سيمفونية الدم (2)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كريك. كريك. رول!
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
بردت نظرات كروش فجأة وفعلت قدرة الإبادة، ونفذت ثلاث ضربات في لمح البصر.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وفي طرفة عين، أجبر كوهين جنود إقليم الرمال السوداء على التراجع بضع خطوات.
Arisu-san
نظر وايا إلى رالف المغمى عليه وسط الخرائب وتنهد.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ضيّقت ميراندا عينيها وحدّقت في كروش—التي ظلّ وجهها خاليًا من التعبير—وقالت بصوت مرتفع:
الفصل 190: سيمفونية الدم (الجزء الثاني)
لمّح إلى وايا، ثم اندفع بجسده الطويل إلى الأمام ليهاجم من جديد.
***
تنفّس كوهين بعمق. “وهذا يعني—”
تحت أشعة الصباح الأولى، اصطفّ الجيش المتراصّ بكثافة بين أحد الخرائب، وطوّق الثلاثة في المركز بإحكامٍ شديد حتى إن قطرة ماءٍ واحدة ما كانت لتجد مهربًا.
كلانغ!
حدّق كوهين بالفتاة غير المتوقَّعة أمامه، ونظراته مليئة بالصدمة وعدم التصديق. “كروش، لماذا؟”
سقط كوهين على الأرض، يختنقه يأسٌ مرير. رفع سيفه بيده اليمنى لا إراديًا، لكن يدًا ضغطت بقوة على يده، ثم ضغط الخصم بيده الأخرى على كتف كوهين وفتله.
الفتاة ذات الشعر القصير لم تُجبه، واكتفت بالتحديق إليه بلا اكتراث.
على اليمين، استغل كوهين طوله لينفّذ ضربة هابطة بسيفه، منحرفًا بسيفين هاجماه، ودافعًا الثالث إلى التراجع.
شعر كوهين فجأة بأن جزءًا من تلك الفتاة قد مات منذ زمن بعيد. لم تعُد تلك الفتاة المبتهجة القوية المرحة التي اعتادت المزاح معه مع ميراندا. وفي تلك اللحظة، وخز الألم قلبه.
وما إن أنهت كلامها حتى فعّل كوهين قوة الإبادة الخاصة به. غمرت “مجد النجوم” جسده موجةً بعد موجة، مما مكّنه من توجيه أكثر من عشر ضربات كاملة القوة بسيفه دون توقف.
“توقّف عن السؤال، كوهين.” إلى جانب الضابط، راقبت ميراندا الجنود الذين يقتربون ببطء، وزفرت. “تذكّر سيف الكارثة الذي التقينا به؟”
من دون أن ينتبه، كان وايا قد شكّل مثلثًا مع بذرتي برج الإبادة. واجه كروش، وعن يساره كوهين، وعن يمينه ميراندا.
وبينما كان يحدّق في كروش، تجمّد كوهين للحظة عندما سمع ما قالته ميراندا.
صدّت الضربة القاتلة.
“على الرغم من أنهم أعداء برج الإبادة اللدودين، فإنهم ما يزالون يحافظون على كرامة السيّاف وكبريائه.” قالت ميراندا ببرود. رفعت سيفها ببطء، وقبضت على المقبض بيديها المغلّفتين بالقفازات.
من دون أن ينتبه، كان وايا قد شكّل مثلثًا مع بذرتي برج الإبادة. واجه كروش، وعن يساره كوهين، وعن يمينه ميراندا.
“لكن كروش قالت إن مجموعة من سيوف الكارثة المقنّعين نصبت لها كمينًا ليلةً ما، وأعاقت يدها اليمنى.”
(هذه قبضةٌ لا مهرب منها.) فكّرت ميراندا.
قطّب كوهين حاجبيه. “غو قال إنه لا يعلم بوجود معركة كهذه في منطقة درع الجسد.”
استدار كاسلان واختفى بين ضباب الفجر. وكذلك استدارت كروش وجمعت رجالها. وبعد قليل، انسحب جنود منطقة الرمال السوداء من بين الأنقاض. كأن شيئًا لم يحدث.
أومأت ميراندا وحدّقت في كروش. وقفت الأخيرة وسط الحشود دون أن تتحرّك، تاركة المحاربين يمرّون من جانبيها.
قطعت كروش بسيفها أفقيًا دون توقف. لم يجد كوهين خيارًا إلا صدّها بسيفه.
“ثم إنهم، رغم اختبائهم هنا، لا يكترثون بالسياسة. كما أنهم يحتقرون البنادق الصوفية.” قالت ابنة عائلة آروند بهدوء. “فلماذا يستخدمونها لاغتيال الأمير؟”
حدّق كوهين بالفتاة غير المتوقَّعة أمامه، ونظراته مليئة بالصدمة وعدم التصديق. “كروش، لماذا؟”
تنفّس كوهين بعمق. “وهذا يعني—”
“لا أصدّق أنّني أحببتك يومًا… كوهين اللطيف، البائس، الساذج!”
أكملت ميراندا جملته دون فاصل. “نعم، سيوف الكارثة لم تتآمر مع أي آرشيدوق، ولم تحاول اغتيال الأمير—لقد تعرّضوا للاتهام زورًا.”
“ما يسمى بسيف الكارثة لم يكن سوى قناع. فخّ نُصب من قِبَل إقليم الرمال السوداء باسم برج الإبادة لاستدراجنا من الكوكبة إلى إكستيدت!”
“ما يسمى بسيف الكارثة لم يكن سوى قناع. فخّ نُصب من قِبَل إقليم الرمال السوداء باسم برج الإبادة لاستدراجنا من الكوكبة إلى إكستيدت!”
كانت ضربة كروش الثالثة كأنها سيمفونية مُفعمة بالشغف، لها افتتاحية والتواء وخاتمة، وقد حاصرته تمامًا داخل لحنها القاتل… عاجزًا عن الإفلات منه.
ضيّقت ميراندا عينيها وحدّقت في كروش—التي ظلّ وجهها خاليًا من التعبير—وقالت بصوت مرتفع:
“موسيقى بيغاسوس…” قالت ببرود، “تعتمد على الانسجام مع إيقاع العالم ومع خصومك. ليست عرضًا منفردًا كما تفعلين.”
“ومصدر كل هذا… كان كذبتكِ أنتِ، يا كروش!”
صدّت الضربة القاتلة.
وسط الحشود، ابتسمت كروش بسخرية خافتة. كانت نظرة عينيها عصيّة على الفهم. “آخر فرصة، سأعفو عنكم جميعًا إن استسلمتم!”
Arisu-san
من دون أن ينتبه، كان وايا قد شكّل مثلثًا مع بذرتي برج الإبادة. واجه كروش، وعن يساره كوهين، وعن يمينه ميراندا.
حدّق وايا في الجنود الذين كانوا يتحركون نحوهم ببطء، وقال بقلق شديد: “أمم، ربما لا ينبغي لي مقاطعتكما، لكن… ربما علينا حل المشكلة التي أمامنا أولًا؟”
حدّق وايا في الجنود الذين كانوا يتحركون نحوهم ببطء، وقال بقلق شديد: “أمم، ربما لا ينبغي لي مقاطعتكما، لكن… ربما علينا حل المشكلة التي أمامنا أولًا؟”
“كروش!”
كان الجنود المرتدون زيّ دوريات المدينة يضيّقون الدائرة حولهم، وأعينهم حادّة.
راقبت ميراندا خصمها وهو ينزف، ويكتم الألم بين أسنانه، لكنها لم تسلبه حياته. بل تركت رفاقه يسحبونه عائدًا إلى تشكيلهم.
“ألقوا أسلحتكم!” قال محارب مخضرم في المقدمة بصرامة، “وإلا تولّينا نحن نزعها منكم.”
تأوّه الخصم من الألم. كان كوهين يستعد لاستغلال تراجعه ليقضي عليه بضربة أخرى، لكن الخصم المتأوّه لم يتراجع، ولم يكترث. بل بدا وكأن ساقيه متجذّرتان في الأرض، فرفع سيفه الطويل وهاجم من جديد.
“هل سبق لك أن خضت حربًا، يا فتى سيف الكارثة؟” قال كوهين وهو يسند ظهره إلى ظهر وايا، وقد اتخذت نظراته طابعًا بالغ الجدية. همس، “أتحدث عن معاركٍ يكون فيها عدد الخصوم بالآلاف، لا مبارزات سيوفٍ سخيفة.”
(اللعنة. في فنّ السيف، كانت كروش واحدة من أفضل أربعة من أصل ثمانية بُذور. لم تتقدّم عليها إلا ميراندا وإكلين وذلك النيداني القادم من شبه الجزيرة الشرقية!)
“نعم، مرة واحدة.” قال وايا متجهّم الوجه، ثم أدرك شيئًا. “ولستُ من سيوف الكارثة!”
(لكن… حين يتشتّت تركيز الأعداء لأنّ قائدهُم مشغول…)
“مرة واحدة تكفي. فنحن سنمهد الطريق بعد قليل.” مسح كوهين بنظره السريع على المئة خصم أمامه، متجاهلًا جملة وايا الثانية. “احمِ المؤخرة واتبع خطواتنا.”
وفي تلك اللحظة، اندفع سيف ميراندا الطويل داخل المعركة كعلامة شدّة مفاجئة.
نظر وايا إلى رالف المغمى عليه وسط الخرائب وتنهد.
وبينما كان يصدّ نصل الخصم، شعر الضابط بدمه يبرد. (اللعنة، هذه القوة وهذا المستوى القتالي… إنه على الأقل من مشاة الدروع الثقيلة! لستُ أدري إن كان سيّافًا ثقيلًا، أم حامل فأسٍ ثقيل الدرع.)
“كيف نحمي المؤخرة؟ إنهم في كل مكان—”
“لماذا أنت هنا؟” صرخت بالغضب والقهر في وجه الرجل الطويل القوي ذي الشعر الأبيض.
“استخدم عقلك.” قاطعته ميراندا ببرود. “استخدم سيفك بمرونة. استهدف أرجلهم، حوّلهم إلى أعباء في ساحة القتال—”
شقّ الرجل طريقه عبر ساحة القتال… نحو مكان اشتباك ميراندا وكروش.
وقبل أن تُكمل السيّافة كلامها، دوّى صراخ كروش عاليًا، واضحًا:
شعر كوهين فجأة بأن جزءًا من تلك الفتاة قد مات منذ زمن بعيد. لم تعُد تلك الفتاة المبتهجة القوية المرحة التي اعتادت المزاح معه مع ميراندا. وفي تلك اللحظة، وخز الألم قلبه.
“اهجموا!”
“’برج الإبادة يسمو فوق السياسة؟’” صرّت صاحبة الشعر القصير أسنانها ولوّحت بسيفها الطويل مرارًا. كانت تتحرك مع شفرة كوهين، وإيقاع ضرباتها أشبه بعاصفةٍ ثائرة. “كان يجب أن تتخلّى عن هذه الأوهام في اليوم الأول الذي غادرتَ فيه البرج!”
دَوْس! دَوْس! دَوْس!
***
ارتجّت الخطوات المسرعة واقتربت منهم بسرعة.
انحدر طرف سيف ميراندا، واحتكّ بشفرة كروش، ثم اندفع نحو معصمها.
لمع عدد لا يُحصى من ظلال السيوف وبريق النصال بين الخرائب. انقضّ الجنود على الثلاثة بضراوة. ارتفعت رؤوس سيوفهم إلى الأمام، وهاجموهم صفًا بعد صف.
عضّ كوهين أسنانه، وسحب سيفه، واستدار لصدّ هجومٍ آخر، لكن كتفه اليمنى أُصيبت في الوقت ذاته. تبِعه سيف كروش الطويل كالظلّ، وضربه فور انكسار زخمه.
لقد قلدوا تشكيلات وحدات الفرسان، واستعملوا أسلوب الاندفاع المعياري الذي يسمح لهم بإسقاط خصومهم. وفي تلك اللحظة، أدركت ميراندا تحركاتهم.
وفي الوقت ذاته، انخفضت ميراندا وانحنت بهدوء، وانزلقت قرب صدر كوهين لتأخذ موقعًا على اليسار.
لم يكونوا دوريات مدينة سحب التنين. بل كانوا الخصوم الذين واجهتهم يوميًا تقريبًا على الحدود طوال السنوات الثلاث الماضية. وما تغيّر فقط هو أنهم لا يحملون أسلحة كالمطارق المسنّنة والرماح المثلثة. وربما فعلوا ذلك لإتقان تمويههم.
“كوهين كارابيَان، يا أحمقٌ ملعون!” صاحت، غاضبةً ومريرة.
طاخ! طنّ!
كانت ضربة كروش الثالثة كأنها سيمفونية مُفعمة بالشغف، لها افتتاحية والتواء وخاتمة، وقد حاصرته تمامًا داخل لحنها القاتل… عاجزًا عن الإفلات منه.
على اليمين، استغل كوهين طوله لينفّذ ضربة هابطة بسيفه، منحرفًا بسيفين هاجماه، ودافعًا الثالث إلى التراجع.
حدّق وايا في الجنود الذين كانوا يتحركون نحوهم ببطء، وقال بقلق شديد: “أمم، ربما لا ينبغي لي مقاطعتكما، لكن… ربما علينا حل المشكلة التي أمامنا أولًا؟”
وبدلًا من التراجع، اندفع الضابط للأمام، وركل بقوةٍ هائلة ركبة خصمه. وبينما دوّى صوت تحطم العظام، أدار جسده جانبًا وضرب معدة خصمٍ آخر بمرفقه.
“’برج الإبادة يسمو فوق السياسة؟’” صرّت صاحبة الشعر القصير أسنانها ولوّحت بسيفها الطويل مرارًا. كانت تتحرك مع شفرة كوهين، وإيقاع ضرباتها أشبه بعاصفةٍ ثائرة. “كان يجب أن تتخلّى عن هذه الأوهام في اليوم الأول الذي غادرتَ فيه البرج!”
تأوّه الخصم من الألم. كان كوهين يستعد لاستغلال تراجعه ليقضي عليه بضربة أخرى، لكن الخصم المتأوّه لم يتراجع، ولم يكترث. بل بدا وكأن ساقيه متجذّرتان في الأرض، فرفع سيفه الطويل وهاجم من جديد.
شقّ الرجل طريقه عبر ساحة القتال… نحو مكان اشتباك ميراندا وكروش.
طنّ!
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
دوّى صوت معدني ثقيل بينما تصدّى كوهين للهجوم.
(حين يتقاتل سيّدا موسيقى بيغاسوس، من الأفضل للغرباء ألا يتدخّلوا. فمع تغيّر الإيقاع والفرص، لا تدري لمن ستصبّ أفعالك في النهاية.)
وبينما كان يصدّ نصل الخصم، شعر الضابط بدمه يبرد. (اللعنة، هذه القوة وهذا المستوى القتالي… إنه على الأقل من مشاة الدروع الثقيلة! لستُ أدري إن كان سيّافًا ثقيلًا، أم حامل فأسٍ ثقيل الدرع.)
كان الجنود المرتدون زيّ دوريات المدينة يضيّقون الدائرة حولهم، وأعينهم حادّة.
(لحسن الحظ أنهم يحملون سيوف دورياتٍ عادية، وغير معتادين عليها. وإلا…)
“كوهين كارابيَان، يا أحمقٌ ملعون!” صاحت، غاضبةً ومريرة.
خلفه، فعّل وايا “حدّ اللاعودة”، وفي طرفة عين قطع معصمَي خصمين من الخلف، تلاه صوت سيفين يسقطان على الأرض.
بعينين مفتوحتين على اتساعهما، لاهثًا، حدّق رالف متتبع الريح الشبح نحو الاتجاه الذي غادر منه جنود منطقة الرمال السوداء. بدا وكأنه لا يستطيع تصديق ما جرى للتو.
“اللعنة، وفّر قوتك!” صدّ كوهين السيف الطويل الذي انقضّ عليه مرة أخرى، ووبّخ وايا بقسوة، “استخدامك لقوة الإبادة بهذه الطريقة لن يجلب لك إلا الموت من الإرهاق!”
كانت الضربة الأولى طعنةً مباغتة. مال كوهين يمينًا ليتفاداها.
وعلى الجانب الآخر، واجهت ميراندا خصمين. كان أحدهما يحمل سيفين توأمين، لكنها قاتلت بمهارة وسلاسة تفوق رفيقها بكثير.
“لن تصبح طاهرًا لا يُمسّ لمجرّد أنّك التحقتَ ببرجٍ يدّعي النبل والطهارة! لن تكون حرًّا!” كان صوت كروش باردًا ومهددًا.
ضرب نصل سيفها معصم أحدهما بطريقة عجيبة، فارتجف سيفه واخترق ذراع رفيقه بضربةٍ مائلة إلى الأسفل.
بعينين مفتوحتين على اتساعهما، لاهثًا، حدّق رالف متتبع الريح الشبح نحو الاتجاه الذي غادر منه جنود منطقة الرمال السوداء. بدا وكأنه لا يستطيع تصديق ما جرى للتو.
حدّق حامل السيفين بدهشة في سيف رفيقه. لم يجد خيارًا سوى رفع سيفه الأيمن لصد الهجمة القادمة من رفيقه. لكن قبل أن تسنح له فرصة التفكير، اغتنمت ميراندا الفرصة، وغرست سيفها في كفه اليسرى، ثم استدارت بسرعة.
حدّق حامل السيفين بدهشة في سيف رفيقه. لم يجد خيارًا سوى رفع سيفه الأيمن لصد الهجمة القادمة من رفيقه. لكن قبل أن تسنح له فرصة التفكير، اغتنمت ميراندا الفرصة، وغرست سيفها في كفه اليسرى، ثم استدارت بسرعة.
وبينما كان الخصم يصرخ، اندفع كوهين نحو اليمين، متجاهلًا النصل الذي شقّ ظهره، وتبادل الموقع مع ميراندا. استغلّ قوة اندفاعه، فاصطدم جسده الطويل بالخصم حامل السيفين. تراجع الخصم مترًا كاملًا قبل أن يسقط في حضن رفيقه.
“لا أصدّق أنّني أحببتك يومًا… كوهين اللطيف، البائس، الساذج!”
وفي الوقت ذاته، انخفضت ميراندا وانحنت بهدوء، وانزلقت قرب صدر كوهين لتأخذ موقعًا على اليسار.
(لا.)
فقد طرف الخصم هدفه للحظة نتيجة تغيّر مواقع الهدفين. استغلت ميراندا الفرصة، وغرست سيفها في بطنه غرسةً عميقة.
كان قد تجاوز حتى ميراندا ووايا خلفه، وبالكاد كان على وشك أن يفتح ثغرة في الطوق—
راقبت ميراندا خصمها وهو ينزف، ويكتم الألم بين أسنانه، لكنها لم تسلبه حياته. بل تركت رفاقه يسحبونه عائدًا إلى تشكيلهم.
تجمّد وجه كوهين، وارتجف جسده، وبصق دماً غزيرًا بألم.
استغلّت ميراندا وكوهين اللحظة، وتقدّما مترين إلى الأمام. تبعهما وايا بعد أن صدّ ضربة قطعية بصعوبة. كان من الواضح أنهما يعملان بتناغم كامل، وكأنهما يقرآن أفكار بعضهما، مما أدهش التابع الذي يراقبهما.
تناثر الدم من وجهه، واحمرّت رؤيته. تراجع مترنّحًا، ولم يعد لديه وقتٌ للتفكير.
أسندت ميراندا ظهرها إلى ظهر كوهين وهمست: “سيّاف ثقيل، ثابت لكنه غير رشيق.”
طَنّ!
صدّ كوهين سيفًا طويلًا وعلّق من جانبه: “كشّاف فرسان. سريع الاستجابة، لكن بنيته عادية.”
استدار كاسلان واختفى بين ضباب الفجر. وكذلك استدارت كروش وجمعت رجالها. وبعد قليل، انسحب جنود منطقة الرمال السوداء من بين الأنقاض. كأن شيئًا لم يحدث.
“قوات الحدود النظامية لإقليم الرمال السوداء.” لخّصت ميراندا.
ارتجّت الخطوات المسرعة واقتربت منهم بسرعة.
“لا يمكننا اقتحامهم مباشرة.” زمّ كوهين أسنانه وهو يلوّح بسيفه أفقيًا بقوة، مجبرًا اثنين من خصومه على التراجع. “عددهم كبير، وكل واحد منهم محارب مخضرم.”
“ابحث عن كروش.” مستخدمة قوة الإبادة التي تسمح لها بإدراك إيقاع الموقف، انزلقت ميراندا بين خصمين. ضربت عنق أحدهم بجانب كفّها بينما كان يضرب درعها. تراجع فورًا وهو يمسك عنقه.
(لا.) اهتزّت رؤيته. (لا.)
غرست السيّافة سيفها نحو اليمين، فأجبرت خصمًا آخر على خفض رأسه ليتفادى الضربة. “تبادل الهجوم معي وشتّت انتباهها بالكلام. ابحث عن فرصة!”
شعرت ميراندا بفيضٍ من قوةٍ هائلة لا نظير لها يتدفّق عبر السيف.
وما إن أنهت كلامها حتى فعّل كوهين قوة الإبادة الخاصة به. غمرت “مجد النجوم” جسده موجةً بعد موجة، مما مكّنه من توجيه أكثر من عشر ضربات كاملة القوة بسيفه دون توقف.
(لكن… حين يتشتّت تركيز الأعداء لأنّ قائدهُم مشغول…)
طَنّ!
“ألقوا أسلحتكم!” قال محارب مخضرم في المقدمة بصرامة، “وإلا تولّينا نحن نزعها منكم.”
تعالى صوت الحديد المتصادم بلا انقطاع.
لقد كانت موسيقى بيغاسوس تخصّ كروش وحدها، تختلف كليًا عن موسيقى ميراندا.
وفي طرفة عين، أجبر كوهين جنود إقليم الرمال السوداء على التراجع بضع خطوات.
“نعم، مرة واحدة.” قال وايا متجهّم الوجه، ثم أدرك شيئًا. “ولستُ من سيوف الكارثة!”
“كروش!”
بام!
هاجم كوهين بكل قوّته. لم يتزعزع هجومه، وبدا واثقًا على نحو غريب. صرخ بغضب نحو القائدة وسط الحشود: “من أجل انقلاب لامبارد، خنتِنا وخنتِ برج الإبادة؟”
أكملت ميراندا جملته دون فاصل. “نعم، سيوف الكارثة لم تتآمر مع أي آرشيدوق، ولم تحاول اغتيال الأمير—لقد تعرّضوا للاتهام زورًا.”
تبِعَه وايا عن كثب. وعلى الرغم من أنّ جسده قد أُصيب في موضعين، فقد لوّح بعناد بسيفه ذي الحدّ الواحد وصدّ سيفين كانا يستهدفان ظهر كوهين.
صدّت الضربة القاتلة.
وسط الحشد، اتّسع تعبير كروش وتداخلت فيه مشاعر معقّدة. وبنبرة هادئة راسخة، ردّت بصوتٍ عالٍ: “كوهين، عمّ تتحدّث؟ أتتّهمني بأنني استخدمت اسم برج الإبادة لجرّكم جميعًا إلى دهاليز السياسة الخبيثة؟”
كانت ضربة كروش الثالثة كأنها سيمفونية مُفعمة بالشغف، لها افتتاحية والتواء وخاتمة، وقد حاصرته تمامًا داخل لحنها القاتل… عاجزًا عن الإفلات منه.
زمّ كوهين أسنانه. كان يشعّ بضوءٍ أزرق فيما ظلّ مجد النجوم يتصاعد داخل جسده. تقدّم رغم إصاباته. قطع، وشقّ، وطعن. وأصاب ثلاثة من خصومه بثلاث ضربات متتابعة دون أن يدافع عن نفسه.
كلانغ!
ذلك لأنّ ميراندا كانت تحمي ظهره، وهي التي كانت دائمًا تهاجم بسيفها الطويل في اللحظة الحاسمة، لتجعل ضرباتها أشدّ فتكًا.
ارتجّ جسد كوهين كلّه. أحسّ أنّه لم يعد قادرًا على تحريك سيفه.
“واصل إزعاجها!” همست ميراندا بنبرة منخفضة. “ادفعها للخروج كي تتبارز معك!”
كما لو أن فأسًا يشقّ حطبًا بلا عائق، ثم يصطدم فجأة بلوحٍ من الحديد؛ قوةٌ عظيمة جاءت من الضربة.
دفَع كوهين خصمًا بعيدًا وهو يزمّ أسنانه، لكن ذراعه كانت مصابة. “كيف؟ لم أربح نقاشًا واحدًا معها في حياتي… تلك الصبيّة المشاكسة…”
“من أجل الذكريات القديمة؟ وما زلتِ تذكرين الماضي؟” خطرَت فكرة في ذهنه. زمجر بصوتٍ منخفض: “مهما كان الطرف الذي تدعمينه، أو المصالح التي تبحثين عنها، لم يكن ينبغي لك أن تجرّي برج الإبادة إلى هذا—”
لكن ميراندا صاحت بغتة: “استسلم، كوهين! فتاتك المُعجب بها سرًا، كروش، خانتك دون تردّد! أنت وهي لم تكونا يومًا مقدَّرين لبعضكما!”
“موسيقى بيغاسوس…” قالت ببرود، “تعتمد على الانسجام مع إيقاع العالم ومع خصومك. ليست عرضًا منفردًا كما تفعلين.”
أصيب كوهين بالذهول لحظةً وهو وسط القتال.
تدحرج سيف ميراندا على الأرض.
(ماذا؟ تلك الصبيّة المشاكسة؟! ومتى كنتُ مُغرمًا بها سرًا…؟)
غرست السيّافة سيفها نحو اليمين، فأجبرت خصمًا آخر على خفض رأسه ليتفادى الضربة. “تبادل الهجوم معي وشتّت انتباهها بالكلام. ابحث عن فرصة!”
على بُعد مترين منهما، تشوّه وجه كروش عند سماع كلمات ميراندا. عضّت على أسنانها وحدّقت في كوهين، ولم يكن في عينيها إلا شعور واحد: الكراهية.
لمع عدد لا يُحصى من ظلال السيوف وبريق النصال بين الخرائب. انقضّ الجنود على الثلاثة بضراوة. ارتفعت رؤوس سيوفهم إلى الأمام، وهاجموهم صفًا بعد صف.
شعر كوهين بقشعريرة تهبط على ظهره.
“استخدم عقلك.” قاطعته ميراندا ببرود. “استخدم سيفك بمرونة. استهدف أرجلهم، حوّلهم إلى أعباء في ساحة القتال—”
وفي اللحظة التالية، اندفعت كروش فجأة للهجوم. اخترقت صفوف رجالها، ودفعت بسيفها الطويل إلى الأمام… وصدمت شفرة كوهين.
صدّت الضربة القاتلة.
كلانغ!
نظر وايا إلى رالف المغمى عليه وسط الخرائب وتنهد.
ارتجّ جسد كوهين كلّه. أحسّ أنّه لم يعد قادرًا على تحريك سيفه.
“ألْقِ سلاحك واستسلم الآن! من أجل الذكريات القديمة…” بدا أنّ كروش في حالة غير طبيعية وهي تقف أمام كوهين. عضّت أسنانها وقالت بألم: “لن أؤذيكم!”
“موسيقى بيغاسوس…” قالت ببرود، “تعتمد على الانسجام مع إيقاع العالم ومع خصومك. ليست عرضًا منفردًا كما تفعلين.”
بُهِت كوهين وهو يصدّ ضربةً جاءت من يمينه.
ريب!
“من أجل الذكريات القديمة؟ وما زلتِ تذكرين الماضي؟” خطرَت فكرة في ذهنه. زمجر بصوتٍ منخفض: “مهما كان الطرف الذي تدعمينه، أو المصالح التي تبحثين عنها، لم يكن ينبغي لك أن تجرّي برج الإبادة إلى هذا—”
كان قد تجاوز حتى ميراندا ووايا خلفه، وبالكاد كان على وشك أن يفتح ثغرة في الطوق—
لكن زخم هجومه تحطّم فجأة؛ إذ ضربت كروش جانب شفرة سيفه مرة أخرى.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“كفّ عن السذاجة، يا كونت كارابيَان المستقبلي!” قالتها كروش بلهجة مفعمة بالكراهية. وبدا أنّ سيفها يشعّ هالة غريبة، فبضربة واحدة أطاحت بزخم هجومه في لحظة.
(ماذا؟ تلك الصبيّة المشاكسة؟! ومتى كنتُ مُغرمًا بها سرًا…؟)
(اللعنة. في فنّ السيف، كانت كروش واحدة من أفضل أربعة من أصل ثمانية بُذور. لم تتقدّم عليها إلا ميراندا وإكلين وذلك النيداني القادم من شبه الجزيرة الشرقية!)
دافع كوهين بسيفه الطويل، وصدّ الضربة بمشقّة شديدة.
عضّ كوهين أسنانه، وسحب سيفه، واستدار لصدّ هجومٍ آخر، لكن كتفه اليمنى أُصيبت في الوقت ذاته. تبِعه سيف كروش الطويل كالظلّ، وضربه فور انكسار زخمه.
تأوّه الخصم من الألم. كان كوهين يستعد لاستغلال تراجعه ليقضي عليه بضربة أخرى، لكن الخصم المتأوّه لم يتراجع، ولم يكترث. بل بدا وكأن ساقيه متجذّرتان في الأرض، فرفع سيفه الطويل وهاجم من جديد.
كلانغ!
وفي تلك اللحظة، اندفع سيف ميراندا الطويل داخل المعركة كعلامة شدّة مفاجئة.
دافع كوهين بسيفه الطويل، وصدّ الضربة بمشقّة شديدة.
أصيب كوهين بالذهول لحظةً وهو وسط القتال.
“’برج الإبادة يسمو فوق السياسة؟’” صرّت صاحبة الشعر القصير أسنانها ولوّحت بسيفها الطويل مرارًا. كانت تتحرك مع شفرة كوهين، وإيقاع ضرباتها أشبه بعاصفةٍ ثائرة. “كان يجب أن تتخلّى عن هذه الأوهام في اليوم الأول الذي غادرتَ فيه البرج!”
تعالى صوت الحديد المتصادم بلا انقطاع.
تحرّر كوهين من شفرتها بكل قوّته. كان زخم هجومه قد تحطّم كليًا.
وفي الوقت ذاته، انخفضت ميراندا وانحنت بهدوء، وانزلقت قرب صدر كوهين لتأخذ موقعًا على اليسار.
“ألم يكن يجب أن تكون ذكرياتنا ونحن نقاتل جنبًا إلى جنب داخل البرج شيئًا ثمينًا؟ شيئًا نبيلًا لا يُدنَّس؟” لوّح بيده اليسرى وصدّ سيف جندي آخر بعباءته الثقيلة. “لكن أنتِ…”
قالت ببطء، “بالطبع، عمّي كاسلان… بالطبع.”
بردت نظرات كروش فجأة وفعلت قدرة الإبادة، ونفذت ثلاث ضربات في لمح البصر.
(تلك الضربة… كانت… لا… لا!)
“شيءٌ ثمين لنا؟ هاهاها!” بدا أنّ كلماتها ممتلئة بحزنٍ وجنونٍ بلا نهاية.
حدّق كوهين بالفتاة غير المتوقَّعة أمامه، ونظراته مليئة بالصدمة وعدم التصديق. “كروش، لماذا؟”
كانت الضربة الأولى طعنةً مباغتة. مال كوهين يمينًا ليتفاداها.
سقط كوهين على الأرض، يختنقه يأسٌ مرير. رفع سيفه بيده اليمنى لا إراديًا، لكن يدًا ضغطت بقوة على يده، ثم ضغط الخصم بيده الأخرى على كتف كوهين وفتله.
“لا أصدّق أنّني أحببتك يومًا… كوهين اللطيف، البائس، الساذج!”
ما لبث كوهين، العاجز عن تحمّل هجماتها، أن تبادل المواقع مع ميراندا مستغلًا زخم حركته، ثم اندفع ليساعد وايا الذي كان يعاني.
تجمّد لثانية. وجاءت الضربة الثانية.
وأخيرًا، اخترقت يدٌ واحدةٌ أكوام الركام.
قطعت كروش بسيفها أفقيًا دون توقف. لم يجد كوهين خيارًا إلا صدّها بسيفه.
(ماذا؟ تلك الصبيّة المشاكسة؟! ومتى كنتُ مُغرمًا بها سرًا…؟)
صرخت الشمالية قصيرة الشعر بنبرة حادّة: “منذ لحظة ولادتنا، وُسمنا بسياسة بلداننا، وبدمائنا، وبأنسابنا. لا مفرّ لنا! لم نملك خيارًا قط!”
(حين يتقاتل سيّدا موسيقى بيغاسوس، من الأفضل للغرباء ألا يتدخّلوا. فمع تغيّر الإيقاع والفرص، لا تدري لمن ستصبّ أفعالك في النهاية.)
وجاءت الضربة الثالثة، وكانت هجومًا فائق السرعة.
ذلك لأنّ ميراندا كانت تحمي ظهره، وهي التي كانت دائمًا تهاجم بسيفها الطويل في اللحظة الحاسمة، لتجعل ضرباتها أشدّ فتكًا.
“لن تصبح طاهرًا لا يُمسّ لمجرّد أنّك التحقتَ ببرجٍ يدّعي النبل والطهارة! لن تكون حرًّا!” كان صوت كروش باردًا ومهددًا.
في تلك اللحظة، برزت قبضةٌ هائلة فجأة من بين الجموع. لوّح كوهين بسيفه عفويًا بضربةٍ هابطة، لكن القبضة كانت مختلفة؛ إذ غيّرت اتجاهها في منتصف الطريق وضربت جانب نصل كوهين.
أمسكت بسيفها بكلتا يديها، وأدارت شفرته في قوسٍ مستندةً إلى النقطة التي صدّ فيها كوهين، ثم، وهي تغيّر اتجاه الضربة، وجّهت طرف السيف نحو وجهه.
التقت السيفان في الهواء، يتحركان في قوسٍ واحد، مُطلقين صريرًا حادًا. الإصغاء إلى شدّة ضربات بعضهما وإيقاعها كان أشبه بحوارٍ صامت بين اثنتين تتشاركان المعلّمة نفسها وفنّ الموسيقى نفسها.
“كوهين كارابيَان، يا أحمقٌ ملعون!” صاحت، غاضبةً ومريرة.
من دون أن ينتبه، كان وايا قد شكّل مثلثًا مع بذرتي برج الإبادة. واجه كروش، وعن يساره كوهين، وعن يمينه ميراندا.
ارتفع صوت احتكاك حاد بين السيفين.
(لا.)
طعنت نحو وجه الشرطي.
(لكن… حين يتشتّت تركيز الأعداء لأنّ قائدهُم مشغول…)
كان وضع كوهين غير مستقر أساسًا، إذ كان يتمايل نحو اليسار. لم يعد قادرًا على بذل قوة بسيفه الطويل، وأصبحت أنفاسه متقطعة.
ريب!
كانت ضربة كروش الثالثة كأنها سيمفونية مُفعمة بالشغف، لها افتتاحية والتواء وخاتمة، وقد حاصرته تمامًا داخل لحنها القاتل… عاجزًا عن الإفلات منه.
خلفه، فعّل وايا “حدّ اللاعودة”، وفي طرفة عين قطع معصمَي خصمين من الخلف، تلاه صوت سيفين يسقطان على الأرض.
لقد كانت موسيقى بيغاسوس تخصّ كروش وحدها، تختلف كليًا عن موسيقى ميراندا.
يتلألأ ضوءٌ أزرق لامع على سيفه وجلده. كان قد فعَّل مجـد النُّجوم، وبأسرع سرعةٍ وقوةٍ يستطيعها سيفٌ، أطلق وابلًا من الهجمات المتتابعة. تناثر الدم في كل اتجاه، دمه ودم أعدائه. اندفع كوهين متجاوزًا ثلاثة رجال في غمضة عين.
وفي تلك اللحظة، اندفع سيف ميراندا الطويل داخل المعركة كعلامة شدّة مفاجئة.
لكن قبل أن تبادر ميراندا، حرّكت كروش سيفها الطويل بعكس الاتجاه. لم تدافع، ولم تتفادَ، بل تقدّمت نحو طرف سيف ميراندا—وسدّدت سيفها نحو معصم الأخيرة.
كلانغ!
وأخيرًا، اخترقت يدٌ واحدةٌ أكوام الركام.
صدّت الضربة القاتلة.
وما إن أنهت كلامها حتى فعّل كوهين قوة الإبادة الخاصة به. غمرت “مجد النجوم” جسده موجةً بعد موجة، مما مكّنه من توجيه أكثر من عشر ضربات كاملة القوة بسيفه دون توقف.
ما لبث كوهين، العاجز عن تحمّل هجماتها، أن تبادل المواقع مع ميراندا مستغلًا زخم حركته، ثم اندفع ليساعد وايا الذي كان يعاني.
“موسيقى بيغاسوس…” قالت ببرود، “تعتمد على الانسجام مع إيقاع العالم ومع خصومك. ليست عرضًا منفردًا كما تفعلين.”
احتكّ القفاز الأسود في يد ميراندا بمقبض سيفها. سألت رفيقتها السابقة بصوتٍ بارد: “كروش، كنتُ أعدّك أختًا لي. والسيدة شارتييه علّمتك عبثًا!”
وفي تلك اللحظة، اندفع سيف ميراندا الطويل داخل المعركة كعلامة شدّة مفاجئة.
وفي اللحظة التالية، سحبت ابنة آل آروند سيفها الطويل المرتجف ووجهته نحو مقبض سيف كروش.
دوّى صوت معدني ثقيل بينما تصدّى كوهين للهجوم.
“موسيقى بيغاسوس…” قالت ببرود، “تعتمد على الانسجام مع إيقاع العالم ومع خصومك. ليست عرضًا منفردًا كما تفعلين.”
***
انحدر طرف سيف ميراندا، واحتكّ بشفرة كروش، ثم اندفع نحو معصمها.
“استخدم عقلك.” قاطعته ميراندا ببرود. “استخدم سيفك بمرونة. استهدف أرجلهم، حوّلهم إلى أعباء في ساحة القتال—”
اختارت اللحظة المثالية وأمكر زاوية. ومهما حاولت كروش أن تفعل—دفاعًا أو تفاديًا—وجدت نفسها في موضع الضعف.
كلانغ!
لكن قبل أن تبادر ميراندا، حرّكت كروش سيفها الطويل بعكس الاتجاه. لم تدافع، ولم تتفادَ، بل تقدّمت نحو طرف سيف ميراندا—وسدّدت سيفها نحو معصم الأخيرة.
“’برج الإبادة يسمو فوق السياسة؟’” صرّت صاحبة الشعر القصير أسنانها ولوّحت بسيفها الطويل مرارًا. كانت تتحرك مع شفرة كوهين، وإيقاع ضرباتها أشبه بعاصفةٍ ثائرة. “كان يجب أن تتخلّى عن هذه الأوهام في اليوم الأول الذي غادرتَ فيه البرج!”
“عرضٌ منفرد؟” قالت كروش بحنق. “يبدو أنك لم تشاهدي ما يكفي من العروض المسرحية، يا ميراندا آروند!”
أسندت ميراندا ظهرها إلى ظهر كوهين وهمست: “سيّاف ثقيل، ثابت لكنه غير رشيق.”
التقت السيفان في الهواء، يتحركان في قوسٍ واحد، مُطلقين صريرًا حادًا. الإصغاء إلى شدّة ضربات بعضهما وإيقاعها كان أشبه بحوارٍ صامت بين اثنتين تتشاركان المعلّمة نفسها وفنّ الموسيقى نفسها.
ضرب نصل سيفها معصم أحدهما بطريقة عجيبة، فارتجف سيفه واخترق ذراع رفيقه بضربةٍ مائلة إلى الأسفل.
وكانتا تستعدّان لاقتناص اللحظة المناسبة لقطع إيقاع الأخرى وتوجيه الضربة القاضية. وفي تلك اللحظة خطرَت فكرة لكوهين.
(لحسن الحظ أنهم يحملون سيوف دورياتٍ عادية، وغير معتادين عليها. وإلا…)
(حين يتقاتل سيّدا موسيقى بيغاسوس، من الأفضل للغرباء ألا يتدخّلوا. فمع تغيّر الإيقاع والفرص، لا تدري لمن ستصبّ أفعالك في النهاية.)
على بُعد مترين منهما، تشوّه وجه كروش عند سماع كلمات ميراندا. عضّت على أسنانها وحدّقت في كوهين، ولم يكن في عينيها إلا شعور واحد: الكراهية.
(لكن… حين يتشتّت تركيز الأعداء لأنّ قائدهُم مشغول…)
طنّت أذناه، وارتجّ عالمه كلّه.
شعر كوهين بضعفٍ في زخم هجوم الجنود من أمامه، ورأى تحركهم يتركّز نحو كروش. فاتخذ قراره.
“اللعنة، وفّر قوتك!” صدّ كوهين السيف الطويل الذي انقضّ عليه مرة أخرى، ووبّخ وايا بقسوة، “استخدامك لقوة الإبادة بهذه الطريقة لن يجلب لك إلا الموت من الإرهاق!”
(فرصة!)
لكن قبل أن تبادر ميراندا، حرّكت كروش سيفها الطويل بعكس الاتجاه. لم تدافع، ولم تتفادَ، بل تقدّمت نحو طرف سيف ميراندا—وسدّدت سيفها نحو معصم الأخيرة.
لمّح إلى وايا، ثم اندفع بجسده الطويل إلى الأمام ليهاجم من جديد.
دوّى صوت معدني ثقيل بينما تصدّى كوهين للهجوم.
يتلألأ ضوءٌ أزرق لامع على سيفه وجلده. كان قد فعَّل مجـد النُّجوم، وبأسرع سرعةٍ وقوةٍ يستطيعها سيفٌ، أطلق وابلًا من الهجمات المتتابعة. تناثر الدم في كل اتجاه، دمه ودم أعدائه. اندفع كوهين متجاوزًا ثلاثة رجال في غمضة عين.
“كفّ عن السذاجة، يا كونت كارابيَان المستقبلي!” قالتها كروش بلهجة مفعمة بالكراهية. وبدا أنّ سيفها يشعّ هالة غريبة، فبضربة واحدة أطاحت بزخم هجومه في لحظة.
كان قد تجاوز حتى ميراندا ووايا خلفه، وبالكاد كان على وشك أن يفتح ثغرة في الطوق—
صدّت الضربة القاتلة.
(عليّ فقط أن أُحدث صدعًا، ثم—)
احتكّ القفاز الأسود في يد ميراندا بمقبض سيفها. سألت رفيقتها السابقة بصوتٍ بارد: “كروش، كنتُ أعدّك أختًا لي. والسيدة شارتييه علّمتك عبثًا!”
بأسنانٍ مطبقة، اندفع كوهين بكل ما بقي فيه من قوّة.
(عليّ فقط أن أُحدث صدعًا، ثم—)
في تلك اللحظة، برزت قبضةٌ هائلة فجأة من بين الجموع. لوّح كوهين بسيفه عفويًا بضربةٍ هابطة، لكن القبضة كانت مختلفة؛ إذ غيّرت اتجاهها في منتصف الطريق وضربت جانب نصل كوهين.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بانغ!
راقب وايا المشهد مصعوقًا، ثم انقضّ عليه الأعداء من كلا الجانبين.
على الرغم من أنّ جسده كان يغلي بـ مجد النجوم، فقد عجز كوهين عن تفادي الضربة. توقّف سيفه الطويل في منتصف الحركة.
انحدر طرف سيف ميراندا، واحتكّ بشفرة كروش، ثم اندفع نحو معصمها.
كما لو أن فأسًا يشقّ حطبًا بلا عائق، ثم يصطدم فجأة بلوحٍ من الحديد؛ قوةٌ عظيمة جاءت من الضربة.
استدار العجوز ونظر إلى كروش.
ارتدّ نصل سيف كوهين بقسوة مع صريرٍ حاد، فارتطم بخده الأيسر مصحوبًا بالقبضة الهائلة.
ارتدّ نصل سيف كوهين بقسوة مع صريرٍ حاد، فارتطم بخده الأيسر مصحوبًا بالقبضة الهائلة.
طنّت أذناه، وارتجّ عالمه كلّه.
كان الجنود المرتدون زيّ دوريات المدينة يضيّقون الدائرة حولهم، وأعينهم حادّة.
تناثر الدم من وجهه، واحمرّت رؤيته. تراجع مترنّحًا، ولم يعد لديه وقتٌ للتفكير.
قالت ببطء، “بالطبع، عمّي كاسلان… بالطبع.”
(تلك الضربة… كانت… لا… لا!)
وفي غشاوة الألم، تمتم دون قدرة، “اهربي… خصمٌ كهذا… نحن… لا نستطيع…”
سقط كوهين على الأرض، يختنقه يأسٌ مرير. رفع سيفه بيده اليمنى لا إراديًا، لكن يدًا ضغطت بقوة على يده، ثم ضغط الخصم بيده الأخرى على كتف كوهين وفتله.
نهض رجلٌ مقنّع بقناعٍ فضي، مغطّى بالجراح، ينفض الأنقاض عن جسده.
سناب!
هاجم كوهين بكل قوّته. لم يتزعزع هجومه، وبدا واثقًا على نحو غريب. صرخ بغضب نحو القائدة وسط الحشود: “من أجل انقلاب لامبارد، خنتِنا وخنتِ برج الإبادة؟”
“آه!” تفجّر الألم من كتفه، وقد خُلِع كتفه الأيمن.
لقد قلدوا تشكيلات وحدات الفرسان، واستعملوا أسلوب الاندفاع المعياري الذي يسمح لهم بإسقاط خصومهم. وفي تلك اللحظة، أدركت ميراندا تحركاتهم.
كلانغ!
استدار كاسلان واختفى بين ضباب الفجر. وكذلك استدارت كروش وجمعت رجالها. وبعد قليل، انسحب جنود منطقة الرمال السوداء من بين الأنقاض. كأن شيئًا لم يحدث.
سقط سيف كوهين—ميراثُ عائلته—على الأرض.
بعينين مفتوحتين على اتساعهما، لاهثًا، حدّق رالف متتبع الريح الشبح نحو الاتجاه الذي غادر منه جنود منطقة الرمال السوداء. بدا وكأنه لا يستطيع تصديق ما جرى للتو.
حدّق وايا مذهولًا بما يحدث أمامه. لقد هُزم كوهين بالكامل على يد الوافد الجديد في لحظة.
تدحرج سيف ميراندا على الأرض.
فعّل الشرطي قوّة الإبادة محاولًا المقاومة الأخيرة، لكن مرفق خصمه كان أشدّ الأسلحة رعبًا، إذ هَوَى بقسوة على الجانب الأيسر من ظهره.
أمسك بذراعه المكسورة، وبصدمةٍ ما تزال تشتعل في ملامحه، خرج متسلّقًا.
بانغ!
انتهزت كروش الفرصة وطعنت بسيفها الطويل فجأة.
دوى صوتٌ خافت. بدّدت الضربةُ مجد النجوم.
Arisu-san
تجمّد وجه كوهين، وارتجف جسده، وبصق دماً غزيرًا بألم.
“ما يسمى بسيف الكارثة لم يكن سوى قناع. فخّ نُصب من قِبَل إقليم الرمال السوداء باسم برج الإبادة لاستدراجنا من الكوكبة إلى إكستيدت!”
(لا.)
كلانغ!
“لا تتحرك يا فتى،” قال القادم الجديد ببرودٍ ولهجةٍ ثقيلة. “مجد النجوم يبدأ مِن الصدر… ولا أريد أن أحطّم قلبك التالي.”
كان قد تجاوز حتى ميراندا ووايا خلفه، وبالكاد كان على وشك أن يفتح ثغرة في الطوق—
راقب وايا المشهد مصعوقًا، ثم انقضّ عليه الأعداء من كلا الجانبين.
“ومصدر كل هذا… كان كذبتكِ أنتِ، يا كروش!”
مترنّحًا، شعر كوهين بخفةٍ مفاجئة—لقد حمله خصمه على كتفه.
“اللعنة، وفّر قوتك!” صدّ كوهين السيف الطويل الذي انقضّ عليه مرة أخرى، ووبّخ وايا بقسوة، “استخدامك لقوة الإبادة بهذه الطريقة لن يجلب لك إلا الموت من الإرهاق!”
(لا.) اهتزّت رؤيته. (لا.)
ضيّقت ميراندا عينيها وحدّقت في كروش—التي ظلّ وجهها خاليًا من التعبير—وقالت بصوت مرتفع:
شقّ الرجل طريقه عبر ساحة القتال… نحو مكان اشتباك ميراندا وكروش.
“’برج الإبادة يسمو فوق السياسة؟’” صرّت صاحبة الشعر القصير أسنانها ولوّحت بسيفها الطويل مرارًا. كانت تتحرك مع شفرة كوهين، وإيقاع ضرباتها أشبه بعاصفةٍ ثائرة. “كان يجب أن تتخلّى عن هذه الأوهام في اليوم الأول الذي غادرتَ فيه البرج!”
“ميراندا…” تقيّأ كوهين دمًا وقد خارت قواه. “اركضي…”
ارتفع صوت احتكاك حاد بين السيفين.
وفي غشاوة الألم، تمتم دون قدرة، “اهربي… خصمٌ كهذا… نحن… لا نستطيع…”
هاجم كوهين بكل قوّته. لم يتزعزع هجومه، وبدا واثقًا على نحو غريب. صرخ بغضب نحو القائدة وسط الحشود: “من أجل انقلاب لامبارد، خنتِنا وخنتِ برج الإبادة؟”
وفي اللحظة التالية، خيّم الظلام على بصره وفقد الوعي. حدّقت ميراندا بطرف عينها نحو كوهين، ورأته محمولًا على كتف أحدهم. رأت هيئة الرجل… فارتجّ جسدها كلّه.
أكملت ميراندا جملته دون فاصل. “نعم، سيوف الكارثة لم تتآمر مع أي آرشيدوق، ولم تحاول اغتيال الأمير—لقد تعرّضوا للاتهام زورًا.”
انتهزت كروش الفرصة وطعنت بسيفها الطويل فجأة.
وما إن أنهت كلامها حتى فعّل كوهين قوة الإبادة الخاصة به. غمرت “مجد النجوم” جسده موجةً بعد موجة، مما مكّنه من توجيه أكثر من عشر ضربات كاملة القوة بسيفه دون توقف.
كلانغ!
تجمّد وجه كوهين، وارتجف جسده، وبصق دماً غزيرًا بألم.
رنّ صوتٌ معدنيٌّ حاد. انقطع التوازن بين سيّدتي موسيقى بيغاسوس في تلك اللحظة؛ إذ ضربتا في غمضة عين.
“اللعنة، وفّر قوتك!” صدّ كوهين السيف الطويل الذي انقضّ عليه مرة أخرى، ووبّخ وايا بقسوة، “استخدامك لقوة الإبادة بهذه الطريقة لن يجلب لك إلا الموت من الإرهاق!”
ريب!
وبينما كان الخصم يصرخ، اندفع كوهين نحو اليمين، متجاهلًا النصل الذي شقّ ظهره، وتبادل الموقع مع ميراندا. استغلّ قوة اندفاعه، فاصطدم جسده الطويل بالخصم حامل السيفين. تراجع الخصم مترًا كاملًا قبل أن يسقط في حضن رفيقه.
تبدّل وجه ميراندا. اغتنمت اللحظة لتغرز سيفها الطويل في معصم كروش الأيسر، وقد كانت الأخيرة في وضع لا يسمح لها بالمراوغة.
(عليّ فقط أن أُحدث صدعًا، ثم—)
بانغ!
وفي اللحظة التالية، اصطدمت الفارسة بالأرض تحت تلك القوة الساحقة. اضطربت قوّة الإبادة في جسدها، وتعطّلت موسيقى بيغاسوس.
وفي المقابل، أدارت كروش مقبض سيفها وضربت به معدة ميراندا.
راقبت ميراندا خصمها وهو ينزف، ويكتم الألم بين أسنانه، لكنها لم تسلبه حياته. بل تركت رفاقه يسحبونه عائدًا إلى تشكيلهم.
عضّت كروش على أسنانها. ترنّحت ميراندا قليلًا وهمّت بالرد، لكن سيفًا ظهر أمامها بلا صوت، ومن دون أن يعترضه شيء. انضغط نصلُه على كتفها. كان سيف كوهين، ممسوكًا بيدٍ هائلة.
ارتدّ نصل سيف كوهين بقسوة مع صريرٍ حاد، فارتطم بخده الأيسر مصحوبًا بالقبضة الهائلة.
شعرت ميراندا بفيضٍ من قوةٍ هائلة لا نظير لها يتدفّق عبر السيف.
التقت السيفان في الهواء، يتحركان في قوسٍ واحد، مُطلقين صريرًا حادًا. الإصغاء إلى شدّة ضربات بعضهما وإيقاعها كان أشبه بحوارٍ صامت بين اثنتين تتشاركان المعلّمة نفسها وفنّ الموسيقى نفسها.
(هذه قبضةٌ لا مهرب منها.) فكّرت ميراندا.
ما لبث كوهين، العاجز عن تحمّل هجماتها، أن تبادل المواقع مع ميراندا مستغلًا زخم حركته، ثم اندفع ليساعد وايا الذي كان يعاني.
بام!
دفَع كوهين خصمًا بعيدًا وهو يزمّ أسنانه، لكن ذراعه كانت مصابة. “كيف؟ لم أربح نقاشًا واحدًا معها في حياتي… تلك الصبيّة المشاكسة…”
وفي اللحظة التالية، اصطدمت الفارسة بالأرض تحت تلك القوة الساحقة. اضطربت قوّة الإبادة في جسدها، وتعطّلت موسيقى بيغاسوس.
تعالى صوت الحديد المتصادم بلا انقطاع.
تقدّمت كروش بوجهٍ بارد. ركلت سيف ميراندا بعيدًا.
كان الجنود المرتدون زيّ دوريات المدينة يضيّقون الدائرة حولهم، وأعينهم حادّة.
كا-كلينك!
كلانغ!
تدحرج سيف ميراندا على الأرض.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لماذا؟” لم تعد ميراندا قادرة على تحمل القوّة. ظلت مُلقاة على الأرض، تبصق دمًا، ومع ذلك رفعت رأسها بعناد لتحدّق بالوافد.
“اهجموا!”
“لماذا أنت هنا؟” صرخت بالغضب والقهر في وجه الرجل الطويل القوي ذي الشعر الأبيض.
ارتدّ نصل سيف كوهين بقسوة مع صريرٍ حاد، فارتطم بخده الأيسر مصحوبًا بالقبضة الهائلة.
“كاسلان لامبارد!”
وبدلًا من التراجع، اندفع الضابط للأمام، وركل بقوةٍ هائلة ركبة خصمه. وبينما دوّى صوت تحطم العظام، أدار جسده جانبًا وضرب معدة خصمٍ آخر بمرفقه.
كان الواقف أمامها فخر برج الإبادة، القائد الأسطوري لحرّاس النصل الأبيض وصاحب حانة البطل، الملقّب بـ مُزلزل الأرض.
كان قد تجاوز حتى ميراندا ووايا خلفه، وبالكاد كان على وشك أن يفتح ثغرة في الطوق—
لم يتفوّه العجوز بكلمة. بوجهٍ جامد، واصل الضغط على السيف الطويل بينما ما يزال يحمل كوهين على كتفه.
(حين يتقاتل سيّدا موسيقى بيغاسوس، من الأفضل للغرباء ألا يتدخّلوا. فمع تغيّر الإيقاع والفرص، لا تدري لمن ستصبّ أفعالك في النهاية.)
ظلّ يفعل ذلك حتى وصل جنود منطقة الرمال السوداء ليأخذوا ميراندا الغاضبة وكوهين المغمى عليه. وترددت صرخات وايا الغاضبة من بعيد.
تبِعَه وايا عن كثب. وعلى الرغم من أنّ جسده قد أُصيب في موضعين، فقد لوّح بعناد بسيفه ذي الحدّ الواحد وصدّ سيفين كانا يستهدفان ظهر كوهين.
أعادت كروش سيفها إلى غمده بوجهٍ جامد.
“ميراندا…” تقيّأ كوهين دمًا وقد خارت قواه. “اركضي…”
“لقد أرسل الآرشيدوق أمرًا للتو،” قالت ببرود، “إنه بحاجة إلى المساعدة في موقعه.”
كان الجنود المرتدون زيّ دوريات المدينة يضيّقون الدائرة حولهم، وأعينهم حادّة.
استدار العجوز ونظر إلى كروش.
“كيف نحمي المؤخرة؟ إنهم في كل مكان—”
“كانت هناك امرأة رشيقة اقتحمت ساحة القتال وأنقذت ذلك الفتى.” هدّأت أنفاسها. “من الفئة الفائقة.”
عضّت كروش على أسنانها. ترنّحت ميراندا قليلًا وهمّت بالرد، لكن سيفًا ظهر أمامها بلا صوت، ومن دون أن يعترضه شيء. انضغط نصلُه على كتفها. كان سيف كوهين، ممسوكًا بيدٍ هائلة.
مضطربة من شدّة المعركة، عدّلت كروش ثيابها. وامتزج في نظرات العجوز حزنٌ عميق وهو يراقب ميراندا وكوهين يُسحبان بعيدًا.
كان الجنود المرتدون زيّ دوريات المدينة يضيّقون الدائرة حولهم، وأعينهم حادّة.
بعد ثوانٍ، قال كاسلان بوجهٍ ساكن، “لا تؤذوهما.”
وفي الوقت ذاته، انخفضت ميراندا وانحنت بهدوء، وانزلقت قرب صدر كوهين لتأخذ موقعًا على اليسار.
امتلأت نظرته بسكونٍ يشبه الموت. رفعت كروش رأسها وحدّقت في عينيه.
كانت ضربة كروش الثالثة كأنها سيمفونية مُفعمة بالشغف، لها افتتاحية والتواء وخاتمة، وقد حاصرته تمامًا داخل لحنها القاتل… عاجزًا عن الإفلات منه.
قالت ببطء، “بالطبع، عمّي كاسلان… بالطبع.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
استدار كاسلان واختفى بين ضباب الفجر. وكذلك استدارت كروش وجمعت رجالها. وبعد قليل، انسحب جنود منطقة الرمال السوداء من بين الأنقاض. كأن شيئًا لم يحدث.
يتلألأ ضوءٌ أزرق لامع على سيفه وجلده. كان قد فعَّل مجـد النُّجوم، وبأسرع سرعةٍ وقوةٍ يستطيعها سيفٌ، أطلق وابلًا من الهجمات المتتابعة. تناثر الدم في كل اتجاه، دمه ودم أعدائه. اندفع كوهين متجاوزًا ثلاثة رجال في غمضة عين.
بعد دقائق…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كريك. كريك. رول!
من دون أن ينتبه، كان وايا قد شكّل مثلثًا مع بذرتي برج الإبادة. واجه كروش، وعن يساره كوهين، وعن يمينه ميراندا.
انهمر حطام الحجارة على الأرض بصوتٍ متزايد.
“ما يسمى بسيف الكارثة لم يكن سوى قناع. فخّ نُصب من قِبَل إقليم الرمال السوداء باسم برج الإبادة لاستدراجنا من الكوكبة إلى إكستيدت!”
وأخيرًا، اخترقت يدٌ واحدةٌ أكوام الركام.
أمسكت بسيفها بكلتا يديها، وأدارت شفرته في قوسٍ مستندةً إلى النقطة التي صدّ فيها كوهين، ثم، وهي تغيّر اتجاه الضربة، وجّهت طرف السيف نحو وجهه.
نهض رجلٌ مقنّع بقناعٍ فضي، مغطّى بالجراح، ينفض الأنقاض عن جسده.
ذلك لأنّ ميراندا كانت تحمي ظهره، وهي التي كانت دائمًا تهاجم بسيفها الطويل في اللحظة الحاسمة، لتجعل ضرباتها أشدّ فتكًا.
أمسك بذراعه المكسورة، وبصدمةٍ ما تزال تشتعل في ملامحه، خرج متسلّقًا.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
بعينين مفتوحتين على اتساعهما، لاهثًا، حدّق رالف متتبع الريح الشبح نحو الاتجاه الذي غادر منه جنود منطقة الرمال السوداء. بدا وكأنه لا يستطيع تصديق ما جرى للتو.
حدّق كوهين بالفتاة غير المتوقَّعة أمامه، ونظراته مليئة بالصدمة وعدم التصديق. “كروش، لماذا؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“عرضٌ منفرد؟” قالت كروش بحنق. “يبدو أنك لم تشاهدي ما يكفي من العروض المسرحية، يا ميراندا آروند!”
“لا تتحرك يا فتى،” قال القادم الجديد ببرودٍ ولهجةٍ ثقيلة. “مجد النجوم يبدأ مِن الصدر… ولا أريد أن أحطّم قلبك التالي.”
