… رائع حقًا!”
“لستُ متأكدًا. إنها أوامر الملك.” هزّ الضابط رأسه. “وصلتنا رسالة عاجلة لنتجه إلى هنا… هل رأيت أي أشخاص مريبين؟”
راقبها آسدا بصرامة. “إنّك تخاطرين برفع قوّتك في هذا المكان وفي هذا الوقت!”
وعلى خلاف توقّعاته، كان كل شيءٍ حوله نظيفًا بشكلٍ مخيف. لا دماء، لا جثث، لا أشلاء ممزّقة.
“ما الأمر؟ تفتقر إلى شجاعة رفع قوتك؟” منحتهم صوفية الدم ابتسامة فاتنة جديدة. “بالطبع تفتقر. فأنت جبان.”
ولم يستطع تاليس أن يمنع نفسه من تذكّر المشاهد الكابوسية التي شهدها في غابة البتولا في شمال الكوكبة.
“أيها الجرو الصغير آسدا، ما رأيك أن نلعب لعبة؟”
ظهر خيط رقيق قانٍ على عنق جيزا، ثم امتدّ تدريجيًا ليملأ وجهها كله. وتفرّع الخطّ الأحمر سريعًا إلى عروق كثيرة قبل أن تزداد سماكةً، حتى غطّت وجهها كشبكة من الأوردة تتدفّق فيها الدماء.
تعمّق تجعّد حاجبي آسدا.
دونغ! دونغ!
أشارت صوفية الدم إلى تاليس، ثم رفعت ذراعيها وضحكت بجنون وهي تصرخ، “سأرفع قوتي في كل دقيقة لا أنجح فيها بقتله!
“يا إلهي! لا! ماذا تفعلين؟!”
“ولن يكون هناك حدّ لارتفاعها!”
وانفجر صوتٌ مدوٍّ.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
…..
هبط قلب تاليس.
