▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 185: الرعد يزمجر في الشتاء
انهالت الأتربة والصخور بلا انقطاع، وزمجرت الهيدرا بعنف. لوّحت بمجساتها بعشوائية وسط صوت اللحم المحترق المتصاعد.
اندفعت الهيدرا نحو تاليس و”الشقية”.
من غير أن يجد وقتًا للتفكير، تحرّك تاليس بدافع الغريزة. كانت الشقية مشلولة من الهلع. ضمّها تاليس بقوة وقفز جانبًا.
*دويّ!*
هوت أحد المجسّات على الأرض بضربة عظيمة. غاص جزء من الشارع.
سعل تاليس والشقية بعنف وسط الغبار الكثيف والسخام.
“اسرعي— سعال، سعال— اركضي!” قال تاليس بصعوبة شديدة موجّهًا حديثه للفتاة الصغيرة.
لكن في اللحظة التالية، هبط مجسّ آخر على الأرض وسط زمجرة مسعورة.
…..
غير بعيد عن مقاطعة الدرع، كان رجلان يتكئان على بعضهما ويتبادلان حديثًا شديد الوقع يعجز اللسان عن وصفه.
“ماذا قلت؟!” سأل غليوارد مصعوقًا. “أأنت متأكد؟”
أسند نيكولاس المحارب المخضرم بوجه متجهّم. “آه، كنت أقول إن لكيليكا سببًا لحمل هذا الاسم، وسببًا لامتلاكها صفحة خاصة بها في التاريخ.”
ضمّ قاتل النجوم شفتيه، وازداد وجهه شحوبًا.
“أسطورة ’حرّاس النصل الأبيض’ تقول إن كيليكا ليست امتدادًا ولا صنيعة للصوفي الدموي. إن لها حياة خاصة بها. ورغم أن هذا الوحش يحتفظ بارتباط وثيق بمالكه، إلا أنه قادر على البقاء مستقلًا.”
شهق غليوارد بعمق، واتّسعت عيناه.
ارتجف وجه المحارب العجوز الأعرج ذو الأذن الواحدة. “أتقول إن ذلك الشيء… حتى حين لا يكون مالكه موجودًا؟”
أومأ نيكولاس وهو يساعد غليوارد في عبور جذع شجرة صغيرة سقطت. “نعم، إن لم أكن مخطئًا، فهي عدوّ الملك رايكارو اللدود: كيليكا، الهيدرا الشريرة.”
رفع نيكولاس رأسه ونظر إلى جهة ما، وكأنه يستشعر شيئًا.
“حتى بعد ختم كارثة الدم، يمكنها أن تتحرك بمفردها.”
*دويّ!*
وسط صرخات السكان المذعورين، ظهر الوحش الأحمر العملاق الذي لم يُرَ منذ زمن، في شارع قريب. شاهقًا كعمارة من عشرات الطوابق، كان جسده الهائل يحمل قوة صدم عظيمة. فغر غليوارد فاه مصعوقًا.
ضيّق نيكولاس عينيه وهو يحدّق بالهيدرا، وتنفّس بعمق. كان يحرّك أطرافه بعنف ويضرب الشارع بقوة هائلة جعلت السخام والغبار يتطايران في كل اتجاه. “وما هو أسوأ… أنه من دون قيود مالكه سيصبح أشد عنفًا، وأشد رهبة… وأشد تهورًا.”
في البعيد، هوى مجسّ ضخم على الأرض. تنهد نيكولاس.
بدا الغضب الشديد على وجه غليوارد. صرخ بحقد وغضب: “اللعنة!”
أمام أعينهما مباشرة، سحق المجسّ العنيف أكثر من عشرة سكان مذعورين كانوا قد نجوا توا من الموت، محوّلًا إياهم إلى فتات لحم.
…..
هوى مجسّ آخر من الأعلى بقسوة على الأرض.
ضغط تاليس على أسنانه بقوة، وكأن العالم يتحرك ببطء شديد. أمسك الشقية واندفع متدحرجًا هربًا من المجسّ مرة أخرى.
*دويّ!*
مرة أخرى، بالكاد تمكّنا من تفادي ضربات الهيدرا العمياء المسعورة.
تدحرج تاليس على الأرض. سبّب الاحتكاك جرحًا سطحيًا نازفًا على ركبته. وكانت الشقية ترتجف كلها وهي في حضنه.
شعر تاليس بالدوار. آلمته عيناه وعضلاته بلا توقف. لقد أوصل “خطيئة نهر الجحيم” إلى الحدّ الأقصى.
ومرة أخرى، اجتاحهم مجسّ عملاق مندفِع نحوهم.
ضمّ تاليس الشقية بقوة وهي ما تزال مغمضة العينين. خفض رأسه سريعًا واحتمى خلف جدار منخفض.
انفجار!
وحين رفعا رأسيهما، كان نصف الجدار قد اختفى.
(لماذا حدث هذا؟) عضّ تاليس على أسنانه ساخطًا على سوء حظه. (إن لم تكن جيزا… فأين هي؟ كنت لأفضّل أن تأتي إليّ مباشرة! لماذا تعبث بنا هكذا؟ أتنوي أن تقتلنا مثلما تفعل القطة حين تعبث بالفأر قبل الإجهاز عليه؟)
اشتعل الغضب في صدره.
وفي اللحظة ذاتها، بدا أن كيليكا غاضبة إلى أقصى حد أيضًا.
كانت تلوّح بمجسّها العملاق بجنون، تضرب الأرض بلا قيد، وتجتاح كل شيء يتحرك.
*دويّ!*
تناثرت الأتربة والصخور فوق تاليس والشقية. شعر تاليس بألم في رأسه. لقد أصابه حجر، فأربك عقله وزاد دواره.
اهتز جسده وسقط أرضًا وسط صرخات الفتاة المذعورة.
لهث تاليس، وصدره يعلو ويهبط. سقط على الأرض وما زال يشعر بالدوار.
(متعب جدًا… مؤلم… واهن…)
لم يعد يملك طاقة.
(هل يمكنني… أن أستلقي هنا فحسب؟)
صرخت الشقية وهي تشدّ يده بقوة، ساحبة إياه بعيدًا…
مترًا واحدًا… مترين…
تمامًا كما سحبته بعيدًا عن مخالب جيزا.
“اركضي… بسرعة”، تمتم تاليس بعقل ضبابي. “اركضي… بسرعة…”
واصل وعيه التلاشي.
لكن الشقية لم تكن مستعدة للاستسلام. عضّت على شفتيها وكتمت دموعها، ثم وضعت ذراعه على كتفها. وبجسدها الضعيف الصغير، حاولت أن تسنده بكل ما تملك.
“اصمد قليلًا بعد…”
استعاد تاليس بعض الوعي. حرّك قدميه الواهنتين بلا تركيز، لكنه لم يملك القوة ليحمل نفسه.
تابعت الشقية حمله بعناد. وبأسنان مشدودة، تقدمت خطوة بعد خطوة.
“تاليس… تاليس…”
*دويّ!*
ضربة أخرى. الاهتزاز الهائل أسقط الطفلين اللذين بالكاد كانا واقفين.
تدحرج تاليس، وما زال ذهنه غائمًا. كانت عيناه نصف مفتوحتين، ورؤيته مشوشة. كان الألم يعصف بجسده، ويشعر بقليل من البرودة.
*انفجار!*
حتى الصوت الضخم الذي أحدثته كيليكا هذه المرة بدا مختلفًا في أذن تاليس.
*هوووش…*
“هاه… هاه…” كان يلهث بشدة.
شعر تاليس بالشقية تحاول جذبه من جديد.
(اللعنة.. يا لها من ليلة بغيضة…) فكّر بلا حول وهو يغلق عينيه.
*هووش… هووش…*
رفع الأمير الثاني يده المرتجفة محاولًا أن يسند نفسه عن الأرض. لكنه أسقطها ثانية بلا قوة.
*وو… هوووش…*
كان يتنفّس بضعف.
(غريب… لماذا يوجد… رعد؟)
*وو… هوووش… ووو…*
(لا. لعلّه…)
فتح تاليس عينيه كليًا وهو يُسحَب على يد الشقية. كان ذهنه غارقًا في التشوّش.
(لعلّه طنين في أذني. لماذا—لماذا يكون هناك رعد في الشتاء؟)
*هوووش… هوووش… ووو…*
استمرّ الطنين قرب أذنيه.
(عواصف رعدية في الشتاء؟) أغلق عينيه ثانية وهو يفكّر في ذهول. (أليست هناك قصيدة في ديوان موسيقى الهان؟ الرعد يزمجر في… الرعد يزمجر في الشتاء…)
(ماذا يأتي بعد الشتاء؟)
(أوه. الثلج يهطل في الصيف. لا يحدث… لا يحدث حتى ينتهي شيء ما…)
في تلك اللحظة، شعر تاليس بأن اليد التي كانت تسحبه قد ارخت قبضتها فجأة.
(هاه… الشقية… هل ضعفت قواها هي الأخرى واستسلمت؟)
رغم الضبابية التي تغشى وعيه، فتح تاليس عينيه قليلًا. ظهر وجه الشقية المذهول في مجال رؤيته.
(هاه؟)
ثم لاحظ شيئًا آخر: قطرات متلألئة كانت تهطل من السماء.
(أهو المطر؟ …لا.) رمش تاليس بعينيه المشتّتتين. (هذا…)
ضاقت حدقتاه فجأة.
(مطر يتلألأ بضوء أخضر داكن؟ لا، ليس مطرًا.)
وحين أدرك تمامًا ما يراه، ابتسم ابتسامة باهتة بينما ذهنه لا يزال غائمًا.
(إنها نار. نار خضراء داكنة. السماء… تمطر نارًا؟ هاها، ما أغرب هذا.)
رمش تاليس بذهن مشوّش.
(مطر من النار؟)
*هوووش… هوووش… هوووش…*
(رعد مرة أخرى؟ هاها. ليس فقط الصوفيين، بل هناك أيضًا… رعد في الشتاء، ونار تهطل من السماء. يا لها من رحلة ممتعة في الشمال.)
وحين كان تاليس قاب قوسين من فقدان الوعي، كان الآخرون في المدينة يحدّقون هم أيضًا في هذا الشذوذ في السماء بصدمة وذعر.
كان الملك نوڤين، بين صفَّي حرّاس النصل الأبيض، مذهولًا تمامًا حين رفع رأسه نحو السماء—تمامًا مثل الحراس خلفه.
“هذا مستحيل…” ارتجف صوت الملك.
على أطراف منطقة الدرع، ضرب كوهين متتبع الريح الشبح بقسوة، فتهاوى الأخير بلا حراك بين الأنقاض. وعلى الجانب الآخر، كانت ميراندا قد أحكمت قبضتها على مرافق الأمير حين حاول رفع سيفه.
وفي اللحظة التالية، رفع الثلاثة رؤوسهم. واتّسعت أعينهم كالأطباق.
“يا الهي، يا الهي، يا الهي…”
تمتم كوهين بلا توقف، عاجزًا حتى عن إكمال جملة واحدة. ولم يعد يكترث بملاحقة رالف.
كانت ميراندا ووايا، اللذان كانا في اشتباك بالسيوف، قد انفتحت أعينهما وأفواههما في ذهول. وخفّضا سيفيهما المتقاطعين ببطء.
“هل أنا أحلم؟” هزّ وايا رأسه لا إراديًا.
بينما كان رافاييل، بعباءته البيضاء تحت سطح بناء قريب، يبدو غير مصدّق لما تراه عيناه. رفع يديه وفركهما على عينيه مرارًا.
“أهذه مزحة…؟”
وبعد أن اتضح له المشهد تمامًا، عضّ على أسنانه وقبض يديه، غارقًا في حالة من عدم التصديق.
في منطقة الدرع، قطّب نيكولاس حاجبيه وهزّ رأسه في ذهول.
أما غليوارد، الذي كان مستندًا على نيكولاس، فقد انتقل من الصدمة إلى الارتجاف وهو غير قادر على كبح انفعاله.
“كنت أعرف، كنت أعرف! نحن…”
كل سكان مدينة سحب التنين كانوا يحدّقون بذهول. كانوا ينظرون إلى النار الخضراء الداكنة التي تهطل من السماء. كانت رائحة الاحتراق تملأ الجو وتتزايد تدريجيًا.
شعر تاليس برائحة الاحتراق ففتح عينيه ببذل جهد كبير.
ورأى مجسًا عملاقًا ليس بعيدًا عنه. كان… يشتعل بنار خضراء داكنة.
اتّسعت عيناه.
وبعد أن استعاد بعض القوة، بدأ تاليس يفهم ما يجري حقًا.
كانت النيران الخضراء تهطل بلا توقف؛ تهبط مباشرة على جسد الهيدرا ومجسّاتها؛ بدأت الهيدرا تشتعل.
راقب تاليس بدهشة الهيدرا وهي تزمجر ألمًا.
لم تكن النيران الخضراء الداكنة ضخمة الحجم؛ بل كانت نقاطًا صغيرة جدًا مقارنة بجسد الهيدرا الهائل. كانت أصغر حتى من شرر لهب يتلاشى.
لكن ما إن تلامس اللحم والدم، حتى تكبر بسرعة، وتزداد لمعانًا، وتصبح أكثر توهّجًا. كأنها حية وواعية، وتلتهم اللحم التهامًا.
متكوّرًا من الألم، لم يعد لدى كيليكا أي قوة لرفع مجسّاته، وكأن تلك النيران الخضراء قد اجتاحت كل ما في جسده.
وبينما كان ينظر إلى تلك النيران الغريبة، ارتفع الخوف في قلب تاليس. ومع ذلك، كأن النيران تمتلك بصيرة خاصة، فقد سقطت كلّها على جسد الهيدرا، دون أن تمسّ خرائب الشارع المحيطة به.
استمرت النيران في الاشتعال… حتى توقّفت الهيدرا عن الارتجاف؛ حتى بدأ جسدها الضخم ينهار ببطء على الأرض؛ حتى تحوّلت كل مجساتها إلى رماد.
كان تاليس ممددًا على الأرض، يرمش ويهزّ رأسه بكل قوته، محاولًا تصفية ذهنه الغائم.
في تلك اللحظة—
*هوووش… هوووش…*
عصفت الريح بقوة.
اصطدم بوجهه وكان صوته يصمّ الآذان…
… وجرف التراب والرمل وذرات الثلج والرماد.
كانت تلك الرياح العاتية غير الاعتيادية تجعل تاليس والشقية عاجزين عن فتح أعينهما، ولم يكن أمامهما سوى تغطية وجهيهما.
وفي الثانية التالية—
*انفجار!*
تردّد صوت يصمّ الآذان. واهتزّت الأرض.
شعر تاليس بأن جسده كله ينتفض. ارتفعت قدماه مسافة نصف قدم عن الأرض قبل أن يسقط بقوة.
متذمّرًا على حظه العاثر، أمسك بذراعه التي اصطدمت بقطعة حجر. وقبل أن يتسنّى له حتى أن يمسّ مؤخرته المتألمة، اندفع تيار هواء عنيف إلى الأمام بقوة كاسحة قادرة على تحطيم كل شيء.
*هوووش…*
ارتفع المزيد من الغبار والتراب. ضمّ تاليس الشقية بشدة والتصق بالجدار المحطّم للاحتماء من الريح.
وفي تلك اللحظة، أدرك تاليس شيئًا.
(آسدا، صوفي الهواء، قد عاد.) شعر قلبه بالطمأنينة قليلًا.
هدأ هدير الريح.
كان تاليس والشقية يتنفّسان بصعوبة حين رفعا رأسيهما ببطء. شعر تاليس بأن الشقية تتجمّد مرة أخرى، ثم بدأت ترتجف.
(صحيح. في النهاية، ترك آسدا أثرًا سلبيًا كبيرًا في نفسها.)
تنهد تاليس وهو ينهض.
نظر نحو جهة الريح القوية… وجمُد مكانه. عضّ على شفته واتّسعت عيناه.
وسط النيران الخضراء المتقدة، والسماء الملبّدة بالرماد، والليل المعتم إلى حد لا يوصف… رأى زوجًا من العيون الصفراء اللامعة، الصافية كالعنبر.
كانت تلك العينان تحدّقان فيه بلا حراك، تبثّ سكينة عتيقة وحكمة، وكأنهما قادرتان على النفاذ إلى أعماق القلب البشري.
رأى الجسد الداكن الأحمر، البسيط والمتين لذلك الكائن. كانت الرقع الحمراء الداكنة مترابطة، تتلألأ تحت وهج النيران الخضراء.
ورأى الجسد المنتصب، والعنق الطويل الذي يرسم قوسًا.
في تلك اللحظة، شعر بالدهشة. بدا له ذلك الكائن أنيقًا ومهيبًا، يشعّ هالة طبيعية من الفخامة.
وبالطبع، لم يتجاهل تاليس السمة الأبرز في ذلك الكائن. هزّ رأسه بعنف، ورمش مرارًا كأن حياته متوقفة على ذلك. ثم رفع يديه ليفرك عينيه.
تنفّس تاليس بعمق، وبعد أن استبعد كل الاحتمالات الأخرى، ثبّت حكمه بقناعة راسخة.
“نعم…” تمتم بصوت خافت.
حاول تاليس تهدئة قلبه الذي كان يخفق أقوى حتى من مواجهته للصوفيين. بذل جهده ليحافظ على سكينته ويقلّص ارتجافه. ثم أخذ أنفاسًا عميقة متتالية.
(نعم…) كرر في قلبه.
وأخيرًا، ابتلع ريقه بصعوبة، وحدّق في الجسد الهائل للكائن أمامه. قال في نفسه:
(تاليس، أنت لست مجنونًا. لست مجنونًا حقًا. لقد رأيت… رأيت بعينيك…)
(مخلوقًا أسطوريًا… حقيقيًا… عملاقًا… طوله بضع عشرات من الأمتار… كائنًا حيًا…)
(…تـــنـــيـــن.)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
