سمفونية الدم (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ومع ذلك، لم يقل نيكولاس شيئًا. بل تكلّم غليوارد بينما كان جسده يستند إلى نيكولاس.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
أصبح وجه فلاد بالغ السوء، وعضّ على أسنانه. “أيّها العجوز العاجز… لا أريد الشجار معك الآن.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لمع بريق في عيني تولجا. “إذًا، أنت—”
Arisu-san
“بالنصل الأبيض، نفدي شمال الأرض بأنفسنا! اهجموا من اليمين!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
جثوا جميعًا على ركبةٍ واحدة، واتّكأ كلٌّ منهم على الآخر بأجساد مائلة. رفعوا دروع الأذرع المثبّتة على سواعدهم ووضعوها أمام أنفسهم، يحجبون رؤوسهم وأجسادهم.
الفصل 189: سمفونية الدم (الجزء الأول)
(كل شيء متقن. بلا جهدٍ كبير، تخلّص لامبارد من أعظم أعدائه وأكثرهم رهبة، بينما الكوارث تعيث فسادًا.)
***
“يا صاحب السمو!”
لم يكن بوسعه سوى… رفع تاليس نظره نحو منتصف الحشد، حيث وقف لامبارد. شرَد فكره.
تحت سماء الفجر، حدّق فلاد، ضابط الانضباط، في نيكولاس وغليوارد بتعبير صارم. “ماذا تنتظران؟”
إلّا أنّ تباين مستوى وحدات الدورية لم يُشعر نيكولاس بالارتياح. (أين تقع القوة الرئيسة لمنطقة الرمال السوداء الآن؟)
إلا أنّ قاتل النجوم والمحارب المخضرم لم يتحرّكا قط. وضع نيكولاس يده على نصل قاطع الأرواح دون أن ينطق بكلمة.
(لِماذا؟ لماذا أتى لامبارد إلى مدينة سحب التنين؟)
“فلاد، حين سألتك قبل قليل عمّا إذا كان جلالته قد أمر برفع حظر التجوّل”—قال قاتل النجوم بصوت منخفض وبملامح باردة—”كان جوابك غريبًا بعض الشيء.”
كان الوافد الجديد طويل القامة، ذا حضورٍ قاسٍ. خطواته ثقيلة، ويعبق منه ثقل الحديد ورائحة الدماء المنسابة من ساحات القتال.
ضحك غليوارد بخفة.
“القائد غليوارد.” التفت فارس النار إلى المحارب العاجز بتعبير محترم. “لقد سمعت الكثير عنك، وأعلم أنّك لطالما كنت ساخطًا على حكم عائلة والتون…”
ارتبك فلاد قليلًا. “لكنّ حظر التجوّل حقًّا لم يُرفع…”
(هذا… قرابة خمسين قوسًا للمشاة. في مواجهة… نحن الاثنين؟)
“ليس هذا هو المهم.” قطع قاتل النجوم كلام ضابط الانضباط على الفور. قال ببرود، “المهم أنّك أجبت بلا تردّد، ولم تُسقط كلمة واحدة: (إنّ جلالته لم يرفع حظر التجوّل بعد، لكنّ علينا مخالفة أوامره لنأتي إلى هنا).”
رفع أحد الحرس درع ذراعه أفقيًا، حاجزًا هجوم خصمٍ من اليسار. وفي اللحظة ذاتها، اندفع بسيفه الطويل إلى الأمام، وبالتنسيق مع رفيقه إلى اليمين، شقّ أحشاء الخصم.
تبدّل تعبير فلاد في الحال.
“تشاد فلاد. أدير تجارة صغيرة في مدينة سحب التنين.” ضحك فلاد، كأنه في غاية السعادة. “وتتراوح تجارة مشروعي ما بين أقواس المشاة إلى البنادق الصوفية.”
مسح نيكولاس بنظره كلّ أفراد دورية الحرس خلف فلاد. وبمراقبته لوميض أعينهم، تابع بجدّ، “رفع حظر التجوّل يصدره الكونت ليسبان، رئيس الوزراء، إلى الفيكونت ليسدون، قائد حامية العاصمة. ولا تقبل قاعات الانضباط في المناطق المختلفة إلا مذكرة تحمل توقيع ليسدون، ثم ترتّب بعد ذلك إجراءات رفع الحظر.”
إلا أنّ قاتل النجوم والمحارب المخضرم لم يتحرّكا قط. وضع نيكولاس يده على نصل قاطع الأرواح دون أن ينطق بكلمة.
أطلق شخيرًا باردًا. “ضابط انضباط تافه في العاصمة لا يتلقّى إلّا أوامر بإزالة العوائق في الطرق واستئناف الحركة. ولا يمكنه أن يعرف ما إذا كان جلالته قد أمر برفع الحظر أم لا.”
انطلقت السهام وهي تصفر.
تجعد جبين فلاد. “أنا—”
“نعم، مدينة سحب التنين قوية للغاية، تضم مئات المجنّدين، والقوات النظامية ذات قدرة عالية على القتال،” قال فارس النار بنبرة متزنة، “لكن من هو صاحب الحق في استدعائهم؟”
تابع نيكولاس كلامه بلا توقّف، وكان نظره وحده كفيلًا بخنق فلاد. “كنت مُصرًّا إلى هذا الحد على (مرافقتنا)، حتى افتعلت حججًا نسجًا على كلامي. ما النيّة وراء ذلك؟”
ارتبك فلاد قليلًا. “لكنّ حظر التجوّل حقًّا لم يُرفع…”
تبادل حرّاس الدورية خلف فلاد النظرات، وتعابيرهم متغيّرة. شاهدهم نيكولاس، فازداد شعوره بالارتياب.
لم يكن بوسعه سوى… رفع تاليس نظره نحو منتصف الحشد، حيث وقف لامبارد. شرَد فكره.
(أمرٌ مريب للغاية. ما الذي حدث؟)
ثم لوّح الفيكونت بيده نحوهم، فارتجفت أوتار الأقواس… وانطلقت السهام.
تنهد فلاد. “كانت زلّة لسان لا أكثر. ثم إنّه في مثل هذا الموقف، لا شكّ أنّ جلالته هو من أصدر الأمر الأول.”
(لِماذا؟ لماذا أتى لامبارد إلى مدينة سحب التنين؟)
ومع ذلك، لم يقل نيكولاس شيئًا. بل تكلّم غليوارد بينما كان جسده يستند إلى نيكولاس.
أكثر من عشرة جنود من منطقة الرمال السوداء في الصف الأمامي رفعوا أقواسهم.
“أخبرني، يا فلاد. منذ متى أصبحت تهتم كثيرًا بشؤون المملكة؟” زفر المحارب العاجز. “لقد مرّ أكثر من عشر سنوات. من تجنيد الجنود إلى تطهير المدينة، وفي كلّ مرّة يحدث فيها أمر في العاصمة، كان ردّ فعلك الأول هو الاختباء وتجنّب كلّ ما قد يؤثّر في مكاسبك.”
“ستتحقق أمنيتك اليوم. فالقتال السابق في الثلج لم يكن مُرضيًا بما يكفي,” قال نيكولاس بجمود وهو يسحب نصل سيفه.
وبينما كان يستمع إلى كلمات غليوارد، ازداد وجه نيكولاس رعبًا لحظة بعد أخرى. “وماذا عن قيادة الجيوش لنبدي ولاءنا للملك في أوقات الأزمات؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
رفع غليوارد حاجبيه، وبدا على وجهه تعبير كمن رأى خنزيرًا يطير. “كفّ عن المزاح.”
تبدّل تعبير فلاد في الحال.
أصبح وجه فلاد بالغ السوء، وعضّ على أسنانه. “أيّها العجوز العاجز… لا أريد الشجار معك الآن.”
بصق غليوارد على الأرض، وارتسمت على ملامحه احتقار صريح.
لكن في تلك اللحظة، ارتفع صوت رجل واضح من وسط الحشود. “كفى، لقد كشفا الأمر بالفعل.”
تناثر الدم بين الحشود.
تنفّس فلاد بعمق وتنحّى جانبًا، مفسحًا الطريق للرجل الذي خرج من وسط الناس. وتغيّر وجه نيكولاس وغليوارد هذه المرة.
بعد الموجة الأولى من السهام، نهض حرس النصل الأبيض دفعةً واحدة. وأطلق الرجل الذي في المقدمة زئيرًا غاضبًا مزلزلًا.
كان الوافد الجديد طويل القامة، ذا حضورٍ قاسٍ. خطواته ثقيلة، ويعبق منه ثقل الحديد ورائحة الدماء المنسابة من ساحات القتال.
“تبا.”
“إنه واحد لا يرحم، حقًّا.” زفر غليوارد. “أتعرِفه؟”
عجز تاليس حقًا عن فهم سبب اتخاذه قرارًا طائشًا كهذا. كان الأمر أشبه بتلك الضربة غير المتوقعة أسفل حصن التنين المحطم. فمقارنة بالملك نوڤين الغامض، بدا الآرشيدوق لامبارد عصيّ الفهم على تاليس.)
لم يُجب نيكولاس. ثبت نظره على القادم.
“تبا.”
“أنت.” ضيّق نيكولاس عينيه، وبدت عليه المهابة. “فارس النار… روميل تولجا.”
… ورسمت الكثير من الدم.
توقّف القادم عن المشي. وقف أمام الرجلين.
ظهر الأسف على وجه فارس النار. خفّض رأسه وتنهد.
“يشرفني أن ألتقي بك مجددًا، اللورد نيكولاس،” قال تولجا، أحد الجنرالات الخمسة في إكستيدت، بنظرة باردة.
هبط قلب نيكولاس، وزحف بردٌ لا نهاية له على عموده الفقري. تذكّر ما قاله فلاد أول الأمر: إنّ أحدهم يحاول اغتيال جلالته.
كان الفارس القادم من إقليم الرمال السوداء قد نزع خوذته بالفعل، لكنّه ما يزال يرتدي درعه الرمادي الثقيل. ومع سيف الفرسان عند خصره، بدا مرعبًا غاية الرهبة.
خفض الآرشيدوق لامبارد سنّ سيفه.
“لو كان آرشيدوق إقليم الرمال السوداء يريد حضور المأدبة”—زمجر نيكولاس بخفة وبانقباض ظاهر—”لأخبرنا مسبقًا لنرسل إليه دعوة.”
تبادل حرّاس الدورية خلف فلاد النظرات، وتعابيرهم متغيّرة. شاهدهم نيكولاس، فازداد شعوره بالارتياب.
بادل تولجا نيكولاس النظر دون أن يظهر ضعفًا.
تقلّصت حدقتا نيكولاس ببطء بينما كان يعاين الحرّاس.
“لقد أخبرني كينتفيدا بما قلته له أمس في الضواحي.” قال فارس النار بملامح ثابتة. “وللردّ على دعوتك، نقوم الآن برحلة صغيرة إلى مدينة سحب التنين مع أكثر من ألف رجل.”
تقلّصت حدقتا نيكولاس ببطء بينما كان يعاين الحرّاس.
إلّا أنّ تباين مستوى وحدات الدورية لم يُشعر نيكولاس بالارتياح. (أين تقع القوة الرئيسة لمنطقة الرمال السوداء الآن؟)
“أنتم تبحثون عن الموت،” قال قاتل النجوم ببرود. “فهنا في مدينة سحب التنين وحدها، يمكننا استدعاء سبعة إلى ثمانية آلاف جندي بالتجنيد الطارئ. وهناك أيضًا الحرس والدوريات، وجنود البلاط النظاميون، ناهيك عن قوات الأتباع في الضواحي—”
انطلقت السهام وهي تصفر.
قاطعه تولجا بلا مبالاة.
ومع ذلك، لم يقل نيكولاس شيئًا. بل تكلّم غليوارد بينما كان جسده يستند إلى نيكولاس.
“نعم، مدينة سحب التنين قوية للغاية، تضم مئات المجنّدين، والقوات النظامية ذات قدرة عالية على القتال،” قال فارس النار بنبرة متزنة، “لكن من هو صاحب الحق في استدعائهم؟”
ظهر الأسف على وجه فارس النار. خفّض رأسه وتنهد.
هبط قلب نيكولاس، وزحف بردٌ لا نهاية له على عموده الفقري. تذكّر ما قاله فلاد أول الأمر: إنّ أحدهم يحاول اغتيال جلالته.
(الملك ميت، وستغرق إكستيدت في الفوضى. وليس لأسرة والتون ولا لمدينة سحب التنين فرصة للتواصل مع بقية الآرشيدوقات للانتقام من منطقة الرمال السوداء… وهكذا تصبح المنطقة آمنة.)
“ماذا تعني؟” سأل بصرامة، وقد خرجت نبرته متوترة على غير إرادة منه.
(لا، كل شيء خاطئ. هذا غير طبيعي البتة.)
(هذا مستحيل. جلالته محميٌّ بحرس النصل الأبيض الشجعان، وكلّ واحد منهم يملك مهارات من الفئة العليا وخبرة واسعة. وهم أيضًا على استعداد للتضحية بأرواحهم. حتى غضب المملكة لا يمكنه… أن يجرؤ على هذا بمجرّد قوّة قليلة كهذه… ما الذي ينوي لامبارد فعله؟)
رفع غليوارد حاجبيه، وبدا على وجهه تعبير كمن رأى خنزيرًا يطير. “كفّ عن المزاح.”
تلاقت عينا نيكولاس وتولجا، وكأن شررًا على وشك أن يتطاير بينهما من فرط العداء.
“لقد قتل شقيقه من أجل لقب الآرشيدوق، وها هو الآن يستغلّ فرصة الكارثة التي تحصد الأرواح، والدماء التي تجري كالأنهار، ليغتنم الغنائم!” قال المحارب بضراوة. “أيّ مستقبل يمكن لحاكم كهذا أن يمنحه للشماليين؟”
“ما أعنيه أنّكما لستما مضطرّين للقلق بشأن هذا.” كان الفارس القادم من الرمال السوداء بلا تعبير. “إكستيدت ستولد من جديد قريبًا.”
(لا، كل شيء خاطئ. هذا غير طبيعي البتة.)
أجبر نيكولاس نفسه على الهدوء.
انطلقت السهام وهي تصفر.
“هناك خائن، أليس كذلك؟” شدّ قاتل النجوم قبضته على شفرة سيفه. قال ببرود: “منذ متى وأنتم تخطّطون لهذا؟ إدخال ألفي رجل إلى مدينة سحب التنين… لا الفوضى التي سببتها الكوارث ولا زعيم عصابة عاديّ يمكنه تحقيق ذلك. من أيضًا اشتريتموه؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(ليسدون، قائد الحامية؟ أم لسبان، رئيس الوزراء نفسه؟)
لم يُجب نيكولاس. ثبت نظره على القادم.
لكنّ تولجا لم يُجب على سؤال نيكولاس.
بادل تولجا نيكولاس النظر دون أن يظهر ضعفًا.
“القائد غليوارد.” التفت فارس النار إلى المحارب العاجز بتعبير محترم. “لقد سمعت الكثير عنك، وأعلم أنّك لطالما كنت ساخطًا على حكم عائلة والتون…”
“أخبرني، يا فلاد. منذ متى أصبحت تهتم كثيرًا بشؤون المملكة؟” زفر المحارب العاجز. “لقد مرّ أكثر من عشر سنوات. من تجنيد الجنود إلى تطهير المدينة، وفي كلّ مرّة يحدث فيها أمر في العاصمة، كان ردّ فعلك الأول هو الاختباء وتجنّب كلّ ما قد يؤثّر في مكاسبك.”
عبس نيكولاس قليلًا. لكن غليوارد كان أسرع مما توقّعه.
وبلا أي تردّد، اندفع عشرة من حرس النصل الأبيض نحو جنود اقليم الرمال السوداء. فقلّة قليلة تصدّت لحشود كثيرة.
“كفى.” زفر غليوارد وقال بنبرة هادئة: “صحيح أنّني لا أطيق نوڤين، وهذا الملك عندنا وغد لا شكّ فيه…”
“بحسب أوامر الآرشيدوق، إن لم نتمكّن من خداعهما، فعلينا تنفيذ الخطة (ب).”
لمع بريق في عيني تولجا. “إذًا، أنت—”
فسسشش…
“لكن تشابمان لامبارد؟” لم يمنحه غليوارد فرصة الكلام. وأبرز أسنانه الصفراء الكبيرة، وضحك ضحكة أشبه بضجيج السفهاء: “مع أنّني فقير وجاهل، إلا أنّني، في نهاية الأمر، شمالي.”
وبينما كان يستمع إلى كلمات غليوارد، ازداد وجه نيكولاس رعبًا لحظة بعد أخرى. “وماذا عن قيادة الجيوش لنبدي ولاءنا للملك في أوقات الأزمات؟”
“ومهما بلغ سخطي على ملكي، فلن أجرّ الجنود إلى العاصمة لقتله.” ازدادت طبقة صوته جمودًا. “ولن أهب ولائي، بثمن بخس كهذا، لهذا الوحش الذي قتل شقيقه، ولهذا الخائن الذي خان ملكه.”
ظهر الأسف على وجه فارس النار. خفّض رأسه وتنهد.
ظهر الأسف على وجه فارس النار. خفّض رأسه وتنهد.
لم يُبدِ تولجا أيّ نيّة للهجوم. بل إنّه نظر إلى فلاد ولوّح بيده بخفة. صارت تعابير وحدات الدورية أكثر صرامة.
“قلة قليلة تفهم إرادة الآرشيدوق لامبارد وعزيمته,” قال تولجا بوقار وهو يرفع رأسه. بدا كأنّه لم يسمع سخرية غليوارد. “لكنّ صدّقوني حين أقول إنّ ما فعله، وما ضحّى به، وكلّ ما لا يفهمه الناس، هو من أجل إكستيدت ومن أجل مستقبل أهل الشمال.”
رفع غليوارد حاجبيه، وبدا على وجهه تعبير كمن رأى خنزيرًا يطير. “كفّ عن المزاح.”
بصق غليوارد على الأرض، وارتسمت على ملامحه احتقار صريح.
شرع الحرس يلوّحون بشفراتهم بجنون، وبخبرتهم الواسعة، وقوتهم القتالية، وتنسيقهم البديع، صمدوا أمام خصومهم، بل ردّوهم. وتصرّفوا كحرسٍ خلفي لتغطية تراجع رفاقهم.
“لقد قتل شقيقه من أجل لقب الآرشيدوق، وها هو الآن يستغلّ فرصة الكارثة التي تحصد الأرواح، والدماء التي تجري كالأنهار، ليغتنم الغنائم!” قال المحارب بضراوة. “أيّ مستقبل يمكن لحاكم كهذا أن يمنحه للشماليين؟”
قطّب الآرشيدوق لامبارد حاجبيه بإحكام.
لم يقل تولجا شيئًا. حرّك فلاد ضفائره، وتعابيره شرسة.
مسح نيكولاس بنظره كلّ أفراد دورية الحرس خلف فلاد. وبمراقبته لوميض أعينهم، تابع بجدّ، “رفع حظر التجوّل يصدره الكونت ليسبان، رئيس الوزراء، إلى الفيكونت ليسدون، قائد حامية العاصمة. ولا تقبل قاعات الانضباط في المناطق المختلفة إلا مذكرة تحمل توقيع ليسدون، ثم ترتّب بعد ذلك إجراءات رفع الحظر.”
“لعلّنا لا ينبغي أن نضيع وقتًا أكثر.” صفّر رئيس السوق الكبرى في مقاطعة السيف بنظرة متأمّلة.
“السهام!”
“بحسب أوامر الآرشيدوق، إن لم نتمكّن من خداعهما، فعلينا تنفيذ الخطة (ب).”
(لا، كل شيء خاطئ. هذا غير طبيعي البتة.)
“قد يكون هذا مؤلمًا بعض الشيء,” قال فلاد بنبرة شريرة.
“يا صاحب السمو!”
وما إن قالها حتى توتر الجو فجأة، كأنّ كفّة الميزان اختلّت دفعة واحدة.
قسّم الحرس أنفسهم إلى أزواج. أحدهما يصدّ الهجمات من اليسار، والآخر يمزّق خصوم اليمين.
أومأ تولجا ببطء. “تعلم يا صاحب السمو، لطالما رغبت في تبادل الضربات معك… لأعوّض خيبتي لعدم قدرتي على قتل سيف الضوء المعكوس بيدي.”
هبط قلب نيكولاس، وزحف بردٌ لا نهاية له على عموده الفقري. تذكّر ما قاله فلاد أول الأمر: إنّ أحدهم يحاول اغتيال جلالته.
“ستتحقق أمنيتك اليوم. فالقتال السابق في الثلج لم يكن مُرضيًا بما يكفي,” قال نيكولاس بجمود وهو يسحب نصل سيفه.
تناثر الدم بين الحشود.
مسح بنظره فرق الحرس. ولحسن الحظ، لم يكن عدد جنود إقليم الرمال السوداء كبيرًا. بل لم يشكّلوا حتى ربع المجموع الكلّي، ومعظمهم كانوا أفراد الفرقة الفوضوية التابعة لفلاد.
وبينما كان الحرس ينسحبون حاملين تاليس والشقية، مرّوا بجانب سقف مهجور. غير أنهم توقفوا فجأة. وما إن رفع تاليس رأسه حتى شعر بالبرد ينساب في عروقه.
“لعلّ بوسعنا التعامل مع الأمر بالاعتماد على تضاريس الخرائب.”
تنهد تاليس. (سهام مجددًا.)
إلّا أنّ تباين مستوى وحدات الدورية لم يُشعر نيكولاس بالارتياح. (أين تقع القوة الرئيسة لمنطقة الرمال السوداء الآن؟)
شرع الحرس يلوّحون بشفراتهم بجنون، وبخبرتهم الواسعة، وقوتهم القتالية، وتنسيقهم البديع، صمدوا أمام خصومهم، بل ردّوهم. وتصرّفوا كحرسٍ خلفي لتغطية تراجع رفاقهم.
(هل لديهم… مهمة أكثر أهميّة؟)
أومأ تولجا ببطء. “تعلم يا صاحب السمو، لطالما رغبت في تبادل الضربات معك… لأعوّض خيبتي لعدم قدرتي على قتل سيف الضوء المعكوس بيدي.”
لم يُبدِ تولجا أيّ نيّة للهجوم. بل إنّه نظر إلى فلاد ولوّح بيده بخفة. صارت تعابير وحدات الدورية أكثر صرامة.
“كفّ عن المزاح، أيها الوجه الميّت.” سعل غليوارد بقوة ومسح الدم عن شفتيه، شاحبًا إلى حدٍّ مخيف. عضّ على أسنانه وقال: “الآن؟ أستطيع أن أقتل مئة كارثة أخرى—”
“أتستطيع القتال… يا مُقعَد؟” أفلت قاتل النجوم غليوارد، تاركًا إيّاه يقف وحده. “…يا عاجز؟”
بصق غليوارد على الأرض، وارتسمت على ملامحه احتقار صريح.
“كفّ عن المزاح، أيها الوجه الميّت.” سعل غليوارد بقوة ومسح الدم عن شفتيه، شاحبًا إلى حدٍّ مخيف. عضّ على أسنانه وقال: “الآن؟ أستطيع أن أقتل مئة كارثة أخرى—”
لمع بريق في عيني تولجا. “إذًا، أنت—”
لكنّ المحارب العجوز توقّف في منتصف الجملة.
فسسشش…
مع إشارة فلاد، تقدّم نحو خمسين من وحدات الدورية. اصطفّوا على شكل نصف دائرتين. الأماميون جثوا على رُكَبهم والخلفيون ثبتوا واقفين.
قاطعه تولجا بلا مبالاة.
(نخبة من الفئة الفائقة.)
ولم يستطع إلا أن يسأل نفسه مجددًا: (هل فقد لامبارد عقله؟)
حبس نيكولاس أنفاسه لحظة، واتّسعت عينا غليوارد.
كل مشاعر غليوارد في تلك اللحظة أمكن تلخيصها بكلمة واحدة، كلمةٌ وافقه نيكولاس عليها كثيرًا.
(هذا… قرابة خمسين قوسًا للمشاة. في مواجهة… نحن الاثنين؟)
“لعلّ بوسعنا التعامل مع الأمر بالاعتماد على تضاريس الخرائب.”
كل مشاعر غليوارد في تلك اللحظة أمكن تلخيصها بكلمة واحدة، كلمةٌ وافقه نيكولاس عليها كثيرًا.
لكنّ تولجا لم يُجب على سؤال نيكولاس.
“تبا.”
كان الفارس القادم من إقليم الرمال السوداء قد نزع خوذته بالفعل، لكنّه ما يزال يرتدي درعه الرمادي الثقيل. ومع سيف الفرسان عند خصره، بدا مرعبًا غاية الرهبة.
أدار الرجل ذو الجدائل الثمانية جسده قليلًا وانزلق داخل التشكيل القتالي الذي شكّله مرؤوسوه.
ومع ذلك، لم يقل نيكولاس شيئًا. بل تكلّم غليوارد بينما كان جسده يستند إلى نيكولاس.
“رجلان جليلان يتفوّقان على غيرهما شجاعةً ويشتهران في المملكة، دعوا خادمكم المتواضع يعرّف بنفسه لآخر مرة.
غير أنّ حرس النصل الأبيض لم يُبدوا أدنى رغبة في إنهاء حياته. بل وطئوه ومضوا… نحو الموجة التالية من الأعداء.
“تشاد فلاد. أدير تجارة صغيرة في مدينة سحب التنين.” ضحك فلاد، كأنه في غاية السعادة. “وتتراوح تجارة مشروعي ما بين أقواس المشاة إلى البنادق الصوفية.”
مع إشارة فلاد، تقدّم نحو خمسين من وحدات الدورية. اصطفّوا على شكل نصف دائرتين. الأماميون جثوا على رُكَبهم والخلفيون ثبتوا واقفين.
وبينما كان نيكولاس وغليوارد يحدّقان في هذا العدد الكبير من الأقواس، أطلقا آهة. كفّ فلاد عن الابتسام. فتح عينيه وأظهر نظرة شديدة البرودة.
تجعد جبين فلاد. “أنا—”
“لدينا مخزون وافٍ.”
زمجر حرس النصل الأبيض. ضُغط تاليس والشقية إلى الأرض، محميين خلف الجميع.
أدار تولجا رأسه، وكأنّ في ملامحه شيئًا من الاستياء.
تبادل حرّاس الدورية خلف فلاد النظرات، وتعابيرهم متغيّرة. شاهدهم نيكولاس، فازداد شعوره بالارتياب.
ثم، في هجوم متقن، انطلقت خمسون سهمًا دفعةً واحدة نحو السَيّافين من الفئة الفائقة. انهمر مطر من السهام السوداء. صَفرت في الهواء…
بصق غليوارد على الأرض، وارتسمت على ملامحه احتقار صريح.
… ورسمت الكثير من الدم.
بادل تولجا نيكولاس النظر دون أن يظهر ضعفًا.
…..
(لن يغفر شعب إكستيدت لقاتل ملكهم المنتخب. والفرصة التي ظفرت بها منطقة الرمال السوداء لالتقاط أنفاسها ستتبخر كالرمل من بين الأصابع. هذا لا يخدم لامبارد مطلقًا.)
خفض الآرشيدوق لامبارد سنّ سيفه.
Arisu-san
أكثر من عشرة جنود من منطقة الرمال السوداء في الصف الأمامي رفعوا أقواسهم.
“رجلان جليلان يتفوّقان على غيرهما شجاعةً ويشتهران في المملكة، دعوا خادمكم المتواضع يعرّف بنفسه لآخر مرة.
“السهام!”
“لقد قتل شقيقه من أجل لقب الآرشيدوق، وها هو الآن يستغلّ فرصة الكارثة التي تحصد الأرواح، والدماء التي تجري كالأنهار، ليغتنم الغنائم!” قال المحارب بضراوة. “أيّ مستقبل يمكن لحاكم كهذا أن يمنحه للشماليين؟”
زمجر حرس النصل الأبيض. ضُغط تاليس والشقية إلى الأرض، محميين خلف الجميع.
هجموا صفًا واحدًا، يبدّلون المواقع والمهام بشكل دوري. إن أسرع أحدهم، تباطأ الثاني. وإن توقّف أحدهم، تحرّك الآخر. وحتى إن أصيبوا أحيانًا، لم يكترثوا، واستمروا غير آبهين إلا بالأعداء أمامهم. وتحت هذا الهجوم المضاد المباغت، سقط خمسة أو ستة من جنود منطقة الرمال السوداء في رمشة عين.
لكن ذهن أمير الكوكبة كان في فوضى. كان يدرك أنّه عديم الجدوى في مثل هذا القتال، تمامًا كما حدث عند الحصن.
“قلة قليلة تفهم إرادة الآرشيدوق لامبارد وعزيمته,” قال تولجا بوقار وهو يرفع رأسه. بدا كأنّه لم يسمع سخرية غليوارد. “لكنّ صدّقوني حين أقول إنّ ما فعله، وما ضحّى به، وكلّ ما لا يفهمه الناس، هو من أجل إكستيدت ومن أجل مستقبل أهل الشمال.”
لم يكن بوسعه سوى… رفع تاليس نظره نحو منتصف الحشد، حيث وقف لامبارد. شرَد فكره.
ضحك غليوارد بخفة.
(لا، كل شيء خاطئ. هذا غير طبيعي البتة.)
“أنتم تبحثون عن الموت،” قال قاتل النجوم ببرود. “فهنا في مدينة سحب التنين وحدها، يمكننا استدعاء سبعة إلى ثمانية آلاف جندي بالتجنيد الطارئ. وهناك أيضًا الحرس والدوريات، وجنود البلاط النظاميون، ناهيك عن قوات الأتباع في الضواحي—”
وبينما كان تائهًا، اتّخذ أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض تشكيلًا دفاعيًا يشبه صدفة السلحفاة في مواجهة الأقواس.
قسّم الحرس أنفسهم إلى أزواج. أحدهما يصدّ الهجمات من اليسار، والآخر يمزّق خصوم اليمين.
جثوا جميعًا على ركبةٍ واحدة، واتّكأ كلٌّ منهم على الآخر بأجساد مائلة. رفعوا دروع الأذرع المثبّتة على سواعدهم ووضعوها أمام أنفسهم، يحجبون رؤوسهم وأجسادهم.
تقلّصت حدقتا نيكولاس ببطء بينما كان يعاين الحرّاس.
فسسشش…
ارتبك فلاد قليلًا. “لكنّ حظر التجوّل حقًّا لم يُرفع…”
انطلقت السهام وهي تصفر.
إلّا أنّ تباين مستوى وحدات الدورية لم يُشعر نيكولاس بالارتياح. (أين تقع القوة الرئيسة لمنطقة الرمال السوداء الآن؟)
ما يزال تاليس غير قادر على الفهم.
لكنّه تذكّر لتوّه كلمات بيوتراي: لامبارد ليس مجنونًا.
(بعد موت الملك نوڤين، ظهر لامبارد. بل إنه أقرّ ضمنيًا بأنه المدبّر الخفي. لكن…)
“القائد غليوارد.” التفت فارس النار إلى المحارب العاجز بتعبير محترم. “لقد سمعت الكثير عنك، وأعلم أنّك لطالما كنت ساخطًا على حكم عائلة والتون…”
طنين!
قطّب الآرشيدوق لامبارد حاجبيه بإحكام.
ارتطم السهم تلو السهم بالدروع، فارتدت منتجة أصواتًا حادّة متتابعة. غير أنّ سهمين أو ثلاثة اخترقت الأجساد أيضًا، مطلقةً صوتًا خافتًا لتمزّق اللحم. لكن أحدًا من الحرس لم يُصدر أنّة واحدة، بل تبادلوا نظرات باردة فحسب.
ظهر الأسف على وجه فارس النار. خفّض رأسه وتنهد.
بعد الموجة الأولى من السهام، نهض حرس النصل الأبيض دفعةً واحدة. وأطلق الرجل الذي في المقدمة زئيرًا غاضبًا مزلزلًا.
صرخ عشرة من الحرس الذين يشكّلون الطليعة، بوجوه طافحة بالشراسة وهالة قاتلة، ثم استداروا واقتحموا تشكيل العدو.
“اهجموا!”
لكن في تلك اللحظة، ارتفع صوت رجل واضح من وسط الحشود. “كفى، لقد كشفا الأمر بالفعل.”
وبلا أي تردّد، اندفع عشرة من حرس النصل الأبيض نحو جنود اقليم الرمال السوداء. فقلّة قليلة تصدّت لحشود كثيرة.
“كما قال الآرشيدوق من قبل، أيها الأمير تاليس…” قال مستشار الآرشيدوق، الفيكونت كينتفيدا، مبتسمًا: “’الرجاء أن تتوخى الحذر في اختيار أعدائك وأصدقائك. فعدم الحصافة في التعامل مع الأمور من كبائر اخطاء الملوك.’”
مبهوتًا، زفر تاليس. لم ينتبه حتى إلى أنّ بضعة من الحرس كانوا يجرّونه خارج أرض القتال، وقد امتلأ ذهنه بأسئلة مستعرة.
غير أنّ حرس النصل الأبيض لم يُبدوا أدنى رغبة في إنهاء حياته. بل وطئوه ومضوا… نحو الموجة التالية من الأعداء.
(لِماذا؟ لماذا أتى لامبارد إلى مدينة سحب التنين؟)
وبينما كان الحرس ينسحبون حاملين تاليس والشقية، مرّوا بجانب سقف مهجور. غير أنهم توقفوا فجأة. وما إن رفع تاليس رأسه حتى شعر بالبرد ينساب في عروقه.
(إن كان لينتقم ويقضي على تهديد المدينة، فقد نجح بالفعل.)
(هذا مستحيل. جلالته محميٌّ بحرس النصل الأبيض الشجعان، وكلّ واحد منهم يملك مهارات من الفئة العليا وخبرة واسعة. وهم أيضًا على استعداد للتضحية بأرواحهم. حتى غضب المملكة لا يمكنه… أن يجرؤ على هذا بمجرّد قوّة قليلة كهذه… ما الذي ينوي لامبارد فعله؟)
(الملك ميت، وستغرق إكستيدت في الفوضى. وليس لأسرة والتون ولا لمدينة سحب التنين فرصة للتواصل مع بقية الآرشيدوقات للانتقام من منطقة الرمال السوداء… وهكذا تصبح المنطقة آمنة.)
ومع ذلك، لم يقل نيكولاس شيئًا. بل تكلّم غليوارد بينما كان جسده يستند إلى نيكولاس.
(وحتى لو كان لامبارد هو الجاني الحقيقي، فما حاجته للظهور في ظرف شائن كهذا؟ للتخلّص من الشهود؟)
(لا، كل شيء خاطئ. هذا غير طبيعي البتة.)
(لا، لم يكن بحاجة للمجيء إطلاقًا. كان يكفي أن يبقى في إقليمه ويترقّب خبر وفاة الملك. وبهذا، ستغدو عملية الاغتيال جريمة بلا رأس.)
“ومهما بلغ سخطي على ملكي، فلن أجرّ الجنود إلى العاصمة لقتله.” ازدادت طبقة صوته جمودًا. “ولن أهب ولائي، بثمن بخس كهذا، لهذا الوحش الذي قتل شقيقه، ولهذا الخائن الذي خان ملكه.”
(لكنّ تشارلتون سيحملون وزر قتل الملك مجددًا، تمامًا كما يناسب سمعتهم بوصفهم زهرة الاغتيال وعائلة قتل الملوك.)
طنين!
(كل شيء متقن. بلا جهدٍ كبير، تخلّص لامبارد من أعظم أعدائه وأكثرهم رهبة، بينما الكوارث تعيث فسادًا.)
تحت سماء الفجر، حدّق فلاد، ضابط الانضباط، في نيكولاس وغليوارد بتعبير صارم. “ماذا تنتظران؟”
ارتفعت صيحات معركة تهزّ الأرض.
توقّف القادم عن المشي. وقف أمام الرجلين.
“بالنصل الأبيض، نفدي شمال الأرض بأنفسنا! اهجموا من اليمين!”
ارتطم السهم تلو السهم بالدروع، فارتدت منتجة أصواتًا حادّة متتابعة. غير أنّ سهمين أو ثلاثة اخترقت الأجساد أيضًا، مطلقةً صوتًا خافتًا لتمزّق اللحم. لكن أحدًا من الحرس لم يُصدر أنّة واحدة، بل تبادلوا نظرات باردة فحسب.
صرخ عشرة من الحرس الذين يشكّلون الطليعة، بوجوه طافحة بالشراسة وهالة قاتلة، ثم استداروا واقتحموا تشكيل العدو.
مسح نيكولاس بنظره كلّ أفراد دورية الحرس خلف فلاد. وبمراقبته لوميض أعينهم، تابع بجدّ، “رفع حظر التجوّل يصدره الكونت ليسبان، رئيس الوزراء، إلى الفيكونت ليسدون، قائد حامية العاصمة. ولا تقبل قاعات الانضباط في المناطق المختلفة إلا مذكرة تحمل توقيع ليسدون، ثم ترتّب بعد ذلك إجراءات رفع الحظر.”
وحالًا انهار الزخم الذي جمعته منطقة الرمال السوداء عبر العدد والتطويق الجزئي، وانتُزع من بين أيديهم دفعةً واحدة.
أكثر من عشرة جنود من منطقة الرمال السوداء في الصف الأمامي رفعوا أقواسهم.
قطّب الآرشيدوق لامبارد حاجبيه بإحكام.
“هناك خائن، أليس كذلك؟” شدّ قاتل النجوم قبضته على شفرة سيفه. قال ببرود: “منذ متى وأنتم تخطّطون لهذا؟ إدخال ألفي رجل إلى مدينة سحب التنين… لا الفوضى التي سببتها الكوارث ولا زعيم عصابة عاديّ يمكنه تحقيق ذلك. من أيضًا اشتريتموه؟”
(حرّاس التنين الإمبراطوريين. يا للأسف.)
(لم يكتفِ بفضح نفسه، بل جلب المتاعب عليها، وقد يوصم بالخزي أمام العامة. وسيصعب عليه الإفلات من تهمة الإجرام.)
رفع أحد الحرس درع ذراعه أفقيًا، حاجزًا هجوم خصمٍ من اليسار. وفي اللحظة ذاتها، اندفع بسيفه الطويل إلى الأمام، وبالتنسيق مع رفيقه إلى اليمين، شقّ أحشاء الخصم.
“بالنصل الأبيض، نفدي شمال الأرض بأنفسنا! اهجموا من اليمين!”
سقط الخصم أرضًا يتلوّى من الألم، يصرخ صرخات بائسة وهو يقبض على أمعائه المنسكبة.
وبينما كان تائهًا، اتّخذ أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض تشكيلًا دفاعيًا يشبه صدفة السلحفاة في مواجهة الأقواس.
غير أنّ حرس النصل الأبيض لم يُبدوا أدنى رغبة في إنهاء حياته. بل وطئوه ومضوا… نحو الموجة التالية من الأعداء.
حبس نيكولاس أنفاسه لحظة، واتّسعت عينا غليوارد.
اضطر جنود منطقة الرمال السوداء إلى إرسال رجال لسحب رفيقهم إلى الخلف داخل التشكيل.
“كفّ عن المزاح، أيها الوجه الميّت.” سعل غليوارد بقوة ومسح الدم عن شفتيه، شاحبًا إلى حدٍّ مخيف. عضّ على أسنانه وقال: “الآن؟ أستطيع أن أقتل مئة كارثة أخرى—”
لم يستطع تاليس منع نفسه من تذكّر غضب المملكة وهجوم حرّاس الغضب.
وقبل عينيه رأى مشهد إصابة يودل بسهم من مغتال أرسله دوق الإقليم الشمالي حين تعرّضوا لكمين أثناء التوجّه إلى قصر النهضة.
تناثر الدم بين الحشود.
“أنت.” ضيّق نيكولاس عينيه، وبدت عليه المهابة. “فارس النار… روميل تولجا.”
قسّم الحرس أنفسهم إلى أزواج. أحدهما يصدّ الهجمات من اليسار، والآخر يمزّق خصوم اليمين.
تقلّصت حدقتا نيكولاس ببطء بينما كان يعاين الحرّاس.
هجموا صفًا واحدًا، يبدّلون المواقع والمهام بشكل دوري. إن أسرع أحدهم، تباطأ الثاني. وإن توقّف أحدهم، تحرّك الآخر. وحتى إن أصيبوا أحيانًا، لم يكترثوا، واستمروا غير آبهين إلا بالأعداء أمامهم. وتحت هذا الهجوم المضاد المباغت، سقط خمسة أو ستة من جنود منطقة الرمال السوداء في رمشة عين.
أطلق شخيرًا باردًا. “ضابط انضباط تافه في العاصمة لا يتلقّى إلّا أوامر بإزالة العوائق في الطرق واستئناف الحركة. ولا يمكنه أن يعرف ما إذا كان جلالته قد أمر برفع الحظر أم لا.”
قلّة في العدد، لكنّ شراستهم غير عادية. وما إن شنّ حراس التنين الإمبراطوريين هجومهم المضاد، حتى بدأت صفوف منطقة الرمال السوداء تتراجع خطوة بعد أخرى.
رفع غليوارد حاجبيه، وبدا على وجهه تعبير كمن رأى خنزيرًا يطير. “كفّ عن المزاح.”
شرع الحرس يلوّحون بشفراتهم بجنون، وبخبرتهم الواسعة، وقوتهم القتالية، وتنسيقهم البديع، صمدوا أمام خصومهم، بل ردّوهم. وتصرّفوا كحرسٍ خلفي لتغطية تراجع رفاقهم.
كل مشاعر غليوارد في تلك اللحظة أمكن تلخيصها بكلمة واحدة، كلمةٌ وافقه نيكولاس عليها كثيرًا.
كان تاليس محمولًا تحت ذراع أحد المقاتلين، يلهث دون أن ينتبه. وأبعد بصره عن القتال مفكرًا بقوة في غرابة أفعال لامبارد.
“السهام!”
(لقد أدخل لامبارد جيشه إلى المدينة دون أن يخفيه. وضع نفسه في موضع خطر، وألقى الشبهات على نفسه… بل إنه… أراد قتلي!)
لكن ذهن أمير الكوكبة كان في فوضى. كان يدرك أنّه عديم الجدوى في مثل هذا القتال، تمامًا كما حدث عند الحصن.
(لم يكتفِ بفضح نفسه، بل جلب المتاعب عليها، وقد يوصم بالخزي أمام العامة. وسيصعب عليه الإفلات من تهمة الإجرام.)
جثوا جميعًا على ركبةٍ واحدة، واتّكأ كلٌّ منهم على الآخر بأجساد مائلة. رفعوا دروع الأذرع المثبّتة على سواعدهم ووضعوها أمام أنفسهم، يحجبون رؤوسهم وأجسادهم.
(لن يغفر شعب إكستيدت لقاتل ملكهم المنتخب. والفرصة التي ظفرت بها منطقة الرمال السوداء لالتقاط أنفاسها ستتبخر كالرمل من بين الأصابع. هذا لا يخدم لامبارد مطلقًا.)
“قلة قليلة تفهم إرادة الآرشيدوق لامبارد وعزيمته,” قال تولجا بوقار وهو يرفع رأسه. بدا كأنّه لم يسمع سخرية غليوارد. “لكنّ صدّقوني حين أقول إنّ ما فعله، وما ضحّى به، وكلّ ما لا يفهمه الناس، هو من أجل إكستيدت ومن أجل مستقبل أهل الشمال.”
عجز تاليس حقًا عن فهم سبب اتخاذه قرارًا طائشًا كهذا. كان الأمر أشبه بتلك الضربة غير المتوقعة أسفل حصن التنين المحطم. فمقارنة بالملك نوڤين الغامض، بدا الآرشيدوق لامبارد عصيّ الفهم على تاليس.)
(هل لديهم… مهمة أكثر أهميّة؟)
ولم يستطع إلا أن يسأل نفسه مجددًا: (هل فقد لامبارد عقله؟)
تلاقت عينا نيكولاس وتولجا، وكأن شررًا على وشك أن يتطاير بينهما من فرط العداء.
لكنّه تذكّر لتوّه كلمات بيوتراي: لامبارد ليس مجنونًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(تشابمان لامبارد… ماذا تريد بحق السماء؟)
“إنه واحد لا يرحم، حقًّا.” زفر غليوارد. “أتعرِفه؟”
وبينما كان الحرس ينسحبون حاملين تاليس والشقية، مرّوا بجانب سقف مهجور. غير أنهم توقفوا فجأة. وما إن رفع تاليس رأسه حتى شعر بالبرد ينساب في عروقه.
(هذا… قرابة خمسين قوسًا للمشاة. في مواجهة… نحن الاثنين؟)
فأمامهم وقف لازار كينتفيدا الطويل، تابع منطقة الرمال السوداء، وفيكونت مدينة الضوء المتوقّف. وعلى جانبيه صفٌّ من الجنود.
لم يستطع تاليس منع نفسه من تذكّر غضب المملكة وهجوم حرّاس الغضب.
وقفوا يواجهون تاليس والشقية وأربعة من الحرس، ورفعوا الأقواس في أيديهم.
كان الفارس القادم من إقليم الرمال السوداء قد نزع خوذته بالفعل، لكنّه ما يزال يرتدي درعه الرمادي الثقيل. ومع سيف الفرسان عند خصره، بدا مرعبًا غاية الرهبة.
تنهد تاليس. (سهام مجددًا.)
إلّا أنّ تباين مستوى وحدات الدورية لم يُشعر نيكولاس بالارتياح. (أين تقع القوة الرئيسة لمنطقة الرمال السوداء الآن؟)
وقبل عينيه رأى مشهد إصابة يودل بسهم من مغتال أرسله دوق الإقليم الشمالي حين تعرّضوا لكمين أثناء التوجّه إلى قصر النهضة.
ما يزال تاليس غير قادر على الفهم.
(ياله من سلاح دنيء.) فكّر تاليس بيأس. واستدار لينظر إلى الشقية، وقد امتلأت عيناها أيضًا بالرعب.
“لعلّنا لا ينبغي أن نضيع وقتًا أكثر.” صفّر رئيس السوق الكبرى في مقاطعة السيف بنظرة متأمّلة.
“كما قال الآرشيدوق من قبل، أيها الأمير تاليس…” قال مستشار الآرشيدوق، الفيكونت كينتفيدا، مبتسمًا: “’الرجاء أن تتوخى الحذر في اختيار أعدائك وأصدقائك. فعدم الحصافة في التعامل مع الأمور من كبائر اخطاء الملوك.’”
“لقد قتل شقيقه من أجل لقب الآرشيدوق، وها هو الآن يستغلّ فرصة الكارثة التي تحصد الأرواح، والدماء التي تجري كالأنهار، ليغتنم الغنائم!” قال المحارب بضراوة. “أيّ مستقبل يمكن لحاكم كهذا أن يمنحه للشماليين؟”
ثم لوّح الفيكونت بيده نحوهم، فارتجفت أوتار الأقواس… وانطلقت السهام.
تنهد فلاد. “كانت زلّة لسان لا أكثر. ثم إنّه في مثل هذا الموقف، لا شكّ أنّ جلالته هو من أصدر الأمر الأول.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“كفّ عن المزاح، أيها الوجه الميّت.” سعل غليوارد بقوة ومسح الدم عن شفتيه، شاحبًا إلى حدٍّ مخيف. عضّ على أسنانه وقال: “الآن؟ أستطيع أن أقتل مئة كارثة أخرى—”
ومع ذلك، لم يقل نيكولاس شيئًا. بل تكلّم غليوارد بينما كان جسده يستند إلى نيكولاس.
